كتاب الصرف
الصرف: بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوسٍ، من صرف دراهم
الجزء: 5 - الصفحة: 155
بفلوس، والأصل الحقيقة، وكره مالك العمل به، جنسه الإباحة وهو ظاهر الأقوال والروايات فيه.
العتبي: كره مالك العمل به إلا لمتقٍ.
ابن رُشْد: وقليل ما هو.
العتبى عن أصبغ: يكره أن يستظل بظل صيرفي.
وروى الشَّيخ: الصرف من الباعة أحب إليَّ من الصيارفة وقبض عوضيه عقب عقده حسا أو حكمًا واجب، وفي كونه وهو التناجز ركنًا أو شرطًا أو التاجر مانعًا ولو عقد عليه ولم يفعل نظر الأول أقرب لتوقف ماهيته عليه غير خارج عنها، وصرح المازري وغيره بأنه شرط، وقاله ابن محرز، ثم قبل قول ابن القُصَّار وهو غير شرط في صحته والتفريق يبطله، وتمامه موقف عليه كالنكاح يلزم بالعقد وتبطله الردة، وقول المازري.
قال ابن القُصَّار: من شرط صحة الصرف وتمامه القبض والتفريق قبله إلى آخر نقل ابن محرز عنه متناف وعلى كونه شرطًا قبل المازري: قول ابن محرز، لو وزن الصراف الدينار فضاع كان من ربه لعدم انبرام العقد لجواز التأخير.
قُلتُ: وعلى نقل ابن محرز عن ابن القُصَّار يضمنه مبتاعه؛ لأن الأصل عدم المانع، الشَّيخ: روى محمد: إن أعطاك دينارًا من لك عليه دراهم، وقال: اذهب فزنه فتلفه منك، وأباه محمد.
واستشكال كونه شرطًا بأن لازم الشرط محقق وجوده دون مشروطه كالحياة والوضوء وهو غير كائن في التناجز، والعقد ضرورة تقدم العقد عليه يرد بأن
الجزء: 5 - الصفحة: 157
المشروط الصرف الصحيح وهو متأخر عن التناجز.
وفي كون الفلوس ربوية كالعين ثالث الروايات يكره فيها، خرج اللخمي الأولين على تعليل ربا العين بالثمنية وتعبده، والمازري على تعليله بالثمنية أو غلبيتها رادًا قوله بالإجماع على تعليلها.
قُلتُ: لعل اللخمي يريد المتعدية، والخلاف فيها لا ينافي الإجماع على مطلق التعليل لثبوته بالقاصرة، وتعليل اللخمي والمازري بالثمنية تعليل بغير منعكسة لثبوت الربا في مادتهما وهو نص قوله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب ربا ...» الحديث فيكون خلاف إجماعهم على تعليل محل النص، وقول الباجي العلة كونهما أصل الأثمان يمنع لحوق الفلوس أو يثبته في مادتها، والصواب: أن القولين بناء على تعليل الربا في العين إما بالثمنية أو مادة غلبيتها على القول بعلتين مستقلتين وإما بغلبيتها أو مادتها.
وعقده على تأخير بعض عوضه يفسده، المازري هذا معروف المذهب إلا ما خرجناه من الخلاف في العقد على حلال وحرام وعقده على مناجزة عوضيه إن تأخر اختيارًا غير أقل أحد عوضيه تأخيرًا غير يسير فسد، وإن تأخر أقله انتقض فيما تأخر، وفي أصغر مقابله إن استقل، وإلا ففي كله كتأخر درهم في صرف دراهم بدنانير متماثلة الصفة مختلفة القدر يبتقض في الدرهم وأصغرها.
وفيما قبض طرق:
المازري: عن بعض أصحلبنا البغداديين كتأخر كله؟
ابن رُشْد: قولان لمحمد معها، وله عن ابن القاسم.
ابن محرز: قال محمد عن من لم يسمه: إن نقصت مائة دينار صرفت دينارًا، فأخره به، انتقض صرفه فقط، محمد؛ بل كلها، فإن نقصت نصفها انتقض كله كمبتاع مائة قفيز قمحًا لم يجد إلا نصفها له رده، أصبغ: ينتقد كل الصرف، وإن لم يعجزه إلا خروج آخره بها، وقياسه ليس بشيء؛ لأن ذلك عيب لا صرف.
الجزء: 5 - الصفحة: 158
قُلتُ: عزا الصقلي ما نقله محمد عن من لم يسمه لابن القاسم.
ابن محرز: قول محمد وأصبغ: هو قول مالك فيها، وقوله في نقص نصفها خلاف قولها: من وجد نصف مائة دينار ردية نقض فيها فقط، وقولهم: من باع سلعتين متكافئتين، استحقت إحداهما أوردت بعيب، لا خيار له في نقض بيع الأخرى لرده نصف ثمنها، وقد بفرق بين هذا وبين الصرف بأن الثمن في غير الصرف في غير الذمة معين، وفي الصرف متعين فأشبه الطعام، ويلزم عليه أن المكيل والموزون من العروض كذلك، ولعلي أبسط هذا في كتاب العيوب.
قُلتُ: تبعه المازري حتى في إلزام المكيل والموزون ووعد ببسطه في الاستحقاق، وفيه نظر؛ لأن اللازم المذكور المنصوص خلافه؛ ولأنهما قالا: النصف في العروض يسير وفي الطعام قولا أشهب وابن القاسم.
وفي العين قال ابن القاسم: كثير ولا نص فيه لأشهب، وظاهر المدَوَّنة إنه يسير لقولها: (إن وجد نصفها زيوفًا لزمه ما سواه).
قُلتُ: وقياسهما تعذر قبض نصف العين على استحقاق نصف الطعام، وكون نصف العين زيوفًا بعيد عن تحصيلهما؛ لأن تأثير تعذر قبض النصف في الصرف إنما هو في إيجابه تأخير معتبر من الصفقة يبطل المناجزة التي هي حق لله تعالى، وتأثيره في الاستحقاق إنما هو إبطال المقصود من الصفقة الذي هو حق لآدمي، وقياسهما تأخير القبض على الاطلاع على عيب ببعض العوض بعد قبضه كذلك لوضوح الفرق بين ما قبض عوضه، وما لم يقبض، وبه يتضح قول المدَوَّنة إن تأخر يسير العوض بطل كل الصفقة، وإن اطلع على عيب به، انتقض فيه فقط، وقد أشار أَصْبَغ إلى هذا حسبما نقله ابن محرز عنه.
وفي كون القولين بإبطال كل الصفقة أو المؤخر فقط بناء على عموم عوضية المؤخر في كل المقبوض، وقصره على ما يعدله فقط أو على تهمتهما على العقد عليه، وسلامتهما منها: طريقًا المازري وابن رُشْد مع اللخمي.
وفي يسير التأخير طرق:
اللخمي: في خفته وكراهيته قولان لرواية محمد: من صرف دراهم بدينار، وقال:
الجزء: 5 - الصفحة: 159
اذهب إلى الصراف لير ويزن، لا بأس بما قرب منه، وقوله فيها: أكره أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه ثم يخرج الدراهم؛ بل يدعه حتى يزن فيأخذ ويعطي.
عياض: اختلف في يسير التأخير، في الموَّازيَّة جوازه وفي المدَوَّنة: ما يدل على القولين.
ابن رُشْد: سمع ابن القاسم أرجو أن لا بأس بقول من صرف دنانير بدراهم.
اذهب زنها عند الصراف وأره وجوها إن قرب ولمصارفته على ذلك، وقول بعضهم هذا خلاف كراهته فيها أن يصارفه بمجلس، ثم يزنان بآخر مردود بأن كراهته لقيامهما بعد العقد قبل القبض ولا ضرورة له، والأولى بعده لضرورة عدم تمييز غالب الناس النقود.
قُلتُ: يعضده قول محمد: روى محمد ابن وَهْب منع مبتاع حلي أن يقوم لصراف يعطيه ثمنه، وفي الواضحة: إن نزل رد، وكره ابن القاسم لمن وزن ألف درهم صرفًا أن يزن أخرى لعاقده قبل عوض الأول وقول سند: أباح مالك القيام من المجلس للقبض فيما هو فيه حكم المجلس لا أعرفه.
المازري: المفارقة قبل قبض أحد العوضين تبطله إجماعًا، وقول ابن شاس: المفارقة قبل التقابض إن بعدت اختيارًا أبطلت، وكذا طول في المجلس وإن لم يفترقا، وإن قربت فالمشهور الإبطال والتصحيح في الموَّازية، وقول ابن الحاجب: المفارقة اختيارًا تمنع المناجزة، وقيل: إلا القريبة يقتضي وجود القول بالصحة في قريب مفارقة أحدهما الآخر قبل مطلق القبض، وإن لم تكن لتمام الصرف ولا أعرفه ولا يؤخذ مما تقدم، وفي تأثير المفارقة غلبة طرق.
اللخمي: ثالثها: إن غلبا معًا كظهور زائف قلبه، ثالث لهما لتخريجه على منع بدل الزائف بتدليس دافعه، ورواية ابن القاسم لزوم بيع قلادة لؤلؤ وذهب على النقد قوم مبتاعها لؤلؤها وباع ذهبها، فوضعت فأراد فسخها لتأخيره، ونقله، وفسر الثاني بأن المغلوب لو أراد الفسخ دون غالبه فسخ.
الصقلي وغيره: قولان لرواية ابن القاسم: يفسخ ابتياع قصيل ندم مبتاعه ومنع
الجزء: 5 - الصفحة: 160
الإقالة؟ فقال: أؤخره ليتحبب فيفسخ فأخره بالخصومة فتحب ورواية القلادة.
ابن عبد الرحمن، وابن رُشْد: مؤثر لظاهر الروايات مأولين رواية القلادة بيسارة الذهب وأولها ابن زرقون بفوتها: ولزمه الثمن دون القيمة لتهمة مدعي فوتها إسقاط فضل الثمن عليها كضمان مبتاع ثوب بخيار أتلفه وسبقه المازري بحكايته، وقال: هذا تعسف وروى محمد: تأثير تأخيرهما لليل غشيهما.
اللخمي: لأنه اختياري لعقدهما قربه إلا أن يعقداه لما يسعه قبله، فنزل ما أخرهما إليه.
ولو وكل على قبض ما عقده فقبضه بحضرته فطريقان:
ابن رُشْد واللخمي: عن المذهب لا يفسد.
زاد ابن بشير: ويكره.
المازري عن ابن القاسم: لا خير فيه، أشهب: لا يفسخ.
ابن وَهْب: لا بأس به.
فأخذ بعضهم من قول ابن القاسم: اشتراط كون القابض العاقد.
قُلتُ: هذه الأقوال معزوة لقائلها إنما ذكرها الباجي في الحوالة حسبما يأتي فالله أعلم بالصواب.
ولو قام قبل قبضه فطرق: المازري: لا خلاف منصوص في فسخه، وحمل بعض أشياخ المذهب على الكراهة لحصول المناجزة.
قُلتُ: هو اللخمي واستدل بأن الوكالة على الدفع والقبض مع حضوره لا تفسده فكذا مع الافتراق؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «هاء وهاء» إن حمل على المناجزة فقد حصلت، وإن حمل على كون العاقد الدافع، لزم فساده مع حضوره.
قُلتُ: اللازم حق على ما نقله المازري عن ابن القاسم، والعجب أنه ذكر استدلاله هذا ولم يتعقبه بهذا على أن في نقله نظرًا يأتي.
ابن الحاجب: لو وكل في القبض وغاب فالمشهور: المنع، وفي غيبة النقد المشهور: المنع.
ابن عبد السلام: أي صرف ووكل من يقبض والمقبوض غائب، وهي مسألة
الجزء: 5 - الصفحة: 161
المدَوَّنة والأولى تغني عنها.
قُلتُ: ليس فيها ذكر كون المقبوض غائبًا بحال ولفظها: قلت إن أتيت من صرف لي صرفًا وكلته عليه؟ فقال لي: اقبض دراهمك من هذا، وقام، قال: لا خير فيه كقول مالك: لا يصلح أن يصرف ثم يوكل من يقبض له، ولا أحب ذلك؛ لكن لفظها مطلق في الصورتين، فيحتمل كون ابن الحاجب نبه على عمومها فيهما فذكر الصورتين تفصيلًا ويحتمل حمل الثانية على حضور الموكل، وحصر الغيبة في النقد أو حمل الأولى على القبض فقط، والثانية عليه وعلى الدفع، وكذا نقل اللخمي عن المدَوَّنة مع أن لفظها ليس كذلك حسبما تقدم اللخمي عن الموَّازية: لو صرف رجلان دراهم بدينار بينهما فوكل أحدهما الآخر على قبضه فلا بأس والحلي كذلك.
ابن رُشْد: إن وكل أحدهما صاحبه على قبض ما عقداه، وذهب قبل قبضه، ظاهر سماع عيسى ابن القاسم: جوازه، وسماعه أَصْبَغ أبين في جوازه، وهو نص سماعه أبا زيد.
وفيها: لا يجوز في الأجنبي، وثالثها يجوز في الشريك لتخريج بعضهم جوازه في الأجنبي، وتخريجه منعه في الشريك، وتفريق بعضهم بأن يد الشريك كشريكه والصواب هما سواء.
الباجي: إن صرف رجلان دينارًا بينهما من رجل ثم وكل أحدهما صاحبه على قبض الدراهم، وذهب قبل قبضها فقال محمد عن ابن القاسم: جاز إن قبض قبل أن يفارق الصراف وكذا الحلي.
ابن زرقون: أجاز هنا مفارقة الموكل قبل قبض الوكيل فأحرى في الإقالة من الطعام، وقال سَحنون: لا يجوز في إقالة، ولا صرف، وفرق ابن القاسم في المدَوَّنة فأجازها في الإقالة في السلم الثالث، وقال في الصرف: لا يجوز.
اللخمي: في المواعدة فيه ثلاثة:
ابن القاسم ومالك: تكره.
أصبغ: تفسخ كمواعدة معتدة في عدتها على نكاحها.
ابن نافع: يجوز، وهو أحسن؛ لأن المنع في العدة؛ لأن المواعدة فيها ذريعة
الجزء: 5 - الصفحة: 162
لتعجيله، وتعجيل عقد الصرف جائز، والثلاثة جارية في المواعدة على بيع الطعام قبل قبضه، ورده ابن بشير برده على أصبغ؛ لأن تعجيل العقد على الطعام قبل قبضه لا يجوز كالنكاح في العدة.
قُلتُ: وفي رد ابن بشير نظر؛ لأن المواعدة إنما هي على مقبوض مؤخر عن وقت المواعدة فإن فرض تعجيله مجزًا فرض كون الطعام مقبوضًا.
وروى محمد: إن راضاه ثم أرسل معه من ينقد ويقبض لم يعجبني.
وفي الحوالة في الصرف طرق:
المازري: لا تجوز.
اللخمي: لأن معناها: إنا برئ من دينك بما لي قبل الصيرفي.
ابن بشير والتونسي: إن ذهب المحيل قبل القبض فسد وإلا كره.
الباجي: إن أحال على الدراهم من يقبضها ثم فارقه قبل قبضها لم يجز اتفاقا، وإن قضاه قبل مفارقة المصارف له، فقال محمد عن ابن القاسم: لا خير فيه، ولو أحال ببعض الدراهم، وروى زيد بن بشر عن ابن وَهْب: لا بأس به، وقال أشهب: لا يفسخ إلا أن يفارقه قبل قبض المحال الدراهم، ثبت دين المحال عليه قبل عقد الصرف أو بعده.
قُلتُ: وهذه الأقوال التي ذكرها المازري في الوكالة معزوة لهذه القائلين، ولم أجدها في النوادر، وذكر فيها عن محمد عن ابن القاسم: من صرف دراهم ثم باعها قبل قبضها جاز إن قبضها ودفعها لمبتاعها منه، وإن أمر الصراف بدفعها لم يجز، ثم ذكر عن محمد قال مالك: إن صرفت دينارًا بعشرين درهمًا قبضت عشرة، وأمرته بدفع عشرة لمن معك من ثمن سلعة لم يعجبني حتى تقبضها.
ابن القاسم: وكذا في جمعها، أشهب: إن لم يفارقه حتى قبضها المأمور، لم يفسخ وإلا فسخ اتبعت السلعة قبل الصرف أو بعده.
ابن رُشْد: إن قبض المحال مكانه قبل مفارقة المحيل، أجازه سَحنون، وسمع ابن القاسم منعه وقاله.
والخيار فيه شرطًا لا يجوز:
الجزء: 5 - الصفحة: 163
ابن رُشْد: اتفاقًا.
اللخمي: روى ابن شعبان جوازه بناء على أنه قبل إمضائه إن أمضى منعقد أم لا المازري روى ابن شعبان القولين، والمشهور المنع.
عياض: في الموَّازيَّة ما يشير إلى الخلاف وهو نص الزاهي.
ابن رُشْد: إن كان لهما فتمماه معًا مناجزة مضى، وروى محمد خفة اشتراء سوارين يريهما أهله فإن رضوهما، رجع فاستوجبهما فأخذ.
اللخمي منه: الخيار.
المازري: تأويلهما بقرب أهله تعسف، ورده الباجي باحتمال كونه وعدًا.
والخيار الحكمي في إجازته نقلا اللخمي عن ابن القاسم في وكيل على قبض دينار أخذه صرفًا يجوز إن رضي به مع قوله فيها: لمن أسلم وكيله على سلم دينار في طعام أسلمه فيه بعد صرفه لا نظرا، أخذ الطعام، ومحمد في منع أخذ مودع ما صرفه له مودعه تعديًا، قال: وتباع الدراهم بدنانير والفضل لرب الوديعة والنقض على المتعدي.
الصقلي: تعقبه بعض الفقهاء بتنافي أخذ ربح الدراهم ومنع أخذها وأجاب المازري بأن أخذ ربحها، إنما هو لإقرار المتعدي به له بصرف حكم ببته، والممنوع أخذها بحكم صرف مخير فيه قال: وبه يرد أخذ بعض الشُيُوخ الأول من مسألة وكيل السلم.
قال اللخمي: ويؤخذ الأول أيضًا من قول ابن القاسم فيها: من اشترى بحنطة وديعةً عنده لنفسه تمرًا لربها أخذه ففرق بين الطعام والدنانير، فرأى الطعام تختلف فيه الأغراض، خلاف جعله في: كتاب الوديعة، إذا تسلفه أو خلطه بغيره كالعين وعليه يكون التمر للمودع، ويغرم مثل القمح لربه، قال الصقلي: على الأول حمل ابن أبي زَمَنَيْن المدَونَّة، وصوبه بعض أشياخنا، واستدل بقولها في مسألة وكيل السلم، وعن أشهب: لا يجوز لرب الطعام أخذ ما باعه به مودعه من تمر لربه، وصوبه محمد وقال: يشترى بالتمر قمح وفضله لربه، أشهب: وإن باعه بتمر لنفسه، فلربه أخذه أو مثل قمحه، وقال بعض أصحابنا: قول محمد وأشهب، خلاف المدَوَّنة، ومحملها: أن
الجزء: 5 - الصفحة: 164
المتعدي أضمر كون الشراء والصرف لربه، ولو أظهره لم يجز؛ لأنه عقد خيار، والفرق بين منع رب الوديعة أخذ ما ابتاعه بها مودعها لنفسه، وهي عين بخلاف كونها عرضًا أو طعامًا، إن الشراء بالعين شراء على الذمة لا على عينها بخلافهما؛ لأنفساخ البيع باستحقاقهما، وتمامه في استحقاق العين بلزوم عين أخرى.
الصقلي: ولأنه إن أخذ عرضه انتقض البيع، وإن أخذ عينه لم ينتقض.
قُلتُ: هذا هو نفس الأول وهو يرد مناقضة.
اللخمي: قول ابن القاسم في مسألة الثمر والوديعة، وسمع القرينان: من وكل على صرف فصرفه من نفسه كرهته ولا أجيزه؛ لأنه صرف فيه استئجار.
ابن رُشْد: خففه في رواية أشهب من كتاب البضائع.
وقال ابن أبي حازم: ما كان الناس يشددون هذه الشدة.
ابن رُشْد: لأن الخيار الحكمي أخف من الشرطي يصح إمضاء السيد نكاح عبده دون إذنه، وإمضاء الوصي نكاح يتيمه دون إذنه مع أن الخيار في النكاح لا يجوز، وسمع أبوزيد: من وكله ذو تبر على بيعه وذو دنانير على شراء تبر بها فاشترى بها دراهم ثم باع التبر بها من نفسه لا يصلح فعله إلا أن يحضر دراهم ذي الدنانير عند ذي التبر فيصارفه.
ابن رُشْد: مثله له في الموَّازية، وسمع منه عيسى جوازه، ورواه محمد وقول ابن دحون: كرهه لاحتياج الصرف لدافع ومدفوع له، يرد بإمكانه من واحد كإنكاح ولي وليته من نفسه؛ بل ذلك لعدم بذله وسعه في المكايسة لكل منهما فيجب لكل منهما الخيار، وأخذ بعض الورثة من تركتهم حليًا قدر حظه منها فأقل، ليحاسب بما زاد على حظه منه لا يجوز.
الباجي: إلا بتنجيز قسمها في المجلس؛ لأنه لو تلف سائرها اتبع فيما أخذ.
قُلتُ: لأنها يرجع عليهم فيما صار عليه، أي: في ثمن ما أخذوه وهو نفس ما قاله الباجي، وقول عياض: (عليهم) بمعنى: لهم تكلف لا يحتاج له، ومقتضى الرجوع في عين ما أخذوه وليس كذلك.
وحاصله: أنه لو كان ما أخذه قدر حظه فأقل، كما عجل عوضه ليقسم لما رجع آخذ حلي هو بعض حظه على غيره، الآخذ أكثر منه دون حظه في تلف باقي التركة
الجزء: 5 - الصفحة: 165
واللازم باطل.
الباجي: روى العُتْبِيّ ومحمد: لو عجل عوض ما زاد على حظه مما أخذ جاز، وفي الموَّازية: إثرها.
خالف ابن القاسم مالكًا في هذه المسألة.
قُلتُ: مخالفته هي شاذ نقل ابن بشير حيث قال: إن أخذ من الحلي قدر ماله وتفاصلوا فيه في الحال فالمشهور المنع لحصول التراخي بتأخير المحاسبة.
قُلتُ: المحاسبة المؤخرة إنما هي في قسم التركة لا في الصرف.
وقال ابن رُشْد: في رواية العُتْبٍيّ اتفاقًا.
وعقد الصرف على مرئي كمال وعلى حاضر غيره جائز وعلى دين يتأخر، ثالثها: إن حل لإسماعيل وأشهب مع أبي عمر عن ابن وَهْب، وابن كنانة والمشهور.
وفيها: إن بعت دراهم على رجل حالة بدنانير من رجل آخر، جاز إن قبض النقد يدًا بيد.
قُلتُ: لعله مراد ابن الحاجب بقوله: والصرف على الذمة، لعطفه عليه صرف الدين الحال والمؤجل، وحمله ابن عبد السلام على القدر المشترك بين صرف ما في الذمة قال: وهو الملزوم تقدم عمارتها على عقد الصرف، وبين الصرف على الذمة.
قال: وهو عكسه وهي مسألة السلف الآتية تكلف لا يخفى فإن قلت: يناقض قول صرفها قول التهذيب في هباتها من لك عليه دراهم حالة فأحالك على دنانير له على رجل هي كصرف دراهمك وقد حلت لم يجز.
قُلتُ: ليست كذلك في المدَوَّنة؛ بل نصها: (قلت: وكذلك لو كان لرجل على رجل دراهم حلت فأحاله على غريم له عليه دنانير حلت وهي صرف تلك الدنانير الدراهم، لم يجز في قول مالك؛ لأن هذا بيع الدنانير بالدراهم مثل ما ذكرت لك في الدراهم إذا فسخها في طعام لا يقبضه؟ قال: نعم).
قُلتُ: فمعنى مسألة الهبات: إذا لم يتعجل قبض الدراهم لتشبيهه إياها بطعام لا يقبضه ولقوله: (لأن هذا بيع الدنانير بالدراهم)، ومعلوم أن بيعها بها غير ممنوع إلا مع التأخير، ونقلها الصقلي معكوسة فقال ما نصه: قال مالك: (من لك عليه دراهم حالة
الجزء: 5 - الصفحة: 166
فأحالك على دنانير له على رجل، وهي كصرف دراهمك لم يجز حلت أم لم تحل، وكذلك لو فسخت دراهمك في طعام ولم تقبضه، ولو تسلفا النقدين عقب عقدهما ناجزًا) ففيها: لا خير فيه ونقل سند كره، وجوزه الأكثر غير التونسي: إن اعتقد كل منهما أن نقد صاحبه معه لا أعرفه، ولو تسلفه أحدهما فقط ناجزًا كحل الصرة فقولان لأشهب وابن القاسم فيها، الصقلي عن سَحنون: الأولى خير من التي تحتها وفي كون قول ابن القاسم ولو علم الواجد فقد وإن لم يعلمه، نقلاه عن بعض الشُيُوخ وبعض الفقهاء.
زاد ابن محرز عن بعض المذاكرين؛ لأنه فساد علمه أحدهما فقط.
الصقلي: فرق ابن الكاتب بين الأولى والثانية بإقرار كل منهما بموجب فسخه، وهو الفقد بخلاف الثانية أو يكذب الواحد المتسلف في دعواه الفقد لتهمته على إرادة الفسخ وقاله الباجي.
ابن محرز: وتعليله بعضهم بكونه على غير معين وهو ملزوم لبدل الزائف الممنوع يلزمه في تسلف أحدهما، وفرق بأن تسلف أحدهما أبعد عن عروض التأخير، ورده ابن عبد السلام، بمنعه لسعة زمن تسلف أحدهما سلفها يرد بأن مراده أن تسلفهما أقرب لكونه مظنة للتأخير لا أن زمنه أطول من زمن تسلف أحدهما، وإنما كان أقرب؛ لأن سلف أحدهما معروض للتأخير، فكلما تعدد معروض التأخير وكلما تعدد المعروض كان حصول العارض أقرب.
والمغضوب المصوغ الغائب عن غاضبه:
المازري: يمنع صرفه؛ لأنه تفاضل إن كان فائتًا وتأخيرًا إن كان قائمًا لغيبته.
ابن بشير: إن علم بقاءه بحاله فكالرَّهن وإلا لم يجز، وشاذ قول ابن الحاجب: إن غاب، فالمشهور: المنع لا أعرفه منصوصًا؛ بل مخرجًا كما مر وإثباته.
ابن عبد السلام: بتخريجه على إجازة ابن القاسم بيع الجارية المغصوبة البعيدة الغيبة من غاصبها بشرط النقد الملزوم كون المضمون مقبوضًا، سلمناه؛ لكن شرط قبض الصرف حضور المقبوض المعين، ولذا منع ابن القاسم صرف الوديعة وتم هبتها بالقبول.
ابن شاس: إن تغير بما يخير ربه منع صرفه لغيبته، وصرف قيمته يمنع إن عد
الجزء: 5 - الصفحة: 167
المخير منتقلًا وإلا جاز، وإن اختلف صار دينًا، وفي كونه قيمته أو وزنه قولان: للمشهور، وغيره، فيجري صرفهما على صرف ما في الذمة.
قُلتُ: الأول: نص غصبها، والثاني: لا أعرفه إلا لعبد الحق والصقلي عن سَحنون في مسألة حلية السيف، وللصقلي عن محمد عن أشهب ومالك غرم مثله وعزاه اللخمي لأحد قوليه ويبعد كون الآخر، الوزن لظلم المغصوب في لغو حقه في الصياغة فيترجع حمله على قيمته، وإن كان مسكوكًا ففيها: (يجوز؛ لأنه دين عليه بضمانه)
الباجي: هذا زعم الغاصب أنه أفاتها صح صرفها، وإن زعم أنها باقية ببيته، فإن قلنا لا تتعين، وإن له رد غيرهما دونها فكذلك إن التزم رد مثلها، وإن ألزمناه رد عينها، ولم يرض ربها إلا بعينها فهذا مما ينظر فيه نتكلم عليه في صرف الوديعة.
قُلتُ: هذا قريب من قول الباجي، ورده ابن بشير في (التنبيه) فإنا ولو قلنا بتعيينها، فإنها لا تعرف بعينها، وبغيبته عليها تعلقت بذمته فلا يمنع تعيينها صرفها.
زاد ابن شاس عنه: وبأنه لو أراد الغاصب إعطاءه غير عينه، فإن افترقا في الحل والتحريم أو الشبهة فلربها أخذ عينها اتفاقًا وإلا فالمشهور كذلك.
والرَّهن لا المسكوك في جواز صرفه غائبًا، ثالثها: يكره، للخمي عن أشهب وابن القاسم ورواية محمد، وذكرها اللخمي في الرَّهن المسكوك وتوجيهه قول أشهب؛ لأنها مقبوضة له، وهي على أصله في ضمانه، ولو قامت بينه بضياعها فوجب كون المصوغ كذلك.
وعزا الباجي الأول لرواية محمد بزيادة لضمان المرتهن قال: وعليه يجوز في العارية، وذكر اللخمي الثلاثة في الوديعة قال: ولو شرطا ضمانها من ربها حتى يقبضها المودع لم يجز، ولو شرطا عكسه، جاز اتفاقًا فيهما، والخلا حيث لا شرط، وقبله المازري ولم يذكر غير قولي ابن القاسم وأشهب، وخرجهما على وقف انتقال ضمانهما على قبضهما، وحصوله بالعقد، وعزا الباجي الأول لرواية أشهب قال: فرأى أنه لما كان للمودع سلفها صح أن ينعقد ذلك عند الصرف فتتعلق بذمته، ويجب عليه منعه في الحلي اتفاقًا، وذكره المازري وقال: ما خرجنا عليه الخلاف يوجب التسوية في
الجزء: 5 - الصفحة: 168
المسكوك، والمصوغ ابن الحاجب: والرهَّن والعارية والمستأجر والوديعة إن كان مصوغًا فكالمغضوب، وإن كان مسكوكًا فالمشهور المنع.
قال ابن عبد السلام: عدل عن إيجاز الإخبار عنها بالمشهور المنع للإشارة إلى انقسام المصوغ إلى فائت، وباق ومخير فيه.
قُلتُ: هذا يقتضي تصور الإجارة في المسكوك، وليس كذلك في المشهور مطلقًا، والشاذ مقيد بملازمة المالك فيبطل منع صرفها إن حلا عقد إجارتها وإلا امتنع اتفاقًا للتأخير، ويقتضي تصور العارية فيه، وهي فيه ممتنعة لانقلابها قرضًا حسبما ذكره ابن الحاجب، وغيره وهو نص كتاب العارية منها، وجواب ابن عبد السلام بقوله: لعل معناه إن كان ما يصح ذلك فيه، وحذفه للعلم به بعيد؛ لأنه لو أراده، لقال: فإن كانا لأنهما اثنان: الرهن، والوديعة، وزيادة ألف أهون من حذف ما يوهم حذفه خطأ منها.
وفيها: إن أسقطت عمن أودعته دراهم بعضها على أن يعجل لك سائرها من غيرها لغيبتها لم يجز، ولو عجله منها لحضورها جاز.
وفي صحة الصرف على تصديق دافعه نقده في وزنه أو جودته، ثالثها: إن كان ثقة صادقًا، ورابعها: يكره، للخمي عن محمد عن أشهب مع الباجي عن روايته والمازري عنه، ورواية اللخمي مع الباجي عن الموَّازية: بنقص ولو بان صدقه، وابن رُشْد عن قول أشهب: لا يجوز ولا في تبادل الطعامين، واللخمي وسماع القرينين.
قُلتُ: في أخذ الكراهة منه بعد نصه أيأخذ الدراهم بقول الصراف هي جياد؟
قال: لا، والله.
قيل: لا يبصرهما، ولا معي من يبصرها، وأنت تكره أن يذهب بها ليريها من يبصرها قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا [الطلاق:].
ابن رُشْد: ويمنع أشهب.
قال المخزومي وسَحنون، ومحمد وروي ابن نافع: إجازته في مبادلة الطعامين، وقاله ابن القاسم وعادت كراهته مالك.
ابن زرقون: أجازه ابن القاسم في تبادل الطعامين ومنعه في الصرف، وروى ابن نافع منعه في الطعامين فأحرى في الصرف، وعلى رواية أشهب جوازه في الصرف أحرى
الجزء: 5 - الصفحة: 169
في الطعامين.
ونقص القدر يعلم بالقرب إن رضي أو أتم تم.
ابن رُشْد: إن علم بالغلط أو النقصان جاز أخذ النقصان، وتم الصرف عند ابن ابن القاسم، وقال أشهب: يلزمه، وإن كانت دراهم معينة لم يلزمه إلا أن يشاء، فإن لم يعطه ما نقص أو استحق انتقض الصرف.
الباجي عن ابن القاسم: له الرضى بتركه أو أخذ ما شاء به، فإن تفرقا قبل استيفائه ما نقص ففي انتفاض كل الصرف أو قدر النقص فقط قولا أصبع مع محمد وابن القاسم، وإن بعد العلم به ورضي ففي صحته ثالث روايات.
الشَّيخ: إن قل كدانق، ونحوه ولأَصْبَغ كدرهم من ألف، فحملها الباجي والمازري على ظاهرها، وفي نقل ابن بشير: وتابعه كدرهم من مائة.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من صرف دنانير بداراهم فذهب فوجد الصراف سرق من وزنها أو غلطه فترك النقص خوف نقض الصرف فليس له ذلك ولو قل، وقال قبل ذلك: إن قل كدانق فلا بأس بتركه لذلك.
ابن رُشْد: ليس ذلك اختلاف قول، ومعناه اغتفار ذلك في يسير تختلف فيه الموَّازين لا في يسير لا تختلف فيه الموَّازين، وأشهب يجيزه، ولو كثر النقص، وإن طلب حقه ففي نقض كله أو ما قابل النقص، ثالثها: يصح بقبض ما نقص ناجزًا للمشهور، واللخمي عن محمد: إن نقص أقل الصفقة، وتخريج ابن رُشْد على قول صحة للبدل، وقال الباجي: اتفاقًا.
قُلتُ: ما فرق أقل الصفقة ذكره في الاستحقاق.
والزائف إن رضي به لا بعوض صح:
المازري: اتفاقًا.
قال: وتعقب بإنما وقع العقد على طيب، ولم يقبض والرضا بالزائف بعد ذلك تأخير وأجاب بأن المقبوض على أنه طيب كقبضه لدخوله في ملك قابضه بذلك تأخير وأجاب بأن المقبوض على أنه طيب كقبضه لدخوله في ملك قابضه بذلك، لضمانه الملزوم لاستحقاقه علته فانتفى التأخير، وإن رضي بعوض جائز ففي صحته قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 170
للتونسي مع المازري عن محمد وله مع اللخمي عن ابن شعبان قال: ولو وجد من ابتاع طوق ذهب بدراهم غيبًا به ففي جواز أخذه عنه ذهبًا ثالثها نقدًا لا مؤجلًا لأشهب وسَحنون وقول صلحها وبه احتج ابن شعبان.
قُلتُ: والثلاثة بناءً على أن العوضية عن الخصومة أو عن ما يقابل النقص بالعقد الأول أو أبحاث.
اللخمي: والثلاثة جارية في الصرف، وإن لم يرض به فطرق.
اللخمي: إن كان الزائف من نقد معين فرده نقض فالرضى ببدله جائز اتفاقًا، وإن لم يرض ببدله، ففي نقض كله أو ما يعدل الزائف فقط، ثالثها: كل الصرف للمشهور، والتخريج على صحة صرف بعض الدينار، والتخريج على جعل العقد أولًا على العوضين مسقطًا منهما الزائف من غير معين.
قُلتُ: يريد: وأحد عوضيه متماثلة الصفة.
قال: ففي لزوم نقضه وصحته بأخذ بدله، ثالثها: هذا إن كان كما قلبا واختبر للمشهور، وابن وَهْب مع الليث واللخمي.
وعلى نقضه إن عدل الزائف كاملًا اختص النقض به اتفاقًا، ولو صغر وإن عدل كسرًا ففي نقض أصغرها يستلزمه أو كل الصرف ثالثها إن سمى لكل دينار عددًا، ورابعها: عدله فقط لمالك مع ابن القاسم والعُتْبِيّ عنه والقاضي والتخريج على صرف الجزاء.
المازري: مثله غير ذاكر كون الزائف يعدل كاملًا قال: والنقض في المعين على القول بتعيينه وعلى غيره كغيره، وعزا الثالث أيضًا لإسماعيل والجلاب.
الباجي: إن سمى لكل دينار عددًا والدينار جنس واحد انتقض عدده فقط اتفاقًا، وإلا ففي كونه مثله، ونقض الكل قولان للمشهور، والقاضي.
الباجي: وإن كانت الدنانير قرضًا فقال ابن القاسم: يرد أصغرها ويكمل مع الزائف ما يعادل تلك القرضة، وهذا على كراهة مالك قرض القرضة المضروبة، وعلى إجازته أَصْبَغ يجب أن يقرض منها بقدر الزائف هذا على قولنا بتعيين الدنانير بالعقد، وعلى قولنا لا تتعين يرد له قرضه بقدر الزائف.
قُلتُ: سمع القرينان جواز قطع فضل الدينار من المجموعة المقطعة غير مدورة
الجزء: 5 - الصفحة: 171
عن الثمن لمن لم يجد بدًّا، وابن القاسم كراهته وأصْبَغ منه جوازه مطلقًا.
ابن رُشْد: ويكره في القائمة ولو اختلفت سكك آحاد عوضه، ففي نقض أجودها أو كلها نقلا المازري عن أصْبَغ وسَحنون.
ابن رُشْد: إن اختلفت الدنانير انتقض الكل، وكذا اختلاف أصناف عوضه، الحلي اتفاقًا فيه، ولو اتحد صنف الحلي انتقض جميعه أيضًا إلا أن تستوي أحاده كاستواء الدنانير حتى لا يختلف الأغراض فيه، فيفسخ منه واحد فقط، ولو كان المعيب بعض الحلي ففي نقض الكل أو ما يعدل المبيع سماع عيسى ابن القاسم، من اشترى أسورة وجد برأس منها نحاسًا رد جميعها، ولو كانت مائة زوج، ولو فات بعضها رد ما بقي بقيمته، وسماعه أبو زيد: من ابتاع خلاخل وأسورة كثيرة جزافًا وجد بخلخال منها مسمار نحاس، انتقض ما في الخلخالين بما فيهما فحملهما الباجي والمازري على الخلاف.
الصقلي: الصواب سماع عيسى قال: والفرق بين الحلي والدنانير أنها لا تراد لأعيانها، ولا تختلف قيمتها، والحلي يراد لعينه فأشبه العروض التي لا يقع لكل عرض من حصته على العدد، وإن وقت له ثمن؛ بالتقويم، فلما كان جملة الثمن بجملتها أشبهت الدينار الواحد.
ابن رُشْد: سماع عيسى صحيح إذا لم تكن مستوية، وأمكن اختلاف الأغراض فيها، وإن كانت مستوية لا يمكن اختلاف الأغراض فيها رد ما به النحاس مع صاحبه فقط بمنابه من الثمن وعليه محمل سماع أبي زيد، فلا يكون اختلافًا، وقوله: (إن فات بعضها رد ما بقي) فيه نظر، والقياس إن كان ينتقض كل الصرف إن كانت قائمة أن تنقض، ولو فات بعضها يرد ما بقي، وقيمة ما فات، ويأخذ جميع الدراهم إلا على ما ذكره عبد الحق عن بعض شُيُوخه فيمن اشترى عبدين هلك أحدهما وألفى الآخر معيبًا، رد المعيب بحصته من الثمن، ولو كان أرفعهما؛ لأنه لو رده وقيمة الهالك لانفساخ العقد برد المعيب، فلا يمضي التغابن في الفائت، وكذا مسألة الأسورة.
اللخمي: في جواز الصلح عن الزائف بعين أو عرض مطلقًا أو حتى يتفاسخا قولا محمد وابن شعبان مستشهدا بمسألة الطوق المشترى بدراهم اطلع على عيب به،
الجزء: 5 - الصفحة: 172
وفيه ثلاثة: أجاز ابن القاسم أن يرضيه على بقائه بشيء نقدًا، وأشهب: ومؤجلًا، ومنعه سَحنون بعد الفرقة، وهي جارية في الدينار، وتمامها في الصلح، وقول ابن الحاجب: وشرط البدل الجنسية والتعجيل خلافًا لأشهب فيهما.
يقتضي منعه بعرض مطلقًا، وليس كذلك؛ بل بشرط عدم يسارة العرض المعتبرة في البيع والصرف، ويقتضي عموم قول أشهب وغيرها، وليس كذلك؛ بل شرط الخصومة أن يوقعها بقرينة، ونوقض قولها: يصح الرضى بالزائف بعد المفارقة بقولها: يحنث من حلف ليقضين حقًا لأجل بأن بعد قضائه، إن بعضه زائف، وإن رضي.
ويجاب بصحة تقرر، المناجزة بالزائف؛ لأن رضاه الآن وقوعًا بصرفه لوقت قبضه حكمًا إذ لو رضيه حينئذ صح، وامتناع ذلك في البر؛ لأنه لو رضيه حينئذ ما صح، وفيها لابن القاسم: إن ردت الدراهم لعيبها جاز تأخير عوضها إن ثبت الفسخ بينهما وإلا كرهته، ورأيته صرفًا مستقبلًا.
سَحنون: هذا الربا.
وفي شرط الفسخ بالإشهاد عليه أو الحكم به.
نقل الصقلي عن بعض القرويين وظاهر رواية أشهب، وسمع ابن القاسم: من ابتاع بدراهم مثقال ذهب غير مضروب رد لرداءته لا يعجبني إعطاءه به مثقالًا مضروبًا حتى يفسخ ذلك إذا فسخه فله أخذ ذلك أو دراهم.
ابن رُشْد: لم يبين من يفسخه.
قال أشهب: رضاهما بفسخه كفسخ السلطان، وقال محمد: المعتبر فسخ السلطان.
قُلتُ: فالقول بمجرد الإشهاد ثالث.
ابن رُشْد: وقول مالك: لا يعجبني على أصله إن البدن لا يجوز؛ لأنه إذا لم يجزه بمثله فأحرى بخلافه.
قُلتُ: ظاهر قوله: (لايعجبني)، الكراهة وهو في المخالف فأحرى في مثله، والرضى بالزائف فرع جواز التعامل به.
ابن رُشْد: الدينار المغشوش بنحاس، وفيه منتفع به لا يحل بيعه ممن يعلم غشه به، ويكره ممن لا يؤمن غشه كالصيارفة وشبههم.
الجزء: 5 - الصفحة: 173
وفي إجازته ممن يجهل صنعه به وكراهته قول ابن وَهْب، وابن القاسم مع روايته في سماع عيسى معها، ويجوز بيعه اتفاقًا ممن يكسره أو يعلم أنه لا يغش به إلا على قياس قول سَحنون في نوازله من كتاب السلم.
قُلتُ: في عزوه الكراهة لسماع عيسى ابن القاسم نظر؛ لأن نصه: قال ابن القاسم: قال مالك: إن كان ممن يغر بها الناس كالصيارفة وغيرهم فلا أرى ذلك، وإن كان ممن يريد كسرها فلا بأس فقول ابن القاسم في القسم الثاني لا الثالث.
وظاهر لفظ: (لا أرى ذلك المنع الذي هو أشد من الكراهة) وما في نوازل سَحنون هو من تسلف درهم صفر فأفاته إن علم وزن ورقه، وصفره قضى وزنها لا درهمًا مثله صفرًا يغر به الناس، وإن جهل وزنهما غرم قيمة الصفر ورقًا وقيمة الورق ذهبًا، ولو قل كخروبة من دينار، ثم يصرفانه ليأخذ ذو الخروبة ما يقع لها من الصرف.
ابن رُشْد: إلغاء سَحنون سكة هذا الدرهم خلاف ما قدمناه في سماع عيسى، وقياس قولهم فيه غرمه قيمته من الذهب على أن يباع ممن لا يغش به أو ممن يكسره على الخلاف في ذلك.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: أنه يرد مثله صحيحًا في رداءته.
ابن رُشْد: فإن باعه ممن يخشى أن يغش به فما عليه إلا الاستغفار، وممن يغش به يجب رده إن قدر، فأن عجز ففي وجوب الصدقة بكل ثمنه أو بالزائد على قيمة بيعه ممن لا يغش به، ثالثها: لا يجب صدقته بشيء منه إلا استحبابًا، وتقدم توجيهها في التجارة بأرض الحرب.
قُلتُ: وجه فيه الأول: بأنه على عدم انعقاد البيع فيبقى على ملك بائعه فيجب رد مثله لمبتاعه إن علم، والصدقة به إن جهل كالربا.
والثاني: بأنه على فسخه في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوت.
والثالث: برعي القول بعدم فسخه في القيام وبيعه على مبتاعه.
وفي كون المردود؛ لأنه نحاس أو رصاص كنقص صفة أو قدر.
نقلا ابن بشير عن المتأخرين بناء على اعتبار تقدم قبضه، وكونه كالعدم لعدم النفع به، ونحوه مجرد عزو المازري الثاني لبعض المتأخرين، وسمع عيسى ابن القاسم: من
الجزء: 5 - الصفحة: 174
وزن دراهم عند غير مصرفها بعد وزنه إياها فوجدها تنقص، فأعاد الصراف وزن الدنانير فوجدها تنقص مثل نقص الدراهم انتقض من الصرف قدر نقص الدنانير إن كانت مجموعة.
ابن رُشْد: يريد: إن كان قدر النقص منها سواء في الوزن لا القيمة كما لو صرف ثلاثة دنانير بأربعة وعشرين درهمًا نقصت الدراهم ربع درهم والدينار ثمن مثقال، وهو ربع درهم يرجع الصراف على صاحبه بثلاثة أرباع درهم؛ لأن الواجب لثمن مثقال درهم عنده منه ربع في نقص الدرهم إن كانت الدراهم مجموعة، وإن كانت قائمة انتقض كل الصرف إلا أن تكون الدنانير مجموعة فينتقض ما يجب لتمام درهم يرد درهمًا، ويأخذ ما يجب لربع الدرهم الزائد على ما وجب لنقص الذهب، وذلك حبتان وربع حبة ذهبًا.
وقوله: (ينتقض كل الصرف إن لم تكن الدنانير) يريد: ما لم يعدل الدينار القائم منها تمام عدد من الدراهم فلا ينتقض غيره.
قال: وقوله: (إن كانت الدنانير مجموعة) كلام غير محصل، وصوابه إن كانت الدراهم مجموعة قال: وحمل الشُيُوخ المسألة على إن نقص الدنانير مثل ما يجب لنقص الدراهم.
وقال: (في المسألة نظر) ولا ينقض من الصرف شيء إذا لم يبق لأحدهما على الآخر شيء.
وفيها: لابن القاسم أرجو جواز جواز بدل الزائف من الفلوس يبتاعها بدراهم لقول مالك: التأخير فيها مكروه ليس بحرام بين.
قُلتُ: ويلزم مثله في زائف من الدراهم العوض عنها.
سند من أجرى الفلوس مجرى النقدين منع فيها البدل، وما عاد ليد دافعه قرب صرفه فيها كاليوميم إن آل التأخير صرف منع، وإلا جاز.
فيها إن صرفت دينارًا بدراهم، ثم تسلفتها منه ودفعتها له في الدينار أو تسلفتها ثم صرفتها؛ لأنه ذهب بورق لأجل فأخذ منه المازري وابن بشير لزوم الأجل في مطلق القرض على دافعه بقدر ما يرى إنه أريد به، وفيه خلاف.
الجزء: 5 - الصفحة: 175
وفيها لمالك: إن صرف منك دينارًا من لك عليه نصفه دراهم فقضاكها جاز؛ لأنه لو أعطاكه لتعطيه نصف دراهم جاز، والتهمة الراجحة على التأخير كتحققه على المشهور.
فيها: إن قلت لمن لك عليه عين صرفها وجئني بصرفها فلا خير فيه لتهمته أنه ترك له الدراهم يومين على أنه يعطيه كذا وكذا أو يكون تأخيره إلى أن يشتري له فيكون سلفًا جر نفعًا وكأنه أوجب عليه دنانير حتى يعطيها فصار صرفًا مؤخرًا.
ولو صرفها من غيره ببينة فنقل ابن بشير عن عبد الحق عن المذهب عدم جوازه.
اللخمي: إن صرفها بينة لزم الأمر، وإلا ففي كونه كذلك، ولزومه المأمور قولان من قول أشهب من قاله لمدينه: اعمل بما لي عندك قراضًا الربح بينهما، وقول ابن القاسم: الربح للعامل والأول أحسن لضعف التهمة فقبله المازري، وقال: النكتة فيه إجراءه بعض الشُيُوخ على القولين فيمن أمر أن يخرج من ذمته لأمانته، وتعقب ابن بشير تخريج اللخمي بتكثير موجب الفساد في الصرف؛ لأنه تهمتاهما على تأخيره رجاء زيادته في العوض وعلى التأخير في الصرف وفي القراض الأول فقط يرد بأن الأمرين في الصرف على البدلية لا المعية فلا تكثر، وبأن الزيادة في القراض المحكوم بفسخه محققة، وفي الصرف مقدرة.
ابن بشير: في قوله: (إن صرفها ببينة) صح، وأخذ الطالب العوض نظر؛ لأن البينة لا ترفع حكم القصد إلى سلف جر نفعًا؛ لأنه حصل مراد الطالب من ثواب المطلوب بالصرف، وحصل للمطلوب ما يمكن أنه أراده من التأخير، وإنما رأى ما في الروايات، وكلام ابن عبد الرحمن في المطلوب يدفع للطالب ما يصرفه أو يبيعه ليستوفي منه حقه أنه يمنع ابتداء، فإن وقع وقامت البينة عليه صح، وفرق عبد الحق بين هذه والأولى، بأن المنفعة في هذه للمطلوب لا للطالب.
وعلة المنع إنما هي خوف أن يصرفه من نفسه فثبوت الصرف من غيره في هذه يرفع علة المنع، وفي الأولى يحققها.
قال الأشياخ: ولو أمر الطالب المطلوب بصرف ما في ذمته أو بيعه فقط، ثم ضاع إن ثبت ببينة جرى على الخلاف فيمن أمر أن يخرج من ذمته لأمانته هل يرفع الضمان أو
الجزء: 5 - الصفحة: 176
لا؟
قُلتُ: ظاهره أو نصه وجود الخلاف في تضمينه مع قيام البينة، ونص ابن القاسم في ثاني سلمها على عدم ضمانه إن ثبتت بينة بإخراجه من ذمته لأمانته، ولا أعرف فيه خلافًا ولا يثبته قول.
عياض: ضمن ابن القاسم ويحيي بن عمر المسلم إليه في كله في غرائرك، وإن قامت بينة بالكيل؛ لأن هذا في نفس ما في الذمة والمنكر وجوده في عوضه، الأول: من تبدل النيَّة مع بقاء اليد في اعتباره خلاف، والثاني: من تبدل النيَّة واليد لا أعلم في اعتباره خلافًا، وفرق اللخمي بين المسألتين، وقال عياض: فرق بعضهم بينهما بفروق معلومة وجعلوها أصولًا مختلفة.
فإن قلت: يثبته نقل عياض مع قوله في مسألة اللؤلؤ جعلوا قوله كله في غرائرك من هذا، وأنه قول آخر خلاف ما هنا، فمن جعله مثله يقول بضمانه في الشراء، وإن قامت بينة لقول ابن القاسم في كله في غرائرك؛ لأن المتساويين إذا زيد عليهما متساو لم يزالا متساويين وكذا المتماثلان.
قُلتُ: يرد بأن البينة في كله في غرائرك ثبت مختلفًا في اعتباره، وهو تبدل النيَّة مع بقاء اليد، وفي الشراء متفقًا على اعتباره وهو تبدل النيَّة واليد، وبه يتبين عدم التساوي والتماثل والمختلفان جائز اشتراكهما في لازم معين، وظاهر كلام الصقلي الاتفاق على جواز بيعه بالنية على كيله إن كان طعام سلم، وحق الله آكد من حق العبد.
قالوا: وللمطلوب أجره في الصرف والبيع؛ لأنه دخل على عوض فاسد، وهو التأخير فكان له أجر المثل.
ابن بشير: إن حصل التناجز ثم أودع أحدهما الآخر ما قبضه منه منع إن لم يعرف بعينه لتهمتهما على قصد التأخير، وإن عرف بعينه صح الصرف، ولم يضره إيداعه، ومسألة الطوق في الكتاب محمولة على أنه لم يقبض، ولو قبضه وأعاده وديعة جاز، وكذا ينبغي فيما لا يعرف بعينه إذا طبع عليه.
وفي كون التهمة المحتملة كذلك، ثالثها: الكراهة لنقل الصقلي عن محمد: (إن أعطى من عليه دراهم من هي له دينارًا ليصرفه، ويقتضي صرفه لم يجز، ورد الدينار،
الجزء: 5 - الصفحة: 177
وطلب دراهمه إلا أن تقوم بينة على صرفه من غيره لربه).
والمازري مع اللخمي عن سماع أبي قرة: لا بأس به، وقولها: لا يعجبني ذلك خوف حبسه فيصير مصرفًا من نفسه.
الصقلي عن محمد: روى ابن القاسم كراهة أن يعطي دينارًا من له عليه نصفه ليصرفه، ويستوفي حقه، ويأتي بنصفه ثم إجازته، وبها أخذ ابن القاسم قائلًا: لو كان له عليه دراهم لم يجز، وهذا في الدينار والكثير لا خير فيه.
العتبي: سمع ابن القاسم: من أعطى من له عليه نصف دينار ليصرفه فيأخذ نصفه ويأتيه بنصفه لا بأس به.
ابن القاسم: وقال لي قبل ذلك: لا خير فيه وهذا في الدينار أحب إليَّ وأخذ فيما كثر من الدنانير بقول مالك لا خير فيه.
ابن رُشْد: مثله.
قولها: فيمن أعطى من له عليه دراهم دنانير ليصرفها ويستوفي حقه منها خوف أن يصرفها من نفسه فيكون رب الدينار مخيرًا في إمضاء ذلك.
قُلتُ: قوله: مثله قولها ... إلخ: يدل على أنه حملها على التحريم لا الكراهة وظاهرها الكراهة حسبما مر، ولا يضر تعليلهما لخوف التحريم؛ لأن خوف الخيار ليس كالخيار؛ بل تهمتهما عليه ضعيفة؛ لأن ما يؤدي إليه هما قادران عليه، وهو أخذ الدينار ابتداء صرفًا عن ما في ذمته.
قال ابن رُشْد: وأجاز فيها إعطاء مدين من له عليه ثمن طعام ما يبيعه غير طعام ليستوفي حقه من ثمنه ومن له عليه ثمن سلعة ما يبيعه مما ليس من صنفها أكثر منها لذلك خوف أخذه الطعام أو ما هو من صنف السلعة أكثر منها فيؤول لبيع طعام بطعام نظرة وسلف بزيادة، ولم يراع خيار الدافع في ذلك إن أخذ ما أجبر دفعه لنفسه فيدخله أخذ سلعة بخيار عن دين، وبه تعقيها سَحنون.
وأما إن دفع لمن عليه نصف دينار دينارًا ليصرفه فيأخذ نصفه ويأتيه بنصفه فاختلاف قول مالك فيه بناء على اعتبار ما ترتب في الذمة فيكون دفعه قضاء وتوكيلًا على صرف باقيه واعتبار ما يوجبه الحكم فيكون صرفًا لبعضه وتوكيلًا على صرف
الجزء: 5 - الصفحة: 178
باقيه، فيؤول لصرف بعض الدينار، فإن أعطاه دينارًا أخذ منه صرف نفسه جاز اتفاقًا، وإن ترك نصفه أمانة جاز على الأول؛ لأنه قضاء وإيداع لا على الثاني؛ لأنه صرف بعض، وكذا إن ترك نصفه قرضًا؛ لأنه على الأول قضاء وسلف وعلى الثاني صرف وسلف.
قُلتُ: فيها: إن دفع مبتاع سلعة بثلثي دينار لبائعها دينارًا.
قال: استوف منه ثلثيك ودع ثلثه عندك انتفع به فلا بأس به إن لم يكن بينهما عند البيع إضمار ولا عادة.
وسمع القرينان: من تسلف عشرة دراهم رهن فيها دينارًا لا يذكر صرفًا أكره صرفه منه بالغد، وليرد دراهمه، ويأخذ ديناره.
ابن رُشْد: لأن تركه عنده إطماع ووعد على صرفه، واعتبار السلامة فيه من الغرر لازم سمع عيسى ابن القاسم منع شراء جملة دراهم بعضها ثلاثة وعشرون درهمًا بدينار وبعضها اثنان وعشرون به حتى يعلم قدر هذه من هذه، وسمعه أبوزيد يجوز شراء تبر وقراضة، وذهب بدراهم.
ابن رُشْد: في هذا نظر إذ لا يجوز بيع التبر والقراضة، والذهب المسكوك، صفقة واحدة وزنًا بدراهم دون علم وزن علم وزن كل منهما وحده فمعناه أن (الواو) بمعنى: (أو).
قُلتُ: فيدخله غرر بيعتين في بيعة ولا يصح على غير الإلزام لا متناع الخيار في الصرف إلا أن يريد أنها في صفقات، ويؤيده تفسير قوله في السماع: إن وجد درهمًا زائفًا انتقض وزن دينار بقوله: إنما يعود على شراء الذهب المسكوك وحده، وأما في شراء التبر أو القراضة، فينتقض ما يجب للدراهم فقط.
وفيها: من اشترى دراهم بين يدي رجل ونقد البلد مختلف فيه لم يجز.
اللخمي: إن غلبت سكة على غيرها صح وقضى بها؛ لأنا نقضي بالعادة ونقله القرافي عن سند فقط.
وفي استحقاق أحد عوضيه بعد عقده صحيحًا أربعة طرق:
اللخمي: استحقاقه معينًا بذاته كالمصوغ أو تعيين كنقد عين في العقد فسخ، ولو قبل التفرق يبيح تراضيهما على ابتداء صرف، ولو بعد التفرق وغير المعين قبل الفرقة إن حضر بائعه، نقد مثله، لزم تمامه به من أباه، وبعدها على منع البدل لا يجوز لهما إتمامه،
الجزء: 5 - الصفحة: 179
وعلى إجازته يلزم الآبي منهما تمامه
قُلتُ: يريد: والمثل حاضر.
المازري: مثله قائلًا: في النقد المعين، هذا على القول بتعيينه، وعلى لغوه كغير معين، وقال فيه قبل الفرقة كاللخمي، وبعدها قال: يفسخ إلا على لغو تأخير الغلبة فيلزم الآبي تمامه.
ابن شاس: لا ينتقض صرف مسكوك باستحقاقه حين عقده إلا أن يعين فيجري على الخلاف، وبعد الفرقة والتراخي.
في الكتاب الفسخ في غير المعين إلحاقًا لما بعد العقد به فلم تحصل المناجزة.
وقال أشهب: يأتي بالمثل ويصح الصرف.
قُلتُ: ولابن الكاتب طريق رابعة.
وفيها: إن صرفت دنانير بدراهم فاستحقت الدراهم بعينها انتقض الصرف، وقال أشهب: إن كانت بأعيانها أراه إياها، وإن لم يره إياها إنما باعه من دراهم عنده لزمه إعطاؤه مثلها مما بقى عنده.
سَحنون: هذا ما لم يفترقا.
وفيها: إن استحقت ساعة صارفه؟
قال: إن افترقا أو طال، انتقض الصرف، وإلا فلا بأس به يعطيه مثلها.
الصقلي: يريد بتراضيهما كما في الموَّازيَّة قال: وتعقبه ابن عبد الرحمن بأنه لو كان بتراضيهما لكان كذلك بعد الطول.
قُلتُ: أجاب المازري بأن رضاهما متعلق بالعقد الأول لا مستقل دونه، وقبل الصقلي قول ابن الكاتب، إنما الخلاف إن استحق قرب العقد، فابن القاسم يلزمه الخلف مما عنده مطلقًا للغوه التعيين وأشهب وسَحنون ما لم يعينا النقد لا عتبارهما تعيينه، وإن طال بطل اتفاقًا منهما.
قُلتُ: في قبول قوله نظر؛ لأن ظاهر لفظ المدَوَّنة أولًا إن قول ابن القاسم وأشهب في مسألة واحدة، فإن حملت على القرب، وهو نص سًحنون كان قول ابن القاسم فيها:
الجزء: 5 - الصفحة: 180
انتقض الصرف خلاف نقل ابن الكاتب عنه، وإن حملت على الطول كان قول أشهب فيها لزمه إعطاء مثلها خلاف نقل ابن الكاتب اتفاقهما بعد الطول على بطلانه، وإن قيد قول ابن القاسم بما بعد الطول، وقول أشهب بالقرب لم يكن بينهما خلاف، وقد نص ابن الكاتب على الخلاف بينهما، وقول ابن القاسم فيها أولًا انتقض الصرف، وقوله ثانيًا لا بأس أن يعطيه مثلها متناقض إن حمل قوله فلا بأس على عدم توقفه على رضاه مع جواب المازري.
وفيها: لمستحق خلخالين بيعا بدنانير إمضاء بيعهما إن حضرا، وقبض الدنانير من بائعها أو مبتاعها حين إمضائه، ولو بعد افتراق البائع والمبتاع، ولو بعثهما مبتاعهما لبيته لم يجز، ولو كان بقرب عقدها، وقال أشهب: مثل قوله، وقال: إنما هو استحسان والقياس فسخه؛ لأنه حين باعهما كان لربهما فيهما الخيار، فانعقد البيع على خيار، ولكني استحسنت إجازته؛ لأن هذا لا يجد الناس منه بدَّا، ولأنهما لم يعملا على هذا، باع البائع ما يرى أنه له، وعليه اشترى المبتاع فذلك جائز لا بأس به.
قُلتُ: حاصله أنه حكم بالجواز مبينًا إسناده إلى دليل هو الاستحسان الراجح على القياس المقتضي للمنع، ومن نظر، وأنصف، علم أنه لم يقل بمنعه بحال؛ بل قرر أن دليل المنع فيه وهو القياس عارضه راجحًا عليه دليل الجواز، وهو الاستحسان فقول سند: إن طال المجلس بعد العقد، والحلي حاضر، أجازه ابن القاسم كأنه إنشاء، ومنعه أشهب للخيار، إن كان لنص لأشهب على منعه في غير المدَوَّنة فواضح، وإن كان لقوله في المدَوَّنة فليس كذلك حسبما بيناه.
اللخمي: على عد عقد الخيار إذا أمضى يوم نزل، يجوز إمضاؤه بأخذ ثمنه من بائعه مطلقًا، وهو قول أشهب في عبد بنى بحرة تزوجها بغير إذن ربه ثم زنت، إن أمضى ربه نكاحه رجمت.
وقوله: القياس الفسخ خلاف قوله في العبد وهو الصواب؛ لأنه حكمي فيهما.
ابن بشير: قول سَحنون في بيع مودع طعام، الطعام بتمر، لربه إمضاؤه، هذه خير من مسألة الخلخالين يقتضي صحة إجازة رب الخلخالين صرفهما بعد التفرق
الجزء: 5 - الصفحة: 181
كتخريج اللخمي.
قُلتُ: نقل عياض عن سَحنون صريح الجواز في الخلخالين دون حضورهما وناقض بعضهم قول ابن القاسم في الطعام بقوله في الخلخالين وأجاب ابن الكاتب بأن الطعام ضمنه المتعدي فصار في ذمته، وبائع الخالخالين غير ضامن لعدم تعديه، وأكده ابن محرز بقول محمد: من غصب خلخالين فصرفهما أو راطلهما، وفاتا، لربهما إمضاء البيع وأخذ الثمن.
المازري: قول ابن القاسم في الخلخالين مطلق غير مقيد بغاصب أو غيره.
قُلتُ: مقتضى فرق ابن الكاتب وقبوله ابن محرز تقييده بغير الغاصب لذكرهما عدم تعديه، ويصح إطلاقه فيهما؛ ظاهر المسألة بقاء الخلخالين، وهو يوجب عدم تعلقهما بذمة بائعهما مطلقًا، وأشار إليه عياض؛ لكن مقرونًا بعدم التعدي في نقله جواب ابن الكاتب، غير معزو ولا يحتاج إليه، ولما ذكر الجواب قال ما نصه: قال أبو عمران: يمكن أن يكون بائع الخلخالين أودع الثمن حتى جاءه المستحق فأجاز البيع وأخذ الثمن أو مشتريهما أودع الخلخالين فأجاز المستحق البيع فلذلك جاز، ويكون تمادي يد البائع عنده قبضًا لهما بعد إجازة البيع وقبض الثمن ولا يحتاج فيه إلى تجديد قبول المشتري إذ يد المودع كيده، وهو في نفسه متماد على الشراء فأغنى ذلك عن تجديد القبول.
قُلتُ: ظاهره إن كلام أبي عمران جواب عن المناقضة التي ذكر، ولا يتقرر جوابا عنها بحال، وفي تقرره جوابًا عن تعقب يذكر نظر، وهو تعقب ابن محرز والتونسي، قولها بأن إمضاء المستحق إن كان ابتداء عقد توقف على رضى المشتري، وإلا جاز في غيبة الخلخالين.
زاد التونسي على أنه ابتداء يلزم وقفه على فسخ الأول.
قُلتُ: وفي هذه الزيادة نظر؛ لأنه إنما يلزم فسخ الأول حيث يوجب عدم فسخه مع ما حدث بينهما صرفًا مستأخرًا أو تتميم فاسد، ولا شيء منهما هاهنا.
التونسي عن الموَّازية: لو أمضاه في غيبة البائع، وطاع المبتاع، بدفع ثمنه ليرجع به على بائعه جاز.
الجزء: 5 - الصفحة: 182
قُلتُ: هو ظاهرها وقول ابن الحاجب: لو استحق المصوغ انتقض مطلقًا ثم إن كان لم يخبر المصطرف فللمستحق إجازته على المشهور فيهما بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي.
نص في أن المشهور أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي، وظاهر في عدم اشتراط حضور الخلخالين، وما تقدم من نصوص الأشياخ ولفظ المدَوَّنة خلافه.
وفيها: استحقاق عرض أخذ عن أحد عوضي الصرف يبطله، وفي استحقاق لو استحق ما صرف ثمنه من مبتاعه.
وفيها: لابن القاسم: من قال لمن صرف منه دينارًا استرخصت، فزدني، فزاده درهمًا نقدًا أو مؤجلًا جاز.
الصقلي ةعبد الحق عن إسماعيل القاضي: إن زاده خوف نقض الصرف لمعنى ما بطل، وقد قال عبد الملك: إن وضع بائع شيئًا من رجلين لأحدهما من ثمنه ما يشبه إصلاح البيع فهو بينهما وإلا فهو هبة.
قُلتُ: مثله في مرابحتها، وفي تمسكه به نظر؛ لأنه إنما يدل على أن الهبة لأجل البيع المشترك بينهما؛ لأن العقد وقع عليهما، ومن يصحح تمسكه يلزمه تناقض صرفها ومرابحتها.
وفيها: إن وجد الدرهم معيبًا لم يرده، وإن رد الدينار بعيب رد الدرهم؛ لأنه هبة لتمام الصرف لا صرف، وكذا في البيع والسلم التونسي في الموَّازيَّة إن وجده زائفا أبدله.
قُلتُ: ظاهرة أن هذا القول عنده في مسألة الكتاب وظاهره زاده معينًا أو مبهمًا، وقال هو واللخمي وعبد الحق عن بعض شُيُوخه: إن أوجب له درهمًا غير معين فعليه بدله إن وجده زائفًا.
الصقلي وعبد الحق: روى أشهب: إن قال نقصتني عن صرف الناس فزاده درهمًا إن وجده زائفًا فعليه بدله ولا ينتقض به الصرف وينتقض برد زائف مما قبض أو لا ونحوه.
قال الشَّيخ والقابسي في قوله نقصتني: من صرف الناس فألحقني بالصرف فكأنه شيء أوجبه على نفسه ولما ذكر المازري مقتضى قولهم إن التزام زيادة معين لم يلزمه بدله
الجزء: 5 - الصفحة: 183
وغير المعين يلزمه بدله قال فيها: ما يمنع هذا التفصيل، وهو قولها: إن زاده درهمًا نقدًا أو مؤجلًا لم يلزمه بدله إن وجده زائفًا مع أن زيادته له مؤجلا يقتضي كونه غير معين وقول اللخمي والمازري إن رد الصرف لفساده ردت الزيادة وقولها إن رد الدينار لعيب ردت الزيادة ينافي قول اللخمي: تجوز زيادته قرضًا؛ لأنه إن كان لتمام عقد الصرف فهو سلف جر منفعة وإلا لم يرد، ويجاب بأن الممنوع السلف لإحداث نفع مقارن أو لاحق، والسابق يستحيل كونه جره سند الزيادة هبة لأجل العقد إن مات واهبها قبل قبضها بطلت، وكذا إن استغرق الدين ماله أو كان وكيلًا عن غيره.
قُلتُ: لا يبطل في الوكيل مطلقًا؛ بل يمضي إن كان لمصلحة البيع.
وفيها: من صرف دراهم بدينار ممن له عليه دينار فطلب مقاصته به فأبى، وقال: إنما دفعت الدراهم لأقبض الدينار الساعة.
قال: لم أسمعه وأرى إن تناكر أن يعطيه دينار الصرف ويطلبه بديناره.
عياض: اعترضها سَحنون، وقال: هي على غير أصل لكسرها نظائره.
ابن محرز: هذه تدل على عدم شرط إحضار نقد الصرف وتعيينه وبطلان تعليل مسألة السلف باقتضاء الصرف التناجز فهو كشرط عدم المقاصة، وتعليله بعضهم بأن المناكرة تقتضي الطول المبطل للصرف، أجنبي عما سئل عنه؛ لأنه عن حق آدمي لا حق الله تعالى.
قُلتُ: وبأن المناكرة ليست خاصة تمنع المقاصة؛ بل عروضها لها أبين.
اللخمي عن محمد عن أشهب: له مقاصته ولو كره؛ لأنه لو رفع لحاكم حكم بها، ولو كان عليه غرماء ما لم يفلس.
اللخمي: ليس في كلام ابن القاسم ما يرد قول أشهب، ويحمل قوله: إذا تناكرا على إنكار الدين قال: ولو شرط في صرفه عدم مقاصته، وفي لزوم الشرط، ثالثها: يفسد صرفه لمقارنته السلف، وليس بالبين؛ لأن عدم المقاصة لا ينافي طلبه عقب المناجزة، وعزا المازري الثاني لرواية أشهب، والثالث لابن القاسم قال: أصبغ: هو جائز؛ لأن تركها لا يستلزم سلفًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 184
ابن رُشْد: لو طلب من ابتاع شيئًا بائعه بمقاصته في ثمنه ففي القضاء له بها قولان للمشهور مع ثان نكاحها وسلمها، ورواية زياد مع قول صرفها، وعلى الأول: لو باع بشرط نفيها ففي لغوه ولزومه، ثالثها: فساد البيع إن كان الدين حالًا لسماع القرينين، وقول ابن كنانة مع ابن القاسم في المدينة، وحمل عليها قول صرفها؛ لأنه على التناجز وابن القاسم؛ لأنه بيع وسلف وخففه أَصْبَغ إن لم يضرب للدين أجلًا، ولم يشترط إلا يقبضه، ذلك اليوم.
زاد عنه ابن حارث: ويدفع الثمن ويقوم بحقه مكانه الصرف والبيع في جوازه، ومنعه ثالثها بقيد التبعية لأشهب مع اللخمي، عن رواية محمد: جواز بيع مائة ثوب كل ثوب بدينار إلا ثلاثة دراهم، وسماع عيسى رواية ابن القاسم: لا يجوز صرف وبيع ولا نكاح وبيع، والمشهور، ونص ابن بشير وابن شاس، وظاهر قول الأكثر، أنه لا يمنع مطلقًا، ولذا قال ابن رُشْد: معنى قوله: لا يجوز في الكثير؛ لأن مذهبه في المدَوَّنة، وغيرها إجازته في اليسير.
قُلتُ: ظاهر جمعه في السماع مع النكاح والبيع منعه مطلقًا، ولذا قال في السماع: إن وقع وأدرك رد كله، وإن فاتت السلعة بحوالة سوق لزمت بقيمتها يوم قبضها ورد الورق والذهب.
وفي كون المنع على التحريم فيفسخ أو الكراهة قولان للسماع المذكور مع قبوله.
ابن رُشْد، والموَّازية، وقوله في الأجوبة: وعلى المشهور إن كانا في دينار واحد ففي جوازه مطلقًا أو كان الصرف نصفه فأقل، ثالثها: إن كان ثلثه فأقل، ورابعها: إن قل جدًا كدرهم يعجزه أو كون الدينار يزيد أو الدرهم فالكسر لا يجوز، وخامسها: كالدانقين لغير واحد عن ابن حبيب مع الباجي عنها، واللخمي مع الصقلي عن ابن القاسم: إن كان الورق أكثر من الدنانير لم يجز، والمازري مع الباجي عن ابن القاسم، والمازري عن القاضي ونحوه للخمي عنه وابن بشير، ومفهوم أنقالهم غير ابن بشير والباجي على الثاني: إن كانت السلعة أربعة أعشاره، وعلى الثالث: إن كانت ثلثه، وعلى الرابع: في لفظ غير اللخمي إن كانت كدرهم منعه في الجميع، ونقل ابن بشير والباجي.
إن حد اليسير في الصرف مثله في البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 185
زاد ابن شاس عقب ذكره قول القاضي: قال المتأخرون: وكذا الحكم في بلد يتعامل فيه بالرباعية كصقلية، وحكاه القاضي أبو الوليد عن بعض الصقليين، وإن كانا في أكثر من دينار ففي تبعية الصرف بكونه أقل من دينار أو دينارا فأقل المشهور، وقول الصقلي عن غير واحد من أصحابنا عن ابن حبيب، وأراهم تعلقوا بقوله ذلك جائز في الدينار الواحد.
قُلتُ: الدراهم أو كثرت ولا حجة فيه إلا أن يكون له قول غيره، ونحوه للمازري وقول ابن الحاجب: إن كان البيع أكثر من الثلث لم يجز اتفاقًا إلا في أقل من دينار بناء على رد هذا النقل عن ابن حبيب.
وفي قصر الجواز على تبعية الصرف وعمومه فيه، وفي تبعية البيع له نقلا الصقلي عن ظاهر قول ابن حبيب، والمعروف في كون تبعية البيع كالصرف أو بكونه في ثلث الصفقة قول ابن شاس ونقل ابن محرز عن بعض المذاكرين مع المازري، عن بعض المتأخرين محتجًا به في السيف المحلى وشرط الثمرة قبل الزهو في الكراء، ولم يحك الباجي والصقلي غير الأول، ولو كان كل مقابل الذهب ورقًا ومقابل الورق بعضه بيع جاز إن كان الذهب أقل من دينار، ومنعه بعض المتأخرين لعدم الضرورة؛ لأن شرطها الشركة في دينار ونحوه قول ابن عبد السلام، مذهب المدَوَّنة عندهم لابد أن يشترك البيع والصرف في دينار، ويرد بقولها إن اشترى ثوبًا وذهبًا بدراهم نقدًا جاز، إن كان الذهب يسيرًا لا يكون صرفًا، وإن كان الذهب كثيرًا فلا خير فيه، وبقولها أصل قول مالك: إن كانت سلعة وفضة بسلعة وذهب والذهب أو الفضة يسير جاز نقدًا، واستشعر ابن عبد السلام النقض بقولها الأول فقال: على أن فيها ما ظاهره أنه لا يشترط الشركة في دينار، ولكن بشرط اليسارة جدًا فذكر المسألة الأولى كما نقلناها، وليس فيها إلا لفظ يسير لا بزيادة جدًا، واليسارة شرط في كل صور اجتماع البيع والصرف فلا اختصاص لهذه الصور به بحال، ومعنى لا يكون صرفًا؛ أي: مقصودًا.
فإن قلت: قوله لا يكون صرفًا هو معنى نقل ابن عبد السلام جدًا قلت: ليس هو معناه: لوجهين:
الجزء: 5 - الصفحة: 186
الأول: قوله في لفظها: إن كان الذهب كثيرًا فلا خير فيه.
مفهومه: إن كان يسيرًا جاز لا بقيد: جدًا.
الثاني: أنه أطلق في المدَوَّنة لفظ لا يكون صرفًا على مطلق اليسارة المعتبرة في الجواز العام لا بقيد كونها جدًا فتنافي ترجمة نصها: في الذهب والورق بالذهب.
قُلتُ: إن اشتريت فضة وسلعة بذهب؟
قال: إن كانت الفضة قليلة حتى لا يكون صرفًا لا مطلق اليسارة العشرة الدراهم وشبهها فلا بأس به.
والمذهب إن وجوب المناجزة في سلعة البيع والصرف كنقده.
اللخمي: رأى بعض شُيُوخي أن القياس جواز تأخير السلعة كما لو انفردت وأبقى البيع على جواز تأخيرها فيه والصرف على لزوم مناجزته.
قال: البيع للصرف كما لم يرد للبيع، وضعفه المازري بأن التحريم يغلب على التحليل المقارن له في عقد، ويرد بأن ذلك فيما ثبتت حرمته، والبيع مع الصرف ليس حرامًا، وإن أراد بالمحرم تأخير المبيع فهو مصادرة.
والحق لزوم قول السيوري: إن كان الصرف تابعًا ومعروف المذهب في عكسه للغو حكم التابع المنافي حكم متبوعه.
وفيها: من دفع لمن ابتاع منه سلعة لأجل بنصف دينار دينارًا ليرد عليه نصفه دراهم نقدًا لا خير فيه؛ لأنه صرف فيه سلعة تأخرت.
قُلتُ: يرد بلزوم فسخ البيع، وظاهرها عدمه؛ بل موجب منعه عدم الحق بعقد كواقع فيه، وبسماع ابن القاسم: من ابتاع بنصف دينار قمحًا فدفع دينارًا أخذ نصفه دراهم، وفارقه ليأتي بمن يحمل الطعام لا أراه؛ لأنه صرف.
ابن رُشْد: لأن ما انضاف من بيع للصرف مثله في وجوب المناجزة، ومثلها قولها فذكر مسألة الكتاب.
قُلتُ: فلو صح قول اللخمي لجازت مسألة العتبية؛ لأنها بيعة نقد.
ابن رُشْد: ولو كان الصرف من الدينار درهمًا أو درهمين جاز على رواية أشهب،
الجزء: 5 - الصفحة: 187
وقوله فيها خلاف قول ابن القاسم وروايته، ولو اشترى السلعة بنصف دينار لأجل فلما حل أعطاه دينارًا وقبض صرف نصفه نقدًا جاز.
قُلتُ: قال المازري في هذه المسألة: ينبغي أن يمنع؛ لأن الأولى بيعة أجل توجب التهمة لافرق بين تصورها في العقد أو عند حلول الأجل.
واختلف فيمن باع سلعة بعشرة دنانير لأجل لما قضاها زادت فأخذ عن زيادتها ورقًا فأجيز في قوله لقلة الورق، ونهي عنه في قول للتهمة في بيع الأجل، واختلف في هذا لو كان قرضًا؛ لأنه معروف.
قُلتُ: قوله هذا بناء على صحة قول اللخمي وقبوله، وسمع ابن القاسم: من اكترى دابة بنصف دينار ودفع دينارًا للمكري وأخذ نصفه دراهم فلا بأس به.
ابن رُشْد: وقعت هذه في بعض الروايات وهي خلاف أصل ابن القاسم في منعه أخذ منافع عن دين، ومقتضى أصله: منعها؛ لأنه صرف مؤخر لتأخر الركوب، وجارية على قول أشهب بجوازه واختلف قول مالك في ذلك في سماع ابن القاسم في كتاب الرواحل، واختار ابن القاسم إجازته خلاف أصله واختاره محمد.
قُلتُ: ومسألة تكرار السؤال عنها قديمًا وحديثًا أجازها بعض أهل الفتوى ومنعها بعضهم وهي مسألة شراء الحالوم في إناء يحمله فيه بنصف درهم على أن يرد عليه نصفه، منعه بعضهم لتأخر منفعة الحمل في الآنية، وخففه بعضهم ليسارته وتبعيته وهي أخف من مسألة الدابة؛ لأن منفعة الدابة هي كل المبيع ومنفعة الإناء تبع للمبيع المنقود.
وفي بيع طعام بطعام من غير جنسه مع عرض، وجوازه بقيد التبعية قولا بعض شُيُوخنا، وغيره منهم مفرقًا الأول بينه وبين الصرف بيسر قسم الطعام دون الدينار، وقال المازري: في علة منع البيع والصرف طرق:
ربيعة: لعدم مناجزته لاحتمال نقضه بعارض غيره عيب السلعة.
الأبهري: لجهل منابه باحتمال استحقاق السلعة فيجب القبض مناب الصرف فيه مجهول حين عقده، ونقضه المازري بجواز سلعتين صفقة.
القاضي: لتنافي حكمي الصرف والبيع لزوم المناجزة وجواز التأخير.
الجزء: 5 - الصفحة: 188
المازري: ويلزم عليه منع طعام وسلعة بطعام.
قُلتُ: الظاهر جوازه دون قيد التبعية لظاهر قول ابن القاسم في سلمها الأول إذا بيع طعام بطعام فكل شيء ضم مع أحد الصنفين أو معهما في صفقة لم يصلح تأخيره.
ولقوله في قسمها: أصل قول مالك: جواز بيع النخل مع ما بها من رطب أو تمر بطعام إن جذ ما في النخل وتقابضا قبل التفرق ولا يعارض بقولها في أكرية الدور وكره مالك شراء شجر فيها تمر بطعام نقدًا؛ لأن اللخمي قيدها بعدم الجد، قال: لأن ابن القاسم قال فيها: الجائحة وإن كانت يابسة والجذ على المشتري جاز.
اللخمي: عيب السلعة أو أحد النقدين في البيع والصرف في دينار ينقض القيام به كل الصفقة، ولا يفت العرض حوالة سوق إلا يكون المعيب غيره وهو غير يسير؛ لأن يسير العيب يرد ما معه والمعيب لا يفوت بها.
وعلل المازري نقض الجميع بعيب بالدراهم بأنه يوجب رد الدينار فيجب رد العرض؛ لأنه حكم له بحكم الصرف، وقد استحق على قابض الدينار بعضه، يريد فيصير إمضاء البيع فيه صرفًا لبعض الدينار قال: ولو كان العرض الأكثر بحيث يسقط مقال قابضه، وحكم له بحكم نفسه لا بحكم الصرف، ورضي قابض الدينار بالشركة فيه لم يجب رده عندي.
قُلتُ: اعتبار الرضى في الشركة في الدينار لغو، إنما الشركة ضرر في ذوات القيم، قال اللخمي: ولو اشترى، عرضا، بنصف دينار فأخذ دينارًا أخذ نصفه دراهم فظهر بالدينار عيب رد وبقي البيع بحاله، ولو ظهر بالدراهم، انتقض صرف نصفه، وبقي نصفه قضاء، ولو ظهر بالعرض انتقض الجميع إلا على جواز صرف جزء الدينار.
لما ذكر المازري نقض الصرف فقط لعيب الدراهم قال: ولمالك ما يقتضي نقض البيع أيضًا واستبعده محمد، ولا يبعد توجيهه بتهمتهما على تحليل الحرام، ولو في بيعه النقد احتياطًا للصرف، وقد قدمنا أن من صرف دينارًا بعشرين درهمًا فأخذ بعشرة دراهم لحمًا، إن اللحم لا يجوز تأخيره، لما قدمنا أنهما يتهمان على بيع دينار بدراهم ولحم مؤخر.
قُلتُ: منعه مسألة اللحم بما ذكر كوهم؛ لأنه يقتضي جوازها على قول السيوري
الجزء: 5 - الصفحة: 189
وهي مسألة المدَوَّنة أو مثلها.
فيها من صرف من رجل دينارًا بعشرين درهمًا فقبض له عشرة، وقال له: اعطني بالعشرة الأخرى عشرة أرطال لحم كل يوم رطلًا لم يجز.
وكان بعض شُيُوخنا أو جميعهم ينبهون على حرمتها اتفاقًا؛ لأن تأخير اللحم فسخ دين في دين لا يخالف فيه السيوري ولا غيره.
قُلتُ: إن كان مراده هذا فهي مثلها في الحكم، وإن خالفتها في الصورة؛ لأن ما قبض من الذمة وعاد إليها بالقرب كما لم يقبض في صرفها إن قبضت من غريمك دينًا فلا تعده إليه مكانك سلمًا في طعام أو غيره.
قال الصقلي: لأن قضاءه الدين لغو برجوعه إلى دافعه، وصح من فعلهما إنه إنما فسخ دينه فيما لا يتعجله.
قُلتُ: وقولها في مبتاع سلعة لأجل بنصف دينار، وسماع ابن القاسم في مسألة الطعام، ومتقدم كلام ابن رُشْد يقتضي فسخ البيع لفسخ الصرف الواقع عقبه.
الخمي: لو اشترى ثوبًا، ودراهم بدينارين والثوب الأقل رد لعيبه معه تمام صرف دينار، وكذا لعيب بعض الدراهم، ولو كان الأكثر انتقض الجميع لعيبه أو عيب الدراهم، وعيب أحد الدينارين بنقض كل الصفقة لمقابلته نصف الدرهم والعرض إلا على جواز صرف الجزء، فيتنقض نصفها فقط وينقلب الخيار لمبتاع العرض لعيب الشركة، ولا تفيته حوالة سوق إن كان العيب وتفيته إن كان بعض الدراهم أو أحد الدينارين.
محمد: إن كان المعيب الثوب، وفات بقطع أو تلف لم يرجع بقيمة عيبه؛ بل يرد قيمته، وتمام صرف دينار إن كان الأقل، وإن كان الأكثر رد معها الدراهم وأخذ ديناريه.
المازري: ينتقض بعيب أحد الدينارين كل الصفقة؛ لأن برده يجب رد نصف الثوب، ونصف الدراهم فيقع في بقية الدراهم إن أمضياها الصرف في بعض دينار وهو ممنوع، ويقع في الثوب الشركة لقابضه رده بها، وله حبسه على ما قدمناه من إعطائه
الجزء: 5 - الصفحة: 190
حكم نفسه لا حكم الصرف.
قُلتُ: إنما يقع في بقية الدراهم، صرف بعض الدينار برد قابض الثوب، نصفه لضرر الشركة.
وفيها: لا بأس بسلعة بدينار إلا درهمًا كل ذلك نقدًا.
اللخمي: وإلا فأربعة، روى ابن القاسم إن عجلت السلعة فقط، جاز وإلا فلا، وروى أشهب تعجيل النقدين دونها كتعجيلها، وروى ابن عبد الحَكم في الموَّازية: إن عجلت السلعة وأحدهما أو تأخرت معه جاز، ومنع ابن عبد الحَكم إن عجلت السلعة دونهما، وقال: هذا حرام صرف لأجل ودين بدين.
قُلتُ: ظاهره الاتفاق على المنع في تأخير الجميع، ولذا قال ابن الحاجب: تأجيل الجميع ممتنع، وقاله ابن شاس، وزاد لأنه الدين بالدين، وهذا لا يتناول إلا ما السلعة فيه مضمونة، ولذا زاد ابن عبد السلام: ولبيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة.
قلت: يتخرج تأخيرها ليوم أو يومين مطلقًا أو لضرورة، ولمحمد مايدل على الجواز في مثل هذا خلاف قول الثلاثة، ولما ذكر عياض قول أشهب قال: وكذا يقول إن تأخرا أو اختلفا كل الوجوه جائزة عنده، كذا قال في العتبيَّة ورواه ابن وَهْب وابن عبد الحَكم.
قُلتُ: في عزو ما ذكره عن أشهب له في العتبيَّة نظر لما ننبه عليه إن شاء الله تعالى في تعدد الأثواب، ولقول ابن حارث: اتفق ابن القاسم وأشهب أنه لا يجوز أن يتعجل الدينار ويتأخر الدرهم ولا العكس تعجلت السلعة أو تأخرت.
ابن محرز: أجازه ابن عبد الحَكم ولو فارق الدينار الدرهم كأنه رأى الصرف تبعًا في كل الوجوه.
قُلتُ: هذا خلاف نقل اللخمي عنه ومقتضاه الجواز، ولو أخر الجميع لما يجوز تأخير قبض المعين إليه.
ويؤيده قول الصقلي في قولها إن تأخرت السلعة عن النقدين لم يصلح، قال محمد: إلا أن يتأخر الثوب لمثل خياطته أو يبعث في أخذه وهو ثوب بعينه فلا بأس.
الباجي: إن عجلت مع أحد النقدين أو أخرت معه فالمشهور المنع، وروى ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 191
القاسم رجوعه عن رواية ابن عبد الحَكم، وروى ابن عبد الحَكم أيضًا كأشهب، وقال محمد: اتفق أصحابنا على رواية ابن القاسم الجواز في تعجيل السلعة، دونهما.
ابن محرز: في كون تفرقته بأن تأخير النقدين دليل عدم القصد للصرف أو وعد عليه، لا صرف، طريقا اللوبي وغيره، وهذا ضعيف.
زاد المازري: لأنهما دخلا على بت الصرف لا على الوعد، الشَّيخ: سمع ابن القاسم من باع طعام قرض بدينار إلا درهمًا وعجلا النقدين جاز، وإلا فلا، وخففه ابن القاسم وإن لم يحل، وكذا روي أبو زيد، سَحنون: قول مالك أصح.
محمد: أجازه ابن القاسم ولو لم يحل وكثرت الدراهم.
قُلتُ: السماع في كتاب السلم والآجال.
ابن رُشْد: اختلافهما جار على الخلاف في انحلال الذمم هل هو كانعقادها في اعتبار الأجل أو لا؟ إذ قد تبارءا والأطهر جواز هذه الإجارة.
أشهب: تأخير السلعة دون النقدين في سلعة بدينار إلا درهمًا، ثم رأيت في سماع أَصْبَغ لأشهب من ابتاع ثوبًا بدينار إلا ثمنًا فدفع الدينار وأخر عليه الثمن وبدينار إلا درهمين، فدفع الدينار وأخر الدرهمين لا بأس بذلك.
ابن رُشْد: قول أشهب في المسألتين خلاف قوله وقول ابن القاسم وروايته فيها، وخارج عن الأصول؛ لأنه ذهب بسلعة ودراهم لأجل، ولم يجزه أحد إلا ابن عبد الحَكم في أحد قوليه، وفساد الأولى أسد؛ لأنها صرف خارج عن البيع تأخر فيه بعض الدراهم يجب فسخه دون البيع إلا أن يكون باع منه بدينار إلا ثمنًا على أن يدفع أليه دينارًا، ويؤخره بصرف الثمن فيفسخان معًا ويحتمل كون جوابه في الثانية على أن بيعهما وقع على النقد ثم أخره بالدرهمين فأجازه مراعاة للخلاف.
قُلتُ: فلعل القاضي أشار إلى قول أشهب هذا.
وفيها: الدرهمان في ذلك كالدرهم لا الثلاثة.
الباجي: في المختصر الكبير: الثلاثة كالدرهمين وعزاه اللخمي لرواية محمد وفي الخمسة طريقان:
اللخمي: لا تجوز اتفاقًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 192
الباجي عن الأبهري: ثلث الدينار كالدرهمين.
ولو وجد بالدرهمين عيبًا، ففي جواز البدل ونقض الجميع نقل اللخمي مع الصقلي عن مالك ورواية ابن وَهْب، وعزا الباجي الأول لرواية ابن القاسم، ولم يحك ابن محرز غير الأول وعزاه لمحمد، وزاد: لأن الصرف تبع ولوكثرت الدراهم انتقض الجميع، وكذا قالوا في دينار نصفه دراهم ونصفه فلوس، ينتقض الجميع بعيب في الفلوس.
وفي كون الحكم دفع رب السلعة المستثنى دراهم معها أو أخذ دينار دراهم مسقطًا منها الدراهم المستثناة طريقان:
الصقلي عن ابن الكاتب: إن تأخر النقدان لأجل، فحل، لم يجز إعطاء البائع درهمًا ليأخذ دينارًا؛ بل يجب أخذه صرف دينار إلا درهمً.
الصقلي: ظاهر الكتاب جواز دفعه الدرهم ليأخذ الدينار، وعليه جرت هذه المسائل وعليه يتصور الخلاف، قولها: إن كان كل ذلك نقدًا جاز، ولو كان كما قال ابن الكاتب كان شراء للسلعة المؤجلة بدرهم فيجوز إجماعًا.
قال: زاد عبد الحق عن ابن الكاتب قولة بعض شُيُوخه.
المازري: إن كان الدرهم والدينار منقودين، فالمشهور دفع البائع الدرهم مع الثوب وإن كانا مؤجلين، فذكر قولي الصقلي وابن الكاتب معزوين للأشياخ قائلًا: قد يتعلق هؤلاء بقولها: وأما بدينار إلا خمسة دراهم فلا ينبغي في شيء منها للغرر فيما يغترق ذلك من الدينار عند الأجل.
قُلتُ: كان من لقيناه لا يتعقب هذا التمسك كالمازري، وقد يرد بأن الغرر كما تصور على الثاني بأن المشتري عند الأجل يدفع الدينار دراهم مسقطًا منها الخمسة، ولا يدري حين العقد ما يستغرق الخمسة من دراهم الدينار فالباقي عنها هو الثمن وهو مجهول فكذا يتصور على الأول، بأن البائع عند الأجل يدفع خمسة قدر عدلها من الدينار مجهول يحتمل كونه ربعه إن كان الصرف عشرين بدينار أو خمسه إن كان خمسة وعشرين وهذا غرر، فإن قلت: غرر الأول راجح لقدر الثمن وهو مؤثر اتفاقًا، والثاني لقيمته وهو ملغى اتفاقًا.
قُلتُ: رجوعه لقيمة الثمن إنما هو بالنسبة إلى الدراهم، وأما بالنسبة إلى ثمن
الجزء: 5 - الصفحة: 193
السلعة فهو رجح لقدر الثمن وهو مناب السلعة من الدينار؛ لأنه على كون الصرف عشرين بدينار ثمنها ثلاثة أرباع دينار، وعلى كونه بخمسة وعشرين يكون ثمنها أربعة أخماس دينار.
فإن قلت: السلعة بعض المبيع فجهل منابها من الثمن غير معتبر.
قُلتُ: هي هنا، كل المبيع حكمًا؛ لأن الدراهم ملغى اعتبارها لقلتها وبه العقد مع تأخرها، وبذا يتفق لفظ المدَوَّنة أوله وآخره، ولذا قال ابن شاس: الأول ظاهر المدَوَّنة، ولم يحك أبو حفص غيره.
سند: لو دخلا على دفع صرف دينار مسقطًا منه الدرهم لم يجز إلا بمعرفة صرف الدينار.
قُلتُ: قول ابن بشير في توجيه قول ابن الكاتب واستخف عدم المبالاة بزيادة الصرف ونقصه؛ لأن ما يقابل الدينار يسير، خلافه وفرع وجود المعيب بالدرهمين، وسماع ابن القاسم في الطعام حجة للصقلي إن عم الخلاف في تعجيل النقدين، وتأجيلهما كما هو ظاهر كلام المازري، وإن خصص بتأخيرهما كما هو ظاهر كلام ابن الكاتب فلا حجة فيهما، والفرق بين التأجيل والتعجيل عنده امتناع التأجيل في الصرف.
في بيع مائة ثوب كل ثوب بدينار إلا درهًما أو درهمين طرق سمع القرينان: لا خير في بيع أثواب كل ثوب بدينار إلا درهما أو درهمين لأجل، ولكن يكتب عليه كذا وكذا دينارًا إلا كذا وكذا درهمًا يحسبانه قبل العقد.
ابن رُشْد: هذا إجمال يبينه سماع ابن القاسم في كتاب السلم والآجال وكتاب محمد قال فيه: إن باع خمسة عشر جلدًا كل جلد بدينار إلا درهمًا لأجل، فتحاسبا بعد البيع فصارت أربعة عشر دينارًا، فلا خير فيه.
محمد: تحاسبا أم لا لكثرة الدراهم قال مالك: لو قطعا صرف الدراهم قبل العقد وعقدا بدنانير معلومة جاز ولو لأجل.
محمد: كقولها: إن وقع بيننا بيع بدراهم فصرف الدينار كذا جاز، وإلا لم يجز، ولو نقدا إلا في يسير، ولو عقدا على المقاصة من الدنانير بالدراهم بثوب سمياه واتفق، عدل الدراهم قائمًا من الدنانير جاز، ولو لأجل كسته عشر ثوبًا كل ثوب بدينار إلا درهمًا والصرف ستة عشر بدينار فصار عقدهما بخمسة عشر دينارًا، وكذا لو فضل
الجزء: 5 - الصفحة: 194
درهمان لجواز بيع سلعة بدينار إلا درهمين لأجل، والسلعة نقد، ولو فضل كثير من الدراهم جرى على حكم البيع والصرف، وإن لم يبيعا على شرط المحاسبة، فإن كان المستثنى درهمين فعلى حكم استثنائهما، وإن كان أكثر فعلى حكم البيع والصرف، والمحاسبة بعد البيع لغو إن لم يقع بيعهما عليها.
قُلتُ: وهذا السماع هو الذي زعم عياض إن أشهب أجاز فيه تأخير أحد النقدين عن الآخر، ولا شيء فيه من ذلك.
الباجي: سمع أشهب: لو باع مائة ثوب كل ثوب بدينار إلا درهمًا جاز أن يكتب عليه مائة دينار إلا مائة درهم لا أن يكتب عليه دنانير لأجل، في المَّوازية: لا يجوز إلا أن يقوم الدنانير قبل أن يفترقا.
محمد: لأنه إذا حل الأجل دفع الدنانير، فصار صرفًا مؤخرًا، فالقول الأول على اعتبار صرف يوم القضاء والثاني على يوم العقد، وروى محمد ثالثًا يجوز نقدًا، لا لأجل، ورابعها، ولا نقدًا؛ لأنه بيع وصرف في الكثير من كل واحد.
ابن بشير: في الموَّازيَّة أربعة: الجواز ولو لأجل، ولا يحسب الدنانير من الدراهم إلا عند الأجل فإن حسبت الآن بطل، والجواز إذا حسبت الآن، والجواز نقدًا لا مؤجلًا، ورابعها المنع مطلقًا.
الأول: بناء على أن المستثنى يسير، ومقتضى تأجيله اعتبار صرف يوم القضاء ابن حبيب الآن كان تعجيلًا لصرف ما في الذمة فمنع.
والثاني: على أن البيع بالدنانير والمستثنى منها فلا يعلم قدرها ما لم يعجل حسابه.
والثالث: على أنه صرف وبيع والدراهم كثيرة فمنع مؤجلًا.
والرابع: على ذلك وكل منهما كثير فمنع.
قُلتُ: إنما يتم الثالث على جواز البيع والصرف لا بقيد التبعية كقول أشهب، وهو قول اللخمي، رواية محمد لا بأس بمائة ثوب كل ثوب بدينار إلا ثلاثة دراهم أجازه للبيع والصرف.
ابن ساش: في جوازه مطلقًا ومنعه مطلقًا، ثالثها نقدًا.
الأول: على جواز البيع والصرف مطلقًا أو اعتبار كل دينار في نفسه، والدرهم
الجزء: 5 - الصفحة: 195
منه يسير.
والثاني: على منع البيع والصرف دون تبيعة.
والثالث: كالثاني مع منع التأخير؛ لأن الصرف فيه إن كان بصرف يوم القضاء أدى للجهالة بمناب كل دلاهم وهو كثير، لكثرة الدراهم أو بصرف يوم العقد، فبتعجيل تحويل الدراهم بالذهب يصير صرفًا مؤخرًا وصرف ما في الذمة قبل حلوله.
قُلتُ: أول أقوال ابن شاس غير كل من الأربعة، فإن ثبت كان خامسًا، ولما ذكر ابن الحاجب ثلاثة أقوال كابن شاس.
قال ابن عبد السلام: إن قلت تبع ابن بشير في هذه المسألة وذكر ابن بشير فيها أربعة أقوال:
قُلتُ: رابع ابن بشير إنما هو من عوارض القول الأول إذ لا خلاف بين القول الأول والرابع إلا في كيفية حساب الدراهم من الدينار هل يحسب الآن أو عند الأجل؟
فاستغنى المؤلف عن ذكر هذه الكيفية للذكره في المسألة السابقة ما يغني عنها.
قُلتُ: القولان اللذان ذكرهما ابن بشير هما نقلا الباجي حسبما مر، وهما راجعان لصحة العقد وفساده، واللذان في الكيفية ليسا راجعين لصحة ولا فساد، وهذا يمنع صرفهما لها، ولو ابتاع بدينار إلا ربعًا، ففي كون الثمن دينارا يدفع البائع كسره صرفًا أو كسره الباقي بعد الاستثناء يدفع المشتري صرفه، نقلا ابن محرز عن ظاهرها والمازري معه عن محمد قائلًا: هذا ما لم يكن البيع بمجموعة، وابن محرز عنه قائلًا: ما لم يكن المتثنى قيراطًا أو قيراطين فعليه دينار ينقص ما سمي من الذهب وعزا ابن بشير القولين للمتأخرين.
ابن محرز عن ابن الكاتب: إن قدر أن الجزء على البائع كان ذهبًا بذهب؛ لأن الجزء إنما يقع ذهبًا بعد ذلك يصير بالصرف ورقًا.
المازري: هذا على ترتب الجزء ذهبًا وعلى ترتبه ورقًا يصح العقد بالتناجز.
وفيها: لو ابتعتها بخمسة دنانير إلا ربعًا أو سدسًا جاز تعجيل الأربعة وتأخير الخامس حتى يأتيك بربع أو سدس، وتدفع إليه الدينار وكذا إن تأخرت الأربعة ودفع دينارًا وأخذ مكانه دراهم فلا بأس به؛ لأن الجزء من دينار لا يجري في سائرها اللخمي:
الجزء: 5 - الصفحة: 196
أجاز مصارفته في دينار وتأخير الأربعة، ومنع من ابتاع سلعة لأجل بنصف دينار أن يدفع دينارًا يأخذ صرف نصفه لقوة تهمتهما على صرف مؤخر حين البيع بنصف، والصرف كذلك وضعفها في ربع دينار من خمسة وعلى كراهته من قضى عشرة دنانير ثمن سلعة أن يأخذ بفضل ظهر في الدنانير ورقًا فكرهه في هذه.
المازري: قال الدمياطي: روى ابن وَهْب كراهة بيع سلعة بدينار إلا سدسًا ثم رجع عنها.
المازري: كرهه؛ لأن ما يعدل الجزء المسمى، يقضي فيه بدراهم لا يعلم قدرها حين العقد.
قُلتُ: فيكره شراء سلعة بكسر دينار لأجل، وقولها ابن شاس وابن الحاجب: إن استثنى جزءًا جاز مطلقًا، وقيل: كالدراهم بناء على أن جزء الدينار ذهب إلى القضاء أو ورق مع ذكرهما هذا عقب ذكرهما الأقوال في مسألة محمد يقتضي دخولها في هذه، ولا يخفى تعذرها وقبوله شارحه وتوجيهه، الثاني بترتبه ورقًا، بعيد.
وفيها: إن ابتاعها بخمسة دنانير إلا درهمًا أو درهمين فنقد أربعة دنانير وتأخر الخامس والدرهم أو بالعكس لم يجز إذ للدرهم في كل دينار حصة نوقض لفظ تعليلها بقولها لا ينقض لزائف من صرف دنانير إلا دينار؛ لأن الدرهم إن كان له في كل دينار حصة وجب نقض جميعها في الزائف وإلا كذب التعليل، يجاب بأن الشيوع في هذه لاختلاف الدنانير بالنقد والتأخير فلا تماثل لها، وهي في مسألة قصر الزائف على دينار متماثلة ولو اختلفت، نقض الجميع.
وفي منع صرف جزء دينار معين باقيه لبائعه: المسهور مع قول أشهب فيها، ونقل اللخمي عنه مع الشَّيخ جواز شراء نصف خلخال فضة بوزنه فضة إن حوزه جميعه قال محمد وروي لنا عن أشهب عن مالك منعه في النقرة.
اللخمي: جوازه أحسن في الدينار والخلخال لحصول التناجز في العوضين، وما بقي بينهما خارج عن الصرف كما لو صرف رجل خمسمائة درهم من ألف حضر وزنها فقبض جميعها في كيس جاز، ولو لم يقبض نصيبه منها بالحضرة؛ لأن تركه مع القدرة على قبضه رضى بالشركة.
الجزء: 5 - الصفحة: 197
قُلتُ: الفضل بينهما في الدراهم لعدم توقفه على غيرهما، ولا عوض ونوقض قولها.
بقولها يجوز رهن المشاع ويتم حوزه، وحوزه مناجزة، ويجاب بأن المطلوب في الرَّهن مطلق الحوز، وفي الصرف الحوز، والفضل فيما تبايعاه لقول عمر رضي: والله لا تفارقه وبينك وبينه شيء اللخمي: والنقرة كالدينار لا كالدراهم.
الشَّيخ: روى محمد من ابتاع سوارين على أن فيهما أربعين درهمًا فوجد فيهما قبل الفرقة فضلًا، إن ترك ذو الفضل فضله صح، وإلا فلا، ولو قبض المبتاع الجميع.
اللخمي: على جواز صرف بعض الدينار يصح، ولو تمسك بفضله ثم يكون كل منهما بالخيار في إمضاء الصرف لعيب الشركة.
قُلتُ: هذا يرد قياسه على صرف الجزء، وسمع ابن القاسم: لا خير أن يشرك من اشترى فضة أو دراهم أو حليًا غيره فيها، ولو انقلب بجميعها المشرك حتى يقاسمه ما أشركه فيه.
ابن رُشْد: مثله روى ابن وَهب وزاد: هذا صرف لا يحل إلا نقدًا، وهو على أن عهدة المشرك على المشترك، وقيل يجوز إن نقد الثمن ولو لم يقبض حصته، وهو أنها على البائع، والثالث رواية أشهب: يجوز إن قاسمه أو قبض جميعه.
استحسان على غير قياس إذا لا خلاف فيه منع صرف بعض دينار ولو قبض جميعه.
قُلتُ: هذا الاتفاق خلاف نقل الشَّيخ واللخمي عن أشهب، ولو كان باقيه لغيره فصرف حظه دون قبض جميعه لا يجوز، ويقبضه قولا يحيى بن عمر، وأشهب.
وصرف رجلين دينارًا من رجلٍ وعكسه بدراهم شركة بينهما جائز.
اللخمي: اتفاقًا فيهما ودون شركتهما فيه قولان لها ولمحمد.
الشَّيخ في المَّوازية: صرف نصف دينار من رجل يدفعه له ولمن له عليه نصف دينار جائز، وكذا صرف ثلثه من أحد رجلين لهما عليه ثلثاه بالسوية أو التفاوت فدفعه له وصرف ثلثه منها معًا جائز قبضاه أو أحد أحدهما.
محمد: إن اشتركا في الدراهم قبل الصرف أو أسلف أحدهما للآخر جزءه من الدراهم قبل دفعها وبعده لا يحل.
قُلتُ: ظاهر قوله: بعد دفعها ولو بعد الصرف، ومفهوم قوله أولا قبل الصرف
الجزء: 5 - الصفحة: 198
خلافه، وجوازه في السلف دون شركة توجب جوازه دونها، ولا سلف وهو أحرى منه مع السلف لتفرقته بين العقد والقبض فيصير تقييد ابن الموَّاز لغوًا فقبوله الصقلي وتعليله بأن الشريكين كواحد مشكل.
الشَّيخ: وسمع أَصْبَغ هذه المسألة من ابن القاسم، وقال: لا يصلح حتى يكون القضاء فيه كله، والبيع فيه كله بينهما.
قُلتُ: نص السماع لا بأس أن يقضي رجلين دينارًا من عليه لكل منهما نصفه ولمن لكل منهما عليه ثلثه؛ لأنه حول في الصرف لا خير فيه حتى يكون القضاء فيه كله، والبيع فيه كله.
ابن رُشْد: جواز الأول على رعي أن الثابت لكل منهما عليه ذهب، وعلى رعي ما يجب قضاؤه صرف، يجوز إن قبضاه أو أحدهما بحضرة صاحبه اتفاقًا، ولو وكله وقبضه بعد قيامه جاز على خلاف ما تقدم.
قُلتُ: قوله: (اتفاقًا) خلاف متقدم نقل اللخمي عن محمد والشَّيخ عن المَّوازية.
قال ابن رُشْد: وجواز الثانية على الرعي الأول قضاء وصرف وعلى الرعي الثاني محض صرف.
وفي تعليله منع الثانية بقوله: لأنه الحول في الصرف نظر؛ لأنه إنما كان حولًا إذا قبض الدينار غيره غير دافع الدراهم لا إن قبضاه معًا؛ بل علة منعه عدم استقلال دافع الدراهم، بمقابلها من الدينار لبقاء يد الآخر معه عليه، ولو قبض الدينار دافع الدراهم وحده لجرى جوازه ومنعه على قولي أشهب وابن القاسم فيمن صرف جزءًا له من دينار بينه وبين آخر من غيره، وقبض جمعه بناء على اعتبار الفضل بين المتصارفين وإلغاء شركة قابض الدينار غيره فيه واعتبارها.
الشَّيخ عن الموَّازيَّة وسماع أَصْبَغ ابن القاسم: دفع من له ثلثا دينار على رجلين بالسوية صرف ثلث دينار من أحدهما، فقبض منه دينارًا، عنه وعن الآخر، جائز كدفع رجل عمن لك عليه نصف دينار دينارًا، فلم يزد فيها ابن رُشْد شيئًا.
وقال الشَّيخ والصقلي قال محمد: لا يعجبني أخذ الدينار من قابض الدراهم،
الجزء: 5 - الصفحة: 199
ويحيله على الآخر بالثلث، وكذا دفع عرض بدل الدراهم لإمكان زيادة دافع الثلث شيئًا ليضمن له على الآخر، ولو سبق ضمانه، جاز.
دفعه دينارًا على أخذ ثلثه دراهم أو عرضًا أو بقائه ذهبًا.
قُلتُ: في موضع آخر قلت: كيف وقد علما أن لابد من دفع الثلث دراهم أو عرضًا؟ قال: لأنه لم يقع ضمان مع بيع ولا صرف، وصرح اللخمي بأن قول محمد خلاف.
قال: والأول أحسن، إلا أن يكون المقضي عنه فقيرًا أو يزيده في الصرف، وكذا دافع دينار نصفه صرف ونصفه قضاء عن آخر، ولو دفع نصفه قضاء عن غيره ونصفه عن عرض لم يجز؛ لأنه بيع وسلف؛ لأن قيمة العرض تزيد وتنقص والصرف قدره معروف.
الشَّيخ عن محمد: إن أعطاك من لك عليه نصف دينار دينارًا على إن أحلته على فلان بنصفه، جاز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه.
الصقلي: يريد؛ لأنه قضاك عن نفسه وعن الآخر وأحلته عليه.
محمد: كما لو جعلت النصف الباقي في سلعة، ولو كان في ذلك زيادة درهم من قابض الدينار: ما جاز.
ابن القاسم: لو دفعت لمن لك عليه ثلث دينار وسدسه ورقًا أو عرضًا، وأخذت منه دينارًا على إن أحلته بنصفه على من هو لك عليه لم يجز.
محمد: لأنه في العرض لم يرض بالحوالة إلا بما زاده فيه.
الصقلي: الفرق بين هذه والأولى أنه فيها قضاه الدافع عن الآخر دون طلب رب الدين ذلك، وفي هذه يطلبه.
قُلتُ: في هباتها: من عجل لك دنانير على رجل لأجل على إن أحلته عليه، لم يجز، ولو كان النفع له أو لك دونه؛ لأنهذهب بذهب لأجل، سَحنون: وقد أجازه ابن القاسم، إن كان النفع للقابض وهو أحسن.
اللخمي عن محمد: لو دفع إليك من لك عليه نصف دينار دينارًا على أن تحليله على من لك عليه نصفه جاز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعط.
اللخمي: قد اختلف في هذا فيمن أسلف عينًا ليحال بها، قال: ومنعه في الموَّازية:
الجزء: 5 - الصفحة: 200
دفع دينار لرجلين نصفه صرف من أحدهما ونصفه قضاء للآخر أوهبة، على منع صرف دينار من رجلين وعلى جوازه يجوز.
وفيها: لا بأس ببيع شريك في حلي حصته منه لشريكه بوزن نصفه وكذا نقرة بينهما وروى أشهب: لا يجوز في النقرة إذ لا ضرر في قسمها ككيس مطبوع بينهما فيصير ذهبًل بذهب ليس كفة، وإنما جاز في الحلي لما يدخله من الفساد، وإنه لموضع استحسان.
اللخمي: قيل المنع؛ لأنها إن قسمت نقصت فالمأخوذ عن نصفها أكثر منه والأول أحسن؛ لأن النقص لم يقع بعد وعورض عنه على وفاته ويجوز هذا في الدراهم إن وزنت بالحضرة وأعطى وزنها بتلك الصنجة، وبغيرها لا يجوز لإمكان الاختلاف، وهو معنى قول أشهب في الدراهم.
وفي كون الدينار كالحلي ومنعه فيه فتوى ابن عبد السلام وابن قداح، وقال فيما أخبرني ثقة عنه حين ذكرت له فتوى ابن عبدالسلام: الله حسيبه مرتين.
وأخذه ابن عبد السلام من قولها في الحلي أخذا أحرويًا، وقال: لأن قطع الحلي يجوز بخلاف الدينار، ونحوه قول أبي حفص: يجوز في الدنيا والحلي للضرورة، وقد يفرق بأن الحلي يراد لعينه وصياغته، وكذا النقرة لغرض في عينها؛ لأنهما لو استحقا ثمنًا فسخ البيع بخلاف الدنيار، ولذا قال في إجازته في الحلي: إنه لموضع استحسان، وذكر اللخمي في الدينار الجواز كأنه المذهب، وقيل: كان طبقة شُيُوخ ابن قداح كالشَّيخ الفقيه الشهير أبي محمد الزواوي، والشَّيخ الفقيه الأصولي أبي القاسم بن زيتون كانوا يفتون بالمنع، وإن ابن قداح كان يفتي بالجواز حتى ذكر له ذلك فرجع عنه للمنع.
وتحقيق المساواة الممكن في الذهب به والفضة بها شرط على كل تقدير يمكن، وعليه منع مالك في ثالث سلمها مائة دينار كيلًا، بمثلها مع كل منهما مائة درهم كيلًا، ويناقض بقول ابن القاسم في شركتها لا بأس أن يخرج هذا ذهبًا وفضة، وهذا مثله من ذهب وفضة؛ لأن الشركة بيع في بعض ما أخرج كل منهما، ولذا منع ابن القاسم شركة أحدهم بدنانير والآخر بدراهم ولو تساوت قيمتاهما، ويجاب بأنه لما كان كل منهما في البيع مختص بما يأخذ من صاحبه قويت تهمة قصد كل منهما أجود عوضي صاحبه عنده
الجزء: 5 - الصفحة: 201
من مقابله في عوضيه لأجود عوضيه لمقابله في عوضي صاحبه الملزومة للتفاضل الموجب للمنع، والشركة لا اختصاص فيها.
وفي جواز شراء غير ذهب وفضة ببعض درهم وأخذ باقيه فضة، وإن كان أكثر من نصف الدرهم ومنعه مطلقًا أو فيما زاد على الثلث، ورابعها: فيما زاد على النصف لنقل التونسي مع صاحب الأمر المهم قاصرًا ما زاد على النصف على ثلاثة أرباع مضعفًا له، والمازري مع الصقلي عن سَحنون، وأخذه بعضهم من قولها أصل قول مالك: لا تجوز فضة بفضة مع أحدهما أو مع كل منهما سلعة ولو كانت الفضة أكثر، واللخمي عن محمد عن ابن القاسم مع أشهب قائلًا: وأخذ ببقيته صغارًا واللخمي مع غيره عن مالك مع ابن القاسم.
اللخمي: ومنعه أشهب في الموَّازية، وقال مالك: كنا نكرهه.
قُلتُ: فيكون خامسًا، وزعم صاحب الأمر المهم أن مذهب المدَوَّنة فيما زاد على النصف الكراهة بمعنى التنزيه بناء على لفظ البراذعي إن أخذ بثلثه طعامًا وبباقيه فضة فمكروه، ويرد بأن لفظها إن كان الثلثان فضة، والثلث طعامًا أيجوز في قول مالك؟ قال: لا يجوز.
قُلتُ: لم كرهه إذا كانت الفضة أكثر من الطعام وجوزه إذا كان الطعام أكثر؟ قال: لأن المراد الطعام لا الفضة وللرفق بالناس، فغير البراذعي وقوع لفظ الكراهة في لفظ السائل مع أنها بعد لفظ لا يجوز وتبع في ذلك مختصر الشَّيخ، وألزم اللخمي قول أشهب بقصر الجواز على بلد لا فلوس به منعه في بلد فيه دراهم صغارًا.
قُلتُ: فيلزم المنع مطلقًا، أو إجازة رد غير مسكوك، ونقل اللخمي فيه عن المذهب المنع خلاف مقتضى قول الصقلي عقب تعليله الجواز بالضرورة، وهذا في بلد فيه الدراهم، الكبار خاصة أو فيه الكبار والصغار، ولا يكون عند المشتري إلا درهم كبير، ثم قال: وأما في بلد الغالب فيه الخراريب الصغار فلا يجوز أن يأخذ بنصفه طعامًا، وباقيه من الخراريب ولو دفع درهمًا خراريب وأخذ بنصفه طعامًا وباقيه خراريب، لبان قبحه إذ لا ضرورة.
ولو تقدم البيع ببعض درهم، ففي جواز دفعه وأخذ بقيته كما لو وقعا معًا قولان لسماع عيسى ابن القاسم: من ابتاع سلعة بثلثي درهم
الجزء: 5 - الصفحة: 202
ثم ذهب فأتاه بدرهم ورد عليه ثلثه فضة فلا بأس به، ولو كان أسفله الثلثين لم يجز؛ لأنه لو ابتدأ الشراء بثلي درهم، فلا بأس أن يأخذ ثلثه فضة ولو أخذ منه قطعتي فضة بثلثين، وثلث بدرهم دون كيل لم يجز ولو كان في المجلس.
وقول ابن رُشْد: القياس والنظر عدم جوازه في البيع والسلف، واستخفه في البيع؛ لأنه درهم قائم لا مجموع.
قُلتُ: ظاهر قول السماع: وأخذ ثلثه فضة، وعدم تقييده.
ابن رُشْد: جوازه غير مسكوك، كما تقدم للصقلي.
وفي مسائل الاقتضاء، تمام هذا النوع.
باب في شرط الرد في الدرهم
فشرط الرد على المشهور متفقًا عليه كونه في درهم كل الثمن، وسكة المردود، وعدم زيادته، وعدم حضوره للمبتاع وتأخره على البيع ومناجزته، والمبيع كالصرف.
الشَّيخ: روى ابن حبيب: من ابتاع تور نحاس بدرهمين ودانق، أكره أن يعطيه عن الدانق فلوسًا.
الصقلي: والشَّيخ عن محمد: كره مالك شراء حنطة بثلثي دينار يدفعه ويأخذ ثلثه
الجزء: 5 - الصفحة: 203
قطعة ذهب منقوش.
قُلتُ: نقل بعضهم جواز الرد في الدينار لا أعرفه، وذكر عن بعض عدول بلدنا المدرسين فتواه به، فبعث إليه القاضي ابن عبد السلام أو أتاه فسأله عما نقل عنه ليؤنبه على ذلك فأنكر فتواه بذلك، وسمع ابن القاسم لا بأس بأخذ دنانير مضروبة من أهل دار الضرب يدفع وزنها ذهبًا مصفى مع أجر ضربهم لمشقة حبس ربها، وخوفه.
ابن القاسم: ثم قال: ما هو من عمل الأبرار، وسمعته يتكلم به غير مرة ولا يحرمه، وينحو إلى أن لا يعمل به الرجل في خاصة نفسه، قال عيسى: (لا يعجبني).
ابن القاسم: أراه خفيفًا للمضطر ذي الحاجة.
قال مالك: ولا خير في أخذ حلي مصنوع بوزنه وأجرته.
ابن رُشْد: خففه مالك في دار الصرف لما ذكر، والصواب أن لا يجوز إلا مع الخوف على النفس المبيع أكل الميتة، وإنما خففه مالك ومن تبعه دون البلوغ لما يحل الميتة مراعاة لما روي عن ابن عباس لا ربا في إلا في النسيئة وروي أنه رجع عنه، وما خففه مالك.
قال ابن حبيب: هو حرام ولو على مضطر، وهو قول ابن وَهْب وأكثر أهل العلم، ومسألة الصانع لم يجزها مالك ولا أحد من أصحابه.
الشَّيخ: في الواضحة: لو راطل رجل صائغًا بفضة ولم يذكر صوغًا، ثم دفعها إليه بالمجلس لصوغها لم يجز إلا بعد التفرق، وبعد ذلك وصحته.
وفي جواز خلط أذهلب الناس بعد تصفيتها ومعرفة أوزانها أقوال:
الشَّيخ: روى محمد لا أحبه وأرجو خفته للمسافر لاحتباسه، قال في العتبية:
ولخوفه العُتْبِيّ عن سَحنون عن ابن القاسم خفيف لذي الحاجة، وعن عيسى: لا يعجبني محمد روى أشهب إنما كان هذا حين كانت الذهب لا تنقش والسكة واحدة، واليوم في كل بلد سكة.
محمد: زالت الضرورة فلا يجوز.
وفي جواز جمع حبوب ذات زيت لناس شتى بعد معرفة قدر ما لكل منهم ليقسم زيته على أقدارهم سماع ابن القاسم، في كتاب الشركة وقول سَحنون: لا خير فيه مع
الجزء: 5 - الصفحة: 204
قول ابن حبيب سألت عنه من لقيت من المدنيين والمصريين فلم يرخصوا فيه.
قُلتُ: يتفق اليوم على منعه لكثرة المعاصر ويستخف جمع ما لا يمكن عصره فيها لقتله مع اتحاد أرض الزيتونين.
وفي جواز دفعه وأجرة عصره لأهل داره وأخذ قدر ما يخرج منه زيتًا ومنعه نقلا ابن بشير.
قُلتُ: لم يذكر غيره مسألة الزيتون إلا في الجمع، وما ذكره لم أره لأقدم منه مع ما تقدم في مسألة الصائغ، ومباح المحلى بتبع له ذهب أو فضة في جواز بيعه بها أو بذهب، ومعه مطلقًا، ثالثها نقدًا وفسخ لأجل، ورابعها يكره له ولا يفسخ.
للخمي مع غيره عن سَحنون ومحمد عن ابن عبد الحَكم وابن القاسم مع مالك ومحمد مع الشَّيخ عن أشهب، ولبناء سَحنون قوله على إلغاء التبع قال: لو استحق لم يرجع له بشيء كمال العبد، وفي حد التبع بثلث المحلى أو نصفه ثالثها بدون الثلث للمعروف والباجي عن بعض البغداديين، ونقل ابن شاس.
ابن بشير: لا خلاف منصوص أن الثلث يسير، ثم ذكر القول في شجرة الدار المشترطة ثمرتها في كرائها قبل زهوها إنه لا يبلغ بها الثلث.
وفي اعتبار الحلية بوزنها أو قيمتها نقلا الصقلي عن بعض القرويين محتجًا بالقياس على نصاب السرقة، وعن ظاهر الموطأ مع الموَّازية، وصوبه بأن الحرمة تقع بالأقل.
قُلتُ: الأول الجاري على ما يأتي لسَحنون من لغو قيمة الصياغة والثلث أو النصف هو من مجموع الحلية أو قيمتها مع قيمة المحلى النصل والجفن، وتعقب ابن عبد السلام تفسيره.
ابن بشير: بنسبته للجفن والنصل فقط محتجًا ببياض المساقاة وثمرة الشجرة في الدار المكتراة حسن، ونقل الصقي نص ابن حبيب على النسبة للمجموع ومثله للخمي عن المذهب، وهو نصها في المصوغ من ذهب وفضة الباجي: شرط التبع كونه مرتبطًا ربطًا يضر نزعه من المحلى كالفص، وحلية اليف المسمرة في حميلته وجفنه وحلية المصحف المسمرة فيه، والقلائد التي لا يفسد غير نظمها ظاهر المذهب لا أثر لها في الإباحة، وقاله ابن حبيب.
الجزء: 5 - الصفحة: 205
اللخمي: إن كانت الحلية قائمة بنفسها صنعت ثم ركبت وسمرت أرى لها حكم المنقوض إذ لا كبير مضرة في نزعها وردها بخلاف ما موه به السيف أو أنزل في قائمه وشق نزعه، وإزار ثوب المرأة كمنفصل، إذ لا كبير في نزعها ورودها.
ابن بشير: ما أمكن نزعه دون فساد وأجر كمنفصل ومقابله معتبر وفيما، بأجر فقط قولا المتأخرين.
وفيها: لا يصلح لمن اشترى سيفًا محلى نصله تبع لحليته بدنانير قبضه حتى ينقد ثمنه، فإن باعه مشتريه قبل نقد ثمنه، فإن وقع بيع ونقده معًا لم ينقض، ولو قبضه وفارقه قبل نقده وباعه ثم علم قبح فعله ولزمت قيمته يوم قبضه، وكذا عيبه بقطع أو كسر جفنه، ولا يفوت بحوالة الأسواق؛ لأن الفضة كدراهم لا تفوت بها.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: إنما يفوت بكسر جفنه إن انكسرت حليته؛ وإلا فكسره يسير.
عياض وابن محزر: قوله: ثم علم قبح فعله دليل عدم قصده ببيعه تفويته، ولو قصده ما فات به.
الصقلي: إنما أراد ابن القاسم أنه بربط حليته أسبه العرض، ولم يفته بحوالة سوقٍ لكثرة فضته.
قُلتُ: شبهة العرض لا تنفي يسارته، واعتبار كثرة حليته تمنع شبهة العرض.
ابن بشير: في فوته بانكسار جفنه دون الحلية طريقان: في تفسيرها بناء على اعتبار افتقار النصل له فصار كجزٍئه.
واعتبار الجفن في نفسه فيمضي بمنابه من القيمة ويفسخ ما عداه كمبيع بيعًا فاسدًا فات يسيره.
قُلتُ: هما طريقا ابن محرز ونقله عن ابن الكاتب.
الصقلي: منع سَحنون فوته بالبيع ونقضه ولو تعدد، قال: ولو فاتت عينه أو انقطع أو انكسر جفنه رد وزن الفضة وقيمة النصل والجفن، وتعقب الشَّيخ قوله: وزن الفضة بأن للصياغة حظًا في الثمن، وبعض القرويين بأنه خلاف أصلهم فيمن استهلك مصوغًا إنه يغرم قيمته.
عياض: تأول اللخمي قوله: وزن الفضة أي: مصوغًا.
قال على أحد قولي مالك
الجزء: 5 - الصفحة: 206
في القضاء في المصوغ بمثله قالوا: وقول ابن القاسم: لا تفيته حوالة الأسواق خلاف قول محمد: تفيت الحلي الجزاف وفيها: لم يجز مالك بيع السيف فضة حليته، أو ذهبها الثلث بذهب، أو فضة لأجل ورآه إن وقع ونقض المشتري حليته جائزًا؛ وهو رأيي، وقد أجاز بيعة بذلك لأجل.
ابن محرز: أمضاه بالثمن لا القيمة لخفة كراهيته بخلاف ما نصله تبع لحليته، وجعله بعض المذاكرين تناقضًا غير صحيح.
اللخمي: ثوب النساء معلمًا بذهب غير مستهلك لخروجه منه بعد حرقه علمه كحلية السيف يعرف قدره بسؤال أهل صنعته إن قالوا: فيه خمسة دنانير فإن كانت قيمة الثوب بعلمه وصنعته خمسة عشر، فأقل جاز بيعه بذهب وإلا فلا ولا ينظر لقدر الذهب وقيمة الثوب بغير علم لأدائه لسقوط الصنعة، وهو ظلم بالمتبايعين، وإن فقط أهل المعرفة به، فإن زادت قيمته بعلمه على قيمته دونها نصفها فأقل جاز، وإلا فلا وما لا يخرج بحرقه ذهب في لغوه لاستهلاكه واعتباره لوجود عينه احتمال وعلى اعتباره معرفة قدره بما مر.
قُلتُ: ولم يحك المازري وابن بشير فيه غير تردد اللخمي، ولما حكاه ابن شاس، قال: وذكر غيره عن المتأخرين قولين، ولما ذكر ابن شاس تردد اللخمي.
قال: مع أنه حكى الاتفاق في الجلود التي يغزل منها هذا النوع قبل أن تغزل على منع بيعها بذهب إن كانت منه وبفضة إن كانت منها.
وحكى ابن محرز الخلاف فيه عن الأشياخ نظرًا لعين ما فيه أو استهلاكه.
قُلتُ: ولا يلزم من المنع في هذا المنع فيما تردد فيه اللخمي، وحكى فيه ابن الحاجب قولين، وعبر ابن محرز واللخمي عن هذا الجلد بالمسمنطر.
قال المازري: هو الجلد الذي يركب عليه الذهب.
وفي منع بيع المصوغ من ذهب وفضة، أحدهما: ثلثه بنوعه وجوازه قولها.
قال مالك: في حلي ثلثه ذهب وثلثاه فضة أو بالعكس، لا يباع بأقلهما وأجازه أشهب، ورواه علي وصوبه اللخمي قائلًا: كما لم يختلف في مصوغ بهما وبلؤلؤ وهما ثلثه والجوهر ثلثاه.
الجزء: 5 - الصفحة: 207
قُلتُ: هذا خلاف نقل ابن بشير إن كانت الحلية المباحة من ذهب وفضة تابعة للعرض الذي معها ففي جواز بيعه بالعين قولان، وعلى جوازه في قصره على أقلهما قولان، وإن كان العرض تابعًا للحلية جرى على المختلط من ذهب وفضة، ومثله قول المازري: ما حليته من ذهب وفضة وحليته تابعة له في جواز بيعه بنوع أحدهما روايتا محمد، وعلى الجواز.
في بيعه بأحدهما مطلقًا أو بنوع أقلهما قولا محمد وابن حبيب.
عياض عن ابن حبيب: إن كانا جميعًا أكثر من ثلث المحلى بهما فلا يحل بيعه بأحدهما ككون ما فيه من الذهب تسعين أو ثمانين، وقيمة الحجارة مائة، فإن كان أحدهما تبعًا والآخر أكثر كم التبع فلا بأس ببيعه بالتبع لا بالأكثر ككون قيمة الحجارة مائة والذهب سبعون والفضة عشرة، فإن سبعين أكثر من الجملة أو يكون الذهب مائة الجوهر خمسين، والفضة خمسين.
فضل: وروايته هنا على رواية أشهب وعلى رواية ابن القاسم لا يجوز بأحدهما.
قُلتُ: ذكر الشَّيخ هذا عن ابن حبيب دون مثال، وسمع ابن القاسم في الحلي المصوغ من ذهب وفضة مثل رواية علي فيه ورجوعه عنه قائلًا: ما رجع إليه أحب إليَّ، وزاد إن لم يكن أحدهما ثلث المصوغ منهما فأقل لم يبع بنوع أحدهما.
ابن رُشْد: هذا بين أنه لا يجوز بأقلهما إن كان أكثر من الثلث على قول مالك الأول، وقول أشهب، وإن كان ابن أبي زيد اختصره على ذلك فهو غلط.
قُلتُ: ما نسبه الشَّيخ لم أقف عليه، وظاهر كلام ابن رُشْد، هذا غير مفهوم صوابه إلا أن يريد باسم الإشارة إلى نقيض ما ذكره، وكيف نقلته وجدته في غير نسخة واحدة، قال: وقول ابن القاسم أحوط؛ لأن كلًا من الذهب والفضة مضبوط به يقع تقويم الأشياء فلم يكن أحدهما تبعًا للآخر إلا أن يكون أحدهما بحيث لا يؤبه به، فيكون تبعًا، رواه زياد، وقال التونسي: القياس قول أشهب كالتبع للعرض وقد بينا الفرق بينهما ولشرط اعتباره التبعية بالإباحة قال فيها: ما حلي بفضة من سرج، أو قدح، أو سكين، أو لجام أو ركاب مموه، وسبه ذلك لا يجوز بيعه بفضه، وإن قلت حليته.
أبو حفص: الثوب الذي فيه علم ذهب غير السمنطر مثل: الذهب الذي يصح أن يخرج منه الذهب الذي هو غير مستهلك إن كان هبة دينار فأكثر لم يجز بيعه بدراهم؛
الجزء: 5 - الصفحة: 208
لأنه صرف وبيع، وإن كان أقل من دينار جاز بدراهم لا بذهب؛ لأنه غي مباح؛ لأنه سرف، وإن كان من لباس الرجال لم يجز بيعه بحال.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم لابن محرز واللخمي.
وفي منع الربا بين السيد وعبده قولان للمشهور معها، ونقل غير واحد عن ابن وَهْب وخرجهما اللخمي على كون مبايعته إياه حقيقة أو انتزاعًا وهبةً من السيد قال: وقال ابن القاسم: من أعتق عبده على عبد بيده لا مقال له عليه في عيب ولا استحقاق، وقال: رهن العبد سيده في كتابته انتزاع.
وفي ذبائحها بلغني أن عمر كتب للبلدان ينهاهم أن يكون اليهود والنصارى
صيارفة بأسواقهم.
وفيها: أيجوز أن أصارف عبدًا لي صيرفيًا؟ قال: لا بأس به عبدك وغيره سواء، وكره مالك أن يكون النصارى بأسواق المسلمين لعملهم بالربا ورأي أن يقاموا.
عياض: كذا عندي، وفي الأسدية والمبسوط وعليه اختصرها كثير ولذا زاد ابن أبي زمنين: إذا كان مسلمًا، وفي بعض النسخ: نصرانيًا صيرفيًا وعليه اختصرها أكثرهم، وقوله: كره مالك أن يكون النصارى صيارفة، دليل صحة رواية نصرانيًا وقيل: إنما يجوز مصارفة النصارى بغير السكة التي فيها أسماء الله.
قُلتُ: الأول عزوه لها في التجارة بأرض الحرب منها: لا يشترى من حربي أو ذمي، بالعين التي فيها أسماء الله تعالى.
اللخمي: كثر العمل بالربا من غير النصارى، فالصرف من النصراني العامل به أحسن من مسلم يعمل به؛ لأن النصراني غير مخاطب بعمل الربا على الصحيح، ولو أسلم حل له ما بيده ولو تاب المسلم ما حل له ما بيده.
ابن بشير: قولها: لا بأس بالصرف من عبدك النصراني هو وغيره سواء مع كراهته الصرف من النصراني كمتناقض، ويحتمل أن يريد الكلام على العبد دون وصف كونه نصرانيًا، وفي التجارة بأرض الحرب منها لا أرى لمسلم ببلد الحرب أن يعمل بالربا مع حربي.
الجزء: 5 - الصفحة: 209
باب المراطلة
المراطلة: بيع ذهب به وزنًا أو فضة كذلك؛ فتخرج الفلوس وتدخل بزيادة أو
الجزء: 5 - الصفحة: 210
فلس بمثله عددًا لا وزنًا في آخر ثالث سلمها: لا يصلح فلس بفلسين نقدًا ولا مؤجلًا والفلوس في العدد، كالنانير والدراهم في الوزن، وقول ابن الحاجب وابن بشير بيع العين بمثله وزنًا يرد بقصوره على العين دون أصلها فالموزونان إن اتحدا في الجودة أو اختص بها كل أحدهما أو كانا في الرداءة كذلك جازت، وإن اختص بعضه بجودة وبعضه برداءة لم تجز.
ابن حارث وابن رُشْد وابن بشير: اتفاقًا، وإن اختص بعضه فقط بأحدهما ففي جوازه قولان، للمشهور معها، وسَحنون.
المازري: مراطلة ذهب برديء وجيد لا يعرف قدلاه منه لا يجوز، ونقل ابن رُشْد غحتجاج سَحنون بالقياس على منع ذلك مد قمح ومد شعير بمثلهما للذريعة.
الشَّيخ عن محمد: كل وجوه المراطلة جائزة، إلا ما بعضه أجود وبعضه أردى، أو
الجزء: 5 - الصفحة: 211
ما رجح فيه ذهب أحدهم فأخذ لرجحانه شيئًا عرضَا أو ورقًا.
وفيها: يدخل في كليته جواز ترك الرجحان دون عوض.
قُلتُ: نص حرمته والإجماع على ثبوت رجوع ابن عباسٍ.
الشَّيخ: روى محمد كل ما منع فيه التفاصيل من عين وطعام لا ينبغي أن يجعل مع جيده رديء يستحل به التفاصيل.
قال: وخفف مالك أن يجعل مع الجيد من المالين لا عتدال الميزان قطعة ذهب ثلثًا فأقل إن لم يقصد بها فضل عيون ما معها.
محمد: ما لم تكن القطعة ردية، مالك: وإن كان فيها قدر الدينار لم يجز، إلا أن يكون مثل المنفردة فأجود.
قُلتُ: ظاهره جواز ما بعضه أجود وبعضه أردأ إذا قل، ولم يذكره ابن رُشْد ولا أكثرهم، وعزا ابن عبد السلام قوله: وإن كان فيها قدر الدينار لمحمد وهو في النوادر لمالك، كما مر، وسمع ابن القاسم: لا بأس بالمراطلة بالصنجة في كفة واحدة.
ابن رُشْد: هي أصح من كون الذهبين في كفتين ليتفق المماثلة بالصنجة والتحرز من عدمها بعين تكون في الميزان، وعزا المازري هذا الترجيح لبعض شُيُوخه، وصوبه، وسمع القرينان: لا بأس بالمراطلة بالشاهين إذا كان عدلًا.
ابن رُشْد: لا فرق بينه وبين غيره من الموَّازين، وقال وكيع: في قوله تعالى: وزنوا المستقيم [الاسراء] هو الشاهين ابن سيدة: هذه كلمة غير عربية.
قُلتُ: وأظنه الميزان المسمى عندنا بالقرسطون وهو لا يحصل به تحقيقًا؛ لأن الوازنين فيه قد يختلفان لجواز استواء مختلفي القدر في الزيادة على قدر معين، وقول ابن الحاجب الوزن بصنجة جائز، وقيل: بكفتين يقتضي وجود القول بمنعه بالصنجة، ولا أعرفه إلا نقل المازري.
قال ابن كنانة لمالك لما قال بالمراطلة بالصنجة: إنهم يقولون إنما المراطلة كفة بكفة، فقال: لا بأس بذلك كله إذا اعتدل الوزن، ولعل هؤلاء الذين حكى عنهم ابن كنانة رأوا أن كفة بكفة أسرع تناجزًا.
قُلتُ: أو لأن مساواة قدر لقدر في الحس بتسويته به دون وسط أبين في يقين تساويهما من مساواته بتوسط مساواته، ولذا إذا كثرت الأوساط بينهما بان
الجزء: 5 - الصفحة: 212
اختلافهما، أبو حفص: والشريكان في دراهم وزناها بمثقال مائة، لا تجوز مراطلة أحدهما الآخر عن نصفه، فيها مثقال خمسين لجواز الاختلاف، ولو كانا وزناها وزنتين بمثقال خمسين جازت به، ولا يجوز مراطلة دينار وزن بمثقاله بوزنه بمثقالين النصف، بخلاف حلي أو دينار بينهما تجوز عن نصفه بمثقاله.
وفي اعتبار السكة والصياغة مقالات وطرق: عبد الحق عن بعض القرويين: في مراعاة السكة قولان لقول «الموَّازية»: مراطلة دراهم بيض بسود أفضل من البيض معها فضة مكسورة مثل فضة البيض لا يحل مع قول ابن القاسم في الموَّازية، مراطلة تبرٍ بدينار، وتبر أدنى من المنفرد لا تجوز، وقولها: مراطلة مسكوك بآخر معه تبر وهما أدنى من المنفرد جائز.
قال القروي: لو راعى السكة لم تجز؛ لأن التبر أدون وما معه له فضل السكة، فكان لا يجوز.
فقبله عبد الحق ورده الصقلي بأن المنفرد أرفع منهما فالفضل في جهته فقط وصحح المازري وجود القولين فذكر الأول كما مر، وقال: وأجاز ذلك في «المدَوَّنة»، قال فيها: من راطل تبرًا بتبر ودنانير، وهما أدنى من المنفرد جاز، فلو اعتبر السكة كان التبر المنفرد وسطًا؛ لأنه أجود مما يقابله من تبر، وأدنى مما يقابله من مسكوك لفضل سكته.
قال: وردَّ هذا التخريج بعض المتأخرين بأنه إنما ذكر في «المدَوَّنة»: إن التبر والدنانير دون التبر المنفرد وكون المنفرد أعلى جائز، وما قاله غفلة عما نبهنا عليه.
قُلتُ: قول المازري هذا وهم؛ لأنه نقل مسألة المدَوَّنة على أنها في تبرين حسبما ذكره، وليست كذلك، إنما هي في مسكوكين حسبما ذكرها عبد الحق في «تهذيب الطالب»، وكذا نقلها الصقلي وكذا هي في «المدَوَّنة» و «التهذيب»، وما عزاه للمدَوَّنة في التبرين نص ابن القاسم في سماع أَصْبَغ على عدم جوازه كما تقدم عنه في الوَّازية، وقال ابن رُشْد في سماع أصبغ: هذا وفاق لقوله في المدَوَّنة.
ولما ذكر التونسي قول الموَّازيَّة في الدراهم السود والبيض قال: وكذا تجنب إن كان التبر وما معه أجود؛ لأن التبر الذي مع الدنانير فيه جودة الذهب وهو دون المنفردة لعدم سكته، قال:
فإن قيل: يلزم عليه منع دنانير فيه جودة الذهب وهو دون المنفردة لعدم سكته، قال: فإن قيل: يلزم عليه منع دنانير بتبر أجود لتركه الجودة للسكة قيل: لا
الجزء: 5 - الصفحة: 213
يلزم هذا؛ لأنه يلزم عليه جواز تبرين بتبر متوسط بينهما، لأن كل تبر لو انفرد بأجود منه أو أردأ جاز.
قُلتُ: لا يخفى خلل هذا البحث لتريبه فيه جوازا على منع، فإن أراد به ترتيب حكم الفرع على حكم الأصل في القياس التمثيلي بطل؛ لأن شرطه مماثلة حكم الفرع للأصل، وإن أراد ترتيب لازم على ملزوم اثتثى نفيض لازمه فلا ملازمة بينهما بحال، ثم قال: ما حقه أن يقول أولًا؟ فأجاب: بأن المنفرد الوسط وبين ما يقابله يجب فيه الفض فيؤدي إلى التفاضل، والنتفرد لا فض فيه.
قُلتُ: وتمامه بجواب سؤال إن قيل: كما لزم فض المنفرد الوسط على ما هو وسط منهما، يجب فض المسكوك الأدنى من مقابله الأجود غير مسكوك؛ لأن سكته وسط بين جودة ما يقابله وعدم سكته قيل ما هو وسط بينهما في مسألة المنع أمران كل منهما قائم بنفسه يستقل بتعليق التقويم به دون الأخر فتتعدد قيماتهما فيمكن الفض، وما هو وسط بينهما في صورة الجواز أمران هما صفتان لموصوف واحد لا يستقل أحدهما بقيمة دون الآخر، وما هما له يمكن تقويمه من حيث كونه موصوفًا بهما، فاتحدت القيمة فامتنع الفض.
المازوي: إن كان لأحدهما فضل، وللآخر فضل آخر، فمعروف المذهب جوازه، وروى الأبهري كراهة مراطلة أفضل عين بأفضل في الجواز؛ لأنها مبايعة أخرجتها عن المعروف.
قُلتُ: ويأتي على نقل ابن شاس: أن السكة والصياغة في المراطلة كالاقتضاء قول ثالث بالمنع.
اللخمي: في اعتبار السكة والصياغة مطلقًا أو فيما لم يتساويا في الجودة، نقل الشَّيخ أبي الحسن وقوله، ثم قال اللخمي: مراطلة دنانير سكة واحدة بدنانير سكتين إن اختصت المنفردة بجودة أو رداءة جازت، وإن تساوت إحدى الأخريين فعلى القولين، وإن توسطت امتنعت؛ لأنها مبايعة توجب قبض المنفردة على قيمتي السكتين فيختلف منابهما فيقع التفاصيل، وكذا لو ظهر في إحجاهما عيب لم يرجع بنصف الدنانير، وكذا مراطلة مسكوك بتبرين أو تبر ومسكوك، وإنما يراعى في المسكوك نفاقه لا صفة ذهبه،
الجزء: 5 - الصفحة: 214
وإنما يراعيها الشَّيخ أبو الحسن، وعلى القول الآخر يراعى الذهب والسكة إن كانت الدنانير المنفردة أنفق من الدنانير والتبر، وذهبهما أردى لم يجز، وكذلك إن كانت المنفردة أنفق من الدنانير ودون التبر، أو أنفق من التبر ودون الدنانير؛ لأنها تختلف بالفض، ومراطلة مسكوك، وتبر بمسكوك وتبر إن تساوت السكتان، واختلف التبران أو العكس، جائزة على قول ابن القاسم لا سَحنون.
ابن شاس: في اعتبار السكة والصياغة كما في الاقتضاء ولغوهما إذ لو اعتبرا كانا مع العين كعرض فيجب المنع ولم يقله أحد، ثالثها الصياغة فقط؛ لأنها مقصودة والسكة علامة فقط، وفي اختصاص الأقوال باتحاد العوضين أو تجري مع الاحتياط قولا المتأخرين، والظاهر أنها لا تجري لوجود القصد إليه فيتفق اعتبارهما مع الاحتياط.
قُلتُ: وعلى هذا يجب حمل قول ابن الحاجب: وفي اعتبار السكة والصياغة كالجودة طريقان: الأولى ثالثها: تعتبر الصياغة فقط، والثانية تقييد الأقوال باتحاد
العوضين واعتبارهما إذا اختلف العوضان.
ابن عبد السلام: قوله: والثانية تقييد الأقوال باتحاد العوضين واعتبارهما إذا اختلف العوضان يعني: إن كانا متساويين في الجودة والرداءة، ألغيت السكة والصياغة اتفاقًا، وهذا هو مراد المؤلف باتحاد العوضين وإن اختلفا في الجودة والرداءة فها هنا تختلف في اعتبار السكة والصياغة وهو مراد المؤلف بقوله: واعتبارهما إذا اختلف العوضان.
قُلتُ: هذا وهم من وجهين:
الأول: جعله اتحاد العوضين محلًا للاتفاق على إلغاء السكة والصياغة وليس كذلك إنما هو محل الاتفاق على وجود الأقوال الثلاثة فيه، وجعله اختلاف العوضين محل الاختلاف بيس كذلك، إنما هو محل للاتفاق على اعتبارهما حسبما نص عليه ابن شاس وهو الذي يشهد له قاعدة الفض.
الثاني: تفسيره الاتحاد بالتساوي في الجودة والرداءة، ليس كذلك، إنما هو في كون عوض كل منهما من صنف واحد تساويا في الجودة أو اختلفا، وتفسيره الاختلاف
الجزء: 5 - الصفحة: 215
باختلافهما في الجودة والرداءة ليس كذلك إنما هو كون عوض أحدهما من صنفين بحيث يفرض الفض، ومن تذكر ما تقدم من الأقوال والروايات اتضح له ذلك.
وفي المراطلة بالمسكوك دون معرفة وزنه قولا الصقلي مع ابن عبد الرحمن، والقابسي محتجًا بمنع بيع المسكوك جزافًا، ونقل الصقلي عنه أولًا: لفظ المنع، وثانيًا: لفظ الكراهة، ولو وجد من راطل تبر ذهب أصفر بدنانير ذهب أحمر فوجد فيها ما لا يجوز في السوق وذهبه أحمر جيد ففي تمكينه من رده قولا أشهب وابن القاسم فيها قائلًا: لأنه إنما يرجع بمثل ما يرد أو أدنى، وكذا لو راطل تبرًا بخلخال ذهب مثل تبره أو أجود.
وفيها: كره مالك أن يصرف دراهم من رجل بدنانير، ثم يبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك، وغير عيونها في الوقت أو بعده بيومين.
ابن القاسم: إن طال الزمان وصح أمرهما لا بأس به.
اللخمي أجاز ابن القاسم مراطلة الذهب الأحمر بالأصفر، ومحمله في الأصفر من أصل الخلقة، وإن كان لغش لم يجز لرواية ابن شعبان: إن كانت الدنانير مغشوشة فلا أظن المراطلة بها جائزة.
وعبر المازري عن هذه الرواية بالمنع.
اللخمي: زفيها لابن القاسم: من اشترى دنانير ذهبًا أحمر ابريزا بتبر أصفر، فوجد في الدنانير ما لا يجوز في السوق، فلا يرده إلا أن يكون مغشوشًا فيتنقض من الصرف بقدره فلم يبين هل ذلك إن قام مشتريها بالعيب أم لا؟ وعلى قول مالك ينتقض جبرًا، فلا يجوز تبر بتبر أحدهما مغشوش، فإن دخلا على السلامة، ثم ظهر غش أحدهما أجبرا على نقضه، إن كان المغشوش أجود ذهبا متى أزيل غشه، وإن كان يكون مساويًا أو أدنى جاز؛ لأنه تفضل لا مبايعة.
ابن رُشْد: في كون الدنانير المشوبة بفضة أو نحاس والدراهم المشوبة به يعتبر وزن كلها بما فيها كوزن خالص، واعتبار قدر الخالص فيها فقط في المراطلة والنكاح، والزكاة والسرقة قولان للشُيُوخ مستدلًا قائلهم بالأول بقول أشهب في صرفها، والثاني
الجزء: 5 - الصفحة: 216
الصحيح لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الذهب بالذهب والورق بالفضة إلا مثلًا بمثل، وإنما معنى قول أشهب في اليسير على وجه المعروف لقوله: وإنما يشبه هذا البدل، وكان شيخنا ابن رزق لا يجوز على مذهب مالك مراطلة الذهب العبادية بالعبادية، ولا الشرقية بالشرقية؛ لأنه ذهب، وفضة بذهب، وفضة وذهب بذهب ونحاس بذهب ونحاس، وذكر المازري ما ذكره ابن رُشْد من التقييد، ودليله لبعض الشُيُوخ.
قال: وقال غيره منهم قول أشهب علم في القليل والكثير لقوله: لا بأس بذلك إذا بيع وزنًا بوزن، واغتفار اليسير في المبادلة إنما هو إذا كانت عددًا لا وزنًا.
قُلتُ: هو اختيار ابن محرز، وعلى هذا الاختلاف اختلف شُيُوخ شُيُوخنا في جواز الرد في الدرهم القديم وهو درهم رومي الضرب فيه قدر من النحاس بناء على اغتفاره واعتباره وهو اليوم غير موجود ببلدنا، وسمع عيسى ابن القاسم، من راطل دنانير فوجد بعد مفارقته دينارًا مغشوشًا انتقض عدله فقط.
ابن رُشْد: لأن الذهب تبر، ولو كان حليًا أو دنانير مخالفة لها في الوزن انتقض الجميع.
باب المبادلة
المبادلة: ابن بشير: بيع العين بمثله عددًا، والمذهب حرمة بيع دينار بدينارين،
الجزء: 5 - الصفحة: 217
وفي قصر اللخمي، عزوه لأشهب إيهام، قال: وأجازه المخزومي وإن كان أحدهما نقدًا والآخر لأجل، ولما ذكر ابن بشير نقل اللخمي هذا قال: وليس كما قال إنما ألزم المخزومي أشهب ذلك حسبما يذكر في السلم، وما حكاه اللخمي جمهور الأمة على منعه عدا ابن عباس، وقيل رجع عنه، وعلى المعروف إن اتحدا في القدر والصفة والعدد فواضح، وإن كان أحدهما أوزن فقط، جاز في ثلاثة اتفاقًا وفي الستة روايتا المازري مع اللخمي قائلًا: وكرهه فيما كثر، وظاهر كلام المازري المنع فيماكثر، وصرح به ابن بشير وزاد اتفاقًا.
وفي النوادر عن ابن القاسم: يجوز في دينارين وشبه ذلك، ولا خير في العشرة وسمع ابن القاسم جواز بدل ذهب أو ورق ناقصة بوازنة.
ابن رُشْد: يريد فيما قل كالثلاثة إلى الستة على ما في المدَوَّنة.
ورد سَحنون الستة إلى ثلاثة، الشَّيخ عن العتبيَّة قال مالك: من أبضع معه دينارًا لا بأس أن يبدله بأجود منه عينًا ووزنًا ويعلم صاحبه.
قُلتُ: كذا في النوادر ويعلم صاحبه، وكذا ذكرها الباجي وهي في سماع ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 218
القاسم من كتاب البضائع، وفي نصها: أترى أن يعلم صاحبه إذا أبدله، قال: لا بأس عليه أن لا يعلمه، ولا ضمان عليه.
ابن رُشْد: استخففه لغلبة الظن، أن صاحب الدينار يرضى بذلك، فليس عليه أن يعلمه والقياس أن لا يجوز ابتداء إلا برضاه، وأن يكون ضامنًا له إن فعله بغير رضاه، إذ لا يلزمه قبول معرفه، ولعله لا يرضاه فيدخله عدم المناجزة للخيار الواجب له، وتخفيفه جار على لغو الخيار الحكمي، وأطلق اللخمي والصقلي والمازري والجلاب والتلقين وغير واحد، القول في قدر النقص، وهو ظاهر ما نقله الشَّيخ.
وقال ابن رُشْد في سماع ابن القاسم المتقدم: ظاهر هذه الرواية جواز بدل الطعام المغفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير، ومنع ذلك أشهب كالدنانير الكثيرة النقص.
وفيها: فظاهره الاتفاق على منعه في الدنانير الكثيرة النقص ولم يحد فيه حدًّا، وهو اختيار بعض من لقيناه.
وقال ابن شاس: أبلغ ما اغتفر من النقص سدس دينار وقيل دانق، وعزا ابن عبد السلام الأول للمدَوَّنة، وفيه نظر؛ لأنه لم يذكره تحديدًا؛ بل فرضا، ونصها لو أبدل ستة دنانير تنقص سدسًا سدسًا بستة وازنة فلا بأس.
وفيها: إن كان الناقص أفضل في عينه ونفاقه من الوازن فلا خير فيه.
اللخمي: وكذا إن كانت سكته أفضل منع، وفيها: إن اتفقا في النفاق والجودة، جاز.
قُلتُ: إن كانت سكة الوازن أفضل قال.
قال مالك: لا خير في هاشمي ينقص خروبة بقائمٍ عتيق وازن، فتعجبت منه، فقال لي طليب بن كامل: لا تتعجب، قاله ربيعة.
ابن القاسم: لا أدري من أين أخذه ولا بأس به عندي.
وقال اللخمي ما نصه: إن كانت سكة الأوزان أجود، فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم، قال: وجه شيخنا أبو الطيب قول مالك باختلاف نفاق السكك بالبلاد.
زاد ابن بشير: كمنع اقتضاء سمراء من محمولة.
الجزء: 5 - الصفحة: 219
ابن شاس: وقمح من شعير قبل الأجل.
ابن عبد السلام: ما تعجب فيه ابن القاسم ظاهره أن الأزيد فيه أجود جوهرية لا أجود سكة؛ لأن سكته أموية نسختها السكة العباسية، وهذا هو المعروف في صفة العتيق أنه أجود، وبهذا يبين أن احتجاجهم بمنع اقتضاء القمح من الشعير قبل الأجل غير بين؛ لأن الشعير قد يراد للعلف.
قُلتُ: إن أراد تعقب الاحتجاج بهذه الصورة فقط فواضح إنتاج تعقبه عكسه؛ لأن العلف في الشعير كجودة السكة في الناقص فيتم الاحتجاج، وإن أراد تعقب مطلق الاحتجاج رد بالسمراء من المحمولة، إذ لا علف يخصها، وهذا كله تسليم منهم لجري قول ابن القاسم على القياس وصحة قوله لأسد وسَحنون، لا أدري من أين أخذه، وكلاهما غير صحيح.
أما الأول فلأن الهاشمي الأنقص اختص بقبح النقص، وفضل السكة؛ لأنها الثابتة الناسخة سكة العتيق، والعتيق اختص بفضل الوزن والطيب على ما قاله ابن عبد السلام، واختص بقبح السكة فقد دار الفضل من الجهتين فيجب المنع، وهو قول مالك خلاف قول ابن القاسم وتعجبه وموافقته طليب حيث استعذر بقوله: قاله ربيعة.
وبه يتبين عدم صحة قوله: لا أدري، وفيها: بدل الدينار المصري والعتيق الهاشمي لنقص فيه بدينار دمشقي قائمًا أو بارًّا أو كوفًيا، خبيث الذهب لا يصلح، وهذه كلها هاشمية، إنما رضي صاحب القديم بالناقص الهاشمي لفضل ذهبه وجودته على ديناره، ولو كانا دمشقيين أو مصريين أو عتيقين أو هاشميين لم يكن به بأس على وجه المعروف هذا وجه ما فسر لي مالك.
عياض: البار بتشديد الراء: الرديء، وصوابه الباير، وقال بعضهم: قوله: هذا هو شرح لمسألة طليب، وقيل يحتمل اختلاف قول مالك، وأن هذا رجوع منه لفول ابن القاسم، أبو عمران يحتمل أن: ابن القاسم يجيزه إذا اختلفا في السكة والنفاق معًا ما لم يكن فضل في عينه ولا يجيزه مالك مع إختلاف النفاق، ويجيزه مع اختلاف السكتين إذا اتفق النفاق.
وفيها: بدل مرواني ضرب زمن بني أمية، وهو ناقص بدينار هاشمي ضرب زمن
الجزء: 5 - الصفحة: 220
بني هاشم إن كان كوزنه، وإن كان الهاشمي أنقص فقد كرهه مالك بحال ما أخبرتك ولا بأس به عندي.
قُلتُ: سكة الهاشمي أنفق؛ لأنها الثانية حسبما مر فإذا كان أنقص وجب منعه على كل حال، وإنما يتوجه قول ابن القاسم إن كانت سكته أدنى.
المازري: وشرط بدل الناقص بالوازن اتحاد العدد لا يبدل دينارًا بدينارين.
قُلتُ: لقولها: لو أبدل ستة تنقص سدسًا سدسا بخمسة لم يجز.
اللخمي: يجوز بدل دينار طيب بدينار مغشوش بنحاس أو فضة إن كانت السكة واحدة، وكذا دينار صحيح.
باب في الاقتضاء
الاقتضاء: قبض ما في ذمة غير القابض؛ فيخرج قبض المعين والمقاصة وينقض
الجزء: 5 - الصفحة: 221
بقبض الكتابة لإطلاقاتها على قبض أحد الشريكين في الكتابة اقتضاء وقبض منافع معين لإطلاقهم اقتضاء منافع من دين، وليسا في ذمة فيقال قبض ما وجب منفعةً أو غير معين في غير ذمة قابضه، وهو في القرض بالمماثل أو الأجود صفة جائز اللخمي: وكذا وازن أو أوزن عن مقابله كمائة درهم وازنة عن مائة كل درهم منها نصف درهم.
قُلتُ: هو نصها، وفي تقييدها بكون الأنقص معتبرًا درهمًا بذاته لا نصف درهم، وإلا منع كزيادة كثيرة في العدد كخمسين قيراطًا جديدة تونسية لا يصح عنها خمسون درهمًا جديدة تونسية وإطلاقها فتصح فيها الخمسون عن الخمسين نقلا بعض شُيُوخنا
الجزء: 5 - الصفحة: 222
عن شُيُوخه.
قُلتُ: وهما، نقل اللخمي، وقوله: ثانيًا روى محمد إن قضى أكثر عددًا فلا خير فيه، وإن صح؛ لأنه ذريعة اللحرام فجعله حماية للحرام لا حرامًا، والحماية في العدد والوزن واحد في قضاء مائة درهم وازنة عن مائة وزن كل منهما نصف درهم، وزيادة العدد والوزن فيما أقرض به جملة في جوازه ومنعه إلا رجحان الميزان، ثالثها إلا فيما قل كدرهمين في مائة وإردبين فيها، للخمي عن عيسى بن دينار مع القاضي والشَّيخ عن محمد عن ابن القاسم مع اللخمي عن رواية محمد والشَّيخ عن أشهب مع ابن حبيب قائلًا: في كل شيء إن كانا من أهل الصحة عند القضاء أو بعده ولا قبله، وذكر ابن بشير الثالث جاعلًا الثلاثة كالدينارين في المائة، وقول ابن عبد السلام عزا اللخمي لابن حبيب قول عيسى لم أجده، وقبوله عزو ابن الحاجب الأول لأشهب لا أعرفه، إنما عزا له الشَّيخ والصقلي ما قلناه وقضاء أقل صفة وقدرًا جائز بعد حلوله لا قبله لمنع (ضع وتعجل)، وفيه خلاف، وإن دار الفضل بين العوضين منع ابن بشير اتفاقًا.
اللخمي: إن اختلف الوزن وإن اتفق كان على قولين في كون القضاء، كالمراطلة، والاقتضاء في ثمن البيع كالقرض ويجوز الأفضل مطلقًا، ومسائلها مع غيرها واضحة في اعتبار السكة والصياغة كالجودة والقدر في الاقتضاء.
ابن شاس عن ابن بشير: السكة والصياغة معتبرتان فيه اتفاقًا، ثم حكى فيها عن اللخمي قولين من إجرائه الاقتضاء على المراطلة عول على روايات:
منها: إذا استسلف قائمة بمعيار، أو باع به فله اقتضاء مجموعة مثل وزنها، والمجموعة أكثر عددًا قال: وهذا على أن الاقتضاء كالمراطلة، ورد ابن بشير بأن التعامل بالوزن يلغي العدد، فذكره ابن الحاجب بلفظ: والسكة والصياغة في القضاء كالجودة اتفاقًا، وخرج اللخمي مما إذا باع أو أسلف قائمةً وزنًا إلى آخر رد ابن بشير: فقال ابن عبد السلام: تخريج اللخمي ضعيف؛ لأن دوران الفضل إنما هو باختصاص كل من الجهتين بفضل ليس في الأخرى، وإن اتحد نةع الفضل بينهما فلا دوران، والقائمة والمجموعة في نوع السكة والصياغة في الاقتضاء، واستدل عليه بما تقريره كلما كان الاقتضاء بالمراطلة لزم إلغاء السكة، إنما هو باختصام كل من الجهتين بفضل ليس
الجزء: 5 - الصفحة: 223
في الأخرى، وإن اتحد نوع الفضل بينهما فلا دوران، والقائمة والمجموعة اتحدا في نوع السكة سلمنا صحته في السكة، ولا يلزم في الصياغة؛ لأنها أقوى عند بعضهم حسبما تقدم في المراطلة، وضعف رد ابن بشير بأنه في غير محل النزاع؛ لأن النزاع في السكة والصياغة لا في العدد.
قُلتُ: رده تخريج اللخمي ورد ابن بشير، وهم نشأ عن عدم إدراكه فهم تخريج اللخمي وتصوره، وبيان تخريجه أنه ادعى لغو السكة والصياغة في الاقتضاء، واستدل عليه بما تقريره كلما كان الاقتضاء كالمراطلة لزم إلغاء السكة والصياغة، والملزوم حق لإجازة ابن القاسم اقتضاء المجموعة من القائمة في الصورتين، وهذا؛ لأن للقائمة فضلًا في وزنها، وعينها حسبما قالوه في صفتها، وللمجموعة فضل عددها فلو لم يجعل اقتضاءها منها كمراطلتها بها لم تجز؛ لأن دوران الفضل بينهما في الاقتضاء يمنعه، وفي المراطلة لا يمنعها فثبت أن الاقتضاء كالمراطلة، وبيان الملازمة واضح؛ لأن السكة والصياغة في المراطلة لغو، والاقتضاء ثبت كونه مثلها فوجب لغوهما فيه، فإذا فهمت هذا علمت أن تضعيفه تخريج اللخمي بما ذكر إنما هو لاعتقاده أن اللخمي أخذ من إجازة ابن القاسم المذكورة نفس لغو السكة ثابتة فيهما، واعتقاده هذا وهم، إنما أخذ اللخمي من إجازة ابن القاسم، المذكورة أن الاقتضاء كالمراطلة حسبما صرح به اللخمي في موضعين من كلامه في تبصرته كما قررناه، وقول ابن عبد السلام سلمناه في السكة فلم يلزم في الصياغة بناء على فهمه المذكور، وكذا تضعيفه رد ابن بشير بقوله: إنه في غير محل النزاع بناء عليه فتأمل ذلك، وبما ذكرناه وقررناه سلم.
ابن شاس وابن الحاجب: تخريج اللخمي ورده ابن بشير، وفي صرفها من لك عليه قلوس من بيع أو قرض فأسقطت لم تتبعه إلا بها، وقاله ابن المسيب في الدراهم إذا أسقطت.
وفي رهونها: من باع بفلوس ففسدت فليس له إلا مثلها، ولو كانت حين العقد مائة بدرهم ثم صارت ألفا به، وفي التلقين: من باع بنقد أو أقرضه ثم بطل التعامل به لم يكن عليه غيره، أو قيمته إن فقد.
ابن بشير: حكى الأشياخ عن كتاب ابن سَحنون، إن انقطعت الفلوس
الجزء: 5 - الصفحة: 224
قضى بقيمتها.
ابن محرز: اختلف في هذا الأصل، روى محمد في الفلوس والتمائم من الرصاص تباع بعين لأجل لم لم يبلغه تحريمه، عن أحد وليس بحرام، وتركه أحب إلىَّ.
أشهب: يفسخ إن نزل إلا أن تفوت الفلوس بحوالة سوق، أو تبطل فجعل حوالة أسواقها أو بطلانها فوتًا، وظاهره أنه يرد قيمتها.
ابن بشير: استقراء ابن محرز، يحتمل كونه كما قال، أو إنه قضى بالقيمة؛ لأنها زيوف أو لأنها على صفة لا يوجد مثلها، واختلف فيما دخلته الصنعة، من موزون هل يقضي فيه بالمثل أو القيمة كالغزل.
قُلتُ: يرد استقراء ابن محرز بأن مراد أشهب بقوله: إلا أن تفوت الفلوس بحوالة سوق، أو تبطل أنه يمضي البيع حينئذ لا أنه يقضي بقيمة الفلوس، ولم يحك المازري غير قولها.
قال: وكان شيخنا عبد الحميد يعدل عن مذهب المدَوَّنة، ويستدل بأن دافع عوضها دفع ما انتفع به ليأخذ ما ينتفع به، ولا يحصل له ذلك إلا بقيمتها، فإن لم توجد بعد انقطاعها فعليه قيمة السلعة كمن أسلم في فاكهة فانقطع إبانها، وجرت المسألة بمجلسٍ شيخي أبي الحسن اللخمي فنصرت ما قاله شيخي عبد الحميد، فقال لي الشَّيخ أبو الحسن: ناظرته في هذه المسألة، وألزمته أن يجعل مقالًا لمن أسلم في طعام فصار لا يساوي شيئًا له قدر أيبطل السلم، وأفهمني أنه لم يجب عن هذا الالتزام فأجبته
بأن أصل جواز السلم اعتبار اختلاف الأسواق، ولذا منع السلم الحال، فلو أوجب اختلاف أسواقه فسخه كان تناقضًا فلم يجبني بشيء.
قُلتُ: يرد جواب المازري بنفي التناقض؛ لأن شرط السلم اختلاف الأسواق وموجب فسخه صيرورته لكونه لا يساوي شيئًا، فالانتفاع بذاته باق وهو الأكل، وهو المقصود منه بالذات لا الأثمان، ولذا كان الأصل فيه القنية، والفلوس لا منفعة فيها إلا نفاقها، وعلى القول بقيمتها في البيع أو القرض، ففي كونها يوم اجتماع انقطاعها وحلول أجلها، أو يوم انقطاعها، ثالثها يوم القيام لنقل اللخمي، مع ابن محرز وأحد نقلي المازري، وثانيهما، ونقل ابن بشير، الصقلي عن بعض القرويين: إن أقرضه دراهم فلم يجدها بالموضع الذي هو به الآن فله قيمتها بموضع قرضها يوم الحكم، وقول ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 225
عبد السلام: لا أدري كيف يتصور القضاء بقيمتها مع وجودها إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقت بالذمة مع تسليمه تصور قيمتها في انعدامها يرد بأن لا فرق بينهما في التحقيق كما تصورى قيمتها معدومة على تقدير وجودها، فكذا في حال وجودها، وانقطاع التعامل بها على تقدير ثبوته، وتقويم الشيء على تقدير حالة هي غير حاصلة في المدَوَّنة وغيرها كثير.
ومعرفة دوران الفضل في الاقتضاء بمعرفة حقيقة العوضين والمقصود منهما، وفيها الدنانير المجموعة هي المقطوعة الناقصة تجمع في الكيل.
قُلتُ: يريد المعتبر وزنها من حيث جمعها لا من حيث آحادها.
وفيها: القائمة هي الميالة الجياد إذا جمعت مائة زادت في الوزن مثل الدينار، والفرادى إذا جمعت في الوزن نقصت في المائة مثل الدينار، وابن شاس: للقائمة فضل الوزن والعين، وللمجموعة فضل العدد ونقص الصفة، وللفرادى نقص الوزن، وقد تكون خالصة أو دون ذلك.
قُلتُ: هذا ينتجه اتقراء مسائلها، وصور اقتضائها ست مجموعة منهما وعكسه وأجدهما من الأخرى وعكسه، وفي منع المجموعة من القائمة، وجوازها ثالثها، هذا إن لم يكن لكثرة العدد عندها فضل لها، وللمازري مع ابن رُشْد عن تخريج التونسي من إجازة الموَّازيَّة أخذ دينار ينقص خروبة مع خروبة عن دينار وازن، والمازري عن تخريج التونسي ومن إجازة أشهب أخذ نصف دينار وعرض عن دينار، واللخمي عن المذهب.
قُلتُ: عزا ابن شاس الأول لها دون ذكر استثناء، وهي فيها بزيادة؛ لأنه ترك فضل عين ووزن لفضل عدد، إلا أن يسلفه بمعيار عرف وزنه أو شرط في البيع الكيل مع العدد فيجوز أخذك مجموعة، وإن كانت أكثر عددًا، ونقلها الصقلي باستثنائها ولم يتعقبها، وفيه نظر؛ لأن المعيار يرفع فضل وزن القائمة لا جودتها فيدور الفضل بجودتها، وعدد المجموعة، واستشعر اللخمي هذا التعقب، فقال: هذا أحد القولين أن الاقتضاء كالمراطلة، وقبول المازري تخريج التونسي واضح الرد؛ لأن إجازة الموَّازيَّة محملها على الأصل وهو التساوي في الجودة فلا دوران فضل وإنما يتوهم هذا التخريج
الجزء: 5 - الصفحة: 226
من ظن أن منع المجموعة من القائمة إنما هو لكثرة عددها دون اعتبار دوران الفضل، وما أبعده عن مثل التونسي، والمازري، وتخريجه من مسألة القراض أبعد؛ لأنها بيع واقتضاء قائم من شائع مساو له صفة وقدرًا كما لو وهبه نصف دينار له عليه، وأخذ نصفه ذهبًا، ولابن رُشْد عن التونسي نحو ما للمازري عنه، وفي جواز القائمة من المجموعة قولها، وقول اللخمي، وتعقب قولها بأن تعليلها منع الأولى بدوران الفضل يوجب منعها، وأجاب الشَّيخ بأن اعتبار عدد المجموعة إنما هو من حيث قيضها لتحقق وجودها به، وهو من حيث تقررها في الذمة لغو لعدم تحققه بالفعل، والمجموعة من الفرادى وعكسه فيها منعهما لدوران الفضل، فضل عيون الفرادى، وفضل عين المجموعة.
وفيها: ما بعت بفرادى وشرطت كيله مع العدد جاز أن تأخذ كيلًا أقل عددًا، أو أكثر.
قُلتُ: هذه من باب اقتضاء المماثل صفة وقدرًا، المخالف عددًا ولا دوران فيه.
الشَّيخ: يجوز عندي القائمة من الفرادى وعكسه، ما لم تكن الفرادى أفضل عيونًا.
قُلت: أصل قول مالك جواز مثل عدد دراهم القرض فأقل، إن كان وزن كل درهم كدرهم القرض فأقل إذا اتفقت العيون، ولا يجوز أقل عددًا وأكثر وزنًا.
الصقلي: لأن الأوزان أنفق كقائمة أقل عددًا من فرادى لا يجوز؛ لأنه باع فضل عيون بزيادة.
قُلتُ: هذا خلاف قبوله إطلاق قول الشَّيخ: تجوز القائمة من الفرادى، وعكسه دون قيد كون القائمة ليست أقل عددًا.
وفيها: ما بعت بفرادى فلا تأخذه كيلًا، وكذا عكسه، وما بعت بفرادى وشرطت كيله مع العدد جاز أن تأخذ فيه كيلًا أقل عددًا أو أكثر، كبيع سلعة بمائة درهم كيلًا تشترط عددها داخل المائة خمسة فجائز أخذك أقل، عددًا أو أكثر في مثل الوزن ومثله، سمع ابن القاسم.
ابن رُشْد: معنى قوله: ما شرطت كيله لا تأخذه عددًا، أي: لا تأخذه عددًا
تتحرى أنه وزن مالك، أو عددًا يعلم أنه أقل وزنًا مما لك لترك زيادة الوزن لفضل
الجزء: 5 - الصفحة: 227
العدد، ولو علم أن ما أخذ أكثر في الوزن مما له لجاز، وهو نص قولها في جواز القائمة من المجموعة، وظاهر قوله: ما شرطته عددًا لا تأخذ به كيلًا إنه لا يأخذ به كيلًا مثل وزنه أو أقل أو أكثر، أما مثل وزنه فلا يجوز إلا على قول أشهب، وأكثر من وزنه لا يجوز بحال، وأقل منه يجوز إن كان أقل عددًا لا إن كان أكثر.
وفيها: لا تأخذ عن درهمين فرادى عرف وزن كل منهما، ولم يجمعا في الوزن وزنهما تبر فضة مثل جودتهما أو أقل؛ لأن وزن الفرادى يزيد على المجموعة الحبة والحبتين أو ينقص.
عبد الحق عن بعض القرويين: معناها: أنه عرف وزنهما تحريًا، ولو كان تحقيقًا لجاز لاتفاق وزن المجموع والمفروق إنما يتقى اختلافهما في ما كثر، ونحوه نقل الصقلي عن أشهب إن عرف وزن كل منهما على حدة؛ جاز قضاؤهما تبرًا مفردين ومجموعين.
وفي الموَّازية: يجوز قضاء وزن كل درهم مفردًا فضة، وسمع ابن القاسم: من باع بدنانير قائمة أو وازنة أو ناقصة نقصًا معلومًا لا ينبغي أن يأخذ ناقصة مكانها بوزنها؛ لأنه يدخل فيه اختلاف في الوزن.
ابن رُشْد: إنما قال لا تجوز؛ لأنه إن أخذ ذهبًا بوزن العدد الذي له لم يدر أخذ أقل وزنًا أو أكثر إذ لابد أن يزيد وزنه أو ينقص فيغتفر فضل العدد رجاء زيادة الوزن؛ لأن الصرافين يزعمون أن الذهب إذا جمع نقص، وإن فرق زاد، وهو كقولها في الدرهمين الفردين يأخذ بوزنهما تبر فضة، وقول ابن حبيب في الواضحة خلاف قوله في سماع أشهب: لا بأس بدينار ينقص خروبة وخروبة عن دينار قائم، وقيل ليس بخلاف؛ لأنه في دينار واحد ولو اقتضى عن العدد الذي له ذهبا مجموعة في الوزن أكثر وزنًا من عدد الذهب التي له لتركه فضل العين لزيادة العدد، انتهى.
قُلتُ: قف على تفسيره لا ينبغي بلا يجوز، وسمع أيضًا لا بأس على من اتباع بدانق، ثم بدانق حتى كثرت أن يقضي عنها دراهم، ودين الله يسر.
ابن رُشْد: إنما خففه ولم يصرح بجوازه؛ لأن الدوانق لو جمعت بعد وزنها، مقطعة لم يكن بد من أن ينقص عن وزن الدراهم التي قضاه أو تزيد، وقد اتقى هذا المعنى في التي قبلها.
الجزء: 5 - الصفحة: 228
الشَّيخ: روى محمد من نكح بدنانير لم يجز عنها سوارا ذهب.
قال في المختصر: إلا مثلًا بمثل ولتردهما وتأخذ دنانيرها فإن فاتا فمثلهما، وإن جهلا وزنهما فقيمتهما، وإن أخذت قلادة فيها قليل ذهب مما يباع مثلها بذهب جاز.
وفيها: إن قبضت عشرة مجموعة من بيع فرجحت جاز أخذ رجحانها عرضًا أو ورقًا.
الصقلي: إن قل الوزن كالدرهمين، فإن أضيف للعقد الأول كان كسلعة نقدًا بدينار إلا درهمين مؤجلين وإن خص بعقدة فأجوز، وإن كثر الرجحان كان كبيع سلعة بدنانير إلا دراهم؛ لكن يرده قول العتبيَّة إن قضاه دنانير زادت ثلثا فلا بأس بأخذه ورقًا.
الصقلي: لأن السكة في المجموعة ملغاة آحادها كقراضة، فزيادتها كزيادة دينار في عشرة قائمة له أخذه ورقًا، وفي الموَّازيَّة والواضحة، وكذا لو كانت من قرض.
واختلف فيه قول مالك.
محمد: أجازه ابن القاسم وأصحابه.
الصقلي: منعه أحسن.
قُلتُ: الذي في النوادر عن الموَّازيَّة كرهه مالك، وللشيخ عن محمد عن أشهب واللخمي عنه: إن نزل لم أفسخه، وظاهر نقل الصقلي التحريم.
ابن رُشْد: أجازه في المدَوَّنة، وفي رسم صلى نهارًا، من سماع ابن القاسم وسمع أشهب منعه، والأول أظهر.
قال: وفي اجتماع القضاء والمراطلة في الدنانير المجموعة، ثالثها إن كانت قرضًا لا ثمنًا لأحد قولي أشهب؛ لأنه ذهب بذهب بعضه حاضر وبعضه حال في ذمة حاضر وغيره مع سماع ابن القاسم؛ لأنه في البيع ذهب بذهب نقدًا، وسلعة لأجل لتقديم دفعها وفي القرض ذهب بذهب، زذهب لأجل لتقدم دفعه، وابن حبيب لقرب التهمة في البيع دون السلف، وقيل رابعها عكسه لسماع عيسى ابن القاسم، والصواب أنه غير رابع؛ لأنه إنما تكلم على درهم قائم فهي مسألة أخرى لا اختلاف فيها، والصحيح لغو التهمة في البيع والقرض والعلة كون ما وقعت فيه المراطلة لم يوزن وحده؛ بل مع غيره وما وزن مجموعًا، ثم فرق ربما زاد ونقص فالجواز
الجزء: 5 - الصفحة: 229
مطلقًا للغو احتمال الاختلاف، والمنع لاعتباره، وعليه الخلاف في مراطلة أحد الشريكين صاحبه عن حظه فيها.
قُلتُ: هذا التقرير يوجب عموم الخلاف في الدينار المجموع، والقائم خلاف ما تقدم له من نفي الخلاف في القائم ويوجب المنع في مسألة مراطلة أحد الشريكين الآخر في دينار، وقد تقدمت، وسمع ابن القاسم: أرجو أن لا بأس في أخذ دينار ينقص خروبة مع خروبة عن دينار قائم إن كانت أعيانهما سواء.
ابن رُشْد: إنما شرط كونهما من عين وحدة خوف كون عين الناقص أفضل، فيرضى نقصه لفضل عينه على القائم، ولم يراع زيادة العدد التي تمنع اقتضاء المجموعة من القائمة، وإن كان أقل منها في الوزن فكيف إذا كانت بوزنها فهي مسألة لا يحملها القياس، وأجازها استحسانًا؛ لأنها في دينار واحد، وأقام التونسي منها جواز اقتضاء المجموعة من القائمة، والقياس رواية محمد منعها.
قُلتُ: في قوله: خوف كون الناقص أفضل فيرضى نقصه لفضل عينه نظر؛ لأن نقصه ليس بخسًا؛ لأن الخروبة تعدله، فإن كانت مضروبة فالفضل في جهتها بالعدد والجودة، وإن كانت تبرًا فالمغتفر حينئذ ترك السكة لا النقض؛ بل الأظهر أنه لخوف كون الناقص أدنى فيختص بفضل العدد، والقائم بالجودة، وسمع ابن القاسم: من له عشرو دنانير مجموعة قبضها ناقصة ثلثًا، أو نصفًا له أخذ النقص بعد افتراقهما عرضًا أو ورقا، وأكرهه في مجلسهما خوف أن يزيده في الصرف لما تجاوز عنه ابن القاسم: إن صح أمرهما ولم يزد لذلك فلا بأس به.
ابن رُشْد: سمع أشهب جوازه في المجلس، وهو الأظهر؛ لأن الدنانير المجموعة كالطعام بعض الدينار فيها كدينار إنما يمنع ذلك في بعض الدينار القائم.
قُلتُ: منعه في الدينار المجموع موجب له في الدنانير القائمة؛ لأن أجزاء المجموع كقائمة كما قاله ابن رُشْد، ومنعه في الدينار القائم يوجب في دينار من دينارين قائمين أحدهما صرف؛ لأن أجزاء القائم في الذمة كدنانير قائمة لا كأجزاء، وإلا لما جاز صرف بعضه كالقائم المحسوس، ونصها مع غيرها جوازه، ولذا كان بعض من لقيناه يقول: الاطلاع على درهم زائف في صرف دينار في الذمة يوجب قصر الفسخ على
الجزء: 5 - الصفحة: 230
الدرهم، وما يعدله من الدينار لا في كله.
وفيها: من أخذ من دينار قرض بعضه عرضًا أو ورقًا؛ لم يجز أخذ باقيه ذهبًا؛ لأنه ذهب وعرض، أو ذهب وورق بذهب.
اللخمي: من صرف من رجل بعض دينار له عليه ففي جواز أخذ باقيه ذهبًا مثل ذهبه ووزنه قولا أشهب وابن القاسم مع مالك، والأول أحسن، وإن أخذ تبرًا مثل جودة ذهبه وقدره، أو دونه صفة وقدرًا جاز، ولو أخذ وزنه أجود جاز على أن القضاء كالمراطلة لا على أنه بخلافها، وتقدم أخذ البعض ذهبًا وأخذ الباقي عرضًا أو ورقًا جاز على القولين، ونقل الصقلي عن محمد قول أشهب والدينار قرض، وصوبه محمد بأن الباقي بعد أخذه بعضه، عرضًا أو ورقًا ذهب وإلا لما جاز الاقتضاء بالأول لايجابه صرفًا مؤخرًا.
قُلتُ: ويتخرج من قول زكاتهل من باع سلعة تجر بنصاب عين حوله أخذ فيه قبل قبضه سلعة، لا زكاة عليه جوازه في البيع لا القرض.
وفي جواز دينار ناقص مع قدر نقصه فضة عن وازن، نقلا الصقلي عن ابن عبد الحَكم، والشَّيخ عن يحيي بن عمر قائلًا: لو كانت دنانير جاز أخذ بعضها، وسمع عيسى ابن القاسم: لا خير في أخذ دينار قائم عن ثلثي دينار ذهبًاوثلثه ورقًا؛ لأنه ذهب وورق بذهب.
ابن رُشْد: لأن للدينار القائم فضلًا في عينه على الناقص، ولو أقرضه الثلثين من ذهب مقطعة مجموعة لا تجوز إلا بالوزن، وثلث درهمٍ جاز عنها دينار مقطوع مجموع، ومن له دينار حال، ففي منع تنجيمه أثلاثًا ثالثها يكره، الصقلي عن محمد قائلًا: لأنه بيع وسلف أو صرف، كذلك مع قول ابن القاسم لا يجوز تنجيم ثلثي دينار أنجمًا، ورواية أشهب مع قول أَصْبَغ خفف غير ابن القاسم التنجيم، وابن عبد الحَكم.
الصقلي عن محمد: لا يجوز عن دينار حال ثلاثة أثلاث نقدًا، ولا لأجل؛ لأن الأثلاث كالمجموعة فهو كاقتضاء مجموعة عن قائمة أقل عددًا، وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا خير في قضاء نصفين وازنين عن دينار، إلا أن يكون للدينار جريان بمعيار عنده.
الجزء: 5 - الصفحة: 231
ابن رُشْد: يعني بجريانه أن للدينارعنده وزنًا معلومًا فيجوز عنه نصفان وزنان كوزنه، أو أفضل؛ لأن الفضل من جهة واحدة، ولو كان الدينار أفضل لم يجز لترك فضل العين لزيادة العدد أولها وللوزن.
قلت: ذكرها الشَّيخ ولم يزد فيها إلا قوله: يريد الدينار من قرض وبه كان يفتي بعضهم، ولو تساوى الدينار والصنفان قدرًا وصفة، وكذلك في القيراطين الجديدين عن درهم جديد، والصواب قول ابن رُشْد، وسمع ابن القاسم: لا بأس بدينار عن ثلاثة أثلاث مجمة.
ابن رُشْد: هذا على رعي ما في الذمة لا على مقتصى الحكم عليه بقضاء الثلث ورقًا، وسمع لا ينبغي لمن أعسر بدينار وازن ثمن حنطة إعطاء ناقص عنه مع بعض الحنطة عن النقص إذا ثبت البيع بالوزن؛ لأنه دينار بدينار وحنطة، وإن ثبت البيع بناقص فلا ينبغي أن يعطي وازنًا، ويأخذ شيئًا ما، ولو كان في المراوضة قبل وجوب البيع جاز.
ابن رُشْد: قال ابن حبيب: موجب فساده تفاضل الذهبين والطعامين، وبيع الطعام قبل قبضه والأخذ من ثمنه طعامًا.
ابن رُشْد: الاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا لا بجامع بيعه قبل قبضه؛ لأن الطعام إن قبض وافترقا انتفى بيعه قبل قبضه وإن لم يقبض ولم يفترقا انتفى الاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا، وإن قبض ولم يفترقا انتفيا معًا ولا يجوز أخذ نقص الدينار فلوسًا ولا غيرها، وأجاز في رسم المحرم أخذ النقص طعامًا لا فلوسًا، ولو كان بعد الوجوب وفيه تأويلان:
الأول: أن المبتاع أوجب البيع دون البائع لقوله في الرواية؛ لأنه حمله على وجه المساومة فيكون معنى قوله في الرواية بمنزلة من اشترى بدرهمين حنطة، ثم قال: أعطني بدرهم، وأقلني من درهم بمنزلته في الجواز لا في العلة؛ لأنه في الدرهمين إقالة جائزة كما هو في نقص الدرهم قبل تمام البيع، ومقتضى هذا التسوية بين أخذ النقص فلوسًا أو طعامًا.
وهو أظهر وأحسن أن يكون محمل الدينار في مسألة المنع أن الوازن له فضل في
الجزء: 5 - الصفحة: 232
عينه على الناقص، ومحمله في الثانية لا فضل له في عينه فصار كمبتاع حنطة بدرهمين استقال من أحدهما، ولم يقو عنده قوة الدرهمين إذ يجوز فيهما أخذ أحدهما فلوسًا، ولا يجوز في درهم وازن أخذ نصف درهم وبالنصف الآخر فلوسًا، إلا أنه أجازه رعيًا للقول إن البيعين بالخيار ما لم يفترقا، وهو معنى قوله: كأنه حمله على المساومة، ولو كان الدينار من الدنانير التي لا تجري إلا مقطوعة بالميزان كالعبادية والمشرقية جاز إن وجد أقل من مثقال أن يأخذ بالنقص فلوسًا، أو ما شاء من عرض، أو يحاسبه بالنقص فيما له من الطعام، فقف على أن الدينار الوازن إن كان له فضل عن الناقص؛ لم يجز بعد الوجوب أخذ نقصه فلوسًا، ولا المحاسبة به في طعام وإن لم يكن له فضل؛ لم يجز أخذ فضله في الوزن فلوسًا وجازت محاسبته به في طعام، وإن كان الدينار إنما يجري بالميزان مقطوعًا مجموعًا ولم يشترط أخذه صحيحًا جاز فيه الأمران، ولما ذكر الصقلي مسألة الدينارين قال: وقد قال ابن القاسم عن مالك: من ابتاع بدراهم كيلًا فوجد فيها حين الدفع درهمًا ناقصًا فقال: أعطني بقدر ما فيه وحاسبني بنقصه لا بأس به كمن ابتاع بدرهمين حنطة، ثم قال بعد ذلك: أعطني بدرهم وأقلني من درهم.
قُلتُ: بعد الوجوب قال: نعم، كأنه حمله على المساومة، وفيه تفسير من البيع.
الصقلي: انظر هل علة جوازه قصدهما الإقالة؛ لأنها معروف ولو قصد البيع لم يجز؛ لأنه مكايسة فيجب عليه إن ابتاع حنطة بدينار وازن فأعطاه ناقصًا سدسًا، ورد عليه من الحنطة قصدًا لإقالته جاز، وإن قصد البيع لم يجز.
فإن قلت: إنه باع منه الوازن بالناقص، وسدس الطعام قيل: يلزمك لو اشترى أربع وبياتٍ بأربعة دنانير قائمة، فقال: أقلني من وبيتين بدينارين، وخذ دينارين أن لا يجوز؛ لأنه وجب له أربعة دنانير باعها بدينارين وويبتين، وهذه جائزة.
قُلتُ: يرد بأن الدينارين من الأربعة الثمن لمماثلتها ما وجب في ذمة المبتاع كان قبضها اقتضاء لما في الذمة لا بيعًا، فانضمام البيع فيما لم يقتض إليه لا يوجب فسادًا، والناقص لعدم مماثلته ما في الذمة كان قبضه مبايعة بما في الذمة لانتفاء شرط حقيقة الاقتضاء وهو المماثلة فانضمام البيع فيما سواه إليه يوجب الفساد، وبهذا يتبين لك ما تقدم لابن رُشْد، من التفريق بين الدينار الذي إنما يجري بالميزان مقطوعًا مجموعًا، ولم
الجزء: 5 - الصفحة: 233
يشترط أخذه صحيحًا وغيره.
في سماع أبي زيد ابن القاسم قال: لمن قال له: أبيع الصوف أربعة وعشرين رطلًا بدينار قائم، زن لي بدينار فوزن ما عنده فلم يجده إلا اثنيم وعشرين رطلًا، فأعطاه دينارًا ينقص قيراطين لا يعجبني، ولو وجد فيه ستة عشر رطلًا أو عشرين فأعطاه دينارًا ينقص سدسًا أو دينارًا فيه ثلثان فلا بأس به.
ابن رُشْد: قال محمد: ما كرهه هو عندي خفيف؛ لأن من اشترى وزنًا من شيء بعينه فلم يف به، لم يجب على البائع إتمامه ووجبت المحاسبة، وكذا قال فضل: لا معنى لكراهته، ومعناه عندي أنها تأتي على رعي ما ثبت في الذمة ذهبًا؛ لأنه اقتضاء مجموع بالميزان من قائم لا ميزان فيه.
وتفرقته بين اثنين وعشرين وبين ستة عشر أو عشرين لا وجه له؛ بل هو اختلاف قول ظنه المؤلف قولًا واحدًا باختلاف صورتين.
قُلتُ: قول مالك من استقرض دينارًا أو نصفه، دراهم إنما عليه عدد ما قبض من الدراهم علا الصرف أو رخص.
وقال ابن وَهْب عن الليث عن يحيي بن سعيد: من دفع دينارًا لمن استسلفه نصف دينار فانطلق به فكسره، فأخذ نصف دينار ودفع للمسلف باقيه، فعلى المستسلف أن يدفع دينارًا يكسره فيأخذ نصفه ويرد نصفه.
ابن وَهْب: وقال ابن مالك: يرد له مثل ما أخذ منه، وليس الذي أعطاه دهبًا إنما أعطاه ورقًا ولو أعطاه دينارًا فصرفه المتسلف فأخذ نصفه، ورد عليه نصفه، كان عليه نصف دينار علا الصرف أو رخص.
الصقلي عن محمد عن ابن القاسم: إن دفع له دينارًا قال: صرفه خذ نصفه، وجئني بنصفه لم يكن عليه إلا ما أخذ من الدراهم، وضمان الدينار قبل صرفه من دافعه، وبعدد منهما؛ لأن قابضه قبل صرفه أمين، ولو أعطاه دينارًا قال: خذ بنصفه وجئني بنصفه كان عليه نصف دينار، يريد: ويعطيه به دراهم بصرف يوم القضاء وضمانه قبل صرفه منهما، وسمع أبو زيد ابن القاسم: من قال لمن قال: أسلفني خذ هذا الدينار، وصرفه خذ نصفه وجئني بنصفه أخشى أن ليس له عليه إلا كا أخذ دراهم، وإن قال:
الجزء: 5 - الصفحة: 234
خذ نصفه وجئني بنصفه فعليه نصف عين.
ابن رُشْد: لمحمد عن أبي زيد لا يعجبني قوله: أخشى؛ لأنه لو تلف الدينار لم يلزمه شيء لقوله: صرفه ابن رُشْد تعقبه على ابن القاسم غير صحيح لاحتمال قوله: صرفه إرادته صرفه لي فيضمنه الدافع، وإرادة صرفه بيننا فيضمنانه، ويلزم المتسلف نصفه لا دراهم فلما لم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر توقف فيما يجب على المتسلف، وكذا في الضمان والواجب سؤاله فيصدق فيما أراد منهما فيجري عليه ضمان وما يجب رده، وفي حلفه على ما أراده قولان على أيمان التهم لا متناع ادعاء المتسلف تعيين أحد الأمرين، ولو بين أحدهما عند الدفع قبل دون يمين، وإن لم تكن له نيَّة كان عليه الضمان وله الأقل مما قبض من الدراهم أو قيمة النصف دينار يوم القضاء، وسمع عيسى ابن القاسم لمن ابتاع سلعة بثلثي دينار، ثم استسلف من بائعه دراهم قضاء دينار عنهما، ولو كان الثلثان قرضًا لم يجز؛ لأن الأولى قضاء، وصرف والثانية ذهب وورق بذهب؛ لأن للدينار القائم فضلًا في عينه على الناقص، ولو استسلف الثلثين من ذهب مقطعة مجموعة لا يجوز إلا بالوزن جاز عنهما وعن الدراهم دينار، في سماع أَصْبَغ ابن القاسم لأشهب: من ابتاع سلعة بثلثي دينار ونصف قيراط لا بأس بدفعه قطعة فيها ثلثا دينار وورقا بالنصف قيراط، وما دون الدينار مجموع.
ابن رُشْد: قوله: ما دون الدينار مجموع يحتمل أن يريد أن العرف المبايعة فيما دون الدينار بذهب مجموع موزون، والجواز على هذا واضح، وإن يريد أن له حكم المجموع في جواز أخذ بعضه ذهبا وبما نقص ورقا، وإن لم يكن مجموعًا، وعليه تحمل كراهته في رسم البيوع؛ لأن الواجب له على هذا صرفه دراهم فإذا أخذها ذهبا وورقًا في مجلس واحد لم يجز، ولو كان في مجلسين جاز كأخذه درهمين ثم يأخذ بعد ذلك عن بقية دراهمه ذهبًا، وإنما استثقله في رسم الجواب، ولم يقل لا يجوز ليسارة القيراط فرأى التهمة فيه مرتفعة.
وفيها: اقتضاء ما لزم عن استحقاق عرض أخذ عن أحد عوضي الصرف متعلق بعرض عوضه دونه كقول: استحقاقها ما صرف ثمنه من مبتاعه، يوجب رجوع مبتاعه بما دفع لا بما عقد.
الجزء: 5 - الصفحة: 235
الشَّيخ لأبي زيد وعيسى عن ابن القاسم: من ابتاع ثوبًا بنصف دينار فأحال به على غريمه، فدفع فيه دراهم ثم رد الثوب بعيب، رجع المبتاع على البائع بنصف دينار.
محمد: وقاله أَصْبَغ قائلًا فيه ضعف.
وفيها: من باع بنصف دينار أو ثلثه وقع البيع على الذهب لا الدراهم، ويقضي إن تشاحا به دراهم بصرف يوم القضاء.
اللخمي: إن أتى بدينار يكونان شريكين فيه لزم الطالب قبوله؛ لأن القضاء في الدراهم إن طاع بها الغريم لعدم فائدة الطالب بالجزء شركة بما لها بالفصل فيه بالدراهم.
قُلتُ: هذا خلاف نصها، وأخذ بعض المغاربة مثل قول اللخمي من لفظ التهذيب من أقرضته دينارًا فوهبته نصفه فله قضاؤك باقيه دراهم تجبر على أخذها إن كانت كصرف الناس أخذه من قوله له، وفيه نظر؛ لأن لفظها إذا أعطاك دراهم صرف الناس جبرت عليها كقول مالك فيمن باع بنصف دينار فلم يذكر لفظ له وتشبيهها بالبيع مع قوله فيه: إن تشاحا قضي بالدراهم يرده، وسلم هذا الأخذ أن قولها في البيع خلاف قول اللخمي.
وفيها: البيع بدانق أو بخمسة دوانق أو بنصف درهم، واقع على الفضة، والقضاء بصرفه فلوسًا يومه والبيع بدانق فلوسًا نقدًا أو بدينار دراهم نقدًا إن سميا قدر الفلوس والدراهم أو عرفاه جاز، وإلا فلا خير فيه وإلى أجل سميا قدر الفلوس الدراهم جاز، وإلا فلا خير فيه.
اللخمي: لا يكفي فيه لأجل معرفتهما قدر الصرف حينئذ لاحتمال اختلافه يوم القضاء.
والدانق: سدس درهم، فالبيع بجزء درهم إن كان قدره مضروبًا قضى به، وإلا قضى به فلوسًا كالدراهم في جزء الدينار، فإن لم تكن فلوس قضى بما العادة أن يقضي عنه من طعام، أو غيره، فإن لم تكن عادة قضي بشركتهما في درهم، ثم يبيعانه بما ينقسم.
قُلتُ: فإن اختلفا فيه قضي بالأدوم بقاء من غالب مثلي حينئذ كالفلفل ونحوه، وسمع ابن القاسم لمن باع سلعة بنصف دينار ممن باع منه قبلها سلعة بنصف دينار قبل
الجزء: 5 - الصفحة: 236
قبضه جبره على أخذه بدينار كامل.
ابن رُشْد: لو أعسر المبتاع بما زاد على نصف دينار جبر البائع على أخذه منه نصف دراهم، بخلاف أن لو كان أصل بيعه بدينار قائم، وذكرها اللخمي عن محمد واستدل بها على قوله: يجبر من له نصف دينار على أخذ دينار شركة بينهما، ويرد بأن الجزء إنما قضى به دراهم لدفع ضرر الشركة، وعدم الاستقلال المقتضي بحقه،
في اجتماع النصفين منتفيان فوجب القضاء بعين ما في الذمة.
زاد اللخمي عن محمد: من له ثلاثة أرباع دينار وعشرون قيراطًا ذهبًا حكم له بدراهم، ويحكم في دينار إلا قيراطين بدينار.
اللخمي: يريد ويعطي الغريم ما ينوب الغريمين لا أن يأخذ دينارًا ينقص قيراطين، إلا أن يكون ذلك النقص ليس بعيب، وسمعه أيضًا من له نصف دينار لشهر على رجل يكره بيعه له ثوبًا فنصف دينار لذلك الشهر على أن يعطيه دينارًا قائمًا.
ابن القاسم: ويجبر المبتاع عند الأجل على دفعه دينارًا قائمًا.
ابن رُشْد: كراهته ذلك نحو كراهة مالك.
فيها: بيع سلعة بنصف دينار لأجل بشرط أخذه دراهم مع وجوب القضتء بها، وظاهره أنه شرط لما يوجبه الحكم فأخذ منه بعضهم أن من الشروط التي يوجبها الحكم ما لا يجوز اشتراطه، وهو ما كان منها مخالفًا للقياس، وليس بصحيحٍ؛ لأن شرط موجب الحكم كتركه، وكرتهة مالك في الأولى لاحتمال أن يحل الأجل، وللمبتاع على البائع نصف دينار فتجب مقاصته به فيجب قضاء النصف الباقي دراهم، وفي الثانية لاحتمال أن يحل الأجل وللبائع على المبتاع نصف آخر.
قُلتُ: يرد الأول بمنع المقاصة؛ لأن النصف من دينار ثبت جمعه في ذمة ذهب والنصف من دينار لم يثبت جميعه ذهبًا ورق لا ذهب، والمقاصة في الذهب بالورق غير واجبة، وتعليل كراهة الثانية بأن الشرط فيها يئول للبيع بصرف يوم القضاء وهو مجهول أبين.
وسمع القرينان: من له على رجل صك بعشرة دراهم من صرف عشرين درهمًا بدينار إنما له نصف دينار ما بلغ غلا الصرف، أو رخص إن كانت من بيع، وفي القرض
الجزء: 5 - الصفحة: 237
إنما له ما أعطاه، ولو باعه بثلاثة دراهم دون قوله: من صرف كذا وكذا لزمه عدد الدراهم.
ابن رُشْد: ولو قال: أبيعك بنصف دينار من صرف عشرين درهمًا بدينار، فإنما له عشرة دراهم، إذا لم يسم نصف الدينار إلا ليبين به الدراهم التي أراد البيع بها من الدينار حسبما سمعه يحيى.
قُلتُ: هو سماعه من باع ثوبًا بعشرة دراهم من صرف عشرين درهمًا بدينار فله نصف دينار غلا الصرف أو رخص، وأما من قال: بنصف دينار من صرف عشرة دراهم بدينار فله خمسة دراهم حال الصرف كيف حال.
قُلتُ: يوهم ظاهر هذا اللفظ، ولفظ ابن رُشْد: أنه يقضي في قوله: بنصف دينار من صرف عشرين درهمًا بدينار بالراهم وليس كذلك، إنما يقضي بجزء دينار؛ لأنه إذا كان كذلك في قوله: بعشرة دراهم من صرف عشرين بدينار فأحرى في قوله: بنصف دينار من صرف عشرين بدينار، وكذا جمعهما الشَّيخ في النوادر، وأجاب عنهما بجواب واحد.
فإن قلت: قوله فس سماع يحيى: وأما من قال إلخ نص في مخالفته ما قبله.
قُلتُ: المخالفة في قدر الدينار الذي يجب الجزء منه، لا في القضاء بالدراهم.
ويحرم النساء في بيع الطعام بآخر مطلقًا.
باب الطعام
والطعام: ما غلب اتخاذه لأكل الآدمي أو لإصلاحه أو شربه، فيدخل الملح
الجزء: 5 - الصفحة: 238
والفلفل ونحوهما، واللبن لا الزعفران وإن أصلح لعدم غلبة اتخاذه لإصلاحه، والماء كذلك، وتفسير ابن عبد السلام، قول ابن الحاجب: المطعومات ما يعد طعامًا لا دواءً بما اتخذ للأكل أو الشرب إن أراد للأكل والشرب فقط خرج الملح لاتخاذه لغير ذلك كتمليح الجلد للدبغ، وإلا دخل الزعفران، والأولى تفسيره بما يقصد لطعمه ويبطل بما تقدم، وحكم ربا الفضل أصل في الأربعة: البر، والشعير، والتمر والملح.
وفي علته اضطراب:
الباجي: في كونها الاقتيات، أو الادخار للأكل غالبًا، ثالثها الأول، والادخار لإسماعيل القاضي وابن نافع مع رواية الموطأ، ورواية غيره.
اللخمي: عن الأبهري عن بعض أصحابنا علته في:
البر: الاقتيات، وفي التمر التفكه الصالح للقوت، وفي الملح كونه مؤتدمًا.
ابن القُصَّار، والقاضي: الادخار للعيش غالبًا.
اللخمي: ولا يصح؛ لأن اللوز وشبهه غير متخذ للعيش غالبًا، وهو ربوي، والقول بأن التمر متفكه غلط؛ لأنه بالمدينة ومدن التمر أصل عيشهم كالبر والشعير في غيرها.
المازري: لمالك في الموَّازية: هي كونه قوتًا أو إدامًا أو متفكهًا به مدخرًا.
ابن بشير للمتقدمين طرق:
الأولى: الادخار مع التفكه أو القوت أو إصلاحه.
الجزء: 5 - الصفحة: 239
الثانية: مجرد القوت.
الثالثة: الادخار للعيش غالبًا، وقال أولًا: حكي عن ابن الماجِشُون العلة المالية، وهذا يوجب الربا في الدور والأرضين ولا يمكن قوله.
قُلتُ: فالأقوال تسعة، ثلاثة الباجي، ونقلا اللخمي، ورواية المازري وأولى ابن بشر، وقول ابن الماجِشُون، ونقل ابن الحاجب مع نقل غيره في فروع الباب علته الادخار، وقول ابن الحاجب: ولبن الإبل يقوي الاقتيات، وأجيب بأن دوام وجوده كادخاره، وبالخلاف في الموز جوابه بدوامه واضح، وبقوله: وبالخلاف في الموز لا يتقرر لمنع المحتج عليه ما ينافي قوله بالآخر، والاتفاق على لبن الإبل واضح في إبطال اعتبار العيش غالبًا، فما فيه كل ما ادعي علة واضح كقولها مع غيرها في الأربعة، والسلت، والأرز، والقطاني والزيت، والخل، واللحم، والإدام، والتمر، والزبيب.
اللخمي والباجي: والذرة والدخن.
اللخمي: والترمس، وسمع أبوزيد ابن القاسم كل زريعة لا تؤكل، ويستخرج منها ما يؤكل تباع قبل استيفائها، ويجوز منها واحد باثنين، وكل زريعة تؤكل، ويستخرج منها طعام يؤكل لا تباع قبل استيفائها ولا متفاضلة.
ابن رُشْد: كذا الرواية (لاتؤكل ويستخرج منها)، والصواب ولا يستخرج منها؛ لأن التي يستخرج منها الزيت كزريعة الفجل طعام، قاله في المدَوَّنة، ومعناه: في البلد الذي تتخذ فيه لذلك وتأويل الرواية إن صحت، ويستخرج منها شيء يؤكل، أي: بأن يزرع كزريعة البصل وشبهه، وقوله: لا يؤكل أي يؤكل تقوتًا، ولا تفكهَّا كالحرف، وحمل بعضهم الرواية على ظاهرها أن الزريعة التي لا تؤكل غير طعام، ولو أخرج منها الزيت، وهو خلاف قولها.
وقوله: (كل زريعة تؤكل ويستخرج منها ما يؤكل)، معناه: أو يستخرج منها ما يؤكل؛ لأنها إن كانت تؤكل فهي طعام، وإن لم يستخرج منها ما يؤكل اتفاقًا كالكمون، ونحوه.
قوله: في قوله اتفاقًا نظر لما يأتي في كون برز الكتان ربويًّا رواية زكاته، ونقل اللخمي عن ابن القاسم: لا زكاة فيه إذ ليس بعيش.
الجزء: 5 - الصفحة: 240
القرافي: وهو ظاهر المذهب، الشَّيخ: روى محمد البصل والثوم ربويان.
وفي التين ثالثها ما ييبس لنقل الشَّيخ رواية محمد والمازري، أحد قولي القاضي، واللخمي عن أحد قولي ابن نافع، وضعف المازري أحد قولي القاضي بأنه كالزبيب المتفق عليه.
ابن بشير: قالوا: إنما ترجع فيه مالك لعدم اقتياته بالمدينة.
وفي كون العنب الشتوي كالصيفي قولان للشيخ عن محمد واللخمي عن أحد قولي ابن نافع، وما ليس فيه علة ربا غير ربوي فيها كالخضر والبقول.
ابن شاس: وغيره كالخص والهندباء، والقطف وشبهه، والفواكه التي لا تقتات ولا تدخر غير ربوية اتفاقًا.
الشَّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الخردل والقرطم وشبهه والفواكه التي لا تقتات طعام، بخلاف برز البصل والجزر والبطيخ والقرع والكراث.
ابن حبيب: وبرز البقول والحرف وهو حب الرشاد، محمد عن ابن القاسم: وحب الغاسول، وإن أكله الأعراب سند يختلف في حب الحنظل، وحب الغاسول والبلوط، والبطيخ الأصفر؛ لأنه يدخر بخراسان على الخلاف فيما يدخر نادره.
ابن سَحنون: اتفق العلماء أن الزعفران جائز بيعه قبل استيفائه، ونقله الصقلي بلفظ: أجمع العلماء أنه ليس بطعام.
وفي تهذيب الطالب: قال عبد الحق: رأيت لابن سَحنون من منع سلف زعفران في طعام لأجل يستتاب، إن لم يتب ضربت عنقه لإجماع الأمة على جوازه، فسألت أبا عمران عن ذلك فذكر ما تلخيصه: إن ثبت عنده ذلك الإجماع بخبر الواحد لم يستتب، وإن ثبت له بطريق تحصل له العلم فذلك.
قُلتُ: الصحيح أن الإجماع الذي يستتاب منكره ما كان قطعيًا، وهو ما بلغ عدد قائليه عدد التواتر، ونقل متواترًا على خلاف فيه، ثالثه إن كان نحو العبادات الخمس، وما نقلوه من الإجماع في الزعفران فلم أجده في كتاب الإجماع ومن أوعبها كتاب الحافظ أبي الحسن بن القطان، وقعت على نسخة بخطه فلم أجده فيها بحال، وسمع أَصْبَغ ابن القاسم ذكار التين غير طعام.
الجزء: 5 - الصفحة: 241
قال سند: الطلع قبل أن يشق عنه خفه طعام كان من الذكر أو الأنثى، وفي بعض الروايات أنه ليس بطعام.
قُلتُ: والنارنج غير طعام والليم طعام، واختلف في أنواع لاختلافهم في العلة، ففي كون الجوز واللوز ربويين نقلا ابن بشير ونحوه قول الباجي: من جعل العلة الادخار والاقتيات لم يجعل الجوز واللوز ربوين، وظاهر متقدم رد اللخمي تعليل ابن القُصَّار، والقاضي الاتفاق على أنهما ربويان.
وفي الجراد قولان لظاهر قولها: يجوز فيه اثنان بواحد من الحوت يدًا بيد مع الجلاب عن المذهب، ونقل الصقلي عقب ذكره قولها قال أشهب: هو كالخضر، وعزا المازري الأول لسَحنون، وجعل الثاني معروف المذهب.
والمعروف أن مطلق اللبن ربوي.
اللخمي: يختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلًا، فمن منعه منع بيع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره؛ لأنه الرطب باليابس، ومن أجازه أجازه بحليب أو غيره ولا يصح قولها: لا بأس بالسمن بلبن أخرج زبده إلا على الثاني؛ لأنه كالرطب باليابس، وهو الذي أراه، وذكر المازري أخذه هذا من المدَوَّنة ولم يتعقبه، وظاهر قوله قبل ذكره التخريج: الحليب المخرج زبده في إثبات الربا فيه قولان كالتين الشتوي أن القولين منصوصان.
قال ابن بشير: ذكر اللخمي أن المذهب اختلف في اللبن المخيض، ولا يجد ذلك في المذهب؛ لأنه مقتات ودوامه كادخاره، والدليل عليه اتفاق المذهب على أن لبن الإبل ربوي، وإن لم يعمل منه ما يدخر؛ لأن دوامه كادخاره فإن قيل: يعمل منه المصل وهو مدخر أجيب بأن المصل صورة نادرة، ولا يدخر للقوت؛ بل للتصرف في الطبخ كالأبزار.
ولما ذكر ابن شاس ما أخذه اللخمي من المدَوَّنة قال: أبو الطاهر فيما عول عليه نظر، ولعل قوله في المدَوَّنة: بناء على أن السمن صيرته النار والصنعة جنسًا آخر.
ابن الجاجب: خرج اللخمي فذكر تخريجه، ورد ابن بشير، وقال: ووهمًا؛ لأن بعده فأما بلبن فيه زبد فلا.
الجزء: 5 - الصفحة: 242
وقال ابن عبد السلام: تخريج اللخمي ضعيف؛ لأن ما أخرج زبده لا يخرج منه زبد فلا مزابنة فيه.
قال فإن قلت: سوى في المدَوَّنة بين ما أخرج زبده، وما لم يخرج زبده، وكل من المتساويين يصح عليه ما يصح على الآخر، فلما منع السمن بما لم يخرج زبده، وأجازه بما أخرج زبده دل على أنه ليس ربويًا.
قُلتُ: قد أخذت في هذا السؤال كون هذين اللبنين يطلب فيهما المساواة في المعاوضة، وهو معنى كونهما ربويين، فكيف حكم أن أحدهما غير ربوي من كونهما ربويين، هذا تناقض انتهى كلامه.
وحاصله أنه فهم أن تخريج اللخمي آيل إلى أخذ كونه غير ربوي من كونه ربويًا بما ذكره من سؤال وجواب، وليس الأمر كما زعم، وبيانه بتقرير تخريج اللخمي على القواعد القياسية، وهو أنه ادعى أن ما أخرج زبده غير ربوي؛ لأنه لو كان ربويًا لما جاز بيعه بالسمن، واللازم باطل لنص المدَوَّنة، فالملزوم مثله فيثبت نقيضه وهو المدعى بيان الملازمة أن لو كان ربويًا لكان مماثلًا لما لم يخرج زبده والملازمة واضحة بالاتفاق المذهبي قطعًا، وكلما كان مماثلًا لما لم يخرج زبده لم يجب بيعه بالسمن؛ لأن ما لم يخرج زبده لا يجوز بالسمن اتفاقُا، ونسبة أحد المتماثلين الربويين لغيرهما كنسبة الآخر إليه اتفاقًا، كما أن نسبة القمح لشيء كنسبة الشعير إليه فثبت صدق قولنا لو كان ما أخرج زبده ربويًا كان مماثلًا، لما لم يخرج زبده، وكلما كان مماثلًا له لم يجز بيعه بالسمن، واللازم باطل بنص المدَوَّنة فالملزوم باطل، وهو كون ما أخرج زبده ربويًا فيثبت نقيضه، وهو كونه غير ربوي وهو المدعى، فقول ابن عبد السلام أخذ كونه غير ربوي من كونه ربويًا، وهو تناقض يرد بأنه إن أراد أنه أخذه من كونه ربويًا في الواقع فهذا ممنوع، ولم يقله اللخمي بحال، وإن أراد أنه أخذه من كونه ربويًا، فالفرض والتقدير المرتب عليه لازم بين بطلانه فمسلم، ولا تناقض فيه وهو شأن الاستدلال على المطلوب بقياس شرطي استثني فيه نقيض اللازم، فكيف يتوهم فيه أنه استدلال على ثبوت الشيء بثبوت نقيضه، ومن يتوهم هذا يؤول به توهمه في قوله تعالى: لو كان فيهما ءالهه إلا الله لفسدتا [الانبياء:] لشناعة فادحة؛ لكن عندي في تخريج اللخمي نظر من وجه آخر، وهو منع صدق إحدى مقدمتي دليله فنقول قوله: لو كان ربويًا كان مماثلًا لما لم يخرج زبده، وكل ما كان مماثلًا له إلخ، إن أراد
الجزء: 5 - الصفحة: 243
بالمماثلة المماثلة في كونهما لبنين فقط لا في ذلك مع كونه يخرج منه الزبد سلمنا الأولى ومنعنا صدق الثانية، ولا يتم دليل صدقها حينئذ وهو قوله: نسبة أحد المتماثلين الربويين لغيرهما كنسبة الآخر إليه؛ لأن ذلك إنما هو إذا نسب أحدهما لما نسب إليه الآخر في المعنى الذي وقعت المماثلة به، وهي ليست كذلك هنا؛ لأن نسبة الذي لم يخرج زبده إلى السمن إنما هي من حيث اشتماله على الزبد، وهذه الحيثية ليست هي التي وقعت المماثلة بها بينه وبين ما أخرج زبده إنما المماثلة بينهما من حيث كونهما لبنين فقط، وإن أراد بالمماثلة في كونه لبنا مع كونه يخرج منه الزبد اتضح كذب الأولى فضلًا عن منعها فتأمل هذا وحققه.
فإن قلت: يرد هذا بأن معروف المذهب أن نسبة الرطب الذي لا يتمر كنسبة الرطب الذي يتمر إليه، وإن كان لا يخرج منه تمر.
قُلتُ: ما به مماثلة الرطب الذي لا يتمر للرطب الذي يتمر هي المانع من بيع الرطب الذي يتمر بالتمر؛ لأن المماثلة بينهما هي في كونهما رطبين، وكونهما رطبين هي المانعة من بيع الرطب الذي يتمر بالتمر؛ لأنها الملزومة لعدم مساواة الرطب الذي يتمر للتمر، وإن ساواه حينئذ في القدر كمد رطبٍ بتمر بمد تمر حسبما أو مأ إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم قال: فلا إذن.
مع علمه صلى بأنه ينقص فالعلة الموجبة للمنع هي كونه رطبًا؛ لأنها ملزومة لعدم مساواة المد من أحدهما للمد من الآخر؛ لأن بعض أجزاء الرطب الذي يتمر لما كانت بحيث لو يبس ذهبت حكم لها الشارع صلوات الله عليه بالعدم، وهذه العلة ثابتة في الرطب الذي لا يتمر؛ بل هي فيه أتم؛ لأنه بحيث لو يبس لم يبق منه شيء، وما به مماثلة اللبن الذي أخرج زبده لما لم يخرج منه زبده ليست هي العلة المانعة من بيع ما لم يخرج زبده بالسمن؛ لأن ما به مما ثلثهما إنما هي كونهما لبنين فقط، وعلة بيع ما لم يخرج منه الزبد بالسمن إنما هي كونه يخرج منه الزبد، وهذه العلة معدومة في اللبن الذي أخرج زبده.
فإن قلت: يرد هذا بقولها: لا خير في زيت زيوت بزيتون كان مما يخرج منه الزيت أم لا؛ لأن علة المنع فيما له زيت منتفية عما لا زيت فيه كاللبن المضروبمع غير مضروب.
الجزء: 5 - الصفحة: 244
قُلتُ: لا نسلم انتفاءها مطلقًا؛ لأن كل زيتون له زيت، وإن قل واللبن المضروب لا زبد فيه بحال.
ثم قال ابن عبد السلام: إن قلت: منع الرطب باليابس لا يشترط فيه كون الرطب على حالة يؤول بها الرطب إلى حالة اليابس من كل وجه؛ لأن الرطب الذي لا يتمر لا يصح بالتمر فقصارى ما أوردتم على اللخمي أن ما أخرج زبده مع الذي فيه زبد كرطبين أحدهما يتمر دون الآخر، وعلى هذا التقدير، عدم خروج الزبد من اللبن المضروب لا يخرجه عن حكم اللبن في منع بيعه بالسمن، فلما لم يمنع ذلك مالك دل على أنه ليس من اللبن الربوي، وهو المطلوب انتهى.
قُلتُ: هذا الكلام إذا تأملته لم تجد له تعلقًا بالكلام السابق الذي يليه؛ لأن كلامه السابق على هذا إنما هو تضعيف تخريج اللخمي باشتماله على التناقض الناشئ عن أخذه كونه غير ربوي من كونه ربويًا حسبما تقدم، فقوله: إن قلت: لا تعلق له بحال، وإنما يتعلق بقوله: أولًا ما أخرج زبده لا يخرج منه زبد، وهو ما قررت به رد تخريج اللخمي بمنع إحدى مقدمتي دليله، وبيانه أن نقول قولكم في الرد المماثلة إن كانت في كونهما لبنين فقط دون كون أحدهما يخرج منها الزبد صدقت المقدمة الأولى دون الثانية؛ لأن نسبة ما لم يخرج زبده للسمن إنما هي من حيث اشتماله على الزبد إلخ مردود بالرطبين اللذين لا يتمر أحدهما، فإن نسبة ما يتمر منهما للتمر في منع بيعه به إنما هي من حيث قبول صيرورته تمرًا، وما لا يتمر، هذه الحيثية غير ثابتة له، مع أن نسبته للتمر في منع بيعه به كنسبة ما يتمر فكذا ما أخرج زبده مع ما لم يخرج زبده، وقد تقدم لنا جواب هذا السؤال وأجاب هو عنه بأن قال قلت: هذا السؤال غير لازم؛ لأن ما ذكر تموه في باب منع الرطب باليابس إنما هو في النوعين الداخلين تحت جنس واحد، وصنفين تحت نوع كلحمين أحدهما يابس والآخر رطب أو كالرطب بالتمر، وأما السمن والزبد مع اللبن فليس من هذا إنما هما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده، وتحقق ذلك أن النوع مضاد لنوعه في المعنى، فإنه لا يصلح كون الحيوان الواحد طائرًا إنسانًا ولا ذكرا أنثى فلا يجتمعان بوجه، بخلاف السمن واللبن على ما قلنا فحيث منع شيء من هذا فإنما منع لأجل المزابنة التي تكون في الربوي وغيره لا لكونه ربويًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 245
قُلتُ: حاصله أنه زعم أالمماثلة التي لا يضر فيها كون أحد المثلين يختص بأمر دون مماثله، إنما هي في المثلين اللذين هما نوعان تحت جنس أو صنفان تحت نوع كاللحمين أحدهما يابس والآخر رطب، أو كالرطب والتمر والسمن والزبد مع اللبن ليسا كذلك؛ لأنهما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده.
واستدل على أن الرطب والتمر نوعان بتضادهما، وعلى أن اللبن المخرج زبده مع السمن أو الزبد لا يصح كونهما نوعين ولا صنفين بعدم تضادهما؛ لأنهما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده، والجزآن من كل يجتمعان فلا تضاد بينهما.
أما زعمه أن المنع إنما هو في النوعين أو الصنفين فمردود بأن منع المزابنة في الربوي وغيره إنما هي في النوع الواحد، ويقع في عباراتهم الجنس والصنف بدل النوع، والمعتبر في منع المزابنة كونها فيما كان المقصود منه في المنفعة، واحدًا أو متقاربًا سمي نوعًا أو جنسًا أو صنفًا لا فيما تباين ذلك فيه أو تباعد، كما هو ظاهر شرطه المنع بكةنه بين نوعين متضادين فتأمله، وأما زعمه أن اللبن مع السمن أو الزبد ليسا بنوعين لعدم تضادهما؛ لأنهما جزآن إلخ فوهم؛ لأن التضاد المعتبر بين النوعين إنما هو في الصادقية على موضوع واحد، وهو حاصل في اللبن المخرج زبده مع السمن، والزبد، والاجتماع الكائن بينهما إنما هو في الوجود الحسي وهو غير مانع من التضاد المذكور فهما نوعان أو صنفان أقرب مشترك بينهما المخرج من اللبن الحليب.
وقوله: حيث منع شيء من هذا إنما منع للمزابنة التي تكون في الربوي وغيره لا لكونه ربويًا غير صحيح؛ لأن المزابنة التي تكون في الربوي وغيره إذا تبين الفضل ألغيت، والمزابنة في الرطب والتمر واللبن والسمن والزبد معتبرة ولو بان الفضل بينهما، أما في الرطب والتمر فواضح، وأما في اللبن المضروب مع الزبد والسمن فكذلك؛ لأن اللبن مع أحدهما إن كانا جنسين فلا مزابنة؛ لأنها إنما تعتبر في الجنس الواحد، وإن كانا جنسًا واحدًا كان اللبن ربويًا؛ لأنه من جنس الزبد، أو السمن حينئذ، وما هو من جنس الربوي ربوي، وتوهيم ابن الحاجب ابن بشير بما ذكر من لفظها بين، ويجاب بأن مراده بالصنعة مجموع المخض وما بعده، لا ما بعده فقط، وتوهيمه اللخمي وهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 246
والمعروف أن الماء غير طعام في ثالث سلمها والإدام والشراب كله طعام لا يباع قبل قبضه، ولا يصلح منه اثنان بواحد إلا أن يختلف أنواعه إلا الماء يجوز بيعه قبل قبضه ومتاضلًا يدًا بيد، وبطعام إلى أجل، وخرج القاضي من رواية أبي الفرج وابن نافع منع بيع عذبه بطعام إلى أجل أنه ربوي، ورد المازري وغيره بأنه حينئذ كفاكهة لا تدخر ولا تقتات، وقبلوه وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ووهم فإن هذا حكم الطعام غير الربوي ويرد بأن وضوح العلم بادخاره ودوامه مع كونه طعامًا برواية ابن نافع يوجب كونه ربويًا.
المازري: وعلى الترجيح بيع دار بأخرى لكل منهما ماء عذب، غير جائز على رعي الأتباع جائز على لغوها.
قُلتُ: فليزم الثاني في فدان بآخر بكل منهما تمر ربوي، واختلاف جنس الطعامين الربويين يبيح فضل أحدهما على الآخر فالحنطة والتمر والزبيب ولحم ذي الأربع ولحم دواب والجراد واللبن مطلقًا والزيت والخل والعسل كل منهما جنس لأنواعه:
الشَّيخ: روى ابن حبيب: بيض كل الطير جنس واحد كان مما يطير أولا كالنعام والطاووس وصغيره وكبيره.
الباجي: التين كله جنس وكذا العنب.
ابن حبيب: الثوم والبصل جنسان.
قُلتُ: وكذا عسل النحل والسكر، وهو دليل قول قول اللخمي لا يراد عندنا إلا للعلاج، ولظاهر قوله: العسول أصناف، وتقارب منفعة الجنسين تصيرهما جنسًا واحدًا.
والمعروف أن القمح والشعير جنس واحد، ولم يحك المازري فيه في شرح التلقين خلافًا في المذهب، وقال في المعلم إثر نقله قول الشافعي: إنهما جنسان، ومال إليه بعض شُيُوخنا المحققين.
وقال في موضع آخر: لم يختلف المذهب أنهما جنس واحد ورأى السيوريى أنهما جنسان ووافقه على ذلك بعض من أخذ عنه قال في موضع آخر: لم يختلف المذهب أنهما جنس واحد ورأى السيوريى أنهما جنسان ووافقه على ذلك بعض من أخذ عنه قال غيره هو: عبد الحميد الصائغ، ولم يعزه ابن بشير إلا للسيوري، والمذهب أن السلت كالقمح وفي إجزاء قول السيوري فيه
الجزء: 5 - الصفحة: 247
نظر، والأظهر عدمه؛ لأنه أقرب للقمح من الشعير.
وفي كون (...) من جنس القمح نقل أبي عمر عن ابن كنانة مع اللخمي عن رواية ابن حبيب، ومعروف المذهب، أبو عمر اتفق قول مالك على أن الذخن والذرة والأرز أصناف يجوز التفاضل بينها.
الباجي لزيد بن بشير عن ابن وَهْب: أن الدخن والذرة والأرز جنس لا يجوز التفاضل بينهما.
وقول ابن شاس: المشهور أنها لا تلحق بالقمح والشعير وما معها وألحقها ابن وَهْب بها.
وسبب الخلاف النظر لتباين الخلقة والمنفعة أو إلى أن العادة اختبازها لا أعرف من نقله عن ابن وَهْب غير ابن محرز، ونقله ابن بشير غير معزو، ونقله اللخمي عن الليث ومال إليه.
قال: ذكر عن الليث أن القمح والشعير والسلت والأرز والذرة والدخن صنف واحد في البيع وهو أقيس على قولهم: أخبازها صنف واحد وفيها رجع عن كون القطاني أصنافًا؛ لأنها صنف واحد.
وبالأول أقول: ابن رُشْد به قال: سائر أصحاب، وثالثها له ما لا يشبه بعضه بعًا في المنفعة كالحمص والفول، والترمس والكسر سنة فهي أصناف، وما أشبه بعضه كالحمص والعدس صنف.
أبو عمر: روي ابن وَهْب أنها كلها صنف واحد، وروى ابن القاسم أنها أصناف لا بأس بالتفاضل بينها، وقاله سَحنون وأكثر أصحاب مالك، وقال ابن القاسم وأشهب: الجلبان والبسيلة صنف واحد والحمص واللوبيا صنف واحد، وما عدا ذلك أصناف مختلفة.
ابن زرقون: قال عيسى: لا بأس بالبسيلة بالجلبان واللوبيا بالحمص متفاضلًا، ورواه ابن أبي جعفر عن ابن القاسم في الحمص واللوبيا، وأجاز الجلبان بالعدس.
قال: وكرهه أشهب.
وفي كون الكرسنة من القطاني أو صنفًا على حدة، ثالثها: إنها غير طعام رواية اللخمي مع أحد نقلي ابن بشير، وثانيهما مع ابن رُشْد عن ابن حبيب، وقوله في سماع
الجزء: 5 - الصفحة: 248
القرينين في الزكاة.
قال ابن وَهْب: لا زكاة فيها واختاره يحيى بن يحيى، وهو الأظهر؛ لأنها علف ليست بطعام.
وفي كون الأرز والجلبان من القطنية نقل ابن رُشْد رواية زياد والمشهور مع سماع القرينين، وقول ابن بشير الكرسنة هي اللوبيا خلاف سماع القرينين، تفسير مالك القطنية بقوله: الجلبان واللوبيا والحمص والكرسنة وما أشبه ذلك.
وفيها: ما أضيف اللحم من شحم وكبد وكرشٍ وقلب ورئة وطحال، وكلأ وحلقوم وكراع وخصي ورأس وشبهه حكم اللحم.
والمعروف اختلاف طبخ اللحم لا يعد جنسه.
عبد الحق: لم يذكروا في كون الطبخ يوجب اتحاد المطبوخين ولو كانا جنسين أم لا، والظاهر الأول كخبزي الجنسين.
قُلتُ: فيتخرج خلافه احرويًا؛ لأن التباين بالطبخ أبين ولذا قيل به في الجنس الواحد وصفة الطبخ تأتي، التونسي: إن بيع اللحم المطبوخ بعسل بما طبخ به بلبن فلا شك في اتحاده؛ لأن طعمهما متقارب، وإن بيعا بمرقتهما أمكن أن يختلفا لا ختلاف أجناسهما، إلا أن يغلب اللحم فيكون مرقة تبعا فيجب تحري الجميع.
اللخمي: القياس جواز التفاضل بين قلتي الخلوالعسل لتباين الأغراض فيهما.
المازري: مال بعض أشياخي لتعدد جنس اللحم باختلاف طبخه الذي تختلف فيه الأغراض.
ابن شاس: تعقب بعض المتأخرين المذهب، وأرى أن الزبرباج مخالف للطباهجة مخالفة لا يتمارى فيها.
قُلتُ: ففي اختلاف اللحمين مطبوخين طبخًا تختلف فيه الأغراض.
ثالثها: إن كانا جنسين وبيعا بمرقتهما.
اللخمي: ومعروف المذهب، والتونسي، وظاهر كلامه: أن بيع لحم مع مرقه بلحم مع مرقه كبيع لحم بلحم.
وقال اللخمي: قولها: لا يجوز قلية لحم بعسل بقلية لحم بخل أو لبن متفاضلًا،
الجزء: 5 - الصفحة: 249
يريد: إن باعا اللحم باللحم فقط، وإن أدخلا أو داكهما في البيع جرى على الخلاف في بيع قمح، ودقيق بقمح ودقيق.
قال المازري: هذا إن أعطيت الاتباع حكم نفسها، وإن ألغيت فلا.
قال: والتساوي بين اللخمين مطبوخين بالوزن يعسر، فوجب كونه بالتحري وفي وجوب التحري في اللحمين ومرقيهما أو دونهما قولا الشَّيخ وغيره، ورجحه عبد الحق بأن المعتبر في تحري الخبزين دقيقاهما دون تماثل أعيانهما، وسياق كلام المازري دخول قول ابن شعبان بإلغاء عظم اللحم المتحرى قبل طبخه فيه بعد، ويرد بأن عظم المطبوخ معتبر لطبخه معه بخلاف ما قبله، وقول ابن الحاجب اختلف في الأمراق باللحوم المطبوخة، المختلفة والمشهور أنها جنس بين لكل منصف بعده عن بيان المذهب.
اللخمي: في كون التوابل طعامًا روايتها ورواية ابن شعبان، وهي الكزبر والقرنباذ والفلفل وشبهه.
قُلتُ: وفيها والشونيز، والتابل، ويدخل في قول اللخمي شبه ذلك الزنجبيل.
عياض: القرنباذ: بفتح القاف والراء ونون بعدها ساكنة وآخره دال: الكرويا، والشونيز: بفتح الشين: الحبة السوداء.
الشَّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الشمار والآنيسون والكمونات طعام، وقال محمد وأَصْبَغ في هذه الأربعة: ليست طعامًا هي دواء إنما التابل الذي هو طعام: الفلفل والكرويا، والكزبر، والقرفة والسنبل.
ابن حبيب: الشونيز والخردل من التوابل لا الحرف، وهو حب الرشاد، وهو دواء لا طعام، وعزو ابن الحاجب كون التوابل غير طعام لأَصْبَغ يقتضي عموم قوله في جميعها، والذي في النوادر إثر قول ابن القاسم لأَصْبَغ غير ذلك.
والذي في النوادر إثر قول ابن القاسم لأَصْبغ غير ذلك.
وفي كون التوابل جنسًا أو أجنسًا.
نقل الشِّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الشمار والانيسون جنس، والكمونات جنس، وقول الباجي: الأظهر أنها أجناس لاختلاف منافعها وتباين الأغراض فيها.
قال: ولمحمد عن أَصْبَغ وتأوله عن مالك الفلفل والقرفة، والسنبل والكرويا وحب الكزبر والقرطم والخردل أجناس مختلفة.
قُلتُ: في النوادر إثر قول أَصْبَغ في الفلفل وما بعده.
الجزء: 5 - الصفحة: 250
قال أشهب عن مالك: كل واحد من ذلك جنس.
والأظهر أن الفلفل والزنجبيل جنس واحد، ولا نص فيه وفي تعبير ابن الحاجب عن قول الباجي بالكراهة نظر.
وفي وحدة جنس الأخبار مطلقًا طريقان:
ابن رُشْد: في كونها كذلك، وفي كون أخبار القطنية جنسًا وحدها، ثالثها: أنها أجناس باختلاف أصولها للمشهور وابن أبي جعفر عن ابن القاسم رواية معه.
قُلتُ: عزاه اللخمي أيضًا لأحد قولي أشهب قائلًا: أرى تباين منفعة الخبز وطعمه تبيح التفاضل فيه.
قُلتُ: فيلزم جواز الفضل في خبزي القمح والشعير ضرورة.
ابن زرقون: في كونها جنسًا واحدًا وتبعيتها لأصولها، ثالثها: خبز القمح والشعير والسلت والدخن والذرة، والأرز جنس، وخبز القطنية جنس لأشهب، والبرقي ومحمد عن ابن القاسم مع أشهب، وعليه في كون خبز القطنية جنسًا خلاف ابن حارث، اتفقوا على أن سويق أجناس القطنية جنس واحد، وذكره الباجي عن ابن القاسم قال: وفرق أسهب بينه وبين أخبازها بأن جعلها أخبازًا نادر، وجعلها سويقًا غالبًا.
والخلول وإن اختلفت أجناسها جنس.
ابن حارث: اتفقوا في خل العنب والتمر أنها جنس لاتفاق النافع.
الباجي: تجمع الصنعة بين الشيء وما ليس من جنسه كخل التمر وخل العنب، وخل العسل كلها جنس واحد.
زاد ابن القاسم في المدينة، وكذا كل خل اختلفت أصنافه أو لم تختلف، وقاله ابن نافع، وقال عيسى: هذه الأخيرة خطأ، ولذا قلنا في الإبل والبقر والغنم أنها أجناس لاختلاف الأغراض فيها، ولحومها وألبانها جنس لاتفاق الأغراض فيها.
قلت: لم يتعقب الباجي ولا ابن زرقون تخطئته ابن القاسم والأظهر أنها الخطأ؛ لأن الزيادة المذكورة صواب وتخطئة الصواب خطأ، وتمسكه بما ذكر ينقلب عكس دعواه ضرورة صدق قولنا ألبانها جنس واحد اختلفت أصنافها أو لم تختف، وكذا لحومها.
الجزء: 5 - الصفحة: 251
وظاهر كلام ابن رُشْد: الاتفاق على اتحاد جنس الخلول مطلقًا، ولم يذكر اللخمي والمازري فيها خلافًا، وقول ابن الحاجب: اختلف في الخلول وقبوله ابن عبد السلام لا أعرفه، ولا يصح أخذه من قول عيسى بعد تسليمه؛ لأنه بشرط اختلاف الأغراض فيها.
وفيها: زيت الزيتون، وزيت الفجل، وزيت الجلجلان أجناس لاختلاف منافعها.
ابن حارث: اتفقوا في كل زيت يؤكل أنه ربوي، وأجاز ابن القاسم التفاضل في زيت الكتان؛ لأنه لا يؤكل، وقال أشهب: لا يباع قبل قبضه.
المازري: مال بعض شُيُوخي إلى أن دهن اللوز غير ربوي؛ لأنه لا يستعمل غالبًا عندنا إلا دواء، وهو بعيد عن أصل المذهب؛ لأن بعض القوت والأدم يترك أكلها لغلائها.
ودهن الورد، والياسمين والبنفسج، ونحوها إنما تتخذ دواء، فيخرج عن حكم الطعام عند بعض أشياخي.
قُلتُ: ما ذكره عن بعض أشياخه وهو نص اللخمي، وقولهما في زيت الورد ونحوه يقتضي عدم وقوفهما عليه للمتقدمين، وفي رسم من سماع عيسى ابن القاسم من السلم والآجال: لا يعجبني الزنبق والرازي والخيري بعضه ببعض إلى أجل متفاضلًا؛ لأن منافعه واحدة.
ابن رُشْد: هذه أدهان حكم لها بحكم الصنف الواحد على أصله في مراعاة المنافع دون الأسماء.
المازري واللخمي: لا يجوز الفضل بين الخبز والكعك إلا أن يكون فيه أبراز.
ابن شاس: أجازوا الفضل بينهما، وقال بعض المتأخرين: انظر هذا مع قولهم: الألوان كلها صنف، ومقتضاه جعل الخبز والكعك صنفًا واحدًا، وقول ابن الحاجب: اختلف في الخبز والكعك للأبزار، والمذهب أنهما جنسان ظاهره التنافي، ومقتضى المذهب في وحدة جنس المطبوخ كونهما جنسًا واحدًا كما أشار إليه ابن شاس عن بعضهم، وللشيخ عن كتاب محمد قال: الأرز المطبوخ بالهريسة لا يصلح إلا مثلًا بمثل، أَصْبَغ كعجينهما لا يصلح إلا تحريًا.
المازري: إن أراد الهريسة المصنوعة من الأرز واللحم يجعل خلط اللحم به لا ينقله
الجزء: 5 - الصفحة: 252
عن حكمه، وإن أراد ما صنع من القمح واللحم يجعل طبخ القمح والأرز يصيرهما جنسًا واحدًا.
قُلتُ: مقتضى منع الأرز بهريسة متفاضلًا منع بالكعك متفاضلًا فتأمله.
وفي جواز التمر بخله ومنعه مطلقًا، ثالثها في اليسير لابن رُشْد عنها مع نقله عن بعض روايات سماع عيسى، وأخذه عن سماع يحيى.
ابن القاسم: منع خل التمر بنبيذه منضمًا لمنع التمر لنبيذه؛ لأن نسبة بعض الجنس إلى طعام كنسبة باقيه إليه مع فضل، واستحسانه هذا الأخذ من هذا السماع، وابن الماجِشُون، وعلى غير الأول فرق بين جواز خل العنب بخله ببعد ما بينهما، ثم رد الأخذ من سماع عيسى بأن قرب التمر من نبيذه مع قريب نبيذه من خله لا ينتج قرب التمر من خله؛ لأنهما طرفان النبيذ بينهما.
الباجي: نص مالك على جواز التمر بخله فقاس ابن القاسم عليه العنب بخله، وروى محمد عنه أنه قال: لا أدري إن كان يطول كالثمر فلا بأس به فاعتبر الطول دون الطعم، وقال المغيرة: لا يحل التمر بخله ولا العنب بخله، ولا بأس بخل التمر بالعنب وخل العنب بالتمر، وقال أبو زيد عن ابن الماجِشُون: يجوز في اليسير لا الكثير للمزابنة، وقال اللخمي في ثمانية أبي زيد: إنه فاسد للمزابنة حتى يتبين الفضل كقول مالك في الجلد بالأحذية.
قُلتُ: قوله: حتى يتبين الفضل وهم؛ لأنهما ربويان بخلاف الجلد بالأحذية.
الباجي مع سماع يحيى ابن القاسم: لا يحل خل التمر بنبيذ الزبيب.
وفيها: لا خير في قصب الحلو بربه ولا التمر بربه، إلا أن يدخله أبراز فيصير صنعة يبيح التفاضل فيه.
الشَّيخ عن كتاب محمد قال: لا خير في رب عسل القصب بعسله، إلا أن تدخله أبزار.
ابن بشير: إن لم يطل زمن الصنعة فالمشهور لا تنقل، كالتمر بنبيذه، والزبيب بنبيذه.
الباجي: سمع يحيى ابن القاسم: لا يصلح التمر بنبيذه متفاضلًا، وعلله بتقارب المنافع، ولعله أراد تقارب الانتفاع إذ منافعها متباينة، وإن عللنا بالطعم واختلاف
الجزء: 5 - الصفحة: 253
الأغراض جاز الخل بالنبيذ متفاضلًا، قال وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا بأس بالفقع بالقمح وليس فيه غير تغير الطعم.
ابن رُشْد: يحتمل أن يريد الفقع الذي يعمل في الأعراس، روي أن مالكًا كره شربه، إلا أن يكون من عمله مأمونًا في دينه.
وقال ابن وَهْب: هو حلال شربه السلف وأجازوه، رأيت الليث بن سعد يشريه كثيرًا، ويقول ليس من الخليطين في شيء، وقال أَصْبَغ وسَحنون: لا بأس به، ومن كرهه إنما كرهه من ناحية الطب لا من جهة العلم، وهو حلال بين أصله من العسل يجعل فيه خمير القمح، وإفاوة طيب فأجاز بيعه بالقمح يدًا بيد لم يعتبر ما فيه من خمير القمح؛ لأنه يسير مستهلك تبع ويحتمل أن يريد ما يتولد زمن الربيع في أصول الشجر والمواضع الرطبة يؤكل نيئًا ومشويًا، فإن كان مراده فيجوز بالقمح يدًا بيد وإلى أجل؛ لأنه وإن كان يؤكل فأكله قليل لا يحكم له بحكم الطعام والأول أظهر.
قُلتُ: ظاهر قول الباجي ليس فيه غير تغير الطعم أنه لا إضافة فيه من عسل ولا إفاوة.
الباجي: في كون نبيذ التمر ونبيذ العنب جنسًا أو جنسين قولها، وقول كتاب الفرج، وتجويز ابن القاسم الفقاع بالقمح يقتضي أن الانتباذ صنعة.
قُلتُ: هذا على فهمه لا على ما مر لابن رُشْد.
وفي كون نبيذ التمر ونبيذ الزبيب جنسًا أو جنسين نقلا الباجي مع غيره، وعن كتاب أبي الفرج.
اللخمي: قال مالك: لا يصلح نبيذ الثمر ونبيذ الزبيب إلا مثلًا بمثل؛ لأن منفعتهما واحدة.
ابن حبيب: الأشربة الحلال من التمر والزبيب جنس، وقال أبو الفرج: عصير العنب والتمر جنسان ما لم يتخللا، وهذا أبين؛ لأن التمر بنبيذه والعنب بعصيره لا يجوز متفاضلًا، فإذا لم ينقله انتباذه عن أصله، والتمر بالعنب يجوز متفاضلًا؛ جاز الفضل بين نبيذيهما.
قُلتُ: فقول ابن شاس وابن الحاجب، وقبوله ابن عبد السلام المشهور أن نبيذ
الجزء: 5 - الصفحة: 254
التمر ونبيذ الزبيب صنفان تبعًا لأصولهما، وعند أبي الفرج أنهما صنف واحد وهم، وفيها لمالك: لا يصلح نبيذ التمر ونبيذ الزبيب إلا مثلًا بمثل.
والمذهب أن الطحن والعجن لغو، ونقله ابن بشير، ثم قال في لغو الصنعة: دون نار ولا طول قولان:
الباجي عن عبد الرحمن بن أبي سلمة: الطحن معتبر وعزاه غيره لليث.
وفيها لمالك لا يجوز اللحم الممقور بالنيئ، ولا السمك الطري بالمملح ولا القديد باللحم النيء متفاضلًا، ولا مثلًا بمثل ولا تحريًا، ولا يعجبني اللحم المشوي بالنيء واحد باثنين ولا بينهما فضل، وهذا أيضًا مما رجع عنه وأقام على كراهته، مثل القديد وهو أحب قوله إلي، وقال مالك: ولا يتحرى، ولم أسمع منه في القديد بالمطبوخ شيئًا، فإن كان القديد إنما جففته الشمس بلا تابل ولا صنعة صنعت فيه جاز منه واحدًا باثنين من المطبوخ، وكذا المشوي به، ولا خير في القديد بالمشوي وإن تحرى.
قُلتُ: فتجفيف الشمس والنار بتابل ناقل، وكذا فيها ما كان بمرقة وأبزار.
الباجي: إن اقترن بالنار ما تتم الصنعة به من ملح وإبزار وزيت وخل ومري وغير ذلك، فما انضاف إليه ما تكون للنهاية المعتادة من عمله فهي صناعة، كالأبزار والمرقة في طبخ اللحم والماء، والملح في الخبز فهذا يغير الجنس؛ لأن الماء والملح هو النهاية من عمل الخبز في الأغلب.
قُلتُ: ظاهره أن طبخ اللحم بالماء والملح فقط لغو ومثله قول اللخمي.
قال ابن حبيب: لا خير في قديد بقديد لاختلاف يبسه، ولا في الشواء؛ لأنه لا يعتدل، وبيع أحدهما بلآخر أو بالنيء مثلًا بمثل لا يجوز إن كان الأبزار فيهما، ولا أبزار في أحدهما، فإن كان في أحدهما فقط جاز التفاضل فيهما إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها النفقة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا.
قُلتُ: فإن أضيف إيهما بصل فقط أو ثوم، فكان بعض شُيُوخنا يراه معتبرًا، وهو مقتضى آخر كلام ابن حبيب خلاف مقتضى أوله، وقول ابن الحاجب: طبخه بماء أو غيره ناقل خلاف ما تقدم للباجي واللخمي عن ابن حبيب، وما تعرض ابن عبد السلام إليه بوجه.
الجزء: 5 - الصفحة: 255
ابن حارث: اختلف في طري اللحم بالمطبوخ فأجازه ابن القاسم.
وقال ابن عبد الحَكم: لا يجوز مثلًا بمثل بحال، وروى عن مالك قال: وانفرد ابن القاسم بقوله.
قُلتُ: فيها قال مالك: لا بأس باللحم الطري بالمطبوخ متفاضلًا إذا غيرته الصنعة، ونقل ابن زرقون قول ابن عبد الحَكم دون روايته، وزاد فيه وإن طبخ بأبزار وخل ومري.
والمعروف أن الخبز ناقل.
ابن زرقون في المبسوطة عن ابن نافع: لا يجوز بيع القمح والدقيق بالخبز.
قُلتُ: فيفوم منه، ومن قول ابن عبد الحَكم في الطبخ، وقول المغيرة في منع الخل بتمره لغو الصنعة مطلقًا.
اللخمي: يجوز التفاضل بين الأسفنجة والخبز والكعك؛ لأن الزيت نقل طعمها كالأبزار، واختلف فتوى شُيُوخنا في بيع السقي بالخبز متفاضلًا، وهو ما يطبخ مسطحًا من عجين القمح طبخًا يسيرًا، ثم يعجن سحتًا تحله الحاكة بالماء حتى ينماع به ثم يبلون فيه الغزل، والأظهر جوازه من قولها: يجوز مشوي اللحم بمطبوخه متفاضلًا، ويجوز النشاء بالخبز متفاضلًا؛ لأن صنعته أخرجته عن منفعة الأقل إلى غيره، التونسي لا رواية في الخبز، بالسويق وينبغي جواز التفاضل فيه لاختلاف منفعته، وإذا لم تجز الهريسة بما فيها من اللحم بالأرز المطبوخ وحده، فلا تجوز بخبز ولا بعصيدة إلا مثلا بمثل؛ لأن النار جمعتهما.
وفي قلو الحبوب قولان: لقولها: لا بأس بالحنطة المبلولة بالحنطة المقلوة، وبلغني عن مالك فيه بعض مغمز حتى تطحن المقلوة، ولا بأس بالأرز اليابس بالمقلو.
اللخمي: لا يجوز يابس الفلول بمسلوقه، وقد يجوز في الترمس لطول أمره وتكلف مؤنته.
المازري: أما السلق للحب فرأى بعض الأشياخ أن سلق الفول صار جنسًا آخر، وجاز الفضل بينه وبين ما لم يسلق منه، ثم ذكر كلام اللخمي.
ففي اعتبار السلق ثالثها في الترمس لا الفول الأقوال المتأخرين، وسمع عيسى ابن القاسم، لا خير في بيض مسلوق
الجزء: 5 - الصفحة: 256
بنيء منه ليس السلق صنعة.
ابن رُشْد: كقولها: طبخ اللحم بغير أبزار لغو، وسمعه لا بأس بالقصب بالسكر.
ابن رُشْد: زاد في بعض الروايات وعسل القصب بربه إن أدخله أبزار كالقرفة والسنبل والفلفل، واللوز والفستق والبيض لا بأس فيه متفاضلًا، لا أعلم إلا أنه بلغني عن مالك، ووقف فيه ابن القاسم إن من لم يدخله شيء إلا بيض ضرب به.
ولا بأس بعسل القصب بالسكر لطول أمره.
ابن رُشْد: وهذه زيادة على ما في المدَوَّنة؛ لأنه أجاز السكر بقصبه وبربه وعسله لبعد ما بين السكر وبينها، وجعل القصب وربه وعسله جنسًا واحدًا، إلا أن يدخل بعضها أبزار فيجوز التفاضل بينه وبين ما لم يدخله منها.
باب في شرط المماثلة
وشرط المماثلة: اتحاد العوضين في درجة الطيب، وسمع عيسى ابن القاسم: لا بأس بواحد باثنين أخضرين أو يابسين في الخوخ، وعيون البقر ولا خير في رطبة بيابسة من صنف واحد؛ لأنه مخاطرة كالتمر والتين في ذلك الحديث: «النهي عن الرطب باليابس».
ابن رُشْد: لا يجوز ذلك في الصنف الذي لا يجوز فيه التفاضل اتفاقًا، وفيما جاز فيه التفاضل كالتفاح والخوخ، وعيون البقر فثالثها إن لم يبين الفضل بينهما لدليل احتجاجه في هذه الرواية، وفي سماع أَصْبَغ بحديث النهي، ولابن القاسم في رسم باع شاة وسماعه أبو زيد في جامع البيوع مع دليل اعتلاله في هذه الرواية، وسماع أَصْبَغ بالغرر والمخاطرة
الجزء: 5 - الصفحة: 257
والمزابنة.
وقياسه الخوخ وعيون البقر، على التمر والتين بعيد؛ لأنهما ربويان ورد فضل القولين إلى الثالث فلا اختلاف، والرطب واليابس من صنفين جائز مطلقًا اتفاقًا، وقول ابن الحاجب: لا يباع رطب بتمر ونحوهما باتفاق.
قُلتُ: إن أراد بنحوهما الرطوبة واليبس بطل بغير الربويين، وإن أراد في ذلك بكونهما ربويين فاته حكم غير الربويين، واختلاف العوضين في درجة الطيب ينافي تماثل قدريهما.
فيها: لا يجوز كبير البلح برطب ولا ببسر ولا بسر برطب، ولا تمر بأحدهما ولا برطب.
اللخمي اختلف في الرطب بالتمر إذا تحرى نقص الرطب إذا جف، واختلف قول مالك في طري اللحم بيابسه على التحري.
وذكر ابن بشير تخريج اللخمي، وقال: ليس كما ظنه فإن الرطب حالة كماله التيبس، وله يراد، واللحم حال كماله الرطوبة، واليبس تغير عن كمال لذا ألغى في أحد القولين، والعجين دقيق أضيف إليه شيء فجاز بيعه بالدقيق وقبله ابن عبد السلام، وحاصله التفريق بأن الرطوبة في اللحم كمال لا اليبس، وفي التمر على العكس، وكون هذا رد القياس لا ينهض؛ بل يرد بأن يبس الرطب من اللحم قد يعود يابسًا، فالتحري فيه قريب الصدق لإمكان تجربته طريًا، ويابسًا، وعين الرطب لا تصير تمرًا، فلا تمكن تلك التجربة فيه، وبأنه قياس فاسد الوضع؛ لأنه في معرض النص، وتقدم نحو هذا في شحم الميتة.
الشَّيخ في كتاب محمد قال: الجبن كالسمن والزبد، لا يجوز بالبن، واختلف في الجبن باللبن المضروب، فكره وأجازه ابن القاسم، وأجاز مالك المضروب بالزبد والسمن.
ابن حبيب: لا يباع رطب الجبن بيابسه ونحوه لمحمد.
اللخمي: في جواز الرطب بالرطب مثلًا بمثل قولا ابن القاسم مع مالك وعبد الملك لنقصه إذا جف، وعليه منع البسر بالبسر، وأجاز مالك جديد التمر بقديمه ومنعه عبد الملك، وهو أحسن إن اختلف صنفاهما كصيحاني وبرني.
الجزء: 5 - الصفحة: 258
الباجي: انظر إذا كان نصف الثمرة بسرًا ونصفها قد أرطب، هل يجوز بيع بعضه؟
قُلتُ: الأظهر على مشهور المذهب جوازه.
اللخمي: في جواز الحليب بحليب، متماثلًا: روايتها ورواية أبي الفرج لجعل قدر زبديهما، وهذا يصح، حيث يراد لزبده، ولو منع لاختلاف ما يراد منهما، لمنع قمح بقمح لاختلاف ربيعهما.
وفيها: يجوز حليب فيه زبده، وبما لا زبد له من لبن لقاح، أو إبل كدقيق بقمح وله ريع:
قُلتُ: فيتخرج فيه رواية منعه.
اللخمي: يجوز الزيتون بالزيتون مثلًا بمثل، وإن كان زيت أحدهما أكثر.
قُلتُ: لم يذكر فيه تخريجًا من رواية أبي الفرج.
وقال ابن الحاجب: يجوز بمثله اتفاقًا.
اللخمي: شرط بيع اللحم بمثله من جنسه كون الذبح فيهما في وقت واحد أو متقارب.
وإن بعد، وجفت الأولى لم يجز وزنًا، ويختلف فيه على تحري النقص، ويجوز تفضلًا من رب الأولى إن لم تكن أدنى كالدنانير الناقصة بالوازنة.
قُلتُ: منع قطع الدنانير صيرورته كجودة، وقطع اللحم متيسر، وسمع عيسى ابن القاسم: لا خير في زيتون جف بمثله مما لو ترك قدر ما ترك نقص.
ابن رُشْد: لا يجوز كيلًا اتفاقًا، وروى محمد جواز رطب الخبز بيابسه تحريًا، والمنع أحسن؛ لأن التحري لا تحصل به حقيقة المماثلة.
الشَّيخ عن المَّوازية: اختلف قول مالك في طري اللحم بالقديد أو المشوي، وآخر قوليه كراهته، وإن تحرى، وبه أخذ ابن القاسم وأَصْبَغ وأخذ ابن وَهْب، وابن أبي المغمر بالأول.
ابن القاسم: لا خير في قديد بمشوي وإن تحرى، ولا في طري السمك بمالحه وإن تحرى.
قال مالك: لا بأس بالحالوم الرطب بيابسه، وبالمعصور القديم وبالجبن بالحالوم تحريًا، وكره الزيتون الطري الأخضر بالمالح الذي أكل منه.
الجزء: 5 - الصفحة: 259
قُلتُ: ظاهر كراهته الزيتون من غير ذكر تحريه مع إجازته التحري فيما قبله وفيما بعده منعه فيه، وذكر ابن الحاجب: فيه قولين، ولم أجد من ذكرهما نصًا فيه، وتخريجهما من غيره واضح.
اللخمي: في جواز العجين بالدقيق تحريًا روايتان:
ابن رُشْد: العجن ليس بصنعة، لا يجوز دقيق بعجين متفاضلًا اتفاقًا.
وفي جوازه تحريًا ثالثها في اليسير كسلف بعض الجيران الخميرة يرد فيها دقيقًا أو يبدلونها به، لابن حبيب مع أحد سماعي عيسى ابن القاسم، وثانيهما وثاني سماع ابن القاسم مع نص رواية محمد، وقول أشهب بالمنع قيل لعدم استطاعة تحريه، وقول سَحنون: لأن أصل الكيل للدقيق، وأصل العجين الوزن، ولا يتحرى ما أصله الكيل؛ بل ما أصله الوزن غير بين؛ لأن معنى تحري المكيل لعدم، تعذر ما يكال به من قدح أو صحفة، وإن لم يكن مكيالًا معلومًا، وما يوزن به قد يتعذر، والعجين لا يمكن كيل دقيقه بحال، فالتحري فيه أجوز من الموزون لعدم الميزان، ولذا أجاز ابن القاسم خبز القمح بخبز الشعير بتحري كيل دقيقهما، وأجاز التمر المنثور بالمكتل تحريًا إذ لا يتأتى كيل التمر المكتل.
قُلتُ: المكتل يحتمل أنه اسم مفعول من فعل مضعف العين لقول الجوهري: الكتلة المجتمعة من الصمغ، أو على وزن فعل كز من لقول ابن سيده، كتل الشيء فهو كتل تزلق وتزلج.
ابن شاس: ما كانت رطوبته طارية كالقمح المبلول مثلًا بمثل المشهور منعه لاختلاف البلل، وقيل بالجواز قياسًا على الرطب بالرطب.
ابن بشير: غي بيع ذي الرطوبة الطارئة بعضه ببعض مثلًا بمثل الجواز لتساوي حالتيهما، والمنع؛ لأن المقصود حالة الجفاف، ولا يقطع بالتساوي فيهما وتوهم الفضل كتحققه.
وقال ابن رُشْد: في رابع مسألة من رسم أوصى من سماع عيسى من جامع البيوع لا خلاف في منع بيع الزيتون الطري بالجاف منه كيلًا بكيل كالرطب بالتمر، والفريك بالقمح والحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة؛ لأن بعض المبلول أشد انتفاخًا من بعض.
الجزء: 5 - الصفحة: 260
قُلتُ: ظاهر لفظ ابن شاس أن القول بالجواز إنما هو مخرج على جواز بيع الرطب بالرطب، ويرد بأن رطوبة الرطب أصلى الله عليه وسلمة لا عارضية ولا معروضة؛ لأن تكون بفعل آدمي، وبأنه كذلك يؤكل ولاييبس فلا يصير لحالة يختلف فيها قدره، وقد أشار ابن بشير إلى هذا في تعليله المنع ولازم صحة التخريج تناقض المشهور؛ لأنه في الرطبين الجواز، وفي المبلولين المنع، وظاهر قول ابن بشير أن القول بالجواز منصوص لا مخرج، وظاهر سياق ابن رُشْد الاتفاق على منعه، وقال في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف: ظاهر هذا السماع وسماع عيسى ابن القاسم في جامع البيوع جواز بدل القمح المأكول والمعفون بالسالم على وجه المعروف، ومنعه أشهب كالدنانير الكثيرة النقص بالوازنة فلم يجز المعفون بالصحيح إلا أن يشبه بعضه بعضًا ولا يتفاوت، وأجاز ذلك سَيحون في المعفون، وفرق بين الدنانير والطعام، بأن الدنانير الوازنة بينها وبين الناقصة فضل في الوزن، ولا فضل بين المعفون والصحيح، وكرهه في المأكول إذا ذهب أكثر الحبة.
قُلتُ: يريد في المأكول إذا ذهب أكثر الحبة قلت: يريد بالمأكول السايبس وبه عبر اللخمي وذكر قول أشهب في الكثير قال عنه: ولا بأس إذا قل الطعام، كالدنانير اليسيرة، وإن كثر الطعام، وعفنه مختلف أو كان بأحدهما فقط لم يجز كالدنانير إذا كثرت، وكذا القمحان أحدهما كثير التراب لا يصلح إلا في اليسير، وتقدم منع ابن حبيب قديدًا بمثله ومشويًا بمثله، وذكر اللخمي قبل ذكره جوازه كأنه المذهب، وعبر عنه المازري وابن شاس بالمشهور وتبعه ابن الحاجب، وأشار بمناقضته المشهور في منع المبلول بالمبلوب، ويجاب بأن المشوي والقديد لا يؤول لحالة تبين اختلاف قدره؛ لأنه كذلك يؤكل، وغالب مبلول الحنطة أكله بعد يبسه فيؤول لحالة تبين اختلاف قدره.
الباجي: مابه التماثل: الكيل في الحبوب؛ لأنه نصه صلى الله عليه وسلم في التمر والحبوب مثله في نصب الزكاة، وقدر زكاة الفطر والفدية وما لا قدر له في الشرع إن تقرر مقداره كيلًا أو وزنًا في كل بلد كالوزن في اللحم والجبن قدر به، وانظر ما اختلف فيه البلاد كالسمن واللبن والزيت والعسل في بعض البلاد مكيل، وفي بعضها موزون وما لا يتقرر فيه كيل ولا وزن؛ كالبيض والجوز على أنهما ربويان.
الجزء: 5 - الصفحة: 261
زاد ابن بشير ما اختلف فيه البلاد قدر بعادة بلده لا بغيره، إلا أن يعلم نسبته منه.
زاد ابن شاس: إن جرت عادة فيه بوجهين قدر بأحدهما أيهما كان.
قُلتُ: إن تساويا وإلا اعتبر الأكثر.
المازري: إنما يجوز بعض البيض ببعضه بشرط تحري المساواة، واتحاد قدره وإن اقتضى التحري مساواة بيضة لبيضتين، وشرط محمد في بيض النعام استثناء قشره؛ لأنه له ثمنًا ولم يشترطه غيره؛ لأنه رأى أن ثمنه غير مقصود أو؛ لأنه من مصلحته فأشبه النوى في التمر؛ لأنه من ضرورة ادخاره، وقال بعض الشافعية: لايباع عسل بآخر حتى يصفيا من شمعهما؛ لأنه عرض يباع ولا يدخر غالبًا إلا مصفى.
ابن بشير: في الرجوع إلى التحري في البيض قولان:
قُلتُ: في كون مقابل التحري عنده وزنه، أو الوقف الذي تقدم للباجي نظر، وظاهر سماع عيسى رواية ابن القاسم، بعد هذا أن المعتبر فيه الوزن.
وفي اعتبار التحري في المساواة طرق:
المازري: اختلاف المذهب فيه خلاف في حال من ألغى غلطه لندوره عنده اعتبره، ومن عكس عكس.
ابن بشير: في اعتبار ثالثها في اليسير، وسمع ابن القاسم: لا تصلح قلة صير بقلة صير إلا بالتحري.
ابن رُشْد: لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل وزنًا، أو تحريًا؛ لأن التحري فيما يوزن جائز، قيل ولو كثر ما لم تدع له ضرورة، وهو ظالم قولها: يجوز اللحم باللحم تحريًا، والسلم فيه تحريا، وقيل لا يجوز إلا عند عدم الميزان، وقيل ولو عدم إلا في طعام يخشى فساده إن ترك لوجود الميزان، وهذا في المبايعة والمبادلة، ولا يجوز في الاقتضاء، اتفاقًا إلا عند عدم الميزان، قاله سَحنون في نوازله.
قُلتُ: إن أراد قبل حلول الأجل فالظاهر منعه، ولو عدم الميزان، وإن أراد بعده فالظاهر جوازه؛ لأن كذبه فيه إنما يؤدي إلى حسن قضاء أو اقتضاء دخلا عليه.
وفي المبايعة يؤدي للربا فهو في الاقتضاء أجوز، وسمع سَحنون ابن القاسم في
الجزء: 5 - الصفحة: 262
جامع البيوع لمن أسلم في مائة طير لا تستحيي أخذ أقل عددًا من غير صنفها بقدر التي له تحريا.
ابن رُشْد: يريد بعد الأجل.
قُلتُ: عدم شرطه فقد الميزان أنه لعدم شرطه مطلقًا اختلاف قول ابن رُشْد وسًحنون، أو لأن تعذر وزن الطير كفقد الميزان، وظاهر لفظ المازري وابن بشير إطلاق الخلاف في المكيل والموزون، وسمع عيسى رواية ابن القاسم: بيع اللحم والخبز والبيض بعضه ببعض تحريًا أن يكون فيما يعطى مثل ما يأخذ مثلًا بمثل بلا كيل ولا وزن.
ابن القاسم: هذا إذا بلغه التحري ولم يكثر حتى لا يستطاع أن يتحرى، وكذا كل ما يباع وزنًا لا كيلًا هذا إذا يلغه التحري ولم، وما جاز فيه واحد باثنين من طعام أو غيره فلا بأس بقسمه تحريًا كان مكيلًا أو موزونًا أو لا يكال ولا يوزن.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم إنما يجوز فيما لا يكثر حتي لا يستطاع أن يتحرى، تفسير لقول مالك، وكما يجوز بيع بعضه ببعض بالتحري يجوز قسمه بالتحري.
وقال ابن حبيب: لا يجوز، ومعناه، فيما كثر، وما يباع كيلًا لا وزنًا، مما لا يجوز فيه التفاضل لا يجوز بيع بعضه ببعض تحريًا، ولا قسمه تحريًا بلا خلاف.
وفي جواز التحري في البيع والقسم فيما يباع كيلًا، أو وزنًا، أو عددًا مما يجوز فيه التفاضل، ثالثها فيما يباع وزنًا كالفاكهة، أو جزافًا كالبقل لا فيما يباع كيلًا لقول ابن القاسم في هذا السماع مع مذهب أشهب.
وابن حبيب، ولما في آخر ثالث سلمها مع دليل قولها في القسم: لا يجوز قسم البقل حتى يجذ ويباع، وابن عبدوس عن ابن القاسم مع ما وقع في بعض الكتب قولها في القسم: لا يجوز قسم البقل حتى يجذ أو يباع فعطف يباع بأو لا بالواو.
الباجي: المشهور جواز التحري في الموزون دون المكيل، والمعدود وراوه محمد وغيره وهذا عندي على القول إنه لا يجوز إلا في السفر وعدم الميزان، وعلى جواز ذلك مطلقًا، وهو الأظهر لتجويزه السلم في اللحم بالتحري فيجب جوازه في المكيل، والمكيال يعدم كما يعدم الميزان، والقبضة تتعذر فيها المساواة لتعذر بقائها على شكل واحد من القبض والبسط.
الجزء: 5 - الصفحة: 263
قال ابن القاسم: إنما يجوز التحري في القليل دون الكثير.
قُلتُ: كذا ذكره في ترجمة المزابنة، وظاهره أنه حمل قول ابن القاسم على الخلاف خلاف ما حمله عليه ابن رُشْد، وقال في ترجمة بيع اللحم باللحم: قال عبد الوهاب من أصحابنا: من أجاز التحري مطلقًا، دون تقييد بوزن وقيده بعضهم بعدم الموَّازين كالبادية والأسفار، وهذا في الموزون دون المكيل والمعدود.
قال ابن القاسم: هذا فيما يمكن تحريه لقلته لا فيما يتعذر تحريه لكثرته.
ابن شاس: إن فقد الميزان فيما يقدر بالوزن جاز فيه التحري إن قل، وقيل: لا يجوز كالكثير على المنصوص واستقرأ الباجي: جوازه في الكثير من جواز شاة بشاة مذبوحتين، وحكى بعض المتأخرين جواز التحري مطلقًا دون تقييد بوزن، ولا يسارة وهو بعيد جدًا.
قُلتُ: ففي جوازه ومنعه مطلقًا ثالثها في غير الكثير، ورابعها وخامسها وسادسها الثلاثة في الموزون فقط بتقييد الخامس بما لم يخش فساد الطعام، وسابعها يجوز في الموزون إن فقد الميزان، وقل، وثامنها ولو كثر لاختيار الباجي، ونقل ابن شاس، والتخريج في المكيل على مثله في الموزون، وابن رُشْد عن سماع ابن القاسم مع قول الباجي المشهور ونقل ابن رُشْد، ونقله عن رواية ابن حبيب، ونقل ابن شاس، ونقله عن تخريج الباجي مع ظاهر نقل ابن رُشْد وما منعت كثرته تحريه واضح.
وفي القمح بدقيقه طرق: الباجي، في منعه به، وجوازه متساويًا روايتان.
قال بعض أصحابنا: هما قولان:
الأولى: لأنه كالزيت بالزيتون.
والثانية: للغو كثرة أجزاء المكيل، وقلتها كالتمر الكبير بصغيره، ورد المازري هذا التوجيه بأن ملء الصاع قمح أكثر منه دقيقًا فمساواتهما كمساواة قدلا من تمر لقدر من رطب.
الباجي: ورد بعضهم الجواز لرواية محمد يجوز كيلًا بالرزم لا وزنًا، ولا تحريًا وعكسه بعضهم.
قُلتُ: كذا وجدته رزمًا بالزاي بعد الراء، وتعقبه ابن عبد السلام بأن كيل الرزم
الجزء: 5 - الصفحة: 264
مكروه.
قُلتُ: إن أراد كراهة تنزيه فهو تمسك منه بظاهر سماع ابن القاسم: تركه أحب إليَّ وابن رُشْد حمله على الوجوب.
قُلتُ: ويحتمل كون اللفظة ردمًا بدال بعد الراء، والردم السد قاله الجوهري فيكون مطلق الصب.
اللخمي وابن زرقون عن ابن حبيب: روى ابن الماجِشُون: إنما يجوز فيما قل على وجه المعروف بين الرفقاء، وحكى أبو عمر عن ابن الماجِشُون، منعه مطلقًا، وقال هو مثل الرطب بالتمر، وعزا اللخمي جوازه وزنًا لا كيلًا لابن القُصَّار ولم يحك عكسه قال: ولا يصلح إلا على أن يقول المماثلة بين القمحين، تجوز بالكيل والوزن، فإذا جاز ذلك قبل الطحن جاز بعد طحن أحدهما إذ ليس فيه أكثر من تفرقة أجزائه، وإن قيل المماثلة بالكيل فقط لم يجز بعد طحن أحدهما بالوزن ولا بالكيل ولا يصح حمله على ما هما فيه سواء؛ لأن كلامهم في مطلق القمح لا في معينه، ويختلف في السميد بالدقيق كالقمح به وقبله المازري، ويرد بأن قرب أجزاء السميد بأجزاء الدقيق يمنع تخريج منعه، ويصير تخريج جوازه أحرويًا، وينبغي منع القمح بالسميد مطلقًا لفضل القمح بالريع والسميد بالجودة، وذكر المازري قول ابن القُصَّار عامًا: كل مكيل يجوز بعضه ببعض وزنًا قمحًا كان أو غيره قال: لأن قصد الشارع المساواة، وأنكره بعض الأشياخ، وقال: معروف المذهب غير هذا، ولا يجوز القمح بالقمح وزنًا؛ لأنهما وإن تساويا وزنًا قد يختلفان كيلًا.
قُلتُ: وكان بعض شُيُوخنا يرده بقول صرفها لا يباع القمح وزنًا، وكنت أجيبه بأنه في البيع غرر؛ لأن المعروف فيه الكيل والموزون منه مجهول القدر فيؤدي إلى جهل قدر المبيع، وفي المبادلة بين القمحين إنما المقصود اتحاد قدر ما يأخذ لما يعطى، وهو حاصل في الوزن، ولذا أجازه اللخمي إذا كانت المماثلة تجوز بالكيل والوزن.
وفي عدم اعتباره عظم اللحمين في تحريمهما كالنوى في تمر بتمر، ووجوب تحريه أو نزعه، نقلا اللخمي عن ظاهر المذهب وابن شعبان قائلًا: الأول أحسن في شاة بشاة أو نصف بنصف وإن كثر عظم أحد اللحمين المقطعين؛ لم يجز إلا على وجه المكارمة والفضل.
الجزء: 5 - الصفحة: 265
قُلتُ: إن كان معتبرًا لم تجز المكارمة بتركه كالمكارمة بالتفضل، وإن لم يكن معتبرًا فلا مكارمة، ورد المكارمة به للصفة لا للقدر بعيد لإمكان نزعه كما مر ولا شيء من الصفة يمكن نزعها.
قال: وأجاز ابن القاسم، رأسًا برأسين وزنًا، ولا يجوز على قول ابن شعبان إلا بتحري اللحم ويعتبر ذلك في القسم ولجوازه تفضيل أحدهما الآخر فيه جاز أن يكون أحدهما مباينًا باعظام ما لم يكن لحمه أحسن؛ لأن بعض مواضع الشاة أطيب لحمًا.
اللخمي: في جواز شاة بشاة مذبوحتين، ثالثها إن استثني جلداهما لابن القاسم فيها قائلًا: إن قدر تحريمهما، وأَصْبَغ قائلًا: لا يقدر عليه وفضل، وعزاه الصقلي لابن أبي زمنين، وزاد وهذا حيث يجوز استثناء الجلد، ورجح اللخمي الثاني بأنه دون استثناء لحم وعرض بمثلهما، ومعه غرر، لأنه لحم ومغيب وتفاضل؛ لأن تحريمها لا يصدق، وعزا الباجي الثاني لسَحنون أيضًا، ورواية يحيى بن يحيى قال: وتعليل بعض أصحابنا بأنه لحم مغيب لا يصح؛ لأن الجلد لحم، ولأنه ريء بعضه من مذبحها.
قُلتُ: فيلزم جواز كل رطل بكذا، ونصها المنع، قال: وفي الواضحة جواز حي لا يقتنى من وحش وطير بمثله تحريًا مثلًا بمثل، وسمعه عيسى من ابن القاسم وكره في الموَّازيَّة ما لا يحيى من الطير بلحم تحريًا.
أصبغ: لأنه حي بعد، والأظهر أنه يريد؛ لأنه اللحم بالحيوان ويحتمل؛ لأنه لتعذر لحم الحي، وفي المعتبر في تماثل قدر الخبزين طرق:
في الموطأ: لا خير في الخبز قرصًا بقرصين ولا عظيم بصغير، وإن تحرى كونه مثلًا بمثل فلا بأس به، وإن لم يوزن؛ لأنه لو تحرى الدقيق لم يصلح وزن ما في القرصين من دقيق، ولو كثر القول بهذا في المذهب كان أصح، ولكن ظاهره تحري الدقيق.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا خير في خبز شعير بخبز قمح رطلًا برطل؛ لأن الشعير أخف، ولا بأس به تحريًا لكيل دقيقيهما وكذا يابس الخبز برطبه.
ابن رُشْد: التحري في المكيل لا يجوز، وإنما أجازه في دقيق الأخباز لتعذر كيله كإجازته التمر المنثور بالمكتل تحريًا، وقوله في خبز شعير وقمح يريد والسلت وهو صحيح على معنى ما في المدَوَّنة.
الجزء: 5 - الصفحة: 266
وقال ابن دحون: المساواة في الخبز بالوزن؛ لأنه صار صنفًا على حدة فوجب لغو أصله، قال: ولو جاز ما قال لفسد أكثر البيوع، ولعمري أن لقوله وجهًا، وهو القياس على الأخلال والأنبذة، المراعى قدر العوضين لا ما دخل في كل منهما من تمر أو زبيب أو عنب، وعلى دقيق القمح بدقيق الشعير، المراعى قدرهما لا أصلهما، ومعلوم أن ريع الشعير لا يساوي ريع القمح، والحجة له بالأنبذة والأخلال أبين، لاختلافهما فيما يضاف إليهما من الماء والدقيق لم يضف إليه شيء وريعه بعضه قريب من بعض.
قُلتُ: هذا ينتج له العكس لتعذر تحري أصول الأنبذة، والخلول بما أضيف إليها بخلاف الدقيق، قال: وإن كانت أصول الأخبار جائز فيها التفاضل فالمماثلة في أخبازها بالوزن اتفاقًا.
ابن بشير: على أن الأخباز جنس في طلب التساوي في بدل بعضها ببعض بتحري دقيقهما أو وزنهما رواية المتقدمين، وقول الباجي ابن شاس: أجازوا الخبز بالخبز وهما مختلفا الرطوبة فذكر رواية المتقدمين.
قال قال بعض المتأخرين إنما يتحرى الدقيق في
خبز ما يحرم فيه التفاضل، وما جاز فيه تحرية رطوبة خبوه، ثم ذكر قول الباجي، وقال المازري: يعتبر في الخبزين اتحاد أخذ النار منهما لتحصل الثقة بماثلة وزن أحدهما وزن الآخر وإن كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا، فقيل يتحرى دقيقهما وحمل بعض الأشياخ المذهب فذكر ما ذكره ابن شاس عن بعض المتأخرين.
قُلتُ: وهو قول أبي حفص العطار، وتقدم حكاية ابن رُشْد الاتفاق عليه وظاهر لفظ ابن شاس، ونص ابن الحاجب: أنه مختلف فيه وهو بعيد أو ممتنع، ففي اعتبار التساوي فيه بالوزن أو تحري الدقيق، ثالثها إن اتحد طبخه وإلا فالتحري، ورابعها إن اختلف جنسها وإلا التحري للباجي ورواية المتقدمين والمازري وبعض المتأخرين.
والتفاضل التقديري لقصد يمكن مانع لو كان بعض أحد العوضين أجود من كل مقابله، وباقيه دونه منع اتفاقًا.
ابن زرقون: كمد سمراء ومد شعير بمد محمولة.
الباجي: إن كان العوض المختلف أفضل من المنفرد أو دونه كمد حنطة ومد شعير بمدي حنطة أجود مع الشعير، ففي إجازته قول محمد، والمشهور بناء على صحة قياسه
الجزء: 5 - الصفحة: 267
على الذهبين بذهب كذلك مراطلة، والفرق بصحة التقسيط في الطعام، وفرق اللخمي بصدق جودة الأجود في الذهب، وخلفها في الطعام بقول قائل في قمحين هما سواء، وأخذ أحدهما أجود، وآخر؛ بل هو أدنى ابن زرقون: ومنعه سَحنون فيها.
الباجي: في منع مد حنطة ومد دقيق أو مد حنطة ومد شعير بمثلهما المشهور مع رواية ابن القاسم وقول محمد.
قُلتُ: وهو خلاف قول ابن شاس.
قال بعض المتأخرين: لم يذكروا خلافًا في منع مد قمح ومد شعير، بمد قمح ومد شعير.
الصقلي وعبد الحق: من سأل رجلًا بدل طعام بأجود منه يدًا بيد، فإن كان على المعروف ليس شرط لازم إذا قال: نعم لزمه؛ لكن إذا شاء أتمه وإذا شاء رد ما أخذ فهو جائز، إن كان مثل الكيل يدًا بيد.
عبد الحق: انظر قوله: بدل الطعام والدينار الناقص بالوازن، وأخرجوه على البيع.
والمعروف من الغرض وغيره الذي من أوجبه على نفسه لزمه ولم يجيزوه حتى يكون بالخيار في تمامه ورده ولا وجه له.
والنساء الحكمي مانع كالحسي، سمع عيسى ابن القاسم معها: لا تباع أرض فيها زرع صغير بطعام نقدًا.
ابن رُشْد: أجازه سَحنون على أصله في إجازته السيف المحلى، بالذهب بذهب إلى أجل إن كان الذهب الثلث فأقل، في إجازته بيع حائط فيه ثمر لم يبد صلاحه بطعام إلى أجل، وقاله ابن الماجِشُون، وهو القياس؛ لأنه إذا أجاز بيع الزرع وهو صغير بالعين مع الأرض لتبعيته لها، وكأنه لم يقع له حصة من الثمن جاز بيعه بطعام كذلك.
قُلتُ: ظاهره أن الجواز مقيد بالتبعية وهذا عن سَحنون صحيح كذا نقله اللخمي وغيره عنه، وفيه عن ابن الماجِشُون نظر لقول التونسي والصقلي في أكرية الدور أجاز عبد الملك بيع جنان وفيه ثمرة بقمح أو كتان آخر فيه ثمرة تخالفها؛ لأن كل ثمرة مقبوضة فكانا متناجزين ودليل قبضها لو اشترى ثمرة على البقاء، ثم اشترى الأصل وغفل عن ذلك حتى أزهت الثمرة كان على المشتري قيمة الثمرة يوم اشترى الأصول
الجزء: 5 - الصفحة: 268
لأنه بشراء الأصول صار قابضًا للثمرة، وصار النماء في ملكه.
وفي ثالث سلمها أكره ممن يبيع الزيت والخل بالحنطة كيلها ثم يدخل حانوته لإخراج ذلك وليدع الحنطة عند صاحبها، ثم يخرج ذلك فيأخذ ويعطي كالصرف، رجع أبو عمران عن تفرقته بين الحانوت الصغير والكبير إلى كونهما سواء.
قُلتُ: قد تقدم في يسير التفرقة في الصرف خلاف اللخمي إن كان أحد العوضين غائبًا قريبًا مجلسهما أحضر بفوز ذلك أو قاما إليه تناجزاه بالحضرة لم يفسخ، ومضى مثله في الصرف.
في قسمها: لا خير في ثمرة طابت في شجرها بثمرة مخالفة لها يابسة أو في شجرها مزهية إلا أن يجدا ما في الشجرة قبل أن يفترقا، وإن جد أحدهما وتفرقا قبل جد الآخر لم يجز، وكذا لو اشترى ما في رؤوس النخل بحنطة دفعها، وتفرقا قبل الجد لم يجز، ومثله في ثالث سلمها.
عياض: غير ابن القاسم لا يشترط الجداد بحضورها حصلت في ضمانه.
اللخمي: إن كانت زهوًا أو رطبًا لم يجز إلا بجدها.
قال ابن القاسم: لأن فيها الجوائح، وإن كانت يابسة، والجد على المشتري أو على البائع على أن ضمانها من المشتري بالعقد جاز، وإن لم تجد بالحضرة وفيها: لا خير في فدان كراث بفدان كراث أو سريس أو خس حشي إلا أن يجدا قبل التفرق، ولا بأس بيبع حائط لا ثمر فيه بآخر مطلقًا، ما لم يستثن الثمرة غير المأبورة ربها فإن كان بكل منهما ثمر لم يؤبر لم يجز بحال لامتناع استثناء غير المأبورة، وإن أبرت إحداهما فقط جاز إن استنثاها ربها، ولم يستثن للآخر ثمرتهما، وإن أبرت جاز ما لم يشترط كل منهما ثمرة الآخر، وللخمي في القسم عن محمد بن مسلمة: لا بأس بنخل فيها ثمر لم يصلح، ولو أبر بطعام يريد، ولو كان لأجل يحسبه وغيره؛ لأن المقصود الأصول فقط.
وفي عراياها لمن منح لبن غنم عام فأكثر، شراؤه بطعام مؤجل كشراء شاة لبون به ورده اللخمي بأن المبيع في المقيس طعام وفي المقيس عليه غيره، ثم أجراها على قول ابن القاسم وأَصْبَغ في منع صلح على الإنكار فاسد على دعوى المدعي دون المدعى عليه وجوازه.
قُلتُ: يرد بأن المدعى عليه جازم بنفي موجب الفساد، ومشتري الغنم
الجزء: 5 - الصفحة: 269
غير جازم به.
[النهي في المعاملات]
لاختلاف نقليهما: اللخمي: ورأى البغداديون تعليل النهي بالمزابنة، وقاله ابن القاسم في المدَوَّنة إلا أنه عمم البيع وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إن كان الحي مرادا للقنية.
ويجري فيها قول ثالث بالجواز إن علم الفضل بينهما لقول مالك في ثوب الصوف بالصوف والجلد بالأحدية.
قُلتُ: يرد بأن المزابنة إنما تعتبر في الجنس الواحد فدخولها في اللحم بالحيوان يصيرهما جنسًا واحدًا، وذلك برد الحي لجنس اللحم لأنه المناسب للمنع لا العكس؛ لأن حكمه الجواز وإذا كان كذلك لزم المنع، ولو بان الفضل؛ لأن الجنس حينئذ ربوي بخلاف الكتان والجلد، وقوله عن ابن القاسم: إذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي مرادا للقنية مع نقله عنه أنه منعه جملة خلاف المنصوص في أصول الفقه وعلم النظر، أن المجتهد إذا عين علة حكم مع نصه على نفيه في صورة معينة فيها تلك العلة أنه لا يصح تخريج ذلك الحكم في تلك الصورة؛ لأن دلالة لفظه على نفيه عنها نص خاص، ودلالة العلة كلفظ عام، والخاص مقدم على العام ومأكول اللحم مما يقتنى له حكم نفسه مطلقًا، وما لا يقتنى، وتقصر حياته كطير الماء في كونه مع طعام غير جنس لحمه أو مع حيه المقتنى كمقتنى أو كلحم نقل اللخمي عن أشهب ومالك مع الباجي عن ابن القاسم، ومع حي جنسه كحيً لا يجوز له اتفاقًا دون تحر، وفيه تحريًا، ثالثها يكره للخمي عن محمد عن ابن القاسم، وعن إجازته في العتبيَّة طيرًا لا يستحيى بمثله تحريًا مع رواية محمد، الرجوع عن كراهة (...) النعم وكبيرها الذي للذبح بلحم لجوازه تحريًا، وابن القاسم ابن رُشْد: أشهب يراعي حياته فلا يجيزه بلحم صنفه بحال.
الباجي: في جوازه به تحريًا روايتان: الأولى بناء على ثلاثة أصول جواز بيعه باللحم وجواز التحري في العوضين من جنس واحد، وصحة التحري في الحي، وفي جوازه بمثله، ثالثها تحريًا للخمي عن أشهب ومالك وغيرهما، وفيه بمقتنى جنسه، نقل
الجزء: 5 - الصفحة: 270
اللخمي عن ابن القُصَّار، وعزا ابن رُشْد الأول لأشهب، وما تطول حياته كالشارف، في كونه مع طعام غير لحم جنسه ومع حيَّة المقتنى كمقتنى أو كلحم نقلا اللخمي عن أشهب مع أحد قولي مالك.
وثانيهما مع نقل ابن القاسم، وعزا الباجي الأول لأَصْبَغ كأشهب، ومع لحم جنسه كمقتنى ومع مثله في كونه كمقتنى بمثله تخريجًا اللخمي، على قول أشهب ومالك قائلًا: ويختلف عليه في جوازه تحريًا وهو مع ما لا تطول حياته على أحد قولي مالك حيوان بلحم وعلى الآخر في جوازه تحريًا خلاف، ويجوز على قول أشهب مطلقًا.
باب الاقتناء في الحيوان
والاقتناء: قال اللخمي والباجي: الاتخاذ للولادة واللبن والصوف والفحلة.
اللخمي، والشعر في التيس، وفي الاتخاذ لتزيد اللحم والسمن نقلاهما عن أَصْبَغ وابن القاسم.
اللخمي: كره ابن القاسم مرة خصي الكبش بطعام لأجل، وقال: لا يقتنى للفحلة، ثم قال: إن كانت فيه منفعة غير ذلك، فلا بأس به يريد إن رغب فيه لصوفه، وإن كان للحم فهو محل الخلاف، وروى العُتْبِيّ إن كان لا منفعة في التيس الخصي قائمة، ولا مؤخرة فهو مثل ذلك يريد.
لا يجو، وأرى جوازه؛ لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه، وذكر الصقلي عن ابن القاسم في العتبيَّة في خصي الكبش، مثل ما تقدم قال عنه: والتيس لا يحل بطعام إلى أجل لا يقتنى لصوف إنما هو للذبح.
قُلتُ: هو في سماع عيسى بزيادة الجدي بلبن إلى أجل إن كان يستحيى فلا بأس به، وإلا فلا خير فيه.
ابن رُشْد: أشهب: يراعي الحياة في كل ذلك لا يجيز لحمًا منه بلحم صنفه بحال، ويجيز كل ذلك بعضه ببعض وبطعام بحي ما يقتنى، ولو متفاضلًا إلى أجل، وقاله ابن نافع.
قال محمد: بخلاف الشارف والكبير فكأنه ذهب إلى أن الشارف، والكبير له حكم اللحم عند جميعهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 271
قلت لمالك: من أراد ذبح عناق كريمة أو حمام فاره أو دجاجة، فقيل له: خذ هذا الكبش أو الشارف، أو ما لا منفعة فيه إلا الذبح لا أحب شيئًا من هذا بلحم يدًا بيد ولا بطعام لأجل.
ابن القاسم: لأن الكبش لو استوفى كان فيه منفعة سوى اللحم.
قُلتُ: ظاهر قول مالك أن الاتخاذ لتزيد اللحم والسمن معتبر كقول أَصْبَغ وظاهر قول ابن القاسم خلافه كما مر له، وخصيان الدجاج المعلوفة كطير الماء الذي لا يحيى والتي لم تعلف كالمقتنى لتزيد لحمه.
اللخمي: وحشي ذوات الأربع والطير.
قال مالك: لا بأس بما يستحيى منه بحيتان لأجل.
ابن حبيب: الوحش لا يحيى حياة اقتناء وأرى أن يجوز؛ لأنه تطول حياته، ويراد للفراخ والولادة قنية اتفاقًا.
قُلتُ: في ثالث سلمها يجوز: لحم الأنعام والوحش والحوت بالطير الحي ولو لأجل في أوله: لمن أسلم في دجاج أو إوز أخذ حمام وشبهه من الداجن المربوب.
الشَّيخ في الموَّازية: كره أشهب الكبش بلحم مطبوخ لأجل، وأجازه ابن القاسم وهو أحب إلينا.
قُلتُ: في تعليقة التونسي كرهه أشهب، وهو قول ابن القاسم وغيره التونسي إنما أراد أشهب أنه يعطيه منه فكرهه ككتان في ثوب كتان وإلا فهما صنفان؛ لأن الطبخ أخرجه عن كونه لحمًا بحيوان فيجوز نقدًا اتفاقًا كلحم بمطبوخ نقدًا، ولما ذكر الباجي منع اللحم بالحيوان قال: هذا في اللحم النيء والمطبوخ.
قال محمد: كرهه أشهب، وأجازه ابن القاسم، وذكرهما ابن شاس، معبرًا عن الكراهة بالمنع.
قال بناء على اعتبار عموم الحديث واعتبار صيرورته بالطبخ جنسًا، فإن (...) الأنقال، ففي جوازه ومنعه وكراهته رابعها يجوز نقدًا، ويكره لأجل، وعزوها واضح.
ومنها رواية مسلم عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى عن المزابنة»، والمزابنة
الجزء: 5 - الصفحة: 272
بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلًا، وعن كل ثمر بخرصه.
وفي رواية: بيع الزرع بالحنطة كيلًا، وهو متفق عليه.
باب المزابنة
المازري: المزابنة عندنا: بيع معلوم بمجهول أو مجهول بمجهول من جنس واحد فيهما، وتبعه ابن الحاجب وقبلوه ويبطل عكسه ببيع الشيء بما يخرج منه حسبما يأتي إن شاء الله.
وتكون في الربوي وغيره، وسمع ابن القاسم: لا خير في شاة لبون بلبن لأجل أيهما عجل وبطعام لأجل غير اللبن لا بأس به.
سَحنون: الذي عرفنا من قول ابن القاسم غير مرة لا بأس باللبن بشاة لبون لأجل، ولم يختلف قوله في حرمتها بلبن لأجل، وقاله أصبغ.
ابن رُشْد: أصل هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وهي في صنف واحد كون أحد العوضين
الجزء: 5 - الصفحة: 273
جزافًا لا يجوز ولو نقدًا، ولا تدخل في الصنفين إلا لأجل، فإن كان المعجل أصل المؤخر، ولا تمكن مقارنتهما في الوجود كصوف في ثوبه لم يجز اتفاقًا لأجل يمكن كونه منه فيه، وإن أمكنت، والمتولد موجود كاللبون بلبن والبيوضة، ببيض في جوازه مطلقًا، ثالثها إن كان المؤجل ما منه الآخر، ورابعها عكسه لسماع أبي زيد ابن القاسم مع سماعه عيسى في الدجاجة البياضة ببيض لأجل ولها مع ظاهر سماع ابن القاسم وله في هذا السماع مع سَحنون وابن حبيب ولأشهب، والأول أظهرها لاتفاقهم على جواز اللبون باللبن أو بطعام ولو لأجل، والثالث ضعيف في اللبون بلبن لامتناع دخوله المزابنة إذ لا يبقى اللبن للأجل دون تغير فإنما يعطيه عنده من لبن غيرها، وإنما لهذه التفرقة وجه في بيعها بجبن لأجل يمكن جمعه من لبنها فيه، ووجه الرابع أنها معجلة لبنها غير مقصود؛ لأنه تبع لها، وإن كانت المؤجلة علم قصدهما إياه إذ قد اشتراطاه، وإن لم يكن المتولد موجودًا حين العقد كشاة لا لبن فيها بلبن لأجل يكون لها فيه، أو دجاجة ببيض أو ذباب نحل بعسل لأجل كذلك، في جواز ذلك، قولا ابن حبيب في جميعه مع سماع عيسى ابن القاسم، في الدجاجة لا بيض فيها ببيض لأجل وقولها: في كراء الدور في النخل لا ثمر فيها بثمر لأجل وقول ابن القاسم مع سماع عيسى روايته، وإن كان لأجل لا يكون لها فيه لبن ولا بيض ولا عسل جاز اتفاقًا، ولما ذكر اللخمي قول ابن حبيب في ذباب النحل قال: قال محمد عن ابن القاسم: لا تباع الخلايا بعسل ولو نقدًا، محمد ولو لم يكن فيها عسل، أَصْبَغ وإن لم يكن فيها جاز بيعها بطعام غير العسل نقدًا ولو لأجل لا يكون لها فيه عسل، وإلا فلا خير فيه إلا بعين أو عرض لا بعسل بحال.
اللخمي: إن كان بها عسل فاضل عن قوتها جازت بطعام نقدًا لا لأجل ولو بعسل ولونقدًا، وإن لم يكن فيه فضل يخرج بيعها بطعام لأجل على بيع السيف ذي حلية فضة تبعًا له بفضة أو ذهب لأجل، في جوازه وفسخه ثالثها يكره وهو في النحل أجوز؛ لأنها تهلك إن قطع ويختلف في بيعها بعسل لأجل يصير فيه فضل عنها، وإن بيع النحل والخلايا بقرب ما رمى النحل فيها، ولم تعمل شيئًا أو علمت الشهد دون العسل جاز بيعها كالذباب قبل أن يعمل ذلك.
قُلتُ: والمؤجل الخارج بعضه من المعجل كالخارج كله، الشَّيخ عن محمد ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 274
القاسم: لا خير في عصفر في ثوب معصفرلأجل وعكسه جائز.
ابن الحاج: لا يجوز سلم زيت في صابون؛ لأنه يخرج من الزيت فهو كمن أسلم طعامًا في طعام وعرض.
قُلتُ: دليله يوهم قصره على الربوي والتمسك بمسألة المعصفر أوضح.
وقول اللخمي: إن كان فيها عسل فاضل عن قوتها جازت بطعام نقدا ظاهره من غير رعي التبعية.
وفي جواز الطعام بطعام من غير جنسه مع أحدهما عرض نقدًا ومنعه ثالثها بقيد التبعية كالصرف للخمي عن سلمها الأول قائلًا: وهو خلاف قول صرفها وبعض شُيُوخنا عن المذهب مفرقًا بينه وبين البيع والصرف بما تقدم فيه وتخريج اللخمي على قول صرفها مع ابن بشير، وابن محرز عن المذهب، وتعقب ابن بشير نقل اللخمي عن أول سلمها، الجواز مطلقًا، وقال هو هنا مجمل فسره في كتاب الصرف.
قُلتُ: نقل ابن محرز مسألة كتاب السلم مشبهة بمسألة البيع والصرف فقال: تشبيهه بالصرف يدل على اعتبار التبعية.
قُلتُ: وعلى هذا اختلفت فتوى شُيُوخنا في جواز شراء زيت بربع درهم وخبزة قيمتها ربع درهم نقدًا، وقال اللخمي: قال بعض شُيُوخنا: القياس إذا تناجزا في الطعامين جواز تأخير السلعة، وإن كثر أحد الطعامين وقل الآخر كالمد جاز تأخير الطعامين، وتعجيل الثوب كقوله إذا باع سلعة ودرهمين بدينار، وتبين الفضل في غير الربويين يلغي المزابنة.
والمعروف معتبر الصنعة في بعض جنس يصير باقيه كخلافه.
اللخمي: اختلف في بيع مصنوع بجنسه من كتان وقطن، وصوف وجلد بأحذية نقدًا، أجازه مالك في الكتان مطلقًا، وروي محمد كراهته في صوب بثبوته، وجلد بعشرة أحذية نقدًا.
قُلتُ: زاد عنه الشَّيخ وكذا الكرسف والكتان بغزلهما.
محمد: إن بان الفضل بينهما جاز.
ولعبد الحق عن سَحنون مثله في خز بثوبه.
الجزء: 5 - الصفحة: 275
وقال بعض شُيُوخنا القرويين: معناه في ثياب الخز والصوف الغلاظ لإمكان نفشها لا في رقيقها وفهمته عن الشَّيخ أبي الحسن.
قُلتُ: الأظهر أن صنعة الأحذية إن كانت بمجرد قطع الجلود على مقدار معين أنها لغو، وإن كانت مع خرز أنها معتبرة.
في الصحاح حذوت النعل بالنعل حذوا إذا قدرت كل واجدة على صاحبتها، وحذت الشفرة العل قطعتها، ثم قال: والحذاء: النعل واحتذأ: انتعل.
الصقلي وعبد الحق عن ابن أبي زَمَنَيْن من أهل العلم من قال: نسج الغزل ليس (...)، وقاله أشهب فلم يجز ثوبًا بغزل نقدًا للمزابنة إلا أن يتبين أن أحدهما أكثر غزلًا كالغزل بالكتان ويقويه قول مالك: من اشترى غزلًا فنسجه ثم فلس المبتاع فبائعه أحق به.
عبد الحق: وقول بعض الناس الجاري على قول ابن القاسم أن الغزل صنعة تبيح التفاضل بينه وبين الكتان ولو لأجل، لقول ابن القاسم بقيمته على مستهلكه ليس بشيء؛ لأن القيمة فيه لاختلافه (...) كالقيمة في جزاف الطعام قال: وروى محمد: لا بأس بثبوت مروي بثبوت مخيط، قيل كأنه قال: أعطني من الثوب قميصًا، وما زاد أو نقص فلك أو عليك، قال: إن أراد هذا فلا خير فيه كأنه ضمن له قميصًا، وما زاد أو نقص فلك أو عليك، قال: إن أراد هذا فلا خير فيه كأنه ضمن قميصًا طوله كذا من شقته، وفي أول سلمها لا خير في فلوس من نحاس بنحاس يدًا بيد؛ لأنه مزابنة إلا أن يبعد ما بينهما، وتكون الفلوس عددًا.
زاد في ثالث سلمها: لا بأس بنحاس بتور نحاس نقدًا.
ابن بشير: قال الأشياخ: القياس اعتبار صنعة الفلوس كالتور، ويمكن أن يفرق بيسارة صنعة الفلوس، وسمع ابن القاسم: لا خير في نحاس مكسور بفلوس هو مزابنة، ولا يجوز لمن اشترى تورًا بدرهمين ونصف يريد الوضوء به لا وجه النحاس أن يعطي في نصف الدرهم فلوسًا.
ابن رُشْد: هذا مثل قولها: لا خير فيه إلا أن يتبين الفضل بينهما ولا خلاف فيه.
وفي جواز التور بالنحاس أو بفلوس ولو لأجل وقصر جوازه على النقدين ولو لم يبين الفضل، ثالثها: لا يجوز ولا نقدا يريد إلا أن يتبين الفضل لإحدى روايتي ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 276
وَهب، وظاهر جعلها إياه كالصوف بثوبه والكتان بثوبه، فقال: لا بأس به نقدًا ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدًا، وإليه رجع مالك في رواية ابن وَهْب، ولهذا السماع، وعليه حمل التونسي قول ابن القاسم فيها، وأخذ بعضهم من هذا السماع: أنه لا يجوز، وإن بان الفضل؛ لأنه منع إعطاء نصف الدرهم فلوسًا مع تيقن أن نحاس التور أكثر غير صحيح؛ لأن التور مفضوض على قيمة الدرهمين، ونصف الدرهم من الفلوس ولا يدرى مناب الفلوس منه أأقل أو أكثر فوجب منعه، ولو أخذ في جميع الدرهمين ونصف، فلوسًا لا يشك أنها أكثر من التور، أو أقل لجاز، وهذا الخلاف موجود أيضًا في الصوف بثوبه، والكتان بثوبه، وروى أَصْبَغ لا يجوز نقدًا، ولا مؤجلًا أيهما عجل ورجع ابن القاسم عنه لجوازه إن كان الثوب معجلًا.
ومصنوع بمصنوع من النحاس أو منسوج بمنسوج من الصوف أو الكتان أو الكرسف جائز اتفاقًا نقدًا، ولو لم يبين الفضل، وتعقبه التونسي بقوله: لا فرق في القياس بين مصنوع بمصنوع أو مصنوع بغير مصنوع؛ لأن الصنعة إن لم تؤثر في أحد الجانبين لم تؤثر فيهما فانظره.
قُلتُ: قد يفرق بطول أحد الصنعتين كما مر في الفلوس، وفي ثالث سلمها كل شيء يجوز فيه واحد باثنين من صنفه، فلا يجوز فيه الجزاف، بينهما لا منهما ولا من أحدهما؛ لأنه مزابنة، ولو كان ترابًا إلا أن يبين الفضل بينهما بكثير.
وسمع أبو زيد ابن القاسم لا بأس أن يأخذ عن وزن صوف معلوم قدره تحريًا لا يخطئ إلا برطل ونحوه، وإن لم يعلم إلا بتغابن كثير فلا خير فيه.
ابن رُشْد: هذا كسماعه عيسى في السلم والآجال كل صنف من طعام أو غيره يجوز فيه واحد باثنين من صنفه فلا بأس بقسمه تحريًّا كان مكيلًا أو موزونًا أو لا، وخلاف قولها: كل شيء يجوز فيه واحد باثنين إلى آخرها.
وقال ابن دحون في سماع أبي زيد في الصوف: هو خلاف أصل مالك وأصحابه في أن الصنف الجائز فيه التفاضل لا يجوز بعضه ببعض إلا بتبين الفضل وظهوره، وأما بالتحري فمزابنة تعويل على قولها: وهو أصل مختلف فيه، وقصر المدة المانع من سبب
الجزء: 5 - الصفحة: 277
المزابنة يلغيها كما مر في سماع ابن القاسم لابن رُشْد.
وفي ثالث سلمها: لا خير في شعير نقدًا في قصيل لأجل إلا لأجل لا يصير الشعير فيه قصيلًا ويكون مضمونًا بصفته.
ابن شاس: ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ.
قُلتُ: وذكر عبد الرازق قال: أخبرنا الأسلمي قال: حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسزل الله صلى الله عليه وسلم عن الكالئ بالكالئ وهو الدين بالدين.
عبد الحق: الأسلمي: هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو متروك كان يرمي بالكذب.
قُلتُ: ولم يتعقبه ابن القطان، وفي مختصر من كتاب المزري في رجال الكتب الستة إبراهيم بن محمد أبي يحيي المدني، واه روى عن الزهري، وصالح مولى التوأمة وطائفة، روى عنه الشافعي ويحيى بن آدم وروى عنه من شُيُوخه يزيد بن الهادي وخلق آخرهم: ابن عرفة، قال البخاري: جهمي، وتركه ابن المبارك والناس، وقال أحمد: قدري معتزلي جهمي، وقال يحيى القطان: كذاب، قال المزي: خرج له ابن ماجة.
قُلتُ: ولم يذكره ابن عدي في كتابه المسمى بالكامل في الضعفاء والمتروكين واقتصار ابن عبد السلام على كلام الحق يقضي هذا الحكم العام عن ذكر دليله.
قُلتُ: ودليله الحديث المذكور وتلقي الأئمة له بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه كما قالوا في حديث: «لا وصيَّة لوارث» وممن تلقاه بالقبول.
ابن المنذر: في كتاب السنن له قا ل فيه: جاء الحديث «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الكالئ بالكالئ»، وحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف
الجزء: 5 - الصفحة: 278
ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك» أخرجه الترمذي وصححه.
وتخصيصه بالسلم والبيع إلى أجل لا يمنع التمسك به لما تقرر في العام المخصوص والإجماع.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز.
باب الكالئ بالكالئ
وحقيقته: بيع شيء في ذمة بشيء في ذمة أخرى غير سابق تقرر أحدهما على الآخر, وهو معنى قولهم: ابتداء الدين بالدين وهو ملزوم لتعدد الذمة ووجهه
الجزء: 5 - الصفحة: 279
كصريحه كوجه الظهار والتفليس وغيرهما لا كوجه الشغار لا يجوز شراؤك سلعة بعتها بثمن إلى أجل قبل حلوله بثمن إلى أجل.
وفيها: وهو دين بدين، وفي موضع آخر من وجه الدين بالدين، وما تقدم فيه تقرر الدين يسمى فسخ دين في دين.
وقول ابن الحاجب: حقيقة بيع الكالئ بالكالئ بيع ما في الذمة بشيء مؤخر، وكذلك بيعه بمنافع، وقيل إلا منافع عين يتعقب بأنه إن أراد الأول وحده أو مع الثاني بطل بقوله: وكذلك بيعه بمنافع، وقيل إلا منافع عين لدخول منافع العين في الأول، فتمنع، والحكم الجواز اتفاقًا، وإن أراد بالكالئ الثاني فقط أخل بأصل لا ينبغي ترك ذكره والثاني لا يستلزمه؛ لأنه أشد منه في المنع ولا تستلزم حرمة إلا حرم الحرام.
وبيع دين على حي بمضمون حرام مطلقًا كربا الجاهلية، فسخ دين في أكثر منه من الدين صح منع ابن القاسم فيها، قال: اللخمي ثلاثة منعه مالك وابن القاسم حل الأجل أم لا؟ وأجازه أشهب، وروى محمد لا خير في استعمال رجل بدين عليه قبل حلوله لخوف غيبته، أو مرضه فيتأخر لأجل آخر فصار دينًا في دين.
اللخمي: المنع فيما العمل فيه أو بعضه بعد حلول أجل الدين أصوب؛ لأن ثمن ما
الجزء: 5 - الصفحة: 280
يتأخر أقل من ثمن ما يتعجل فيدخله تقضي أو تربي، وما لا يتأخر العمل فيه عن حلول الدين جائز؛ لأنتفاء علة المنع، ولا يدخله علة مالم في المرض؛ لأنه هنا إن مرض انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من الأمد، وهو في هذا الخلاف مقاطعته على خياطة أثواب وشبهها لا يجوز إلا فيما قل؛ لأن المقاطعة لا تتعلق بوقت فتدخل علة مالك في المرض، وفي بيعه بثمرة يتأخر جدادها منع ابن القاسم فيها، وأجازه أشهب.
اللخمي: استثقله مالك في الواضحة وهو قوله في المدَوَّنة؛ لأنه قال: وإنه لتقرب أشياء ينهى عنها يريد أنه ليس بالحرام البين، وعلى رواية محمد إن لم يتأخر جدها عن حلول الأجل جاز، وإلا منع.
وفي البيوع الفاسدة منها: يجوز اكتراء دار بدين يبقى عليك لا بدين لك عليه وتعقب بأن منفعة المعين إن كانت كمعين جازت، وإن كانت كمضمون منعتا، وفي بيعه منه بدار غائبة، منع.
ابن القاسم: فيها وأجازه أشهب، وعلل اللخمي المنع بأن ثمنها حاضرة أكثر من ثمنها غائبة فيما بينهما ترك لمكان التأخير، قال: وعلى القول الآخر إن لم يتأخر قبضه إياها عن حلول الأجل جاز وإلا منع.
قُلتُ: والمعتبر في تأخير القبض عن الأجل وعدمه، مقتضى العادة لا الفعل فلو قدر الفعل مخالف العادة اعتبرت دونه إجازة، ومنعًا، لأنها مؤثرة في العقد، وفي منعه منه بجارية تتواضع أو شيء بخيار قول ابن القاسم فيها، ونقل الصقلي عن أشهب مع محمد بن مسلمة في الجميع، وذكر الباجي قول أشهب أيضًا رواية له، وثالثه للخمي: إن تأخرت الحيضة وأمد الخيار عن حلول الدين.
في بيوع الآجال منها بعد ذكر ما ذكر لابن القاسم منعه ولو بعت دينك من غير غريمك بما ذكرنا جاز، وليس كغريمك؛ لأنك انتفعت بتأخيره في ثمن ما فسخته فيه، عليه بخلاف الأجنبي مع أنه لا يجوز في خيار أو مواضعة أو شراء غائب تعجيل النقد بشرط اللخمي: اختلف في بيع دين من أجنبي بمنافع عبد أو دابة، وله في كتاب الحوالة في جواز كراء دار بدين على آخر ومنعه مطلقًا، ثالثها إن شرع في السكنى لقولها في بيوع الآجال، ورواية محمد، وقولها في الحوالة قال: وروى ابن القاسم من استأجر أجيرًا سنة
الجزء: 5 - الصفحة: 281
بدين له على آخر لا خير فيه، وأخبرني بعض أصحابنا أنه أجازه فسألته فقال: لا خير فيه، وبيعه من المدين بمعين معجل جائز، والتأخير غير اليسير بشرط مبطل، وفي اليسير اضطراب في أول ثالث سلمها إن بعت من رجل ما أسلمت فيه، مما يجوز بيعه لم يجز أن تؤخر المبتاع بالثمن يومًا أو ساعة بشرط أو بغير شرط؛ لأنه دين بدين، ولا تفارقه حتى تقبض الثمن كالصرف.
وفي أول بيوع الآجال منها كل شيء لك على غريم حل أو لم يحل فلا تبعه منه بشيء توخره إلا أن ينقدك يدا بيد كالصرف لا تؤخره يومًا ولا ساعة.
قُلتُ: ولم يذكرها البرادعي، وفي آخره، ومن بعته طعامًا لك عليه من قرض حل بدنانير حالة لم يجز أن تفارقه حتى تنتقد إلا مثل أن تذهب معه إلى السوق أو يأتيك بها من البيت، فأما أن تصير تطلبه بها فلا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين.
وفي أوائل البيوع الفاسدة منها كل دين لك على رجل من بيع أو قرض لا تفسخه عليه إلا فيما تتعجله، فإن أخذت به منه قبل الأجل، أو بعده سلعة معينة فلا تفارقه حتى تقبضها فإن أخرتها لم يجز.
وفي صلحها: وإن بعت من رجل طعامًا لك عليه من قرض فلا تؤخره بثمنه، وإن تأخر ذلك أو بعضه حتى فارقك لم يجز، وترد ما قبضت، ويبقى الطعام بحاله ولا يجوز من ذلك حصة النقد إلا أن يقرب افتراقكما مثل أن تذهب معه إلى السوق أو البيت فينقدك.
وفي آخر بيوع الآجال منها أيضًا إن ابتاع بدراهم إلى أجل وحل سلعة بعينها حاضرة رضيها، ثم قام فدخل بيته قبل قبضها جاز ويقبضها إذا خرج إذا لم يكن لبائعها منعه من قبضها، إنما هو رجل ترك سلعته وقام عنها ابن محرز: قالوا: إنما جاز ذلك؛ لأن السلعة حاضرة في ضمان المشتري بالعقد، فهي كمقبوضة، بخلاف مسألة البيوع الفاسدة، السلعة فيها معينة غير حاضرة لم يجز بيعها لما يضمنها.
ابن محرز: لا يصح هذا قول ابن القاسم بمنع أخذ دار غائبة من دين وإن كان في ضمان مشتريها، وإنما أجاز مسألة بيوع الآجال لقرب قبضها، ومجمل مسألة البيوع الفاسدة بعد قبضها؛ لأنه أطلق ذكر المفارقة فيها.
الجزء: 5 - الصفحة: 282
وقال يحيى فيها: فد جوز هذا أول الكتاب وتلك خير من هذه وأشهب يجيزها أيضًا معه، فحمل المسألة على قولين، وذكر عياض في ثاني مسألة من بيوع الآجال رواية زعم أن مقتضاها شرط الجواز بعدم مطلق المفارقة، ورواية زعم أن مقتضاها اغتفار مفارقته ليأتي بها عن قرب، وأكده بقولها في مسألة ابن محرز، وعزا القول الذي تعقبه ابن محرز إلى فضل وابن أبي زَمَنَيْن والأندلسيين، وعزا ما اختاره ابن محرز للقرويين قائلًا: وخطأوا تأويل الأندلسيين بأن ما سقط الضمان هنا لا يتنزل منزلة القبض، بدليل منع أخذ عقار غائب عن دين وإن دخل في ضمانه بالعقد، وقال التونسي: إنما يمتنع أخذ عقار غائب عن دين إذا أخذ على صفة أو تذريع إذ لا تدخل في ضمانه إلا بعد وجودهما على الصفة أو القبض، وإن كانت على رؤية تقدمت فهو قبض ناجز كالنقد، وسمع أشهب نحوه في العتبية.
قُلتُ: فعلى تأويل التونسي يبطل، تعقب ابن محرز على الأندلسيين ويتم تأويلها، وما تقدم للخمي من تعليل منع أخذ الربع الغائب عن دين بأن ثمن الشيء حاضرا أكثر من ثمنه غائبًا، فبطل تأويل التونسي فتأمله، وسمع سَحنون أشهب في كتاب السلم: إن أتى من أقيل من سلم حل برأس ماله، ومن أقيل من طعام ابتاعه بثمن إلى أجل حل فلم يدفعا ما أقيلا به حتى طال ذلك، وتباعد بشهر ونحوه، إقالتهما جائزة، وإن طال ما لم يكونا أضمرا ذلك فتبطل الإقالة ويبقى على كل منهما ما كان عليه.
ابن رُشْد: قول أشهب: هذا خلاف قول ابن القاسم وروايته في ثالث سلمها، وهو أظهر، لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الدين، وعن بيع الطعام قبل استيفائه، كما نهى عن التأخير في الصرف، وأجمعوا على منع التأخير في الصرف، ولو بغير شرط فوجب رد ما اختلف فيه إليه.
وفي بيوع الآجال منها إن أخذت بدينك طعامًا كثر كيله فذهبت بعد وجوب بيعه لتأتي بدواب تحمله أو تكتري له منزلًا أو سفنًا، وذلك يتأخر اليوم واليومين أو غابت الشمس قبل تمام كيله فتأخر لغد فلا بأس به، وهو خفيف.
والتهمة على الكالئ بالكالئ المشهور اعتبارها في صرفها من أسلفني دراهم فاشتريت بها منه مكاني حنطة أو ثيابًا إن كان السلف لأجل، جاز ذلك على النقد، وإن كان حالًا جاز ذلك يدًا بيد.
عياض، وفي الأصل أو لأجل، وهذا الحرف موقوف في
الجزء: 5 - الصفحة: 283
كتاب ابن عتاب، وقال محمد: يريد لأجل كأجل السلم، وقال سَحنون، وهو حرف سوء، وأمر بطرحه.
ابن وضاح: هو لأشهب أدخلها سَحنون، وهو يجيز ذلك لا عن مالك، وقال فضل: قرأه لنا يحيى وطرحه سَحنون؛ لأنه رد عليه سلفه وأسلم عينًا في ذمة في طعام لأجل، وهو الدين بالدين وبه علل مالك المسألة ومنعها في المبسوطة، وقال: الخلاف في اللفظة على الخلاف في العارية الحالة هل توجب قدرا للنفع بها أو لًا؟ وكذا السلف الحال، وقوله هنا يدل على ثبوت الأجل له بقدر ما يرى أن المسلف أراد منفعته به، التونسي إن أقرضه دراهم حالة فاشترى بها منه سلعة موصوفة الأجل أو معينة نقدًا أو أقرضه الدراهم لثىلاثة أيام فاشترى لها منه سلعة موصوفة لشهر جاز الجميع، ولو أقرضه الدراهم لعشرة أيام فاشترى بها منه سلعة موصوفة لم يجز؛ لأنه دين بدين، ولو أقرضه سلعة فباعها منه بدراهم نقدًا أو لأجل لم يجز إلا أن يكون عنده مثل تلك السلعة.
قُلتُ: ظاهر المذهب في منع السلم الحال منعه، ولو كان المثل عنده، وإنما يصح قول التونسي على صحة تأويل بعض الشُيُوخ ما وقع في المدَوَّنة مما يدل على السلم الحال، بكون المثل حاضرًا عند البائع، قال: ولو كان قرض السلعة لشهر جاز بيغها من مقرضها بثمن نقدًا، أو بدراهم إلى ثلاثة أيام، ولو كانت إلى عشرة أيام لم يجز؛ لأنه دين بدين.
والتهمة على فسخ الدين في الدين معتبرة في صرفها إن قبضت من غريمك دينًا فلا تعده إليه مكانك سلمًا في شيء، ولو أسلمت إليه دنانير ثم قضاكها بحدثان ذلك من دين لك علي بغير شرط لم يجز، ويكره ذلك كله بحدثانه.
وفيها مع غيرها جواز بيع الدين من غير المدين إن كان حاضرًا مقرًا فإن كان منكرًا أو بعيد الغيبة بحيث يجهل ملاؤه من عدمه لم يجز، وفي قريب الغيبة بحيث يعلم ملاؤه من عدمه ولم ينكر المشهور وقول محمد.
اللخمي: لا أرى أن يجوز ولو قربت غيبته، والدين بينة، إلا أن يشهد أنه كان مقرًا حين غيبته، فإن كان منكرًا لم يجز، ولو كانت عليه بينة؛ لأنه بيع ما فيه خصومة، وقد تكون للغائب بينة بالقضاء أو يخرج شهود الدين.
قُلتُ: وقد يجرح شهود الإقرار إلا يكونوا غير شهود الدين، ومفهوما قوله: أولًا وثانيًا متعارضان فيمن لم يعلم منه إقرار، ولا إنكار، ولموسى بن معاوية عن ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 284
القاسم، في كتاب المدبر مثل قول محمد.
ابن رُشْد: هذا خلاف المعروف من قوله: إنه لا يجوز إلا وهو حاضر مقر ولم يشترط إقراره في شراء الكفيل ما على مكفوله فقيل اختلاف، وقيل يريد أنه مقر.
في ثاني سلمها من باع من كفيل له بثياب موصوفة لأجل ما تكفل له به بما يحل، وحتى لا يكون للكفيل على الغريم إلا ما عليه وهو حاضر فلا بأس به.
عياض: كذا في كتابي، وعليه اختصره ابن أبي زمنين، وغير واحد واختصره أبو محمد وغيره بزيادة مقر، وكذا في رواية العسال، وفي كتابي في القسمة والصلح، وقال اللؤلؤي: لا حاجة لهذه اللفظة في شراء الحميل؛ لأنه في غير خوف إنكاره فيؤدي للخصومة، والكفيل غريم أقر أو أنكر، وصوب غيره إثبات إقراره؛ لأن إنكاره يؤدي للخصومة.
قُلتُ: إن قلت مقتضى قول اللؤلؤي، نفي الخصومة في شراء الكفيل ونص غيره إثباتها، وأهمل عياض بيان الصواب منهما كما هو.
قُلتُ: المنفي في قول اللؤلؤي الخصومة بين البائع والكفيل، والثابتة في قول غيره بين الكفيل والغريم فلا تناقض راعى اللؤلؤي مقتضى اتفاق رب الدين والكفيل على حقية المبيع مع كون الكفيل كالغريم، وراعى غيره ظاهر الأمر حين الكفيل والغريم، قال عياض، وقال بعضهم: إنما يشترط حضور الغريم قبل حلول الدين لا بعده؛ لأن الكفيل مطلوب بما تكفل به، وفيه نزاع بين المتأخرين ومنهم من منعه إن غاب بكل حال.
الباجي: لا يجوز شراء دين على غائب لا بينة عليه اتفاقًا؛ لأنه غرر، كالآبق ابن زرقون: ظاهر قول أَصْبَغ في العتبيَّة جوازه.
ابن رُشْد: وجهه حمل الأمر على الصحة من أن البائع صدق، فلا يلتفت لما يطرأ.
الباجي: فإن كان عليه بينة عدول، فروى داود بن سعيد إن علم حياة المدين فلا بأس به، ولعيسى عن ابن القاسم لا أحبه إلا أن يجمع بينه، وبينه.
ابن رُشْد: لو اشتراه على أنه إن أنكره رد إليه البائع ثمنه منع، ولو قال المبتاع: أعلم
الجزء: 5 - الصفحة: 285
وجوبه لك عليه وإقراره به جاز اتفاقًا فيهما.
وفي بيع شرائه الكفيل بأكثر من رأس ماله كالغريم، وجوازه كالأجنبي قول محمد، ونقل عبد الحق عن بعض القرويين محتجًا بأن الدافع إنما أخذ أزيد مما دفع من غير من دفع إليه أولًا، وقيد اللخمي قول محمد بكون الحمالة كانت في العقد شرطًا قال: وقد قال ابن القاسم فيمن أسلم لرجلين بعضهما حميل عن بعض: لا يجوز أن يقيل أحدهما، فجعل إقالة أحدهما سلفًا.
قُلتُ: قد يفرق ببقاء أحكام إلا الحمالة بين رب الدين والحميل المقال وانتفائها في شراء الكفيل فما حكم للكفيل بكونه كالغريم إلا بالمجموع المركب من الحمالة وبقاء حكم طلبها، وهو في البيع منتف، وفي أول ثالث سلمها ما انتقدت من ثمن دين بعته ثم فلس المدين فلا رجوع لمبتاعه عليك، ولك محاصة غرمائه.
عبد الحق عن بعض القرويين: وكذا لو لم ينتقد إذ ليس للمبتاع حبس الثمن حتى يقبض ما ابتاع كماله ذلك في السلعة.
قُلتُ: ظاهرها، ولو علم البائع فلس المدين وجهله مبتاعه كقول مساقاتها من ابتاع سلعة لأجل، وهو مفلس جهل البائع فلسه لا حجة له بخلاف قول حوالتها إن غر المحيل المحال بفلس المحال عليه بطلت حوالته؛ لأن البيع مكايسة، والمبتاع مفرط، والحوالة معروف يعذر المحال بجهله ما علمه المحيل.
والمذهب منع بيع الدين على ميت مطلقًا، وحكى ابن رُشْد الإجماع عليه بلفظ: لا أعلم فيه خلافًا، وعبد الحافظ أبو الحسن ابن القطان في مصنفه في الإجماع مثل هذا اللفظ إجماعًا، وأطنب مالك في الموطأ في تعليله بالغرر، وقول اللخمي، يجوز شراؤها على الميت إذا كان ظاهر اليسار غير معروف بالمداينة، وقد فرق ابن القاسم في قسم ماله بين الغرماء، بين من هو معروف بالدين وغيره يرد بالأجماع إذ ناقله ثقة عدل، وبأن قياسه على القسم واضح الفساد؛ لأن القسم واجب والبيع غير واجب إجماعًا، وبأن القسم قضاء لعين ما في الذمة لا إنشاء عقد والبيع عقد إنشاء.
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن
الجزء: 5 - الصفحة: 286
بيع الغرر»، وفي الموطأ من مراسيل ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع الغرر».
باب في الغرر
المازري الغرر ما تردد بين السلامة والعطب.
قُلتُ: يريد ذو الغرر أو صفة ما تردد، ويرد بعدم انعكاسه لخروج غرر فاسد
الجزء: 5 - الصفحة: 287
صور بيع الجزاف وبيعتين في بيعة ونحوهما إذ لا عطب فيها والأقرب أن بيع الغرر ما شك في حصول أحد عوضيه أو مقصود منه غالبًا، وقول ابن الحاجب: بيع الغرر ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم يتعقب بأن الجهل صفة العاقد والغرر صفة المبيع فهو تعريف بمباين وبأن الخطر مساو في المعرفة للغرر أو أخفى، وتعذر التسليم إنما ذكره الأصوليون حكمةً في التعليل بالغرر.
الباجي: يسيره عفو إذ لا يكاد يفارق، وزاد المازري كون متعلق باليسير غير مقصود، ودليل ارتكابه، وقرره بقوله: منع بيع الأجنة وجواز بيع الجبة المجهول قدر حشوها الممنوع بيعه وحده، وجواز الكراء لشهر مع احتمال نقصه وتمامه، وجواز دخول الحمام مع اختلاف قدر ماء الناس ولبثهم فيه والشرب من الساقي إجماعًا في الجميع دليل إلغاء ما هو منه يسير غير مقصود دعت الضرورة للغو.
ابن عبد السلام في زيادة المازري: إن لم يكن محتاجًا إليه منع صحة البيع إشكال من وجهين:
الأول: أنه إذا كان يسيرًا في نفسه غير مقصود إليه من المتبايعين ولا من أحدهما فلا معنى للمنع منه؛ لأن المنع من بيع الغرر، إنما هو لما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة.
والثاني: إنهم قالوا والمازري فيهم: والعيان يشهد له إن أكثر البياعات لا تخلو عن يسير غرر، فلو شرطنا منع ذلك في إجازة البيع احتياج المتبايعين إلى ارتكاب ذلك الغرر، ومعلوم أن الذي يباح عند الحاجة، ويمنع منه عند عدمها هو رخصة، فيلزم
الجزء: 5 - الصفحة: 288
كون أكثر البياعات رخصة وهو باطل قطعًا.
قُلتُ: حاصل الأول أن الغرر كل ما كان يسيرًا غير مقصود بوجه لم يمنع صحة البيع وبين الملازمة بأن مانعية الغرر إنما هي لما يؤدي إليه من مخاصمة المتبايعين، ويرد بأنه دعوى إخراج صورة النزاع من عام شامل لها بمفهوم علة، مستنبطة، ومثل هذا لا يوجب إشكالًا؛ لأن العموم مقدم على مفهوم العلة المستنبطة، وإنما الخلاف في مفهوم منطوق أو علة منصوص عليها، وما بين فيه الملازمة غير صحيح؛ لأن مانعيه الغرر إنما هي لا شتمال الغرر على حكمة هي عجز البائع عن تسليم المبيع لمبتاعه حسبما قرره الفخر في المحصول وغيره من الأصوليين، ولقد كان شيخنا أبو عبد الله بن الحباب ينكث على متفقهة وقته ويقول يقرأون كتاب بيع الغرر ويعللون به ولا يعرفون وجه علته وكيف يتوهم كون حكمة علة الغرر المخاصمة، وأكثر صورها عرية عنها كبيع الآبق والثمر قبل بدو صلاحه على أن ضمانه من مبتاعه إلى غير ذلك من صور الغرر، وحاصل وجهه الثاني أنه كلما اشترطت الحاجة لارتكاب يسير الغرر متمنًا لما في الواقع من عدم خلو أكثر البياعات عنه لزم كون أكثر البياعات رخصة، وبين الملازمة بأن ما يباح عند الحاجة، ويمنع عند عدمها رخصة ويرد من بوجهين: الأول: قوله: ما يباح عند الحاجة ويمنع عند عدمها رخصة إن أراد مع كون الحاجة خاصة فمسلم كأكل الميتة فإنه محتاج إليه لبعض الناس في بعض الأزمنة لا عام فيهما وكثيرًا العرية بخرصها تمرًا ونحوهما، وإن أراد سواء كانت خاصة أو عامة منعناه، وسند المنع استقراء صور الرخصة، والحاجة في ارتكاب يسير الغرر في البيع عامة، لا خاصة، وقد تقرر في كتاب القياس أن الحاجي العامي من المقاصد معتبر، ومثلوه بالبيع والإجازة.
الثاني: الملازمة التي ادعى صحتها، وادعى بطلانها لازمها، وهو كذلك ينتج له إن وصف الحاجة في يسير الغرر، لا شتراط في لغوه، وذلك باطل للاتفاق على صحة بيع جبة محشوة بحشوها
الثاني: الملازمة التي ادعى صحتها، وادعى بطلانها لازمها، وهو كذلك ينتج له إن وصف الحاجة في يسير الغرر، لا شتراط في لغوه، وذلك باطل للاتفاق على صحة بيع جبة محشوة بحشوها المجهول وفساد بيع حملة ثياب قيمتها ضعف قيمة الجبة مع حشو الجبة دونها صفقة واحدة ولا فرق غير الحاجة، للحشو في بيعه مع حببته وعدمها في بيعه مع الأثواب.
الجزء: 5 - الصفحة: 289
الباجي والمازري: والخلاف في بعض الصور للخلاف في يساره غررها وكثرته وقول ابن عبد السلام بعد تردده فيماشك في يسارة غرور هل هو شك في الشرط، فيعتبر بناء على أن مسمى الغرر راجح لفقد شرط ركن البيع، وهو العلم بوصف رعي المبيع أو المانع فيلغى بناء على أن مسماه راجع لمانع المبيع، وأيضًا فقد قال أكثر البياعات: لا تخلو عن يسير الغرر فإذا شك في صورة ما وجب إلحاقها بأكثر صور نوعها، ظاهره ترجيحه إلحاقها بصور الجواز فيرد بأن أكثره عدم الخلو المذكور في صور البيع الجائز معارض، بأن أكثر صور الفاسد، لا تخلو عن كثيره فإلحاقه بأكثر صور الجائز معارض بإلحاقه بأكثر صور الفساد، وقوله: من نوع مصادرة إذ ليس كونه من نوع الجائز بأولى من كونه من نوع الفاسد لاحتماله في ذاته الموجب لشكه المفروض.
باب في بيع الحامل بشرط الحمل
سمع عبد الملك أشهب في كتاب العيوب من ابتاع بقرة على أنها حامل أو جارية يزيد فيها الحمل فلا يجد بها حملًا له ردها.
ابن رُشْد: قال ابن القاسم: وروي لا يجوز بيعها على ذلك وإن كان الحمل ظاهرًا، وبيعها مفسوخ، وأجازه سَحنون إن كان الحمل ظاهرًا، وقال ابن أبي حازم: البيع جائز ولا يرد بفقد الحمل إذا باع الركمة يظنها عقومًا، ولو باعها على ذلك وهو يعلم أنها على غير ذلك لمعرفة أن الفحل لم ينز عليها له الرد؛ لأنه غره وأطعمه فيتحصل فيها أربعة أقوال:
أظهرها قول سَحنون، وقال ابن عبد الحَكم: لا خير في بيع الرجل الدابة ويشترط عقاقها، ولو قال: هي عقوق دون شرط، فلا بأس به.
قُلتُ: زاد في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من جامع البيوع وكل هذا في الحيوان الذي يزيده الحمل، ويجوز في الجارية الرفيعة التي ينقصها الحمل على أنها حامل إذا كانت ظاهرة الحمل؛ لأنه تبر من عيب حملها كسائر العيوب.
ابن زرقون: إنما يجوز في الركمة عند من أجازه إن قاله مطلقًا، ولو قال: إنها حامل من فرس أو قال: من حمار لفسد البيع لاحتمال أن يكون انفلت عليها غير الذي سمى
الجزء: 5 - الصفحة: 290
وقاله ابن رُشْد في رسم البيع والصرف من سماع أَصْبَغ من جامع البيوع قلت: الأظهر جوازه إن عين ليسر معرفة ذلك بعلم ما أنزى عليها وتحفظه عليه من غيره والأظهر في صورة الإطلاق التي خصصها بالجواز المنع إن كان بموضع الأمران فيه متقاربان، وإلا فالأكثر في الرماك، حمل الفرس وما ذكره ابن رُشْد عن ابن عبد الحَكم نحوه للصقلي عن المَّوازية، وقول ابن الحاجب: في بيع الإماء، وغيرهن بشرط الحمل الظاهر، ثالثها إن قصد البراءة منه صح وإلا فسد، نص في الخلاف في بيع الأمة، وغيرها بشرط الحمل على وجه البراءة منه وفيه نظر للاتفاق على جواز بيع الأمة بشرط البراءة من الحمل حسبما تقدم من نقل ابن زرقون وابن رُشْد، واقتضاه قواعد المذهب إياه؛ لأنه عيب في نفس المبيع ظاهرًا، وكل عيب كذا البراءة منه جائزة، وللصقلي في كتاب الخيار مثل ابن الحاجب، قال: لو شرط حمل الجارية في البيع فسخ وقيل إن كان ظاهرًا جاز فيها وفي الغنم، وقيل إن كان على وجه البراءة جاز في الوجهين معًا، فإن نص على شرطه براءة أو رغبة فواضح ةإلا فقال اللخمي: إن كان مشتريها حضريًا فشرطه براءة وإن كان من البادية فليس براءة لرغبة كثير منهم في نسل الإماء وقول ابن الحاجب وأما شرطه الخفي ففاسد إلا في البراءة ظاهره فساده بشرطه على غير البراءة اتفاقًا، ويرد بما تقدم نقل ابن رُشْد وابن زرقون قول أشهب وابن أبي الحازم، وظاهره صحة شرطه براءة، وإن لم يكن ظاهرًا في العلي، ونص استبرائها وعيوبها منعه.
باب في بيع المضامن والملاقيح
ونهى عن بيع المضامين والملاقيح اشتهر في كتب الفقهاء والأصوليين حديث النهي عن بيع المضامين والملاقيح، ولا أعرف في كتاب حديث إلا في الموطأ مرسلًا، روى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: «لا ربا في الحيوان وإنما نهي عن الحيوان عن ثلاثة المضامين والملاقيح وحبل حبلة فالمضامين: ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: ما في ظهور الجمال»، ونقله الصقلي عن مالك مطلقًا لا بقيد كونها في
الجزء: 5 - الصفحة: 291
الإبل، وعزا لابن حبيب عكس قولي مالك فيها، وخرج مسلم ومالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع حبل الحبلة.
زاد مسلم في رواية عن ابن عمر وهو في الموطأ قال: وكان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، الصقلي عن ابن وَهْب وغيره هو: نتاج ما تنتج الناقة، وعزاه أبو عمر لأبي عبيد وابن حنبل وغيرهما.
باب في بيع الملامسة والمنابذة
خرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة وفي رواية: نهى عن بيعتين عن بيعة الملامسة والمنابذة.
أما الملامسة: بأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحب، وفي رواية والملامسة: لمس الرجل بيده ثوب الآخر بالليل أو بالنهار ولا يقبله إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه ويكون ذلك بينهما عن غير نظر ولا تراض.
قال المازري: ولو فعلا هذا على أن ينظر إليها ويتأملها فإن رضي أمسك جاز.
باب في بيع الحصاة
وخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن
الجزء: 5 - الصفحة: 292
بيع الغرر.
المازري: اختلف في تأويله، وأحسن ما قيل فيه تأويلات منها: أن يبيع من أرضه قدر رمية الحصاة ولا شك في جهله لاختلاف قوة الرامي، وقيل معناه: أي ثوب وقعت عليه حصاتي فهو المبيع، وهو مجهول كالأول وقيل معناه ارم بالحصاة فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم وهذا مجهول أيضًا، وقيل معناه: إذا أعجبه الثوب ترك عليه حصاة، وهذا إن كان بمعنى الخيار، وجعل ترك الحصاة علمًا على الاختيار لم تمنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضعوا أمورًا تفسد البيع مثل أن يكون متى ترك الحصاة، وإن كان بعد عام وجب له البيع وهذا إن كان معناه إذا سقطت باختياره فهو بيع خيار أذا وقع مؤجلًا فلا يمنع إلا أن يكون ثمنه مجهولًا، وقد يكون هذا هو معنى القولين الأخيرين.
قُلتُ: هذا هو قول اللخمي بعد ذكر التفسيرين الأخيرين لا يكون البيع هنا فاسدًا إن كان الثمن معلومًا.
باب في النهي عن بيعتين في بيعة
ونهى عن بيعتين في بيعة، فأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة.
وقال: حديث صحيح، وفي الموطأ لمالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بمثله، أبو عمر: هذا حديث من طرق صحاح تلقاها أهل العلم بالقبول.
باب بيعتين في بيعة
الباجي: هو تناول عقد البيع لزومًا بيعتين على أن لا تتم منهما إلا واحدة كبيع
الجزء: 5 - الصفحة: 293
ثوبه بدينار وآخر بدينارين يختار أيهما شاء لازمًا لهما أو لأحدهما.
ابن رُشْد: هو تناول البيع مبيعين لا يتم مع لزومه للمتبايعين أو لأحدهما إلا في أحد المبيعين، وقلنا: أحد المبيعين لا أحد الثمنين ولا أحد المثمونين ليعم الأمرين لاستوائهما فيه.
قُلتُ: تعريف الباجي يشمل صحيحًا وفاسدًا وتمثيله به وذكر علة فساده ينافيه، وتعريف ابن رُشْد كذلك، وتقسيمه لصحيح وفاسد يناسبه والأولى ما يخص متعلق النهي وهو بيع لأحد مثمونين يختلف الغرض فيهما أو بأحد ثمنين كذلك لزومه لأحد عاقديه.
وقول ابن الحاجب: ومحمله عند مالك: على سلعة ثمنين مختلفين وسلعتين مختلفتين بثمن واحد على اللزوم لهما أو لأحدهما يبطل طرده بيع سلعتين مختلفتين بثمن واحد لزومًا أو لأحدهما.
وفيها: بيعتان في بيعة بيع سلعة بدينار تقدًا أو دينارين لأجل قد لزم المتبايعين أو أحدهما، وكأن وجب بدينار نقدًا وجعله بدينارين لأجل أو وجب بدينارين لأجل لجعله بدينار نقدًا ونحوه في الموطأ، وفي البيوع الفاسدة منها مع رواية محمد إن كان دون لزوم جاز، وفي الموطأ، خيار ما لو اتحد الثمن واختلف قدر عوضه من صنفي نوع طعام ربوي بكيل لم يجز للتفاضل وبيعه قبل قبضه.
الجزء: 5 - الصفحة: 295
قُلتُ: فالغرر ولو قال: خذ الثوب أو الشاة بدينار إن شئت ففي جواز نقل الباجي روايتي أشهب وابن القاسم مع ابن وَهْب.
محمد: هذا أصوب، لخلو العقد من معنى التخيير والمساومة، به فسره ابن القاسم قال: ولفظ الإيجاب قوله: هي لك بكذا أو خذها بكذا ولفظ المساومة أنا أبيع هذا بدينار، وهذا بدينارين أو يقول له بكم هذا؟ فيقول له بدينار نقدًا، ويقول وبكم هذا لأجل فيقول بدينارين، فاشتر بأحدهما جاز.
ابن رُشْد: صور بيعتين في بيعة ثلاثة؛ لأن اختلاف الغرض إما في الثمنين أو المثمنين أو أحدهما فإن امتنع تحويل أحدهما في الآخر، فإن ظهرت التهمة منع اتفاقًا، وإن انتفت جاز كاختلاف المبيعين في غير الطعام في القلة والكثرة مع النقد والتساوي في الأجل أو اختلافه مع كون المؤجل أو الأبعد أجلًا أقل عددًا للعلم، إن البيع إنما وجب الأكثر إن كان الخيار للبائع أو بالأقل إن كان للمبتاع وما جاز فيه تحويل أحد الثمنين أو المثمنين في الآخر، فإن كانا صنفين يجوز سلم أحدهما في الآخر، لم يجز إلا على قول عبد العزيز بن أبي سلمة، وإن كانا صنفًا وتباينت صفتاهما بحيث يمتنع أحدهما في الآخر جاز عن محمد وعبد العزيز وإن كانا صنفا واحدًا وتفاضلًا في الجودة ففي جوازه قولها مع الأولين، وقول ابن حبيب وإن كان صنفًا واحدًا بصفة واحدة جاز اتفاقًا.
قُلتُ: وهو بيع الاختيار دون خيار.
زاد في البيان بعد الإحاطة بمعرفة خيارها وشرارها وحصل في جوازها بشرط تساويهما في الجودة، أو بعد اختلافهما بما تختلف فيه الأغراض، ولو لم يجز سلم أحدهما في الآخر ثالثها بشرط عدم اختلافهما بما يجوز به سلم أحدهما في الآخر، ورابعها
الجواز، ولو صح سلم أحدهما في الآخر لابن حبيب، ولها ولمحمد، وعبد العزيز، وسمع عيسى ابن ال قاسم لو اشترى عشرة يختارها من غنم بعد اشترائه عشرة منها قبل اختيارها جاز.
ولو اشتراها غيره قبل اختياره لم يجز؛ لأنه غرر.
ابن رُشْد: الفرق بينهما أنه يعلم ما يختار فلم يدخل في العشرة الثانية على جهل،
الجزء: 5 - الصفحة: 296
وغيره لا يعلم ذلك، ويجوز له يشتري بقيتها قبل أن يختار فلم يدخل في العشرة الثانية على جهل، وغيره لا يعلم ذلك، ويجوز له أن يشتري بقيتها قبل أن يختار عشرته الأولى ولا يجوز لغيره، وأجازهما محمد لغيره، ووجهه أن الثاني علم أن الأول لا يختار إلا خيارها، وخيارها لا يخفي على ذي معرفة فكأن البائع أبقى تلك العشرة لنفسه، وباع باقيها أو عشرة منه على أن يختارها، وعليه يجوز بيع عشرته قبل اختيارها من غيره يختار المشتري الثاني لنفسه خلاف ما في سماع سَحنون، لأشهب ومن حق مشتري عشرة يختارها أن يختارها هو أو من يعينه لذلك وهذا مقتضى النظر، ويأتي على قول أشهب في سماع سَحنون، إن ذلك ليس له، إذا لم يجز له بيعها من غيره على أن يأخذ ما اختار هو ولا على أن يختارها هو لنفسه إذ لا يتنزل عنده أحد منزلة المبتاع في اختياره إلا وارثه، وهو بعيد، وقول بعض الشُيُوخ إنما قال أشهب هذا؛ لأن من حق البائع أن يقول إنما رخصت عليك لعلمي أنك غير ما هو في اختيار الغنم أرجو أن يختار ما ليس بخيارها ليس بشيء إذ لو كان ذلك لكان غررًا.
قُلتُ: قوله: ليس بشيء إلى آخره، وتضعيفه قول أشهب سبقه به التونسي.
ابن رُشْد وقول: ابن دحون إن شرط البائع عليه أن يختاره بفسه لزمه غير صحيح.
قُلتُ: قوله: ليس بشيء إلى آخره، وتضعيفه قول أشهب سبقه به التونسي.
ابن رُشْد وقول: ابن دحون إن شرط البائع عليه أن يختاره بنفسه لزمه غير صحيح.
قُلتُ: ففي لزوم اختياره بنفسه ما لم يمت، ثالثها إن شرطه البائع وعزوها واضح،
ابن رُشْد، وغيره عن ابن حبيب: إن اشترى عشرة من خيرة غنمه ولم يعينا من يختارا، واختلفا في تعيين خيرتها، دعا لذلك أهل العدل والبصر، قال: وهو صحيح؛ لأن خيرتها معلوم، وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: من اشترى عشرة يختارها من غنم حوامل فلم يختر حتى ولدت لا خيرة له إلا في الأمهات فقط، وله ما جزه البائع من صوفها، لا ما اغتله من لبنها وسمنها؛ لأنه كان ضامنًا لها، ولو كان المبيع كذلك جواري، ولم يشترط حملهن فوضعن قبل اختياره فسخ البيع؛ لأنه آل لبيع الأم دون ولدها، وقال أصبغ: لايفسخ؛ لأن أصله جائز، ويخير المبتاع ثم يجمع ما اختار لولده ويباعان معًا ويقسم الثمن على الأقدار.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم إنما يختار في الغنم الأمهات مثل قول أشهب في خيارها
الجزء: 5 - الصفحة: 297
خلاف قول ابن القاسم.
فيها: من ابتاع أمة بخيار فولدت في أيامه الولد للمبتاع إن أبت البيع فجعل الولد كعضو منها، وهو في هذه أحرى للزوم البيع في عشرة منها، وقول ابن دحون، وليس ذلك باختلاف؛ لأنه إنما جعل الولد للمشتري في مسألة المدَوَّنة للتفرقة ولا تفرقة في الغنم غير صحيح لقول ابن القاسم في الجواري البيع للتفرقة، والتفرقة ببقاء الولد للبائع.
وفي قوله: يفسخ البيع، نظر؛ لأنه إنما فسخه؛ لأنه رأى أن اختياره إن اختار إنما يكون على العقد الأول، وكأنها لم تزل ملكًا له، من يومئذ، وهذا يوجب كون الولد له، وفسخه البيع أيضًا من أجل التفرقة خلاف قوله فيها: أنه لا يفسخ إلا إن امتنعا أن يجمعا بينهما في ملك أحدهما، وقيل: لا يفسخ بينهما فإن أبيا أن يجمعا بينهما في ملك أحدهما بيعًا عليهما وقسم الثمن بينهما على قيمتهما وهو قول أَصْبَغ هنا.
وقوله: (ماجز البائع من صوفها فها هو للمبتاع) لايختلف فيه، وفي قوله: في اللبن والسمن للبائع نظرًا؛ لأن المبتاع ضامن للعشرة على قوله لوجوب البيع عليه فيها، لو تلفت لزمه غرم الثمن بقياس قوله: أن يكون له ما يقع للعشرة من لبن الغنم وسمنها؛ لأنه شريك فيها بالعشرة، وإنما يصح كون اللبن والسمن للبائع على قول سَحنون إن المصيبة من البائع في كل الغنم إن تلفت قبل أن يختار، وشراؤه الطعام على الاختيار لزومًا لا يجوز في غير متماثلين مطلقًا، ولا فيهما ربويين جزافًا ولا كيلًا إن اختلف قدر مع فيها مع غيرها لا يجوز شراء صبرة يختارها من صبر أو ثمرة شجرة يختارها من شجر، وإن اتفق الجنس أو عد ما يختار من هذه النخلة؛ لأنه في الجنس الواحد تفاضل مع بيعه قبل قبضه في الكيل؛ لأنه يدع هذه وقد ملك أخذها، ويأخذ هذه وبينهما فضل وكذا عشرة: أصبغ: محمولة بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام وهو من بيعتين في بيعة.
المازري: إنما يحسن هذا على أن مجرد اختياره بقلبه دون لفظه يوجب ملكه إياه، وأما إذا قيل إنما علق الشارع أحكام الملك على الألفاظ فلا يحتاج لهذا المعنى والتحقيق النظر للأصل الذي أشرنا إليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 298
قُلتُ: لم يتقدم له فيها غير التعليل بالانتقال المذكور، ولفظ يريد غير ذلك، وزعمه إنه إنما يتوجه على اعتبار مجرد الاختيار القلبي يرد بأنه مستند للفظ العقد اللازم والأمر القلبي إنما قيل بالغاية إذا تجرد عن لفظ سابق كالطلاق لمجرد النية، قال: وعلى الأول في اعتبار علة المنع المذكورة مطلقًا حماية للذريعة، كبيوع الآجال، وصرف ذلك لأمانة ذي الاختيار في أنه لم يختر ولم ينتقل نظر، ومال بعض المتأخرين إلى أنه ينبغي صرف ذلك لأمانته.
قُلتُ: هو اللخمي وشاعت فتوى بعض شُيُوخ شُيُوخنا أن شراء الغبن من البائع الذي بعض عند أسود وبعضه أبيض إنما يجوز إذا عين المشتري الأخذ من أحدهما وكذا شراء التين من البائع المختلف تينه محتجًا بما تقدم من نص المدَوَّنة، وغيرها، وأفتيت بجوار ذلك؛ لأن المنع المذكور إنما هو فيما بيع على الإلزام حسبما مر، وبياعات أهل زمننا في الأسواق إنما هو بالمعطاة فهي منحلة قبل قبض المبيع ولا يعقدونها بالإيجاب والقبول اللفظي بحال ويؤيد ما قلته في سماع القرينين: من ابتاع بدرهم فاكهة فبدا له بعد دفعه الدرهم، فقال للبائع: أعطني نصفه بطيخًا ونصفه تينًا لا أرى به بأسًا.
ابن رُشْد: إنما أجازه؛ لأن عقد البيع لم يتم إنما كانا في حال التفاوض، ولم يقطعا السعي بعد إذ لو أراد أخذ درهم كان له ذلك.
التونسي: لو اشترى مدين من إحدى صبرتين يختارها لزومًا جاز أن يتساويا ولم يتراضيا؛ لأنه بيع طعام بطعام.
الباجي: روى ابن حبيب عقد البيع على عشرة آصع من هذه الصبرة من جنس واحد، لا يجوز.
ابن زرقون: في الحاوي مثله، وذكر ابن محرز عن من لقي من الشُيُوخ جوازه وذكر عبد الحق أنه يدخله طعام على خيار لا بيعه قبل قبضه لجواز أخذ سمراء من محمولة مثل كيلها بعد الأجل وهو بدل ابن الكاتب معنى رواية ابن حبيب إن تأخر الاختيار عن وقت العقد.
قُلتُ: إن روعي مانع التأخير وجب كون معناها إن عقدا على تأخير الاختيار.
ابن زرقون: وقال فضل بن سلمة: ظاهر المدَوَّنة يدل أنه اتفق الكيل والصنف
الجزء: 5 - الصفحة: 299
جاز، قال وفيه مغمز؛ لأن الطعام بالطعام لا يجوز فيه خيار ساعة.
ابن زرقون: انظر كيف هو ظاهر المدَوَّنة، وقد علل فيها بما يشبه ذلك ببيع الطعام قبل قبضه.
قُلتُ: لم أجد في المدَوَّنة ما يدل على ما قاله فضل بحال، التونسي لو كان الاختيار في آحاد طعام يجوز فيه التفاضل كالقثاء لم يدخله إلا الغرر إن اختلفت كالثياب أو التراخي في بيع بآخر لا بيع طعام قبل قبضه، وذكره المازري غير معزوً وذكر ما تقدم عن الحاوي وابن الكاتب.
وفيها: لا بأس باشتراء أربع نخلات يختارهن من هذا الحائط، ولا ثمر فيهن، وقبل الصقلي قول عبد الحق بعموم الجواز ولو لم يعلم المبتاع عدد نخلات الحائط؛ لأن قدر ما ابتاعه معلوم، قال: ولو لم يشترط الخيار وأبهم ذلك لم يجز إلا بمعرفة عددها؛ لأنه يصير شريكًا في الحائط بقدر عدة ما ابتاع من كل عدة نخل الحائط، وشرط البائع استثناء اختياره عددًا من مبيعه غير الطعام مع لزوم العقد جائز إن قل اللخمي: لا يجوز إن كان أكثر واختلف في النصف منعه في نكاحها الأول، قال: إن تزوجها على أحد عبديه، والخيار للمرأة جاز، وإن كان على أن الخيار له لم يجز وأجازه سَحنون وهو ظاهر قول ابن القاسم في خيارها لا يجوز بشرط البائع خيار جلها، والنصف ليس بجل.
قُلتُ: ظاهر نقله إن نص المدَوَّنة إنما هو النكاح بأحدهما دون البيع، وكلاهما فيه مقيسة مسألة النكاح على مسألة البيع وهي في التهذيب معكوسة، وسمع عيسى ابن القاسم لا خير في شراء عشرة من شرار هذه الغنم؛ لأن الخيار للبائع يعطيه ما أحب ولا يدري ما اشترى.
ابن رُشْد شرط البائع اختيار عدد مسمى هو جلها أو أكثرها لم تختلف نصوص الروايات أنه لا يجوز، وإن جاز أن يدخله الخلاف بالمعنى.
قال ابن حبيب: فيمن يبيع البز المصنف، ويستثني منه ثيابًا إن شرط اختيارها من رقم بعينه فلا بأس، وإن كانت جل ذلك الرقم وإنما يكره في الكيل من الجزاف وهو بعيد.
الجزء: 5 - الصفحة: 300
قُلتُ: كذا رأيته في اختصار الواضحة، قال فضل إثر نقله: انظره مع قوله في الغنم: لا يجوز أن يشترط خيار أكثرها.
قُلتُ: ويحتمل أنه إنما أجازه؛ لأن أكثر الصنف لا يكون أكثر الصفقة؛ لأنه فرض كون المبيع أصنافًا، فالغالب إن أكثر صنف منها لا يكون أكثر مجموعها.
وقال ابن عبدوس: إن حمل هذا على النظر لم يجز منه شيء إذ لا يجوز جهل البائع ما باع ولا جهل المشتري ما اشترى فإن كان الخيار للمبتاع فقد جهل البائع ما باع، وإن كان للبائع جهل المبتاع ما ابتاع وإنما جاز اختيار المبتاع إن اتفق الصنف والثمن بالتسهيل؛ لأنه من بياعات الناس، والذي يجوز للبائع أن يستثني اختياره الثلث فأقل.
فإن كان أكثر من الثلث لم يجزه ابن القاسم وأجازه سَحنون.
يريد ما لم يكن الجل أكثر من الصنف؛ لأنه أجاز بيع الرجل أحد عبديه أيهما شاء على الإلزام للمشتري وأن يتزوج المرأة على ذلك خلاف ما في نكاحها.
قُلتُ: ففي جواز استثناء البائع اختيار أكثر من الصنف وقصره عليه ثالثها على الثلث فقط، ورابعها ما دون النصف لابن حبيب وسَحنون وابن رُشْد عن ابن القاسم واللخمي مع غيره عنه، وفي السماع المذكور إن باع عشرة من غنمه يختارها المبتاع بعد بيعه عشرة كذلك من غيره قبل اختياره إياها فلا خير فيه؛ لأن غرر.
ابن رُشْد: أجازه محمد وبيع بقيمتها من غيره.
ووجهه أن العشرة التي للأول كأنها معلومة للثاني لعلمه أنه لا يختار إلا خيارها وخيارها معلوم لأهل المعرفة فكأن البائع أبقاها لنفسه، وباع منه الباقي أو عشرة على أن يختارها وعليه يجوز للأول بيع عشرته قبل أن يختارها، ويختارها المشتري الثاني لنفسه خلاف ما سماع سَحنون لأشهب، ولما ذكر اللخمي منع البيع على اختيار المبتاع في الطعام، قال: اختلف قوله إن كان الخيار للبائع فمنعه وأجازه ففرق بين البائع والمبتاع والفرق بينهما فإن خشي أن يختار ثمر شجرة ثم ينتقل إلى أخرى لم يجز لبائع ولا مبتاع، وإن كان غير منتقل جاز لهما بعد بيان ذلك لهما وصرف الأمر إلى أمانة ذي الخيار ما لم يكم المبيع أصنافًا فيمنع للغرر.
وفيها: إن استثنى البائع خيار ثمر أربع نخلات أو خمس أجازه مالك بعد إن وقف فيه أربعين ليلة.
الجزء: 5 - الصفحة: 301
ابن القاسم: لا يعجبني، فإن وقع أجزته لقول مالك فيها وتخريجها، التونسي: على أن المستثنى مبقى أو مشترى خلاف نفى اللخمي الفرق بينهما وزاد ابن محرز تخريج قول ابن القاسم على أنه مشترى بأن قوله: هو مبقى وخرجهما على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
قُلتُ: ويرد تخريج قول مالك بأن كونه مبقى منضمًا لقولها برعي الانتقال بعد الأخذ إنما بنفي بيعه قبل قبضه لا التفاضل في الجنس الواحد عبد الحق في النكث، إنما فرق مالك بين البائع والمبتاع لعلم البائع جيد حائطه من رديئه فكان مستثناه معلومًا فلا انتقال.
زاد في تهذيب الطالب واختار قول مالك غير واحد من أهل النظر، وطعن بعض القرويين فيما فرقنا به؛ لأنه لو كان البائع يعلم ذلك قبل بيعه لعين مستنثاه، ولم يشترط اختياره.
قُلتُ: ولم يذكر ولا المازري له جوابًا وجوابه إن علم البائع المدعي تقدمه، هو الظن الذي هو مظنه لاختياره ما يختار لا يكذب فيه موجب اختياره إياه لتقدم علمه المذكور فلا ينتقل عنه لغيره، لا الاعتقاد الجازم الموجب لتعيين المستثنى وهذه المظنة منتفية عن المبتاع؛ بل يرد الفرق المذكور بالبائع الحديث الملك المبيع وجواب الصقلي، والأول أصوب؛ لأنه ما من أحد لا يعلم خيار ثمره لتعاهده ونظره إليه من يد ثماره يستشكل؛ لأنه ليس إيصاله لملازمة المعترض ولا لإيصال الملازم، فهو لغو لمسألته وقد يجاب بأنه مجرد منع لملازمة المعترض أو إشارة لما أجبت به، وقبل الصقلي قول عبد الحق قال بعض شُيُوخنا: لو هلكت النخل قبل اختيار البائع كانت منه؛ لأن البيع إنما يتم بعد اختياره.
باب في بيع عسيب الفحل
ونهى عن عسيب الفحل البخاري عن ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل، الدارقطني عن أبي سعيد الخدري، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسيب
الجزء: 5 - الصفحة: 302
الفحل وعن قفيز الطحان.
الترمذي عن أنس بن مالك أن رجلًا من كلاب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسيب الفحل فنهاه عن ذلك فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنهاه عن ذلك فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له الكرامة.
قال: حديث حسن غريب.
النسائي: عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وعسيب التيس».
مسلم عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الفحل، وتلقى ابن عبد السلام نقل عبد الحق كل هذه الأحاديث بالقبول وتعقب ابن القطاب على عبد الحق في نقله حديث الترمذي، فقال: ذكره مرفوعًا وإنما هو موقوف لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولفظه عند الدارقطني بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: «نهى عن عسيب الفحل وعن قفيز الطحان».
قُلتُ: وجدت بخطي هو القفيز بتقديم الفاء وهو الحفير الذي يحفره الطحان ليجعل فيه الطرف الذي يسقط فيه من الدقيق ثقب الرحاء.
في الصحاح القفيز: حفير يحفر حول الفسيلة فنهى صلى الله عليه وسلم عن أخذ الدقيق الذي يسقط في الحفيز غلبة حين رفع الظرف لامتلائه خشية الذريعة لتعمده، ثم رأيت لابن حماد في كتابه المسمى «بالإعلام» بفوائد الأحكام ما نصه: قفيز الطحان المنهي عنه.
قال ابن المبارك: هو أن يقول الرجل للطحان: اطحن لي بكذا وكذا، وزيادة قفيز من نفس الطحين، والقفيز معروف بما يصطلح عليه أهل كل قطر.
انتهى.
الجزء: 5 - الصفحة: 303
قُلتُ: إن ثبتت روايته بتقديم القاف تعين ما قاله وإلا فالأول أنسب ولا يسمى على مذهب مالك في شراء قمح على أن بائعه طحنه.
قال ابن القطان: ولعل قائلًا يقول لعله اعتقد فيما يقوله الصحابي من هذا مرفوعًا فنقول له: إنما عليه أن ينقل لنا روايته ولا رأيه فلعل من يبلغه يرى غير ذلك، ورأيت في تقييد لابن عبد الملك جمع فيه كلامًا لابن القطان وابن الموَّاز على أحكام عبد الحق أن حديث الترمذي المذكور صحيح لا حسن فقط، قال الجوهري: العسيب: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: عسب فحله أي: إكراه، وعسيب الفحل أيضًا ضرابه، ويقال: ماؤه ومشهور المذهب جوازه.
المازري: أجاز مالك إجازة الفحل للإنزاء.
قُلتُ: هو نص كتاب الجعل منها المازري، قال بعض أصحابنا: إنما النهي عن بيعه والذي أجزناه إجارته وهو غير بيعه كإجازتنا إجازة الظئر للرضاع ومنع بين لبنها.
اللخمي: روى ابن حبيب كراهة بيع عسيب الفحل لحديث النهي عنه، وقد يحمل على الندب، وإن أخذ الأجر فيه ليس من مكارم الأخلاق فإن فعل لم يفسخ ولم يرد الأجر.
ابن شاس: محمل النهي على استئجاره على عقوق الأنثى، هو فاسد؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وتبعه ابن الحاجب في عزوه ابن عبد السلام: لأهل المذهب نظر لما تقدم.
وفيها: إنما أجازه مالك مع حديث النهي؛ لأنه ذكر أنه العمل عندهم فيجوز على أعوام معرفة أو شهر وأما حتى تعق ففاسد.
الشَّيخ عن الواضحة: إن سمى يومًا أو شهرًا لم يجز أن يسمى نزوات.
قُلتُ: في هذا الأصل خلاف في موضعه العُتْبِيّ عن سَحنون.
من استأجر نزو فحل مرتين فعقت الدابة بأحدهما رجع بنصف الأجرة كصبي استؤجر على رضاعه مدة مات في نصفها.
ابن رُشْد: وكذا موت الصبي المستأجر على تعليمه والدابة المستأجرة على رياضتها ولما ذكر ابن عبد السلام نقل ابن الحاجب قول سَحنون قال: وسكت المؤلف
الجزء: 5 - الصفحة: 304
عما إذا كانت الإجازة على زمن معين دون تسمية مرات هل حكمها كهذه أو مخالف إذا عقت الأنثى في أثناء المدة والأقرب أنه مخالف؛ لأنه إذا تعرض للزمان وحده دون إشارة إلى الأنثى فقد ترك التعيين مطلقًا فيرجع إلى الأصل وهو أن يأتي بأنثى أخرى أو يؤدي جميع الأجر.
قُلتُ: هذا يدل على أن الأنثى في مسألة سَحنون غير معينة دلالة واضحة لمن أنصف وهو وهم لنص ابن رُشْد في المقدمات، وفي رسم العتق من سماع عيسى على أنها معينة، وبعد تسليم هذا ما اختاره من التفرقة هي بين كون الإجارة على عدة النزوات، وبين كونها على مدة من الزمان يرد بتشبيهه، سَحنون: مسألة النزوات بمسألة المستأجر على عدة النزوات ومدة معلومة على رضاع صبي، وسمع عيسى ابن القاسم: لا بأس بإنزاء البغل على البغلة ويكره استئجار كذلك؛ لأنه لا يعق ولا منفعة فيه ثم قال: لا أدري ما هو؟ عيسى: لا بأس به إذا لم يجده بأجر.
باب في النهي عن بيع وشرط
ابن شاس وابن الحاجب: ونهى عن بيع وشرط قلت: لا أعرفه إلا من طريق عبد الحق قال: ذكر عبد الوارث قال: حدثنا أبو حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط خرجه أبو محمد من طريق محمد بن عبد الله.
الحاكم: فذكره ابن القطان في باب أحاديث عللها عبد الحق ولم يبين من أسانيدها مواضع العلل فقال: لم يقل عبد الحق بعد ذكره شيئًا وكأنه تبرأ من عهدته بذكر إسناده، وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث وعمرو عن أبيه عن جده مذهبه أن لا يضعفه.
قُلتُ: في اختصار الشَّيخ المحدث جمال الدين بن عثمان الذهبي لكتاب: تهذيب الكمال في أسماء الرجال في الكتب الستة ما نصه: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه رأي أنسًا وسمع عطاء والأعرج ونافعًا وعكرمة روى عنه أبو يوسف ومحمد وأبو نعيم
الجزء: 5 - الصفحة: 305
المقبري عاش سبعين سنة خرج عنه الترمذي قلت: فظاهره أنه مقبول عنده، وشرط البيع ثلاث؛ لأنه إما ماف له أو لا؟
والثاني: إما من مقتضاه أو لا فالأول فيه قول ابن رُشْد في المقدمات في بيوع الشروط المسماة عند العلماء: ببيوع الثنيا كالبيع على أن لا يبيع ولا يهب ولا يخرج بها من بلد أو أن يتخذها أم ولد أو على أن لا يعزل عنها أو لا يجيزها البحر، أو على إن باعها فهو أحق بها الثمن أو على أنه بالخيار فيها لأجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، وشبهه من شروط التخيير على المشتري خلاف، قيل: يفسخ مطلقًا، وفي فوت السلعة قيمتها ما بلغت والمشهور يفسخ ما لم يترك، ذو الشرط إن تركه صح البيع إلا في شرط ما لا يجوز من أمد الخيار فيلزم فسخه لامتناع تحقق إسقاط الشرط لجواز كون إسقاطه أخذا به.
قُلتُ: زاد في رسم العشور من سماع عيسى من جامع البيوع مسألة ثانية وهي من باع أمة على أن لا يطأها المبتاع فإن فعل فهي حرة أو عليه كذا، قال: هذا يفسخ على كل حال، ولا يصح إسقاط هذا الشرط؛ لأنه يمين، وعلى الأول حمل سماع يحيي بن القاسم في رسم الصلاة، قال: وعلى المشهور إن فاتت السلعة في لزوم المشتري الأكثر من الثمن أو القيمة أو ما نقص من الثمن بالشروط قولان.
قُلتُ: الأول قولها، وعزا أبو عمر الثاني لرواية ابن وَهْب وسمع يحيي ابن القاسم من اشترى في مرضه عبدًا على أن يومئ بعتقه ففعل ومات لم يحمل العبد ثلثه بيعه غير جائز فإن فات بعتق بعضه بالوصيَّة المشروطة رد لقيمة مثله يوم تبايعًا، وليس للبائع رد مارق منه بمنابه من الثمن.
ابن رُشْد: هذه كما باعه على أن يدبره المشتري أو يكاتبه أو يعتقه إلى أجل فذكر القولين السابقين أولًا، وعزا الأول منهما لظاهر هذا السماع قال: لقوله فيه إن القيمة فيه يوم تبايعا إذا فات بعتق بعضه بالوصية، ولم يقل الأكثر من القيمة أو الثمن، ويريد بقوله: يوم تبايعا إذا فات بعتق بعضه بالوصية، ولم يقل الأكثر من القيمة أو الثمن، ويريد بقوله: يوم تبايعا إذا كان البيع والقبض في يوم واحد، ويفوته مفوت البيع الفاسد ولا يفوت بالوصيَّة ما لم يمت المبتاع الموصى فيجب عتقه بالوصيَّة أو عتق
الجزء: 5 - الصفحة: 306
بعضه إذ له الرجوع عن الوصية، بخلاف التدبير والكتابة والعتق لأجل ولو مات المبتاع الموصى مدينًا بما يغترف كل ماله فسخ فيه بيعه ولو بيع في الدين.
قُلتُ: وما عزاه لظاهر هذا السماع من القول الأول هو نص سماع القرينين في رسم مسائل بيوع من كتاب العيوب وفي كتاب البيوع الفاسدة، منها، من ابتاع أمة على تعجيل العتق جاز؛ لأنه البائع تعجل الشرط فلا غرر، فإن أبى أن يعتق فإن كان اشترى على إيجاب العتق لزمه العتق.
اللخمي: إن كان على أنه حر عتق بالعقد، وإن كان التزام عتقه أجبر عليه إن لد عتقه الحاكم.
وإن كان على مطلق عتقه، ففي كونه كذلك أو عدمه بتخيير بائعه في إسقاط، وفسخ بيعه قولا سَحنون مع أشهب وابن القاسم، وإن كان على خيار مبتاعه بشرط النقد فسد، وإن كان بغير شرطه جاز، وعليه وعلى قول ابن القاسم إن مات العبد إثر العقد أو بعد تراخ علمه البائع ضمنه مبتاعه، ولا غرم عليه، ولو جهل تراخيه تبعه بمناب الشرط، ولو عيب بالقرب أو في تراخ، علمه البائع خير في عتقه، وعدمه مع غرمه مناب الشرط وإن جهله خير في رضاه، بعتقه، معيبًا، وأخذه بما حط للشرط، وإن أبى المشتري عتقه غرم ما حط للشرط.
وسمع ابن القاسم: من ابتاع أمة على أن يعتقها بشرط أو عدة فحسبها يطأها أو يستخدمها ثم أعتقها بعد، أو مات هو أو هي قبل عتقها إن كان ذلك بغير علم البائع ورضاه، فعليه مناب الشرط من ثمنها يوم بيعت.
وإن علمه فأقر به أو رضيه جاز، ولا شيء عليه، وإن علم به قبل فوت العبد فله رد عبده وتركه.
ابن رُشْد: هذا بناء على قولها البيع على العتق جائز، ولا يلزم المشتري وعليه لا يجوز النقد فيه بشرط، ويجوز على قول أشهب بلزومه والشرط قول البائع أبيعها منك على أن تعتقها، والعدة قول المبتاع: بعها مني، وأنا أعتقها، وجعله العدة كالشرط؛ لأنها في العقد، وقيل ليست مثله، وعليه رواية مُطَرَّف قوله: بعني جاريتك اتخذها أم ولد بيع لا مكروه فيه، حتى يكون شرطًا، وقوله: عليه ما نقص الشرط في عنقها بعد حبسها يطأها ويستخدمها ومات هو أو هي قبل عتقها يريد بعد أن حبسها يطأها ويستخدمها
الجزء: 5 - الصفحة: 307
إذ لو ماتت بفوت شرائه لم يكن للبائع رجوع عليه قاله في سماع أَصْبَغ والموَّازية: ولو مات المبتاع بالقرب ولم تفت خير ورثته بمنزلته في العتق والرد، ومعرفة مناب الشرط من الثمن إن تقدم دونه وبه، وق\ر فضل قيمتها دونه على قيمتها به من قيمتها دونه هو قدره من الثمن كان الثمن قدر قيمتها بدون الشرط أو أكثر خلاف سماع أَصْبَغ أن المشتري يغرم إذا فات عنده فواتًا بعيدًا بالعيب المفسد والنقص المتفاحش، والزيادة المتباينة ما نقص من قيمته يوم الشراء ما لم يتقارب ذلك، فعليه إن كانت قيمته يوم الشراء بغير شرط قريبة من ثمنه لم يغرم للبائع شيئًا، وإن كانت أكثر بكثير غرم له فضل القيمة على الثمن، وقول مالك أصح؛ لأن البيع قد يكون بمثل القيمة وأقل وأكثر، وإنما غرم مناب الشرط إن أعتقها بعد أن حبسها يطأها ويستخدمها بتفويته بذلك، شرط تعجيل البائع عتقها إنما أعتقها لنفسه.
وعلى قياس هذا إن أعتقها لواجب عليه أجزاه، وكذا عتقه بعد الفوت بعيب مفسد.
قُلتُ: ظاهره إن أجزأه العتق عن واجب تخريج، وقال اللخمي عن ابن القاسم في الموَّازية: إن طال ذلك كالسنة ثم أعتقه غرم بقيمة الثمن، وإن أعتقه عن ظهاره أجزأه، وكذا بعد شهر وبعد إن ظهر به عيب، ويجزئه عن ظهاره يريد إن العيب مما يجزئ في الواجب.
ابن رُشْد: وإن علم البائع أن المبتاع لم يعتق وإنه يطأ ويستخدم، وأقر به ورضي فلا مقال له اتفاقًا، ولا يدخله الخلاف في السكوت هل هو إذن أو لا؟ قوله: إن علم به قبل فوت العبد فللبائع رد عبده وتركه، وفيه تفصيل: إن علم عدم عتقه بقرب البيع فليس له ما قال وإن علمه، بعد طول استخدامه ووطئه فله رد عبده أو تركه مع رجوعه بقدر نقص الشرط من الثمن وإن فات فليس له رده؛ بل الرجوع بما نقص الشرط أو ببقية القيمة على رواية أصبغ، ولا يفوت إلا بالعيب المفسد كما في رواية أصبغ، وقيل بحوالة السوق وهو بعيد، وتقييد ابن رُشْد قوله عليه ما نقص الشرط في موت المبتاع بأنه كان حبسها للوطئ أو الخدمة خلاف ما حمله عليه اللخمي؛ لأنه ساقه من الموَّازنة، وقال: لا أرى للبائع مقالًا في موت المشتري؛ لأن وارثه مكانه،
الجزء: 5 - الصفحة: 308
والاستخدام ليس بفوت، والوطء أثقل، ولا يفت، والصدقة والهبة كالعتق، لابن القاسم في الموَّازيَّة من باع أمة بشرط أن يتصدق بها المبتاع على ولد البائع جاز، ولا يحكم بها عليه، وللبائع إن أبى المشتري الصدقة إمضاء البيع دونها ورده، وعلى قول أشهب وسَحنون يلزمه وفيها: بيعها على أن يعتقها إلى أجل أو يد
برها أو يولدها لا يجوز، فإن فاتت ففيها الأكثر من قيمتها يوم قبضها أو الثمن المازري: في إمضائه بإسقاط الشرط ولزوم فسخه قولا ابن القاسم وأشهب، فإن فاتت ففي مضيه بالأكثر من ثمنه أو قيمته أو بالثمن فقط، ثالثها يوقف ما حط للشرط إن لم يعتق.
وإن تم العتق رد لمبتاعه وإلا أخذه البائع للمشهور، ونقل المازري قال: وأشار بعضهم إلى أنه يحس رجوع البائع بما بين قيمته رقيقًا ومدبرًا، وعزا ابن محرز الثاني لأشهب، والثالث لسَحنون، وخرج عليهما من قال: دبر عبدك، ولك كذا، ففعل، فقال محمد: في هذه يرد للأمر ما بذل، وفي الموطأ لمالك: من اشترى جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، وشبهه لم ينبغ له وطئها؛ لأنه لم يملكها ملكًا تامًا لما استثنى عليه فيها لا وكان بيعًا مكروهًا أبو عمر: أول كلامه يدل على جواز البيع وكراهة الوطء وآخره على أنه لا يجوز، وهو قوله مع أصحابه وروى ابن وَهْب: من ابتاع جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، باعها نقض بيعه وردت إلا أن يسقط الشرط، فإن لم توجد أعطى البائع فضل ما وضع للشرط.
ابن رُشْد: لم ير في هذه الرواية البيع فوتًا، وقال سَحنون: هو فوت كبيع فاسد.
اللخمي: إن باع على أن لا يبيعه من فلان وحده جاز جملة أو لا يبيعه إلا من فلان فهو فاسد، ويغرم المشتري تمام الثمن إلا أن يسقط البائع شرطه.
قُلتُ: قوله: فهو فاسد مع قوله: ويغرم تمام الثمن كمناف، قال: وإن قال: على أن تبيعه من فلان فهو فاسد ويغرم المشتري تمام الثمن إلا أن يسقط البائع شرطه قلت: قوله: فلو فاسد مع قوله: ويغرم تمام الثمن كمناف، وإن قال على أن تبيعه لفلان فهو فاسد ولا على المشتري غير الثمن الذي باعه به من فلان؛ لأنه بيع لا تمكين فيه فلا يضمنه المبتاع، وإن قال على أن لا تبيعه من هذا النفر جاز، وفي الموَّازية: على أن لا
الجزء: 5 - الصفحة: 309
يخرجه من بلده أو إلى الشام يفسخ إلا أن يسقط الشرط.
وفي مختصر ما ليس في المختصر: إن باعه على أن يخرجه مبتاعه لا بأس به وهو أبين؛ لأن البائع إنما يشترطه لموجب، ولا سيما إن كان المبتاع طارئًا وما ذكره اللخمي من إجازة البيع على أن لا يبيع من فلان.
قال ابن رُشْد: وفي ثالث مسألة من رسم القبلة أجازه ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، وكرهه أَصْبَغ اتفقا على كراهة البيع على أن لا يبيع ممن يضر بالبائع.
قُلتُ: ما حكاه عن رسم باع شاة من سماع عيسى لم أجده فيه بحال، وسمع ابن القاسم لا أحب البيع على إن وجد ثمنًا قضاه وإن هلك ولا شيء عنده فهو في حال.
ابن القاسم: إن فات لزمته القيمة يوم القبض.
ابن رُشْد: هذا؛ لأنه غرر، لا يدري البائع هل يقبض له الثمن أم لا؟ فلا يدخله الخلاف الذي في البيع على أن يبيع ولا يهب، وقول ابن القاسم تفسير لقول مالك؛ لأنه يقول كثيرًا فيما يجب فسخه، لا أحب.
قُلتُ: الأظهر حمل قول مالك على الكراهة خلاف قول ابن القاسم؛ لأن حقيقة هذا الشرط، وهو مقتضى الحكم في عدم الطلب في الدنيا لقوله تعالى: (فنظرة إلى ميسرة) [البقرة:80]، فإذا مات عديمًا فلا ميسرة، وأما في الآخرة فهو خلاف مقتضى الحكم على ما قاله عز الدين بن عبد السلام: إنه يؤخذ من حسنات المدين بقدر الدين وهذا عندي غرر يسير؛ لأن أحكام البياعات إنما هي مبنية على المقصود منها، وقصد الناس بها إنما هي في الأمور الدنيوية، وسمع يحيي بن القاسم: من باع سفينة على أن لا يبيعها ولا يهيبها حتى يقضيه ثمنها فسخ بيعه إن لم تفت فإن فاتت أو هلكت، فهي من المشتري ومضي البيع بفوتها.
ابن رُشْد: هذا من بيوع الثنيا التي المشهور فسخها ما لم تفت إلا أن يسقط البائع شرطه، فإن فات ففيه الأكثر من القيمة أو الثمن، وقوله هنا: يفسخ في القيام وفي فوته قيمته يوم قبضه، وهو معنى قوله: البيع ماض عليه بفوتها خلاف مشهور قوله.
قُلتُ: قال الباجي: إن شرط أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق حتى يعطيه ثمنه فروى
الجزء: 5 - الصفحة: 310
داوود في المدينة هو جائز في كل شيء، وله أن يرتهن الغلام أو السلعة ويحوزها على يدي عدل كالرهون، وروى محمد جوازه في السلع، قال محمد: هذا في قريب الأجل اليوم واليومين استحسان وما طال أو إلى غير أجل فلا خير فيه.
ابن أبي زَمَنَيْن روى على: لا بأس به في الرقيق والسلع إن كان أجل الثمن معلومًا؛ لأنه كالرهن.
الباجي: ولأن للبائع منه البيع حتى يقبض الثمن كبيع النقد ولابن القاسم في: الموَّازيَّة لا خير فيه، وفي سماع يحيي ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت فإن فات، مضى البيع ولم يرد.
قُلتُ: قوله: حتى يدفع إليه الثمن كبيع النقد، وهم؛ لأن المنصوص أنه ليس له ذلك في البيع إلى أجل، وماحمل عليه سماع يحيي خلاف ما حمل عليه ابن رُشْد، ويتحصل في جوازه ومنعه، ثالثها في السلع فقط مطلقًا، ورابعها إن كان الأجل يومين، وخامسها في السلع والرقيق مطلقًا، وسادسها يكره، وعزوها بين، وسمع القرينان من ابتاع سلعة على إن ادعاها مدع بثمنها رد عليه بغير خصومة لا يجبني.
ابن رُشْد: يريد أنه بيع فاسد للشرط؛ لأنه غرر.
باب في البيع بشرط السلف
والبيع بشرط السلف حقيقة لا يحل: الباجي: إجماعًا، وفي لزوم فسخه إن وقع والقيمة ما بلغت في فوته وصحته بإسقاط ذي الشرط شرطه قولان للباجي عن رواية بعض المدنيين عن ابن حارث، وغيره عن ابن عبد الحَكم وابن رُشْد عن سماع يحيي ابن القاسم، والمشهور، وعليه إن فاتت السلعة ولم يفت مطلقًا، أو ما لم تزد القيمة على الثمن، والسلف في الأول والأقل منهما في الثني مطلقًا، ثالثها ما لم تكن فيه القيمة أقل من الثمن مسقطٍا منه السلف فلا ينقص منه، ورابعها رجوع مشترط السلف على صاحبه بقدر ما نقصه أو زاد المشهور، والباجي عن أصْبَغ واللخمي مع ابن رُشْد عنه، وتخريجه من غير أصله قائلًا: وجه العمل فيه أن تقوم السلعة بشرط السلف دونه فيؤخذ اسم ما بين القيمتين من الثمن
الجزء: 5 - الصفحة: 311
يرجع به المشترط على الآخر وفي إيجاب الغيبة على السلف لزوم فسخه والقيمة ما بلغت في فوته وبقاء تصحيحه بإسقاط الشرط، ثالثها إن غاب عليها مدة أجله أو قدر مل يرى أنه أسلفه إليه، للباجي مع غير واحد عن سَحنون مع ابن حبيب، وعن أَصْبَغ وتفسير ابن رُشْد قول ابن القاسم، وعزا الثاني.
ابن حارث: الفضل عن رواية يحيي في الموطأ وصححها، وعزاها أبو عمر لبعضهم وخطأها، وعزاه عياض لرواية لها، وفي حملها عليه أو على الأول نقلاه عن الشُيوخ، وسمع عيسى ابن القاسم من استقال من ثوب اشتراه بعشرة دنانير إلى شهر على أن يسلفه عشرة دنانير إلى أبعد من الأجل أو أقرب منه، لا خير فيه، وهو بيع وسلف، وأما إلى الأجل نفسه، فأجازه ناس وكرهه أخرون ومالك يتقيه، وأنا أكرهه ولا أحرمه.
ابن رُشْد: أجازه أشهب وحمله على أنه اشتراه بالعشرة المدفوعة فإذا حل الأجل أخذه بالعشرة التي ثمنًا، وذكر السلف لغو، ومن كرهه، اعتبر فساد اللفظ، وقول أشهب أظهر؛ لأن الفعل إذا صح لم يضر قبح اللفظ وهو نص مالك في المدَونَّة: ومن باع سلعة ممن له عليه قدر ثمنها حالًا بشرط أن لا مقاصة في فساد بيعه وصحته مع بطلان شرطه، ثالثها مع صحته لابن حارث عن قول ابن القاسم لا يحل رواية أشهب وقول أصبغ.
باب في البيع بشرط أن لا يبيع
في البيع بشرط أن لا بيع إن لم ينقد إلى أجل قريب في فسخه، وتمامه بشرطه وتمامه بإبطاله، رابعها يوقف المشتري إن نقد مضى وإلا رد لابن حارث عن ابن مسكين عن روايات ابن القاسم للثلاثة ونقل عياض، وعزا الثلاثة لروايات ابن لبابة، وعلى الثالث في جبره على النقد عاجلًا أو أجل، ثالثها إن قال: إن جئتني بالثمن وإلا فلا بيع بيننا، وإن قال: إن لم تأتي فإلى الأجل، لعياض عن ظاهرها، وعن تفسيرها أكثرهم، ولابن حارث عن الدمياطي عن ابن القاسم.
اللخمي: إن دخلا على أن المبيع على ملك بائعه إن أتى مبتاعه بالثمن إلى أجل
الجزء: 5 - الصفحة: 312
أخذه، فهو بيع خيار في أمده، وضمانه.
عياض: حمله ابن لبابة المسألة.
اللخمي: إن دخلا على أنه مشتري وإنه إن لم يأت بالثمن أخذه البائع على الثمن فهو شرط فاسد في فساد البيع به وصحته مع بطلان الشرط، ثالثها إن أسقط صح، وإلا
فسخ وهو أحسنها، والأمد في المدَوَّنة إلى يوم أويومين وروى يحيي أو عشرة أيام.
عياض: سقط لفظ عشرة في رواية غير يحيي وروى بعضهم مكانها أيامًا يسيرة، وفي الموَّازيَّة لا بأس في الدور والأرضين إلى شهر، ويكره في الحيوان، وهو في العروض باطل ولابن لبابة عن ابن القاسم سبيله إلى شهرين سبيل البيع الفاسد قلت: ولابن حارث عنه سبيله إلى شهر سبيل البيع الفاسد، وفي البيوع الفاسدة منها لمالك لمن اشترى سلعة على أن ينقدها ثمنها إلى ثلاثة أيام، وفي موضع آخر إلى عشرة أيام فلا بيع بيننا، لا يعجبني البيع على شراء، فإن نزل جاز وبطل الرط والسلعة إن كانت حيوانًا، من البائع حتى يقبضها المبتاع، بخلاف البيع الفاسد الصحيح، تحبس فيه بالثمن هلاكها من البائع بعد عقدة البيع.
عياض: روى ابن وَهبْ إن كان ينقده إلى يوم ونحوه فهي من المبتاع، وإن كان إلى عشرة أيام ونحوه فهو من البائع، وفي الكتاب: إن هلكت في الأمد بيد البائع فهي من البائع، ومرة علق لم يقل في الأمد.
ابن لبابة: هلاكها قبل القبض كالبيع الفاسد من البائع، وبعده كالصحيح من المبتاع.
باب في بيع الثنيا
محمد: عم ابن رُشْد لفظ بيع الثنيا في بياعات الشروط النافية وخصصه الأكثر بمعنى قولها في بيوع الآجال، من ابتاع سلعة على أن البائع متى ما رد الثمن، فالسلعة له، لم يجز؛ لأنه سلف جر نفعًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 313
الباجي: هذا قول سَحنون الثمن سلف جر منفعة الغلة.
وقال ابن القاسم: لأنه تارة بيعًا وتارة سلفا.
ابن زرقون: روايتها أنه بيع فاسد في فسخه وفوته وغلته، وعلى قول سَحنون، وابن الماجشُون وغيرهما: إنه سلف جر نفعًا، ترد الغلة للبائع وتقدم جعلها ابن رُشْد من جملة بياعات الشروط، وقال اللخمي في الموَّازية: من اشترى على ثنيا فأسقط البائع الشرط مضى البيع.
محمد: إن رضي المشتري، الشَّيخ: وقد يفسخ البيع الأول، وقول محمد أحسن؛ لأن انتقالهما عن الصفقة الأولى فسخ.
المازري: ظاهر قول مالك صحة العقد بمجرد الإسقاط فإن لم يرض المشتري، وروى محمد إن فساده راجع للثمن فلم يصح العقد بإسقاطه كبيع بثمن لموت زيد ثم عجل.
قُلتُ: ويلزم على قول الشَّيخ الإشهاد على الفسخ حسبما مر في الصرف لو أجلا الثنيا، ففي كون الغلة في الأجل للبائع، وبعده، كبيع فاسد أو كما لو لم يؤجلاه، قول ابن شبلون مع القابسي محتجًا بقول رهونها إن لم آتك بالحق إلى الأجل، فالرَّهن لك إنه قبل الأجل كالرهن، وبعده كبيع فاسد، ونقله عن ابن حبيب وابن الكاتب مع ابن عبد الرحمن محتجين بأن الرواية كذلك، وفرق بعضهم بين هذه والرهن، بأن البيع فيها مقيد بمضي الأجل.
وفي مسألة الثنيا مقر، وقبله الصقلي هما سواء؛ لأن قوله: متى جئت بالثمن كقوله إن لم آتك بالحق فهي لك.
قُلتُ: الأول أصوب كتفرقة وصاياها بين قوله: ثلثي لأبي، فإن رده الورثة فهو للفقراء، وبين قوله: وهو حر إلا أن يجيزه الورثة لابني.
المتيطي: الثاني المشهور المعمول به.
الجزء: 5 - الصفحة: 314
وفي نوازل أَصْبَغ الطوع بها بعد تمام العقد، وقبض عوضيه دون توطئة ولا مواعدة ولا مراوضة مؤقتة ومطلقة حلال في كل شيء سوى الفروج إلا أن يجعله في الجارية إلى استبرائها إن وقته منع من إخراج المبيع من يده وأن يحدث فيه شيئًا مدة الوقت، وإن أبهمه لزمه ما لم يخرجها من يده.
ابن رُشْد: يريد إلا أن يفتيه بفوز ذلك، مما يرى أنه أراد قطع ما أوجبه على نفسه، قال في أجوبته: ولو بنى المبتاع في المدة التي طاع بالثنيا لها، فله قيمة ذلك منقوضًا لتعديه.
ابن عات: قال بعض أصحابنا: إن لم يأت البائع بالثمن حتى حل الأجل فلا شيء له، وقيل له من الأجل قدر زيادة الأيام في الأهلة، ونقصها، قال بعض أصحابنا: اليوم ونحوه.
قُلتُ: قال ابن فتوح: ما قارب انتهاء الأجل كما قبل انقضاء الأجل، وفي وثائق الباجي: إن بعد أجلها كالعشرين سنة فهي كالهبة.
قال ابن فتوح: في المبهمة إن فوته المبتاع فلا حق للبائع فيه، وله إن أحضر الثمن منعه تفويته، فإن فوته نفذ تفويته إلا أن يكون السلطان قضى بتوقيفه فيفسخ التفويت، قال: وإن ادعى أحدهما في الثنيا المنعدمة بالطوع أنها كانت شرطًا في العقد، حلف الآخر على نفيه لما عرف بين الناس من أن العقد في الظاهر يخالف الباطن ولا يسقط حلفه إلا ببينة حضرت ابنياعها على الصحة فلا ثنيا.
قُلتُ: انظر ظاهر قوله: حضرت البينة ابتياعهما إن مجرد ذكره في وثيقة التبايع لا يسقط هذه اليمين، وظاهر قول المتيطي: أن ذكره في الوثيقة يسقطهما، والصواب الأول ونحوه حكى في مسألة دعوى الرهن.
ابن عات عن ابن تليد، من مات وقد قال بعد وجوب بيعه متى جئتني بالثمن فهو مردود عليك، لزم ذلك ورثته إذا أعطوا الثمن من الاستغناء إن كان هذا الطوع يجري مجرى الهبة فهي هبة لم تحز فتأمل قول ابن تليد، وقد يكون من باب العدة.
قُلتُ: لا أعلم مستندًا لأقوال الشُيُوخ بصحة الطوع بالثنيا بعد العقد إلا ما في نوازل أصبغ، وفيه لمن أنصف نظر؛ لأن التزامها إن عد من جهة المبتاع عقدا بتا، فهو
الجزء: 5 - الصفحة: 315
من جهة البائع خيار، فيجب تأجيله لقولها: من اشترى سلعة من رجل ثم جعل أحدهما لصاحبه الخيار بعد تمام البيع لزمهما، إذا كان يجوز في مثله الخيار، وهو بيع مؤتنف كبيع المشتري لها من غير البائع مع قولها: من ابتاع شيئًا بالخيار ولم يضرب له أمدًا جاز، ويضرب له من الأمد ما ينبغي في مثل تلك السلعة، ولو ادعى البائع فيما تطوع به بعد عقده بالثينا إن المبيع رهن تحيل بطوع الثنيا لإسقاط حوزه، ففي وجوب حلف المبتاع، فإن نكل حلف البائع وثبت قوله: وسقوطه ببينة العقد.
ثالثها: إن كان متهمًا بذلك، ورابعها: إن كان من أهل العينة، والعمل بمثل هذا فالقول قول البائع مع يمينه، وإلا حلف المبتاع للمتيطي عن ابن لبابة قائلًا: هو قول العلماء الماضين مع يحيي بن إسحاق عن عيسى قائًلا: هو قول مالك وأصحابه، وعن غير واحد من الموثقين مع العمل به، وعن يحيي بن عبد العزيز مع عبيد الله بن يحيي وحسين بن محمد بن أصبغ، وعن ابن أيمن مع أيوب بن سليمان وعزا ابن عات، الثالث لسَحنون وغيره.
قُلتُ: وتقع في بلدنا هذه الدعوى فيما عقد دون طوع بعده بالثنيا وهي أضعف مما تقدم فجرى فيها غير الرابع، وسمع القرينان لمن أقال من حائط على أنه متى باعه البائع فالمشتري أحق به بالثمن الذي يبيعه به، ثم باعه بالثمن بعد زمان أخذه بالثمن الذي باعه به.
ابن رُشْد: أوجب له أخذه بشرطه، وإن باعه بعد زمان لقوله في الشرط: تى ما باعه؛ لأن لا تقتضي قرب الزمان بخلاف سماع محمد بن خالد لابن القاسم وابن كنانة: التفرقة بين القرب والبعد، إذا أقاله على إن باعه من غيره فهو له بالثمن، وكأن المقيل تخوف من المستقبل إن استقاله ليبيعه من غيره بزيادة أعطيها، وسمع سَحنون ابن القاسم: إن أقاله على ذلك لخوف أن يكون أراد بيعها لربح، إن علم أنه استقاله لبيعها، فبيعه منتقض غير جائز، وإن باع لغير ذلك بدا له البيع في بيعها، وطال الزمان فبيعه جائز كقول مالك فيمن طلب امرأته أن تضع له مهرها فقالت: أخاف إن وضعته طلقتني فقال: لا أفعل، فوضعته ثم طلقها، لها الرجوع عليه بما وضعت، إلا أن يطلقها بعد طول الزمان، وتبين الصحة، فلا رجوع لها.
ابن رشد: إذا نقض البيع لما ذكر انتقضت الإقالة وردت للمقيل وتنظير ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 316
القاسم بمسألة الطلاق صحيح ولو لم يجر، بين الزوجين كلام؛ بل سألها الوضع فوضعت ثم طلقها بالقرب لرجعت عليه، ولو سأل البائع المبتاع الإقالة فأقاله، ثم باعها بالقرب فلا مقال للمبتاع هنا تفترق المسألتان، ولو وضعته على أن لا يطلقها أبدًا أو على أنه متى طلقها رجعت عليه فلها الرجوع، ولو طلقها بالبعد وسمع محمد بن خالد بن القاسم، وابن كنانة مثل سماع سَحنون في الإقالة وفيه قال محمد بن خالد: كان ابن نافع لا يجيز الإقالة في هذا بمنزلة البيع.
قال ابن لبابة: هذا جيد من فتياه واستحسنه.
قُلتُ: لما ذكر الصقلي قول ابن القاسم بالجواز، قال: قال الشَّيخ: هذا خلاف ما في الموطأ عن عمر لا تقربها وفيها شرط لأحد، وفي المختصر إن ذلك في البيع لا خير فيه والإقالة بيع.
وشرط ما العقد يقتضيه واضح في الصحة، قال المازري: كشرط تسليم المبيع، والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض البيع وهو لازم دون شرط فشرطه تأكيد وشرط ما ل يقتضيه، ولا ينافيه وهو من مصلحته جائز، لازم بالشرط ساقط بدونه كالأجل والخيار والرَّهن والحميل.
وفيها: يجوز البيع على حميل معين قريب الغيبة، وفي شراء الغائب منها الغيبة القريبة اليومان، فإن أبى الحمالة فللبائع رد البيع، وإمضاؤه دونه، فلو فات قبل التزامه ورده، ففي خيار البائع في إمضاء البيع دونه ورده والتزامه إمضاؤه كقبضه، نقل المازري عن معروف المذهب مع ظاهر نقل غيره عنه، وقول أشهب والرَّهن المعين مثله، ويجبر على تسليمه، وعلى المعروف لو جاء المشتري بحميل مثله في موته، أو إبايته، ففي خيار البائع ولزومه قبوله قولها، ونقل المازري مع اللخمي، ولو جاء برهن مثل الأول لفوته في جنسه والتوثق به، فالقولان لها.
واللخمي عن عبد الملك وصوبه، وعلى حميل بعيد الغيبة لا يجوز وعلى رهن كذلك، فيها: يجوز كبيعه، وتوقف السلعة حتى يقبض الثمن الرَّهن ومنعه أشهب كالحميل، وفرق المازري بقوة الغرر فيه، لاحتمال إبايته مع وجوده.
عياض: في النوادر: إن بعدت غيبة الرَّهن لم يجز إلا أن يكون أرضًا أو دارًا أو
الجزء: 5 - الصفحة: 317
يقبض السلعة المبيعة حمله حمديس قياس الرَّهن على الحميل، أولى، وطرح سَحنون اسمه على المسئلة لينبه على الفرق بين الرَّهن والسلعة الغائبة.
باب في هلاك الرَّهن بعد قبضه
ابن محرز: قالوا لو هلك المبيع في الإيقاف ثم هلك الرَّهن الغائب أو استحق، فأراد البائع إمضاء البيع دون رهن لجرى على الخلاف في إمضاء المشتري جارية حدث بها في المواضعة عيب، وقد هلك ثمنها في الإيقاف.
وفيها: هلاك الرَّهن بعد قبضه كعدم شرطه: اللخمي: وكذا لو هلك قبل قبضه بعد إمكانه منه.
ابن محرز: ليس التمكين من قبض الرَّهن كقبضه بخلاف المبيع.
اللخمي: ويختلف إن هلك قبل إن إمكانه منه كالبيع.
قُلتُ: يرد بشرطيه الحوز في الرَّهن بخلاف المبيع، ويجوز عليهما أو على أحدهما مضمونين فيها، وإن لم يصفاه، وعليه الثقة، من رهن أو حميل.
قُلتُ: أطلقوه ويجب تقييده بكونه يغاب عليه أولا وهو ظاهر لم يصفاه، دون لم يسمياه، ولو هلك الرَّهن بعد قبضه ومات الحميل بعد أخذه، ففي لزوم بدلهما كالراحلة المضمونة تهلك بعد قبضها قولا ابن مناس وبعض الفقهاء، ولو ادعى المشتري العجز عن الرَّهن والحميل، ففي سجنه لذلك في الحميل لا الرَّهن أو فيهما، ثالثها إن رئي أنه يقدر عليهما سجن، وإن رئي إنه عاجز لم يسجن لابن مناس مع ابن شبلون وابن محرز عن المذاكرين محتجين بأن تهمته في الرَّهن أقوى، وبتسوية المدَوَّنه بينهما، واختياره.
باب في استحقاق الرَّهن قبل قبضه
ولو استحق معين الرَّهن قبل قبضه، ففي خيار البائع في رد المبيع وإمضائه دونه مطلقًا أو ما لم يأت برهن.
ثالثها: لا مقال للبائع.
اللخمي عن ابن القاسم، وعبد الملك وتخريجه على قول مالك لا مقال له في تعدي
الجزء: 5 - الصفحة: 318
المشتري على بيعه.
ولابن محرز عن ابن الماجِشُون: البائع مخير في الرد والإمضاء دون رهن وله أخذ قيمتها إن فاتت بعيوب مفسدة، وبعد قبضه.
قال اللخمي: لا مقال للبائع إن لم يغيره وإن غره فهو قبله وبعده سواء.
ابن القاسم: يخير البائع، ولو أتى المبتاع ببدله.
عبد الملك: يخير المبتاع عليه.
محمد: إن أتى ببدله لزم قبوله وإلا خير البائع، سَحنون: يجبر على تعجيل الحق، قال: وأراه بعد القبض وقبله سواء، وإن لم يغره إن أخلفه، أجبر على قبوله، وإلا خير البائع في إمضاء البيع، وأخذ سلعته أو قيمتها إن فاتت، وإن غره فله جبره على خلفه، وأخذ سلعته أو قيمتها إن فاتت والمشهور فوتها بحوالة الأسواق، ويلزم قوله محمد لا يفتها إلا العيب المفسد ذلك في عوض المستحق، وفي كون شرط عدم اتخاذ المبيع المجاور للبائع محلًا لصناعة خاصة من الثالث أو الأول خلاف، كمن باع أسطوان داره بعد إحاطة بقدره، وما دخل في بيعه على أن لا يجعل فيه مبتاعه طاحونة في صحة بيعه، مع لزوم شرطه، وسقوطه ثالثها إن لم يفت بهدم أو بناء خير البائع في إمضاء البيع بإسقاط شرطه والتمسك به فيفسخ، وإن فات مضى بالأكثر من قيمته أو ثمنه لابن سهل عن بن الشقاق، مع أبي المُطَرَّف عبد الرحمن بن فرج قائلًا: يقضى بقلع الطاحونة، وابن دحون مع أبي علي المسيلي قائلًا: ويمنع من الضرر، وابن عات.
قُلتُ: ضعف الثاني واضح.
باب في بيع الأمة بشرط رضاع ولدها ونفقته
وسمع ابن القاسم في: جامع البيوع من باع أمة بشرط رضاع ولدها ونفقته سنة؛ جاز إن كان إن ماتت أرضعوا له أخرى.
ابن القاسم: هذا وهم من مالك، أو أمر رجع عنه لكراهته بيع أمة دون ولدها الصغير.
سَحنون: هذا إن كان الولد رقيقًا وإن كان حرًا جاز ابن رُشْد: معنى المسألة: أنه حر، وكذا هي في آخر البيوع الفاسدة، منها، قالوا وهم ابن القاسم فيما حمل المسألة عليه
الجزء: 5 - الصفحة: 319
لا مالك، ومعناها: إن رب الأمة أعتقه ثم باعها، ولم يبق من أمر رضاعه إلا سنة، فأجاز شرط رضاعه مضمونًا لا في عين الأمة لقوله في «المدَوَّنة»: ذلك جائز إن كان مات ارضعوا له أخر وكذا هنا في بعض: الروايات، فإن وقع البيع على الشرطين: إن ماتت أرضعوا له أخرى، وإن مات أرضعوا له آخر، وأرادوا كون الرضاع مضمونًا على المشتري جاز اتفاقاً، وإن (أرادوا) كونه في عينها ما لم تمت، إن ماتت أتى بخلفها لم يجز كشرط أن الرضاع في عينها، ويبطل بموتها أو يرجع عليه البائع بقدره؛ لأنه في عينها تحجير على مشتريها، وإن كان في عين الصبي مضمونًا على المشتري دخله الغرر، واختلف إن لم تكن لهم في الشرط نية: فحمله هنا على أنه مضمون وأجازه وحمله في سماع أشهب على أنه في عينها ما لم تمت فلم يجزه واختلف إن وقع البيع على إن مات الصبي أرضعوا له آخر وسكتوا على قولهم: إن ماتت أرضعوا له أخرى فحمله ابن القاسم في «المدَوَّنة» على المضمون وأجاز هو حمله سَحنون على أنه في عين الأمة يسقط بموتها فلم يجزه إلا على وجه الضرورة مثل أن يرهقه دين فتباع فيه عليه كذلك وتأول على قول ابن القاسم: أنه أجازه على أن الرضاع في عينها، فتعقبه بقولها: كيف يجيزه، وهو لا يجيز الإجارة على ذلك؟ فلا يجوز إلا للضرورة وهذا غير لازم لابن القاسم لأنه لم يجزه إلا بأن حمل الأمر في المسكوت عليه على أن الرضاع مضمون على المشتري لا في عين الأمة، ويلزم سَحنون في قوله آخر المسألة: لو كان حرًا جاز البيع ما ألزمه ابن القاسم؛ لأنه حمل المسكوت عنه في الصبي على المضمون، فأجاز البيع كما حمل ابن القاسم المسكوت عنه في الأمة على المضمون فأجاز البيع، وإذا تم الرضاع فنفقته على سيده حتى يثغر؛ لأن من أعتق صغيرًا لزمته نفقته حتى يستغني بنفسه، ويقدر على الكسب ولو بالسؤال، هذا معنى قول محمد فيمن أعتق صغيرًا أو التقط لقيطًا.
قُلتُ: قال اللخمي: القياس أن لا نفقة على سيده، وتكون مواساته على أهل بلده سيده أحدهم.
المتيطي: هو الذي في وثائق ابن العطار قال ثم حكى جواب مالك في شرط السيد نفقته وقال: هذا يدل على أن نفقته عليه.
التونسي انظر لو فلس قبل تمام الرضاع هل تباع الأمة في الدين بشرط رضاعه
الجزء: 5 - الصفحة: 320
ومؤنته على المشتري، وإن نقص من حق الغرماء فيكون أوجب من نفقته على ولده الذين لا يترك لهم من ماله إلى أن يقدروا على أنفسهم، وأرى أن لا يلزم أن يشترط على المشتري ذلك في بيع الأمة فيكون بدئ الغرماء، بكل حقه، ولا يبطل جملة حقه بتبدئة الغرماء عليه كهبة لم تقبض حتى قام الغرماء على واهبها؛ بل يحاص له الغرماء بمبلغ نفقته، وسمع ابن القاسم: لا بأس ببيع نصف الأمة أو الدابة على أن على المشتري نفقتها سنة وإنها إن ماتت أو باعها فذلك له ثابت.
ابن رُشْد: وقعت أيضًا في هذا السماع من كتاب السلطان بزيادة: أن سَحنون أنكره فحمل قوله: إن له عليه إن ماتت الدابة آخذ ذلك منه على أنه يأتيه في كل يوم من الطعام ما كان ينفق عليها؛ لانقضاء السنة، فبعض ثمن نصفها نفقتها المعلومة، لانقضاء السنة كإجازة المدَوَّنة وغيرها استئجار الأجير، بالنفقة، وإن لم توصف، وحمل سَحنون قوله على أنه إن ماتت أخذ منه بقية النفقة عاجلًا أو قيمة ذلك فأنكره لغرره ولو وقوع الأمر على أحد الوجهين نصًا ارتفع الخلاف ولو لم يزد على اشتراط النفقة شيئًا لجاز على معنى قولها: يجوز بيع نصف الثوب أو الدابة على أن يبيع له النصف الآخر إلى شهر، وعلى ما في رسم الراءة من سماع عيسى، فإن ماتت الدابة أو الوصيفة قبل السنة رجع البائع على المبتاع في قيمة النصف المبيع يوم باعه لفوته بالموت بقدر ما بقي من النفقة من كل الثمن؛ لأن ثمن النصف ما سمى من الثمن، والنفقة على نصفها المبقى، فإن كان المسمى عشرة دنانير، وقيمة النفقة على النصف ديناران، وأنفق عليها نصف السنة، ثم ماتت رجع على المبتاع بنصف سدس قيمة النصف المبيع يوم باعه لفوته بالموت كان أقل من دينار أو أكثر كبيع نصفها بعشرة دنانير، وعرض قيمته ديناران فاستحق نصفه؛ لأن ما بطل من النفقة بموت الوصيفة كاستحقاق بعض الثمن وهو عرض، وقيل: لا يرجع عليه بشيء وهو الآتي على ما في العشرة.
لابن القاسم فيمن باع أمة أعتق ولدها الصغير، واشترط نفقته على المشتري حتى يثغر، ويستغني فمات قبل ذلك أن المشتري لا يتبع بشيء؛ لأنه إنما أرد بالشرط كفاية مؤنة الصبي، وهو بعيد وسمع عيسى ابن القاسم: من باع صبيًا صغيرًا على الصبي أو عليه عشر سنين ثم أعتق المشتري لو باعه أو مات، نظركم نفقة المدة؟ وكم قيمة
الجزء: 5 - الصفحة: 321
الصبي؟ فإن كان الصبي نصف القيمة أو ثلثيها يوم البيع رجع بقدر النفقة من الثمن، وهو بيع جائز.
ابن رُشْد: هذه مسألة رديئة من مسائل المجالس لم يتدبر بيعها غير جائز؛ لأن ما يسترجعه المشتري من مناب باقي النفقة من الثمن هو تارة بيع، وتارة سلف، بسبب ما له أن يحدثه من بيع أو عتق، والبيع على هذا الشرط إن كان على أن يقبض المبتاع الصبي ويأخذ نفقته من البائع تلك المدة شهرًا شهرًا أو سنة سنة جاز البيع، ولم تسقط النفقة بموت الصبي، ولا بيعه ولا عتقه، وكان للمبتاع أخذه بها، وإن كان على أن يكون الصبي مع البائع يأكل معه كواحد من عياله لم يجز عند ابن القاسم إلا أن يكون على أنه إن مات أو باعه أو أعتقه أتاه بمثله ينفق عليه لتمام المدة على قوله فيها فيمن باع أمة على أن ترضع ابنًا لها سنة، جاز إن كان إن مات أرضع له آخر، وعلى أصله في الراعي يستأجر على رعاية غنم بأعيانها لا يجوز إلا بشرط الخلف وأجازه سَحنون مطلقًا، ولو قال البائع: شرطت كونه يأكل عندي يده مع يدي، وقال المبتاع: بل على أنه عندي أخذ نفقته شهرًا شهرًا تحالفا، وتفاسخا، وكذا إن ادعيا ذلك نيَّة تحالفًا على نياتهما، وفي قوله: أو يعتق المشتري الصبي نظر إذ لا تسقط النفقة عمن أعتق صغيرًا لا يقوم بنفسه.
باب في أرض الجزاء
وشراء الأرض بشرط أداء قدر معلوم عليها في كل مرة معلومة إن كان بوضعه عليها حين الإحياء جاز، ولا ينبغي أن يختلف فيه، وهو ما استقر عليه العمل العام بتونس، منذ نحو ثلاثمائة سنة في الأرض المسماة بالجزاء، ونقل بعض شُيُوخنا في مجلس تدريسه إن بعض من أدركه من الشُيُوخ كان يمرض ملكها، ويضعفه، وإن كان لا يشهد في نكاح مهره ما هو من هذه الأرض إذا كان لا غرس بها مردود بعمل الشُيُوخ العلماء الجلة الذين يعجز عدهم كالشَّيخ الفقيه الصالح أبي العباس بن عجلان والشَّيخ الفقيه الصالح الشهير أبي على حسن الرشيدي وغيرهما، واحتاج بعضهم له بأن الجزاء المأخوذ عن الأرض إن جعل كراء فهو فاسد لعدم الأجل وإن جعل ثمنا فهو بيع فاسد لجهل قدره مردود بمنع حصره فيهما؛ بل هو وضع خراج على الأرض قبل
الجزء: 5 - الصفحة: 322
إحيايها لقربها من العمران إذ لا يجوز فيه إحياء دون إذن الإمام حسبما هو مقرر في حريم البئر وموجب وضعه حاجة الناس العامة للإحياء والغراسة منضما للحاجة لما يقوم به أمر المسلمين وصونهم عن ذوي الفساد من أهل الحرب وغيرهم.
وتحصيل هذه المصلحة الكلية العامة واضح لمن علم وجوب تحصيل المصالح الكلية بما تقرر في أصول الفقه، وفي بعض مسائل الفقه الجزئية كمسألة الترس في الجهاد ومسألة تضمين الصناع ومسألة الرمي من السفر عند الهول، وما ذكره بعض شُيُوخنا عن بعضهم محمله عندي في الأرض المسماة بأرض الحكر وهي أرض على قدر المرجع منها من الخراج أقل ما على المرجع من أرض الجزاء.
والعادة فيها أن من بيده لا يتصرف فيها بإحداث غرس بحال وإذا أراد ذلك نقلها لآرض الجزاء بدفع قدر معلوم عندهم وإلحاق قدر خراجها بقدر خراج الجزاء.
باب في الأرض المطبلة
وأما شراء الأرض بشرط أداء عليها مستمر حادث الوضع بعد إحيائها فهذا غير كائن عندنا وهي الأرض المعبر عنها في كتب الوثائق والأندلسيين، بأرض الطبل والوظيف في جواز بيعها بشرطه في العقد ()، وكراهته، ثالثها لا يجوز لأشهب وسَحنون وابن القاسم.
ابن فتوح وغيره القضاء بقول ابن القاسم.
ابن أبي زمنين: روى ابن وضاح أن سَحنونا كان يكره بيع أرض العشور على شرطه ثم قال: لا بأس به، والأكثر على أن نسبة الجواز والمنع لأشهب وابن القاسم
الجزء: 5 - الصفحة: 323
تخريج على قوليهما في بيع أرض ذات الجزية على أن الخراج على المبتاع، وظاهر لفظ ابن فتوح، والمتيطي إنه عن أشهب نص، وظاهر قول ابن الهندي إنه عن ابن القاسم نص: ويؤيده قول شفعتها إثر منعه بيع أرض الصلح على أن الخراج على المبتاع كل عام شيئًا يدفعه، ولما ذكر الباجي قولي أشهب وابن القاسم في منع أرض الصلح على أن الخراج على المبتاع قال: وقد ألحق أهل بلدتنا بذلك ما ألزم أرض الإسلام من وظائف الظلم للسلطان، وهو غير صحيح؛ لأن هذه الوظائف مظلمة ليست بحق ثابت، ومن أمكنه دفعها عن نفسه لم يأثم، وخراج أرض الصلح لا يحل دفعه، وإنما مثل المظالم الموظفة على الأرض مثل ابتياع الثياب في بلد يلزم المبتاع المكس في كل ما يبتاع منه فلا يمنع ذلك صحة التبايع فيها.
قُلتُ: قوله غير صحيح غير صحيح وقياسه على صحة بيع الثياب يرد بأن المغرم عليها معلوم غير مجهول؛ لأنه غير دائم، والوظيف مجهول بجهل مدته.
ابن فتوح وغيره تحيل متأخرو فقهاء قرطبة تمسكًا بقول ابن القاسم بأن عقدوا التبري من الوظيف في كتاب غير كتاب الابتياع بنص كونه بعد عقد الصفقة، وقل ما تنعقد صفقة إلا بعد معرفتهما به، وإنه لمن الكذب الذي تركه أولى، ولو أخذ بقول أشهب؛ لكن أحسن الخروج الناس به من الكذب.
قال ابن العطار: تكلمت غير مرة مع محمد بن بلفي وابن زَرْب قبل أن يستقضي، وكان يختار قول أشهب، فلما تولى القضاء قلت له: أمكنك إنفاذ ما كنت تختاره من الأخذ بقول أشهب فاحكم به تتبع فتثاقل عن ذلك، وقال: من يستطيع صرف الناس عن ما جروا عليه.
قُلتُ: هذا بين على أن ترجيح قول أشهب عنده لم يبلغ كونه نتيجة اجتهاد مستقل عن تقليد، ولو كان كذلك ما جاز له العدول عنه اتباعًا لما عليه الناس.
وقال ابن عات: رأيت لا بن رُشْد في تعقبه على ابن العطار، نحو قول أشهب قال: هذه المغارم ظلم يجوز أن يتبرأ بها في نفس الصفقة كسائر العيوب، ولولا ذلك ما جاز بيع الأصول الموظفة.
الجزء: 5 - الصفحة: 324
المشاور البيع على الوظيف جائز، وليس بعيب يرجع به علم أو لم يعلم؛ لأن أصل المغرم ظلم أوقعها العمال.
قُلتُ: قوله وليس بعيب مشكل ابن عبد الغفور قال بعض القضاة: من باع أرضًا وعليها وظيف فالتزمه البائع لم يجز؛ لأنه إن مات احتيج إلى توقيف ماله بسببه.
ابن زَرْب: من باع حقلا من أرضه الموظفة على الجزية، ورد جميع الوظيف على باقي أرض لم يجز إلا بالتزام المبتاع من الوظيف بقدر الحقل من الأرض، وإلا فسخ؛ لأن الوظيف عيب في نفس الأرض لو جاز بيع ذلك على الجزية لوجب وقف أرضه ولم تورث عنه، وتبقى موقوفة أبدًا للتوظيف الذي عليها، وأرض الصلح بخلاف هذه؛ لأنه إن أسلم المصالح سقط الوظيف عن أرضه، وقاله أحمد بن عبد الملك وأجاب ابن رُشْد فيمن اشترى نصف قرية عليها وظيف والتزام منه أكثر مما ينوب نصف القرية إن لم يشترط البائع على المبتاع أن يحمل عنه من لوازم ما بقي له بقدر الزائد الذي التزمه فالبيع جائز، ولا يلزم المبتاع إلا مناب البيع وإن اشترط عليه حمل ذلك عنه فالبيع فاسد إن شرط ذلك فيه، وإن انعقد ذلك بعد عقد التبايع على الطوع حسبما جرت به عادة كتاب العقود وادعى أحدهما أن البيع انعقد على الشرط وكذبه الآخر فالقول قول من ادعى الشرط منهما مع يمينه للعرف ويفسخ البيع، وإن اتفقا على أنه على الطوع صح البيع ولزم المبتاع ما طاع به إلى الأمد الذي يزعم أنه نواه مع يمينه، وإن مات سقط عنه ما طاع به من ذلك.
قال ابن عات: ظاهر كلام ابن رُشْد: هذا أنه يجوز التبري من ذلك في أصل البيع.
ابن زَرْب: الذي به الفتيا والقضاء ببلدنا فيمن باع وتبرأ إلى البائع بالعشور إن كان في أوان الزراعة فالعشور على المشتري، وإن كان بعد مضي أوان الزراعة، ولم يشترط على المشتري فهو على البائع وإن اشترى الملك بالزرع واشترطه فالعشور عليه، وإن ابتاع في أوان الزرع وقد زرع البائع ولم يشترط المبتاع فالعشور على البائع وإن اشترى وفد فات أوان الزراعة ولا زرع في الأرض ولم يشترط البائع على المشتري فالعشور على البائع، وإن اشترى في أوان الزراعية وضيع ولم يزرع حتى مضى وقت الزراعة فالغرم على المشتري؛ لأنه ضيع الزراعة ولو شاء لزرع.
الجزء: 5 - الصفحة: 325
قُلتُ: ويجري عليه لو وقع بيع أرض الجزاء ببلدنا مع السكت عن من يكون عليه جزاء عام البيع، فإن كان قبل فوات معظم وقت دفعه فهو على المبتاع وإلا فهو على البائع، وإن اختلفا فيمن شرط عليه تحالفا وتفاسخا إن لم يفت المبيع، وإلا فالقول قول من القول قوله في حال السكت مع يمينه.
ابن سهل في أحكام ابن زياد البيان في العشور بعد الصفقة براءة، ولا يتم حتى يبين قمحه من شعيره، وأين يورد؟ وعن من؟ وكيف؟ فإنه، قد يعلق عن قليل فتخف المؤنة ويعلق عن عدد كثير فيكون ضررًا، وذلك عيب يوجب الرد، فإن قال البائع: إنه بين ذلك وأنكره خصمه حلف المنكر إلا أن تقوم عليه بينة، وله رد اليمين، قاله ابن لبابة وغيره.
زاد المتيطي عن ابن زَرْب: إن ادعى أحدهما أنهما علما الوظيف قبل البيع ودعى إلى يمين صاحبه، وجبت عليه، وإن قامت بينه، بأن تبريهما كان بعد العقد للعرف أن المبتاع لا يبتاع ملكًا حتى يعرف ما عليه من الوظيف، قال: ولا أرى لمن اطلع على معرفتها بالوظيف قبل عقد البيع أن يعقد لهما عقد البيع والتبري.
قُلتُ: هذا مع ما تقدم له من العرف يوجب أن لا يعقد لهما عقد البيع والتبري مطلقًا.
باب في بيع العربان
بيع العربان: روي أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان» ().
قال عبد الحق: هذا الحديث مع ما في إسناده من الكلام هو عنده منقطع؛ لأنه رواه عن القعنبي عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ورواه ابن وَهْب عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ذكر ذلك أبو عمر، وقال أبو أحمد بن عدي يقال: إن الثقة ههنا هو ابن لهيعة،
الجزء: 5 - الصفحة: 326
والحديث عنه عن عمرو بن شعيب مشهور.
وفي مصنف عبد الرازق: أخبرنا الأسلمي عن زيد بن أسلم قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العربان في البيع فأحله».
قُلتُ: لزيد: ما العربان؟ قال: هو الرجل يشتري السلعة فيقول إن أخذتها وإلا رددتها ورددت معها درهمًا، هذا مرسل وفي إسناده السلمي.
قُلتُ: هو مرمي بالكذب، وبيع العربان فسره في الموطأ بإعطاء المبتاع البائع أو المكري درهمًا أو دينارًا على إن أخذ المبيع فهو من الثمن وإلا بقي للبائع ().
أبو عمر: ما فسر به مالك عليه فقهاء الأمصار؛ لأنه غرر وأكل مال بالباطل ولمالك من اشترى شيئًا وأعطى عربانًا على إن رضيه أخذه، وإن سخطه رده وأخذ عربانه لا بأس به.
الباجي عن ابن حبيب: العربان الجائز أن يبتاع شيئًا بالخيار فيدفع بعض الثمن مختومًا عليه إن كان لا يعرف بعينه على إن رضي جعله من الثمن وإلا رجع إليه، وصح النهي عن ثمن الكلب، ومر ما فيه من الخلاف.
الجزء: 5 - الصفحة: 327
باب في بيع الولد دون أمه أو العكس
وروي الترمذي عن أبي أيوب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، قال: حديث حسن غريب.
قال ابن القطان: في باب ذكر مضمن كتابه ما نصه: حسنه، وينبغي أن يقال صحيح، وقال في غيره قبل ذلك ما نصه: إنما لم يصححه؛ لأنه من رواية ابن وَهْب عن حسن بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن هو الجل عن أبي أيوب وحسن هذا: قال البخاري فيه نظر وقال أحمد أحاديثه مناكير.
وقال ابن معين: ليس به بأس فلأجل الاختلاف فيه لم يصححه.
قُلتُ: وهذا تقرير لعدم تصحيحه وظاهر في قبوله عدم تصحيحه وهو مناف لقوله، فينبغي أن يقال فيه صحيح، ويرد قوله: (ينبغي) قول الشَّيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في إلمامه، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
قُلتُ: وفي كونه على شرط مسلم نظر؛ لأنه لم يخرج له شيئًا في صحيحه.
قال ابن القطان: عن الأشراف بعد ذكره الحديث المذكور أجمع أهل العلم على القول بهذا الخبر إذا كان الولد طفلًا لم يبلغ سبع سنين، واختلفوا في وقت التفرقة بينهما.
باب في التفرقة بين الأم وولدها في البيع
وفي حدها بالإثغار غير (...) أو باستغنائه عن أمه ومعرفته ما يؤمر به وينهى عه أو بعشر سنين أو سبع.
خامسها باحتلامه للخمي عن مالك مع المازري عن المشهور عنه وعن ابن القاسم واللخمي عن ابن القاسم وابن وَهْب والصقلي مع المازري عن ابن حبيب ورواية ابن غانم، وسادسها: لابن عبد الحَكم: لا يفرق بينهما أبدًا واستبعده المازري، ووجههالصقلي بعموم الحديث، المتيطي عن بعض الموثقين بالأول العمل ولا يلحق
الجزء: 5 - الصفحة: 328
بالأم غيرها.
اللخمي: لمحمد عن بعض المدنيين: الأب كالأم وهو أحسن لمقاربة مشقة التفرقة فيه بتفرقة الأم، وقد يكون بعض الآباء أشد حنانًا ولا يلحق بهما غيرهما اتفاقًا، وفي كون البيع لحق الأم أو الولد في حضانته نقلا اللخمي.
زاد الثاني بأنه لو كان كذلك لثبت في كل ذات حضانة.
ابن محرز: روى ابن القُصَّار: إن بيع ولد دون أمه فسخ إلا أن تختار الأم ذلك.
اللخمي: في جواز التفرقة برضى الأم روايتا ابن عبد الحَكم ومحمد، وعزاهما ابن رُشْد لابن عبد الحَكم مع رواية أشهب، وأخذ بعضهم من قولها في التجارة بأرض الحرب، وابن القاسم مع ابن نافع، وقولها وفي لزوم فسخه، أو إن لم يجمعاهما في ملك أحدهما، ثالثها إن لم يجمعاهما فيه بيعاض معًا للمازري عن القاضي مع ابن حبيب عن مالك وأصحابه ومحمد.
المتيطي: عنه إن لم يعلم به حتى مضى حد التفرقة تم البيع، وفيها لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وأرى إن لم يجمعاهما في ملك واحد فسخ ويأتي له في بيعها من عبد وسيده صحة جمعها ببيعها معًا اللخمي، وعلى الأول إن فات بحوالة سوق لم يفسخ ومضى بالقيمة وجبرا على الجمع، وللمازري وعبد الحق عن ابن عبدوس يمضي بالثمن.
اللخمي: أرى إن علما جبرهما على الجمع فسد بيعهما لجهلهما ما به يقع الجمع، وإن علمه أحدهما، فعلى علم أحد المتبايعين بالفساد.
المازري: هذا إن دخلا على امتثالهما حكم الشرع فالجمع واضح وإلا فلا غرر.
اللخمي: وإن جهلاه فلا فساد وللمبتاع الرد بعيب جبره على بيع ماء ابتاع أو ابتياع الأم، وللبائع الرد بعيب جبره على بيع الأم، إن لم يشتر الولد.
المازري: سبب هذا العيب منهما لا من البائع فقط، ففي الرد به نظر اللخمي لو حدث بالولد عيب خير المبتاع في حبسه والرجوع بمناب ما بين قيمته على جبره على بيعه إن لو جاز ذلك، وقيمته دونه من الثمن أو رده مع قيمة العيب الحادث، وللبائع أن يقوم بحقه ما لم يفت الولد بعيب ومثله إذا دخل على الوجه الفاسد وفات المبيع بحوالة
الجزء: 5 - الصفحة: 329
سوق غرم المشتري قيمته على أنه مطالب بالجمع؛ لأنه أبخس قيمته لا على أنه غير مطالب، وإن لم ينظر في ذلك حتى فات المبيع أو الباقي في يد البائع لم تتغير القيمة، وإن كانا دخلا على الوجه الصحيح ثم مات الولد أو الأم فلا رد للمشتري، ولا مقال لذهاب العيب ولو لم ينظر في ذلك حتى بلغ الولد حد التفرقة لم يرد البيع ويسقط حكم الجمع، وإن دخلا على الوجه الفاسد لم تتغير القيمة.
فضل عن ابن حبيب يضرب بائع التفرقة ومبتاعها إن علما ضربًا وجيعا، وقاله مالك وكل أصحابه، عبد الحق عن سَحنون: من باع كبيرة وصغيرة فإن كانت جل الصفقة فسخت فيهما إن لم يجمعا، وإلا فسخ فيهما فقط.
باب في الإيصاء بالولد دون أمه أو العكس
والإيصاء بأحدهما أو إعطاؤه دون عوض لا يفسخ، وفي الاكتفاء يجمهما في حوز أو ملك قولها بزيادة ثم شاء البيع منهما جبر الآخر له معه وإن لم يجمعاهما في حوز واحد منهما باعاهما معًا مع اللخمي عن الأخوين ومالك ورواية محمد وله عن ابن القاسم: إن باع أحدهما وتصدق بالآخر لم يفسخا وبيعا جميعًا.
أصبغ: هذا رجوع عن الفسخ.
الصقلي: لما بدأ بالبيع وجب جمعهما في ملك ولو بدأ بالهبة كفى جمعهما في حوز.
المازري: ليس في كلام محمد ما يشعر بترتيب، وفي حوز عطية الولد بمجرد حوزه، وإن عصى بالتفرقة أو مع أمه، ثالثها بالإشهاد فقط، مع قيام لمعطى بمؤنة الولد، وإن كان مع أمه.
للصقلي عنهما: ولابن حبيب عن ابن القاسم والأخرين.
باب في من وهب الولد دون أمه
وفي جبر واهب الولد على دفع الأم معه ليتم الحوز نقل ابن محرز عن سَحنون.
وقوله: قالوا: لا يلزم الواهب تسليمها للحيازة مع نقله عبد الحق عن بعض الناس قائلًا: بخلاف وجوب تسليم أصول التمر الموهوب معه؛ لأنه لا يتعدى لغيرها.
الجزء: 5 - الصفحة: 330
الصقلي: في وجوب إرضاع الأم الولد وسقوطه، ثالثها: يحلف الواهب ما أراده، لابن حبيب عن أحد قولي ابن القاسم، ونقل محمد عنه وعن ابن حبيب عن أول قوليه.
وفيها: هبة أحدهما لثوب كبيع، وعيب أحدهما يوجب رد الآخر برده، ومن باع أمة بخيار له ثم ابتاع ابها قبل بته فإن فعل رد إلا أن يجمعاهما في ملك واحد، فإن كان الخيار لمبتاعها ببتة أجبرا على جمعهما في ملك أو بيعهما معًا، ونقلها المازري واللخمي بلفظ، وللمشتري بت البيع.
المازري: تعقبت تفرقته بينهما بأن عقد الخيار إذا أمضي عد ممضي يوم وقع جاز لهما الإمضاء، إذ لا تفرقة حينئذ، وإن لم يعد ممضى إلى يوم أمضى منع المبتاع من بته كالبائع ونحوه قول اللخمي فتخرج منه المبتاع بتة من القول فيمن اشترى جارية حاملًا فولدت في أيام الخيار.
قال ابن القاسم في العتبية: الولد للبائع وللمشتري قبول الأم؛ لأن أصل البيع كان جائزًا، ثم يجمعانهما في ملك ولا ينقض البيع، وقال أصبغ: ينتقض إن لم يجمعاهما كابتداء شراء على التفرقة ويتخرج إمضاء البائع البيع من قول ابن حبيب إن جنى العبد في أيام الخيار ثم قبل الأرش للمشتري ووجه التونسي تفرقتهما بتهمة البائع على إرادته فسخ صفقة المبتاع بابتياعه الولد.
قُلتُ: وتقريره: التزام كون أنه ممضي يوم بته لا يوم وقع، وجاز للمباع بته معاملة للبائع بنقيض قصده في تهمته على إرادة نقض صفقة المبتاع ونحوه لابن محرز قال: وحمل أَصْبَغ قول ابن القاسم على التناقض.
قُلتُ: فيلزم منع المبتاع بته في إرث البائع الولد أو شرائه له وكيل له لم يعينه له.
وفيها: بيع أحدهما من عبد مأذون له وبيع الآخر من سيده تفرقة إن لم يجمعاهما في ملك أحدهما باعهما معًا، وإلا فسخ بيعهما وتعقبه التونسي فإن أصله كلما أمكن الوصول للغرض المقصود لم يفسخ البيع، فإذا جاز بيعهما معًا أمكن الوصول للغرض المقصود، وكلما أمكن الوصول إليه لم يفسخ البيع كقوله في بيع المصحف من نصراني.
قُلتُ: يرد بأن تحصيل المقصود إنما يمنع الفسخ إذا كان بيع لا غرر فيه بحال كبيع
الجزء: 5 - الصفحة: 331
المصحف، وفيه هنا غرر جمع الرجلين سلعيتهما في البيع مقابل غرره مفسدة الفسخ فجاء التخيير في ارتكاب أحدهما، وبه يتضح أن جواب المازري بقوله: إن البيع منهما معًا بتراضيهما كانتزاع السيد ما بيد عبده فصار بيعها لهما معًا كبيع مالك واحد لهما تقرير للسؤال لا للجواب، وبعد ما ذكرته من الجواب وجدته للمازري جوابًا عن مناقضة محمد لابن القاسم في قوله بعدم فسخ بيع المسلم من النصراني مصحفًا لإمكان بيعه عليه، وفسخ بيع التفرقة مع إمكان بيعها عليهما.
وفيها: بيع نصفهما معًا غير تفرقة.
ابن محرز قالوا: لو كانت الأمة بين رجلين فاشترى أحدهما ولدها فليس بتفرقة؛ لأنه إن فلس من هما له بيعا معًا، وإن فلس الآخر بيع نصفه فقط قال: ويؤديه قول عتقها، الثاني: من دبر جنين أمة بينهما تقاوياه عند وضعه ولم يقل إذا صار لأحدهما أمرًا بالجمع بينهما، وقال بيعا.
التونسي لم يجعل ذلك تفرقة في ظاهر جوابه؛ لأنه قد يصير للذي لم يدبر فيكون رقًاله والأمة بينهما ولعمري إنه يشبه إنه ليس بتفرقة؛ لأنه متى فلس أحدهما بيعت الأمة كلها مع جملة الولد إذا كان رقًا إذ لا بد من بيع جملتها للضرر الداخل على المشتري في بيع نصيبه مفردًا، وقد عارض هذه سَحنون وكأنه أشار إلى أنها تفرقة ونحوه للمازري وصرح بأن في انفراد أحدهما بأحدهما من شركتهما في الآخر قولين في كونه تفرقة أولًا، وصرح اللخمي بقول سَحنون إن ذلك تفرقة قال: وهو أقيس، وقد يكون قصد ابن القاسم الكلام على حكم التدبير فقط أو ذهب إلى قول ابن حبيب بالجمع في الحوز فقط.
قُلتُ: وما تقدم لابن محرز من بيع نصيب المفلس وحده خلاف نقل التونسي والمازري وهذا هو ظاهر المدَوَّنة والأمهات.
اللخمي والمازري إن وجدت الأم بيد رجل والولد بيد آخر بيعا عليهما إن لم يجمعاهما في ملك أحدهما.
قُلتُ: هو نصها وفيها: من ابتاع أمة وولدها في ملكه وكان لابنه الصغير فلا يفرق بينهما في البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 332
قُلتُ: ظاهره في مسألة كون الولد لابنه الصغير عدم الجبر على جمعهما في ملك والاكتفاء باجتماعهما في الحوز لعدم تسببه في التفرقة.
وفيها لابن القاسم: إذا نزل الروم ببلدنا تجارًا ففرقوا بين الأم وولدها لم أمنعهم وكرهت للمسلمين شراءهم متفرقين.
اللخمي: إن باعوا ذلك من ذمي لم يعرض له
ابن محرز: إن باعوهم من مسلم أو ذمي جبروا على الجمع بينهم وإلا فسخ البيع، وقال الشَّيخ: لا يفسخ؛ لأنه تبع للصغير من الكبار؛ بل يباعون من مسلم.
اللخمي: وأرى إن كانا لذمي ففرق بينهما بالبيع من ذمي أن يجبرا على الجمع، لأنه تظالم ومضرة على الأم كما لو أضربهما.
المازري: هذا إن كانت التفرقة عندهم لا تجوز فإن كان ذلك في دينهم سائغًا ففيه نظر، وبعض أشياخي أطلق القول بمعنهم.
باب في وسائل إثبات النبوة المانعة من التفرقة
وثبت النبوة المانعة من التفريق بالنية أو إقرار مالكها أو دعوى الأم مع قرينة صدقها.
اللخمي: إن قدم رجل بامرأة وآخر بصبي فادعت أنه ولدها فإن سبيا معًا أو اشتريا من بلد واحد جمع بينهما، وإن علم أنهما من بلدين كشف عن أمرهما، وإن لم يعلم هل هما من بلد أو بلدين جمعا؛ لأن ذلك لا تلحق فيه تهمة ولا يخفى أمرهما فيما يتبين من حنان الأم، وشدة وجدها، وفيها لمالك: إن قالت امرأة من السبي: هذا ابني لم يفرق بينهما ولا يتوارثان بذلك.
يحيي بن عمر: إن كبر الولد منع من الخلوة بها.
ابن محرز: لأنها إنما صدقت فيما لا يثبت حرمة بينهما؛ لأنها لو قالت: هذا زوجي أو قال: إنها زوجتي لم يصدقا.
قُلتُ: في استدلاله بالنكاح نظر؛ لأن السبى يهدمه إلا أن يريد فيمن سبيت بعد خروج زوجها مسلمًا، وفيها: لمن أعتق ابن أمته الصغير بيع أمه ويشترط على مبتاعها
الجزء: 5 - الصفحة: 333
نفقة الولد ومؤنته زاد فيها في سماع ابن القاسم في التجارة بأرض الحرب.
قال مالك: وإن بيعت بغير أرضها فلا بأس.
ابن رُشْد: يريد باشتراط النفقة والمؤنة إلى أن يبلغ حد التفرقة قاله ابن القاسم في العشرة يريد وترجع عليه النفقة إلى بلوغه، وفي جواز نقد البيع خلاف أجازه هنا.
وفيها قال في العشرة: استحسانًا لءلا يترك الصبي دون نفقة أو يمنع سيده من بيعه فإن مات الصبي فلا شيء للبائع على المشتري؛ لأنه إنما قصد بذلك كفاية المؤنة لا التزيد في الثمن.
وقال سَحنون: لا يجوز البيع إلا لضرورة فلس أو شبهه، وقيل: لا يجوز بحال لغرر احتمال موتة قبل حد التفرقة وبقائه لها، وقيل: جائز، وإن مات قبل التفرقة، تبع البائع المبتاع بقدر ذلك من قيمة الأمة، وهو الآتي على سماع عيسى في جامع البيوع، ولو شرط أن النفقة مضمونة على المبتاع لحد الإثغار إن مات الولد قبله جاز البيع اتفاقًا.
قُلتُ: هذا هو معنى نقل الصقلي عن محمد: شرط: بيعه بأنه إن مات قبل الإثغار أتى بمثله وليس لأنه تركه وإن كانت له جدة.
قُلتُ: لأنه حق على البائع في عين الأمة وكتابة أحدهما غير تفرقة ولا يبيح كتابة أحدهما دون الآخر ولا العكس وكذا التدبير.
الصقلي: لو حدث بعد تدبير أحدهما دين لم يبع له أحدهما، فلو مات المدبر، واستغرقهما الدين، بيعًا معًا، وإن كان في بيع غير المدبر أو بعضه للدين ما يعتق فيه المدبر وجب، وإلا بيعا منهما بالسوية بقدره وعتق من المدبر الباقي ومنعت التفرقة فيما بقي.
قال ابن حبيب: لو دبر النصراني ولد أمته ثم أسلمت لم تبع للتفرقة ولا الولد للتدبير ويعزلان عنه، تؤاجر الأم لحد التفرقة، وكذا عتق أحدهما لأجل.
اللخمي: ويجوز بيع أحدهما مع خدمة الآخر لأجل حد التفرقة إن ساوى أجل العتق حد الإثغار أو زاد عليه.
وقال التونسي: فيه نظر لاحتمال فسخ بيع الخدمة لمرض ونحوه، ورده المازري بلغو اعتبار النادر.
الجزء: 5 - الصفحة: 334
اللخمي: إن عتق الولد لأجل لا خدمة له فيه شرط على مبتاع أمه نفقته لبلوغ سيعه إن كان أجل العتق قبله، وإن تأخر عنه إلى أن يبلغ الخدمة، بيع منها إلى حد التفرقة للضرورة، إذ لا يجوز لو لم يبع الأم بيع الخدمة إذا كان لا يشرع في قبضها إلا إلى أجل قريب وإيلاد أمة لها ولد صغير يمنع بيعه وفيها: لا بأس ببيع أحدهما للعتق وليس العتق بتفرقة.
قُلتُ: فيه على لزوم فسخ بيع التفرقة نظر لتأخر العتق عنه، وصح حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أخرجه مالك ومسلم وأبو دود وعند ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه» الباجي: معنى لا يبيع: لا يشتري.
ابن حبيب: إنما النهي للمشتري لا للبائع.
الباجي: يحتمل حمله على ظاهره فيمنع البائع أيضًا أن يبيع على بيع أخيه، وإنما خصه ابن حبيب بالمشتري؛ لأن الإرخاص مستحب مشروع.
عياض: الأولى حمله على ظاهره وهو أن يعرض سلعته على المشتري برخص ليزهده في شراء التي ركن إليها من عند غيره.
قُلتُ: وهو دليل لفظ حديث ابن ماجه، وفي الموطأ لمالك: إنما النهي إذا ركن البائع للسائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب، وشبه ذلك مما يعرف به أن البائع أراد مبايعة السائم، فإن وقع المنهي عنه ففي فسخه، ثالثها ما لم يفت لسماع سَحنون عن ابن القاسم ورواية ابن حبيب وأبي عمر وعلى الثاني روى ابن حبيب: يعرضها على الأول بالثمن، زادت أو نقصت، وسمع سَحنون ابن القاسم يؤدب فأطلقه ابن رُشْد: وقال الباجي: لعله يريد من تكرر ذلك منه بعد الزجر وعلى العرض.
روى ابن حبيب إن أنفق فيها ما زادت به غرمه الأول مع الثمن وإن نقصت لم يحط من
الجزء: 5 - الصفحة: 335
الثمن، والمذهب قصره على بيع المساومة.
الباجي والمازري: وهو وقف السلعة ليسوم بها من يريد شراءها.
المازري وقفها بحانوت أو غيره.
باب في بيع المزايدة
الباجي: روى محمد: الذمي كالمسلم والمذهب عدم اندراج بيع المزايدة فيه، لحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلسًا وقدحا، وقال: من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، ولم يتعقبه ابن القطان، وذكره عبد الحق في كتاب الزكاة من طريق أبي داود وفيه قصة: والحلس والقدح كانا لرجل شكا الفاقة، وبلفظ أبي داود ذكره ابن رُشْد في سماع عيسى ابن القاسم من كتاب الجعل: سمعه من زاد المنادي على بيع ثوب من ميراث ثم بداله لزمه البيع ولو زاد رجلان فيه.
قال: هذا دينار، وقال: هذا دينار، وطلب الصائح الزيادة فلم يزد فأوجب لهما فبدالهما أو لأحدهما لزومهما البيع وهما شريكان فيه، عيسى لا يعجبني هذا وهو للأول، ولا أرى للصائح أن يقبل من أحدهما ما أعطاه غير فهو للأول إلا أن يعطياه جميعًا دينارًا معًا فهما شريكان.
ابن رُشْد: حكمه أن كل من زاد لزمه البيع بما زاد إن أراد ربها إمضاءها له بما أعطى فيها ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى أو يمسكها حتى يمضي مجلس النداء، وهو مخير في إمضائها لمن شاء ممن أعطى فيها ثمنًا، وإن كان زاد غيره عليه هذا الذي أحفظه من قول أبي جعفر بن زرقوف وهو صحيح؛ لأن من حق ذي السلعة أن يقول لمن أراد أن يلزمها إن أبى، وقال: بعها ممن زادك أنا لا أحب معاملة الذي زادني وليس طلبي الزيادة وإن وجدته إبراء مني فمنعنى قول ابن القاسم لزمهما البيع، وهما
الجزء: 5 - الصفحة: 336
شريكان، إذا أسلم البائع لهما السلعة، ولم يختر أحدهما دون الآخر، وكذا قول أَصْبَغ إنها للأول، معناه: إذا قال: أمضيتها لمن هو منكما أحق بها، وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأن الأول لا يستوجب السلعة بما أعطى إلا أن يمضيها له صاحبها، وكذا فلا مزية لأحدهما على الآخر وقول أَصْبَغ استحسان.
ابن حبيب: إن فاروق المشتري البائع في بيع المساومة دون إيجاب لم يلزمه بعد ذلك بخلاف بيع المزايدة، يلزمه ما أعطى بعد الافتراق؛ لأن المشتري إنما فارقه في المزايدة على أنه استوجب البيع.
المازري: لا وجه للتفرقة ألا الرجوع للعوائد ولو شرط المشتري إنما يلتزم الشراء في الحال قبل المفارقة أو شرط البائع لزومه له، وإنه بالخيار في أن يعرضها على غيره أمدًا معلومًا أو في حكم المعلوم لزم الحكم بالشرط في بيع المساومة والمزايدة اتفاقًا، وإنما افترقا للعادة حسبما علل به ابن حبيب الفرق بينهما، وإنما نبهت على هذا؛ لأن بعض القضاة ألزم بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة البيع بعد الافتراق، وكانت عادتهم الافتراق على غير إيجاب اغترارًا بظاهر قول ابن حبيب وحكاية غيره فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم.
قُلتُ: والعادة عندنا اللزوم ما لم يبعد زمن المبايعة حسبما تقرر قدر ذلك عندهم، والأمر واضح إن بعد والسلعة ليست في يد المبتاع، فإن كانت بيده موقوفة، ففيه نظر، والأقرب اللزوم كقولها: إن بعد من مضي الخيار والسلعة في يد البائع والخيار للمبتاع أن لاحق فيها للمبتاع إلا إن عرفنا في بيع المزايدة إنه لا يتم العقد ولو طال مكثها بيد المبتاع إلا بنص إمضائه، وسمع القرينان: من باع رقيقًا بين أنه يصيح عليها ثلاثة أيام للزيادة، إن أمضى البيع بعدها بيومين وشبهها لزم المبتاع وبعد عشرين ليلة لا يلزمه.
ابن رُشْد: هذا كقولها في البيع على خيار ثلاثة أيام لا يلزم بمغيب الشمس من آخر أيام الخيار، وإن له الرد بعد مضي أيام الخيار ما لم يتباعد؛ لأنه إذا بين أنه يصيح عليها ثلاثة للزيادة فكل من أعطاه شيءًا تنقض الشراء على أن البائع بالخيار ما لم تنقص أيام الصياح، وعلى القول أن ليس له رد السلعة التي اشترى بعد انقضاء أيام الخيار ليس له أن يلزمه الشراء بعد انقضاء أيام الصياح، ولو كان العرف في بيع المزايدة أن يمضي أو
الجزء: 5 - الصفحة: 337
يرد في المجلس ولم يشترط الصياح عليه أيامًا لم يلزمه الشراء بعد أن ينقلب بالسلعة عن المجلس، وروي هذا عن ابن القاسم فيمن يحضر المزايدة في بيع الميراث أو متاع الناس فيزيد ثم يصاح عليها فينقلب بها أهلها ثم يأتونه بالغد فيقولان: خذها بما زدت إن انقلبوا بها أو تركوها في المجلس وباعوا بعدها أخرى لم يلزمه ذلك إنما يلزم هذا في بيع السلطان الذي يباع على أن يستشار وجت هذه المسألة لابن القاسم بخط أبي عمر الإشبيلي وهي صحيحة على أصولهم.
باب في بيع الحلي مزايدة بعين أو أصلها
وبيع الحلي مزايدة بعين أو أصلها ممنوع على المعروف في الصرف بخيار، وأخفه بيعه على خيار المشتري على رأي ابن رُشْد عن المذهب جواز النكاح على الخيار من الجانبين لا على نصها بمنعه.
باب بيع النجش
وبيع النجش منهي عنه صح في حديث المعراة في صحيح مسلم: «ولا تناجشوا»، وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن النجش».
قال مالك: والنجش: أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراؤها فيقتدي بك غيرك، قول المازري وغيره، والناجش الذي يزيد في السلعة ليقتدي به غيره أعم من قول مالك لدخول إعطائه مثل ثمنها أو أقل في قول المازري وخروجه عن قول مالك.
الجزء: 5 - الصفحة: 338
وقال ابن العربي في العارضة ما نصه: النجش أن يزيد الرجل في السلعة من غير رغبةٍ في شرائها، وإنما ذلك ليغتر به المشتري فيظن أنه من رغبته فيرغب برغبته فينفقها عنده ويستثني من ماله ما كان كامنًا لا يخرجه وهو حرام لا يحل لأجل النهي عنه، ثم قال: والذي عندي إن بلغها الناجش قيمتها ورفع الغبن عن صاحبها فهو مأجور ولا خيار لمبتاعها.
قُلتُ: كان بعض من كان مشهورًا بالخير والصلاح ومعرفة صالحي الشُيُوخ وكان له شهرة تجر في الكتب إذا حضر سوق الكتب فيستفتح للدلالين في الكتب ما يبنون عليه في الدلالة ولا غرض له في شراء الكتاب الذي يستفتح ثمنه وهو جائز على ظاهر تفسير مالك، واختيار ابن العربي لا ظاهر تفسير المازري، ففي منع إعطاء من لا يريد شراء سلعة ثمنًا فيها مطلقًا، وجوازه إن لم يزد على قيمتها، ثالثها: استحباب هذا لظاهر قول الأكثر، ودليل قول مالك وابن العربي، وحيث يمنع إن وقع بأمر البائع، ففي لزوم فسخ البيع واختيار المبتاع في رده وإتمامه، نقل المازري، ورواية القزويني مع ابن الجهم، والمشهور.
قال ابن حبيب: نجش من هو من ناحية البائع كعبده وولده من غير أمره كأمره.
زاد الباجي أو شريكه قالا عنه: وإن لم يكن من سببه لزم البيع ولا شيء على البائع والإثم على الناجش.
ابن العربي: حكم ابن حبيب بفسخ البيع خروج عن طريق النظر.
قُلتُ: لم أعرف من نقله عن ابن حبيب غيره، والذي في النوادر عن ابن حبيب في
الجزء: 5 - الصفحة: 339
واضحته تخيير المبتاع كالمشاورة، وحيث يخير المشتري إن فات المبيع.
قال الباجي والمازري: لزم المشتري الأقل من ثمنها أو قيمتها.
قال ابن عبد السلام: ما لم تنقص القيمة عن ثمن المبيع قبل زيادة الناجش إن كان هناك مزايد.
قُلتُ: إن أراد والثمن الكائن قبل النجش كان من المشتري فحس وإلا فلا إذ لا يلزم أحدا ما التزمه غيره، وسمع القرينان لا بأس ببيع الرجل سلعته فيقول أعطيت فيها ثلاثين دينارًا وهو صادق إن كان أعطاه قريبًا صحيحًا لا قديمًا ولا نجشا.
ابن رُشْد: إن ثبت كونه قديمًا أو أنه لم يعط بها ما قال، فالمبتاع مخير في إمساكها بالثمن المذكور، وردها إن لم تفت وإلا لزمته بالأقل من الثمن أو القيمة على حكم الغش والخديعة في البيع، وفي فوتها بما يفوت به البيع الفاسد أو بالنماء والنقصان قولان وسمع ابن القاسم من قال لذي حائط ببيعه: انظر ما أعطيت فيه ولك زيادة دينار، ثم لقيه فقال: أعطيت مائة دينار فزاده دينارًا وقبض الحائط، ثم سأل من زعم أنه أعطاه مائة دينار فقال: إنما أعطيته تسعين شراؤه لازم؛ لأنه صدقه، ولوشاء تثبت، وكذا الجارية تباع بالسوق يقول ربها: أعطيت بها مائة دينار فيصدقه ويربحه على ما قال، ولو حضر شهود في سوم الحائط شهدوا بخلاف ما قال أعطاني به فلان رد البيع ولا يمين على رب الحائط وعلى رب الجارية إذا رضي بقوله وثبت البيع.
ابن رُشْد: إنما لم ير على البائع يمينًا للمبتاع؛ لأنه صدقه، ومعنى قوله: رد البيع إن شاء المبتاع والحائط لم يفت فإن فات هو والجارية فعلى المبتاع أقل من الثمن المسمى أو القيمة يوم البيع كالكذب في الرابحة، ويفوت به البيع الفاسد، وسمع القرينان أرجو أن لا بأس فيمن حضر جارية بالسوق يقول لرجل: كف عني فيها لي بها حاجة ولا أحب الأمر العام أن يتواطأ الناس بهذا فسدت البيوع.
ابن رُشْد: روى ابن نافع في المبسوط كراهته في الواحد، ولو قال لواحد: كف عني ولك دينار جاز ولزمه الدينار ولو لم يشتر، ولو قال له: كف عني ولك نصفها على وجه الشركة جاز، وإنما لم يجزه في الرواية إن أعطاه النصف على وجه العطية؛ لأنه أعطاه على أن يكف عنه مالا يملك قاله ابن دحون وهو صحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 340
قُلتُ: في إجازته الدينار نظر؛ لأن إعطاءه ليس هو على الكف لذاته؛ بل لرجاء حصول السلعة له وهي قد لا تحصل، وظاهر قول المازري: إنما يجوز في الواحد إن كان الترك تفضلا، ولو كان على أن له نصفها لم يجز؛ لأنه دلسة منعه بالدينار خلاف نقل ابن رُشْد وسمع قول القوم يجتمعون في البيع لا تزيدوا على كذا والله ما هو بحسن.
ابن رُشْد: لأنه فساد على البائع وضرر به فإن وقع هذا وثبت بإقرار أو بينة خير البائع في قيام السلعة في ردها، فإن فاتت فله الأكثر من القيمة أو الثمن على حكم الغش والخديعة في البيع فإن أمضى بيعها فهم فيها شركاء، بتواطئهم على ترك الزيادة زادت أو نقصت أو تلفت، من حق المبتاع منهم أن يلزمهم الشركة إن نقصت أو تلفت ومن حقهم أن يلزموه ذلك إن زادت أو كان فيها ربح ظاهر، كان هذا في سوق السلعة أو في غيره، أرادوها للتجارة أو لغيرها، كانوا من أهل تلك التجارة أو لا كما لو وقفوا على المبتاع فقالوا أشركنا في هذه السلعة، فقال: نعم إنما يفترق ما ذكرناه إن وقفوا عليه حتى تم ابتياعه ولم يقولوا له شيئًا أو قالوا فسكت.
الشَّيخ: روى العُتْبِيّ وابن حبيب في عبد بين ثلاثة، فقال أحدهم لصاحبه: إذا تقاومناه فاخراج منه برج دينار ليقتدي بك صاحبنا والعبد بيني وبينك ففعل فاقتدى به الآخر، وثبت هذا بإقرار أو بينة، البيع مردود لا يجوز.
ابن حبيب لم يأخذ به أَصْبَغ ولم يره من النجش وبه أقول؛ لأن صاحبه لم يرد أن يقتدي بزيادته إنما أمسك عن الزيادة ليرخص على نفسه وعلى صاحبه فلا بأس به.
باب في بيع المقاومة
وسمع القرينان جوابه عن أهل المقاومة بالسرار هو خفيف وكره بيع المقاومة بالحصاة.
ابن رُشْد عن ابن دحون: هي أن يتقاوموا السلعة سرًا بالإشارة، وكذلك قال ابن لبابة السرار: أن يشير له بيده يستتر عمن حضر، وفي قوليهما نظر؛ لأن الإشراك في السلعة إذا تقاوموها فيما بينهم فليس لغيرهم دخول معهم فيها، فلا وجه لاستسرارهم
الجزء: 5 - الصفحة: 341
بالمقاومة ولا للسؤال عن ذلك ومعناه عندي: أن يتقاوم بعض الإشراك انصباءهم سرًا عن بقيتهم فيكون بعضهم قد خرج عن نصيبه لبعض أشراكه بما انتهت في المقاومة عليه دون علم بقيتهم فهو عنده خفيف إذ لا يجبر على المقاومة من أباها من الشركاء فلا حجة لمن استسر دونه بالمقاومة من الإشراك؛ لأن الذين تقاوموا يقولون له نحن لا نريد أن نقاومك إذ لا يجبر على المقاومة من أباها إنما هي على التراضي ونحن رضينا بها فيما بيننا وإنما استسرا عنه؛ لأنه من حقه لو علم بالمقاومة قبل نفوذها أن يكون شريكًا في نصيب الخارج عن نصيبه مع أخذه بالثمن الذي رضي أن يخرج له به عنه؛ لأن السلعة بين الشركاء إذا أحدهم أن يبيع نصيبه منها كان الشريك أحق بها بما يعطى فيها ما لم ينفذ البيع فكما يكون الشريك أحق من الأجنبيي فكذا يكون الشريك أحق من الشريك بما زاد على قدر حقه، وكما يكره للشريك أن يبيع نصيبه من أجنبي دون أن يعلم شريكه إذ ليس ذلك من مكارم الأخلاق فكذا يكره أن يبيع نصيبه من بعض إشراكه دون إعلامه سائهم إلا أن مالكًا رأى في هذه الرواية أن الشريك أخف من الأجنبي إذ لم يدخل على الشريك الذي لم يعلمه أجنبيًا.
باب في بيع المقاومة بالحصاة
وبيع المقاومة بالحصاة: قال ابن دحون: هو أن تقوم السلعة فإذا عرف كم الربح فيها جعل كل من اشترى في ابتاعها حصاة، ثم جعلت الحصيات في كم رجل، ثم يدعي من يخرج منها حصاة فمن كانت حصاته كانت السلعة له بالثمن الذي قومت به وكان الفضل بينهم على حسب شركتهم وهو تفسير حسن.
باب في بيع الحاضر للبادي
وبيع الحاضر للبادي منهي عنه، روى البخاري عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد ولا تصروا الغنم ومن ابتاعها فهو بخير
الجزء: 5 - الصفحة: 342
النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر».
وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبع حاضر لباد، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس وفيه: فقلت لابن عباس: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا، وله عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبع حاضر لباد ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
وأخرجه عبد الحق من طريق مسلم بسنده وسكت عنه فتعقبه ابن القطان بأنه لم يبين أنه من رواية أبي الزبير عن جابر من غير رواية الليث عنه.
قال ابن القطان: وقد ذكر في حديث ذكره من روايته من طريق الدارقطني واتبعه أن قال: إنما يؤخذ من حديث أبي الزبير عن جابر ما ذكر فيه السماع أو كان عن الليث عنه جابر وذكر أيضًا حديثًا من روايته من طريق النسائي ثم قال: أبو الزبير يدلس في حديث جابر فإذا ذكر سماعه منه أو كان من رواية الليث عن أبي الزبير فهو صحيح فهذا مذهبه فيه قال: وأكثر ما يقع له ذكره ساكتًا عن بيان كونه من عنعنة أبي الزبير من غير رواية الليث عنه فيما أخرجه مسلم كأنه بإدخال مسلم له حصل في حمى من النقد وهو خطأ لا شك فيه.
قُلتُ: لعله راعى في ذلك ما ذكره ابن الصلاح وهو قوله: اتفاق الأئمة على تلقي ما اتفق عليه صحيحا مسلم والبخاري بالقبول ملزوم لصحة ما أخرجاه فيهما والقطع بصحته خلافًا لمن نفاه محتجًا بأن الأمة إنما تلقته بالقبول لوجوب العمل بالظن، والظن
الجزء: 5 - الصفحة: 343
يخطئ وهو غير صحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، وهذه نكتة نفسية فائدتها أن ما انفرد به أحدهما مقطوع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول.
قُلتُ: رد بأن متعلق الإجماع والتلقي وجوب العمل، ولا يلزم من القطع به القطع بصحة الحديث.
قال ابن رُشْد في أول مسألة من رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان: لم يختلف أهل العلم في أن النهي عن أن يبيع حاضر لباد إنما هو لإرادة نفع أهل الحاضرة ليصيبوا من أهل البادية لجهلهم بالأسعار، واحتج بحديث مسلم الذي ذكر لحق، ثم قال: اختلف قول مالك في أهل البادية الذين لا يجوز للحضري أن يبيع لهم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم أهل العمود دون أهل القرى التي لا يفارقها أهلها وهي رواية أبي قرة.
الثاني: أنهم هم وأهل القرى دون أهل المدن.
والثالث: لا يجوز للحاضر أن يبيع لجالب وإن كان من أهل المدن والحواضر، وعزا ابن زرقون الثاني لأحد قولي مالك في الموَّازيَّة والعتبية، والثالث لثاني قوليه في الكتابين، والثاني هو ظاهر قول ابن القاسم في سماع عيسى هل ترى أهل بناء وأبوصي من البادية؟ قال: لا؛ لأنهما أهل مدائن إنما يراد بهذا أهل القرى وقول ابن الحاجب في الموطأ بحال، إنما نقله الشيَّيخ في نوادره عن مالك في الموَّازية، وكذا الباجي وعزاه أبو عمر لرواية أبي قرة كابن رُشْد.
الباجي عن ابن حبيب: ولا يبعث البدوي إلى الحضري بمتاع يبيعه له.
الصقلي رواه أبو محمد، أبو عمر: رواه أبو قرة المازري: للقزويني عن الأبهري يجوز للحضري فيما يبعه البدوي مع رسوله أن يبيعه له وسمع ابن القاسم يكره للحضري يسأله البدوي عن السعر أن يخبره به.
ابن رُشْد: لما فيه من الإضرار بأهل الحاضرة في قطع الرفق ولا اختلاف فيه فيما
الجزء: 5 - الصفحة: 344
أعلمه في مذهب مالك فإن وقع بيع الحاضر لباد فسمع عيسى ابن القاسم قوله بفسخه؛ لأن المشتري ابتاع حرامًا للنهي عنه، وسمع سَحنون قوله يمضي وعزاه الباجي لابن عبد الحَكم.
زاد المازري وابن الجهم، وابن رُشْد: وعلى الفسخ اختلف إلى أي حد يفسخ؟ فقيل: ما كان قائمًا ويفوت بما يفوت به البيع الفاسد، ويمضي بالثمن، وقيل بالقيمة، وعلى أنه لا يفسخ قيل لمبتاعه فيه حق فيخير في رد المبيع إذا لم يعلم أن الحاضر باعه منه لباد وهو قياس قول سَحنون في بيع التلقي، تعرض السلعة على أهل الأسواق، وقيل: لا حق له فلا خيار له في الرد وهو ظاهر قول سَحنون وهو معارض لنص قوله في التلقي.
وحكى ابن حبيب: أنه يفسخ للنهي عنه إلا أن يشاء المشتري أن يتماسك وهو قول مالك، وقوله خارج عن الأصول؛ لأن العقد الفاسد للنهي لا يجوز للمشتري أن يتمسك به.
وقال بعض الشُيُوخ: قول ابن حبيب تفسير لرواية أَصْبَغ وعيسى عن ابن القاسم في هذا الرسم وذلك غيرصحيح؛ لأنه نص فيها أنه بيع حرام، وفي وجوب تأديب فاعله إن لم يعذر بجهل مطلقًا أو إن اعتاده نقل ابن رُشْد سماع سَحنون ابن القاسم، وسماعه أصْبَغ مع عيسى وزونان عن ابن وَهْب قائلًا يزجر.
وفي جواز شراء الحاضر للبدوي ومنعه سماع ابن القاسم ونقل ابن رُشْد عن ابن الماجِشُون وابن حبيب ورواية أبي عمر.
باب في البيع زمن نداء سعي صلاة الجمعة
والبيع زمن نداء سعي صلاة الجمعة إلى تمامها منهي عنه مطلقًا، وفي فسخه في عقده من تلزمه ولو مع غيره، ثالثها إن اعتاد ذلك للمشهور والباجي عن رواية ابن وَهْب مع علي يستغفر الله فقط، والمازري عن ابن الماجِشُون والصقلي عن أَصْبَغ في العتبيَّة من باع بربح ما اشتراه حينئذ لم له أن يأكل الربح، وأحب إليَّ أن يتصدق به، فإن قات بحواله سوق ففي مضيه بالثمن أو القيمة نقل الباجي عن سَحنون مع المغيرة
الجزء: 5 - الصفحة: 345
وغيرهما، وعليه في كونها حين القبض أو تمام الصلاة قولا القاسم وابن حبيب مع أشهب.
الشَّيخ: من انتقض وضوءه وقت النداء فلم يجد الماء إلا بثمن لا باس أن يشتريه، وفي فسخ بيع من باع لخنس ركعات للغروب، وعليه ظهر يومه وعصره قولا أبي عمر مع إسماعيل القاضي وسَحنون، وصوبه ابن محرز وغيره وفرقوا بأن الجمعة لا تقضى.
المازري: كان شيخنا يقول كثيرًا ما يؤخر العوام صلاة العصر اشتغالًا بالبيع فيقضي منع معاملتهم ومنع أكل ما يشترى منهم على القول بالفسخ.
باب في شراء تلقي السلع
وشراء تلقي السلع الواردة لمحل بيعها بقربه قبل ورودها إياه، منهي عنه تقدم في حديث البخاري، وروي مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتي سيده السوق فهو بالخيار.
وعند البخاري عن ابن عمر قال: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم «أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام»، والمذهب منع تلقي مطلق السلع قبل سوقها في رواية ابن حبيب ولو على يومين لتجر، وروى محمد وابن حبيب وسمع ابن القاسم وكذا لغير تجر إلا بقرية قرب بلد سوقها كستة أميال.
الشَّيخ: روى محمد إن خرج قوم لغزو أو تجر فلقوا سلع تجر جاز شراؤهم منها لأكلهم لا لتجر، وقول ابن العربي في عارضته: في حده بميل أو فرسخين ثالث الروايات يومان لا أعرفه إلا الأخيرة لمحمد وابن حبيب، ورواية غيرهما إلا الإطلاق.
باب في الخروج شراء الغلل من الحوائط
وفي جواز الخروج لشراء التجر من غلل حوائط القرية سماع ابن القاسم مع قول
الجزء: 5 - الصفحة: 346
أشهب وسماعه، وسمع أبو زيد ابن القاسم: من خرج بقمح ناويا إن وجد مبتاعًا بطريقه باع، وإلا بلغ الفسطاط لا يبيع إلا بالفسطاط إلا أن ينوي إلى قرية بها سوق فلا بأس أن يبيعه بها ولو اختزنه بيمنة موسى ثم بدا له فلا بأس بيعه.
ابن رُشْد: لا يجوز بيعه بالطريق ممن يريده للبيع وجائز بقرية على أميال من الحاضر ممن يريده للأكل، ولو نوى قرية ذات سوق جاز بيعه بها، وإن اخترنه في الطريق بموضع لا سوق له ثم بدا له أن يبيعه جاز، وفيه تفصيل: إن باعه من أهل محلته جاز، ولو ليبيعوه، وبيعه ممن يخرج من الحاضرة، لشرائه يجري على الخلاف في أهل الحاضرة يخرجون للحوائط لشراء ثمارها، وروي ابن حبيب ما لا سوق له بحاضرة إذا دخل بيوت الحاضرة والأزرقة جاز شراؤها وإن لم يبلغ السوق.
قُلتُ: يريد سوق غير السلعة إذ الفرض أن لا سوق لها، ويقوم منه أن بلوغ أول السوق كاف، الشَّيخ: روى محمد لا بأس بالشراء من سفن ترسى إلا أن تأتي ضرورة وفساد فيكون كحكره، فلا يصلح المازري: هي كالحوائط حول مدينة، وروى محمد لا خير في شرائها قبل وصولها على الصفة.
الباجي: لو وصلت سوقها دون ربها فتلقاها من اشتراها منه فلا نص، وهو عندي تلق ممنوع، قال مع الشَّيخ عن الواضحة: إن بلغت السلعة موقفها ثم انقلب بها ولم يبع أو باع بعضها فلا بأس أن يشتريها من مرت ببابه أو من دار بائعها فإن وقع المنهي عنه.
ابن رُشْد: في رواية القرينين: يفسخ، وعزاه أبو عمر لبعض أصحاب مالك، الشَّيخ عن محمد يرد لبائعه إن فات أمر من يقوم ببيعه عن صاحبه.
المازري: مقتضاه ربحه له وخسارته عليه، والواضحة: يرد له إن حضر وإلا فإن كان المتلقي غير معتاد ترك له، وزجر، وإلا عرض بثمنه على أهل سوقه إن لم يكن طعامًا فإن لم يكن سوق فعلى كل الناس والطعام يعرض عليهم ولو كان له سوق.
محمد: روى ابن وَهْب: يباع لأهل السوق وربحه بينهم والوضيعة على الملتقي وروى ابن القاسم ينهى إن عاد أدب ولا ينزع منه شيء.
المازري: هو المشهور.
الباجي: واختاره أشهب، محمد عن ابن القاسم، يشترك فيه من شاء، والتجار
الجزء: 5 - الصفحة: 347
وغيرهم وهو كأحدهم، وقاله ابن عبد الحَكم بالحصص من ثمنه، وأباه أصبغ.
أبو عمر: تحصيل مذهب مالك عدم فسخه ونزعها لأهل سوقها إن أرادوها بثمنها، وإلا ردت لمبتاعها به وسمع عيسى ابن القاسم: إن لم تفت نزع لمن يأخذه بثمنه من أهل سوقه فإن لم يكن سوق فلكل الناس.
ابن رُشْد: في فوته بمفوت البيع الفاسد أو بالعيب المفسد قولان وفي سماعه إن كان معتادًا لذلك أدب وزجر وإلا نهى، وأمر أن لا يعود.
الشَّيخ عن ابن حبيب: من تكرر منه وعوقب بما يراه الإمام من سجن أو ضرب أو إخراج من السوق.
ابن رُشْد: في رواية سَحنون عن ابن القاسم، إيجاب أدبه إن لم يعذر بجهل وفي رواية عيسى وأصْبَغ عنه: لا يؤدب إلا المعتاد لذلك ورواه زونان عن ابن وَهْب، وسمع القرينان: لا أحب الشراء من لحم جزور تلقي ابن رُشْد: كرهه لرعي القول أن البيع الفاسد يجب فسخه وإنه كلا بيع لا ينقل ملكًا والمبيع من بائعه إن تلف عند مبتاعه ببينة رواه أبوزيد عن ابن القاسم، أن البيع الفاسد يجب فسخه أن البيع الفاسد يجب فسخه ويقوم من سماع يحيي في كتاب الجعل فيكون المشتري على هذا كلحم شاة مغصوبة، والقياس إن الشراء من لحمها جائز على المشهور أنها تعرض على أهل الأسواق لفوات ذلك فيها بالذبح، وعلى القول أيضًا إنه فاسد للنهي عنه لفوته بالذبح فوجب مضيه بالثمن أو بالقيمة فإنما اشترى ما صح ملكه له ودخل في ضمانه، وعن عيسى بن دينار من ضحى بما اشتراه تلقيا عليه البدل في أيام النحر ولا يبيع لحم الأولى.
ابن رُشْد: هو عندي استحسان لا واجب؛ لأنه ضحى بما في ضمانه وذكر ما مر في شراء لحم ما تلقي وقول أبي عمر.
قال ابن خويز منداد: لا خيار فيه للبائع، وفيه حديث صحيح خرجه قاسم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاتلقوا الجلب فمن تلقى منها شيئًا فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق مثل خيار البائع».
ابن العربي: الصحيح عندي أنه حق للجالب ولأهل البلد معًا وربح التلقي.
قال محمد: لا يطلب له، وفي سماع عيسى ابن القاسم أيتصدق به؟ قال ليس
الجزء: 5 - الصفحة: 348
بحرام ولو فعله احتياطًا فلا بأس به.
باب في التسعير
التسعير: تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه قدرًا للمبيع بدرهم معلوم، فالجالب لا يسعر عليه.
ابن رُشْد: اتفاقًا، قال: إن حط عن قدر السوق أمر بمساواته أو قيامه، وأهل السوق في تركهم لبيعهم باختيارهم ومنعهم، سماع عيسى ابن القاسم مع سماعه ونقله عن ابن حبيب مع سماع القرينين، وعليه قال: يجب على صاحب السوق الموكل لمصلحته أن يجعل لهم من الربح ما يشبه، ويمنعهم الزيادة عليه ويتفقدهم في ذلك ويلزمهم إياه كيف ما تقلب السعر بزيادة أو نقصان؛ فمن عصاه عاقبه بما يراه من الأدب أو بإخراجه من السوق إن اعتاد ذلك مستسرًا به، وأجمعوا أنه لا يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ولا فيما اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مثل الثمن الذي اشتروه وإن ضرب لهم الربح على ما يشترون منعهم أن يلغوا السعر، وإن لم يزيدوا في الربح إذ قد يتساهلون فيه وإن علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على ما يعلم من مبلغ السعر وقال: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ولا تشتروا إلا على هذا وهو معنى سماع أشهب ليس بأيديهم ما تعتلون به اشتروا على
الجزء: 5 - الصفحة: 349
ثلث رطل سعره عليكم من الضأن وعل نصف رطل نسعره عليكم من الإبل؛ لأن ذلك إنما يجوز له إذا علم أنهم يتساهلون في الشراء ويزيدون على القيمة.
قُلتُ: ظاهر نقل ابن رُشْد القول بالتعسير إيجابه ولفظ ابن حبيب في النوادر ما نصه: لا يكون التسعير عند من أجازه إلا عن رضى ومن أكره الناس عليه فقط أخطأ، وهذا إذا كان الإمام عدلًا ورآه مصلحة فجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، يسألهم كيف يبيعون وكيف يشترون وليس ما أجازوه من ذلك في القمح، والشعير وشبهه؛ لأن الجالب يبيعه ولا يترك التجار ليبيعوه على أيديهم إنما ذلك في مثل الزيت والسمن والعسل واللحم والبقل والفاكهة، وشبه ذلك ما عدا البز والقطن وشبهه، وعلى الأول سمع عيسى ابن القاسم: من حط السعر وأدخل على الناس فسادًا، أمر بسعر الناس أو الخروج من السوق، ولو باع واحد أربعة أرطال والناس يبيعون ثلاثة لم يقاموا الواحد والاثنان ولا خمسة، وإنما يقام الواحد والاثنان إذا حطوا عن حد سعر الناس فأدخلوا الفساد، وسمع ابن القاسم: ليس لجالب الطعام أن يبيع بسعر دون سعر الناس سَحنون يريد فيما هو في جودة سلعته، وليس عليه أن يبيع الجيد بسعر الردئ.
ابن رُشْد: معنى بدون سعر الناس: في المثمون لا الثمن، وذكر بعض الناس تأويلًا على رواية ابن القاسم هذه وأمثالها، إن الواحد والاثنين من أهل السوق ليس أن يبيعوا بأرخص مما بيع أهل السوق؛ لأنه ضرر بهم وممن قاله عبد الوهاب بن محمد بن نصر البغدادي وهو غلط ظاهر إذ لا يلام أحد على المسامحة في البيع؛ بل يشكر عليها وقول سَحنون: يريد مما هو في جودة سلعته، مثله لابن حبيب قال: إنما المنع إذا تساوى الطعام أو تقارب، وإن اختلف فزاد صاحب الجيد على أصحاب الرديء إنما هو في الأندلس إذ ليس بين قمحها في الاختلاف مثل ما بإفريقيَّة ولا بمكة حيث يجتمع سمراء الشام والمحمولة قاله فضل، وهو صحيح فإن كان المرخصون الاثنين والثلاثة ونحو ذلك مما هو يسير لم يرد إليهم غيرهم مما هو كثير، فإن كانوا كثيرًا رد إليهم غيرهم، وإن كانوا أكثر منهم، وإن كان الكل قليلًا فالأقل تبع للأكثر إن كان الأكثر المرخصين وإلا ترك كل واحد على بيعه، وذكر الحكرة في المرابحة، إن شاء الله.
الجزء: 5 - الصفحة: 350