كتاب الشهادات
الشهادات: ابن عبد السلام: لا حاجة لتعريف حقيقتها؛ لأنها معلومة.
الجزء: 9 - الصفحة: 216
قلت: وقال القرافي في قواعده: أقمت نحو ثماني سنين أطلب الفرق بين الشهادة والرواية، وأسأل الفضلاء عنه، وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فيقولان: الشهادة؛ يشترطون فيها العدد والذكورية والحرية بخلاف الرواية، فأقول لهم: اشتراط ذلك فرع تصورها، وتمييزها عن الرواية، فلو عرفت بآثارها وأحكامها التي لا تعرف إلا بعد معرفتها؛ لزم الدور وإذا وقعت حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة، فيشترط فيها شروطها أو رواية؛ فلا يشترط فيها ذلك، وإجراء العلماء الخلاف في قبول خبر الواحد في رؤية هلال رمضان على كونه رواية أو شهادة، وفي خبر الواحد بعدد ما صلى إمامه على ذلك لا يتصور مع جهل حقيقتها؛ وإنما يتصور ذلك مع إدراك حقيقة كل منهما، ولم أزل كذلك في شدة قلق حتى طالعت شرح البرهان للمارزي رضي الله عنه، فوجدته حقق المسألة، وميز بين الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج الفروع اتجاهًا حسنًا، وظهر أي سببين أقوى، وأي القولين أرجح، وأمكننا إذا وجدنا خلافًا لم يذكر سببه أن يخرج على وجود السببين فيه إن وجدناهما، ونشترط ما نشترطه، ونسقط ما نسقطه، وكنا على
الجزء: 9 - الصفحة: 222
بصيرة في كل ذلك، فقال: هما خبران غير أن المخبر عنه إذا كان لا يختص بمعين فه الراية كقوله صلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالنيات))، والشفعة فيما لا ينقسم لا يختص بشخص معين؛ بل هو في كل الخلق والأعصار والأمصار بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار؛ إلزام لمعين لا يتعداه، فهذا هو الشهادة، والأول هو الرواية، ثم تجتمع الشوايب بعد ذلك، ووجه مناسبة شرط العدل في الشهادة، وبقية الشروط أن إلزام المعين يتوقع فيه عداوة باطنة؛ لم يطلع عليها الحاكم، فاختلط الشارع لذلك، فاشترط معه آخر، وناسب شرط الذكورية؛ لأن إلزام المعين حكمًا غلبة وقهرًا تأباه النفوس الأبية، فهو من النساء أشد نكاية، فخفف ذلك عن النفوس بشرط الذكورية؛ ولأنهن ناقصات عقل ودين، واستقام تخريج الخلاف في رؤية هلال رمضان؛ لاشتماله على مثالية الخبر وهي العموم؛ لأنه لا يخص واحدًا بعينه وشائبة الشهادة؛ وهي خصوصة هذا العام، وأهل هذا القطر الطرق.
ثم قال: إن قلت: ما قررته من أن الشهادة حقيقتها التعلق بجزء، والرواية حقيقتها التعلق بكل منتقض، أما في الشهادة؛ فقد تنقض كالشهادة بالوقف على الفقراء إلى يوم القيامة، وكون الأرض عنوة أو صلحًا، فإنها كذلك إلى يوم القيامة، أما في الرواية؛ فإنها قد تكون في الأمور الجزئية؛ كالإخبار عن النجاسة بالماء المعين والثوب المعين، وأوقات الصلوات، وأوقات الصلوات، وأجاب عن الأول بأن العموم فيما ذكر من الشهادة إنما هو بالعرض، ومقصودها الأول؛ إنما هو جزئ، أما الوقف؛ فالمقصود بالشهادة فيه إنما هو الواقف لينزع منه المال الموقوف، وكون الموقوف عليه غير معين لا يقدح في ذلك.
وأما كون الأرض عنوة أو صلحًا؛ فلم أر فيه لأصحابنا نصًا، وأمكن أنه من باب الخبر والرواية؛ لعدم الاختصاص في المحكوم عليه، وأمكن كونه من باب الشهادة
الجزء: 9 - الصفحة: 223
لتعين المعلوم فيه؛ وهو الأرض.
وأما النقض على الرواية؛ فجوابه أن الأخبار عن نجاسة الماء المعين؛ إنما هو باعتبار وصفه من حيث كون صفته كلية لا باعتبار ذاته المخصوصة؛ ولذا كان كل ماء مماثل له في الصفة التي حكم عليه بالنجاسة لأجلها مماثل له في الحكم بنجاسته، وكذا الثوب.
قلت: هذا حاصل كلامه، وواضح كلامه أولاً: أقمت أطلب الفرق، وأسأل الفضلاء عنه، وعن تحقيق ماهية كل منهما.
نص في منافاته ابن عبد السلام: لا حاجة لتعريف حقيقة الشهادة، والحق قول القرافي: إنها لمعرفتها، وكان بعض شيوخ بلدنا يتعقب قول القرافي: أقمت مدة كذا أطلب الفرق بينهما حتى وقف على كلام المازري بأن الفرق المذكور في أيسر الكتب المتداولة بين مبتدئي الطلبة؛ وهو التنبيه لابن بشير.
قال في كتاب الصيام: لما كان القياس عند المتأخرين رد ثبوت الهلال لباب الأخبار؛ إذ رأوا أن الفرق بين باب الخبر وبين الشهادة؛ أن كل ما خص المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عم، فلزم القائل منه ما يلزم المقدار، فبابه باب الأخبار جعلوا في المذهب قوله بقبول خبر الواحد في الهلال، ولا تجده إلا في النقل عن ما يثبت عند الإمام، وكذا كان يتعقب عليه حكايته عن نفسه مثل ذلك في الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص؛ فإنه مذكور في الجزولية، وتتميم الكلام في هذا يخرج عن المقصود، وما ارتضاه، وتبع فيه المارزي من أن الشهادة هي الخبر المتعلق بجزئي والرواية الخبر المتعلق بكل؛ يرد بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا لحديثه صلى الله عليه وسلم: ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة))، وحديث تميم الداري في السفينة التي لعب البحر بهم فيها حتى ألقتهم بجزيرة، ووجدوا فيها الرجل المفسر بالدجال إلى غير ذلك من
الجزء: 9 - الصفحة: 224
الأحاديث المتعلقة بأمور جزئية، ولأجل هذا تجدهم يقولون: اختلف في القضايا العينية تعم أم لا؟، وكآية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:1]، ونحوها كثير.
والصواب: أن الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده، أو حلف طالبه؛ فتخرج الرواية والخبر القسيم للشهادة، وإخبار القاضي بما ثبت عنده قاضياً آخر يجب عليه الحكم بمقتضي ما كتب به إليه؛ لعدم شرط بالتعدد أو الحلف، وتدخل الشهادة قبل الأداء وغير التامة، لأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة، وهي باعتبار تحملها الروايات واضحة بأنها فرض كفاية.
في نوازن سحنون: سئل عن قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] فقال: إذا كان للرجل عندك علم، فأشهدك عليه، وإن لم يكن له عندك علم؛ إنما يريد أن يشهدك ابتداء؛ فأنت في سعة إن وجد في البلد غيرك ممن يشهده، فقرره ابن رشد بأن تحمل الشهادة فرض كفاية يحمله بعض الناس عن بعض كصلاة الجنازة، فمن كان بموضع ليس فيه من يحمله عنه تعين عليه، وأما أن يدعي ليشهد بما علمه أو استحفظه، فإن ذلك واجب عليه، فمن كانت عنده شهادة؛ فلا يحل له كتمها، ولمه إذا دعي إليها أن يقوم بها.
الصقلي: اختلف في قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]؛قال مالك وغيره: إنما ذلك أن يدعي لما كان شهد به قبل ذلك، قال مالك: وأما قبل أن يشهد، فأرجو أن يكون في سعة إن كان ثم من يشهد له.
المتيطي: اختلف في قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]، قيل: حين يكتب الشهادة، وقيل: إذا دعوا لأدائها، وقيل: المراد الأمران، وذكرها المازري، وعزا لمالك الثاني، وظاهر ما ذكرناه عنهم أن الأداء فرض عين لا كفاية.
وقال ابن عبد السلام: إن كان الذي تحملها عدد أكثر من النصاب، كان الأداء فرض كفاية، وإن كان مقدار النصاب فأقل؛ فرض عين.
قلت: والصواب: إن كان المحتملون أكثر من النصاب أن ينظر في كيفية تحملهم،
الجزء: 9 - الصفحة: 225
فإن كان في مجلس واحد؛ فعليهم أن يجيبوا من طلبهم للأداء ما لم يستقل موجب الحكم، فلا يجب على من طلب بالأداء بعده، وإن كان تحملهم في أوقات مختلفة تعين الأول فالأول ما لم يظهر سقوط من يفتقر بعده لتمام النصاب، وهو قائم من قولها في كتاب الجعل والإجارة: ومن واجر على رضاع صبي، ثم واجر أخرى تطوعاً منه، ثم ماتت الأولى؛ فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية، فجعل من التزم حكماً بعد آخر؛ لا يلزمه منه إلا الزائد على ما يجب على الأول منه، وظاهر قولهم: إنه فرض عين مطلقاً هو القائم من قولها في كتاب الحمالة: من أخذ من غريمة كفيلاً بعد كفيل؛ فله في عديم الغريم أن يأخذ بجميع حقه، أي: الكفيلين شاء، فجعل من ألتزم حكماً بعد آخر يتعلق به كتعلقة بالأول.
ابن رشد: وقول بعض أهل العلم: يجب على كل من دعي لها أن يجيب إليها أداء، أو تحملاً للآية غير صحيح، لأنه قبل التحمل لا يصدق عليه اسم شاهد، وأما أن لم يدع إلى أدائها، فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها)، وهذا فيه تفصيل استوفيناه في رسم شهد من سماع عيسي.
قلت: يذكر إن شاء الله عند قول ابن الحاجب السادس: الحرص على الشهادة، ولما كانت الشهادة موجبة لحكم الحاكم بمقتضاها؛ اكتسبت من الشرف منزلاً.
باب في شروط الشهادة في الأداء
تشترط فيها شروط منها في أدائها الكافي: الإسلام اتفاقًا، وشهادة المبتدع ساقطة؛ لأنه كافر أو فاسق.
الجزء: 9 - الصفحة: 226
المازري عن ابن القصار: ساقطة لفسقة، ولو كان عن تأويل غلط.
فإن قيل: قبول بعضهم كالبخاري رواية بعضهم يوجب قبول شهادته أحروياً؛ لأنها في جزئي، والرواية في كلي؛ ولذا أسقط أبو حنيفة رواية الكافر مطلقاً، وأثبت شهادة بعضهم على بعض؛ يرد بأنها منصب رفيع عندهم بخلاف الرواية.
وفيها: الحرية اتفاقاً والعقل.
المازري: وشرط العقل واضح؛ لأن المجنون لا يعقل ما يقول ولا يضبطه، ومن هو كذلك لا يلتفت إلى قوله.
ابن عبد السلام: لا يختلف في اعتبار العقل في حالتي التحمل والأداء ولا يضر ذهاب العقل في غير هاتين الحالتين، ونص عليه عبد الملك.
قلت: ما ذكره هو مقتضي المذهب، ونص عبد الملك عليه لا أعرف؛ بل نقل الشيخ عن المجموعة: قال ابن وهب عن مالك في الكبير يخنق، ثم يفيق إفاقة يعقلها: جازت شهادته، وبيعه وابتياعه، والبلوغ منها اتفاقاً.
المازري: لأنه إن لم يبلغ غير مكلف، ولا يأثم فيما يفعله من منهي عنه، وهذا يمنع الثقة بشهادته.
وفي سماع أبي زيد لابن القاسم: لا تقبل شهادة ابن خمسة عشر عاماً إلا أن يحتلم حتى يبلغ ثمانية عشر عاماً؛ فتجوز شهادته، وإن لم يحتلم.
ابن وهب: تجوز شهادته إن أتي عليه خمسة عشر عاماً، وإن لم يحتلم إن كان عدلاً؛ لأنه صلي الله عليه وسلم أجاز للقتال ابن خمسة عشرة سنة، ولم يجز ابن أربعة عشرة سنة.
ابن رشد: روي عن ابن القاسم: أنه لا تجوز شهادته إن لم يحتلم حتى يبلغ سبع عشرة سنة، ففي الحد الذي يحكم فيه لمن لم يحتلم بحكم من احتلم ثلاثة أقوال ترجع لقولين: أحدهما: لا يحكم له للبلوغ إن لم يحتلم حتى يبلغ سبعة عشر عاماً، أو الثمانية عشر عاماً، والثاني: أنه خمسة عشر عاماً، فيحكم له بالبلوغ عند ابن وهب عند بلوغه.
الجزء: 9 - الصفحة: 227
وفي شرط عدم الولاية في المال خلاف:
سمع أشهب: أتجوز شهادة المولى عليه وهو عدل؟ قال: نعم، ابن رشد مثله.
روي ابن عبد الحكم في الموازية: وهو قياس المعلوم من قول ابن القاسم في لغو الولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها، والآتي على مشهور المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه في أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله، وإن كان رشيداً في أحواله أن لا تجوز شهادته، ولو كان مثله لو طلب ماله؛ أخذه، وهو نص أشهب في المجموعة، ونحو سماعه أصبغ: لا يجوز أن يكون وليًا في النكاح، ولو كان عدلاً.
ولابن حبيب عن مالك وأصحابه: إن حكم قاض بشهادته أو بشهادة العبد، ثم أنكشف ذلك بعد الحكم؛ ردت القضية بخلاف أن لو انكشفت إنه مسخوط أو سفيه، ورواه أبو زيد عن ابن الماجشون.
وقال أصبغ: إن قضي بشهادته، ثم تبين أن مولي عليه سارقاً فاسداً بين الفساد، أو مسخوطاً بين الفسق والفساد؛ ردت قضيته كما تريد إن تبين أنه عبد.
باب العدالة
والعدالة لما كانت شرطاً في الشهادة والرواية تكلم عليها الفقهاء والأصوليون، وابن الحاجب في أصلية وفقيه، وأطال المازري فيها الكلام، والأولى صفة مظنة، لمنع موصوفها البدعة، وما يشينه عرفاً، أو معصية غير قليل الصغائر، فالصغائر الخسيسة
الجزء: 9 - الصفحة: 228
مندرجة فيما يشين، ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة؛ عفو مندرج في قليل الصغائر؛ لدليل قولها في آخر شهاداتها مما يجرح به: أنه كذاب في غير شيء واحد، وأطول منه قول ابن الحاجب في الفقهي: العدالة، المحافظة، الدينية، على اجتناب الكذب والكبائر، وتوقي الصغائر، وأداء الأمانة، وحسن المعاملة ليس معها بدعة، ويتعقب بحشو لفظ الدينية لاستقلاله دونه، وإجمال قوله: وتوقي الصغائر؛ لاحتمال جميعها أو أكثرها.
ابن عبد السلام: الضمير في قوله: ليس معها بدعة؛ راجع إلى العدالة، وظاهره: أن السلامة من البدعة أمر زائد على العدالة؛ لكن تعليله اشتراط هذه المعية بقوله؛ فإنها فسق يوجب كونها مضادة للعدالة، فيستغنى بذكر العدالة عنها، كما استغني بذكر العدالة عن سائر أضدادها، وقد يجاب بأن هذا النوع من أضداد العدالة كثر النزاع فيه.
قلت: يرد إعادته الضمير على العدالة، فإن فهم معية الشيء؛ لا تعلم إلا بعد فهم ما نسبت إليه؛ لأن من أمر عبده أن يأتيه بزيد مع عقيلته؛ لا يفهم ما أمر به إلا من يفهم مسمى العقلية، وهي المرأة الشريفة أو المخدرة؛ ولذا تعقب على الشيخ المحدث
الجزء: 9 - الصفحة: 231
الأديب البارع أبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي، شهر بالأبار في قصيدته الشهيرة التي بعث بها صاحب بلنسية زيان بن مرد نيس إلى ملك إفريقية أبي زكرياء بن أبي حفص يحرضه على قتال الروم، والأخذ بثأر أهل الأندلس التي مطعلها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
قوله فيها:
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
بأنه دعاء للروم بنيل مقاسمهم شريفات النساء ومخدراتها، وجواب بعضهم بأن لا نالت، جواب تقاسم لا دعاء، قال: وتوهم كونه دعاء جهالة؛ يرد بنقل ابن هشام، وابن عصفور، وابن الضايع الآمدي، وغير واحد أن جواب القسم إن كان فعلاً ماضياً؛ لزمته (كما) كقوله تعالي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:3]، أو (إن) كقوله تعالي: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:41]، والإنصاف أن التعقب غير جهالة لصحة استناده لظاهر نقل الأندلسيين، وأنه غير وارد لقول سيبويه في الكتاب عن الخليل، تقول: والله لا فعلت ذلك أبداً؛ تريد: لا أفعل، وهذا، وإن كان استطراداً؛ فهو مفيد بيان حكم مسألة ذات نظر.
وقول ابن عبد السلام: وظاهرة: أن السلامة من البدعة أمر زائد على العدالة؛ ظاهرة: أن ما هو زائد على حقيقة الماهية المعرفة لا يصح الإتيان بها في تعريفها، وإلا لما حسن إتيانه به، ويرد باتفاقهم على صحة التعريف بالخاصة، وهي زائدة على ماهية المعرف، وقوله: لكن؛ تعليله اشتراط هذه المعية بقوله: فإنها فسق يوجب كونها مضادة للعدالة؛ يستغني بذكر العدالة عنها وهم لا يليق بطبقته؛ لأن العدالة هي المعرف، والمعرف يستحيل أن يستغني به في التعريف ضرورة امتناع تعريف الشيء بنفسه، أو ما يتوقف معرفته عليه، والحق الواضح أن الضمير في (معها) عائد على المحافظة.
والروايات ورادة بذكر بعض ما هو مناف للعدالة في شهاداتها مما يجرح به الشاهد
الجزء: 9 - الصفحة: 232
ثبوت كونه شارب خمراً، أو آكل ربا، أو صاحب قيان، أو كذاباً عن غير شيء واحد.
وفي أولها: لا تجوز شهادة المغني والمغنية إذا عرفا بذلك، ولا النائحة ولا الشاعر الذي يمدح من أعطاه، ويهجوا من منعه، فشرب ما قل من الخمر جرحه، والنبيذ المسكر شرب ما يسكر منه جرحه شرب اليسير منه الذي لا يسكر ممن لا يري إباحته، ولا قلد من رأها؛ كالحنفي، وفي كونه ممن يراها، أو قلد من رآها كذلك أولاً نقل المازري، أن بشربه الحنفي؛ حد عند مالك، وسقطت شهادته مع ظاهر سماع أشهب أن الرجل المرضي في كل حالة لا تعرف له زلة شرب نبيذ التين الذي يسكر؛ ردت شهادته.
وقول ابن رشد هذا: إن شرب؛ صح منه قدراً يسكر أو لا يسكر، وهو غير متمذهب بمذهب من يبيحه، ولو شربه متمذهب بمذهب من يبيحه، وهو معلوم بالصلاح والفضل غير متهم باستباحة ما لا يحل؛ لم ترد شهادته إلا أن يسكر منه، وكذا قرأناه إن كان يسكر بضم الياء وكسر الكاف، ويحتمل إن يقرأ إن كان يسكر بفتح الياء والكاف، ولابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسي: شرب الخمر جرحه، ويعاقب عقوبة موجعة، وهو نص كتاب الرجم منها.
وفي الموازية والمجموعة: لمالك: ولو باعها عصي؛ لم ترد شهادته.
قلت: زاد الشيخ عن الكتابين: إلا أن يكون تقدم إليه ووعظ، فلم ينته، فترد شهادته، وهذه الرواية مشكلة؛ لأن بائعها إن كان يبيعها ممن يشربها حراماً، وجب رد شهادته، وإن لم يتقدم إليه، وكذا بائع النبيذ، وفي كون مكري بيته ممن يبيع به الخمر كذلك، أو لا ترد شهادته ثالثها: إلا أن يعذر بجهل لسماع عيسي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وابن القاسم في المدنية والمبسوطة قائلاً: بيع بيته ممن يبيع به الخمر؛ ككرائه منه والربا كل ما حصل لمدعي ملكه بوجه لا يحل كالثمن في المعاملات الفاسدة، ورواتب المكس والظلم، وفي الواقع جزءيات حكمها؛ لزيادة بيان والسعي فيها للغير إعانة عليها.
وقبول بعضهم شهادة بعض من تلبس بشيء لا يخفي على منصف حكمه، وتقدم
الجزء: 9 - الصفحة: 233
في المزارعة نقل قول الشيخ الفقيه أبي عبد الله بن شعيب محتجاً بقوله تعالي: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:6].
وأما الكذب؛ فنصها: مما يخرج به الشاهد قيام بينة عليه أنه كذاب في غير شيء واحد، ونقلها ابن الحاجب بأنه معروف بالكذب في غير شيء واحد.
قال ابن عبد السلام: كلامه يعطي تكرار الكذب ممن ثبت عليه ذلك، وأنه مشهور به من قوله معروف، ولم يشترط هذا القيد الأخير في المدونة، ويكفي تكرار الكذب.
قلت: قوله: لا يعطي تكرار الكذب لا وجه لتخصيصه به دون المدونة؛ لأن فيها لفظ كذاب وفعال؛ يدل على التكرار ضرورة، وقوله: إنه مشهور من قوله: معروف؛ يرد بمنعه؛ لأن مدلول مشهور أخص من معروف، ولا يلزم من صدق الأعم؛ صدق الأخص.
قوله: لم يشترط هذا في المدونة: إن أراد به كونه مشهوراً؛ فلا يضر لما بينا أن لفظ معروف لا يستلزمه، وأن أراد لفظ معروف؛ لم يشترطه في المدونة إن أراد نصاً، فمسلم وإن أراد ولا ملزوماً منع، وهذا لأن لفظ قولها: قيام البينة العادلة أنه كذاب بصيغة المبالغة؛ يدل على أنه معروف بمطلق الكذب عادة؛ لأن الغالب في العادة أنه لا يثبت بالبينة العادلة على رجل أنه كذاب في غير شيء، إلا وهو معروف، وبمطلق الكذب، فتأمله منصفاً.
قال: ولو لم يشترط التكرار؛ لكان له وجه؛ لأن التجريح بهذه المواقع كلها على كثرتها؛ إنما هو على تحصيل الصدق، وأنه لا يغتفر للشاهد من الأوصاف ما يظن ممن شرب خمراً، أو أكل ربا، أو أخل بمروءته.
قلت: ظاهر قوله: لو قيل: إن المنصوص أو المعروف؛ أنه لا يجرح بثبوت مطلق الكذب بصدوره مرة، ولا أعلم فيه نصاً، ويحصل من نقل الباجي وابن رشد في هذا الأصل خلاف.
الجزء: 9 - الصفحة: 234
قال الباجي: ما نصه: ترد شهادة من ترك واجباً كالصلاة والصوم حتى يخرج الوقت المشوع لها، وترك الجمعة جرحه في الجملة، واختلف في تركها مرة واحدة، فقال أصبغ: جرحه كالصلاة الفريضة يتركها مرة واحدة.
قلت: فاستدلاله هذا نص في أن ترك الصلاة مرة واحدة جرحه، وأنه متفق عليه، وترك الصلاة مرة واحدة؛ كالكذبة الواحدة، وهو خلاف ما يأتي.
لابن رشد: أن ترك الصلاة الواحدة من الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها بغير عذر؛ لا يوجب رد الشهادة حتى يكثر ذلك من فعله.
والقيان: جمع قينة، وهي المغنية، فجعل في المدونة كسبها جرحه، ولذا نقل عياض عن بعض فقهاء الأندلس: أنه رد شهادة صاحب له، فسأله عن سبب ذلك، فقال له: حضرتك، وقد عرض عليك شراء جارية من جاريتين وقفتا للبيع، وقيل لك: هذا مغنية، فزدت في ثمنها، وتقدمت قضية إبراهيم بن سعيد الذي ذكرها الخطيب عنه في باب الوليمة، وما نقل فيها عن مالك، فتذكره المازري: الغناء لا بآله عندنا مكروه.
وذكر محمد بن عبد الحكم: أن من أدمن على سماعه؛ ردت شهادته، فيمكن أن رأه علماً على سقوط المروءة.
وقال مالك فيها: ترد شهادة المغني والمغنية والنائحة إن عرفوا بذلك، فشرط اشتهارهم بذلك، والاشتهار بذلك يدل على الخساسة، وكذا الرقص بالطاقتين اللتان تسميان عندنا بالشيزانة.
والعناء بآله: فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور والمعزف والمزمار؛ فالظاهر عند بعض العلماء حرمته، وأطلق محمد بن عبد الحكم أن سماع العود مكروه، وقد يريد به الحرمة، ولما كان ذلك يقارن غالباً شرب الخمر ويبعث عليها؛ انسحب عليه حكم التحريم.
قال ابن عبد الحكم: سماع العود جرحه إلا أن يكون في صنيع لا شرب فيه؛ فلا يجرح، وإن كره على كل حال، وذكر ابن شعبان: الخلاف في رد شهادة قارئ القرآن بالألحان، ولعله يريد الألحان التي تفسد نص القرآن، ومخارج حروفه، وأما الترنم به،
الجزء: 9 - الصفحة: 235
وتحسين الصوت به؛ فلا، قد تسمع رسول الله صلي الله عليه وسلم قراءة أبي موسي الأشعري وقال: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود".
قلت: ذكر الشيخ قبل نقل قول ابن شعبان ما نصه: وأكره القراءة بالألحان حتى تشبه الغناء، ولا أرد شهادة من فعله.
المازري: وأما الغناء بما لا يطرب كالدف؛ فجائز.
وقال مالك: لا بأس بضرب الدف والكبر، قال بعض أصحابه: يريد في العرس.
واختلف في المزهر؛ فكرهه بعض أصحابه في غير العرس، ويلحق به ضرب الغربال؛ وهو دف يضرب من جهة واحدة، قلت: وتقدم شيء من هذا في الوليمة.
ولبس الحرير الإدمان عليه جرحه، وكذا الجلوس عليه، ووقوعه مرة واحدة من غير عذر؛ الأظهر أنه غير جرحه في مرة تؤذن بأنبس الحرير وتصرفه؛ بحيث يكون علماً على سقوط مروءته، فيكون جرحه، وأغرق بعض الشافعية بقوله: لو جلس شهود عقد النطاح على حرير؛ لم يصح النكاح، ولو بمرة واحدة.
وفي سرقتها: إن قامت ببينة على الشهود أنهم مجان؛ فذلك ما تجرح به شهادتهم.
الجوهري: المجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع.
الشطرنج: المازري كره مالك النظر إليها وإن قل، وقال: هي شر من النرد، ولكن لا ترشد شهادة اللاعب إن كان المرة بعد المرة، بل إذا أدمن على اللعب، وربما أطلق لفظ الكراهة على التحريم.
الأبهري: علق مالك رد الشهادة به على الإدمان لا المرة بعد المرة، قال الأبهري في تعليل هذا: لأنه للا يسلم الإنسان من يسير لهو.
وقد قال بعض الشعراء.
أفرد طبعك المجدود بالجد راحة ... يجم وعدله بشيء من المزح
الجزء: 9 - الصفحة: 236
ولكن إذا أعطيته المزج فليكن ... بمقدار ما يعطي الطعام من الملح
ولابن رشد في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا: ابن وهب: إن وجد الوصي الشطرنج في تركه الميت؛ نحت وجوهها، وباعها خطباً بغير أمر السلطان إن كان ممن سمع الأحاديث والعلم، وإن لم يكن كذلك، والوصي يخافه لجهالته ما ورد في ذلك؛ فلا يفعل إلا بأمره.
ابن رشد: لا خلاف بين مالك وأصحابه إن الإدمان جرحه، وقيل: الإدمان اللعب بها في العام أكثر من مرة واحدة.
قلت: عزاه عبد الحق لأحمد بن نصر.
الصقلي عن محمد بن عبد الحكم: من يكثر اللعب بها حتى يشغله عن الصلاة في جماعة طرحت شهادته وإلا جازت.
قلت: ففي كون اللعب بها دون إدمان جرحه بكونه أكثر من مرة واحدة في العام، أو بأكثر من ذلك ثالثها: هذا مع شغلها عن صلاة الجماعة.
لابن رشد عن المذهب: وظاهر لفظها المرة بعد المرة، وابن عبد الحكم، وحكاية المازري عن ابن المسيب: لا بأس باللعب بها، وعن أبي هريرة ما ظاهرة الإباحة، وعن الشافعي عن سعيد بن جبير: أنه كان يلعب بها استظهاراً، وهو أن يولي المتلاعبين ظهره، ويقول لأحدهما: ما الذي دفع صاحبك، فيقول: كذا فيقول له: أدفع كذا، خلاف قول الباجي.
ما روي عن ابن عبد الله بن مغفل، والشعبي، وعكرمة: أنهم كانوا يلعبون بالنرد، وأن الشعبي كان يلعب بالشطرنج، غير ثابت، وكذا عن ابن المسيب، وابن شهاب؛ وإنما هي أخبار يتعلق بها أهل البطالة.
وقال عبد الوهاب: يكره أن يجلس مع اللاعب بها وينظر فيها؛ لأنه يدعو إلى المشاركة فيها.
وفي العتيبة: قيل لمالك: أيسلم على اللاعب بها؟ قال: نعم.
الجزء: 9 - الصفحة: 237
والنرد المازري: ظاهر المذهب: أنه كالشطرنج.
وفيها: الشطرنج شر من النرد، والصحيح من أحاديث الباب حديث مسلم عن بريده: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من لعب بالنرد شير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه).
ابن سحنون: روي داوود: من كان يبيع النرد، والزمامير، والعيدان، والطنابير؛ لم تجز شهادته.
قلت: وكذا من يشتغل بمطلق الكيمياء.
وأفتي الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن المنتصر: بمنع إمامته.
واللعب بالحمام في سرقتها: يجرح الشاهد بثبوت لعبة بالحمام.
وفي الرجم منها: يجرح الشاهد بلعبه بالحمام إذا كان يقامر عليها.
المازري عن محمد: من فعله على قمار، أو أدمن عليه؛ ردت شهادته، فأجراه مجري الشطرنج.
قلت: روي أبو داوود بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأي رجلاً يتبع حمامة، فقال " شيطان يتبع شيطانة"، وصححه عبد الحق بالسكوت عنه، ولم يتعقبه ابن القطان عليه.
وفي سماع سحنون: كتب لسحنون: من يقبل صلة السلطان، ويأكل طعامه، وسلاطين الزمان من قد علمت أتسقط شهادته، وقد قبل جوائز السلطان من قد علمت من أئمة الهدي والعلم؟ أخذ ابن عمر جوائز الحجاج، والحجاج من قد علمت، وابن شهاب: جوائز عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء، وأخذ مالك جوائز أبي جعفر، وليس ذلك على وجه الخوف منهم؛ لأن منهم من باين السلطان بترك الأخذ
الجزء: 9 - الصفحة: 238
منهم، فلم ير منهم إلا خيراً، وذكر أن أبا جعفر أمر لمالك بثلاث صرر من الذهب دنانير، فأتبعه الرسول بها؛ فسقطت منه صرة في الزحام، فأتاه بصرتين، فسأله عن الثالثة، فأنكرها؛ فألزمه مالك فيها حتى أتاه بها بعض من وجدها، فرفعها إليه، وجميع القضاة من السلطان يرزقون ويأكلون، فكتب إليه سحنون: من قبل الجوائز من العمال المضروب على أيديهم؛ سقطت شهادته، ومن أكل من الزلة والفلتة؛ فغير مردود الشهادة؛ لأن الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لا يضر في العدالة والمدمن على الأكل منهم ساقط الشهادة، وما قلته من قبول ابن شهاب ومالك؛ ليس بحجة؛ لأن ذلك من أمير المؤمنين، وجوائر الخلفاء جائزة لا شك فيها على ما شرط مالك؛ لاجتماع الخلق على قبول العطية من الخلفاء ممن يرضي به منهم وممن لا يرضي، وجل ما يدخل بيوت الأموال مستقيم، وما يظلم فيه قليل في كثير، ولم ينكر أحد من أهل العلم أخذ العطاء من زمن معاوية إلى اليوم، والقضاة أجراء للمسلمين لهم أجرهم من بيت مال المسلمين، وما ذكر عن ابن عمر: سمعت على بن زياد ينكر ذلك عن ابن عمر ويدفعه.
ابن رشد: وله قبولها من العمال المضروب على أيديهم جرحه صحيح؛ ومعناه عندي: إذا قبلوا ذلك من العمال على الجباية الذين؛ إنما جعل لهم قبض الأموال، وتحصيلها دون وضعها في وجوها بالاجتهاد.
وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة، أو خليفته قبض الأموال، وصرفها في وجوهها باجتهادهم؛ كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمور فيها إليهم؛ فجوائزهم كجوائز الخلفاء، فإن صح أخذ ابن عمر جوائز الحجاج، فهذا وجهه.
وأما القضاة والأجناد والحكام، فهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم الذي فوض إليهم النظر في ذلك، وضرب على أيديهم فيما سواه.
وروي عن مالك أنه قال: لا بأس بجوائز الخلفاء، فأما جوائز العمال؛ ففيها شيء يريد الذي ظاهر أمرهم أنهم مفوض إليهم من قبل خلفائهم، ولم يتحقق ذلك، ويريد أن الأخذ منهم مكروه، ولو تحقق التفويض إليهم، لم يكن لكراهة أخذ جوائزهم وجه، كما أنه لو تحقق أنه لم يؤذن لهم في إعطاء المال باجتهادهم لمن لم يعمل عملاً لم يكن
الجزء: 9 - الصفحة: 239
لتسويغ أخذ جوائزهم وجه، فإن كان المجبي حلالاً، وعدل في القسم، فاتفق أهل العلم على جواز أخذ الجائزة منه، وإن لم يعدل في قسمه؛ فالأكثر على جواز أخذها منه، وكرهه بعضهم، وأرشد المجبي حلال وحرام؛ فالأكثر على كراهة الأخذ منه، ومنهم من أجازه، وإن كان المجبي حراماً، فمنهم من حرم أخذ الجائزة، والرزق على عمل الأعمال منه، وروي هذا عن مالك: ومنهم من أجازه، ومنهم من كرهه، وإن كان الغالب عليه الحرام؛ فله حكم الحرام، وإن كان الغالب عليه الحلال؛ فله حكم الحلال، وفيه كراهة ضعيفة، وإن كان الخليفة يجبي الحلال والحرام، فمن أخذ مما يعلم أنه حلال؛ فله حكم المال الحلال، ومن أخذ مما يعلم أنه حرام، فله حكم المجبي الحرام.
وسمع عيسي ابن القاسم: الفرار من الزحف من الضعف جرحه، ومن علمت توبته منه وظهرت؛ قبلت شهادته وإلا ردت، والضعف في العدد كما قال تعالي:
ابن رشد: هو كبيرة، وقال بعض الناس: ليس بكبيرة.
قلت: تحقق تبوته عسير؛ لأنها لا تعرف إلا بتكرار جهاده، وعدم فراره، وأنظر هل الفرار من الضعف جرحه مطلقاً، أو ما لم يكن ممن صار العدو في حقه أكثر من الضعف بفرار من فر من الضعف؟ وهذا هو المظنون اعتقاده في بعض من فر في هزيمة الأمير أبي الحسن المريني في وقعة طريف من الفقهاء الذين كانوا معه كشيخنا أبي عبد الله السطي.
وفي كون قطع الدنانير والدراهم جرحه ثالثها: ما لم يعذر بجهل، لابن رشد عن أصبغ عن ابن القاسم.
وظاهر قول سحنون وابن القاسم في الموازية، وهذا إذا قطعها وهي وازنة، فردها ناقصة في البلد الذي لا تجوز فيه ناقصة، وهي تجري فيه عدداً بغير وزن على أن ينفقها، وبين نقصها، ولا يغش بها، وقطعها وردها ناقصة يغش بها، جرحه اتفاقاً، وقطعها وهي مقطوعة أو غير مقطوعة، وهي لا تجوز بأعيانها.
والتبايع بالميزان لا خلاف أنه ليس بجرحه، وإن قطعها عالماً بمكروه ذلك،
الجزء: 9 - الصفحة: 240
ويحتمل أن يكون كلام سحنون على أن قطع الدنانير والدراهم جرحه ثالثها: ما لم يعذر بجهل، لابن رشد عن أصبغ عن ابن القاسم.
وظاهر قول سحنون وابن القاسم في الموازية: وهذا إذا قطعها وهي وازنة، فردها ناقصة في البلد الذي لا تجوز فيه ناقصة، وهي تجزئ فيه المقطوعة التي ليست بمقطوعة، وهي تجري في الميزان، وتكلم ابن القاسم في رواية أصبغ عنه على قطع الدنانير التي تجوز بأعيانها، وردها ناقصة يغش بها، وتكلم في الموازية على أنه فعل ذلك وبين نقصها، فلم يغش بها، فلا يكون ذلك اختلافاً، ومضي القول فيما يجوز من قطع الدنانير والدراهم، وما لا يجوز في سماع ابن القاسم من الصرف.
قلت: بسببه سئل مالك عمن قدم بلداً تجوز فيه الدراهم النقص، ومعه دراهم كبار أيقطعها؟ قال: لا، يكره ذلك.
ابن رشد: خوف أن يذهب بها لبلد لا تجوزا لنقص فيه، فيغش بها؛ فهو أشد كراهة من قطع الدنانير المقطوعة، وأجاز في سماع أشهب قطع الدنانير المقطوعة عند الحاجة لذلك، وأجاز ابن القاسم في سماع أصبغ قطعها إجازة مطلقاً إذا لم تكن صحاحاً مزورة، وأما قطع الوازنة حيث لا تجوز الناقصة، فلا يحمل.
وفي نوازل سحنون: شهادة المنجم المدعي أنه يعرف القضاء لا تجوز، وهذه جرحه بينة.
ابن رشد: معناه: أنه يدعي أنه يعرف من ناحية نظره في النجوم ما قضي الله به وقدره قبل أن يكون، والقول بهذا ضلال لا كفر؛ وهو جرحه ببينة.
وسمع ابن القاسم في كتاب السلطان: من ينظر في النجوم، فيقول: الشمس تكسف غداً، والرجل يقدم كذا، وشبهه يزجر، فإن لم ينته؛ أدب، وإني أري الذين يعالجون المجانين زاعمين أنهم يعالجون بالقرآن قد كذبوا لو علموا ذلك لعلمتهم الأنبياء، قد صنع لرسول الله صلي الله عليه وسلم سم، فلم يعرفه حتى أخبرته الشاة، وأرى هذا
الجزء: 9 - الصفحة: 241
ينظر في الغيب، وأنها لمن حبائل الشيطان.
ابن رشد: ليس قوله: الشمس تكسف غداً، أو القمر ليلة كذا من جهة النظر في النجوم، وعلم الحساب بمنزلة قوله: من هذا الوجه فلان يقدم غداً في جميع الوجوه؛ لأن الشمس والقمر يجريان بأمر الله في أفلاكهما من برج إلى برج على تقدير لا يختلف يبعد فيه القمر عن الشمس، كلما بعد زاد ضوءه إلى إن ينتهي في البعد ليلة أربعة عشر، فتكمل استدارته، وضوءه لمقابلة الشمس، ثم يأخذه في القرب؛ كلما قرب؛ نقص ضوءه إلى أن ينتهي في القرب ليلة أربعة عشر، فإذا قدر الله تعالي على ما أحكمه من أمره، وقدره من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس في النهار فيما بين الأبصار والشمس ستر جرمه عنا، ضوء الشمس كله إن كان مقابلها أو بعضها، إن كان منحرفاً عنها؛ فكان ذلك كسوف الشمس آية من آيات الله، فليس في معرفته ذلك بما ذكرناه من جهة النجوم، وطريق الحساب ادعاء علم غيب، ولا ضلالة بوجه؛ لكن يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وفي الإنذار به ضرر في الدين؛ لأن الجاهل إذا سمعه؛ ظنه من علم الغيب، فيزجر عن ذلك ناقلة، ويؤدب عليه كما قال.
قلت في كلامه تناف؛ لأنه صرح أولاً وثانياً بأن الكسوف من الأمور التي نصب الله تعالي على وجودها سبباً حسياً، فيعلم وجود ذلك الدليل بالحساب المستند لمعرفة حركة النيرين، وهذا أمر واضح، ولفظ قوله: فإذا قدر الله تعالي إلى قوله: آية من آيات الله؛ يقتضي أنه كنزول زلزلة أو صاعقة، ونحوها من الأمور التي لم ينصب عليها دليل، قال: واختلف في المنجم يقضي بتنجيمه أنه يعلم وقت قدوم فلان، أو نزول المطر، وما في الأرحام، أو ما يستسر به الناس والأخبار، وحادث الفتن والأهوال، وشبهه من المغيبات، فقيل ذلك: كفر جيب به قتله دون استتابة، وقيل: يستتاب إن تاب، وإلا قتل، قاله أشهب، وقيل: يزجر، وقيل: يؤدب، وهو له في هذا السماع، والذي أقواله إن هذا الخلاف؛ إنما برغم المنجمين النجوم، واختلاف طلوعها وغروبها هي الفاعلة لذلك كله، وكان مستتراً بذلك، فأسترته بيته؛ قتل بل استتابة؛ لأنه كافر زنديق، وإن كلنا معلناً بذلك غير مستتر به يظهره، ويحاج عليه؛ أستتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 242
أقر أن النجوم واختلاف طلوعها وغروبها لا تأثير لها، وأن الله هو الفاعل لذلك إلا أنه جعلها أدلة؛ فهذا يزجر ويؤدب أبداً حتى يكف، ويرجع عن اعتقاده ويتوب عنه؛ لأنها بدعة يجرح بها، وتسقط إماماته وشهادته، ولا يحل تصديقه له في شيء من ذلك، وأني يصح في قلب تصديقه مع قوله تعالي: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:26]
قلت: بعضهم: بعضهم يجيب عن هذا بأن الغيب ما لم ينصب عليه دليل، ويزعمون أن ما يقولونه هو مما نصب عليه دليل، وهو النصبة الخاصة، وغير ذلك مما تقرر في كتبهم.
وفي نوازل سحنون عن أبن وهب: تارك الجمعة بقرية تجمع فيها دون مرض ولا علة؛ لا تجوز شهادته.
سحنون: إن تركها ثلاثاً متوالياً للحديث.
أصبغ عن ابن القاسم: ترد شهادته إلا أن يكون ممن لا يتهم على الدين؛ لبروزه في الصلاح وعلمه.
اصبغ: ترد شهادته بتركه إياها مرة واحدة دون عذر؛ لأنها فريضة كفريضة الصلاة لوقتها يتركها مرة واحدة لوقتها عمداً، وبلغني عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يأمر إذا فرغ من الجمعة أن من وجد لم يشهدها؛ ربط في عمود وعوقب.
ابن رشد: قول سحنون أظهر من قول أصبغ، ومعني قول سحنون: وإن لم يعلم له عذر، وليس معلوماً بالصلاح، والفضل على ما قاله ابن القاسم، وليس قولها بخلاف لابن وهب وإنما كان قول سحنون أظهر؛ لأن المسلم لا يسلم من مواقعه الذنوب، فلا يجرح بها دون الكبائر من الذنوب التي هي صغائر إلا أن تكثر، ولما قال صلي الله عليه وسلم" من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر ولا علة؛ طبع الله على قلبه بطابع
الجزء: 9 - الصفحة: 243
النفاق"؛ دل على أن ما دون الثلاث بخلافه في عظم الإثم، فوجب أن يلحق بالصغائر، وكذا في ترك صلاة واحدة من الصلوات حتى خرج وقتها لغير عذر؛ لا ترد شهادته حتى يكثر ذلك منه.
وفي نوازل سحنون: من قوي على الحج لا عذر له، في تركه إياه جرحه إن جاوز الستين، ولو كان بالأندلس لا قبل ذلك.
ابن رشد: الذي أقوله: أنه ليس بجرحه إلا بعد السبعين.
قلت: وله في أجوبته: سقوط وجوبه على أهل الأندلس، وفي نوازله: مطل الغني جرحه؛ لأنه إذاية للمسلم في ماله.
وفي نوازل: من وطي جارية قبل أن يستبرئها؛ أدب أدباً موجعاً مع طرح شهادته إن كان عالماً بمكروه ذلك، فإن كانت لم تبلغ المحيض ومثلها يوطأ؛ فكذلك.
ابن رشد: إن كان الحمل مأموناً عليها؛ لم تسقط به شهادته؛ لرواية على بن زياد، إنه لاستبراء فيها، ومعني قول سحنون؛ إنه لا يؤمن حملها، وفي نوازل: خروج الفقيه الفاضل الصالح إلى الصيد متنزهاً؛ ليس بجرحه.
ابن رشد: لأنه مكروه لا حرام، فتركه أحسن.
قلت: وتقدم ذكرنا نقل بعض شيوخنا عن بعض القضاة من شيوخه: أنه أسقط شهادة بعض شهود الجزيرة القبلية مع قائدها في الصيد، فلعله، لأن الجمع الذي خرج معه لا يجوز صحبته طوعاً.
وفي الواضحة عن الأخوين، وابن عبد الحكم، وأصبغ: من يعرف أنه لا يقيم صلبه في رطوعه دون عذر؛ لم تجز شهادته.
الشيخ عن ابن كنانة: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود دون سهو ولا عذر ولو في النفل؛ لم تجز شهادته.
قلت: الأظهر أن علم إقامته في الفرض؛ جازت شهادته قال: وكذا من لا يحكم
الجزء: 9 - الصفحة: 244
الوضوء، ولابن سحنون عنه، وكذا من هو من أهل الصلاة بالتيمم لسفر أو مرض وهو لا يعرفه، وكذا من لا يعرف قدر نصاب المال، وهو ممن تجب عليه زكاته.
قلت: إلا أن يكون ممن ماله كثير لا يفتقر في زكاته لتحقيق قدر النصاب؛ لأنه لا يتوقف إخراجه على معرفة قدره، وهذا في المال العين لا في الماشية والزرع.
ابن حبيب عن الأخوين: الأغلف الذي لا عذر له في الاختتان؛ لا تجوز شهادته، ولو جاءه الإسلام وهو كبير، اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة.
وفي الزاهي: من أدي زكاته؛ فليس ببخيل، فمن بخل بالزائد على الزكاة، لم ترد بذلك شهادته.
وقال بعض أصحابنا: ترد بذلك شهادته، وإن كان مرضي الحال في غير ذلك؛ لأنه ساقط المروءة، ومن ترك المروءة؛ لم تقبل شهادته.
والمروءة: ما سمح به من غير أن يجب عليه: وهو مما أمر الله به، قال الله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:90]، فالعدل: الحق، والإحسان: ما أضيف إليه، والروايات والأقوال واضحة بأن ترك المروءة جرحه، لأن تركها يدل على عدم المحافظة الدينية، وهي لازم العدالة، وتقرر بأنهها مسببة غالباً عن اتباع الشهوات.
المازري: لأن من لا يبالي بسقوط منزلته، ودناءة همته؛ فهو ناقص العقل، ونقصه يوجب عدم الثقة به.
باب في المروءة
وفيها: والمروءة: هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفاً، كشرط المليء الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافياً، وعلى ترك ما فعله من مباح؛ يوجب ذمة عرفاً؛ كالأكل عندنا في السوق، وفي حانوت الطباخ لغير الغريب.
الجزء: 9 - الصفحة: 245
ابن محرز: لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس، والدباغ، والحجام، والحائك إلا من رضيها اختياراً ممن لا تليق به؛ لأنها تدل على خبل في عقله، وشهادة الصبيان الذكور في جراحهم المذهب صحتها.
ابن حارث اتفاقاً.
المازري: هو معروف مذهب مالك وأصحابه إلا ابن عبد الحكم فإن منعها.
ابن زرقون: قال مطرف ومحمد بن صدقة في المبسوطة: لا تجوز شهادة الصبيان بحال، ونحوه لابن عبد الحكم.
قلت: لم يعزه ابن رشد إلا لمطرف.
اللخمي: وشرط القاضي أن يكون ممن يعقل الشهادة.
قلت: كقولها: وتجوز وصية ابن عشر سنين وأقل ممن يقاربها.
اللخمي: في إلحاق النساء بهم فيما يقع بينهن من الجراح في المآتم والعرس والحمام، نقل الجلاب في ذلك قولين، ولو لم يكونا عدلين؛ لأنه موضع لا يحضره العدول، وأري أن يقسم معها في القتل، وتحلف إن جرحت وتقتص، وإن عدلتا؛ أقتص لها في القتل دون قسامة، واقتصت في الجرح بغير يمين، وأجاز محمد في المرأة
الجزء: 9 - الصفحة: 246
تدعي على زوجها أنه بني بها، وأرخي الستر، شهادة امرأتين ويمنيها، لأنه مما لا يطلع عليه إلا النساء، وقيل في هذا الأصل: لا يمين عليها.
قلت: لفظ الجلاب: لا تجزئ شهادة النساء بعضهن على بعض؛ حيث لا يحضرن الرجال كالحمام والعرس والمآتم.
وقال بعض أصحابنا: يجوز في ذلك؛ فظاهرة: أن معروف المذهب سقوطها.
وقال المازري في قبول شهادتهن في ذلك روايتان، وظاهر كلام اللخمي والمازري: الاتفاق على شرط حرييهم.
ابن رشد: في سماع أشهب: أما الصبيان المماليك؛ فلا أحفظ في المذهب خلافاً أن شهادتهم لا تجوز، وكذا صبيان أهل الذمة.
ابن زرقون: حكي القاضي في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا: أن شهادة العبد منهم جائزة، ويشترط تعددهم فيها؛ لا تجوز شهادة واحد منهم.
اللخمي: إن شهد واحد على قتل مجهز، فعلى قول مالك؛ لا يقسم معه، ولابن نافع في كتاب ابن مزين: يقسم معه.
ولابن رشد في سماع أشهب: لا تجوز شهادة الواحد منهم على قول ابن القاسم وروايته، وقيل: تجوز شهادته مع يمين المشهود له، قيل: إذا بلغ، وقيل: يحلف والده عنه، ويستحق ما شهد له به، قاله ابن الماجشون، وابن نافع في المبسوطة.
اللخمي: اختلف إن اختلفت شهادتهم، ولم يخرجوا القتيل عنهم، شهد اثنان أن هذين قتلاه، وقال المشهود عليه: بل أنتما قتلتماه؛ فقيل: تسقطان، وقيل: الدية على عاقلة الأربعة، وفي هذا الأصل في الرجال اختلاف لو اختلف قاتل بآخر، وقال كل منهما لصاحبة: أنت القاتل، قيل: لا شيء عليهما، وقيل: الدية على عاقتلهما، والأول أحسن؛ لأن إحدى العاقلتين مظلومة قطعاً.
ولعبد الملك: إن شهد صبيان أن صبياً قتله، وشهد آخران أن دابة أصابته؛ قضي بشهادة القتل، والصحيح سقوطها باختلافهم، وإن اختلفت شهادتهم بعد أن قيدت أخذ بأول قولهم، وإن بلغوا وعدلوا وشكوا؛ أخذ بأول قولهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 247
الصقلي: روى ابن وهب في ستة صبيان لعبوا في البحر، فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهم غرقاه، والاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه: أن العقل على خمستهم، محمد: هذا غلط، ولا تجوز، وقاله ابن حبيب عن مطرف قال: ولو كانوا كباراً، فالدية في أموالهم.
ولابن الماجشون في العتيبة: لو شهد صبيان بقتل صبي صبياً، وآخران بأن دابة أصابته، قضي بشهادة الصبيين على القتل.
بعض فقهائها: تسقط لاختلافهم.
أصبغ: إن شهد صبيان بقتل صبي صبياً الساعة، ورجلان بأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي، فمات؛ قبلت شهادة الصبيين دون الكبيرين.
ابن سحنون: أنكر سحنون قول أصبغ، وقال: قول أصحابنا شهادة الكبيرين أحق، بعض فقهائنا هذا أصوب؛ لأن حضور الكبار يسقط شهادة الصبيان أثبتت أو نفت، وشرط ابن الحاجب في قبول شهادتهم كونها قبل تفرقهم.
ابن عبد السلام: هذا مراد الفقهاء بقولهم: ما لم يخببوا، فإن افتراقهم مظنة مخالطتهم من يلقنهم ما تبطل به شهادتهم.
قلت: مقتضي قولها: تجوز شهادة الصبيان ما لم يفترقوا، أو يخببوا مع اختصارها أبو سعيد كذلك؛ إنهما غير مترادفين، وكذا اللفظ اللخمي: قبل تفرقهم وتخببهم، ولفظ الجلاب: إذا شهدوا قبل أن يفترقوا ويخببوا، فإن افترقوا وأمكن تخبيبهم؛ لم تقبل شهادتهم إلا أن يشهد الكبار على شهادتهم قبل افتراقهم، ونحوه لفظ ابن فتوح، وقال: معني يخببوا؛ أي: يعلموا.
الباجي: التخبيب: أن يدخل بينهم كبير على وجه يمكنه أن يلقنهم، وسمع أشهب: لا تجوز شهادة الإناث منهم.
ابن رشد: قيل: هي جائزة في الجراح دون القتل وفي القتل؛ وهو قول المخرومي فيها على أحد التأويلين، في قوله: قيل: وحدهن دون صبي؛ كامرأتين دون رجل فيما لا يحضره الرجال؛ وهو قول ابن الماجشون، وقيل: يشرط أن يكون معها صبي؛ وهو
الجزء: 9 - الصفحة: 248
قول مطرف وسحنون في نوازله.
قلت: ولابن حارث: روي ابن حبيب: أن مطرفاً يجيز شهادة الإناث الصبيان، كما يجيز شهادة ذكورهم.
المازري: منع مالك وأشهب شهادة إناثهم، وأجازها المغيرة مطلقاً في القتل والجراح.
وعن مالك، وبعض أصحابه: تقبل مضافة لشهادة صبي ذكر لا دونه.
ولابن زروقون عن التونسي: ظاهر قول ابن القاسم، وقول عبد الملك: أن شهادتهن وحدهن جائزة، وهو الواجب إذا كانت العادة أن الصبايا لا يختلطن بالصبيان في لعبهن، ولعل سحنوناً ومطرفاً؛ إنما منع ذلك؛ لأن العادة انفرادهن عن الصبيان، وفي قبول شهادة الصبيان في القتل بينهم قول ابن القاسم مع روايته، وقول أشهب فيها.
وفي نوازل سحنون: اختلف أصحابنا والروايات في قبولها في القتل، والذي أخذ به جوازها حيث تجوز منهم كباراً.
الباجي: إذا جوزت في القتل، فقال غير واحد من أصحاب مالك: لا تجوز فيه حتى يشهدوا العدول على روية البدن مقتولاً.
ابن رشد: رواه ابن القاسم عن مالك، وقاله غير واحد من أصحابه، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في شهادة المرأتين في الاستهلال، وقتل الخطأ؛ لضعف شهادة الصبيان عندي.
الباجي: إذا شهد على شهادتهم قبل افتراقهم؛ فلا عبرة برجوعهم عن الشهادة قاله ابن وهب.
وقال سحنون ومحمد: إلا أن يرجعوا قبل الحكم، وبعد أن صاروا رجالاً، فتبطل شهادتهم، كما لو شهد رجلان أن ما شهد به الصبيان باطل، وقاله ابن الماجشون في المجموعة.
الباجي عن محمد: لا يختلف أنه لا ينظر إلى عدالتهم أو جرحتهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 249
قلت: الأظهر اعتبار منع الكذب قبول شهادة من عرف به منهم.
وفي لغو مانعية العداوة والقرابة بينهم: ثالثها: العداوة، وتعتبر القرابة لابن زرقون عن محمد وابن القاسم وعبد الملك.
ابن رشد: لا تجوز لكبير على كبير، وفي إجازتهم لكبير على صغير، وعكسه قولاً ابن الماجشون وابن القاسم.
الباجي عن محمد: إن كان معهم كبير مشهود عليه أوله؛ لم تجز شهادتهم إلا كبيراً مقتولاً، لم يبق حتى يعلمهم؛ يريد: قتل قعصاً.
ابن زرقون في المدونة: لا تجوز شهادتهم لكبير على صغير أو كبير.
زاد فيها في الديات: في القتل والجراح، وظاهرة خلاف قول محمد: إلا كبيراً مقتولاً، وعزا قول ابن الماجشون له مع مطرف وروايتهما.
أبو عمر عن أبن حبيب: لا نعلم خلافاً أن شهادة الصبيان لغو حيث يحضر الكبار والعدول، وقاله سحنون، وعنه أجازتها.
الباجي: ولو كان الكبار نساء؛ لأنهم يجزن في الخطأ وعمد الصبي؛ كالخطأ، قاله سحنون.
قلت: هو نصها مع كل المذهب، وهل تراعي عدالة الكبير؟
قال مالك: إن شهد صبيان مع كبير؛ لم تجز شهادتهما.
الأخوان: إن كان عدلاً، وإن مسخوطاً، أو عبداً؛ جازت، وقاله أصبغ، ولابن سحنون عنه: إن كان ظاهر السفة والجرحه، جازت، ثم وقف عن إجازتها.
وروي ابن سحنون وأشهب: لا يقبل صبي أو صبيان، ورجل على صبي، وليأت برجل آخر.
وفي صحة شهادة من لم يكن منهم معهم في لعبهم، نقل ابن زرقون عن ابن مزين: لا أبالي كان الصبيان الشاهدان في جماعة مع الجارح أو المجروح، أو في جماعة ليسوا معهم، وعن مالك: أنها تجوز فيما بينهم.
أبو عمر: أجمعوا أن يعدل، ويعلم، ويجرح بعلمه، وأنه إن علم أن ما شهد به
الجزء: 9 - الصفحة: 250
الشهود على غير ما شهدوا إنه ينفذ علمه، ويرد شهادتهم بعلمه، قالوا: لأنه لو لم يحكم بعلمه لتسلسل، وتعقب بقطعة بمشهور العدالة، وبأنه لا يلزم في التجريح لصحته بمشهور العدالة، ويجاب بأن كونه بمشهور العدالة؛ هو بعض صور كونه بعلمه، وجواب ابن عبد السلام بأن مرادهم هنا بالتسلسل؛ التسلسل الظني لا العقلي، والتسلسل الظني لا يترفع بصورة نادرة يرد بأن هذه الصورة النادرة وجودها يرفع ندورها؛ لأنها بها يوجد غيرها، ثم يوجد بهما صور كثيرة يرتفع بها ندورها، وبأن عدولهم عن عبارة التعليل بأن يؤدي إلى عسر إثبات العلم بالعدالة والجرح إلى عبارة التسلسل قرينة في أنه المعهود إطلاقه في أصول الفقه وهي العقلي؛ ولذا قال المازري في تقرير التسلسل: وهذا كما يقول أهل الأصول في استحالة حوادث لا أول لها.
وللصقلي في أواخر كتاب الأقضية عن سحنون: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة، وأنا أعلم خلاف ما شهدا به؛ لم يجز أن أحكم بشهادتهما، ولا أن أردهما لعدالتهما، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي فوقي، وأشهد بما علمت، وغيري بما علم، ولو شهد شاهدان ليسا بعدلين على ما أعلم أنه حق؛ لم أقض بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكمي بعد أن صحت عندي عدالتهما، وإنها صح عندي جرحتهما، وقال نحوه ابن الماجشون وبان كنانة، فقتله لابن عبد السلام نقله هنا، وهو من فصل حكم الحاكم بعلمه في غير التعديل والتجريح.
وذكر الأيباري في كتاب الأخبار من شرح البرهان له ما نصه: لو شهد العدول عند الحاكم بأمر يعلم خلافه، هل يحرم عليه الحكم أو يجب؟ ذهب مالك إلى أنه يجب عليه في المشهور عنه إذا لم يعلم تعمدهم للكذب؛ لأنه فسق، وهو يحكم في التجريح بعلمه، وقال غيره: لا يحكم بما علم خلافه، وهو يحكم في التجريح في غيابه.
قال بعض محدثي شيوخ بلدنا الرحالين فيمن أدرك من شيوخ المشرق: منهم الأبياري على بن إسماعيل الصنهاجي، ثم التلكاتي من إبيار قرية بين مصر والإسكندرية تفقه على أبي الطاهر السلفي، وهو من أكابر أصحابه، كان فقيهاً مالكياً حافظاً بالمذهب، وانتهت إليه رئاسة الفقه والحديث، ورحل الناس إليه، له تصانيف
الجزء: 9 - الصفحة: 251
حسان منها: شرح التهذيب، ومنها: شرح البرهان كان ديناً فاضلاً مستجب الدعوة.
المتيطي: لا يقبل القاضي فيمن يعلم جرحته تعديلاً ممن شهد به وقال أبو عمر في كافيه عن محمد: أن يقبل فيه التعديل، وإن علم خلاف ذلك؛ لأنه إن رد الشهادة بتعديله؛ قضي بعلمه؛ وهو لا يقضي بعلمه.
ابن حارث: روي ابن عبدوس: من عرفه القاضي بجرحه، لا يقبل فيه تزكية.
أبن القاسم: إن كانت معرفته جرحته حديثة، وإن قدمت قبلها فيه.
ابن حارث: قديم معرفته عدالته، وكذا قديم معرفته جرحته، إلا أن يعرف جرحته قديمة بأمر باطن، وزكي بأمر ظاهر، فتزكيته لغو.
وفي التهذيب: ومن الناس من لا يسأل عنه، ولا تطلب فيه تزكية؛ لشهرة عدالته عند القاضي والناس.
ولفظها في المدونة: قال مالك: من الناس من لا يسأل عنه، ولا تطلب منه التزكية؛ لعدالتهم عند القاضي.
وفي النوادر: قال محمد بن عبد الحكم: من الناس من لا يحتاج أن يسأل عنه؛ لاشتهار عدالته؛ ومنهم من لا يسأل عنه؛ لشهرته بغير العدالة؛ إنما يكشف عما أشكال عليه، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاض المدينة أو أعمالها، قال: أما الاسم، فاسم عدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم، فأعجب ذلك مشايخنا.
قلت: وذكر لي بعض شيوخي عن بعض شيوخه، أن الشيخ الفقيه أبا زكريا البرقي فقيه المهدية شهد في مسيرة للحج عند قاضي الإسكندرية، فلما قرأ أسمه قال: أنت البرقي فقيه المهدية، فقيل له: نعم، فكلف المشهود له البينة على أنه هو، وحكم له بشهادته دون طلب تعديله.
المتيطي: للباجي في وثائقه: التعديل يجوز في كل شيء الدماء وغيرها، وقيل: لا تكون عدالة في الدماء، قاله أحمد بن عبد الملك، ولا يقضي به.
قلت: تقدم نقله، ووهم من نقله بزيادة الحدود، وسمع يحيي سؤال ابن القاسم عن الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة، ولا بحال فاسدة، وهو يشهد الصلوات في
الجزء: 9 - الصفحة: 252
المساجد جوابه: بأنه لا ينبغي له أن يقبل إلا ثابت العدالة.
ابن رشد: قوله: لا يقبل من لا يعرفه بعدالة ولا سخطه، وإن كان ظاهر الصلاح بشهود الصلوات في المساجد، وبأنه لا يعرفه بأمر قبيح هو قول جمهور أهل العلم، ومذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه.
وأجاز ابن حبيب شهادة من ظاهرة العدالة بالتوسم فيما يقع في الأسفار بين المسافرين من المعاملات، والتجارات، والأكرية بينهم وبين المكارين مراعاة لقول الحسن، والليث بن سعد، لقول عمر رضي الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حداً، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، وحكي ذلك عن مالك وأصحابه، وهو خلاف ظاهر قول ابن القاسم وروايته فيها، إذا لم يجز شهادة الغرباء دون تعرف عدالتهم إلا أنه رخص في تعديلهم، فأجاز فيهم التعديل عل التعديل.
وعن يحيي بن عمر: إجازة شهادة من لم تعرف عدالته في الشيء اليسير، وهو استحسان، مراعاة لقول الحسن والليث، والكافر قرب إسلامه في قبول شهادته مطلقاً، وبعد اختيار حاله، ثالثها إن كانت صفاته قبل إسلامه، لم ينقص منها غير إسلامه؛ لظاهر نقل المازري عن المذهب مع مختصر الشيخ عن سحنون، وبعض تعاليق أبي عمران.
وفي سرقتها: لو حد نصراني في قذف، ثم أسلم بالقرب؛ قبلت شهادته، قلت: هذا يرد القول باختبار حالة، وقول أبي عمران.
وفي الزاهي لابن شعبان: قيل: شهادة الكافر قبل إسلامه مقبولة يجب الإسلام ما قبله، وكذا الصبي قرب احتلامه بخلاف العبد حين يعتق؛ ينظر في حاله قبل عتقه.
وقول ابن الحاجب: وإنما يجب عليها لاستزكاء مهماً شك تفسيره.
ابن عبد السلام: بالشك الأعم من الظن الصادق عليه، وعلى قسيم الشك الأخص حسن، من حيث حمله على أصل المذهب، كما تقدم في سماع عيسي، وتبع ابن الحاجب فيه ابن شاس، وتبع ابن شاس نص وجيز الغزالي، ولفظهما: وإنما يجب عليه
الجزء: 9 - الصفحة: 253
الاستزكاء مهما شك، وإن سكت الخصم إلا أن يقر بعدالته، وسياق كلامهما يدل على أن إقرارهما بعدالته؛ إنما هو بعد أداء شهادته لا قبلها.
وعبر ابن الحاجب عن ذلك بقوله: ولو أقر الخصم بالعدالة؛ حكم عليه خاصة، ولا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب، ونقله ابن شاس، وابن الحاجب عن المذهب؛ يقتضي أنه نص فيه، فالله أعلم هل وقعا عليه في المذهب نصاً، أو إنما وجداه للغزالي، فظناً أنه جار على أصول المذهب؟ وهذا العذر لا يبيح إضافته للمذهب نصاً، ولهما مثل هذا في مواضع كثيرة، وفي جرية على أصل المذهب نظراً؛ لأنه إقرار متناقض، فيجب طرحه؛ لبطلانه بتناقضه، وتقريره أن الخصم إن أقر بحقيه ما شهد به؛ صار موجب الحكم عليه إقراراً، وقد فرضناه بينه، هذا خلف، وإن نفي حقيه ما شهد به؛ كان حاكماً عليه بالكذب عمداً أو تعقلاً، وكلاهما منافي للعدالة المعتبرة في الحكم.
فإن قلت: قد نص عليه أو عمر في آداب القضاة من كافية قال ما نصه: إن شهد عند القاضي شهود لم يعرفهم، واعترف المشهود عليه بعدالتهم؛ قضي بهم عليه إذا لم يكذبهم، ولا يقضي بهم على غيره إلا بتعديل.
قلت: قول أبي عمر: إذا لم يكذبهم، تصير المسألة إلى باب الإقرار لا الحكم بالبينة.
وقال المتيطي: إثر قول أبي عمر قال أصبغ: إذا رضي الخصمان بشهادة من لا يعرفه القاضي، لم يحكم بها.
ولابن عات في الاستغناء عن ابن كنانة: إن شهد من عدله رجل على من عدله؛ لم يكلف تعديله، لأنه رضي بشهادته بتعديله، وزيادة أبي عمر لم يكذبهم لم يذكرها ابن الحاجب.
وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في التزام أحد الخصمين شهادة فلان: أنه إن قاله تبكيتاً لخصمه، وإبراء للشاهد من الكذب؛ لم يلزمه ما يشهد به عليه اتفاقاً، وإلا ففي لزومه له فيما تحققه كدين عليه وما لا تحققه كدين على أبيه، أو حدود أرض ثالثها: في هذا المطرف وابن القاسم، مع ابن الماجشون، وأصبغ، وعيسي بن دينار، وابن كنانة مع ابن دينار، واختيار سحنون، كان الشاهد عدلاً أو مسخوطاً أو نصرانياً،
الجزء: 9 - الصفحة: 254
وقيل: إلا النصراني، وإن لم يبين كونه تبكيتًا؛ فهو فيما نازعه فيه من قول أو فعل على التبكيت، وفيما لا علم له به من حدود أرض، أو دين على أبيه على عدم التبكيت.
وفي نوازل سَحنون: ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته؛ قد تجوز شهادة الرجل، ولا تجوز عدالته، لا يجوز في التزكية إلا المبرر النافذ الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستنزل في رأيه، ولا ينبغي لأحد أن يزكي رجلًا، إلا رجلًا قد خالطه في الأخذ والعطاء، وسافر معه ورافقه.
قال مُطَرِّف بن عبد الله: لا يجوز في الجرحة والتعديل إلا العدل المنقطع، وليس كل من جازت شهادته؛ يجوز في الجرحة.
ابن رُشْد: هذا مما لا خلاف فيه، ومعنى قول مُطَرِّف؛ إنما هو إذا لم ينص على الجرحة ما هي، وإنما قال: أشهد أنه ليس من أهل الرضا والعدالة، ولو شهد عليه أنه شارب الخمر، أو صاحب قيان، أو عدو للمشهود عليه، وشبه لك؛ جازت شهادته بذلك إذا كان جائز الشهادة، وإن لم يكن مبرزا في العدالة وهو نصه ونص أَصْبَغ في الواضحة، ولما ذكر المتيطي قول سَحنون: إن شهود التعديل لا يكونوا كشهود سائر الحقوق، قال عليه أكثر أصحاب مالك، وبه العمل.
قال: وعنه أن شهود التزكية كشهود سائر الحقوق.
اللخمي: لا يقبل التعديل بيسير المخالطة؛ لأنه لا يدرك إلا بطولها؛ لأن الإنسان يزين ظاهره، ويكتم عيبه.
قال محمد: لا يقبل ذلك حتى تطول المخالطة، فليعلم باطنه كما يعلم ظاهره؛ يريد يعلم باطنه في غالب الأمر لا أنه يقطع بذلك.
قُلتُ: هذا مع متقدم قول سَحنون: لا ينبغي أن يزكي إلا من خالطه في الأخذ والإعطاء، وسافر معه ورافقه؛ كالنافي لنقل الشَّيخ عن ابن سَحنون عنه من عدل رجلًا لم يعرف اسمه قبل تعديله، وانظر هذا مع تعقب بعض أهل الزمان تزكية الشاهد بعض العوام مع شاهدته عليه بالتعريف بعد تزكيته إياه قبلها بقريب.
اللخمي: إن علم بمخالطته اجتنابه الكذب والكبائر والوفاء بالأمانة؛ جاز تعديله
الجزء: 9 - الصفحة: 255
إياه، ويقبل تعديله من جيرانه، وأهل محلته لا من غيرهم؛ لأن وقفهم على تعديله مع كونهم أقعد به رتبة في تعديله، فإن لم يكن فيهم عدل؛ قبل من سائر بلده.
المتيطي: لا يزكي الشاهد إلا أهل مسجده وسوقه وجيرانه، رواه أشهب، وقاله الأخوان.
ولما ملك الأمير أو الحسن المريني إفريقيَّة قدم تونس، فوجد الشَّيخ الفقيه القاضي ابن عبد السلام قدم شهودًا بتونس، لم يمض لتقديمهم إلا عدة أشهر، فذكر له بعض من وثق بكلامه ما وجب أن أمر القاضي المذكور بوقفهم إلا إمام الجامع الأعظم منهم، فإنه قدم فيهم لغرض فوقفهم، وطال وقفهم أزيد من عام أو قربه، حتى سعى بعضهم على يدي بعض من كان بتكرر للشيخ أبي عبد الله السطي في أن يكلم السلطان عسى أن يفوض للقاضي في رد من شاء منهم، وكان التناصي وعد الواسطة في أن يقدم معه إذا وقع التفويض، فلما كلم الشَّيخ السطي السلطان، وفوض للشيخ ابن عبد السلام؛ قدم ولده والساعي، ومن شاء منهما، ولم يقدم الواسطة، فبعث الشَّيخ السطي إلى السلطان الساعي، وكلمه في توفيته بما وعد به الواسطة، وأن يكلم عنه الشَّيخ ابن عبد السلام في تقديمه فأتاه عنه، وقال له: يقول لكم: إن ارتهنتم فيه نقدمه، وكانت أسباب الجرح إذا نالت الشَّيخ السطي تصدر عنه شديدة، فأجابه بجواب اللائق من ذكره أنه قال له: قل له: هذا منك غفلة أو استغفال، أم تعلم أن المنصوص أنه لإنما يعدل الرجل أهل محلته وجيرانه، وذكر ما تقدم من نقل اللخمس والمتيطي قال له: وهذا الذي طلبت منه تعديله أنت عالم بأن معرفتي به حديثة لمدة يسيرة، وليس من بلدي، وهو قاطن معك مخالط لك؛ كمخالطة غيره ممن قدمته، فلم يستطع أن يرد إليه جوابًا؛ لأن القول بالعلم نور لا يرده ذو ديانة أنصف.
وفي آخر لقطتها: إن شهد قوم على حق، فعدلهم قوم غير معروفين، وعدل المعدولين آخرون، فإن كان الشهود غرباء؛ جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد؛ لم تجز؛ لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة.
وسمع القرينان: أترى المسألة عن الشهود سرًا؟ قال: نعم، ولا يسأل إلا العدول.
الجزء: 9 - الصفحة: 256
ابن رُشْد: المسألة عنهم سرًا؛ هو تعديل السر ينبغي للقاضي فعله، ولا يكتفي بتعديل العلانية دونه، ويكتفي بتعديل السر دون تعديل العلانية.
حكى هذا ابن حبيب عن الأخوين وأَصْبَغ ومعناه: في الاختيار لا اللزوم على ما في المدَوَّنة وغيرها، وتعديل السر يفترق من العلانية في أنه لا إعذار في السر، وفي أنه يجزي فيه الشاهد الواحد، والاختيار اثنان، بخلاف العلانية في الوجهين.
وعن سَحنون: لا يقبل في السر إلا اثنان، وهو ظاهرها ومعناه: في الاختيار، فلا خلاف في إجزاء الواحد في السر، وحمل بعضهم ذلك على أنه اختلاف من القول غير صحيح، وإنما كان تعديل السر أقوى من العلانية؛ لأن الشاهد قد يسأل التزكية، فيستحيي من التوقف عنها.
قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل في السر كان الشاهد إذا أتى القوم ليزكوه استحيوا منه، وتعديل السير هو أن يبتدئ القاضي بالسؤال عن الشاهد من يظن أنه خبير بحاله من جيرانه وأهل خلطته، ومكانه أو يتخذ رجلَا يوليه السؤال عن الشهود، فيقبل ما أخبر به وحده، ولا ينبغي له هو أن يكتفي بسؤال واحد خوف أن يكون بينه وبين الشاهد عداوة.
هـ.
وتعديل العلانية أن يقول القاضي للمشهود له: لا أعرف شهودك، فعدلهم عندي: لا يجوز فيها إلا اثنان، ويلزم الإعذار بهما للمشهود عليه،
هذا معنى ما فيها، والواضحة وغيرهما من الدواوين لا خلاف في شيء منه هـ.
اللخمي: تقبل التزكية سرَا، واختلف في قبولها علانية، فأجازه فيها، ومنعه ابن الماجِشُون وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية سرًا خوف العداوة.
الشَّيخ عن أَصْبَغ: وليكن التعديل سرًا وعلانية، ولا أحب أن يتجزئ بالسر عن العلانية.
الباجي: الأفضل الجمع بينهما، ووجه الاكتفاء بالسر عن العلانية، أنه لا يجتزئ بالسر إلا بالخبر الفاشي المتكرر الذي يقع به العلم؛ ولذا لا يعذر فيه، ويعذر في العلانية للمشهود عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 257
وروى ابن القاسم: لا يجوز في تزكية العلانية أقل من اثنين، وهذا في كل شيء إلا في الزنا، ولابن حبيب.
روى مُطَرِّف: لا يعدل كل واحد من شهود الزنا إلا أربعة.
ولابن الماجِشُون: يجوز فيهم فير غيرهم اثنان على كل واحد منهم، أو أربعة على جميعهم، وعدد المزكين في السر.
روى ابن القاسم في المجموعة: يكفي الواحد، وروي عنه في التعبيَّة: لا أحب أقل من اثنين.
وقال سَحنون: لا يقبل أقل من اثنين.
ابن زرقون: هو ظاهرها.
وحمل أو الوليد المسألة على الخلاف، وهو أظهر.
وقال غيره: ليس بخلاف، والواحد يجزئ في السر اتفاقًا، وإن كان الاختيار اثنين.
قُلتُ: لأن أصل المذهب أن ما يبتدئ القاضي بالسؤال عنه، يكتفى فيه بالواحد كذا عبر بعضهم بأنه أصل المذهب، ونقله ابن المناصف عن ابن الماجِشُون قال: وقيل لابد من اثنين على كل حال، ولو فيما ابتداه، وهو الأولى إن شاء الله.
وعزاه ابن رُشْد لابن حبيب، وأَصْبَغ عن ابن القاسم، ولم يحك فيه الأول خلافًا.
وقال: هو الصحيح على أصولهم.
المتيطي لمُطَرِّف في الواضحة: يجوز تعديل الواحد في الحقوق، وفي موضع آخر منها: لا يكون باثنين إلا أن يكونا من أهل العلم بالعدالة، والشهرة في العدالة.
وعن ابن كنانة: لا يكون التعديل بأقل من ثلاثة، حكاه ابن مغيث عنه في وثائق.
قُلتُ: ففي ثبوت تعديل العلانية باثنين ولو في الزنا، وشرطها فيه بأربعة لكل شاهد معروف المذهب، ورواية مُطَرِّف.
... ثالثها: وجوبهما، ورابعها: وجوب ثلاثة لوراية ابن القاسم في المجموعة، وسماعه وسَحنون وابن كنانة.
وسمع يحيى ابن القاسم: لا ينبغي لقاض شهد عنده من لا يعرفه أن يكتب في
الجزء: 9 - الصفحة: 258
تعديله إلا لقاضي يثق بعلمه ونظره ودينه، وإلا لم يكتب إليه، فإن كان في الكور رجال ترضى حالهم؛ كتب لهم سرًا أن يسألوا عن الشاهد سؤالًا حثيثًا، فإن كان عندهم مشهورًا بالعدالة، معروفًا بالصلاح؛ كتبوا بذلك، فأجاز شهادته، ولإ لاتركه حتى يعدل.
ابن رُشْد: لم يبين هل يلزم القاضي أن يكتب في هذا التعديل أم لا؟ وأرى لزومه إن كان المكتوب إليه من عمله على ماله.
في رسم الأقضية لابن غانم من سمَاع أشهب من الأقضية، ولا يلزمه إن لم يكن من عمله إلا لأن يكون في حق لله من طلاق أو عتق وشبهه، وما ليس حقًا لله؛ لا يلزمه إلا في موضعه، ويستجب له الكتب لقضاه عمله، وعدول موضع الشاهد؛ لأن الكشف عن البينة على القاضي الذي شهدت عنده، فإن عجز؛ كلف المشهود له تزكيتهم هذا تفسير الروايات بعضها بعضًا، وحمل بعض أهل النظر ما في هذا السماع، وسماع زونان على أنه يلزمه أن يكتب في تعديل من شهد عنده إلى قاضي موضعه: ولو لم يكن من أهل عمله، وهو من التأويل البعيد.
المازري: أنكر سَحنون أن يزكى شاهد عند قاتض؛ ليمض القائم بشهادته إلى بلد آخر، فيشهد له، ثم يأخذ بتلك التزكية، ومن له شاهد لا يعرف عدالته إلا رجلان خاف، فقدمهما قبل تيسر طلبه، فأسمع شهيدين شهادتهما بعدالته؛ ففي قبولها عند قيامه بها قلا سَحنون.
وفيها: ويزكى الشاهد وهو غائب عن القاضي.
الصقلي عن سَحنون: معناه: إن كان مشهورًا، فأما غير المرعوف؛ فلا يزكى إلا بحضرته.
عبد الحق: معناه: إن كان غائبًا عن مجلس القاضي، وهو حاضر البلد، أو قريبًا جدًا، ومن بعدت غيبته؛ جازت تزكيته، كما يقضى عليه، ونحوه لأبي محمد.
اللخمي: يسمع الجرح في المتوسط العدالة مطلقًا، وفي المبز والمعروف بالصلاح والفضل؛ تجريح العداوة أو العجزة، أو القرابة، وشبه ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 259
وفي قبولها فيه بالإسفاه قولا سَحنون وأَصْبَغ في التعبيَّة والواضحة.
وعلى قبول تجريحه: ففي حال من يقبل منه أربعة:
سَحنون: لا تقبل إلا من مبرز في العدالة.
ابن الماجِشُون: يجرح الشاهد بمن هو مثله بالأسفاه الأيمن هو دونه.
ابن عبد الحَكم: لا يقبل في بين العدالة إلا من هو معروف بالعدالة، وأعدل منه، ويذكر ما جرحه به، فأما ما يلبث بالكشف عنه؛ فلا يقبل تجريحه لأهل العدالة البينة.
مُطَرِّف: يجرح الشاهد بمن هو مثله، ودوه بالإسفاه وهذا أحسن؛ لأن الجرح مما يكتم، والاستحسان ألا يقبل في المبرز إلا من مبرز، ولو كان دونه في التبريز.
قُلتُ: هذا هو قول سَحنون، وإلا لم تكن الأقوال أربعة إلا باختياره هذا، فتأمله.
ولابن رُشْد في رسم الأقضية الثاني من سمَاع أشهب: المبرز في العدالة لا يجرح بالإسفاه، قاله أَصْبَغ في الواضحة؛ وهو تفسير لقول من أجمل القول في ذلك؛ كقول سَحنون في نوازله، وغيره من أصحاب مالك.
وعن مالك: لا يباح تجريح المبرز بعداوة ولا غيرها، وهو بعيد، واختلف في التجريح بالإسفاه؛ فقال ابن الماجِشُون: لا يجرحه به إلا من هو فوقه في العدالة، وهذا إذا نصوا الجرحة في التجريح، ولو قالوا هو غير عدل، ولا جائز الشهادة؛ لم يجز في ذلك إلا المبرز العارف بوجوه التعديل والتجريح.
المتيطي: منع ابن العطار من إسقاط شهادته بالعداوة ممن هو دونه، وأجازها ابن الهندي.
ابن عات: لا أعلم فيه خلافًا.
قال ابن رُشْد: في الرسم المذكور أيجرح الشاهد برجل واحد؟ قال: لا.
ابن رُشْد: لا يجرح المشهود عليه من شهد عليه إلا بشاهدين اتفاقًا؛ وإنما يجرح بالواحد، ويعدل به إذا ابتدأ الحاكم بالسؤال عن الشاهد من يثق به، قاله ابن حبيب وأَصْبَغ عن ابن القاسم.
اللخمي: يستحب كون التجريح سرًا؛ لأن في إعلانه أذى للشاهد، ومن حق
الجزء: 9 - الصفحة: 260
الشاهد والمشهود له أن يعلما بالمجرح، فقد يكون بينه وبين أحدهما عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة، أو غير ذلك مما يمنع التجريح، ويختلف إن كان الشاهد والمشهود له ممن يتقى شره، فقال سَحنون: يعلم بالمجرح، ثم قال: دعني حتى أنظر.
وقيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سرَّا؟ وقد يقول المجرح: نكره عدواة الناس.
قال: نعم، إن كانوا عدولاً.
اللخمي: قول سَحنون أحسن؛ لفساد قضة اليوم، ولو اجتهد ثقات المبرز في العدالة في وجوه الكشف هل بين المجرح والمشهود له عداوة، أو بين المشهود عليه أو المجرح قرابة، والمجرح مبرز في العدل، والآخر ممن يخاف إذا أعلم؟ رأيت أن لا يعلم، وهذا من تغليب أحد الضررين، وإذا علم المجرح أنه يعلم به مثل هذا الذي يخاف لم يجرحه، وقد رأيت من تقبل شهادته، وليس من أهل الشهادة، ولا يجرحون خوفًا منهم.
قال ابن رُشْد في السماع المذكور: واختلف إن أراد الشاهد على الجراحة أن يشهدا سرًا لما يجر ذلك من العداوة بينهما وبين المجرح.
فقال ابن حبيب: لا تقبل إلا علانية؛ إذا لابد من الإعذار في شهادتهما للمشهود له الأولز
ولابن عبدوس عن ابن القاسم: تقبل شهادتهما في السر؛ لعلة العداوة، وهو قول سَحنون قال: التزكية علانية، والتجريح سرًا، ولا آمرهم أن يسبوا الناس.
ولابن حبيب عن الأخوين: ويؤجل المشهود عليه في دعوى جرح الشاهد عليه.
ابن فتوح: كسائر الدعاوي بحسب اجتهاد القاضي، وتقدم لابن رُشْد وغيره كيفيَّة إعطائه الآجال بعد أن يقيم المطلوب حميلاً بالخصومة، قاله ابن فتوح وغيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 261
|
باب في التعديل
|
في نوازل سَحنون: تعديل الرجل أن يقول للقاضي: هو عندنا من أهل العدل والرضا جائز الشهادة، ولو قال: هو عدل فقط؛ فهو تعديل، ولا ينبغي للقاضي أن يقول لهم: ترضون بشهادته لكم وعليكم.
ابن رُشْد: إنما جازت شهادته؛ لقوله: هو عندي من أهل العدل، ولم يلزمه أن يقول: هو من أهل العدل؛ لأن القطع بذلك لا يصح، وهو نحو قول أَصْبَغ لا يقبل هو عدل، وليقل: أراه عدلاً، ولو قال: هو عدل دون عندي، ولا قال: أراه عدلاً، كما قال أَصْبَغ، جازت شهادته، ولم تكن غموسًا، وإن كان ظاهرها القطع بما لا يصح القطع به؛ لأن معنى ذلك عند الشاهد ما غلب على ظنه من عدالته، ولا يدخل فيه الخلاف ممن شهد لمستحق ملك أنه ما باع ولا وهب، واختار أن يجمع بين قوله: هو عندي من أهل العدل والرضا، لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] مع قوله تعالى:؟؟؟، فإن اقتصر على أحدهما؛ اكتفى به؛ لأنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة.
قُلتُ: وهو نقل ابن فتوح عن المذهب، ونقل ابن هشام عن عبد الملك بن الحسن.
ابن رُشْد: وقوله: ليس على القاضي أن يسأل المعدلين هل يرضون بشهادته لهم،
الجزء: 9 - الصفحة: 262
وعليهم صحيح؟ بل الأظهر أن ذلك لا ينبغي له لجواز أن يكون بينهما عداوة.
اللخمي: إن قال: هو عدل رضا؛ صحت العدالة، واختلف إن اقصتر على إحدى الكلمتين هل هو تعديل أم لا؟ فإن قال: إحدى الكلمتين، وإن سأل عن الأخرى؛ فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما، وإن سأل عن الأخرى فوقف؛ فهو ريبة في عدالته، يسأل عن سبب وقفه، فقد يذكر ما لا يقدح في العدالة، أو يذكر ما يريب؛ فيوقف عنه.
وفي الموازيَّة قوله: اختبرته وعاملته، فما علمت إلا خيرًا، أو أنه صالح فاضل ثقةح ليس تعديلًا حتى يقول: عدل، أو أراه عدلًا.
اللخمي: إن كان المسؤول عالمًا بوجوه التعديل، وعلى أن سؤاله لتمضي شهادته؛ فهو تعديل، وقد أخرج البخاري في ذلك في باب العدالة في قول بريرة: لا أعلم إلا خيرًا غير أن صرف المسئول عن قوله: عدل رضًى إلى هذا اللفظ اليوم ريبة.
وفي الجلاب: والتزكية أن يقول الشاهدان: نشهد أن فلانًا عدل رضي، ولا يقتصران على لفظ واحد من العدل والرضا.
المارزي: قال مالك: لفظ التعديل أن يقول: هو عدل رضى.
الشَّيخ: روى ابن عبدوس يقول: رضى وأراه عدلاً، وتقدم قول سَحنون، ولابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه أو أعلمه عدلاً رضى جائز الشهادة، ولا يقبل منه أن يقول: لا أعلمه إلا عدلاً رضى، ونحوه في كتاب ابن سَحنون رواية لابن كنانة.
ولابن حبيب عن الأخوين يقول: هو عندي عدل رضى، وليس عليه أن يقول في علم الله تعالى، ورواه أشهب، وقاله ابن عبد الحَكم وأَصْبَغ.
ابن هشام عن ابن شعبان قوله: نعم العبد تعديل لقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
ذلك بقوله: أواب.
قُلتُ: إنما قال: وكذا قوله هو خير لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾
قُلتُ: ويرد باحتمال كون (ال) في الأختيار للعهد.
الجزء: 9 - الصفحة: 263
ولابن حبيب: روى ابن وَهب قوله: لا أعلم إلا خيرًا؛ لغو.
قُلتُ: ومثله لا بأس به، وذكر بعذ من لقيت عن بعض قضاة بلدنا: أنه لغى تعديل بعضهم عنده بقوله: لا بأس به، ولابن هشام عن محمد: التزكية من غير تفسير.
المارزي: حكى أبو المعالي عن القاضي: وجوب الكشف عن السبب الذي وقع به التعديل، ولا يجب ذلك في التجريح، والمعروف عن مذهبه المساواة بين التعديل والتجريح، ولكن يعتبر حال الشهود بذلك إن كانوا من أهل العلم بحقيقة الجرح والتعديل، لم يستفسروا، وإن لم يكونوا كذلك؛ وجب استفسارهم، وهذا الذي أشار إليه من اعتبار حال المعدولين والمجرحين لا يخالف فيه إن علم جهلهما بذلك، ولكن يتصور الخلاف فيمن جهل قدر معرفته بذلك.
اللخمي: اختلف في قبول التجريح إجمالاً على أربعة أقوال: قيل: يقبل، وقيل: لا، وقال الأخوان: يقبل ممن يعرف وجه التجريح كان المجرح ظاهر العدالة أو لا، أشهب: لا يقبل في مشهور العدالة إلا مفسرًا بخلاف من لم يقبل إلا بمن عدله.
ابن كنانة: إن كان المجرحان مشهورين بالعدالة؛ لم يسألا، وإن كانا غير مبرزين؛ سئلا.
ابن شعبان: إن قال: إن ذكرت ذلك خفت أن أؤخذ به أو هو ساقط الحال.
قبل ابن سَحنون: إن قال: هو رجل سوء غير مقبول الشهادة؛ فهو تجريح.
اللخمي: هذا إن فهم عنهما الذي جرحا به، وأنه جرحة اتفاقًا، وإن لم يفهم؛ وجب استفسارهما للخلاف في كثير من الصور، هل هي جرحة أم لا؟ ولاحتمال اعتقاده ما ليس جرحه، ولحق الشاهد في انتهاك عرضه، والمشهود له في سقوط حقه.
قُلتُ: وحكم بعض شُيُوخ شُيُوخنا قوله: (رجل سوء) بالتجريح مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:77] حسن، وقاله بعض المتقدمين.
المارزي: أكد الشافعي في وجوب الكشف في الجرح؛ لأن شاهدَا جرح شاهدًا،
الجزء: 9 - الصفحة: 264
فسئل عن جرحته؟ فقال: رأيته يبول قائمًا، فقيل له: وإذا بال قائمًا ماذا يكون؟ قال: يتطاير عليه بوله، فقيل: هل رأيته صلى بعد ذلك؟ قال: لا، فظهر غلطه.
قُلتُ: قبول ابن عبد السلام تقرير بعضهم ما ليس جرحة جرحت بمن جرح رجلاً، فسأل عن جرحته؟ فقال: رأيته يغتاب بحضرته، ولا ينظر نظر، والأظهر أن ذلك جرحة إلا أن يكون ذلك نادرًا منه، ولا يستطيع أن ينكر في محل لا يستطيع القيام منه حسبما قرر في باب الغيبة.
قال النووي: يحرم استماعها، كما يحرم ذكرها.
وفي نوازل سَحنون: إن شهد المجرحون فقالوا: هو عندنا غير عدل ولا رضى، ولم يصفوه بزنى، ولا أنبذه، ولا قيان؛ فهو تجريح إن كانوا من أهل المعرفة بما به التجريح، وذكر قول أشهب المتقدم.
ابن رٌشْد: لتفرقة أشهب وجه من النظر، وقول سَحنون أظهر؛ لأنه قد يقولون: زنى، وهم أربعة؛ فيرجم، ويقولون: شرب الخمر؛ فيحد، فستر الحاكم على الشاهد أولى، وفي نوازله: شهادة رجلين بأنهما سمعا رجلين قالا: نشهد أن فلانًا عندنا غير عدل؛ لغو، وكذلك التعديل بذلك، ولا يجوز تجريح، ولا تعديل على السماع.
ابن رُشْد: معناه: على السماع الذي ذكره؛ لأنه شهادة على شهادة، وليست بشهادة سمَاع وشهادة السماع في ذلك جائزة وهي أن يسمع من غير أهل العدل وغيرهم أن فلانا عدل رضى، أو أنه غير عدل، ولا رضى، فيشهد على السماع بذلك، ولا يسمى من سمع منهم؛ فالشهادة عاملة اتفاقًا، إلا أنه قيل: لا تجوز بأقل من أربعة.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قبلت شهادته في أمر، وشهد في أمر آخر إن كان قريبًا من تعديله في الأول بعد الأشهر وشبهها؛ لم يطلب تعديله، وإن طال طلب والسنة طول.
قال أَصْبَغ: إلا أن يكون الرجل مشهورًا بالخير لا يحتاج في مثله لابتداء سؤال.
ابن رُشْد: المجهول الحال إذا عدل مرة في أمر، ثم شهد ثانية؛ ففي طلب تعديله كلما شهد حتة يكثر تعديله، ويشتهر مطلقًا، والاكتفاء بالتعديل الأول حتى يطول سنة
الجزء: 9 - الصفحة: 265
قولا سًحنون وابن القاسم هذا، فلو طلب تعديله بالقرب على قول سَحنون، أو بالبعد على قول ابن القاسم، فعجز عن ذلك لفقد من عدله أولًا؛ وجب قبول شهادته؛ لان طلب تعديله ثانية؛ إنما هو استحسان، والقياس الاكتفاء بتعديله أولًا ما لم يهتم بأمر حدث، وهو قول الأخوين في الواضحة، وقول أَصْبَغ تفسير لقول ابن القاسم، ورواه ابن سَحنون.
قُلتُ: فالأقوال ثلاثة، والعدل قديمًا وحديثًا على قول سَحنون، ولو شهد في يوم تزكيته، واستشكل بيان تعديله، وهي التزكية في عرفنا إن أثبت تعديله؛ لزم قبوله فيما شهد به ثانيًا، وإلا لزم قبول غير العدل وهو باطل، ويجاب بأن من شرط تعديله في النازلة الجزئيَّة؛ علم من عدله ضبطه إياها، ولا يلزم من علمه ضبطه نازلة معينة علمه ضبطه في نازلة أخرى، وعزا اللخمي لابن كنانة مثل قول سَحنون.
وللشيخ عن أشهب في المجموعة: إن شهد فعدل، ثم شهد، فإن كان بعد زمن نحو خمس سنين؛ سئل عنه المعدل الأول، فإن كات؛ سئل معدلًا ثانيًا، وإلا لم يقبل.
وكذا نقله الصقلي بإثبات نحو قبل خمس سنين، ونقله ابن عبد السلام بحذفها خلافه.
ابن الحاجب: ولو شهد مزكى، قد شهد فثالثها: إن لم يغمز فيه بشيء؛ لم يحتج، ورابعها: إن كان المزكي مبرزًا؛ لم يحتج، فقبلها ابن عبد السلام قائلًا: هذا الأقوال منصوص عليها في المذهب.
زاد ابن هارون بعزوه الرابع لابن كنانة، ومقضتى لفظ ابن الحاجب إلى لأولى الاكتفاء بتعديله، ولو غمز فيه بشيء، وهذا لا أعرفهن وعزوه لابن كنانة وهمٌ لنقل الشَّيخ عنه ما نصه: قال ابن كنانة: أما الذي ليس بمعروف، فيعدل، ثم يشهد؛ قليؤتنف فيه تعديل ثان، وأما المعروف بالعدالة في بلده؛ يشهد، فيعدل، ثم يشهد في شيء آخر، فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح فيه بأمر بين.
قُلتُ: فتفصيل ابن كنانة؛ إنما هو في الشاهد المزكى لا فيمن عدله، وتحقيق ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 266
إن كان الشاهد بتعديله أول مرة مشهورًا بالعدالة؛ لم يطلب تعديله ثانية ما دام بحاله حسبما تقدم لأَصْبَغ وابن رُشْد، وإلا ففي الاكتفاء به ما لم تظهر له نقمة، وافتقاره للتعديل ما لم يوجب تكرره شهرة عدالته، ثالثها: ما لم يطل ما بين شهادته سنة، ورابعها: بنحو خمس سنين، وخامسها: بأزيد من ستة أشهر، للأخوين وسَحنون مع الشَّيخ عن ابن كنانة، وسماع عيسى ابن القاسم ولأشهب.
ودليل نقل ابن المناصف عن الأخوين: إن عدل، ثم شهد بعد ستة أشهر؛ لم يطلب تعديله إلا أن يغمز، أو يستريب الحاكم في أمره، وفي اقتصار المازري في النقل عن سَحنون على إعادتها بعد شهرين ونحوهما نظر؛ لاقتصار الشَّيخ على نقله قوله: في نوازله: إن شهد، ثم شهد بعد شهر أو شهرين، أو عام أو عامين؛ طلب تعديله حتى يشتهر تزكيته، ولم يحك ابن رُشْد عنه خلافه بوجه.
وللشيخ عن ابن حبيب عن الأخوين وأشهب وأَصْبَغ: من عدله رجل، وعجز عن آخر، ثم عدله ثان بعد سنة؛ لم يقبل الأول، وطلب فيه الآن اثنان كان أحدهما الأول أو لا، وإن اجتمع في شخص تعديل وتجريح، ففرق اللخمي في القضاء بالجرح أو بأعدلهما قولان.
وأرى إن اختلفا عن مجلس واحد قضى بالأعدل، وعن مجلسين إن تقاربا؛ فالجرح وإلا فالأخيرة.
ابن رُشْد في سمَاع القرينين في تقديم الأعدل أو التجريح ثالثها: التعديل لسماع القرينين، وسَحنون، وابن نافع، ومُطَرِّف مع ابن وَهْب في المبسوطة قائلًا: هذا إن قال المعدلون: عدل، والمجرحون مسخوط، ولو عينوا جرحته؛ قدمت اتفاقًا، والأظهر التجريح.
المازري: قال ابن الطيب: إن لم يكن عدد المعدلين أكثر من المجرحين؛ فالتجريح مقدم إجماعًا، وقصر الخلاف على كون عدد المعدلين أكثر؛ لرجحان التعديل بكثرة العدد، ورجحان التجريح باق متعلقه إثبات، وهو ما به الجرحة.
هـ.
ومتعلق التعديل نفي، وما قاله غير مسلم لنقل ابن شعبان القولين، ومقتضى
الجزء: 9 - الصفحة: 267
التحقيق تقديم الجرح، ولو كثر عدد المعدلين لما تقدم من كون متعلق بالتجريح إثباتًا بخلاف التعديل، ولو كان اختلافهما باعتبار متعلق واحد، كقول المجرحين: رأيناه عاكفًا على شرب الخمر ليلة كذا، وقال المعدلون: رأيناه تلك الليلة عاكفًا على الصلاة، فيقدم الأرجح عدالة، أو بكثرة العدد على قول بعض أصحاب مالك: ولو شهد شاهد بأنه زنى، وآخر بأنه سرق؛ ففي ثبوت جرحته بهما قلا سًحنون قائلًا: لو أشهد أحدهما بأنه خائن، وآخر بأنه أكل مال اليتيم، جرح بذلك؛ لتباين متعلقي شهادتي الأولين، وعدمه في شهادتي الأخيرين.
|
باب مانع الشهادة
|
؟؟؟ ما قام دليل على إيجابه، رفع ما ثبت مقتضى ثبوته، وذكروا منه في قبول شهادة عددًا الأول التغفل.
الشَّيخ عن محمد بن عبد الحَكم: لا تقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلًا، ولا يؤمن التغفل أو يضرب على خطه، ويشهد على الرجل، ولا يعرفه، يتسمى له بغير اسمه، فمن كانت هذه حاله؛ لا تقبل شهادته.
قُلتُ: قوله: أو يضرب على خطه؛ يريد: ثم يؤدي شهادته على أنه حطه؛ لتغفله وهو ليس خطه.
الجزء: 9 - الصفحة: 268
وفي طرر ابن عات" قال إياس بن معاوية: ما بالبصرة أفضل من عطاء السلمى، وما أقبل شهادته على درهم واحد.
قُلتُ: ولذا أخبرني بعض من لقيت عن بعض ِشُيُوخنا" أن الشَّيخ الفقيه ابن الخباز: كان ولي القضاء ببلده بالمهديَّة في أوائل أمره، فكان يخرج لزيارة بعض صلحاء ساحل المهدية، ويتبرك به، وإذا شهد عنده شهادة لا يحكم بها؛ لتغفله عنده، وهذا شأن أهل الحق، ونحوه قول ابن شعبان في زاهيه" والعابد الذي لا يميز بين الألفاظ، وشغلته عبادته من معاني أفعال الناس، ينبغي أن يتوقف عن الحكم بشهادته حتة تختبر كيفيتها.
قُلتُ: ولهذا يجب لغو ارتهان من هو من هذا النمط فيمن يطلب تقديمه للشهادة، وينبغي إعلامه ذلك، وإنه لا يحل له طلب ذلك؛ لأن فيه تعريضًا بنفسه، وابن الخباز هذا قال: الشَّيخ الفقيه المحدث الرحال أبو العباس؛ عرف بالعشاب هو أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم العواتي، تفقه بالمهديَّة على أبي زكرياء البرقي، رحل إلى المشرق سنة أربع وعشرين وستمائة، أخذ بمصر عن عز الدين ابن عبد السلام وغيره، وقرأ الحاصل على مؤلفه تاج الدين الأرموي، ورجع إلى المهديَّة بعلم كثير فدرس وأفتى، ثم نقله الخليفة للحضرة، وقلده قضاء الجماعة بتونس سنة ستين وستمائة، كان موصوفًا بدين وعقل، توفي في جمادى الأخرى سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة.
قُلتُ: وأخبرني بعض من لقيت عن من أخبره من بعض اهل داره انه سمعه ليلة، وهو يقول مشيرًا إلى نفسه: أي علم هاهنا لم أجد من ألقه إليه، وقول ابن الحاجب إثر قول ابن عبد الحَكم، وقيل: إلا فيما لا يكاد يلبس فيه، وقبوله ابن عبد السلام، وابن هارون لا أعرفه إلا تقييدًا.
قال المازري: إطلاق المتقدمين رد الشهادة بالبله والغفلة، قيده بعض المتأخرين بما كثر من الكلام والجمل المتعلق بعضها ببعض لا في نحو قوله: رأيت هذا الشخص أو سمعته قال: هي طالق، وقال الأصوليون: رواية من قل تغفله مقبولة إلا فيما لاح
الجزء: 9 - الصفحة: 269
فيه تغفله، ومن كثر تغفله في كونه كذلك، وردها مطلقًا ثالثها: لابن أمان مع القاضى يصرف ذلك للاجتهاد، وله أيضًا من تقارب حال غفلته ويقظته، أو تساوت قبل فيما لم تلح فيه غفلته، ولم يذكر فيه خلافًا، وفى هذا الحظر لمتقدم تقييد بعض الأشياخ، الثانى: جر شهادة الشاهد له نفعًا؛ لأنه بها متهمًا فى الموطأ عن عمر لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
الباجى: لابن مزين عن يحيى بن سعيد: هو المتهم الذى يظن به غير الصلاح، ونجوه لابن كنانه، فشهادة المتهم مردودة، وإن كان مبرزًا فى العدالة.
عبد الحق: ذكر أبو أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» لاتجوز سهادة متهم ولا ظنين»، وعبد الله بن محمد بن عقيل: ضعفه الناس إلا أحمد بن حنبل، والحميدى، وإسحاق بن راهويه، فإنهم كانو يحتجون بحديثه، وتعقبه ابن القطان بأن قال: ترك من إسناده قيس بن الربيع، وهو عنده ضعيف، ومحمد بن الحسن: وهو لا تعرف حاله.
الصقلى: قال ابن القاسم: لو شهد أربعة على أبيهم بالزنا؛ ردت شهادتهم، ولا يرجم؛ لأنهم يتهمون على إرثه ويحدون.
وقال أشهب: إن كان الأب عديمًا؛ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً، ورجم الأب، وكذا إن شهدوا أنه قتل فلانًا عمدًا.
وقال ابن اللباد: لا تجوز شهادتهم، وإن كان معدمًا؛ لتهمتهم على سقوط نفقته عنهم برجمه.
قلت فى سمَاع سَحنون: قال أشهب: يرجم الأب بشهادتهم إلا أن كان موسرًا؛ فترد شهادتهم؛ لتهمتهم فى الميراث.
قال: وكا لو شهدوا عليه أنه قتل فلانًا عمدًا، والمعسر أيضًا ترد شهادتهم عليه؛ لأنهم يريدون والراحة منه لأجل النفقة عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 270
ابن رُشْد: فى تسوية أشهب بين شهادتهم بزناه، وشهادتهم بقتله نظر؛ لأن شهادتهم بقتله واجبة إن دعوا إليها، ومستحبة إن لم يدعوا، فواجب قبول شهادتهم بذلك، ومالم يتهموا على إرثه، أو الراحة من النفقة عليه، وشهادتهم بزناه مكروهة؛ لأنهم مأمورون بالستر على أنفسهم، وعلى الناس؛ فالصواب رد شهادتهم بزناه؛ لأنها عقوق إلا أن يعذورا بجهل، أو لأنهم دعوا إلى الشهاده عليه، مثل أن يقوم بحد على من قذفه بالزنا، فسأل القاذف بنيه أن يشهدوا له بزناه؛ ليسقط عنه حد قذفه، وعليه فينبغى حمل قول أشهب.
وقال ابن لبابة: شهادتهم بما يوجب قتله جائزة، ولو كان معدمًا، ولا يتهم العدول بالميراث، ولا بطرح النفقة، وهو قول وجه فى المبرز فى العدالة الفائق فى الفضل حيث تتعين عليه الشهادة، ويأتى على قياس قول ابن القاسم فى الإمام: يشهد عنه فى المرأة المحصنة أربعة بالزنى؛ أحدهم: زوجها فلا يعلم بذلك حتى رجمها أنه يرثها ويحد، إلا أن يلاعن خلاف قول أصْبَغ: لا يرثها.
قُلتُ: كذا وقع فى غير نسخه من البيان قول أشهب: أولاً فى شهادته بزناه ترد إن موسرًا، وإجازتها إن كان معدمًا، وقوله ثانيًا فى شهادتهم بقتله عمدًا: أنها ترد، وإن كان معدمًا للراحة منه لأجل النفقة عليه، وهو كلام ظاهر تناقضه، والعجب من ابن رُشْد فى عدم تعرضه إليه، ويمكن رفعه بحمل المعدم فى قوله: أولاً على العدم الذى لا ينتهى لإيجابه نفقته عليهم، أو على أنهم لا فضل مال لهم؛ يجب عليهم فيه نفقته، ويحمل العدم فى قوله ثانيًا على أنه الموجب نفقته عليهم، وأنهم أملياء بها، وظاهر ما نقله الصقلى عن ابن اللباد: أنه لا يحفظه لمتقدم قبله، وهو نص أشهب المتقدم الشهاده بقتله.
ونقل الشَّيخ فى نوادره كنقل الصقلى لا تناقض فيه.
ابن رُشْد: وإذا سقطت شهادتهم بأى وجه؛ وجب حدهم، وقال سَحنون: إذا سقطت بالظنة، ولا فرق بين سقطها أو بالجرحة.
قُلتُ: بل هى بالجرحة أحرى.
الجزء: 9 - الصفحة: 271
قُلتُ: ففي سقوط شهادة البنين بما يوجب؛ قتل أبيهم مطلقًا، وصحتها.
ثالثها: صحتها فى قتله عمدًا إن لم يتهموا، وزناه إن عذروا بجهل، أو كانت لإسقاط حد من قذفه، ورابعها: إن كان مليًا لابن القاسم مع ابن اللباد وابن لبابه، واختيار ابن رًشْد وأشهب.
وفى ثانى عتقها: إن شهد وارثان أن الميت أعتق هذا العبد، فإن كان معهما نساء، والعبد يرغب فى ولائه؛ لم تجز شهادتها، فإن كان لا يرغب فى ولائه، أو لم يكن معهم نساء؛ جازت شهادتهما.
وقال ابن الحاجب فى الموانع: وكمن شهد أنه جرح موروثه، فقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وقيداه بأن الجرح مخوفًا.
قُلتُ: لا أعرف هذا الفرع بعينه من فروع المذهب، وإنما تبع فيه ابن الحاجب ابن شاس على عادته فى إضافته أعيان فروع الشافعيَّة لنصوص المذهب فى وجيز الغزالى ما نصه: لتهمه أسباب منها كمن يشهد أن فلانًا جرح موروثه؛ فظاهره: كيف كان الجرح، ولا يصح إضافته للمذهب إلا حيث تجر للشاهد نفعًا؛ حيث يوجب قصاصًا أو مالاً حسبما ذكر فى شهادة الأخ لأخيه.
وفيها: لا تجوز شهادة الوصى بدين للميت، إلا يكون الوراثه كبارًا عدولاً.
الجلاب: لاتجوز شهادة الوصى لمن تلى عليه، وعن مالك فى الشهادة الوصى: على من يلى عليه روايتان.
وفى أوئل الثلث الآخر من أجوبة ابن رُشْد: شهادة المشرف لمن يشرف عليه جائزة؛ إذ لا تهمة فى ذلك.
وفى أول شهادتها لمالك: لا تجوز شهادة من هو فى عيال الرجل للرجل.
للصقلى عن ابن حبيب: إن كان المشهود له فى عيال الشاهد؛ جازت شهادته له؛ إذ لا تهمة.
قال بعض المتأخرين: إن كان المشهود له فى عيال الشاهد؛ جازت شهادته له من قرابة الشاهد كالأخ ونحوه؛ انبقى أن لا تجوز شهادته له بمال؛ لأنه وإن كانت نفقته لا
الجزء: 9 - الصفحة: 272
تلزمه، فإنه يلحقه بعد نفقته عليه وصلته معرة، ولو كان المشهود له أجنبيا؛ جازت شهادته له.
الصقلى: هذا استحسان، ولا فرق بين القريب والأجنبى فى رواية ابن حبيب، ونقل ابن الحاجب عدم صحتها من المنفق على المنفق عليه مطلقا لا أعرفه.
وفى شهادة الشاهد بوصية له فيها نصيب؛ اضطراب.
ابن رشد فى أجوبته: تحصيلها إن كانت فى الوصية مكتوبة، وما للشاهد فيها يسير، ففى صحتها له ولغيره ثالثها: لغيره فقط، ورابعها: إن كان معه شاهد آخر، وإلا فالثالث لابن القاسم فيها مع رواية مطرف، ورواية ابن وهب فيها، وابن الماجشون فى الواضحة، ويحيى بن سعيد فيها، فعلى الأول إن كان وحده؛ حلف للموصى لهم مع شهادته أن ما شهد به من الوصية حق، فتثبت الوصية، وأخذ ماله فيها، وإن كان معه غيره ممن أوصى له فيها بيسير، ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ كل منهما ما له دون يمين، وإن كان الشاهد معه فيها؛ لم يوص له فيها بشئ فأحرى، وعلى الثالث إن كان وحده؛ حلف الموصى لهم مع شهادته، وتثبت وصاياهم، ولا شئ له إن كان معه غيره، فمن أوصى له فيها بيسير؛ ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهما دون يمين، وحلف كل منهما مع شهادة صاحبه، وأخذ وصيته، وإن كان معه شاهد لم يوص له فيها بشئ؛ ثبتت الوصية لمن سواه، وحلف مع شهادة صاحبه، وأخذ حقه، وعلى الرابع إن شهد معه غيره؛ ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ حقه بغير يمين، وإن لم يكن معه غيره؛ حلف غيره مع شهادته، وأخذ وصيته ولا شئ له، وإن كان ما للشاهد فيها كثيرا؛ ففى سقوط شهادته له ولغيره وصحتها لغيره المشهور، والمخرج على قول أصبغ فى عبدين شهدا بعد عتقهما أن من أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار شهادتهما بغصب المائة صحيحة لا بغصبهما؛ لتهمتهما على إرقاق أنفسهما، فأمضى بعض الشهادة المردود باقيها للتهمة.
قلت: كذا قاله فى البيان فى غير موضع منه، ويرد التخريج بمنع كون الإبطال لمجرد التهمة؛ بل هو للسنة، لأنه لأمر شرعى جار على قاعدة عقلية، وهى أن قبول
الجزء: 9 - الصفحة: 273
شهادتها في غصبهما يؤدى تبوته؛ لنفيه ضرورة بطلان شهادتهما برقتهما المسبب عنها.
قال: وإن كانت شهادته لا فى وصية مكتوبة؛ بل على إشهاده الموضى لفظا كقول الموصى لفلان كذا ولفلان كذا، والشاهد أحدهم، وما أوصى له به بيسير؛ لم يجز لنفسه اتفاقا، وجازت لغيره، إن كان وحده؛ حلف الموصى له مع شهادته، وإن كان معه غيره ممن شهد لنفسه بيسير؛ حلف كل منهما مع شهادة الآخر، وأخذ حقه، وأخذ من سواهما بشهادتهما حقه بغير يمين، وإن كان معه من لم يشهد لنفسه؛ حلف معه، وأخذ حقه، وأخذ غيره حقه بشهادتهما دون يمين، وقد يقال: لا تجوز شهادته لغيره بتأويل ضعيف، وإن كان ما شهد به لنفسه كثيرا؛ لم تجز له اتفاقا، ولم تجز لغيره على قول الأخوين، ويجوز على ما فى سماع أشهب من كتاب الشهادات، فعلى الأول إن لم يكن معه غيره؛ حلف الموصى له واستحق، وإن كان معه غيره ممكن شهد لنفسه بكثير؛ حلف كل منهما مع شهادة صاحبه، وأخذ وصيته، وإن لم تكن شهادة كل منهما لصاحبه فى مجلس واحد على مذهبهما فى أن شهادة الشهود بعضهم لبعض فى مجلس واحد على شخص واحد؛ لا تجوز، وأخذ من سواهما وصيته بشهادتهما دون يمين.
اللخمى: قيل: يبطل جميعها، وقيل: ما يخصه فقط، وقيل: إن قل؛ مضت لغيره، وإن كان له قدر؛ سقطت لهما.
ولمالك فى المبسوط: تجوز لغيره، فيحلف معه، ويستحق، وإن شهد معه غيره؛ جازت لأهل الوصايا، وحلف هو مع الشاهد الآخير، ولم يفرق بين يسير وكثير، وذكر ابن الجلاب فى ذلك روايتين.
وللأخوين فى الواضحة: إن لم يشهد بالوصية إلا رجلان أوصى لهما فيها بشئ، وفيها عتق وديون، فإن أشهدهما لفظا نسقا، أو مفرقا، فشدا بذلك، أو وضعاها فى كتاب، ولم يعلم الميت؛ سقطت لهما، وصحت لغيرهما، وإن أشهدهما فى كتاب؛ لم تجز إن كان ما أوصى لهما به.
قال المازرى: إن كان ما يخص الشاهد أو للشاهدين له بال؛ فالمعروف بطلان شهادتهما ولو لغيرهما، ووقع فى المذهب ما يدل على اختلاف فيه، كذا أشار بعض
الجزء: 9 - الصفحة: 274
الأشياخ أن المذهب على قولين، ومقتضى ظاهره: صحتها لغيره فقط، ثم ذكر ما تقدم للخمى عن الأخوين وقال: وبعض أشياخى يرى أن لا وجه لهذا التفصيل بين كون الوصية نطقا أو مثبتتا فى كتاب.
قلت: هو قول اللخمى فى تبصرته، قال: والفرق عندى أن الشهادة على لفظ الميت؛ إنما هى على جمل أوردها الميت، لا ارتباط لبعضها ببعض كل جملة مستقلة بنفسها، أو الخبر بانفرادها؛ صدق بها أشهد لها به لا ارتباط له بما أشهدهما به لغيرهما، وإن أشهدهما على كتاب كتبه بلفظ واحد؛ لم يتبعض، فردت الشهادة فى الجميع، وإن كان ما يخص الشاهد يسيرا، ففى صحتها واو فيما يخصه وسقوطها مطلقا ثالثها: لغيره دونه ثلاث روايات أولاها لها.
وفيها: ليحيى بن سعيد: من شهد لرجل بوصية أوصى له فيها بشئ؛ جازت لغيره دونه إن شهد واحده، وإن شهد معه غيره؛ جازت لهما.
المازرى: أطلقه فى كون الشاهد قليلا أو كثيرا، فتأول سحنون قوله على أن الشاهد يأخذ ما يختص به إذا شهد معه غيره دون يمين، وهذا خلاف الأصول من أن المدعى يأخذ دعواه؛ لكنه مطابق لقولها بإمضاء شهادته لنفسه ولغيره، وقول يحيى على تأويل سحنون متناف؛ لأنه إذا أخذ حقه مع شهادة غيره دون يمين؛ وجب أخذه وصيته بشهادته وحده، إلا أن يقال شهادة غيره معه نفت تهمته، وانسحب استثقال الشهادة لغيره على وصيته، فإن انفرد؛ لم يصح أن يقضى له بشهادته له مع يمينه هذا أقرب ما يعتذر به.
قلت: وعبر اللخمى عن تعقبه تأويل سحنون بقوله: هذا قول مخالف للأصول، وليس يأخذ أحد لنفسه بشهادته.
قال المازرى: على أن تأويل سحنون لم يسلمه بعض الأشياخ، فذكر قول ابن محرز إثر ذكره تأويل سحنون قول يحيى بن سعيد، والذى يجرى على ألسنة المذاكرين أن معنى قوله: إن كان وحده؛ جازت شهادته لغيره، أى: مع يمين القائم بشهادته، ولا يأخذ هو شيئا؛ إذ لا يصح أن يأخذ شيئا بدعوى نفسه، وإن كان معه غيره؛ جازت
الجزء: 9 - الصفحة: 275
لغيره بلا يمين؛ لأنه حصل على حقه شاهدان، وجازت له بيمينه؛ لسقوط شهادته لنفسه، فيحلف مع الشاهد الآخر.
اللخمى: اختلف إن شهدا بدين لهما فيه يسير، فقال فى كتاب محمد: تمضى.
وفيها لمالك: من شهد فى ذكر حق له فيه شئ؛ لم تجز له ولا لغيره.
وفى المجموعة: لأن أحدهما لا يأخذ منه شيئا حتى يدخل عليه صاحبه، ولو اقتسماه قبل الشهادة؛ جازت شهادته، فعلى هذا تجوز شهادته فى الوصية لغيره، ولو كثر حظه منها إذا كانت الوصية بشيئين مثل أن يوصى له بعبد ولآخر بثوب؛ لأنه لا يدخل أحدهما على الآخر، وهى كشهادتين؛ فلا ترد شهادته للأجنبى، وإن قال: إنما أقصد بالشهادة للأجنبى لا لنفسى؛ لأنها لا تجوز، وذكرت ما أوصى لى به لأؤدى المجلس حسبما كان أبين أن لا ترد للأجنبى، وإن كان جميع الوصية لعبد أو دار رد جميعها؛ لأنه لا يخلص للأجنبى شئ إلا دخل عليه الشاهد فيه.
قلت: فى دخول من سقطت شهادته على من صحت له فى العبد أو الدار فى حظه منه نظر؛ إذ لا موجب لشركتهما؛ إذ لو باع أحدهما حظه منه؛ لم يدخل عليه الآخر بحال بخلاف الدين لشركتهما فيه ضرورة دخول أحدهما على صاحبه فيما أخذه من الغريم عوضا عن حظه من دينه عليه، كما لو ثبت رجوع الموصى عن وصيته لأحدهما دون الآخر؛ لو يرجع من سقطت وصيته على من بقيت له.
المازرى: فعلى كون الدين كالوصية لا سواه، وعلى المعروف فى الفرق بينهما طريقان:
الأولى: أن الموصى به بالموت ضعف ملك مالكه؛ لأنه للميت بالموت سقط ملكه إياه، ونقله لوارثه يضعفه معارضة الوصية إياه، فقيل فيه: شهادة من ضعفت تهمته، وبراءة الذمة لا موجب لضعفها، فلفوتها سقطت معارضتها بشهادة من ضعفت تهمته.
الثانية: أن الوصية يخشى فوتها، فاكتفى فيها بشهادة من ضعفت تهمته كشهادة الصبيان، وهو موجب رعى القول بقبول الكافر فيها.
الجزء: 9 - الصفحة: 276
وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد رجلان كل منهما لصاحبه بعشرة دنانير، على رجل عن مجلس واحد؛ جازت شهادتهما إن كانا عدلين.
ابن رشد: فى صحة شهادة الشهود لمن شهدوا له فى مجلس واحد وسقوطها.
ثالثها: إن كانت على رجلين، وإن كانت عن مجلسين؛ جازت على رجلين.
وفى جوازها على رجل واحد؛ فعلى قولين، ومضى الخلاف فى هذه مسألة فى نوازل سحنون.
اللخمى عن الأخوين: إن كانت على رجل واحد فى مجلس واحد؛ لم يجز؛ وإن كانت شيئا بعد شئ؛ جازت، ولو تقاربا ما بين الشهادتين، وإن كانت على رجلين؛ جازت، ولو كانت عن مجلس واحد، وأرى رد جميعها، ولو كانت على رجلين فى مجلسين لفظا، أو بكتاب لتهمتهما إلا أن يطول ما بينهما.
المازرى: إن شهد رجلان بدين على رجل لرجلين شهدا لهما بدين عليه عن مجلسين؛ جازت ولو تقاربا، وإن كانت عن مجلس واحد؛ ففى سقوطهما نص قول الأخوين، وظاهر قول أصبغ، ثم اختيار اللخمى، ولم يتعقبه.
باب فيما تثبت به الحرابة
وفيها: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولا؛ إذ لا سبيل إلى غير ذلك شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن شهد مسلوبان على أن هؤلاء سلبونا هذه الثياب والدواب، وهى بأيديهم أقيم عليهم الحد بشهادتهما؛ ولم يستحقوا المتاع، ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 277
الدواب إلا بشهيدين سواهما.
ابن رشد: قيل: هذه مخالفة لما فيها؛ إذ لم يقل: إنه يحلف كل منهما مع شهادة صاحبه، ويستحق حقه على قياس قوله فى السرقة منها: أنه يقام على المحاربين الح، ويعطون المال بشهادة بعضهم لبعض، وقيل: ليست مخالفة لها.
ومعنى السماع: أنهما شريكان فى المتاع والدواب؛ فلذا سقطت شهادة أحدهما للآخر، وقيل: يستحقان الدواب والمتاع، وإن كانا شريكين فيهما، وهو الآتى على رواية مطرف فى أن شهادة شهيدين من المسلوبين على من سلبوهم جائزة فى الحد، والمال لأنفسهما ولأصحابهما؛ لأنها إذا جازت فى الحد؛ جازت فى المال لأنفسهما ولغيرهما؛ إذ لا تجوز بعض الشهادة، ويرد بعضها، وقيل: لا تجوز فى حد، ولا مال لغيرهما إذا لم تجز لأنفسهما؛ لأن من اتهم فى بعض شهادة؛ ردت كلها، وهو قول أصبغ.
قلت: كذا هو فى غير نسخة عزو ردها لأصبغ خلاف ما نقل عنه فى أول سماع القرينين: أنه يجوز منها ما لا تهمه فيه.
قال: وهو قوله فى نوازله: قال: ففى صحتها فى الحد والمال، ولو لأنفسهما، وردها فيهما، ولو بالمال لغيرهما، ثالثها: فى الحد والمال لغيرهما لا لأنفسهما لرواية مطرف، وقول أصبغ وابن القاسم مع روايته فيها، وعليه إن كانوا أربعة؛ قضى لاثنين منهما بشهادة الباقيين، وللباقيين بشهادة الآخرين، وإن كانا اثنين؛ قضى لكل منهما بشهادة صاحبه مع يمينه، ورابعها: لا يجوز فى ذلك أقل من أربعة تجوز فى الحد، وفى أموال الرفقة لا فى أموال الشهداء، هذا كله إن كان ما شهدوا به لأنفسهم كثيرا، وإن كان يسيرا لا يتهمون عليه؛ جازت لهم ولغيرهم لا يدخل فيه الاختلاف الذى فى الوصية لموضع الضرورة، ولو شهدوا عليهم بالسلب دون المال؛ جازت عليهم فى الحد، وفى بعضهم لبعض بعد ذلك فيما وجد بأيديهم من المال اتفاقا فيهما، وتقدم ما لسحنون فى نوازله فى أكرية السفن.
قلت: لم يعز الرابع، وعزاه ابن الحارث لابن الماجشون، والمغيرة، وابن دينار.
المازرى: معروف المذهب: أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة؛ صحت في غيره
الجزء: 9 - الصفحة: 278
كمن شهد بوصية بعتق ومال لرجل تبطل فى العتق، وتصح للرجل مع يمينه.
ابن الحاجب: وما الرفع؛ فكشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل خطأ.
ابن عبد السلام: أطلقوا القول برد هذه الشهادة مع أن الفقير لا يلزمه أداء شئ، والمقدار الذى يلزم الغنى أداؤه يسير جدا على ما يذكر فى موضعه، فتأمل هذا، وقابله بقول ابن المواز قبل هذا.
قلت: ظاهر قوله: إن هذا الفرع مقول لغير واحد من أهل المذهب، ولا أعرفه إلا للمازرى، ووجيز الغزالى، وإياه تبع ابن شاس، والله أعلم، وما أشار إليه من مناقضته قول بقبول شهادة الشاهد لنفسه بيسير الدين كالوصية؛ يرد بأن فى الدين ضرورة ليست فى التجريح؛ لأن متعلق الشهادة فى التجريح، وهى الجرحة باق؛ فهو متيسر تحصيله ببينة أخرى، ومتعلق الشهادة بالدين؛ وهى عمارة الذمة متعسر بفوته بفوت وقته.
وسمع ابن القاسم: شهادة الرجل لرجل، وللشاهد على المشهود له حق؛ جائزة.
ابن القاسم: بلغنى عنه إن كان المشهود له موسرا؛ قبلت، وإلا لم تقبل؛ لأنه إنما شهد لنفسه.
قال سحنون: قال ابن القاسم: وكذا لو كان للمشهود له على الشاهد حق، إن كان مليا؛ جازت شهادته، وإن كان معدما؛ لو تجز.
ابن رشد: ما بلغ ابن القاسم من تفرقة مالك بين كون المشهود له مليا أو معدما، مفسر لما سمعه منه مجملا، وهذا إن كان الدين حالا أو قريب الحلول، وإن بعد؛ جازت شهادته، كما لو مليا وشهادته له فيما عدا الأموال جائزة، قاله بعض أهل النظر، وهو صحيح، وأما إن كان الدين للمشهود له على الشاهد؛ ففى سماع زونان لأشهب جوازه كان مليا أو معدما خلاف قول ابن القاسم فى هذا السماع؛ يريد: والدين حال أو قريب الحلول؛ لأنه يتهم على أن يوسع له فى الدين ويؤخره به، كانت شهادته له بمال أو غير مال، ولم ير أشهب هذه تهمة فى العدل، وإن كان الدين للشاهد على المشهود له أو بالعكس؛ لم يقدح في الشهادة.
الجزء: 9 - الصفحة: 279
الباجي: إن كان للمشهود له على الشاهد دين، فإن كان غنيا؛ قبلت، وإن كان فقيرا؛ ردت، قاله ابن القاسم وأشهب والأخوان قالا: لأنه كأسير بيده، وهذا إن كان الدين حالا، أو قريب الحلول، وإن بعد أجله؛ جازت على قول سحنون، وردت على قول ابن وهب، ومعنى الغنى عندى فى هذه المسألة: أن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، ولو كان عنده كفافه؛ فالضرر يلحقه بتعجيله منه فترد به شهادته، قال: وشهادة عامل القراض لربه.
قال سحنون فى العتبية وغيرها: جائزة إن كان شغل المال فى سلع، وإن كان غنيا؛ ردت.
سمع عبد الملك بن الحسن ابن وهب: إن كان غنيا؛ قبلت وإلا ردت.
ابن زوقون لابن القاسم وأشهب فى العتبية: جوازها مطلقا، ولو كان معدما، وفى شهادة رب المال له الثلاثة الأقوال.
ابن رشد: فى آخر سماع ابن القاسم فى جواز شهادة كا منهما للآخر: ولو كان العامل معدما ثالثها: إن كان شغل المال فى سلع لظاهر قول أشهب وسماع أصبغ.
ابن القاسم: والآتى على قول ابن وهب، والآتى على قول سحنون.
****: تهمة الحب لأصل أو عارض:
الشيخ: روى ابن نافع: يدخل فى قول عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، شهادة الأبوين، والولد، وأحد الزوجين للآخر.
ابن الماجشون: لا خلاف فى هؤلاء عند أصحابنا، ومنهم الجد، وفى إجماع ابن القطان: النكث، لا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال فقهاء الأمصار، وعن عمر - رضي الله عنه - جواز ذلك، وقاله داود.
المازرى: ولا تجوز شهادة الأب، وإن علا لولده، ولو سفل، كان جدا من قبل الأب أو الأم، ولا شهادة بنى بنيهم لهم، وهو مشهور مذهب الشافعى.
وروى عن عمر قبول شهادة الأب لولده والولد لأبيه، وقاله شريح، والمزنى وداود.
الجزء: 9 - الصفحة: 280
وذكر بعض متأخرى الشافعيَّة عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون الأب لابنه، وهذه حكاية مستنكرة عند المالكية، وربما كانت وهمًا من ناقلها.
ابن سَحنون عنه: شهادة الولدين أن فلانًا شج أباهما، وهما مسلمان، والأب عبد أو مكاتب مسلما أو نصرانيَّا؛ ساقطة.
وكذا لو شهدا لأبيهما، وقد مات نصرانيَّا بدين على فلان، وترك ولدًا نصرانيَّا، وكذا لو شهدا أن أباهما العبد جنى على رجل جناية، أو أن سيده باعه أو أعطاه أحدًا.
ابن عبدوس عن سَحنون: وكذا شهادة ابن الملاعنة لمن نفاه.
ولابن رُشْد فى نوازل سَحنون من كتاب الأقضية الخلاف فى شهادة الأب عند ابنه والابن عنده، وشهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه واحد، قيل: كل ذلك جائز، وهو قول سَحنون؛ لأجل إجازته شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وإجازته شهادته عنده إلا أنه شرط كونه مبرزًا، وهو تفسير لقوله فى سائر المسائل الأربعة، وهو قول مُطَرَّف؛ لإجازته شهادة كل منهما مع شهادة صاحبه، وشهادته على قضائه بعد عزله، وشهادته على شهادته بكذا شهادته عنده، وقيل: ذلك غير جائز، وهو قول أَصْبَغ؛ لمنعه شهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وهو الآتى على مذهبه فى سائر المسائا المذكورة.
وفرق ابن الماجِشُون بين شهادة كل واحد منهما مع صاحبه، وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله؛ فأجاز شهادته مع شهادته، ولم يتهم الآخر منهما على إرادته إتمام شهاته ابنه أو أبيه، ولا على إرادة إخفاء شهادته، ولم تجز شهادته على حكمه بعد عزله، وهو تناقض، وتعديل أحدهما الآخر؛ ولم يجزه أحد من أصحاب مالك إلا ابن الماجِشُون قال: إن لم يكن التعديل نزعه، وليس له قام؛ وإنما نزعه، وقام به إحياء شهادته؛ فلا بأس أن يصفه بالذى تتم به شهادته من عدالته، وفيه بعد.
قُلتُ: وما أدركت قاضيًا حفظه من تقديم ولده أو قريبه إلا قاضيًا واحدًا جعلنا الله من علم الحق وعمل به.
ابن عات لبعض شُيُوخ الشورى بقرطبة: شهادة الأخوين فى حق واحد لرجل
الجزء: 9 - الصفحة: 281
جائزة، وليسا كالابن مع أبيه.
وفيها: لا تجوز لأحد الزوجين على صاحبه.
زاد فى كتاب سحنون: كان المشهود له حرا أو عبدا أو مكاتبا.
المازرى: ومنعها بينهما عام فى المال وغيره.
فيها مع غيرها: إن شهد لأمه بالعتق زوجها، ورجل أجنبى؛ لم تجز شهادتهما.
المازرى: إذا ردت شهادته؛ ففى جواز وطئه إياها قولان، ولو كان عبدا؛ لكان ولها فراقه لإقراره بحريتها، ولو رضيت بالبقاء؛ فهل يمكن من وطئها قولان، بناء على اعتبار لغو شهادته، وخوف إرقاق ولده، وعلى الأول قال بعض الشيوخ: ينبغى أن يستبرئها؛ ليفرق بين ولده الرقيق والعتيق.
ولأصبغ فى نوازله: من ثبتت شهادته عند قاض لامرأة؛ فلم يحكم بها حتى تزوجها الشاهد؛ لو تبطل شهادته، وأخبرنا بعض شيوخنا القضاة فى دراسه عند ذكر هذه المسألة: أن بعض شيوخ المفتيين المحصلين المشهورين كان وقف عن الشهادة بتونس بسبب أنه شهد فى استرعاء لامرأة بحق، ثم تزوجها، وفهمنا عنه بذكره ذلك زجر الطالب عن ترك التحفظ، ولو وافق بتركه قولا منصوصا فى مذهبه.
ابن شاس: قال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يجيزون شهادة الأب، والابن، والزوج، والزوجة على أنه وكل فلانا، ولا يجوز على أن فىنا وكله.
قلت: وفى اختصار الواضحة لأصبغ عن ابن القاسم: تجوز شهادة الأب لابنه على أنه وكل غيره لا على أن غيره وكله.
وفى شفعتها: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريبه؛ لا يجوز أن يشهد له أن فلانا وكله على شئ، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره.
عياض: هذا إن كانت شهادته عليه لا له، مثل أن ينكر التوكيل، أو يكون القائم به غيره لمنفعته لا لحقه هو، ومتى كان هو القائم بذلك لحق له أو لغيره؛ لم تجز.
قلت: ونحوه نقل الشيخ عن ابن سحنون عنه: لا تجوز شهادة ابنين على أبيهما أنه باع ثوبا من فلان، وفلان محجوز، ولو جحد الأب وادعاه فلان؛ جازت بذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 282
وشهادة الأخ لأخيه بالمال: قال الباجى: إن كان الشاهد فى إنفاق المشهود أو يتكرر عليه معروفه؛ لم يجز شهادته له، وإلا ففى جوازها مطلقا، وإن كان مبررا، أو إن لم تنله صلته، رابعها: فى اليسير مطلقا.
وفى الكثير شرط التبريز: وخامسها: فى غير الربع المتهم يجره إليه أو إلى ابنه، كحبس مرجعه إلى بنيه؛ لرواية الأخوين مع رواية ابن القاسم، فى الموازية والمجموعة، وذكر المازرى خمسة منعها مطلقا، والثلاثة الأول، وخامسها فى اليسير دون الكثير لابن كنانة، وعزا الثالث لها كابن رشد: والثانى عزاه ابن حارث لسماع ابن نافع، وعزا ابن رشد الأول لرواية ابن وهب، قال: ولم يفرقوا بين كون الأب الذى به اخوتهما حيا أو ميتا، والآتى على قول ابن القاسم فى منع شهادة الرجل لزوجة ابنه، أو زوجة أبيه، أو لابن زوجته، أو لأبيها منعها لأخيها إن كن من به أخوتهما حيا أو أحدهما.
قلت: فالأقوال ثمانية: خمسة الباجى، وقولا ابن ناف وابن كنانة، ومخرج ابن رشد قائلا: لا خلاف فى جوازها فى الحقوق والأموال، إن لم يكن الشاهد فى عيال المشهود له.
اللخمى: لا تجوز له بحال فيما تدرك فيه الحمية والغضب، ولا إن كان إنفاق المشهود له، وفى عكسه خلاف تقدم إلا أن تكون نفقته عليه؛ لئلا تدركه معرة ضعته، ولا بإنكاحه امرأة يتشرف بمثلها، أو تعلقت نفسه بها أو موسرة، والمشهود له فقير، فإن عريت من هذه التهم، جرت على خلاف ابن رشد.
أجازها ابن القاسم له فى النكاح، ومنعها سحنون: إن نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم.
وفى كونه تفسيرا لقول ابن القاسم، أو خلافا، قولا ابن دحون وغيره، وليس بصحيح.
وجراح الخطأ وقتله كالمال: وفى لغوها فى جراح العمد وصحتها نقلا اللخمى عن معروف المذهب، وأشهب مع الموازية، وقول أصبغ هذا أحب إلى، وفيه اختلاف.
الجزء: 9 - الصفحة: 283
ابن رشد على سماع زونان: أشهب: تجوز فى جراح العمد، تجوز فى قتله والحدود.
اللخمى: لا تجوز فى أن فلانا قذفه، وفى كل ما تمتنع شهادته فيه له، بمنه تعديله من شهد له بذلك، وتجريحه من جرح شاهده، وتجريح من شهد عليه بما يؤدى إلى عقوبة الأخ.
ابن رشد: فى صحة تعديله إياه، ونفى التجريح عنه ومنعها ثالثها: يعدله ولا يجرح ومن جرحه؛ لظاهر قول ابن القاسم مع ظاهر قول الأخوين، وابن نافع مع أصبغ وأحد قولى ابن الماجشون، واختيار ابن حبيب هذا إن جرحه بالإسفاه، وبالعداوة يصح أن يجرح من جرحه، قاله سحنون فى نوازله، وهو صحيح على القول بجوار تعديله.
شهادة الصديق الملاطف: الذى تحت إنفاق من شهد له لغو، وإن لم يكن تحت إنفاقه، فطرق الباجى فى صحة شهادة الصديق الملاطف الذى يناله معروف من شهد له روايتان، وجه القبول: أن الغنى ذا المعروف لو لم يقبل له إلا شهادة من لا يناله معروفه؛ لردت له شهادات كثيرة، واقتضى ذلك منعه معروفه.
اللخمى: قال مالك: شهادة الصديق جائزة إن كان لا يناله معروفه ولا صلته.
وقال ابن كنانة: تجوز فى اليسير، ولا تجوز شهادة الملاطف للملاطف بمال، ولا غيره، وتجوز شهادة الملاطف للملاطف فى المال وغيره.
المازرى: مشهور المذهب قبول شهادته لصديقه إن كان ليس فى نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصله، ثم ذكر قول ابن كنانة، ولم يتعرض لتفرقة اللخمى بين اسم الفاعل والمفعول فى الملاطف.
المتيطى: أجاز مالك شهادة الرجل لصديقه الملاطف، وإن ناله معروفه، ومنع منه فى رواية أخرى، وذكر قول ابن كنانة.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسم: يشترط التبريز فى العدالة على مذهب ابن القاسم فيمن سئل فى مرضه شهادة؛ لتنقل عنه، فقال: لا أعلمها، ثم شهد بها، واعتذر بأنه خشى فى مرضه عدم تثبه فيها، ومن زاد فى شهادته أو نقص بعد أدائها، وشهادة
الجزء: 9 - الصفحة: 284
الأخ لأخيه، والأجير لمن استأجره إن لم يكن فى عياله، أو شهادة المولى لمن أعتقه، وشهادة الصديق الملاطف لصديقه، وشهادة الشريك المفاوض لشريكه فى غير مال المفاوضة.
اللخمى لابن القاسم فى العتبية: لا تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولا لزوجة ولده.
ولابن كنانة: لا تجوز فى امرأته، ولا لزوجة ولده إلا فى اليسير.
ولسحنون: تجوز لزوج ابنته، ولأبويه، ولابن امرأته ولأبويها، إلا أن تكون الزوجة؛ ألزم السلطان ولدها النفقة عليها لفقر الزوج، ووقف الشهادة فى جميعها أحسن إلا فى المبرز المنقطع فى الصلاح والخير، فتستحق فى أبوى امرأته، وأبوى زوج ابنته.
المازرى: حاصل هذا النوع أن ما تعلقت به الشهادة بالذات، وهو المضاف للمضاف للشاهد لا تهمة فيه على الشاهد من حيث ذاته، وتلحقه المعرة من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ففى قبول الشهادة فيه وردها: قولا سحنون وابن القاسم بناء على اعتبار تعلق الشهادة من حيث ذات المشهود له، أو من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسن قوله: لا تجوز لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه خلاف قول سحنون حسبما يأتى من اختلافهما فى سماع عيسى.
قلت: قول سحنون فى سماع عيسى هو ما تقدم للخمى عنه.
قال ابن رشد فيه: أما شهادته لابن وزج ابنته وأبويه؛ فلا يخالف ابن القاسم سحنون فى جوازهما لهم؛ لبعد التهمة، وإنما يخالفه فيما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا تجوز شهادة الأب لابنه الصغير، أو السفيه على كبير؛ لتهمته بالجر لنفسه لمكان الذى فى حجزه وولايته، وإن شهد لكبير على صغير، أو لكبير على كبير؛ جازت إن كان عدلا، إلا أن يكون المشهود له ممن يتهم عليه؛ لانقطاع
الجزء: 9 - الصفحة: 285
منه إليه، والأثر له على غيره، وليس بمنزلته، أو عرف بفوته للمشهود له دون الآخر؛ فلا يجوز، ولسحنون عن ابن القاسم مثله.
وقال سحنون: لا تجوز شهادة الأب لابنه على حال، ولو لكبير على صغير.
ابن رشد: منعها لصغير أو سفيه على كبير، أو لمن له إليه انقطاع، أو على من بينه وبينه عداوة من بنيه متفق عليه.
وفى وفى **** لكبير على كبير، وعلى من فى حجره من صغير أو سفيه، ولمن فى حجره منهما على من فى حجره منهما:
قولا ابن القاسم وسحنون، ولابن عبدوس عنه جوازها، ورجع فى كتاب ابنه لمنعها.
اللخمى: منعها سحنون، ولو كانت لعاق على بار قال: لما جاء فى السنة من منع شهادة الأب لابنه، وقول ابن القاسم أحسن، ولا ترد شهادة العدل إلا لتهمة.
ابن رشد: ولا تجوز لولده على ولد ولده، وفى العكس جائزة اتفاقا.
فيهما: وله فى أول سماع أشهب فى شهادة الولد لأحد أبويه تفصيل.
قال فى هذا السماع: لا تجوز إلا فى اليسير إن كان عدلا منقطعا فى الصلاح جدا.
ولابن عبدوس عن ابن نافع: شهادته لأحد أبويه على الآخر جائزة، إلا أن يكون فى ولاية الأب، أو يكون الأب تزوج على أمه فأغارها، فيتهم أنه غضب لأمه؛ فلا تجوز.
قلت: كذا هو فى النوادر، وهذا على أن الولاية لا تمنع العدالة فى الشهادة قال: ولو شهد لأبيه على ولده أو لولده، وليس فى حجره على أبيه؛ لتخرج على الخلاف فى شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده، أو لولده على ولد ولده؛ لانبغى ردها قولا واحدا.
وسمع عيسى ابن القاسم: شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه، أو غيرها، وأمه ميتة جائزة إلا أن تكون عداوة.
سحنون: إن شهد بطلاق أمه، وهى طالبه للفراق؛ لم تجز، وإ كانت منكرة؛
الجزء: 9 - الصفحة: 286
جازت.
وقاله أصبغ ابن رشد: قول سحنون وأصبغ تفسير لقول ابن القاسم قال: وتحصيل شهادة الابن على أبيه بطلاقه أن شهادته عليه بطلاق أمه جائزة إلا أن تكون طالبة للطلاق، وبطلاق غير أمه جائزة إن كانت أمه ميتة، وغير جائزة إن كانت حية فى عصمته إلا أن تكون المرأة هى الطالبة للطلاق، والنظر عندى أن لا تجوز بطلاقها، وإن كانت طالبة للفراق، إن كانت أمه فى عصمته، وإن كانت حية فى غير عصمته؛ ففى شرط جوازها بكون المرأة طالبة للطلاق وجوازها مطلقا، وقول ابن القاسم فى هذا السماع مع الأخوين وأصبغ قال بعض أهل النظر على قول ابن القاسم فى هذه المسألة: لو شهد على أبيه بطلاق زوجتيه إحداهما أمه، والأم غير طالبه للطلاق، والأخر طالبة؛ جازت فيهما كانت شهادته مفترقة أو مجتمعة، ومقابله ساقطة فيهما، كانت مجتمعة أو مفترقة؛ لتهمته فى أمه بأن يشهد لها بما ترغب، وفى ضرتها بأن يشهد عليها بما تكره طلبا لرضى أمع، وإن كرهتا معا الطلاق؛ لم تجز إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى غير أمه؛ لتهمته بسبب أمه، وفى أمه باتهامه.
فى بعض الشهادة: وإن كانت الشهادة متفرقة؛ جازت فى أمه لا فى الأخرى، وإن كانتا طالبتين للفراق؛ بطلت إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى الأم بالتهمة، وفى الأخرى باتهامه فى بعض الشهادة، وإن كانت متفرقة؛ جازت فى غير أمه، فتطلق إن كان معه غيره، ويحلف أبوه إن لم يكن معه غيره، وتسقط لأمه؛ لأنه شاهد لها بما تطلبه.
قلت: قوله: والنظر عندى إلخ هـ؛ يقتضى أن ما اختاره لم يعرفه لمتقدم قبله نصا.
وقال اللخمى: إن قامت غير الأم بشهادة الولدين؛ والأم فى عصمة الأب، فأجازها أصبغ، ومنعها سحنون بعد أن أجازها، والقياس منعها كانت الأم فى عصمة الأب أو لا، حية أو ميتة؟ كانت الأجنبية منكرة أو قائمة بالشهادة لجرى العادة بالعداوة والبغضاء بين المرأة وربيبها، وإن كانت شابة؛ كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد يشاركه فى الإرث، أو يميل ماله إليها.
الشيخ لابن سحنون عنه: تجوز شهادته لامرأة طلقها، ولو كان له منها ولد، ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 287
تجوز تزكيته إياها.
ولابن عبدوس عنه: إن كان مليا، ولا حاجة بولده لأمه؛ جازت إن كان عدلا، وإن كان عديما، وولده فى نفقة الأم، لم تجز، ونقلهما المازرى قولين غير معزومين.
الشيخ لابن عبدوس عن سحنون: لا تجوز لابن الملاعنة لمن نفاه.
قلت: مفهوم بعض ما تقدم من الروايات جوازها، الرابع: عداوة الشاهد للمشهود عليه معتبرة فى المانعية اتفاقا.
الشيخ فى المجموعة: وشهادة العدو على عدو أحب إلى طرحها.
زاد فى كتاب ابن سحنون: وهو مصارم له، ولو كان عدلا فى جميع الأمور.
وفى كافى ابن عبد البر: لا تجوز شهادة عدو على عدوه مصارما كان له أو غير مصارم.
وفى نوازل سحنون: إن كانت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه فى أمر الدنيا فى الأموال والمواريث والتجارة ونحوها؛ سقطت شهادته عنه، وإن كانت غضبا لله لفسقه، وجرأته على الله لغير ذلك؛ لم تسقط.
ابن رشد: قوله مفسر لجميع الروايات؛ ولذلك لم تسقط شهادة القاضى على من أقام عليه حدا، أو ضربه فى أمر يوجب ضربه حسبما مضى فى سماع يحيى.
قلت: زاد فيه عن أصبغ: لو شهد المضروب عند وال غير الذى ضربه، فأعلمه ضاربه أنه غير عدل؛ لأنه ضربه حدا من حدود الله؛ سقطت شهادته بقوله وحده، وأما بعد عزله؛ فلا تجوز شهادته بجرحته بذلك؛ لأنه يريد أن ينفذ حكمه عليه بشهادته.
وقول أصبغ هذا نحو قول ابن الماجشون فى كتاب القاضى لقاض بعديل الشاهد من أهل عمله، معارض لرواية أصبغ عن ابن القاسم فى الأقضية.
المازرى: قال ابن كنانة: إن كانت العداوة خفيفة على أمر خفيف؛ لو تبطل الشهادة.
اللخمى لابن سحنون عنه: إن كانت العداوة غضبا لله لجرمه وفسقه؛ فالشهادة جائزة؛ لأنا نشهد على أهل البدع والملل وهذا حسن، إذا لم يعلم من الآخر عند
الجزء: 9 - الصفحة: 288
مهاجرته مقابحة بقول أو فعل، وعبر عنه المازرى بقوله: لكون من عودى أفرط فى إذاية معاديه، والوقيعة فيه، حتى صار المعادى يجب الانتصار لنفسه، ويحمله ذلك على قبول الباطل، فإن هذا يصير العداوة من الجانبين ليست من أسباب الدنيا.
ولسحنون: إن شهد رجل آخر، فبعد نحو شهرين، شهد المشهود عليه على الشاهد؛ لم تقبل شهادته عليه، فرأى أن الشهادة الأولى توجب عداوة فى نفس المشهود عليه، والشاهد الأول لم يبد منه ما يدل على العداوة؛ لكنه بدا من الثانى ما يستدل به عليها فى حق نفسه؛ فلذا ردت شهادته، وما قاله على الإطلاق قد يتعقب، ولا بد من اعتبار دين الشاهدين، وبروزهما فى العدالة، وكون الشهادة الأولى لم تقع بما يوجب حقدا؛ لاحتقار ما شهد به الشاهد الأول
قال ابن الحاجب إثر نقله رد الشهادة: لعداوة فى أمر دنيوى.
قال سحنون: ومثله لو شهد المشهود عليه على الشاهد، وهو فى خصومته.
عارض ابن عبد السلام مفهوم قوله: وهو فى خصومته بما تقدم للمازرى عن سحنون فى مسألة الشهرين، وما نقله ابن الحاجب عن سحنون لا أعرفه لغيره، ونقل المازرى كاللخمى.
قال ابن رشد فى أول سماع القرينين فى إيجاب مجرد الخصومة: ولو فى قليل سقوط شهادة أحدهما على الآخر، ولو بعد طول ما لم يصطلحا، وصحتها بينهما بعد الخصومة فى غير الأمر الجسيم، الذى يورث حقدا وعداوة وما تخاصما فيه.
ثالثها: يجوز بعدها مطلقا، ولو لم يصطلحا ما لم يقع بينهما فيها مشاتمة لهذا السماع وابن كنانة وغيره، وهو قول يحيى بن سعيد فى نوازله.
قلت: هو فيها من نقل ابن وهب عنه، وسياقه يدل على أنه قائل به.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من شهد على عدوه، وله شهادتين مفترفتين؛ جازت له لا عليه، وإن كانت شهادة واحدة؛ سقطت فيهما.
انتهى.
ابن رشد: هذا على المشهور فى بطلان كل الشهادة ببطلان بعضها للتهمة، خلاف قول أصبغ فى نوازله: يجوز منها ما لا تهمة فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 289
ابن عات: قال الشعباني: تقبل شهادة القراء فى كل شئ، لا شهادة بعضهم على بعض؛ لأنهم يتحاسدون كالضرائر، والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من يحسده.
المتيطى فى المبسوطة: لابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعنى العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسدا، وقاله سفيان الثورى، ومالك بن دينار.
قلت: العمل على خلاف ذلك، وشهادة ذوى القبول منهم مقبولة بينهم كغيرهم، ولعل قول ابن وهب فيمن ثبت تحاسد بينهم.
وفى نوازل أصبغ: من شهد لرجل على آخر، والمشهود عليه قائم يسمع، فلما فرغ من شهادته تحول للمشهود عليه، فقال له والقاضى يسمع: إنك تشتمنى، وتشبهنى بالمجانين وتهددنى، وشبه ذلك شهادته إلا بعداوة قديمة.
ابن رشد له الثمانية: إن قاله على وجه الشكوى والاستنهاء من الأذى لا على وجه طلب خصومة، ولا سيما الشتمة؛ فلا أراه شيئا، وإن سمى الشتمة، وهى مما فى مثلها الخصومة، أو كان ذلك منه على وجه الطلب لخصومته، وإن لم يسم المشاتمة؛ فشهادته ساقطة، وهو مفسر لقوله هنا.
ولابن الماجشون فى الثمانية: تبطل شهادته بهذا القول؛ لأنه أخبر أنه عدوه قال: ولو قال ما هو أدنى من هذا؛ سقطت شهادته، وقول ابن الماجشون أصوب.
قلت: لم يحك اللخمى غير قول أصبغ فى العتبية، وقال: وطرجها أحسن إلا أن يكون مبرزا فى حاله بعيد التغير عند الأذى؛ فذلك أخف، واختلف فيمن كانت له عنده شهادة، كان يذكرها على رجل، ثم عاداه، واحتيج للقيام بها، وقبولها هنا أخف إذا كانت قيدت، ونحوه قول المازرى اختلف المذهب فى شهادة العدو على عدوه، إن سمعت منه قبل زمن العداوة.
وقول اللخمى: قيدت أخص من قول المازرى: سمعت.
وسمع ابن القاسم: من شهد على رجل بينه وبينه عداوة، فاحتاج أهل الشهادة إليها؛ فليشهد عليه، ويخبر مع شاهده بعداوته إياه، ولا يكتم ذلك.
ابن رشد: مثله فى سماع عيسى خلاف سحنون ونوازله، وأصح القولين: أنه
الجزء: 9 - الصفحة: 290
لا يخبر بعداوته إياه؛ لأنه يبطل بذلك حقا يعلم صحته.
وفى نوازل سحنون عنه: قال ابن وهب: بلغنى عن يحيى بن سعيد أنه قال: من كانت بينهما عداوة، ثم اصطلحا بعد ذلك؛ جازت شهادة كل واحد منهما على صاحبة.
ابن رشد فى سماع القرينين: وقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ: وذلك إذا طال الأمر، واستحق الصلح، وظهرت براءتهما من دخل العداوة؛ لتهمته إذا شهد عليه بقرب صلحه أنه إنما صالحه؛ ليشهد عليه.
قلت: لم يحك جوازها بعد الصلح مطلقا إلا عن يحيى بن سعيد، والأولى عزوه للموازية لقول الشيخ فى الموازية: كل من كان بينهما عداوة، وهجرة ومصارمة، ثم اصطلحا؛ فشهادة أحدهما على الآخر جائزة.
وسمع القرينان: إن مكث المتخاصمان بعد خصومتهما سنين إن كان أمرهما صار إلى سلامة وصلح؛ فشهادة أحدهما على صاحبة جائزة.
ابن رشد: ظاهره: أن مجرد الخصومة، ولو فى قليل؛ يوجب العداوة بين المتخاصمينو ومثله فى سماع سحنون، ونوازل أصبغ: ولو سلم كل واحد منهما على صاحبه، ولم يعودا إلى ما كانا عليه قبل المخاصمة من التكلم؛ لم تجز شهادة أحدهما على صاحبه، ولم يخرجه ذلك من الهجران إذا لم يكن مؤذيا له على ما فى رسم باع شاة من سماع عيسى.
وقال الأخوان: إذا لم يكن بينهما خاصا؛ خرج بالسلام عن الهجرة، وجاز عليه شهادته إن ترك كلامه.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن أخذ صاحب السوق سكرانا فسجنه، وشهد عليه هو وآخر؛ لم تجز شهادته عليه؛ لأنه صار خصما حين سجنه، ولو رفعه لغيره قبل أن يسجنه؛ جازت شهادته.
ابن رشد: إنما جازت شهادته عليه، وإن رفعه ما لم يسجنه؛ لأن ما فعل من رفعه، وأخذه لازم له؛ لأنه موكل بالمصلحة؛ لأنه صاحب السوق، ولو لم يكن صاحب السوق يأخذ سكرانا، فرفعه إلى غيره؛ لم تجز شهادته عليه على ما قال في المسألة
الجزء: 9 - الصفحة: 291
التي بعد.
قلت: هي قوله في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فتعلقوا به، وأتوا به إلى السلطان، وشهدوا عليه: لا تجوز شهادتهم، وهم قذفة.
ابن رشد: إنما لم تجز شهادتهم عليه؛ لأن فعلهم وتعلقهم به ورفعهم إياه لا يجب عليهم؛ بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، ولو كانوا أصحاب شرطة موكلين بتغيير المنكر ورفعه؛ جازت شهادتهم.
وللأخوين وأصبغ: إن شهد أربعة بالزنا على رجل؛ جازت شهادتهم، وإن كانوا هم القائمين به مجتمعين جاءوا أو مفترقين، إن كان افتراقهم قريبًا ببعضه من بعض؛ لأن قيامهم لحق الله، فلم يكونوا خصماء، ولو كانت شهادتهم فيما يستدام فيه التحريم كالطلاق والعتق؛ جازت شهادتهما، ولو كانا هما القائمان بذلك؛ لأن قيامهم متعين.
وقال بعض المتأخرين: لا تجوز على قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن كل من قام في حق يريد إتمامه، فيتهم أن يزيد في شهادته؛ ليتم ما قام به، وهو بعيد.
قلت: فشهادة من رفع من شهد عليه؛ لأنه مولى على ذلك مقبولة، وفي غير المولى عليه، ثالثها: إن كان فيما يستدام تحريمه للأخوين، وبعض المتأخرين على قياس قول ابن القاسم فيما لا يستدام تحريمه.
وابن رشد: محتجًا بأن القيام به متعين عليهما.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد شاهدان على صبي يجرحه إنساناً، وهما عدوان لوصيه، أو شهدا بدين على الميت؛ جازت شهادتهما، وشهادتهما على من هما عدو أبيه ساقطة، ولو كان مثل أبي شريح، وسليمان بن القاسم، ونقل ابن شاس، وابن الحاجب قول ابن القاسم هذا، ولم يتعرض شارحاه، ولا ابن رشد للتعريف بهذين الشيخين، فنظرت في رجال الصفوة، فلم أجدهما فيه، ولم يذكرهما أبو نعيم في «الحلية»، ثم وجدت في اختصار رجال «تهذيب الكمال» للمزي يذكر في طبقة الثورى ومالك.
قال عبد الرحمن بن شريح: أبو شريح المعافري أخذ عن أبي قبيل، وأبي الزبير، روى عنه هانئ بن المتوكل، وابن وهب، وابن القاسم من الثقات، وللباجي في كتاب
الجزء: 9 - الصفحة: 292
سنن الصالحين قال: قال ابن القاسم: سمعت سليمان بن القاسم، وغيره ممن أثق به: بلغنى أن الرجل؛ يريد: أن يبلغ وجها من العبادة، فيمنعه الله إياها نظرا له، ولو بلغها كان فيها هلاكه.
قلت: فهما شيخان له.
ابن رشد: معنى إجازتها على الوصى إن لم يكن بيده مال يؤخذ منه دية الجرح، أو كانت ديته الثلث فصاعدا؛ لأنه ببلوغه الثلث على العاقلة؛ لأن عمد الصبى خطأ، ومعنى قبول شهادتهما بدين: أن المال لم يصل ليد الوصى، ولو كانت بعد وصوله له؛ ردت شهادتها؛ لتهمتهما على إخراج المال من يده، وقاله ابن حبيب عن الأخوين، وأصبغ؛ وهو تفسير لقول ابن القاسم.
قلت: قول اللخمى أجازها ابن القاسم ومنعها الأخوان؛ لأنه يخرج ما فى يد الصبى خلاف قول ابن رشد، وهو تفسير لقول ابن القاسم، ولا حارث؛ كاللخمى.
قلت: فى تفرقته بين وصوله وعدمه نظر؛ لأنه وإن لم يصل إليه متمكن من أخذه، وهذا إن كان الوصى ممن يمكن منه عادة تجره بمال اليتيم لنفسه لا لليتيم، ولو كان ممن يقتضى حاله التنزه من تجره به لنفسه، أو كان مال اليتيم ربعا ليس فى غلته، فضل يظن تجر الوصى به؛ لا نبغى قبول شهادتهما؛ لأنه حينئذ شهادة تنفع الموصى بالراحة من مؤنة حفظ المال والقيام به.
قال: وشهادته على ابن عدوه وأبيه بقتل أو حد؛ ساقطة اتفاقا.
وفى المال والجراح: ثالثها: فى الجراح لهذا السماع، ومحمد بن سحنون عن محمد بن رشيد وأبيه.
وفى المدارك: قال المالكى: محمد بنرشيد مولى عبد السلام بن الفرج الربعى؛ يكنى أبا زكرياء، كانت رحلته إلى الحجاز، وإلى ابن القاسم بمصر واحدة.
قال ابن سحنون: كان فقيها حسن البيان.
قال ابن الحارث: إذا تكلم ابن القاسم فى العلم أسرع ابن رشيد إلى فهمه، وكان سحنوه يتباطأ عنه غير أنه فهم رسيخ في قلبه.
الجزء: 9 - الصفحة: 293
قال ابن العرب: كان أهل الأندلس يسمعون منه أكثر مما يسمعون من سحنون، ثم رخص فى المعاملة بالعينة، فتركه كثير من الناس.
اللخمى: فى جوازها بمال، وما لا يلحق الأب معرة وردها مطلقا.
ثالثها: إن لم يكن فى ولاية أبيه.
ورابعها: إن مات الأب لمحمد، وابن القاسم قائلا ولو كان مثل أبى شريح، وسليمان بن القاسم، وأحد قولى ابن الماجشون وثانيهما.
الشيخ فى الموازية: تجوز شهادة العدو على ابن عدوه، وإن كان فى ولايته ما لم يكن بما عليه فيه حد أو عيب أوقتل؛ لأن فيه معرة للأب، وكذا الأم والجد، وأما الأخ وسائر القرابة؛ فبخلاف ذلك؛ ابن حارث اختلف فى منعها على أخى عدوه، لابن عبدوس فى منعه عليه قولا سنحون وابن الماجشون.
وسمع عيسى ابن القاسم: من هاجر رجلا، ثم بدا له، فسلم عليه، وهو مجتنب لكلامه، وإن كان مؤذيا له؛ فقد برئ من الشحناء.
ابن القاسم: فإن كان غير مؤذ له؛ لم يبرأ منها.
قلت: فهل تسقط شهادته عليه باعتزاله كلامه، وهو غير مؤذ له؟ قال: نعم.
هـ.
ابن رشد: معنى قول مالك، وابن القاسم: إن المسلم يخرج من الشحناء إن كان المسلم عليه مؤذيا للذى ابتدأ بالسلام، ولا يضر البادئ بالسلام تركه كلام المؤذى، وإن كان المسلم عليه غير مؤذيا للبادئ بالسلام؛ فلا يخرج البادئ بالسلام بسلامه من الشحناء حتى يكلمه؛ إذ لا عذر له فى ترك كلامه، فإن كان مؤذيا له؛ جازت شهادته عليه إذا سلم عليه، وإن لم يكن مؤذيا؛ لم تجز شهادته عليه حتى يرجع لكلامه.
ولابن حبيب عن الأخوين: إن كان ما بينهما خاصا؛ لم يخرج من الهجران، ولم تجز شهادته عليه حتى يرجع إلى كلامه، وإن لم يكن ما بينهما خاصا؛ برئ من الهجران بالسلام، وإن لم يكلمه، وجازت شهادته عليه.
الشيخ فى المجموعة عن ابن كنانة: هجرة المتهاجرين إن كانت خفيفة، وقعت عن أمر خفيف؛ جازت شهادة أحدهما على الآخر، وأما المهاجرة الطويلة؛ فلا.
الجزء: 9 - الصفحة: 294
الشيخ عن محمد ابن عبد الحكم: تجريح العدو عدوه مردود، وتعديله إياه مقبول.
اللخمى: كل موضع ترد فيه شهادة الأخ لأخيه؛ رد فيه تعديله من شهد له، وتجريحه من جرح من شهد له، أو جرح من شهد عليه بما إذا ثبت أدى إلى عقوبة الأخ، أو حده، أو قتله.
وفى صحة تعديله أخاه؛ خلاف، ومنعه أصوب.
قلت: تقدم فى فصل شهادة الأخ أن فى تعديله قولا ابن القاسم وأشهب.
اللخمى: وهذا إذا شهد بما إن ردت شهادته؛ لم يعاقب، ولو كانت فيما إن ردت؛ حدا أو عوقب كشهادته بزنا أو غيره؛ لم تجز، ولا يجرح من جرح أخاه؛ لأنه يدفع به معرة بخلاف التعديل.
محمد: إن جرحه بهجرة أو عداوة؛ جاز؛ يريد: بخلاف الجرحة بالإسفاه.
محمد: ولا يجرح من جرح عمه، وأجاز بذلك فى الأخ وابن العم، وأرى أن لا يجوز تجريحه فى أخ، ولا عم ولا ابن عم، وإن كانت الجرحة بعداوة أو هجران؛ لأن رد شهادة الشاهد، وصم عليه، وهو مما تدرك فيه الحمية، ولأن رد شهادة الشاهد لعداوة؛ فهو لتهمته أنه شهد بزور لأجل ما بينهما.
ولابن رشد فى نوازل سحنون: قول سحنون: للشاهد أن يجرح من جرح أخاه بعداوة صحيح القول أنه يعدله، وعلى أنه لا يعدل لا يجرح من جرحه بعداوة، ولا بإسفاه، وقيل: يجرح من جرحه بعداوة، وإسفاه على القول أنه يعدله، وهو ينحو لقول من يجيز شهادته له فيما سوى الأموال مما فيه العصبية، والحمية كالقتل والحدود.
فقول سحنون هذا فى تفرقته بين أن يجرح من جرحه بعداوة، أو أسفاه قول ثالث؛ فلا يجوز على مذهبه لمن جرح أخوه بفسق، ولا عداوة أن يجرح من جرحه بعداوة، ويجوز لمن جرح أخوه بعداوة أن يجرح من جرحه بفسق وبعداوة، وله أن يجرح من جرح عمه بعداوة اتفاقا، وإنما يختلف فى تجريح من جرحه بإسفاه على قولين، وإنما الثلاثة الأقوال فى تجريح الرجل من جرح أخاه.
وقال ابن دحنون مفسرا لقول سحنون: إذا جرح عمك، أو أخوك بفسق؛ لم يجز
الجزء: 9 - الصفحة: 295
لك أن تجرح من جرحه بفسق، ويجوز أن تجرحه بعداوة، وإن جرح عمك أو أخوك بعداوة؛ جاز أن تجرح من جرحه بفسق وعداوة، وهو غير صحيح فى المعنى، فتدبره.
قال ابن الحاجب: ومن امتنعت له؛ امتنعت فى تزكية من شهد له، وتجريح من يشهد عليه، ومن امتنعت عليه؛ امتنعت فى العكس.
قلت: وأقل من شطر عدد كلماته قولنا: والتزكية فى كل شئ كشهادة به، والتجريح فيه؛ كشهادة بنقيضه، وعلة الجميع جر نفع، أو نفى ضرر.
الخامس: التهمة على إزالة نقص عرض، أو تخفيف معرة بمشارك فيها.
فيها: إن شهد صبى، أو عبد، أو نصرانى عند قاض، فردها لموانعهم؛ لم تجز بعد زوالها أبدا.
المازرى والشيخ لابن سحنون عنه: أجمع أصحابنا على أن الشهادة إذا ردت لظنه، أو تهمة، أو لمانع من قبولها، ثن زالت التهمة، أو الوجه المانع من قبولها أنها إن أعيدت؛ لم تقبل.
الصقلى لمحمد عنن أشهب: من قال لفلان: يشهد لى فلان العبد، أو النصرانى، أو الصبى فلان، فقال: لا أقبل شهادتهم، ثم زالت موانعهم؛ قبلت شهادتهم؛ لأن قوله ذلك فتيا لا رد.
وعن ابن القاسم: إن جهل القاضى، فأجاز شهادتهم فى شهادتهم الأولى نقض ما قضى به من شهادتهم، وإن أسلم الذمى، وعتق العبد، واحتلم الصبى وحسنت حالتهم؛ جازت شهادتهم.
قال بعض القرويين: وينبغى أن يعيدهم؛ ليشهدوا بها بعد العتق والإسلام، وقد قال ابن القاسم فى عبد حكم بشهادته يظن أنه حر، ثم علم بذلك بعد عتقه: أن الحكم الظاول يرد، ثم يقول بها الآن، فيشهدوا له.
وفى كتاب ابن سحنون عنه وعن مالك وأصحابه: إن شهد العبد والصبى والنصرانى عدولا على شهادتهم، ثم انتقلوا إلى حالة جواز شهاداتهم؛ أنها لا تقبل؛ لأنهم أشهدوا على شهاداتهم فى وقت لا تقبل فيه شهاداتهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 296
الصقلي: ففي هذا دليل على أنهم إذا شهدوا فى الحالة الأولى، فلم ترد شهادتهم حتى زالت موانعهم، وحسنت حالهم؛ أنها لا تجوز حتى يعيدوا الشهادة الآن، وكذا العبد يحكم بشهادته لظن أنه حر، ثم يعتق لا بد من إعادة شهادته.
وفى نوازل سحنون: فى حر وعبد شهدا، وحكم الحاكم بشهاتهما، وجهل العبد، ولم يعلم به، حتى عتق العبد، وجازت شهادته؛ أعاد شهادته، ومضى الحكم بها؛ لأنها لم ترد أولا.
ابن رشد: هذا خلاف سماع أبى زيد من أن الحق يرد، ولا تقطع وهو أظهر؛ لأن الحكم بشهادة العبد خكم مردود، فإن أعاد شهادته بعد عتقه؛ اتهم فى أن يريد إجازة شهادته، التى قد وجب ردها، ونقض الحكم الذى وقع فيها وكل من حد فى قذف أو غيره وتاب؛ جازت شهادته فى غير ما حد فيه، وقاله ابن حارث فى القاذف اتفاقا.
وفى صحتها فيما حد فيه قذف أو غيره نقلا ابن رشد رواية ابن نافع مع رواية ابن عبد الحكم، وقول ابن كنانة وأصبغ فى الثمانية، وظاهر دياتها، وقول سحنون مع رواية الأخوين، وأصبغ فى الواضحة، والمازرى عن الأخوين لا عن روايتهما.
قلت: وعبر عنه أبو عمر بالمشهور.
الشيخ عن الأخوين المحدود فى الزنا يتوب؛ شهادته جائزة فى كل شئ إلا فى الزنا، والقذف، واللعان، وكذا المنبوذ؛ لا تجوز شهادته فى شئ من وجوه الزنا لا قذف ولا غيره، وإن كان عدلا.
وفى نوازل سحنون: من اقتص منه فى جناية؛ لم تجز شهادته فى مثل الجرح الذى اقتص منه.
ابن رشد: هذا شذوذ أغرق فيه القياس.
قلت للشيخ عن الواضحة: قال الأخوان: من قتل عمدا، فعفى عنه، ثم حسنت حاله؛ جازت شهادته إلا فى القتل.
وفى كتاب ابن سحنون: قيل لابن كنانة: من ضربه الإمام نكالا أينتظر فى قبول شهادته توبته؟ قال: ليس ما ينكل فيه سواء نكل ناس بالمدينة لهم حالة حسنة لشيء
الجزء: 9 - الصفحة: 297
أسرعوا فيه إلى ناس، وشهادتهم فى ذلك تقبل ليس لأحدهم فيه مغمز، ومن ليس بحسن الحال إلا أن شهادته تقبل، وليس بمشهور العدالة يأتى بما فيه النكال الشديد، فلينظر فى هذا؛ وإنما يعرف هذا عند نزوله، وأما الشتم ونحوه وهو فى غير ذلك يعرف بالصلاح؛ فلا ترد شهادته.
وفى ... الزنا طريقان:
المازرى: لم يختلف المذهب فى رد شهادته فى الزنا، وقبولها فيما سوى ذلك مما لا تعلق له بالزنا، وفرق الأبهرى بين عدم قبول شهادته فى الزنا؛ وقبول شهادة من حد فيما حد فيه بأن معرة إتيان الكبيرة ترتفع بالتوبة والورع والعفاف، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومعرة ولد الزنا لازمة لا، لا ترفع عنه بشئ، وأشار بعض الأشياخ إلى ضعف هذا الاعتذار، ورأى أن ولد الزنا الذى لم يأت جرما أولى من قبول الشهادة من زان تاب، أو سارق صلح حاله، واختلف عندنا فى صحة ولايته القضاء، وعلى صحتها اختلف على يصح أن يحكم فى الزنا؟
ابن رشد: شهادة ولد الزنا فى الزنا.
وفى ... الرجل عن أبيه ... على الخلاف فيمن حد فى شئ هل تجوز شهادته فيه أم لا؟
والمشهور من قول ابن القاسم: أنها مردودة، وهو قوله فى سماع أبى زيد من هذا الكتاب، وسماع عيسى من كتاب الحدود، وظاهر ما فى ديات المدونة؛ أنها جائزة.
قلت: الصواب أخذ الجواز من قولها فى الديات، كما قاله ابن رشد لا مما قاله ابن عبد السلام قال: قال مالك فى كتاب الشهادات والمحدود: إذا ظهرت توبته، وحسنت حاله؛ جازت شهادته فى الحقوق والطلاق، والظاهر عموم الخقوق التى لله وللآدمى.
قلت: ظاهر عطف الطلاق على الحقوق أنها الآدمية؛ إذا لو كانت عامة فى الحقوق التى لله لما افتقر إلى ذكر الطلاق؛ ولذا لم يأخذه ابن رشد إلا من كتاب الديات مع تأخره عن كتاب الشهادات.
السادس: طن عدم استيفاء واجب التحمل، أو ترك القيام بها، الواجب دوام
الجزء: 9 - الصفحة: 298
محرم، أو الحرص على قبول الشهادة.
قال ابن رشد فى رسم باع شاة: شهادة المختفى لا خفاء فى ردها، على القول بلغو الشهادة على إقرار المقر دون قوله: اشهد على، وهو أحد قولى مالك فى المدونة، وقول ابن أبى حازم وابن الماجشون وروايته، ورواية محمد إلا أن يكون قذفا.
قلت: أو غيره من حقوق الله؛ وإنما اختلف فى شهادة المختفى من يجيز الشهادة على المقر دون قوله، اشهد على منعها سحنون مطلقا، ومنهم من كره له الاختفاء ليتحملها، وقبلها إن شهد بها وهم الأكثر، وهو ظاهر قول عيسى هنا خلاف قول ابن القاسم فى تفرقته بين من يخشى أن يخدع لضعفه وجهله بما يقر به على نفسه، وبين من يؤمن ذلك منه لنباهته ومعرفته بوجوه الإقرار على نفسه، ولو أنكر الضعيف الجاهل الإقرار جملة؛ لزمته الشهادة عليه، وإنما يصدق عنده مع يمينه إذا قال: إنما أقررت لوجه كذا مما يشبه.
قلت: للشيخ عن الموازية: قال مالك: من أقعد له شاهدان من وراء حجاب يشهدان عليه، إن كان ضعيفا أو مختدعا أو خائفا؛ لم يلزمهو وحلف ما أقر إلا لما يذكر، وإن كان على غير ذلك؛ لزمه، قيل: فمن لا يقر إلا خاليا، قال: أخاف أن يسمع جوابه بسؤال، ولعله يقول له فى سر: ما الذى لى عندك إن جئتك بكذا وكذا، فيقول: لك عندى كذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهم؛ فجائز، ولابن كنانة: شهادة السر بذلك مقبولة، ويسر ما صنعوا حين دخلوا ذلك المدخل، وجعل المازرى، ومن تبعه علة رد شهادة المختفى، الحرص على التحمل بعيد.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ترك القيام بشهادته فى عقار أو مال يراه بيد غير ربه يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله، ثم يقوم بها؛ لم تقبل.
ابن رشد: قال الأخوان: إنما تسقط شهادته إذا لم يكن عند رب الحق؛ علم بذلك، ولو علم بعلمهم، ولم يقم بحقهم؛ لم يضرهم، وهذا تفسير لهذا السماع؛ لأنها إنما تبطل بترك إعلام رب ذلك بذلك، وكذا الشاهد الواحد، ففى إبطالها بذلك، وفيها يستدام تحريمه من حقوق الله من حرية وطلاق وشبهه
الجزء: 9 - الصفحة: 299
ثالثها: في حقوق الله لابن وهب مع ابن القاسم، والأكثر وظاهر قول أشهب في المبسوطة وسحنون، وهو أظهرها.
الشهادات خمسة أقسام:
الأول: علي الحاضر تبطل بترك إعلامه، لا بترك رفعها للسلطان.
قلت: إلا أن يكون ربها ممن هو إلي نظر السلطان؛ كاليتيم المهمل.
الثاني: ما يستدام تحريمه تبطل بترك رفعه للسلطان؛ إلا علي ظاهر قول أشهب.
الثالث: مال الغائب في بطلان الشهادة بعدم الرفع للسلطان، اختلاف بناء علي القول بأن السلطان يوكل من يقوم بحقه، وهو أحد قولي ابن الماجشون، وقول أصبغ خلاف قول مطرف.
الرابع: ما لا يلزم القيام بما فيه إذا لم يدع إليها؛ وهي الشهادة علي ما مضي من الحدود التي لا يتعلق بها حق لمخلوق؛ كالزنا، وشرب الخمر؛ لا يلزم القيام فيه، ويستحب ستره إلا في المشتهر، ولا تبطل بترك القيام به، وإن كان مشتهراً اتفاقاً.
قلت: في سرقتها: ولا يحل للبينة الكف عن لشهادة علي السرقة إذا رفع السارق إلي الإمام.
قال الخامس: ملا يوجوز القيام بها، ولو ادعي إليها، وهي التي يعلم من باطنها خلاف ما يوجب ظاهرها؛ كالرجل يأتي للعالم فيقول: حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانً، فكلمته بعد ذلك بهر؛ لأني كنت نويت أن لا أكلمه شهراً، فإن دعته امرأته؛ ليشهد لها بما أقر به عنده من حلفه بالطلاق أن لا يكلمه، وأ، هـ كلمه بعد شهر؛ لم يجز له أن يشهد عليه بذلك.
وفي المجموعة عن أصبغ: لابن القاسم في رجلين شهدا علي جل أنهما رأياه سكراناً، أو يسرق، فجرحاه بذلك في شهادة شهدها: فليقم عليه الحد، ولا يضرهما تأخير ذلك، وهو ستر ستراً عليه.
وسأل حبيب سحنوناً عمن أدخل من زقاق المسلمين بيتاً في داره، فلم يرفع ذلك الجيران للحاكم إلا
بعد عشرين سنة لا يشهدون به: فهي جرحة.
الجزء: 9 - الصفحة: 300
المازري: ورد الشهادة بتهمة الحرص علي قبولها ما قد قيل، إذا حلف الشاهد على صحة شهادته إن حلفه قادح فيها؛ لأن حلفه كالعلم على التعصب والحمية.
قال: واختلف إذا قاموا الشهود، وخاصموا في حقوق الله، فأسقط ابن القاسم شهادتهم؛ لأن خصامهم علم على شدة الحرص على إنفاذ شهادتهم، والحكم بها، وشدة الحرص على إنفاذها قد يحمل على تحريفها أو زيادة فيها.
وقال مطرف: شهادتهم تامة؛ لأنه في أمور الآخرة، وقد قدمنا أن العداوة في حق الله لا تؤثر في الشهادة، وذكر الباجي في قول عمر: لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين من قام يطب حقاً لله؛ لم تقبل شهادته فيه، قاله ابن القاسم في العتيبة، وقال مطف: شهادته جائزة.
قلت: ونحوه لابن رشد، وتقدم ذكر كلامه في ذكر الخصومة، فجعل المازري المانع حرصه على القبول خلاف كونه الخصومة، وقول ابن الحاجب في مانعية الحرص على الشهادة في القبول، وفي القبول؛ كمخاصمة المشهود عليه في حق الآدمي، إن أراد بتوكيل من المشهود له، فهو نقل الباجي عن ابن وهب: الوكيل على خصومة لا تقبل شهادته فيما يخاصم فيه، وإلا فهو أحرى في عدم القبول.
السابع: المازري: تعرض التهمة من جهة الشذوذ في العادة، ومخالفة الشهادة، ومنه نقل ابن حبيب حديث أبي هريرة: ((لا تقبل شهادة البدوي على القروي)).
قلت: خرجه أبو داود بلفظ: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) (1)، وصححه عبد الحق بالسكوت عنه، ولم يتعقبه ابن القطان.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: مالك: فتأويل ذلك في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة؛ لأنها تهمة إن شهد أهل البادية دون من معه من أهل الحاضرة، وأجازها في الدماء والجراح، وحيث تطلب الخلوات، والبعد من العدول، وروى نحوه ابن وهب.
الجزء: 9 - الصفحة: 301
وفي المجموعة: شهادة البدوي على القروي بالبادية؛ جائزة مثل أن يحضره بها الوفاة، فيوصي، أو يبيع فيها، أو يبتاع.
قال ابن القاسم في الكتابين: وتجوز شهادتهم في رؤية الهلال إن كانوا عدولاً، ورواه محمد.
ولابن رشد في رسم القبلة من سماع ابن القاسم حاصل هذا السماع، وما ذكره ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أن شهادة البادية في ما يقصد إلى إشهادهم عليه دون الحاضرة فيما يقع بالحاضرة من عقود معاوضة، ووصية، وعتق، وتدبير، وشبهه؛ لا تجوز، فلا شهادة لبدوي في حضر على حضري، ولا على بدوي لحضري، ولا بدوي إلا في الجراح، والقتل، والزنا، وشب الخمر، والضرب، والشتم، وشبهه مما لا يقصد الإشهاد عليه، ويجوز فيما يقع بالبادية من ذلك كله على حضري أو بدوي، فعلى هذا لو حضر أهل بادية شيئاً مما يقع في الحاضرة بين أهلها، وغيرهم من معاملة، وغيرها دون أن يحضروا ذلك، أو يقصد إلى إشهادهمو فشهدوا بما حضروا؛ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً.
وقال ابن وهب: وروى ابن القاسم خلاف هذا: أنه لا تجوز شهادة البدوي على الحضري لما فيه من الظنة؛ يريد إذا شهد على حضرى لبدوي مثله في شئ من الأشياء في حضر أو بادية، ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم في المبسوطة من قول ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغياً، وقاله سفيان الثوري، ومالك بن دينار.
وفيها: لا تجوز شهادة السؤال إلا في التافه اليسير إن كانوا عدولاً، ونحوه في سماع يحيي لان وهب، وفي فظه اضطراب.
ابن رشد: تبع من أدركناه من الشيوخ تأويل ابن حارث قول ابن وهب، فقالوا: المسألة العامة تبطل الشهادة اتفاقاً، والخاصة كذلك في أحد قولي ابن وهب غير مفرقين بين صريح السؤال والتعريض به، والتلطف فيه مع التستر، وتأويل المسألة عندي أن من عرف بالتصريح بالسؤال في خاص أو عام؛ ردت شهادته إلا أن يكون لسبب يعذر
الجزء: 9 - الصفحة: 302
به فلا ترد.
قال في المجموعة: من نزلت به مصيبة الحاجة، فسأل بعض إخوانه غير مشهور بالمسألة؛ لم ترد شهادته، وقاله ابن كنانة في المجموعة، وكتاب ابن سحنون، وكذا إن رزي برزية كدية وقعت عليه، ومن أخذ الصدقات بكل ما يقدر عليه من التعريض والإلطاف مع التستر عن السؤال؛ جازت شهادته، قلت: ذكر قوله.
قال في المجموعة إثر كلام لا يصلح معه عود ضمير قال: إلا على قول ابن وهب، وهو في النوادر لابن أبي حازم، لا لابن وهب.
اللخمي: اختلف في الفقير المتكفف، قيل: تجوز شهادته في اليسير.
وقال ابن وهب في الحسن الحال الظاهر الصلاح: يسأل الصدقة ممن يعطيها لأهل الحاجة، أو يسأل الرجل الشريف الصدقة، وهو معروف بالمسألة، ولا يتكفف الناس؛ ترد شهادته إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، أو إذا فرقت وصية، والمعترض لأخوانه؛ جازت شهادته، وأرى إن كان لا يسأل، وإن أعطى أخذ؛ جازت شهادته، ولا تجوز شهادة أحد من هؤلاء لمن عادته رفقه أو يرجوه منه.
قال: والفقير الذي لا يقبل الصدقة شهادته في اليسير جائزة، واختلف في الكثير قيل: يجوز.
وقال ابن كنانة: لا تقبل في الكثير كخمسمائة دينار؛ يريد: إن كانت بوثيقة؛ لأن العادة أن يقصد بالوثائق غير هؤلاء، ولو قال: سمعته أقر بذلك؛ رأيت قبولها، ولو كثر، وكذا إن كان منقطعاً في الصلاح، أو ممن اشتهر بالشهادة، ويقصد بالكتب للوثائق.
المازري: ظاهر المذهب قبول شهادته مطلقاً، وقول ابن كنانة: لا تقبل في الكثير إن لم يكن ظاهر العدالة قول انفرد به بعيد عن ظاهر الشرع وقاعده.
قد قال جماعة من العلماء: إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، قد افتقر أبو بكر رضي الله عنه حتى تخلل بالعباء، وما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال متواليات (1).
الجزء: 9 - الصفحة: 303
قلت: ذكره أبو بكر في هذا المقام غير مناسب؛ بل كل من كان فقره بإخراجه ماله طوعاً في الله، الثقة بشهادته أكثر من الثقة بشهادة الغني الباقي ماله بيده، وما محل النزاع مع ابن كنانة إلا الفقير الأصلي.
ونقل المارزي قوله: لا تقبل في الكثير إذا لم يكن ظاهر العدالة أصوب من نقله.
اللخمي: لا يقبل في الكثير مطلقاً؛ لأنه في النوادر كما نقله المازري.
وجرحه الفسق تزول بالتوبة الشرعية: وهي مستوفاة في علم الكلام الذي هو أصل أصل الفقه.
المازري: لا تقبل شهادته بمجرد قوله: ثبت إنما تقبل بدلالة حاله، والقرائن على صدقه مع اتصافه بصفات العدالة، ولا توقيت في ذلك، ووقته بعض العلماء بسنة، وبعضهم بشطرها، والصحيح ما قلنا: قلت.
الشيخ في المجموعة عن ابن كنانة: من كان يعرف بالصلاح، فمعرفة توبته من قذف يطول ليس كمن كان معلناً السوء؛ لأن من عرف بالخير؛ لا يتبين تزيده فيه إلا بالترداد عليه، وقول ابن الحاجب: وقيل: لابد من مضي سنة، وقيل: ستة أشهر؛ ظاهره أنه في المذهب، وليس كذلك.
وفي الرجم منها مع المجموعة عن ابن القاسم وأشهب: لا ترد شهادة القاذف حتى يجلد، وقاله سحنون.
وقال عبد الملك: يقذفه سقطت، وثبوت توبته؛ يوجب قبولها، وتقدم فيه قول ابن كنانة.
المازري: المعتبر في توبته ما تقدم في غيره، فإن كان قبل قذفه عدلاً صالحاً زكياً؛ فتوبته بزيادة درجة في الصلاح عن ما كان عليه.
قلت: هذا إن كان حده بقذفه جرأة، أو سباً، أو غضباً، ولو كان في ذلك بانقلاب شهادته قذفاً؛ لرجوع أحد الثلاثة معه، أو اختلاله في وصف الزاني؛ فالأظهر عدم
الجزء: 9 - الصفحة: 304
اعتبار زيادة صالحه.
وفي شرط توبته بإكذابه نفسه في قذفه المازري عن القاضي إسماعيل كالشافعي، وقول مالك.
وفي سرقته: ما لو حد نصراني في قذف، ثم أسلم بالقرب؛ قبلت شهادته، فلم يقيدها الصقلي.
وقال الشيخ في مختصره عن سحنون: يتوقف في شهادته حتى يعلم صلاحه، وقد تقدم هذا.
ابن الحاجب: وزوال العداوة كالفسق.
قلت: لا أعرف هذا لغيره، وتقدم سماع أشهب في الرجلين يختصمان، ثم يشهد أحدهما على صاحبه بعد سنين.
قال: إن صار أمرهما إلى سلامة وصلح؛ فذلك جائز.
ابن رشد: صيرورة أمرهما إلى صلح هو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة، ومثله في سماع سحنون، ونوازل أصبغ، وفي إجزائها.
ابن الحاجب: على رفع الفسق نظر؛ لأن ثبوت عدالة الشاهد شرط في قبول شهادته ينظر القاضي في ثبوتها ضرورة، وهو مستلزم لرفع فسقه أو بقائه، وأما العداوة؛ فلا نظر للقاضي في رفعها؛ لأنها مانع يبديه المشهود عليه، فإن أثبتها، ثم شهد عليه بعد ذلك؛ احتمل النظر في تكيفه إثباتها ثانياً؛ لاحتمال ارتفاعها، وعدمه؛ لاحتمال بقائها، والأظهر تخريجها على حكم من عدل في شهادة، ثم شهد شهادة أخرى هل تستصحب عدالته أو يستأنف إثباتها؟ وقد تقدمت.
وفي الرجم منها: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد الشهود أجمعون اللخمي: إن ثبت أن أحدهم عبد نقض الحكم، قاله مالك وأصحابه ولو قيل بمضيه؛ كان له وجه؛ بل هو أولى من إمضائه إن ثبتت جرحته؛ لأن شهادة الفاسق مردودة اتفاقاً، والعبد أجاز شهادته علي، وأنس، وشريح، وزرارة بن أبي أوفي، وابن سيرين، وأجازها الحسن، وإبراهيم في اليسير.
الجزء: 9 - الصفحة: 305
وحكى ابن القطان عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود: أنها تقبل في كل ا?شياء كالحر.
وذكر ابن عبد السلام تخريج اللخمي، ورده إدراك الحاكم حرية الشاهد تحصل له بعلم أو ظن قريب منه، والعدالة خفية لا تدركها إلا بظن أضعف من ظن الحرية، فخطؤه في الحرية؛ كخطئه في أمر قطعي أو شبهه، فوجب نقضه وخطؤه في العدالة؛ كخطئه في أمر ظني؛ فلا يجب نقضه.
قلت: هذا الذي تعقب به كلام اللخمي أشار إليه المازري فقال ما نصه: ليس الأمر كما تصور؛ لأن الأصول تقتضي أن الحكم الثاني إذا لم يقطع فيه بالإصابة؛ لم ينقض به الأول؛ كالغالط في القبلة في الوقت، والغالط في الوقت يعيد أبداً؛ لأن الغلط في القبلة لا يؤمن من الغلط في الإعادة لأجله، كمالم يؤمن في أدائه، والغلط في الوقت؛ تعاد الصلاة لأجله أبداً؛ لأن الإعادة فيه بتحقق دخول الوقت فيه لأمن الغلط فيه، والتعديل والتجريح أمر يعول فيه القاضي على الظن والاجتهاد غالباً، فلا يأمن من الغلط فيه ثانياً، والعبد مقطوع بكونه عبداً؛ فلذا اتفق المذهب على نقض الحكم، وهو كنص ظهر بخلاف الاجتهاد.
قلت: قوله (والعبد مقطوع بكونه عبداً) فيه نظر، والصواب على مأخذه الذي قرره أن تقول، والحر مقطوع بكونه حراً، فصار كدخول الوقت بعد الغلط فيه.
والعدل غير مقطوع بكونه عدلاً، فصار كجهة القبلة بعد الغلط فيها.
والروايات واضحة بأن ظهور كونهما صبيين أو أحدهما، ككونهما أو أحدهما كافراً.
وفي الرجم منها: إن حكم بمال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ حلف الطالب مع الباقي، فإن نكل؛ حلف المطلوب، واسترجع المال.
اللخمي: مختلف إن ثبت أنهما أو أحدهما مولى عليه، ففي كتاب ابن سحنون ينقض الحكم، وهذا أبعد منه في العبد، وقد أجاز مالك وغيره من أصحابه شهادته ابتداء، وهو أحسن، ولو ظهر بعد الحكم بشهادته أنه مسخوط؛ ففي نقض حكمه نقلا
الجزء: 9 - الصفحة: 306
الشيخ عن ابن القاسم، وسحنون في موضع مع أشهب محتجاً بقوله: قال مالك في بعض أقواله: المسخوط لوث يوجب القسامة، والعبد والنصراني ليسا بلوث.
اللخمي: إن ثبت تقدم جرحتهما، فقال مالك في كتاب الشهادات: ينقض الحكم.
وقال في كتاب الحدود: يمضي، وبه أخذ سحنون، وعلى هذا يجري ثبوت أن بينه وبين المشهود عليه عداوة، أو بينه وبين المشهود له قرابة.
وقا المازري إثر كلامه السابق: وهذا الذي أريناك هو التحقيق عندنا، فتجريه في القرابة والعداوة؛ وكون الشاهد مولى عليه، فموضع القطع بالغلط يجب به النقض، وموضع تجويز الغلط لا يجب النقض فيه، وهذا يمنع إجراء شيخنا الخلاف في القرابة من الخلاف في التجريح.
اللخمي: إن كانت القضية على غائب، فقدم وطلب تجريح البينة بإسفاه، أو شرب خمر أو غيره؛ فقيل: له ذلك، ومنعه ابن الماجشون، إلا أن يثبت أنهم كفار، أو عبيد، أو مولى عليهم، والأول أحسن.
الشيخ: في المجموعة لأشهب: إن شهدت بينة عند قاض، ثم جنت أو جنت خطأ؛ لم ترد شهادتها، وإن أحدثت بعد أدائها قبل الحكم بها بعد تعديها، أو قبل ما يمكن إسراره؛ كشرب خمر، أو زنا، أو سرقة؛ ردت شهادتها.
محمد: لأنه مما يظن أنه فعله قديماً، وليس مما يعلنه، وإن كان مما لا يمكن إسراره، قال عبد الملك: كقتل على نائرة، أو قذف، أو قتال من شهد عليه؛ ففي ردها بذلك نقلا الشيخ عن مطرف مع أشهب قائلاً: لو تأكلت المشهود عليه قبل الحكم عليه؛ لم تبطل به شهادتها عليه، وعن ابن الماجشون.
قلت: وعن ابن رشد في نوازل أصبغ: الأول له، ولابن القاسم.
وسمع سحنون ابن القاسم: من شهد وهو عدل، فلم يحكم الحاكم بشهادته حتى وقع بينه وبين المحكوم عليه خصومة؛ لم ترد بذلك شهادته، فلم يزد فيها ابن رشد شيئاً.
وفي نوازل أصبغ: من شهد لامرأة بشهادة عند القاضي فأثبتها، ولم يحكم بها حتى
الجزء: 9 - الصفحة: 307
تزوجها من شهد لها؛ لم ترد شهادته، وحكم لها بها.
ابن رشد: التهمة بالعداوة تحدث والظنة تقع، لا تؤثر في إجازة الشهادة إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، كمن شهد لامرأة، ثم تزوجها، فشهد عليه أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها وشبه ذلك؛ فتبطل شهادته لذلك بدليل قول ابن القاسم في سماع حسين حسين ابن عاصم فيمن شهد على رجل أنه حلف بطلاق امرأة البتة إن تزوجها قبل أن يتزوجها، فشهد للمشهود عليه أن الشاهد؛ كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو؛ أن شهادته باطلة.
ولأصبغ: إن خاصم الشاهد المشهود عليه بعد الشهادة؛ لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن ما يطالبه به كان قبل إيقاع الشهادة.
وفي أول سرقتها: إن ارتد الشهود، أو فسقوا قبل الحكم؛ لم يحكم بشهادتهم وسقطت، وإن ظهر منهم فسق، أو أخذوا يشربون خمراً، وذلك بعد حكم الإمام بإقامة الحد أو القصاص، إلا أن ذلك لم يقم بعد، فإن ذلك ينفذ، ويقام الحد والقصاص، وكذا في الحقوق؛ لأنه حكم نفذ الأمر به، ومثله للشيخ عن ابن حبيب لابن القاسم، وأشهب، وقاله أصبغ في حقوق العباد.
قال: وأما الحدود؛ فلا تنفذ.
وقال مطرف وابن حبيب: قال عن ابن الماجشون: من أشهد على شهادته قوماً أو سمعوها منه قبل ذلك، ثم عاداه، فشهد عليه بعد العداوة؛ فشهادته جائزة، كما لو قام بها عند السلطان، فوقعت في ديوانه قبل العداوة، وكذا كل ما أحدث مما لا يستتر به؛ كالقتل والقذف، وقول مطرف أحب إلى، ومن حكم بقول ابن الماجشون: لم يخطئ.
وفي المجموعة لابن الماجشون: من شهد على رجل بالبتة، وقبله الحاكم، فأحلف المشهود عليه، ثم فسق الشاهد، ثم شهد آخر مثل ما شهد به؛ لم يقبل الأول عليه؛ لأنه يوم تضم شهادته غير عدل.
وفي الرجم منها: إن حكم بشاهدين في المال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شهادة الباقي، ونفذ في الحكم، فإن نكل؛ حلف
الجزء: 9 - الصفحة: 308
المطلوب وأخذ المال، وإن شهد عليه بقطع يد رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ لم يكن على متولي القطع شئ، وهذا من خطأ الإمام.
قال اللخمي: فيما يريد: إن لم يعلم الحر أن الذي معه عبد، واستشكل قولها: إنه من خطأ الإمام، ولم يقل: يحلف المقتضى له مع الشاهد الباقي، كما قال في المال؛ لأن قوله فيها: إن جراح العمد تثبت بالشاهد واليمين كالمال، ويجاب بأن المال يمكن رده، فكان المشهود له منتفعاً بيمينه؛ فصح حلفه، والقطع لا يمكن رده؛ فلا نفع للمشهود له بحلفه، فسقط، ويلزم عليه إن كان المشهود له من عاقلة الإمام أن يحلف؛ لأنه ينتفع برفع غرم ما يجب عليه مع العاقلة، فتسقط الدية بحلفه عنه وعنها، وفي المسألة اضطراب.
اللخمي عن ابن سحنون: إن كان أحدهم عبداً أو ذمياً، أو مولى عليه، فإن حلف المشهود له بالقطع مع الباقي، أو المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يميناً، ثم الحكم له، ونفذ، وإن نكل في القطع، ولم يعلم أن شاهده عبد لظهور حريته، وحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد به عليه الشاهد باطل، ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة؛ انتقض الحكم كأنه لم يكن.
قال أصحابنا: ولا غرم إلا على الشاهد إن جهل شهادة العبد أو الذمي.
وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام، وقيل: إنه هدر لا غرم على الحاكم، ولا على البينة، ولا على المحكوم له، ولا خطأ على الإمام؛ إنما خطأه لو أجاز شهادة من لا تجوز شهادته، وهو يرى أن ذلك جائز؛ كإجازته شهادة العبد والذمي لظنه إجازتها.
قلت: القول بأنه هدر، عزاه الشيخ في نوادره لأشهب قال: ما أخطأ به من إجازة شهادة من لا تجوز شهادته؛ فهو هدر بعد أن قال: ما أخطأ به من حدود الله حملته عاقلته الثلث فصاعداً، وما لزم عاقلته من ذلك؛ ودي معهم.
قال: وقال ابن الماجشون: العقل على الإمام دون من تجوز شهادته، وقال سحنون: عقل اليد على المحكوم له إن لم يحلف مع الآخر.
الجزء: 9 - الصفحة: 309
قلت: فالأقوال خمسة، وتعيين ناقلها وعزوها واضح.
وسادسها: نقل الشيخ عن ابن القاسم في أربعة شهدوا بزنا من يرجم في شهادتهم، ثم ظهر أن أحدهم عبد أو نصراني، أو ولد زنى، أو زوج، ولم يلا عن؛ الدية على عاقلة الإمام إلا أن يكون من بقي من الأربعة علموا أن رابعهم عبد، فتكون الدية في أموالهم، قاله في كتاب الرجم، وكتاب الأقضية قال فيه: ولا شئ على العبد.
زاد اللخمي: وقال ابن سحنون: قيل: لا شئ على الحاكم، ولا على البينة إن لم يعلموا أن معهم عبداً، أو ذمياً، أو علموا، أو جهلوا رد شهادتهم مع العبد، وإن تعمدوا أن معهم عبداً، وأن شهادتهم معه لا تجوز؛ فالدية عليه، وإن علم العبد وحده أن شهادته لا تجوز، وجهل ذلك البينة؛ فكل الدية جناية في رقبته، وإن علمت البينة معه ذلك؛ فالدية على جميعهم أرباعاً، وهو قول أبي مصعب أن على العبد ربع الدية، وتقدم حكم ظهور خلل الشهادة بعد الحكم بها قبل نفوذه، ومن شهد بحق، وشهد به معه غير عدل؛ ففي وجوب إخبار العدل الحاكم بجرحة من شهد معه؛ رجوع سحنون إليه عن قوله: لا يخبره قائلاً: لا فرق: ألا ترى أنه لو شهد معه عبد أو كافر، والحاكم يجهل ذلك؛ أن على العدل إخباره بذلك، قاله اللخمي.
وفي سرقتها: ما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية؛ فعلى عاقلته كالطيب والمعلم والخاتن.
ابن القاسم: وأبى مالك أن يجيبنا في خطأ الإمام بشئ.
وفي رجمها: وإن أقر القاضي أنه جدل أو رجم أو قطع الأيدي تعمداً للجور؛ أقيد منه، ونحوه في النوادر عن الواضحة لأصبغ قائلاً: هذا قولنا، وقول جماعة العلماء، وإنه إن تعمد حداً بقتل، أو قطع، أو جرح بغير حق، ولا شبهة يخطئ بها إلا تعمداً للظلم؛ أقيد منه، وما أخطأ به في الدم، وما دونه، وما تعمد من إتلاف مال بلا شبهة؛ ففي ماله يأخذ به المظلوم القاضي أو المحكوم له به.
ابن شاس: والعدد شرط في كل شهادة؛ فلا يثبت بشهادة واحد حكم أصلاً،
الجزء: 9 - الصفحة: 310
فاختصره ابن الحاجب بقوله: لا يثبت حكم بشهادة واحد منفردة، ونقض قوله بالقول بقبول القائف الواحد، والشاهد الواحد على تجويز بينة استحقاق ربع الربع، والقول بقبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وأجيب بأن القائف عند من قبله مخبر؛ ولذا الكشف وشاهد التجويز عن ما استأمنه عليه القاضي، وشهادة المرأة في الرضاع لابد فيها من زيادة عليها وهي الفشو.
وشرط بينة الزنا: كونها أربعة بنص التنزيل وحكم عمر.
المازري: ولا خلاف فيه.
اللخمي: هذا إن كانت بالإصابة طوعاً، وإن كانت على الإكراه؛ فكذلك على حد الرجل في الإكراه، والأصح في ذلك رجلان لما تستحقه المرأة من مهر على الواطئ، أو على مكرهه.
وفي شرط الشهادة على إقرار من أنكر إقراره بالزنا، ولا عذر له: يرجع به بأربعة، وصحتها باثنين قولان، وفي شرط حد من ثبت زناه.
وفيها: ووجه الشهادة في الزنا أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد يشهدون على وطء واحد، في موضع واحد بصفة واحدة بهذا تتم الشهادة، ومثله سمع عيسي، ابن القاسم مع قوله: وبلغني ذلك عن مال.
ابن رشد: وقيل: الشهادة تامة، وإن تفرق الشهود، ولم يأتوا معاً، وهو قول ابن الماجشون، وعليه أن يأتي قول ابن القاسم في سماع يحيى.
اللخمي: لأشهب في الموازية: تجمع شهادة الأربعة، وإن أتوا مفترقين، ويحد المشهود عليه، ولا ينبغي للإمام تأخير حد من شهد قبل تمام الشهادة، فإن هو أخره حتى تمت الشهادة؛ حد المشهود عليه.
وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم؛ وجب عليه إنظارهم، وجمعت الشهادة، وحد المشهود عليه، وهو أحسن.
ولا وجه لمبادرة حدهم، وهو ظلم عليهم.
قلت: سماع يحيي هو قوله: سألته عن ثلاثة شهدوا أنهم رأوا رجلاً يزني، فحدوا،
الجزء: 9 - الصفحة: 311
ثم جاء رابع عدل زعم أنه كان معهم؛ إذ راوه يزني، فقال: تقبل شهادتهم بعد الضرب، ويكونون عدولاً، وتشهر عدالتهم، ويعلم الناس أن سقط التجريح عنهم، وتمت شهادتهم بالرابع.
ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع عيسى، والذي يأتي على سماع عيسى: أن يحد الرابع، وهو قول محمد، ولو جاء الرابع على هذا السماع قبل حد الثلاثة؛ سقط حدهم، وحد المشهود عليه، ونص عليه ابن القاسم في الموازية.
قلت: وقال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن شهد ثلاثة بزنا رجل، فحدوا للقذف، ثم أتى ذلك أربعة شهدوا أنهم كانوا مع الثلاثة في ذلك المقام، رأوه يزني؛ أنه يحد المشهود عليه، وتسقط جرحة الثلاثة المحدودين قبل، وتظهر عدالتهم، واختلف إن لم يكن الجائي غير شاهد واحد، فصار رابع الثلاثة المحدودين.
فقال ابن القاسم في شهادات المستخرجة: يحد المشهود عليه، وينبغي للحاكم أن يظهر عدالة الشهود، ويسقط جرحتهم.
وقال ابن الماجشون: يحد الرابع، ولا يخرجهم من الجرحة إلا أربعة سواهم.
قلت: هذا خلاف ظاهر ما حمل عليه ابن رشد سماع يحيى على ظاهره، من أن ضم شهادة الرابع إلى متقدم شهادة الثلاثة؛ إنما هو في رفع جرحتهم فقط دون حد المشهود عليه.
قلت: ففي بطلان شهادة الأربعة بتفريقهم مطلقاً، فيحد كل منهم بنفس شهادته، ولا ترتفع جرحتهم بتمامهم، وصحتها مطلقاً، فيجب بسؤال الثلاثة إنظارهم؛ لإتيانهم برابع إنظار الحاكم إياهم لذلك.
ثالثها: وجوب تعجيل الحاكم حد من شهد منهم قبل تمامهم، فإن لم يعجله؛ صحت بتمامهم، وحد من شهدوا عليه.
ورابعها: إن حدوا قبل تمامهم، ثم تموا؛ صحت في رفع جرحتهم دون حد المشهود عليه.
وخامسها: فيهما لمشهور المذهب، واللخمي عن أبي الفرج مع ظاهر لفظ ابن
الجزء: 9 - الصفحة: 312
رشد عن ابن الماجشون، واللخمي عن أشهب، ولابن رشد عن فهمه سماع يحيى، وابن حارث عن ابن القاسم في العتبية.
وسادسها: نقل الشيخ رواية ابن حبيب عن الأخوين: إن كان افتراقهم قريباً بعضهم من بعض؛ جازت شهادتهم.
وفيها: ينبغي للقاضي أن يكشف بالزنا عن شهادتهم، كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن رأى في شهادتهم ما يبطلها أبطلها.
وللشيخ عن المجموعة: قال ابن القاسم: كل الشهود لا يفرقون، ولا يسألون إن كانوا عدولاً إلا في الزنا؛ فإنهم يفرقون ويسألون.
قلت: في سرقتها: وإذا شهدت البينة في الحدود؛ لم يفرقهم الإمام، إذا كانوا عدولاً بينة عدالتهم، واختصرها أبو سعيد عدولاً مبرزين.
وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادات: الشهادة في الزنا لا تجوز حتى يشهد أربعة في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
ابن رشد: ليس من شرطها تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة؛ إنما شرطها عند ابن القاسم: أن لا تختلف الأربعة في ذلك، فإن قالوا: رأيناه معاً يزني بفلانة عاينا فرجه في فرجها؛ كالمرود في المكحلة؛ تمت شهادتهم، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع.
وإن قالوا: في موضع كذا، في ساعة كذا، من يوم كذا كان أتم.
وإن اختلفوا في المواضع أو الأيام فقال بعضهم: كان ذلك في موضع كذا، وقال بعضهم: في موضع كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا؛ بطلت شهادتهم عند ابن القاسم، وجازت عند ابن الماجشون.
قال: لأنهم اختلفوا فيما لو لم يذكروه؛ تمت شهادتهم، ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه، فيحتمل أنه يريد لا يلزمهم أن يسألهم عنه إن اتفقوا على أن رؤيتهم إياه؛ إنما كانت معاً بزنى واحد، ويحتمل أن يريد أنه لا يلزمه أن يسألهم عن ذلك بحال إذا شهدوا عنده، فقال كل واحد منهم: إنه رآه يزني كالمرود في المكحلة، ويكون مذهبه أن
الجزء: 9 - الصفحة: 313
الأفعال تلفق في الشهادة؛ كالأقوال والأول أبين.
الشيخ: روي محمد: لا تتم شهادتهم حتى يقولوا: كالمرود في المكحلة في البكر والثيب، فإن نفوا هذا؛ فهو النكال.
محمد: على المشهود عليه، وذلك إن لم يكن في شهادتهم أنه زنا، ولا ذكروا زنا، وإنما شهدوا على ما وصفوا.
ولعيسى عن ابن القاسم: إن شهد شاهدان أنهما رأياه مع امرأة تحت لحاف، أو رأيا رجليها على عنقه، أو ما هو دون الزنا؛ لم يكن عليهما شيء؛ لأنهمالم يقذفا، ويعاقب الرجل والمرأة، ولو قالا: رأيناه يزني بها؛ كالمرود في المكحلة؛ حدا ثمانين.
وفي «الموازية»: إن قال أحدهم: زنا بها متكئة، وبعضهم مستلقية؛ بطلت الشهادة وحدوا للقذف.
قلت: قول ابن رشد هو لفظ الشَّيخ رواية محمد، ويجب حمله على الاكتفاء بمغيب الحشفة فقط كذلك.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد أربعة بزنا رجل بامرأة شهد اثنان بأنها طاوعته، واثنان بأنه اغتصبها حد الأربعة، وسمعه أبو زيد إن شهد أربعة أنه زنا بامرأة، فأخذ الرجل، وهربت المرأة، فقال اثنان: رأيناه يزني بفلانة التي هربت، وقال الآخران: رأيناه يزني بامرأة، وشهادتهم معتدلة في موضع واحد، إلا أنهما لا يدريان أهي فلانة أو غيرها ولا يعرفان المرأة؟ حد الشهود؛ لأنهم قذفوا المراة.
ابن رشد: يحدون للرجل؛ لسقوط شهادتهم بقذفهم المرأة التي شهدوا أنها زنا بها؛ إذ لم يعينها منهم إلا اثنان، ولو عينوها جميعاً، أو لم يعينها واحد منهم، جازت شهادتهم في الزنا، وحد الرجل، وحدت المرأة إن عينوها جميعاً، وإسقاط شهادتهم في الزنا بقذفهم للمرأة خلاف المشهور أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بإقامة الحد، والآتي في المسألة على المشهور في ذلك أن تجوز شهادتهم على الرجل؛ فيحد، فإن كان الاثنان منهم قاذفين للمرأة التي شهدا أنه زنا بها وعرفاها فهربت، فإن أتت، وقامت بحدها عليهما؛ حدا لها، ومضت شهادتهما قبل في الزنا على الرجل، وإسقاط ابن القاسم في هذه
الجزء: 9 - الصفحة: 314
المسألة شهادتهما قبل في الزنا بمجرد قذفهما معاً مثله لأصبغ وسحنون وابن الماجشون.
وحمل بعض أهل النظر قوله: (يحد الشهود)؛ لأنهم قدفه للمرأة على ظاهره، وتعقب المسألة فقال: انظر قوله: يحد الشهود، ومن أصله أن لا يحد في القذف لغائب، وهم إذالم يحدوا كيف يستجرحون؟ فتدبر ذلك، والمعنى في المسألة؛ إنما هو ما ذكرته.
قلت: ما ذكره لبعض أهل النظر هو نص قول الشيخ في نوادره من عند نفسه، وشهرة الاحتجاج في حكم الشهادة في الزنا بحكم عمر رضي الله عنه في نازلة المغيرة، يقتضي ذكر معرفتها.
قال الطبري: ما حاصل المحتاج لذكره أن المغيرة كان على البصرة والياً، وله مشربة تقابل مشربة لأبي بكرة، لكل منهما كوة تقابل كوة الأخرى، فكان مع أبي بكرة في مشربته نافع بن كلدة، وشبل بن معبد، وزياد أخو أبي بكرة لأمه يتحدثون، فصفقت الريح باب كوتة، فقام ليصفقها، فبصر بالمغيرة لفتح الريح باب كوة مشربته بين رجلي امرأة توسطها، فقال للنفر: قوموا انظروا واشهدوا، فنظروا فقالوا: من هذه؟ قال: أم جميل بنت الأفقم كانت تغشى المغيرة، وأشراف الأمراء، فلما تقدم المغيرة للصلاة منعه أبو بكرة، وبلغ الأمر عمر، فأشخصهم، وبعث أبا موسى والياً على البصرة، فلما حضروه قال المغيرة يا أمير المؤمنين سل هؤلاء العبد كيف رأوني، وهل عرفوا المرأة فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر؟ وإن كانوا مستدبري، فبأي شئ استحلوا النظر إلي على امرأتي؟ والله ما كانت إلا زوجتي، وهي تشبهها، فبدأ عمر بأبي بكرة، فشهد أنه رآه بين رجلي أم جميل، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبر هما، قال: كيف استنبت رأسها؟ قال: تحاملت حتى رأيتها، ثم شهد شبل ونافع كذلك، وشهد زياد بأن قال: رأيته بين رجلي امرأة، وقدماها مخضوبتان تخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً.
قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قاله له: تنح وأمر بالثلاثة؛ فجلدوا وتلا قوله تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء) الآية [النور: 13]، فقال المغيرة: اشفني من الأعبد يا أمير المؤمنين، فقال له:
الجزء: 9 - الصفحة: 315
اسكت أسكت الله نأمتك، والله لو تمت الشهادة؛ لرميتك بأحجارك
قال الجوهري: يقال: أسكت الله نأمته؛ أي: صوته.
قال الطبري: ورد عمر شهادتهم، ثم استتابهم، فتاب نافع وشبل، فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة فأبى، قال غيره: قال له: تب، واقبل شهادتك، فأبى، وكرر شهادته، وإلى هذه الإباية أشار ابن التلمساني في مسألة الإجماع السكوتي في شرح المعالم بقوله كقول علي لعمر رضى الله عنهما لما رأى جلد أبي بكرة: إن جلدته، فارجم صاحبك، فكان شخينا ابن عبد السلام يستشكل صحة الملازمة في قول علي مع قبوله عمر رضى الله عنهما، ويحكي استشكالها عن شيخه أبي الحسن البودري، وكانت له مشاركة حسنة في الأصلين، ولم يجيبا عنه بشئ، وكان يجري لنا جوابه بما اقوله، وهو أن القذف الموجب للحد قسمان: قدف صدر من قائله على وجه التنقص للمقذوف، وقذف طلب على وجه شهادة؛ لم تتم، وهو الواقع في النازلة، فما كرر أبو بكرة شهادته، أراد عمر جلده للقذف بقوله هذا، فقاله له علي: إن جلدته، فارجم صاحبك؛ أي: إن أردت جلده؛ لزم إرادتك ذلك رجم صاحبك؛ لأن إراده جلده؛ إما أن يكون لسابق شهادته من حيث كونه أحد الثلاثة، أو لشهادته لا من حيث كونه أحد الثلاثة، فإن كان الأول لم يحد؛ لأنه قد حد لها، وإن كان لا من حيث كونه أحد الثلاثة؛ لزم كونه من حيث كونه زائداً عليها، وكلما كان زائداً عليها كان رابعاً، وكلما كان رابعاً؛ لزم تمام النصاب، فيجب حد المغيرة، وهذا التقرير يدل عى صحة قول ابن الماجشون بصحة افتراق بينة الزنا في الأداء، وأن عليه، وتقدم ذكر الخلاف فيه.
وفي الشهادة بالزنا التزاماً لا نصاً اختلاف في إجرائه بعض المتأخرين على الخلاف في كون دلالة الالتزام مهجورة في العلوم تكلف، وإن كان في بعض أبحاث المازري مثله، حسب ما نبهنا عليه في غير هذا الموضع.
اللخمي: في ثبوت زنا من ثبت زناه عند قاض بأربعة شهداء بثبوت كتابه به بأربعة شهداء، أو باثنين فقط قولان لكتاب ابن سحنون، ومحمد مع اختياره.
الجزء: 9 - الصفحة: 316
قلت: واختاره ابن رشد، وجعله الجاري على قول ابن القاسم بثبوت حد من شهد عليه ثلاثة بالزنا مع نقل اثنين عن رابعهم.
قال: ومن قذف رجلاً، فأقام شهيدين يحده قاض في الزنا بأربعة شهداء في حده مع شهيديه ثالثها: القاذف فقط لرواية محمد معه، وأبي مصعب، ورواية ابن حبيب معه.
قائلاً: وكذا لو أقام القاذف أربعة شهدوا أن سيده إذ باعه تبرأ من زناه.
قلت: يريد: كان عبداً وعتق؛ إذ لا يباع حر، ولا يحد قاذف عبد، ولو شهد شاهدان على رجل بطلاقه امرأته معترفاً بوطئها، أو بعتقه أمته معترفاً بوطئها، أو بغصبه أمة معترفاً بوطئها؛ ففي حده قولان على القولين في حده بهما على إقراره بالزنا.
قلت: الأصوب قولان على القول بحده بهما في إقراره بالزنا؛ لأنها على إقراره أقوى منها على غيره ملزوماً له ضرورة قوة دلالة المطابقة على دلالة الالتزام.
قال: ولأشهب فى الموازية: لا يحد السيد؛ لإمكان نسيانه العتق، ولو شهد أربعة بطلاقه، وهو مقر بالوطء؛ حد.
وروى علي بن زياد: من شهد عليه أربعة بطلاقه امرأته البتة، وأنهم رأوه يزني بها بعد ذلك، أو أقر بالمسيس؛ فرق بينهما، ولم يحد.
سحنون: أصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد، ومحمل قول مالك على ما في الموازية: أنه يحتمل أنه نسي، والنسيان يحسن إن كان الطلاق والعتق بيمين، ويبعد في غير اليمين، واختلف إن أنكر العتق والطلاق والإصابة، وشهد عليه شاهدان بذلك، فقال عبد الملك: لا تصح شهادتهما؛ لأني أجزتها حددتهما، وشهادة المحدود لا تجوز، وصارت المرأة زوجة لحالها والأمة رقاً، ولأن من قذف رجلاً بامرأته أو أمته؛ لم يكن قاذفاً.
محمد: وفيه اختلاف؛ لأن من قول ابن القاسم شهادة القاذف مقبولة حتى يحد؛ يريد؛ أنه يقضي بالطلاق والعتق، ثم ينظر في القذف، فقد يوجب عليهما الحد، أو يسقطه؛ لإقراره الآخرين أن الزوجة والملك باق بحاله.
الجزء: 9 - الصفحة: 317
ولأصبغ في العتيبة: لا تجوز شهادتهما ويحدان.
محمد: ولو قال الزوج: طلقت وما أصبت، والسيد: أعتقت وما أصبت؛ حد الشاهدان.
وفيها: قيل: فإن شهدوا أربعة على رجل بالزنا، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما؛ لنثبت الشهادة.
قال: كيف تشهد الشهود إلا هكذا، فناقضها ابن هارون بعدم إجازته في اختلاف الزوجين في عيوب الفرج، نظر النساء إليه ليشهدن بما رأين من ذلك، وكذا إذا اختلفا في الإصابة وهي بكر.
قال: تصدق، ولا ينظر النساء إليها، قال: والفرق بين ذلك مشكل.
وقال في كتاب الخيار: إن نظر المبتاع إلى فرج الأمة؛ فذلك رضي منه بها؛ إذ لا ينظر إليها النساء، أو من يحل له الوطء، فأجاز نظر النساء إليه، وأورده ابن عبد السلام وأجاب بقوله: إن طرق الحكم هنا منحصرة في الشهادة، ولا تقبل إلا بصفتها الخاصة، وطريق الحكم في تلك الصور غير منحصرة في الشهادة؛ بل لها غير ذلك من الوجوه التي ذكها الفقهاء في محلها، فلا ينبغي أن يرتكب محرم، وهو النظر للفرج من غير ضرورة.
قلت: يرد بأن صورة النقض؛ إنما هي إذا لم يمكن إثبات العيب لا بالنظر، وكان يجري لنا الجواب بثلاثة أوجه:
الأول: أن الحد حق لله، وثبوت العيب حق لآدمي، وحق الله آكد لقولها فيمن سرق، وقطع يمين رجل عمداً يقطع للسرقة، ويسقط القصاص.
الثاني: ما لأجله النظر؛ وهو الزنا محقق الوجود أو راجحه، وثبوت العيب محتمل على السوية.
الثالث: المنظور إليه في الزنا؛ إنما هو مغيب الحشفة، ولا يستلزم ذلك من الإحاطة بالنظر إلى الفرج ما يستلزمه النظر للعيب.
اللخمي: قوله: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا؟ يريد: أن تعمد النظر لا يبطل
الجزء: 9 - الصفحة: 318
الشهادة لما كان المراد إقامة الحد، وهذا حسن فيمن كان معروفاً بالفساد، ومن لم يكن معروفاً به فيه نظر يصح أن يقال: لا يكشفون، ولا تحقق عليهم الشهادة؛ لأنهم لو تبين لهم ذلك؛ استحب لهم أن لا يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة، فم يحد القاذف والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه نادر.
قلت: ولقولها: من قذف وهو يعلم أنه زنا حلال له القيام بحد من قذفه.
المازري: تعمد نظر البينة لفعل الزاني، ظاهر المذهب أنه غير ممنوع؛ لأنه لا تصح الشهادة إلا به، ونظرة الفجأة لا يكاد يحصل بها ما تتم به الشهادة، ومنع بعض الناس النظر للعورة في ذلك لما نبه الشرع عليه من استحسان الستر.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في قواعده: إنما يجوز للشهود أن يظروا من ذلك ما يحصل وجوب الحد، وهو مغيب الحشفة فقط، والنظر الزائد على ذلك حرام.
قلت: وهذا كله إن عجز الشهود عن منع الفاعلين إتمام ما قصداه، أو ابتداءه من الفعل، ولو قدروا على ذلك بفعل أو قول، فلم يفعلا؛ بطلت شهادتهما لعصيانهما بعدم تغيير هذا المنكر، إلا أن يكون فعلهما بحيث لا يمنعه التغيير لسرعتهما.
وروى محمد: معها الشهادة في اللواط كالزنا.
وفيها: قال مالك في الشهود في الزنا: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم.
قال ابن القاسم: كيف رآه وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه.
وفيها: وينبغي أن يكون سؤاله إياهم سراً لا في جمع من الناس.
محمد: إن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة، أو ماتوا أقاموا الحد بشهادتهم.
اللخمي: يريد: إن كانوا من أهل العلم بموجب الحد؛ إذ قد يرونه عليها، فيشهدون بالزنا، وهو لا يوجب الحد.
قلت: وهو قول التونسي في كتاب السرقة إثر نقله قول محمد، قال: وفيه نظر إلا أن يكونوا من أهل العلم، ولا يخفى عليهم ما يجب به الحد.
ابن الحاجب: وينبغي للحاكم أن يسألهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 319
وفي السرقة: ما هي وكيف أخذها ومن أين وإلى أني؟ وقال سحنون: إن كان ممن يجهل.
قلت: قول سحنون إنما نقله الصقلي وغيره عنه في السرقة.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: ينبغي أن يكشفوا، وإن كانوا لا يجهلون؛ إذ قد يكون رأي الحاكم فيه نفي القطع أو ثبوته، ورأيه خلاف رأيهم.
قلت: سياق كلام سحنون أنه إنما يقوله حيث يكون الحاكم، والشهود أهل مذهب واحد، وقول ابن عبد السلام: رأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا تمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين جميعاً لا أعرف هذا البعض من الشيوخ في كلامه، وسقوط تعليله واضح؛ لنقل الصقلي عن محمد ما نصه: إن كان الشهود أكثر من أربعة، فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر ولم يكشف، وكان الحد ثابتاً؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته؛ كان الحد ثابتاً بمن غاب، وكذا لو كانوا غابوا كلهم؛ فرجع بعضهم، وبقي أربعة؛ لم يسقط الحد.
قلت: فإذا كان تصريح من زاد على الأربعة بالرجوع لا يقدح في شهادة الأربعة، كيف يقبل قوله؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين فتأمله منصفاً، وتقدم الخلاف في شهادة الاثنين في الإقرار.
ومتعلق الشهادة بالذات محكوماً به إن لم يكن مالاً، ولا زنا، ولا قرينه، ولا مختصاً باطلاع النساء، فشرط شهادته اثنان رجلان.
ابن شاس: المرتبة الثانية ما عدا الزنا مما ليس بمال، ولا يؤول إليه، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتق، والإسلام، والردة، والبلوغ، والولاء، واالعدة، والجرح، والتعديل، والعفو عن القصاص، وثبوته في النفس، والأطراف على خلاف فيهما، والنسب، والموت، والكتابة، والتدبير، وشبه ذلك، وكذا الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك، شرط كل ذلك العدد والذكورية، فاختصره ابن الحاجب، ولم يذكر في القصاص خلافاً، وتمام ذلك في فصل الشاهد واليمين.
الجزء: 9 - الصفحة: 320
قال ابن عبد السلام: عرف هذه المرتبة بقيدين عدميين ما ليس بزنا ولا مال، ولا ينقض تعريفه بدخول بعض ما في المرتبة؛ كالولادة وعيوب النساء؛ لأن المقسوم عنده؛ إنما هو مراتب البينة، ولا ندخل لما نقض به فيها.
قلت: يرد بعدم اقتصاره على كونها قسماً من مراتب البينة؛ لقوله إثر تمام عدها وشرطها اثنان ذكران، فإن سلم اندراج ما ذكر به النقض تحت لفظ منه كذب فيه قوله: شرطه اثنان ذكران، والأظهر جعل قوله: كالنكاح إلخ؛ تفسيراً لقوله: ما ليس زنا ولاء آئلاً عليه، وعد المازري في هذا النوع الإحلال، والإحصان، والإيلاء، والظهار، وتقدم عد ابن شاس فيه العدة.
قال المازري: يشهد بانقضائها أو ثبوتها، قال: وحد الخمر، والسرقة، والقذف، وعد فيها الرجعة؛ كالمعونة، ولم يذكرا فيها خلافاً.
وقال ابن حارث: اختلف في شهادتهن في الارتجاع، فسمع أشهب لا تجوز، وقال ابن نافع في غير المستخرجة: هي جائزة فيه، وما متعلقه مال أو آئل إليه تتم فيه برجل وامرأتين.
فيها: لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والقصاص، والطلاق، والنكاح، والنسب، والولاء.
قال مالك: لا تجوز إلا حيث ذكر الله في الدين، وما لا يطلع عليه إلا هن، ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال، ويقضى له.
وفي شفعتها: وتجوز شهادتهن على أخذ الشفعة أو تسليمها، أو على أنه شفيع، وعلى إقرار المبتاع أن فلاناً شفيع هذه الدار.
الشيخ في الموازية: تجوز شهادتهن في المال، ولو كثر، وكذا في الوكالة على المال في رواية ابن القاسم، وقوله وقول ابن وهب، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز فيها.
الشيخ عن ابن وهب: قال ابن الماجشون: لم يقل مالك، ولا أحد من علمائنا بجواز شهادتهن على الوكالة في المال، ولا على إشهاد الوصايا.
وروى ابن عبدوس في الموصي برقبة معينة، أو مبهمة لعتق: أن شهادة رجل
الجزء: 9 - الصفحة: 321
وامرأتين في ذلك جائزة، كما لو شهدوا أنه قال: بيعوا عبدي فلاناً رقبة.
وفي الموازية: إن شهدن مع رجل أنه أوصى بشراء رقبة بخمسين فتعتق؛ لم يجز؛ لأنه إذا اشترى؛ لم يعتق بشهادتهم، وإن كان عبد فلان؛ جازت على شرائه، وزيادة ثلث ثمنه لربه إن لم يسم ثمناً، ولا يعتق بقولهم.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا تجوز شهادتهن مع رجل على وصية بثلث للمساكين، كما لا تجوز فيه يمين.
وسمع سحنون ابن القاسم: لا تجوز شهادتهن في جراح العمد، وتجوز في الخطأ جراحه وقتله.
سحنون: هي في جراح العمد جائزة، وأصل قولنا ما جاز فيه اليمين مع الشاهد؛ جازت فيه شهادتهن، وما سقط في اليمين مع الشاهد؛ سقطت فيه، فما جاز الشاهد واليمين في جراح العمد؛ جازت شهادة النساء فيه.
وقاله ابن الماجشون: ولو شهدت امرأتان ورجل بوصية للمساكين؛ لم تجز الوصية؛ لأنه ليس فيها يمين مع الشاهد.
ابن رشد: هذا الأصل الذي التزمه سحنون وابن الماجشون، لم يقله ابن القاسم؛ لأنه لم تجز في هذه الرواية شهادة امرأتين في جراح العمد؛ ويجيز القصاص فيها بالشاهد واليمين، واختلف قوله في إجازة شهادتهن في ذلك.
وقع في المجموعة، وكتاب ابن سحنون اختلاف قوله في ذلك، والذي رجع إليه سقوطها، فيحتمل أن يكون إجازته إياها، ومنعه على القولين إجازة الشاهد واليمين فيها، ومنع ابن الماجشون في الوصية للمساكين إغراق في طرد أصله ويبعد، وليس بثابت في جميع الروايات، والصواب إجازتها على أصله؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما سقط؛ لأن رب الحق غير معين، لا لأن الوصية بالمال، لا تستحق باليمين مع الشاهد، فمذهب سحنون وابن الماجشون ملازمة جواز الشاهد واليمين؛ لجواز شهادة النساء، وتلازمهما في السقوط، وعلى مشهور قول ابن القاسم ما جاز فيه الشاهد واليمين؛ جازت فيه شهادة النساء، ولا ينعكس ما يجوز فيه شهادتهن أعم وأكثر مما يجوز فيه
الجزء: 9 - الصفحة: 322
الشهادة واليمين؛ لأن شهادة النساء تجوز عنده على الوكالة في المال، وعلى شهادة الشاهد بالمال، ولا يجوز فيها الشاهد واليمين، وإذا قلنا على مذهبه في هذه الرواية أنه يجيز القصاص باليمين مع الشاهد، ولا يجيز شهادة النساء في ذلك؛ فليس أيضاً كل ما تجوز فيه اليمين مع الشاهد؛ تجوز فيه شهادة النساء، فعلى هذا من الأشياء ما يجوز فيه الأمران، ومنها ما لا يجوز فيه واحد منهما، ومنهما ما يجوز فيه أحدهما دون الآخر وعكسه.
الشيخ في المجموعة: لأشهب: تجوز شهادتهن في كل عمد لا قود فيه، وإن انفردن حلف المجروح، ووجبت له ديته.
الباجي: إن شهد رجل وامرأتان أن الزوج اشترى زوجته من سيدها؛ ثبت الشراء، ولا يفسخ النكاح، وإن كانت شهادة النساء لا تجوز في الطلاق.
سحنون عن عبد الملك: إنما الشهادة في مال جر إلى الفراق.
سحنون: وكذا شهادتهن فيمن غر بحرية أنه مملوك لفلان، يحلف معهن، ويرق له، ويبطل حد من قذفه.
ابن الماجشون: ولو شهدن على أداء كتابة مكاتب؛ حلف وتم عتقه، ولو شهدن مع رجل فيمن حلف بطلاق، أو عتق على أداء حق إلى أجل بعد انقضائه؛ سقط الحق.
وفي سقوط حنثه عنه: روايتا اللخمي.
وفي الولاء منها: من مات وترك ابنتين، فادعى رجل أنه مولاه أعتقه، وأقرت البنتان أنه مولاه، وهما عدلتان؛ حلف معهما، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأقل من ذلك من ولاء، ولا عصبة، ولا نسب معروف، ولا يستحق بذلك الولاء.
وقال غيره: لا يحلف مع إقرارهم، او لا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على عتق، وشهادتهما فيه لا تجوز.
قلت: فحاصله أنها في المال غير آيل إليه جائزة اتفاقاً، فإن آلت إليه؛ ففي إعمالها فيما آلت إليه متقدم قول سحنون في الغار بالحرية مع متقدم قول ابن الماجشون في أداء الكتابة، وإحدى الروايتين.
الجزء: 9 - الصفحة: 323
وفي سر الحالف على الأداء لأجل وآخراهما: وفي غيره: إن لم تؤل إليه؛ لا تجوز اتفاقاً، إلا في الارتجاع عن ابن نافع خلاف قول ابن رشد في رسم الأقضية.
الثالث من سماع أشهب: لا يجوز في الارتجاع اتفاقاً، وإن آل إليه؛ ففي قبولها وردها قولا ابن القاسم وسحنون مع أشهب وابن الماجشون، وقولها في مسألة البنتين ثالث؛ لأنه قبلها في المال دون سببه، وهو الولاء، وقبلها في الوكالة على المال، وليست نفسه.
الشيخ لأشهب في سماع عبد الملك: إن شهدت امرأتان على امرأة بضربها بطن امرأة، فألقت مضغة؛ حلفت معها، واستحقت الغرة، ولا كفارة على الضاربة.
ولم يزد فيها ابن رشد في معنى الشهادة شيئاً.
وفي الأيمان بالطلاق منها: إلا في الأموال، وفيها يغيب عليه النساء من الولادة والاستهلال والعيوب، ومثله في كتاب ابن سحنون، وذكر فيه الحيضة والعذرة، والسقط قائلاً: لا يجوز في ذلك أقل من امرأتين.
الشيخ عن الأخوين، وابن عبد الحكم، وأصبغ: لو شهدت امرأة ورجل باستهلال صبي؛ لم تجز شهادتهما.
ابن حبيب: حضور الرجل أبطل شهادة المرأة، والرجل الواحد لا تجوز.
قلت: زاد المازري ما نصه: وذكر ابن حبيب عمن يرضاه من أهل العلم أنه قبل شهادة المرأة مع الرجل، واختار ابن حبيب هذا المذهب.
قال: لأن المرأة لو انضاف إليها امرأة؛ قبلت الشهادة اتفاقاً، فانضياف الرجل إليها أقوى لما ثبت في الشرع أن شهادة المرأة كنصف شهادة الرجل.
اللخمي: تجوز شهادتهن على الولادة مع وجود الولد أن هذه ولدته، فإن لم يكن موجوداً؛ ففي جوازها قولا ابن القاسم وسحنون، وأرى إن كانت المناكرة بقرب الولادة أن لا تجوز، وإن كانت بعد طول القدوم من أنكرها، أو كانت الأم مقرة، ثم أنكرت أن تجوز.
وصحة شهادتهن على أن الولد ذكر ثالثها: إن كان مستحق التعصيب بيت
الجزء: 9 - الصفحة: 324
المال أو البعيد من العشيرة، وتعذر إخراجه من قبره؛ لتغيره بطول إقباره.
اللخمي عن ابن القاسم قائلاً: ويحلف المشهود له معهن، وأشهب على أصله في لغوها على غير مال يستحق به مال وأصبغ.
قلت: سمعه أصبغ: تجوز شهادتهن باستهلال الولد، قيل: وبأنه غلام، قال: نعم مع يمينه.
أصبغ: قال لي ابن القاسم: والقياس ألا تجوز؛ لأنه يصير نسباً قبل ألا يصير مالاً.
وفيها: إن مات؛ فبأي شيء يرث ويورث، قال: بأدنى المنزلتين، إلا أن يكون لا يبقى، ويخاف عليه الحوالة إن حبس، إلى أن يوجد رجال يشهدون على رؤيته؛ فتجوز شهادتهن حينئذ.
ابن القاسم: وكذا المرأة تلد، ثم تهلك هي وولدها في ساعة؛ يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادتهم أن الأم ماتت قبله، فيستحقون إرثه من أمه؛ لأنه مال، قال: إنما تجوز شهادتهن على الولادة والاستهلال إن كان البدن قائماً، ورأى الناس أن قد كمل جسده، وكذا شهادتهن في القتل.
ابن رشد: إجازة ابن القاسم شهادة امرأتين على استهلال الصبي، وعلى أنه غلام مع اليمين؛ يدل على صحتها على الاستهلال، ولو فات البدن؛ إذ لو كان حاضراً؛ لاستغني عن شهادة النساء فيه أنه غلام بنظر الرجال إليه، وكذا قتل الخطأ لا يشترط في صحة شهادة النساء فيه حضور البدن على مذهبه.
قال في المدونة: لأنه مال شهادتهم في المال جائزة، خلاف قول ربيعة وسحنون في المدونة: إنها لا تجوز في الاستهلال والخطأ إلا مع حضور البدن، فعلى قولهما؛ لا تجوز في أنه ذكر أو أنثى، وهي رواية مطرف وأشهب، وقول ابن هرمز: وهو القياس على ما قاله ابن القاسم هنا، فإذا جوز شهادتهن مع مغيب البدن آل ذلك إلى جوازها في غير المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين أزواجه، فيكون لهن أن يتزوجن، وقد يكون له أمهات أولاد ومدبرون، فيعتقون، وقد يوصي بعتق وتزويج بناته، قول إجازة شهادتهن في قتل الخطأ إذا لم يعرف الموت بحضور البدن ميتاً إلى أن تجوز شهادتهن في
الجزء: 9 - الصفحة: 325
ذلك كله، وشهادتهن في غير المال لا تجوز، ففي ذلك من قول ابن القاسم نظر، وهو استحسان، والقياس قول سحنون وربيعة: لا تجوز إلا في صفة القتل إن لم يعرف الموت، وكذا الشاهد الواحد في قتل الخطأ.
وأما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة على أيهما مات أولاً، فجائزة اتفاقاً؛ لأنها على ما لا يتعدى إلى غير المال.
قلت: قوله: (اتفاقاً) خلاف ما يأتي لابن حاجب.
**** شهادتهن في العيوب قال اللخمي: أما عيب فرج الحرة يدعيه الزوج؛ ليرد به؛ فينظرها النساء.
سحنون: أصحابنا يصدقونها، وأرى أن ينظرها النساء؛ لأنها تتهم، وإن كان العيب بغير الفرج؛ ففي شق الثوب عن محله؛ ليراه الرجال والاكتفاء فيه بشهادة النساء قولان لغير أصبغ، وله، وعزاهما المازري لغير الموازية ولها.
قلت: وهو ظاهر الأيمان بالطلاق من المدونة.
اللخمي: وأما الإماء، فإن كان العيب بالفرج، ولا يعلمه إلا النساء، فإن كانت شهادتهم عن فائت؛ لأن الأمة ماتت أو غابت، أو كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان الحاكم هو الباعث في كشف ذلك؛ كان في قبول امرأة واحدة في ذلك قولان.
ولا يقبل اليوم أقل من امرأتين؛ لضعف العدالة.
وإن كان العيب مما يعلمه الرجل؛ كالبكارة، يقول: وجدتها ثيباً، وكذبه البائع، ولم يبعث الحاكم في ذلك؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين.
واختلف في اليمين، قال: وأجاز محمد في المرأة تدعي أن زوجها بني بها، وأرخى الستر؛ شهادة امرأتين ويميناً لما كان ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء، والزوج يدعي المعرفة، وقيل في هذا الأصل: لا يمين عليها، والمرأتان كالرجلين.
قلت: في النوادر: روي محمد: تجوز شهادة امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال بغير يمين من ولادة، وحمل، وعيب فرج، واستهلال، وإن شهدت امرأتان على إرخاء ستر؛
الجزء: 9 - الصفحة: 326
لم يقض للزوجة إلا بيمينها.
قلت: قوله أولاً: تجوز دون يمين فيما لا يطلع عليه النساء مع إيجابه اليمين في إرخاء الستر يدل على أن إرخاء الستر لا يختص به النساء، وهو خلاف قول اللخمي، ونحوه قول المازري إثر نقله اليمين في مسألة الستر: أشار بعض أشياخي إلى أنه اختلف في هذا الأصل في اليمين فيه مع شهادة امرأتين لأجل إرخاء الستر، وزق الزوجة على الزوج، ولا يحضره غالباً إلا النساء، ويندرج تحت شهادتين بذلك أحكام أخرى، والإحصان، والإحلال، وغيرهما مما يتكلم عليه في موضعه.
قلت: تقدم في مسائل إرخاء الستور أن سبب الخلاف في لزوم يمين الزوجية مع ثبوت إرخاء الستر؛ إنما هو بناء على أن دلالة الحالة العرفية على ثبوت أمر كدلالة شهيدين أو شاهد واحد سواء؛ كان ثبوت إرخاء الستر بشهادة النساء، أو شهادة رجلين، وكذا دلالة الشواهد في البناء، والوصف في اللقطة، ونحو ذلك.
قال ابن الحاجب: الرابعة: ما لا يظهر للرجال؛ كالولادة وعيوب النساء، والاستهلال، والحيض، فيثبت بأمرين، ويثبت الميراث، والنسب له وعليه، فلم يتعرض ابن عبد السلام لشرح قوله: (ويثبت الميراث والنسب له وعليه)، وقرره ابن هارون بقوله: مثل أن تشهد امرأتان بولادة أمة أقر السيد بوطنها، وأنكر الولادة؛ فإن نسب الولد لاحق به، وكذا موارثته إياه له وعليه.
باب فيما تصير به الأمة أم ولد
قلت: نحو ما قرر به كلامه، قولها في أواخر أمهات الأولاد: وإن ادعت الأمة أنها ولدت من سيدها، فأنكر؛ لم أحلفه لها إلا إن يقيم رجلين على إقرار السيد بالوطء، وامرأتين على الولادة؛ فتصير أم ولد، ويثبت نسب الولد إن كان معها وتلد، إلا أ، يدعي السيد استبراء بعد الوطء، فيكون ذلك له، هذا نص في جواز شهادتين فيما لا تجوز فيه شهادتين إذا كان لازماً لما تجوز فيه شهادتهن، وتقدم نحوه، وهو في
الجزء: 9 - الصفحة: 327
الموطأ وغيره.
قال ابن الحاجب: (وفي قبولها بأنه ابن فلان قولان).
قال ابن هارون: معناه: إذا كان المقصود من الشهادة استحقاق المال فقط، كما لو شهدتا فيمن مات أن هذا ابنه، لا وارث له في علمها غيره، فقول ابن القاسم، يحلف الولد، ويرث كشاهد له بذلك، ولا يثبت له نسب، وعلى قول أشهب لا يرث شيئاً؛ لأنه إنما يثبت بالنسب، والنسب لا يثبت بشهادتهما.
قلت: قال اللخمي في أوائل ترجمة شهادة النساء: اختلف في شهادتهن في ما ليس بمال، ويستحق به مال، فإن شهد رجل وامرأتان في ميت بنسبه أن هذا ابنه، أو أخوه ولا وارث له ثابت النسب؛ صحت الشهادة على قول ابن القاسم، وثبت له الميراث، ولم يجز على قول أشهب؛ لأنه قال: لا يستحق الميراث إلا بعد ثبوت الأصل بشهادة رجلين، فإن ثبت ذلك، ثم شهد واحد أنه لا يعلم له وارثاً سوى هذا؛ جازت، واستحق المال.
وقال ابن عبد السلام: هذا كلام مشكل، ولعله يرجع إلى الخلاف في الذكورة والأنوثة.
قلت: الأظهر تفسيره بما تقدم للخمي، وإن كان ظاهره مخالفاً لظاهر الوارد في الروايات في آخر سماع أشهب من رسم الأقضية الثالث؛ لأنه لا تجوز شهادة النساء في الأنساب، ومثله في النوادر.
الجزء: 9 - الصفحة: 328
زاد الشيخ عن ابن الماجشون: تجوز في الميراث إن ثبت النسب بغيرهن، كما تجوز في قتل الخطأ إن ثبت الموت بغيرهن، وإذا اختصم في تعدد الولاء لمن ورثوه عنه؛ جاز في ذلك شهادتهن، أو شاهد ويمين، وإن لم يثبت الولاء بغيرهن؛ لم تجز.
ولابن سحنون عنه: يجوز في الوراثة شاهد ويمين وشهادة النساء؛ لأنها على مال؛ لأن النسب يثبت بغيرهن.
ومثله قولها في الشهادات: تجوز شهادتهن في الموارثة إن ثبت النسب بغيرهن؛ لأنها في مال.
وفي السرقة منها: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة؛ لم يقطع، وضمن قيمة ذلك، ولا يمين على صاحب المتاع.
قال ابن الحاجب: وكذا قتل عبد عمداً، ويثبت المال دون القصاص.
قلت: هذا كنقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: ويقضى بشاهد ويمين في قتل العبد، ويستحق قيمته من الحر، ورقبة العبد القاتل، إلا أن يفديه سيده بقيمة المقتول، ولا يقتص من العبد بذلك.
الشيخ عن سحنون: كل ما جاز فيه شاهد ويمين؛ جازت فيه شهادة النساء.
اللخمي: ومن الشهادة ما ليس بمال، ويستحق به مال أن يشهد رجل وامرأتان بنكاح بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلاناً أعتقه، أو على نسب أن هذا ابن الميت أو أخوه، فالشهادة على قول ابن القاسم صحيحة، وعلى قول أشهب؛ لا تجوز، وتقدم الكلام في شهادتهن؛ لتقدم موت أحد الوارثين على الآخر.
وقول ابن رشد: تجوز فيه شهادتهن اتفاقاً.
وقال ابن الحاجب: في ثبوت الميراث بذلك قولان لابن القاسم وأشهب.
وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، ولا أعرف من نقله عن أشهب نصاً، ولا يبعد إجراؤه على أصله، وأخذه من قول اللخمي: واختلف في شهادتهن على التاريخ على الاختلاف فيما ليس بمال، ويستحق به مال نظر، ويقرب أخذه من قوله فيما يستحق به مال، ومنعه عبد الملك وسحنون، وقالا: كل ما لا يجوز فيه شاهد ويمين، لا تجوز فيه
الجزء: 9 - الصفحة: 329
شهادة النساء.
وفي وصاياها: الأصل: إن شهدت امرأتان مع رجل على موت ميت، فإن لم يكن له زوجة ولا أوصى بعتق ونحوه، وليس إلا قسمة التركة؛ فشهادتهن جائزة، وقال غيره: لا تجوز، وتقدم نحوه في شهادتها، قال غير واحد: إبطاله شهادتهن بالموت إن كان للميت زوجة، أو وصية لفوم؛ ردت في العتق، وجازت في الوصايا لقوم، فإن ضاق الثلث؛ فإنما لهم منه ما فضل عن العتق، وإنما تبطل كلها أن لو شهد لنفسه فيها، وكان بعض من لقيناه يشير إلى ما يفرق به بينهما، وهو أن الوصية بالعتق والمال ارتباطهما في الشهادة بهما ارتباط اتفاقي، كارتباط كون الإنسان ناطقاً بكون الفرس صاهلاً، وكارتباط كون الأخت مع البنت عاصبة بكون الأب مع الولد الذكر غير عاصب، لا لزومي كقولنا: كل ما كان هذا إنساناً كان حيواناً، وكلما كان هذا الحر مالكاً نصاباً من العين لا دين عليه؛ كان مخاطباً بزكاته؛ لصحة تعلق شهادتهن بأحدهما دون الآخر على تقدير وجودهما في الواقع، وارتباط إرث المال، وتنفيذ العتق الموصى به بغير شهادة في الشهادة بالموت؛ ارتباط لزومي؛ إذ لا يصح إيجاب الموت أحدهما دون الآخر على تقدير وجودهما في الواقع بحال، ولا يلزم من صحة التفريق بين مرتبطين ارتباطاً اتفاقياً لعارض صحته في المرتبطين ارتباطاً لزومياً، وإلا لما كان فرق بين اللزومية والاتفاقية؛ ولذا لم يطرد عندهم قياس اقتراني من الاتفاقيات، بخلاف اللزوميات.
قال أبو إبراهيم وأبو الحسن الصغير: يقوم من قولها مثل قول ابن الماجشون في الواضحة في عدل شهد أن فلاناً قتل فلاناً، ونحن في سفر، فمات مقعصاً ودفناه أنه لا قسامة فيه بالشاهد العدل، قال: وإنما تكون القسامة إذا كان الموت معروفاً، أريت لو جعلنا القسامة بشهادته على القتل، فأقسم الولاة، وقتلوا أتعتق أم ولده ومدبرته، ويفرق بينه وبين زوجته بالشاهد الواحد؟ هذا لا يكون.
قال أصبغ: يستأني السلطان في ذلك، فإن جاء ما هو أثبت من هذا؛ وإلا حكم بالقسامة مع الشاهد وبموته، وتعتد زوجته، وتعتق أم ولده، وينكحن، وقيل: يقسم
الجزء: 9 - الصفحة: 330
ولاته، ويقتل قاتله، ولا يموت في زوجته ورقيقه، وهو ضعيف.
قلت: ما أقاماه من قولها؛ يرد بأنه لا يلزم من إلغاء شهادتهن بالموت الموجب إعمالها في عتق، ونحوه إلغاء شهادة العدل بالموت الموجب إعمال شهادته فيما لا تجوز فيه من رفع العصمة والعتق؛ لأن ما أعملت فيه شهادته، وهو الموت هو مما يثبت شهادته؛ فلا يمنع إعماله فيه كونه موجباً لما لا تعمل فيه شهادته؛ لأنه حينئذ كشهادة النساء بما تجوز فيها شهادتهن، وهو يؤدي إلى ما لا يجوز فيه شهادتهن، وهذا كشهادتهن بأداء الكتابة الموجبة للعتق، وبثبوت الدين الموجب لنقض العتق، وإن كان ابن زرقون حكي عن إسماعيل القاضي: أنه لا يرد العتق بما يثبت عليه برجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين؛ وإنما يرد بذلك ما يحدث من عتق بعد الحكم بالمال.
وشهادتهن بموت: يوجب عتقاً شهادة بما لا تجوز فيه شهادتهن مع كونه موجباً لما لا تجوز فيه شهادتهن؛ كشهادتهن بعتق يوجب طلاقاً، وهذا كشهادة امرأتين مع رجل بعتق عبد من حلف بالطلاق على عدم عتقه، أ، بعتق أمة تحت عبد، وتقدم لابن رشد على قول ابن القاسم في إجازته شهادتهن في قتل الخطأ مع غيبة البدن: أنها آيلة إلى جواز شهادتهن فيما عدا المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين نسائه، ويوجب عتق أمهات أولاده ومدبريه إلى غير ذلك مما لا تجوز شهادتهم فيه، وهو نحو ما زعموه من مساواته مسألة اللوث لمسألة كتاب الوصايا؛ فتأمله، وكون شهادتهن لوثا يأتي في اللوث إن شاء الله تعالى.
قال ابن الحاجب: (ولو أقام شاهداً، فطولب بالتزكية؛ أجيب إلى الحيلولة في المشهور به).
قلت: كذا هو في سائر النسخ شاهداً بالإفراد.
وقال ابن شاس: من أقام شاهدين، وطولب التزكية؛ فله أن يطلب الحيلولة، فيوقف الحيوان والعروض التي تطلب بعينها، ويشهد عليها.
فأما الحيلولة بإقامة مدعيها بشاهدين عدلين؛ فهو نقل غير واحد عن المذهب، وهذا قبل تعديلها حسبما نقله ابن شاس، وهو قولها: وإن كان أقام شاهدين، فكان
الجزء: 9 - الصفحة: 331
القاضي ينظر في تعديلهما، وخاف على المدعي فيه الفساد أمر أميناً فباعه وقبض ثمنه، ووضعه على يدي عدل، ويأتي لابن رشد خلافه.
وفي الحيلولة بإقامته شاهداً واحداً عدلاً: خلاف ابن سهل اختلف في العقلة بشاهد واحد عدل، ففي أحكام ابن زياد قولنا: وجوب العقل بها، وهو في الدور بالإقفال لها، وفي الأرض يمنع حرثها، وقاله عبيد الله بن يحيي، وأيوب بن سليمان، ولابن بطال عن ابن لبابة: لا تجب العقلة إلا بشاهدين، وقال سليمان: هو قول ابن القاسم.
وفي وثائق ابن العطار: لا تجب العقلة بشاهد واحد، ولكنه يمنع المطلوب أن يحدث في العقار بناءً أو بيعاً، أو شبه ذلك بالقول، ولا يخرج عن يده.
ولابن سحنون عنه: إن أقام المدعي شاهداً عدلاً عقل على المدعي عليه ما شهد به الشهود الذين ثبت بعضهم، قال: وسمع عيسى ابن القاسم: من أدعى أصل زيتون وثمرته، وأثبت شاهداً واحداً، وطلب أن يجعل وكيلاً على الثمرة يحوزها في الجنا والقص، وطلب من هي بيده أن يقوم عليها ليبيعها، قال: إن كان الشاهد عدلاً؛ حلف معه المدعي، وأخذ الثمرة، وإن كان الحاكم لا يقضي بالشاهد واليمين؛ نظر إلى ما فيه النماء والفضل في بيعة أو عصره، فوكل به من يثق به.
وفي مسائل ابن زرب: إنما حكم بالعقلة في هذه المسألة خوف فساد الثمرة، وتفويت المطلوب لها، وكذا يوقف كل ما يغاب عليه من عرض، وغيره بشاهد عدل، والأصول لا تعتقل إلا بعدلين وحيازتها إلا أن الشاهد العدل يمنع الحاكم به المطلوب أن يحدث بيعاً أو شيئاً يفوته، فإن أحدث فيه شيئاً بعد تقدمه إليه؛ لم ينفذ.
وقال في موضه آخر: اختلف في توقيف العقار بشاهد عدل؛ فقال بعضهم: العقلة فيه واجبة بذلك، واحتجوا بقول ابن القاسم في مسألة الزيتون، وقال بعضهم: لا تكون إلا بشاهدي عدل، وحيازتهما به جرى القضاء ببلدنا، والحجة فيه أن الغلة للمطلوب حتى يقضي عليه، وضمانها منه قبل ذلك، ولا تكون لطالب إلا إذا كان الضمان منه، ولا يكون منه إلا بشاهدي عدل وحيازتهما، ونزلت المسألة في دار بقرطبة،
الجزء: 9 - الصفحة: 332
فأفتيت فيها بالعقلة بشاهد عدل واحد، وخالفني بعض أصحابنا، وقال: لا تجوز العقلة بشاهد واحد، واحتج بما ذكرته من المقرب، وقال: إنه لم يقل أحد بذلك، وجهل جميع ما قدمناه من قول سحنون وابن زرب.
ولابن رشد في سماع عيسى المتقدم: اختلف في تأويل هذه المسألة، قيل معناها أن المدعي ادعي الأصول والثمرة معاً، كدعواه أنه اشتراها بثمرتها، وأقام على ذلك شاهداً واحداً، وقيل: بل ادعى الأصول فقط، فرأى توقيف الثمرة بشاهد واحد، وهو الآتي عل ما له في آخر رسم العرية بعد هذا فيمن أدعى دابة، وأقام عليها شاهداً واحداً، فماتت قبل القضاء له باليمين مع الشاهد أنه يحلف، وتكون المصيبة فيها منه؛ لأنه إذا رأى الضمان منه بالشاهد الواحد؛ فالتوقيف والغلة تابعان له.
واختلف في الحد يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان المستحق، وتكون الغلة له، ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضي له به، وهو الآتي على قول مالك في الغلة التي هي بيده حتى يقضي بها للطالب؛ فعليه لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفاً يحال بينه وبينه، ولا توقيف غلته، وهو قول ابن القاسم في المدونة: إن الربع الذي لا يحول، ولا يزاول، ولا يوقف مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفاً يمنع فيه من الإحداث.
والثاني: أنه يدخل في ضمانه، وتكون له الغلة، ويجب توقيفه، يحال بينه وبينه إذا ثبت له بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ إذا قال فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وقول غير ابن القاسم فيها؛ إذ قال: إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه، وكلف المدعي عليه المدفع، وعلى هذا القول جرى عندنا الحكم.
والثالث: أنه يدخل في ضمانه، وتجب له الغلة، والتوقيف بشهادة شاهد واحد، وهو الآتي على قول ابن القاسم في رسم العرية في الضمان حسبما ذكرناه.
قلت: فمتقضى نقله أن على القول الثاني لا يجب التوقيف بمجرد شهادة شهيدي
الجزء: 9 - الصفحة: 333
عدل، وحكى ابن عبد السلام: الاتفاق على التوقيف بشهادة شاهدين.
وأما التوقيف بشهادة شاهد واحد لم تثبت عدالته؛ فنقل ابن الحاجب عن المذهب ثبوته، ولما ذكر ابن عبد السلام الخلاف في التوقيف بشهادة الواحد، قال: وهذا كله في شهادة العدل أو العدلين، وأما من يحتاج إلى تزكية؛ فلا تجب بشهادته حيلولة، وظاهر كلام بعض المتأخرين مثل ظاهر كلام المؤلف في مجهول الحال.
قلت: هو ظاهر بعض ألفاظها فيها ما نصه: قال ابن القاسم: ثم يوقف له العبد؛ لأن مالكاً حين قال: يدفع إليه رأيت الوقف له إذا قال الطالب: أنا آتي ببينتي إذا كان قد أثبت بسماع، أو جاء بشاهد، وظاهر ما تقدم من نقل ابن سهل أن لا وقف بالشاهد الواحد إذا لم تثبت عدالته.
ابن الحاجب إثر قوله: (أجيب إلى الحيلولة في المشهور به) ما نصه: (ولا يمنع من قبض أجرة العقار).
قال ابن عبد السلام: لعله إذا سبق عقد الكراء الخصام، وأما إذا أراد أن يعقد الكراء بعد الشروع في الخصام؛ فلا يبعد ذلك على ظاهر المدونة، وفي كتاب الأحكام خلاف ذلك: أنه يقفل الموضع.
قلت: تقدم نقل ابن سهل عن عبيد الله بن يحيي وغيره: العقل بشاهد عدل، وأنه في الدور بالإقفال، وفي الأرض يمنع حرثها، وظاهره: مطلقاً، كانت أكريت قبل ذلك أم لا؟، وما نسبه لظاهر المدونة من إجازة عقد الكراء بعد الشروع في الخصام هو ظاهر ما عزاه ابن رشد لابن القاسم في المدونة.
ويجب عندي أن يكون ذلك مقيداً بالمدة التي لا يخشي بقاؤها بعد فصل الخصومة كما تقدم في كراء الوصي ربع يتيمه، وهو ظاهر قول ابن شاس: ولمن هو بيده قبض أجرته إلى حيث ما ينفذ القضاء.
اللخمي: روى محمد في العبد أو الجارية يدعيان الحرية، وبينه غائبة، ويريدان أن يمكنا من طلبهما: فليس لهما ذلك إلا أن يأتيا بشبهة بالحق وحميل، وإن أثبتا شاهداً، زادعيا آخر بعيد الغيبة؛ لم يقبل منه، ومكن سيده منه إلا أن يأتي بشاهد آخر، وقال
الجزء: 9 - الصفحة: 334
أيضاً: يحبس ولا يخلي يذهب، ويوكل من يطلب شهوده.
وإن كانت جارية وأثبتت شاهداً؛ وقف السيد عنها، وإن كان مأموناً أمر؛ بلكف عنها، وإن كان غير مأمون؛ وقف، ويضرب له أجل الشهرين ونحوهما.
وقال أصبغ: إن كانت من الوخش؛ فهي كالعبد يخلي سبيلها، تطلب إذا أتت بحميل، وإن كانت رائعة؛ فلا، وأمرت أن توكل، ويجعل لها السلطان محتسباً.
وسمع ابن القاسم في رسم سلف من كتاب الاستحقاق في العبد يدعي الحرية، ويذكر بينة غائبة، والجارية مثل ذلك: لا يقبل قول العبد إلا أن يأتي ببينة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق إن أتى بذلك رأيت له ذلك، واستحب في الجارية وقف ربها عنها، وإن كان مأموناً أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون، وجاءت بأمر قوي في الشهادة؛ رأيت أن توضع في يدي امرأة، ويضرب في ذلك أجل الشهرين والثلاثة مثل الشاهد العدل.
ابن رشد: قوله: (لا يقبل قول العبد إلا أ، يأتي ببينة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، فإن أتى بذلك؛ رأيت له ذلك)؛ كلام وقع على غير تحصيل؛ إذ لا يصح أن يقبل قول العبد في دعواه الحرية إلا ببينة عدلة، لا إذا أتى عليه ببينة غير عدلة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، والحكم يفترق في ذلك بين أن يأتي ببينة غير عدلة أو بشاهد عدل، أ، بين أن لا يأتي بمن يشهد له ويشبه قوله، وبين أن لا يأتي بمن يشهد له، ولا يشبه قوله حسبما مصي تحصيله في سماع عبد الملك في الأقضية.
قلت: قال فيه ما نصه: إن أدعت الجارية أو العبد الحرية، فإن سميا لذلك سبباً كالشاهد العدل أو الشهود غير العدول؛ وقف السيد عن الجارية، وأمر بالكف عن وطئها إن كان مأموناً، وإن لم يكن مأموناً؛ وضعت على يدي امرأة، وضرب في ذلك أجل الشهرين والثلاثة، قاله مالك.
وإن سألت أن ترفع مع سيدها لموضع بينتها؛ فلها ذلك إن قرب الموضع، وإن بعد موضعها؛ فقيل ترفع مع سيدها إليه، قاله أصبغ، وقيل: لا يلزم سيدها رفعه إليه، ويقال له: ضع حميلاً يضمنك، واذهب لموضع بينك، وهو ظاهر قول ابن وهب في
الجزء: 9 - الصفحة: 335
سماع يحيى في رسم الأقضية من كتاب الشهادات: وإن لم يأت بحميل؛ طرح في السجن، ووكل من يقوم بأمره، قاله مالك فيما سأله عنه ابن كنانة لابن غانم، ومعناه: إن أدعى إلى ذلك السيد، وقال: أخشى أن يهرب لادعائه الحرية، وإن لم يسبب لذلك سبباً من بينة، ولم يأتيا بسوي الدعوى، فإن ادعيا لذلك وجهاً يشبه ويعرف؛ كادعائهما أنهما من أهل بلد عرف واليه بالتعسف على أهل ذمة ذلك البلد وبيعه لهم، أو ينتسب إلى قوم معروفين، ويأتي على ذلك بأمارة معروفة، وكان موضع بينتها قريباً؛ أخذ الإمام من ربهما حميلاً ألا يخرج بهما ولا يفربها، ويكتب لهما كتاباً لذلك الموضع، فإن جاء جواب كتابه بما يستوجب به الرفع مع سيده، أو الذهاب بحميل يأخذه منهم بقيمته؛ حكم بذلك، وإن لم يكن لما ادعياه وجه يعرف، والموضع بعيد؛ لم يلزم ربهما شيء.
واختلف إن لم يكن لدعواهما وجه، والموضع قريب؛ فقيل: لا يلزم ربهما شيء، وهو دليل قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن كان الذي ذكره العبد قريباً على مسيرة اليوم وشبهه؛ فعسى به إن جاء بأمر يعرف، فلعل هذا يكتب له؛ يريد: يؤخذ من سيده حميل، وقول ابن الماجشون: وقيل: يكتب لهما، ويتخذ على سيدهما حميل أن لا يفوتهما، قاله عيسى في كتاب الجدار، وإن كان لما ادعيا وجه، والموضع بعيد؛ فقيل: لا يلزم السيد شيء، وهو دليل هذه الرواية؛ لأنه لم ير أن يكتب له غلا قرب الموضع، وأتى بأمر يعرف، وقال ابن حبيب عن مطرف وأصبغ: يكتب لهما، ويؤخذ من سيدهما حميل بهما.
والنظر: إن أخذ من العبد حميل بقيمته، فذهب لمحل بينته، فهرب، أو مات بالطريق، أو قتل، أو حدث به عيب، ولم تصح دعواه من شيء ما الحكم في ذلك؟ والذي أراه على ما يوجبه النظر، والقياس أن يضمن الحميل قيمته إن أبق، أو قتل، وما حدث به من عيوب بسبب سفره، ولا شيء عليه مما حدث بغير سبب سفره، ولا في موته إن مات.
قال ابن الحاجب: وتحال الأمة، وإن لم تطلب، إلا أ، يكون مأموناً عليها، وقيل:
الجزء: 9 - الصفحة: 336
تحال الرائعة مطلقاً.
ابن عبد السلام: يعني: أن من بيده أمة، فنوزع فيها، وشهد عليه شاهد كما تقدم وينبغي إن كان مكذباً لمن شهد لخصمه؛ أن يحال بينهما.
قلت: فظاهره: أنه حمل المسألة على أن الأمة أدعى مدع ملكها، لا أنها أدعت الحرية، ولا أعرف المسألة إلا من الموازية والعتبية، وهي فيهما في دعوى الحرية حسبما ذكرناه، وهو ظاهر قول ابن الحاجب: (وإن لم تطلب).
ولو كانت الدعوى لمن يدعى ملكها؛ لم تجب الحيلولة إلا بطلبة، هذا تحقيق النقل، وإن كان لا فرق في ذلك بين العتق وغيره.
وفيها: إن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم، ورطب الفواكه، وأقام شاهداً واحداً أو أثبت لطخاً، وقال: لي بينة ما لم يخف الفساد على ذلك الذي أدعى واستؤني، فإن أحضر ما ينتفع به، وإلا خلي بين المدعي عليه، وبين متاعه إن كان هو البائع، ونهي المستري أن يعرض له، وإن كان أقام شاهدين، فكان القاضي ينظر في تعديلهما، وخاف عليه الفساد؛ أمر ببيعه، وأخذ من المشتري الثمن الذي شهدت به البينة؛ قضي للمشتري بالثمن إن كان هو المدعي، وأخذ من المشتري الثمن الذي شهدت به البينة يدفع للبائع، كان أقل أو أكثر، ويقال للبائع: أنت أعلم بما زاد ثمن المشتري الذي جحدته البيع على ثمن سلعتك، وإن لم تزك البينة على الشراء؛ دفع القاضي الثمن للبائع، فإن ضاع الثمن قبل القضاء به لأحدهما؛ كان ممن يقضي به له.
عياض: قوله في توقيف ما يسرع إليه الفساد إذا قال المدعي: عندي شاهد واحد، ولا أحلف معه؛ أنه يؤجله ما لم يخف عليه الفساد، وإلا خلي بين المدعي عليه وبين متاعه.
معنى قوله: (وبل أحلف معه)؛ أي: البتة، ولو أراد: لا أحلف معه الآن؛ لأني أرجو شاهداً آخر، فإن وجدته، وإلا حلفت مع شاهدي؛ بيه حينئذ، ووقف ثمنه إن خشي فساده، وليس هذا بأضعف من شاهدين يطلب تعديلهما، فقد جعله يبيعه هنا،
الجزء: 9 - الصفحة: 337
ونحن على شك من تعديلهما، وهو إن لم يثبت؛ بطل الحق، وشاهد واحد في الأول ثابت بكل حال، والحلف معه ممكن إن لم يجد آخر، ويثبت الحق؛ فحاصله إن لم يقم المدعي إلا لطخاً قاصراً عن شاهد عدل، وعن شهيدين ممكن تعديلهما؛ وقف المدعي فيه ما لم يخش فساده، فإن خشي فساده؛ خلي بينه وبين المدعي عليه، وكذا إن أقام شاهداً عدلاً، وقال: لا أحلف معه بوجه، وإن قال: أحلف معه أو أتي بشاهدين؛ ينظر في تعديلهما بيع ووقف ثمنه حسبما ذكره في الأم.
ومثل ما ذكره عياض عن المذهب ذكر أبو حفص العطار، وزاد: إن كان أتى الطالب بشاهد واحد ولم يزكه، وهو قابل للتزكية؛ فهو كقيام شهيدين؛ ينظر في تزكيتهما، يباع المدعي فيه لخوف فساده، ونقل أبو إبراهيم قول عياض ولم يتعقبه.
وقال ابن الحاجب: (وما يفسد من طعام وغيره، قالوا: يباع وبوقف ثمنه إن كان شاهدان، ويستحلف ويخلي إن كان شاهد)، ف 1 كره ابن هارون فقبله، ولم يزد فيها حرفاً.
وقال ابن عبد السلام: تبرأ المؤلف من هذا القسم بقوله: (قالوا)؛ لأنهم مكنوا من الطعام بيده بعد قيام شاهد عليه، ولم يمكنوه منه إن قام عليه شاهدان؛ بل قالوا: يباع ويوقف ثمنه، ومن المعلوم أن شاهداً واحداً أضعف من شاهدين، قال: فإن قلت: لأجل أنه أضعف منهما؛ أبقوا الطعام بيد المدعي عليه، وألغوا أثر شهادة الشاهد.
قلت: لو كان هذا صحيحاً؛ لزم مثله فيما لا يخشى فساده أن يحلف من هو بيده، ويترك يفعل فيه ما أحب، غير أنه يمكن أن يجاب عن أهل المذهب بأن ما يخشى فساده؛ تعذر القضاء بعينه لمدعيه؛ لما يخشى من فساده قبل ثبوت دعواه، فلم يبق إلا النزاع في ثمنه، فهو إذن كدين على من هو بيده، فيمكن منه بعد أن يحلف؛ ليسقط حق المدعي في تعجيله، ولا يقال: يلزم مثله فيما قام عليه شاهدان؛ لأن حق المدعي فيه أقوى من حق المدعي عليه.
قلت: حاصل كلامه: أن المذهب عنده هو ما نصه ابن الحاجب، وأشار إلى التبري منه، وهو أن الشاهد الواحد فيما يخشى فساده يوجب عدم تمامه حين خوف فساد
الجزء: 9 - الصفحة: 338
المدعى فيه بتسليمه للمدعي عليه دون بيعه، وإن عدم تمام شهادة الشاهدين حينئذ لا يوجب ذلك؛ بل يوجب بيعه، ووقف ثمنه.
ومن تأمل كلام عياض وأبي حفص العطار مراعياً أصول المذهب؛ علم أن ما فهمه الشيخ عن المذهب، وفسر به كلام ابن الحاجب، وما أشار إليه من التبري غير صحيح، وظاهر كلام الشيخ عموم ذلك في الشاهد العدل، والمنظور في عدالته، وظاهر عطف ابن الحاجب الشاهد على الشاهدين أنه منظور في عدالته، وقول ابن عبد السلام في سؤاله وجوابه.
قلت: لو كان هذا صحيحاً؛ لزم فيما لا يخشى فساده واضح رده بأن الحكم المذكور؛ وهو تسليمه للمدعي عليه، أو بيعه ووقف ثمنه؛ معلل في كل الروايات بخوف فساده حين عدم تمام حجة المدعي عدماً لا يوجب تعجيزه، وهذه العلة مفقودة فيما لا يخشى فساده، وقوله: غير أنه يمكن أن يجاب الخ؛ هو بناء على فهمه المذهب بالتفرقة بين الشاهد الواحد والشاهدين، وتقدم رده، وعلى تسليمه يرد جوابه بأن اللازم حينئذ كونه كدين على من هو بيده، وهذا إنما يوجب عدم بيعه عليه لا الزيادة الثابتة في رواية المدونة، وهي قوله: ونهي المشتري أن يتعرض له؛ لأن ظاهرها: أنه لا يعرض له مطلقاً، لا فيعين المدعي فيه، ولا تعلقه بذمته، ولو بقيت دعواه في ثمنه؛ لوقف ثمنه، ولاسيما إن كان المدعي عليه غير ملي ثمنه، وموجب كلام الشيخ بما كتبه عدم وقوفه على كلام عياض، والله أعلم بمن اهتدى.
ابن شاس: تقبل شهادة الأصم في الأفعال، وهو نحو قول المازري عن المذهب: تجوز شهادة البصير فيما يصح أن يعلمه البصير.
وفي الزاهي لابن شعبان: شهادة الأخرس جائزة إذا عرفت إشارته، يكرر عليه حتى يستيقن، وإن كان يكتب؛ فالاختيار أن يكتب.
قلت: وقبول شهادته كصحة عقد نكاحه، وثبوت طلاقه وقذفه وكلاهما فيها.
وشهادة الأعمى بما تيقنه بما هو مسموع فيها مع غيرها؛ قبولها، وهو نص سماع ابن القاسم احتجاج مالك بقوله: وكان ابن أن مكتوم أعمى إماماً مؤذناً على عهد
الجزء: 9 - الصفحة: 339
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك: وكذا رجل يشهد على المرأة من وراء الستر، وعرفها وعرف صوتها، وأثبتها قبل ذلك، وكان الناس يدخلون على أزواجه صلى الله عليه وسلم بعد موته وبينهم وبينهن حجاب يسمعون منهن ويتحدثون عنهن.
ابن رشد: مثله في اللعان منها، وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب، وما احتج به مالك صحيح لا خروج لأحد عنه.
وقال ربيعة: لو لم تجز شهادته ما جاز له وطء أمته، ولا زوجته.
قال المغيرة: سواء ولد أعمى أو لا، ونحوه للمازري.
وقال المتيطي في فصل صفة من يستحق القضاء ما نصه: واختلف في استقضاء الأعمى، فقال مالك في موضع: لا يجوز أن يستقضي، وفي الأحكام السلطانية جواز قضائه، والمشهور عن مالك جواز قضائه، وحكي أبو عبيد من رواية ابن أبي مريم عن مالك منع شهادته، كذا وقع في غير نسخة منع شهادته التي هي قسيمة الرواية لا منع قضائه المتكلم فيه، وفي النفس من هذا النقل شيء؛ لأن المتيطي لما تعرض لذكر شهادته لم يحك إلا جوازها، واستدلال مالك على ذلك.
وفي الأقضية منها: وإذا عرف الشاهد خطه في كتاب فيه شهادته؛ فلا يشهد حتى يذكر الشهادة ويوقن بها، ولكن يؤديها كما علم، ثم لا تنفع الطالب.
ابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من الشهادات: وأما شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة، فقال مالك: أول زمانه يشهد إن كان الكتاب نقياً، ولا يجد فيه ما يريبه، ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها أو ما يدله على حقيقتها، وينفي التهمة عنها؛ فأخذ بالأول عامة أصحابه الأخوان، والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب، واختاره ابن حبيب وسحنون في نوازله.
قال مطرف: وعليه جماعة الناس، قال مع ابن الماجشون: وليقم بالشهادة تامة بأن يقول ما فيه حق، وإن لم يحفظ مما في الكتاب عدداً ولا مقعداً، ولا يعلم السلطان بأنه لم يعرف عين خطه، فإن أعلمه بذلك، وأنه لم يسترب في شيء لزم الحاكم ردها.
الجزء: 9 - الصفحة: 340
وروى ابن وهب أنه إن قال: هذا كتابي، ولا أنكر الشهادة أنه يحكم بها، وأخذ ابن القاسم وأصبغ بقول مالك الثاني لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة، واختلف على هذا الفول، ففيها يؤديها كما علم، ولا تنفع، وهذا يدل على تصويب المجتهدين.
وقال محمد: لا يؤديها؛ وهو القياس على القول بأن المجتهد قد يخطئ الحق عند الله، وإن لم يقصر في اجتهاده، واختلف كيف يؤديها؛ فقيل: يقول: هذه شهادتي بخط يدي، ولا أذكرها.
وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب أنه يقول: أرى كتاباً، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا متى كتبتها، وعلى معنى هذا الاختلاف اختلافهم في الشهادة على خط المقر، ثم قال: حاصل المذهب فيها خمسة؛ الأول: جوازها والحكم بها، والثاني: لغوها، فلا يؤديها، والثالث: غير جائزة إلا أ، هـ يؤديها، ولا يحكم بها، والرابع: إن كانت في كاغد؛ لم يجز له أن يشهد، وإن كانت في رق؛ جاز له إن يشهد؛ يريد: إن كانت الشهادة في بطن الرق لا على ظهره؛ لأن البشر في ظهر الرق أخفى منه بخطه إلا لشهادة؛ لم يجز، حكي هذين القولين ابن حارث، ولسحنون في نوازله جميع أصحاب مالك يجيزونها إن كان هو خط الكتاب، وكتب شهادته، وهذه التفرقة استحسان؛ والقياس أ، لا فرق بين كون كل الكتاب بخطه، أو شهادته فقط على المعنى الذي ذكرناه في الخط هل هو رسم يدرك بحاسة البصر أم لا؟
قلت: يرد حكمه بعدم التفرقة بأن يكون الكتاب بخطه من نفي الشكوك في كون شهادته بخطه ما ليس بمجرد كون الشهادة فقط بخطه؛ لأن محاكاة الكاتب خط غيره في القليل تحصل له، ولا تحصل له في الكثير، والعلم بذلك كالضرورة، وأول لفظ المازري يدل على موافقته.
ابن رشد: في عدم التفرقة، وآخره يدل على ما قلناه من التفرقة، ووجه آخر: وهو التحيل بإلصاق محل شهادة الشاهد بمكتوب غير ما شهد به، وأخبرنا شيخنا أبو عبد
الجزء: 9 - الصفحة: 341
الله بن سلمة في هذا المعنى عن بعض مشاهير عدول تونس، وهو أبو عبد الله بن الفواد، كانت له دراية بفقه الوثيقة وكتبها، وكان يدرس العربية، ومع ذلك وقفه عن الشهادة القاضي أبو عبد الله بن يعقوب، وارتحل إلى المشرف، ثم قدم، فدخل عليه، واعتذر له عن ما نسب إليه من سبب وقفه، فأجابه القاضي ابن يعقوب على ما أخبرني شيخنا أبو عبد الله بن الحباب بما لا يمكن كتبه، فأيس منه، وارتحل ثانية إلى المشرق، ثم قدم بعد انصراف ابن يعقوب، فأعيد لشهادته، وكان أحد شهود الديوان في أوائل هذا القرن الثامن، وولي مدة يسيرة قضاء الأنكحة بتونس أنه أتاه طالب بوثيقة بمال له بال على رجل أنكره، وأنكر الشهادة عليه، فطلب منه رفع شهادته في الوثيقة، فنظرها، فتحقق أن شهادته بخطه، وتذكر موطنها، وأنه شهد على ذلك الرجل، وكان ممن لا يجهل، فلم يذكر ذلك، وعرضت له حيرة بتعارض حالتي تيقنه خطه، وتيقنه عدم تقدم شهادته على الرجل المذكور، فكانت الوثيقة بيده، وهو يتأمل، ويتذكر في بيته، فعرضت له حاجة أخرجته من بيته، وهي في يده، فأتفق أن نظرها ويده بها مرفوعة أعلا وجهه وهو في ضوء الشمس، فوقع بصره على شبهة في كاغد الوثيقة، فتأمله لضوء الشمس؛ فوجد محل شهادته في الكاغد ألصق إلصاقاً خفياً بكاتب كتب فيه ذكر الحق على المطلوب، فانكشف غمه، وفطن دافع الوثيقة له ففر، وكانت القضاة ببلدنا ينفون من ظهر عليه الضرب على الخطوط بعد تأديبه بحسب اجتهادهم إلى بلاد المشرق، فبعث فقهاء المشرق إليهم بالتعقب ليهم في ذلك، وقالوا: أنتم في فعلكم هذا كمن أراح نفسه من معتد في محله بإرساله على غيره من المسلمين، فأجابوهم بأن النفي لا قدرة له على الضرب على خطوط من وصل إليهم؛ لعدم ممارسته خطوطهم.
قلت: وعزو ابن رشد القول الرابع لابن حارث لم أجده بنصه؛ بل نصه: وقول خامس: أنه إن كان كاغداً أو قرطاساً؛ لم تجز، وقال عقب ذكره رواية ابن وهب: إنه إن عرف خطه؛ فليشهد، وجميع هذا على أن الشاهد ممن يعرف المشهود عليه بالعين والاسم قبل تاريخ الكتاب معرفة صحيحة، ويعرف من نفسه التثبت في إيقاع الشهادة، ثم ذكر تلقيه الخمسة الأقوال من بعض من ذاكره من المالكيين، وتفرقة ابن رشد بين
الجزء: 9 - الصفحة: 342
باطن الرق وظاهره بأنها في ظاهره أخفى الأظهر عكسه؛ فتأمله، وحمله ابن زرقون على ظاهره دون تفرقة، قال ما نصه: وحكي ابن حارث قولاً رابعاً: إن كان في كاغد؛ لم يجز أن يشهد بها، وإن كان في رق؛ جاز.
وقال الباجي: قال ابن نافع: إن لم يعرف عدد المال، عرف الإمام بذلك، وما أراه ينفعه، وروى ابن وهب في العتيبه: يقضي بشهادته، وإن لم يشهد عنده على عدد المال.
وروى ابن القاسم: إن لم يعرف عدد المال؛ ردت شهادته، وإن ذكر أنه أشهد مع معرفة خطه، وهذا الخلاف عندي إنما هو فيمن يقضى بشهادته، وأن ذكر أنه شهد مع معرفة قيد شهادته باسترعاء على معرفته بمال وغيره ثم نسي، ولأبي زيد عن ابن القاسم إن عرف خطه، وأثبت من أشهده إلا أنه لا يذكر أنها التي في هذا الكتاب لا يشهد حتى يذكر ما في الكتاب جرفاً جرفاً، وهذا يدل على أنه عقد استرعاء، وأما ما أشهد فيه من العقود، فقد تقدم أنه لا يلزمه تصفحه ولا قراءته، ولا يتصفح منه إلا موضع التقييد؛ ولذا يشهد على الحكام بالسجلات المطولة، ولا تقرأ، وإذا لم تلزمه قراءته حين تقييد الشهادة؛ لا يلزمه ذلك حين الأداء أولى.
قلت في نوازل سحنون: روى ابن وهب: من عرف خط يده في شهادة؛ ذكر حق، ولم يثبت عدد المال إن استيقن أنه خط يده، وكان لا يثبت عدد المال؛ فليشهد عليه، ويقضي به القاضي، وإن لم يشهد عنده على عدة المال.
ابن رشد: قوله: يشهد إذا استيقن أنه خط يده، وإن لم يثبت عنده المال خلاف سماع أبي زيد: أنه لا يشهد، وإن استيقن خطه، وذكر أن فلاناً أشهده في أمر دار حتى يذكر شهادته، وتيقنها حفاً بحرف، وهذا الاختلاف إنما هو إن وضع شهادته على معرفته في عقد استرعاء، أو أشهده أحد على نفسه بمال، أو شهادة فيها مال، وحق غير مال، فقيد شهادته بخط يده بما أشهد عليه واستحفظ، فلما دعي لأداء الشهادة عرف خط يده واستيقنه، ولم يذكر الشهادة؛ لنسيانه لها بعد ذكره إياها، فوجه القول بأنه يشهد تيقنه صحة الشهادة؛ لمعرفته خط يده، وأنه لم يضع شهادته وقت وضعه إلا وهو عالم بها، ووجه القول: أنه لا يشهد بها؛ أنه غير ذاكر لها وقت أدائها، وأما ما شهد عليه
الجزء: 9 - الصفحة: 343
الشاهد من عقود البياعات والإقرارات؛ فليس على الشاهد أن يقرأها، ولا يحفظ ما فيها، وحسبه أن يتصفح منها عقد الإشهاد، فيجوز له أن يؤدي شهادته على ما أشهد عليه، وإن لم يعرف ما في الكتاب، ولا عدد المال إذا عرف المشهدين له على أنفسهم.
قال ابن دحون: فإن عرف الشاهد عين المشهود عليه، ولم يعرف عين المشهود له؛ فلا يشهد غلا أن يبين، وإن لم يعرفهما معاً؛ فلا يشهد.
قال ابن رشد: وكذا إذا عرف المشهود له، ولم يعرف المشهود عليه؛ لا يشهد البتة.
قلت: قوله مع الباجي وغيره: إنه لا يلزم الشاهد قراءة كل الوثيقة خلاف عمل محققي شيوخنا على لزوم قراءتها؛ خوف أن يكون في الوثيقة عقد فاسد، أو مشروط فيه ما يفسده، وما ظنه الشاهد صحيحاً، وهو غير تام؛ كهبته لابنه الصغير دار سكناه ونحو ذلك، أو ما فيه تلبيس على حكام المسلمين، قال بعض من لقيناه: إلا أن يعلم الشاهد بقارئن الأحوال أن ما يشهد به قد برمه والتزمه؛ فلا تلزم قراءتها؛ لأنه أمر قد وقع، فيشهد به؛ لينفذ فيه حكم الله سبحانه، وأدب ملبسه، وتقدم من هذا شيء في آخر الأقضية، وتقدم إجراء القولين في رفعها مع عدم الحكم بها على كون كل مجتهد مصيب أو لا.
وقال اللخمي: منع مرة رفعها؛ خوف أن يقضي بها؛ فيكون معيناً على ما لا يراه صواباً، وقال مرة: يرفعها؛ للاختلاف فيها، ولأنه لا يجوز أن يحكم بذلك على المشهود له؛ لأنه لم يستفته ولم يحكمه، ومثله من حلف بالطلاق، وكان في حنثه اختلاف فسأل الزوج والحكم عند المفتي أن لا حنث عليه؛ جاز له على القول الأول أن يفتيه بجواز الإصابة، وعلى القول الآخر لا يجوز له ذلك إلا أن يجتمع الزوجان على تقليده، وإلا كان حكماً على الزوجة وهي لم تقلده، وكذا لو استفت الزوجة من يرى حتثه؛ جاز له أن يفتيها على القول الأول بالهروب منه، ولا يجوز ذلك على القول الآخر، إلا أن يكون اختلافاً شاذاً منافياً للأصول؛ فيجوز له دون رضي الآخر.
قلت: تخريجه عدم الفتوى بعدم الحنث؛ لتعلقها بآخر لم تستفته على القول بلزوم الرفع؛ لأن عدمه متعلق بمن لم يستفته؛ يرد بجواز كونه لذلك مع رجاء حكم الحاكم
الجزء: 9 - الصفحة: 344
له بالمشهود به لاستلزام الرفع؛ نظر الحاكم في ذلك، وعدم استلزام الفتوى بعدم الحنث نظر مفت آخر، فتأمله، قال: ورواية الأخوين في الشهادة على معرفة خطه أحسن، ومحمل قول مالك على ما كانوا عليه من الحفظ كان كثير منهم لا كتب له، قال مالك: حدثني ابن شهاب بأربعين حديثاً حفظتها إلا ثلاثة أحاديث، فسألته أن يعيدها علي فأبى، قلت له: أما كان يعاد عليك الحديث؟ قال: لا، ولو وكل الناس إلى حفظ الشهادات؛ لم يؤد أحد شهادة، وتعطلت الحقوق، والضرب على الخط نادر.
قلت: قوله: (ولو وكل الناس ... الخ)؛ يدل على أن حفظهم الأحاديث المذكور عدها؛ إنما كان بالمعنى لا باللفظ، وإلا لما صح استدلاله به ذكر الشاهد شهادته.
وسمع ابن القاسم: الشهادة على خط رجل بحق عليه؛ كالشهادة بإقرار به.
ابن رشد: سواء كتب شهادته على نفسه في ذكر الحق، أو كتب ذكر الحق على نفسه بيده، فقال: لفلان على كذا وكذا، ولم يكتب شهادته، والشهادة على خط المقر؛ كالشهادة على إقراره.
قلت: قول ابن رشد: (سواء كتب شهادته على نفسه ...) إلى قوله: (ولم يكتب شهادته) خلاف ما حكي ابن عات في طرره.
قال في المجالس: إن كتب الوثيقة بخطه وشهادته فيها؛ نفذت؛ لأنه قليل ما يضرب على جميع ذلك، وإن لم يذكر شهادته فيها لم تقبل؛ لأنه ربما كتب، ثم لم يتم الأمر، وإن قال: لفلان عندي، أو قبلي بخط يده؛ قضي عليه، وإن كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها؛ لم تجز إلا ببينة سواه؛ لأنه أخرجها مخرج الوثائق، وجرت مجرى الحقوق، ولم تجز الشهادة فيها على خطه.
قال ابن رشد: وإن شهد على خطه شاهد واحد؛ كانت مع شهادته اليمين، لم يختلف فيها قول مالك، ولا أحد من أصحابه، إلا ما روي عن ابن عبد الحكم: أنه لا تجوز على الخط، مجملاً لم يخص موضعاً دون موضع، ونزلت أيام ابن لبابة، فأفتى فيها كل معاصريه بإعمالها، وقال هو: لا تجوز، وحكاه عن رواية ابن نافع، وفي المبسوطة لابن نافع، وروايته: إنها جائزة؛ كالمعلوم من مذهب مالك خلاف ما حكى ابن لبابة،
الجزء: 9 - الصفحة: 345
فأرى حكايته غلطاً، وإنما اختلف إذا كتب شهادته في ذكر حق على أبيه، ثم مات أبوه، وهو وارثه، فطلبه رب الحق بذكر الحق على أبيه، فأقر بالشهادة، وزعم أنه كتبها على غير حق، وأنكرها، فشهد على خطه، ففي القضاء عليه بذلك الحق قولا ابن حبيب مع أصبغ، ومطرف وابن الماجشون؛ بناء على اعتبار مآلها أو ابتدائها.
قلت: في تمسك ابن لبابة برواية ابن نافع غير معزوة لكتاب، وتغليطه ابن رشد نظر؛ لشهرة محل نقل الخلاف في ذلك في الجلاب من أنكر ما ادعى عليه، فشهد على خطه دون لفظه؛ ففي الحكم عليه بالشهادة على خطه روايتان، وعلى الحكم بها، ففي كونه مع يمينه أو دونها روايتان، وإن شهد شاهد واحد على خطه؛ ففي الحكم بشهادته مع يمينه، ولغو الحكم بها روايتان.
المازري: تعقب نقل الجلاب بالافتقار في ذلك إلى اليمين؛ لأن مذهب فقهاء الأمصار: أنه لا يستحلف طالب الحق مع إقامته شاهدين به، خلاف قول ابن أبي ليلى، وعلي رضي الله عنه، ثم ذكر جواب بعض أشياخه بما حاصله أن القولين بناء على أن الشهادة على خطه؛ دليل على إقراره؛ فلا يفتقر ليمين، أو كنقل شهادة من شاهد على إقراره؛ لأن خطه دليل على إقراره× فلا يفتقر ليمين، أو كنقل شهادة من شاهد على إقراره؛ لأن خطه دليل إقراره، فصار كشاهد على إقراره، فيفتقر مع ثبوت النقل عنه إلى اليمين، وعليهما يتقرر قبول شاهد واحد على خطه ولغوه للغو نقل واحد عن واحد.
المتيطي: روى أشهب: أن الخط يضرب عليه، وقول ابن القاسم في معرفة الخط ومعرفة الشهود له؛ كمعرفة الشهود للثياب والدواب، وسائر الأشياء، قال بعض الشيوخ: وهذا يدل على أن الشهادة على الخط إنما تكون على القطع.
وفي كتاب القراوي: إنها في ذلك إنما تكون على العلم.
قلت: مغايرته بين القطع والعلم يدل على أن مراده بالعلم الظن، قال: ولم يزل ابن لبابة على منع الشهادة على الخط إلى أن توفي، وحكي بعض الثقات عنه أنه قال: أول شيء أحدث من جهة الخط قتل عثمان، وقول ابن لبابة قاله قبله الأخوان، ذكره عنهما
الجزء: 9 - الصفحة: 346
يحيى بن إسحاق في مبسوطته.
قلت: هذا خلاف تغليط ابن رشد ابن لبابة المتقدم، وما نسبه لحكاية بعض الثقات هو نقل ابن سهل عن ابن الماجشون في غير الواضحة: الشهادة على الخط باطلة، وما قتل عثمان بن عفان إلا على الخط، وما رمي به عنه، وكتب عليه.
وعلى معروف المذهب في الشهادة على خط المقر قال المازري: نزل سؤال منذ نيف ولخمسين سنة، وشيوخ أهل الفتوى متوافرون، وهو أن رجلين غريبين ادعى أحدهما على صاحبه بمال جليل، فأنكره، فأخرج المدعي كتاباً فيه إقرار المدعى عليه، فأنكر كونه خطه، ولم يوجد من يشهد عليه، فطلب المدعي كتبه، فأفتى شيخنا عبد الحميد بأنه لا يجبر على ذلك.
وأفتى شيخنا أبو الحسن اللخمي: أنه يجبر على ذلك، وعلى أن يطول في ذلك تطويلاً لا يمكن فيه أن يستعمل خطا غير خطه، ثم اجتمعت بعد ذلك بالشيخ أبي الحسن، وأخذ معي في إنكار ما أفتى به صاحبه الشيخ أبو محمد عبد الحميد، فقلت له: احتج هذا بأن هذا كإلزام المدعي عليه ببينة بقيمها لخصمه عليه، وهذا لا يلزمه، فأنكر على هذا، وقال: إن البينة لو أتى بها المدعي عليه: شهدت علي بالزور؛ فلا يلزمه أن يسعى فيما يعتقد بطلانه، والذي يكتب خطه؛ ليعلم أن ما ادعى المدعي إلا حقا.
قلت: الأظهر ما قاله الشيخ عبد الحميد، ومقتضى قوله وظاهر سياقه.
المازري: إنه لو شهدت بينة عدلة على مكتوب بشيء ما لا يحق المدعي أنه بخط المدعي عليه، وهو مماثل لخط الكتاب الذي قام به المدعي أنه يثبت لذلك للمدعي دعواه.
وفيه نظر؛ لأنه لا يحصل للشاهد المدرك الممائثلة بين الخطين ظن كون الخط الذي قام به المدعي أنه خط المدعي عليه بمجرد إدراكه المماثلة مرة واحدة، ولا يحصل إدراك كون الخط خط فلان إلا بتكرار رؤية وضعه أو سماع مفيد للعلم بأنه خطه حسبما أذكره في الشهادة على خط الغائب إن شاء الله تعالى.
الجزء: 9 - الصفحة: 347
وسمع أشهب: من كتب لها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت من يشهد أن هذا خط زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها على ذلك نفعها.
ابن رشد: مثله في مختصر ابن عبد الحكم، ولابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: أن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتق، ولا نكاح، ولا حد، ولا في كتاب قاض بالحكم، ولا تجوز إلا فيما هو مال خاصة، وما لا تجوز فيه شهادة النساء، ولا الشاهد واليمين لا تجوز فيه الشهادة على الخط، وحيث يجوز هذا يجوز هذا، فكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن ما ذكره ابن حبيب عن من ذكر، وهو مذهب مالك لا خلاف فيه، وأن معنى ما في السماع، ومختصر ابن عبد الحكم: نفعها ذلك أنه لا يكون لها شبهة توجب لها اليمين على الزوج أنه ما طلق.
والذي أقوله: إن معنى ما حكاه ابن حبيب عن من ذكر؛ إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في طلاق، ولا عتق، ولا نكاح أنه لا تجوز على خط الشاهد أنه طلق، أو أعتق، أو أنكح؛ بل هي جائزة على خطه بذلك، كما تجوز على خطه بالإقرار بالمال، وذلك بين من قوله، ولا تجوز إلا فيما كان مالاً من الأموال إلى آخره.
قوله: فالصواب أن يحمل قول مالك: (نفعها ذلك) على ظاهره من الحكم لها بطلاقه إذا شهد على خطه عدلان، وذلك إذا كان الخط بإقراره على نفسه أنه طلق زوجته مثل أن يكتب لرجل يعلمه أنه طلق زوجته، أو لزوجته بذلك على هذا الوجه، وإن كان الكتاب إنما هو بطلاقة إياها ابتداء؛ فلا يحكم عليه به إلا أن يقر أنه كتبه مجمعاً على الطلاق، وفي قبول قوله أنه كتب غيره مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه اختلاف ابن زرقون.
حكي ابن سهل في أحكامه أن ابن الطلاع قال: الأصل من قول مالك وأكثر أصحابه جواز الشهادة على الخط في الحقوق، والطلاق، والأحباس وغيرها، إلا أن الذي جرى به عمل الشيوخ أن تجوز في الأحباس، وما يتعلق بها، ثم ذكر ما ذكره ابن رشد عن ابن حبيب، وما كان يمضي لابن رشد عند من أدرك من الشيوخ، ونقل اختيار ابن رشد بلفظ: وعندي أن كلام ابن حبيب إنما هو في الشهادة على خط الشاهد،
الجزء: 9 - الصفحة: 348
لا خط المقر؛ بل هي جائزة على خطه أنه طلق، أو أ'تق، أو نكح إلى آخر ما تقدم من كلامه.
قلت: ظاهر قوله: (وعندي أنه اختص بذلك دون غيره من الشيوخ، وما أضافه لنفسه) هو ظاهر فهم الباجي قبله، قال ما نصه: قال مطرف وابن الماجشون: إنما تجوز الشهادة على خط الشاهد في الأموال خاصة حيث اليمين مع الشاهد، وقاله أصبغ، قال: وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب؛ فلم يختلف في الأمهات المشهور قول مالك في إجازتها وإعمالها، وروي عنه أنها لا تجوز، وقاله محمد محتجاً بأنها كالشهادة على شهادته إذا سمعها منه، ولم يشهده عليها؛ إذ قد يكتب شهادته بما لا يتقلد شهادته بها، وأما إذا دعي إليها استراب فيها.
قلت: ظاهر قوله في الأمهات المشهور: أن المشهور إعمالها.
وقال الباجي: مشهور قول مالك: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد رواه محمد واختاره.
وروى ابن القاسم، وابن وهب في العتيبة والموازية إجازتها، وقاله سحنون.
وقال أصبغ: هي قوية في الحكم.
زاد المتيطي عنه: ولا يعجل في الحكم بها في غيبته وليثبت.
اللخمي: الشهادة على خط الشاهد لغيبته أو موته صحيحة على الصحيح من القولين؛ لأنها ضرورة.
وقال الازري: قياس محمد الشهادة على خط الشاهد على سماعه يذكر شهادته، لا شك أن الشهادة على خطه أقوى من شهادة السماع التي أشار إليها؛ لكون الشاهد يسترسل في ذكر شهادته إذا لم يعلم أنه يقضى به، ولم يأذن في النقل عنها فإذا أذن في النقل عنه؛ لم يصح استرساله، وكذا من كتب خطه للتوثق به للمشهود له على المشهود عليه، والقولان في الشهادة على الخط؛ كالقوانين في صحة نقل الشهادة إذا سمعها الناقل من الشاهد، وهو يؤديها إلى القاضي دون إذنه في النقل عنه.
قلت: لا يلزم من لغوها في النقل لغوها في الخط للضرورة حسبما أشار
الجزء: 9 - الصفحة: 349
إليه اللخمي.
وقول المازري: إذا أضاف الشهود لكتب شهادتهم الإذن في النقل عنهم استقل الحكم بالنقل عنهم تعويلاً على خطوطهم، ولم يذكر خلاف عندنا في هذا.
ظاهره: أن نفي الخلاف راجع للنقل لا للشهادة على الخط، وقول ابن عبد السلام عن بعضهم لو كتب مع ذلك الإذن في النقل عنه ما اختلف في قبول الشهادة على الشهادة إن أراد به، المازري: فليس هذا مدلول لفظه، فتأمله.
ابن رشد: قول ابن زرب: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أم المشهور على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين؛ صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لما تساهل الناس فيه من وصع شهاداتهم على من لا يعرفون.
قلت: وعزو ابن الحاجب هذا الكلام للباجي وهم؛ لعدم وجدانه له، وثبوته لابن رشد.
قال: واختلف في حد الغيبة التي تجوز فيها الشهادة على خط الشاهد عند مجيزها.
فقال: ابن الماجشون: حد ذلك ما تقضي فيه الصلاة.
ابن سحنون عنه: الغيبة البعيدة، ولم يحد قدرها.
ولابن مزين عن أصبغ: هو مثل إفريقية من مصر، ومكة من العراق، ونحو ذلك، والذي جرى به العمل عندنا على ما اختاره الشيوخ إجازتها في الأحباس، وشبهها مما هو حق لله، وليس بحد.
ابن رشد: فالشهادة على الخط ثلاثة: شهادة على خط المقر، وهي أقواها، ويليها الشهادة على خط الشاهد، ويليها الشهادة على خط نفسه، وهي أضعفها، من لم يجزها على أقواها؛ لم يجزها على الباقيين، ومن أجازها على أضعفها؛ أجازها على الجميع، ففي صحتها في الجميع، ثالثها: على خط المقر فقط، ورابعها: وعلى خط الشاهد.
قال ابن الحاجب: وأما الثالث: فقال: إن لم يكن محو ولا ريبة؛ فليشهد.
قال مطرف: ثم رجع فقال: لا يشهد حتى يذكر بعضها.
ابن عبد السلام: ظاهره: أنه إن عرف خطه، وذكر بعض ما فيه أنه يشهد ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 350
يختلف في ذلك، وظاهر المدونة، وهو المشهور عندهم: أنه يؤديها ولا تنفع.
قلت: ما ذكره ابن الحاجب هو نص نقل النوادر عن ابن كنانة.
قال في المجموعة: إن ذكرت بعض ما في الكتاب، ولم نذكر بعضاً، وفي الكتاب شهادتك، ولا محو فيه، ولا ما تستريبه، فاشهد بكل ما فيه.
وعن ابن حبيب: روى مطرف: إن عرف خطه، ولم يذكر من الشهادة شيئاً، ولا محو في الكتاب، ولا ريبة شهد به، ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها.
قلت: فظاهره: أنه إن ذكر بعضها لم يختلف قوله في الشهادة به، ولفظ المدونة هو ما نصه.
قلت: إن ذكر أنه هو خط الكتاب، ولم يذكر الشهادة قال: قال مالك: فلا يشهد بها حتى يستيقنها ويذكرها، ولكن يؤديها.
قلت: أتنفعه إن أداها كذلك؟ قال: لا.
قلت: ففي لفظها احتمال لصورة ذكر بعضها دون بعض.
وقول ابن عبد السلام: المشهور عندهم أنه يؤديها ولا تنفع خلاف نقل ابن رشد.
قال في رسم الشجرة: قال مالك: أول زمانه في شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة أنه يشهد إن كان الكتاب نقياً لا محو فيه ولا ريبة، ثم قال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدله على حقيقتها، وينفي التهمة عنه فيها.
قلت: فظاهره: أن ذكر بعضها كاف في ذكرها.
قال ابن عبد السلام بعد ذكره الخلاف في البعد المبيح: الشهادة على الخط، وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة، وإن قرب ما بينهما كالبعد؛ لأن حال الشاهد تعلم عند قاضيه، ولا تعلم عند غيره، وفيه مع ذلك ضعف، فإن الشاهد على الخط؛ كالناقل عن من خطه، ولا بد أن يعدل الناقل من نقل عنه، أو تكون عدالته معلومة عند القاضي.
الجزء: 9 - الصفحة: 351
قلت: مقتضى تعليله ما زعمه من الضعف بما ذكره أن هذه العادة عندهم كانت الشهادة فيها على الخط، لا يفتقر فيها إلى ثبوت عدالة ذي الخط، وهذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت به عن عادة جرت في إفريقية بوجه، فالله أعلم بما أراد.
والذي أعرفه وشاهدته أن خط شاهد عمالة إن وقع بعمالة أخرى، فإن كان ذو الخط كائناً فيها؛ لم يرفع على خطه، ورفع هو نفسه وإن كان غائباً بعمالته؛ رفع عليه على ظاهر قول سحنون في اعتبار مشقة الحضور دون تحديد بقدر، ثم القاضي المرفوع عنده إن كان ذو الخط عنده مقبولاً؛ قبله، وإلا طلب تزكيته.
وفتوى شيخنا ابن عبد السلام بأن شرط الشهادة على الخط حضوره، ولا يصح عليه غيبته صواب، وهو ظاهر تسجيلات الموثقين.
المتيطي وغيره: اشتراط التحويز في الشهادة باستحقاق الدور والأرضين، ولا تقبل الشهادة على الخط إلا من الفطن العارف بالخطوط وممارستها، ولا يشترط فيه أن يكون قد أدرك ذا الخط، وحضرت يوماً بعض من قدمه القاضي ابن قداح للشهادة بتونس، وهو أبو العباس ابن قليلو، وقد ناول القاضي ابن عبد السلام وثيقة؛ ليرفع فيها على خط شاهد فيها مات، فقال له القاضي ابن عبد السلام: إنك لم تدرك هذا الشاهد الذي أردت أن تشهد على خطه، ورد عليه الوثيقة، ومنعه من الرفع على الخط فيها، وأنا جالس عنده، فلما انصرف ابن قليلو قال لي: إنما لم أقبل شهادته على الخط فيها؛ لأنه ليس من أهل المعرفة بالخطوط، وليس عدم إدراك الرافع على الخط كاتبه بمانع من الشهادة على خطه إذا كان الشاهد عارفاً بالخطوط، فإنا نعرف كثيراً من خطوط من لم ندركه؛ كخط الشلوبين، وابن عصفور، وابن السيد ونحوهم؛ لتكرر خطوطهم علينا مع تلقينا من غير واحد من الشيوخ أنها خطوطهم، وذكر المتيطي في كيفية الشهادة على خط الغائب أن الشهود يعرفون أنه كان يرسم العدالة والقبول في تاريخ الشهادة وبعدها إلى أن توفي، قاله مالك خوف أن تكون شهادته قد سقطت لجرحة، أو أن غير مقبول الشهادة، وإن زيد في التقييد ممن يعرف أن الشاهد المذكور كان يعرف المشهود عليه بعينه واسمه إن لم يكن في عقد الإشهاد معرفته بالعين
الجزء: 9 - الصفحة: 352
والاسم؛ كان أكمل، وهذه نكتة حسنة قل من يعرفها أو يهتدي إليها.
قلت: قوله: (إلى أن توفي) قيل: إن الصواب إلى حين الشهادة على خطه؛ لجواز ثبوت تجريحه بعد موته ممن أعذر له في شهادة، ورد بأن ثبوت جرحته بعد موته يثبتها عليه قبل موته، فاستمرار عدالته إلى موته تنفي ما ينتفي بقوله إلى حين الشهادة على خطه.
وقول ابن الحاج: قول بعض قضاة إفريقية لابد من زيادة، وأنه وضعها في حين عدالته؛ لجواز أن نقول: لو حضر وضعها فاسقاً؛ فلا أقوم بها غير بين؛ لوجوب رد شهادة من لم تعلم عدالته.
وظاهر قول المتيطي: أن تضمين الشاهد على الخط أن ذا الخط كان يعرف المشهود عليه شرط كمال لا شرط إجزاء، وظاهر نقل ابن فتوح أنه شرط إجزاء.
قال ما نصه: إن نقص من الوثيقة معرفة عين المشهود عليه فيها؛ كان الأمر مشكلاً، فمن أجاز الشهادة على الخط؛ احتاج إلى تضمين الشهود على الخط أن المشهود على خطه كان يعرف المشهد على نفسه، أو يشهد بذلك غير من شهد على خطه، وفي سماع أشهب قيل لمالك: أيشهد الرجل على من لا يعرف؟ قال: أحب إلى أن لا يقعل، والناس يشهدون بكون بعضهم يعرف، وفي ذلك بعض السعة.
ابن رشد: إن أشهد الرجل على نفسه جماعة يعرفه بعضهم، فلمن لا يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه، وهو من ذلك في سعة لأمنه لمعرفة بعضهم أن يتسمى باسم غيره، وإن لم يعرفه أحد منهم؛ كره لهم أن يضعوا شهادتهم عليه خوف أن يتسمى باسم غيره، فيقر أنه باع داره من فلان، ثم يشهد على خطوطهم بعد موتهم، فتجوز شهادتهم، قاله الأخوان، فإن كتب شهادته على من لا يعرفه بالعين والاسم؛ لم يصح أن يشهد بها إلا على عينه، وكل هذا لا اختلاف فيه، فإن علم أنه لا يقف على عين المشهود له إذا غاب عنه؛ فشهادته لا نفع فيها، وإنما تسامح العلماء والخيار في وضع شهاداتهم على من لا يعرفونه بعين ولا اسم، سياسة في نفع العامة؛ ولئلا ينتبهون على؛ وهي شهادة من أوقع شهادته على من لا يعرف، فيجترئون على جحد الحقوق المنعقدة عليهم إذا علموا
الجزء: 9 - الصفحة: 353
أن الشهادة عليهم لا تصح إذا أنكروا، ففي جهلهم بالحقيقة في ذلك صلاح عظيم وتحصين للحقوق.
ولابن القاسم في المجموعة: من دعي ليشهد على امرأة لا يعرفها، ويشهد عنده رجلان أنها فلانة تشهد.
قال في سماع حسين بن عاصم في بعض الروايات: لا يشهد إلا على شهادتهما.
وقال ابن نافع: يشهد، ورواه ابن رشد الذي أقوله إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين؛ ليشهد له عليهما بشهادتهما عنده أنها فلانة؛ فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة؛ فليشهد عليها، وكذا لو سأل عن ذلك رجلاً واحداً يثق به أو امرأة؛ جاز له أن يشهد، ولو أتاه المشهود له بجماعة من لفيف النساء يشهدوا عنده أنها فلانة؛ جاز له أن يشهد إذا وقع العلم بشهادتهن.
قلت: قوله: (إن أشهد على نفسه جماعة)؛ يعرفه بعضهم، فلمن لم يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه؛ ظاهره: أنه يشهد عليه، ولا يذكر معرفة ولا تعريفاً، وجرى العمل عندنا في هذا النوع أنه يذكر في الشهادة عليه ما نصه، وبمعرفته بالموجب وهي زيادة حسنة، وظاهر قول ابن رشد ولفظ السماع؛ أنه لا يشترط فيمن عرفه من الجمع بلوغ عدده ما يحصل العلم به؛ بل ظاهره: إن عرف منه اثنان أو واحد؛ كفى في ذلك، والأظهر تقييده بما يفيد العلم به بكثرة أو قرائن أو الظن القوي.
وفي أحكام ابن جدير: قال أصبغ بن سعيد: شهدت محمد بن عمر بن لبابة يكتب شهادته على أقوام مجهولين لا يعرفهم، وفي الوثيقة من يعرفهم بأعيانهم وأسمائهم، فقلت له: كيف تكتب هذا، وأنت لا تعرف القوم؟ فقال: قد يتناصفون بينهم بالحقوق إذا رأوا شهاداتنا في كتابهم، فإن اضطروا إليها؛ لم نشهد إلا فيما نعلم، وقال به سعيد بن أحمد ابن عبد ربه: وهو مذهب أبي عمر الإشبيلي، ويحتج بقول ابن لبابة، ثم ذكر عن الأخوين، وابن عبد الحكم مثل ما تقدم في السماع.
قال: وروى ابن القاسم، وابن نافع في المبسوطة فيمن دعي إلى الشهادة على امرأة وهو لا يعرفها: إنه شهد عنده عدلان أنها فلانة؛ فليشهد عليها.
الجزء: 9 - الصفحة: 354
قال ابن القاسم: هذا باطل، ولا يشهد عليه إلا وهو يعرفها بغير تعريفهم.
وقال ابن الماجشون: الذي قاله ابن القاسم هو الباطل، وكيف يعف النساء إلا بمثل هذا؟
وسمع ابن القاسم في كتاب النكاح في الرجل عنده المرأة لا يعرفها غيره كابنة أخيه يريد أن يزوجها كيف يشهد عليها؟ قال: يدخل عليها من لا تحتشم منه، فيشهد على رؤيتها.
قال عيسى: قال لي ابن القاسم: قال مالك: وإن لم يعرفها الشهيدان.
ابن رشد: إن لم يوجد من يعرفها؛ فلا بد أن يشهد على رؤيتها من لا تحتشم منه، فتسفر لهم عن وجهها يثبتوا عليها؛ ليشهدوا علي عينها إن أنكرت أنها التي أشهدتهم، فإن وجد من العدول من يعرفها؛ لم ينبغي لمن لم يعرفها أن يشهد عليها، فإن شهد عليها مع وجود من يعرفها أو دونه؛ لم ينبغي لهم أن يشهدوا على شهادتهم عليها بالرضا بالنكاح؛ لاحتمال أنها لم تكن هي التي أشهدتهم، فيموتوا، ويشهد على شهادتهم، فيلزم نكاحاً لم يرضي به؛ لأن شهادتهم على شهادتهم بذلك، كشهادتهم به عليها عند حاكم، والحقوق بخلاف ذالك.
قال مالك: لا يشهد الرجل على من لا يعرف، ومثله لأصبغ في الخمسة قال: وأما الحقوق من البيوع، والوكالات، والهبات، ونحو ذلك؛ فلا يشهد عليه في شيء من ذلك، إلا من يعرفها بعينها واسمها ونسبها، والفرق بين النكاح وغيره من الحقوق؛ أنه يغشى، وإن لم يشهدوا على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا، فيشهد على خطوطهم، فتلزم بطلاً لم تشهد به على نفسها، وعلى ما جرى به العمل عندنا من أنه لا يقضى بالشهادة على الخط إلا في الأحباس، وما جرى مجراها، فيستوي النكاح وغيره من الحقوق، ولا يكون على الرجل حرج في وضع شهادته على من لا يعرف في الحقوق، كما يضعها عليه في النكاح إذا لم يشهد على شهادته بذلك، وقد استجاز ذلك العلماء قديماً، وإن قيد في عقد إشهاد الوثيقة معرفة العين والاسم لما في ذلك من تحصين العقود دوماً عند أداء الشهادة؛ فلا يحل للشاهد أن يشهد بإجماع إلا على من يثبت عليه، ويعرف أنه.
الجزء: 9 - الصفحة: 355
هو الذي أشهده دون شك في ذلك لا ارتياب.
وفي طرر ابن عات: زمن ومن الاستغناء: عن ابن أيوب: وإذا كتب الرجل ذكر حق على من لا يعرف الشهود؛ فالأحسن أن يكتب نعته وصفته، ويشه الشهود على الصفة حيي أو مات أو غاب.
قال: وقد قال بعضهم: يكتب اسمه وقريته ومسكنه، ويجتزئ بذلك.
قال: والأول، أحسن: لأنه قد يتسمى الرجل بغير اسمه وغير مسكنه وموضعه.
قلت: والذي عليه العمل عندنا أنه إن عين الشاهد من عرفه بالمشهود عليه؛ فإنها شهادة ساقطة، وصارت كالنقل همن عرفه؛ ولذا يحترز بعضهم، فيكتب، وممن عرفه فلان.
وفي أول ترجمة من النوادر من الشهادات في المجموعة قال ابن كنانة: من شهد في صبي صغير يبيعه، ثم استحق بملك أو حرية، فقام مبتاعه بعهدته، وكتاب شرائه، فشهدوا أن الكتاب حق، ولم يعرفوا العبد الآن؛ لأنه كبر؛ فلا يقضي له بالثمن حتى يقطعوا أن هذا هو العبد المبيع في الكتاب.
وفي ترجمة الشهود في الزنا أو غيره هل يكشفهم الحكم؟ قال ابن القاسم في العتبية والموازية والمجموعة: من اعترف دابة أو رأساً هل تجمع له دواب أو رقيق، وتدخل فيها، ويكلف الشهود إخراجها؟ قال ليس ذلك على احد في شيء، وذلك خطأ، ولاكن إن كاونوا عدولاً؛ قبلت شهادتهم.
محمد عن أصبغ: وكذا النساء إن شهد عليهن، ولابن سحنون عنه: لو شهدوا على امرأة بنكاح، أو براءة، وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها، وقالا: شهدنا عليها عن معرفتنا بعينها ونسبها، ولا ندري هل نعرفها اليوم، وقد تغيرت حالها، أو قالوا: لا نتكلف ذلك فلا بد من ان يخرجوا عينها اليوم، وقد تغيرت عن حالها، قيل لهم: إن شككتم، وقد ايقنتم أنها بنت فلان، وليس لفلان إلا بنت واحدة من حين شهد عليها إلى اليوم؛ جازت الشهادة، وإن قالت البينة: أشهدتنا وهي متنقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب، فهم أعلم بما تقلدوا إن كانوا
الجزء: 9 - الصفحة: 356
عدولاً وعينوها، كما ذكر قطع بشهادتهم.
وسأل حبيب سحنونا عن امرأة انكرت دعوى رجل عليها، فأقام عليها بينة، قالوا: اشهدتنا على نفسها، وهي متنقبة بكذا وكذا، ولا نعرفها إلا متنقبة، وإن كشفت وحهها؛ لم نعرفها.
قال: هم أعلم بما تقلدوا إن كانوا عدولاً، فقالوا: عرفناها، ونشهد عليها، ونقطع بشهادتهم.
ومن المجموعة: قال ابن كنانة: من شهد على امرأة بإقرار أو بيع، ثم قاموا بها، وشهدوا إلا انهم لم يعرفوها بعينها، وعرفوا الاسم والنسب الآن، وقالوا: إن كانت فلانة بنت فلان؛ فقد أشهدتنا، قال: إن شهد غيرهم أنها فلانة بنت فلان مع شهادة هؤلاء الذين شهدوا على الحق والنسب والاسم؛ فليحلف رب الحق ويثبت حقه.
قال سحنون في كتابه ابنه: أو يعرف أنه ليس لفلان ابنة غيرها.
قال ابن عيد السلام: جرت عادة شهود بلدنا أنهم يكتبون المعرفة، أو ما يقوم مقامها عندهو من التعريف، وإذ لم يكتبوا شيئاً من ذلك؛ دل على أن المشهود عليه عندهم معروف؛ ولهذا يعدون كتب المعرفة في الشهادة على الرؤساء من الجفاء.
قلت: ليس في عزوه تمام الشهادة العرية عن زكر المعرفة، والتعريف لشهود بلدنا حجة تامة، ويظهر من أقوال من تقدم في ذلك اختلاف تقدم.
المتيطي: إن تضمين الشهداء على خط غيرهم أن المشهود على خطه، كان يعرف من يشهد عليه بعينه واسمه شرط كمال لا شرط إجزاء، وهذا يقتضي أن ترك الشاهد ذكر المعرفة والتعريف لا يقدح في شهادته.
ومثله نقل ابن سهل في ترجمة من لم يعرف من الشهود إلا واحداً في أول كتابه ما نصه: قال عبيد الله بن يحيى، ومحمد لبابة، ومحمد بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز في شهادة رجلين شهداء على شهادة عبد الرحمن: أن فلانة ابنة فلان أشهدتني، ولم يذكر في شهادته أنه عرفها بالعين والاسم والنسب؛ أن الشهادة تامة.
وقوله: (أشهدتني)؛ معرفة لا محالة، وتقدم لابن فتوح: أن التضمين المذكور في
الجزء: 9 - الصفحة: 357
الشهادة على الخط أنه شرط إجزاء؛ وهذا يقتضي أن ترك الشاهد ذكر المعرفة والتعريف، يبطل شهادته ويؤيده قوله: وإذا اشهد الشهداء على شهادتهم في وثيقة، سقط من عقدها معرفة الشهود لعين من أشهدهم، فهو خلاف الشهادة على معرفة الخطوط وذلك تام؛ لأن من أشهد على شهادته يحمل على أنه لم يشهد على شهادته، إلا وقد عرف المشهد، وروى ذلك بعض أهل العلم.
فإن قلت: تفرقته بين المشهد على شهادته، وبين الشهادة على الخط ترد ما تقدم من التمسك بمسألة ابن سهل؛ لأنها شهادة مشهد على شهادته.
قلت: التمسك بمسألة ابن سهل هو من حيث تعليل قائلها بقوله، وقوله: أشهدتني معرفة لا محالة، فلم يعلل ذلك بما علله ابن فتوح، وهو كونه أشهد على شهادته، والأظهر أن الشاهد إن كان معلوم الضبط والتحفظ؛ قبلت شهادته، وغن لم يذكر معرفة ولا تعريفاً، وإلا ردت إلا أن تكون على مشهور معرفة.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: وإذا شهدت بينة على امرأة زعمت أنها بنت زيد؛ فلا يسجل على بنت زيد.
قلت: هذا الفرع لا أعرفه نصا في شيء من أمهات مذهبنا؛ وإنما وجدته نصا للغزالي في وجيزة قال: إذا قامت البينة على عين امرأة بدين، وزعمت أنها بنت زيد؛ فليس للقاضي أن يسجل على بنت زيد، وإن أقرت بالنسب، ولا إن أقامت بينة على أنها بنت زيد بغير تقدمٍ ودعوى، لا تسمع على الصحيح
؛ لكن على القاضي أن ينصب من يدعي على بنت زيد، وتنكر هي أنها بنت زيد، فيقام عليها البينة بالنسب، ثم إذا ثبت؛ سجل وتجوز هذه الحيلة للحاجة.
قلت: فاقتصر ابن شاس على نقل أول هذا الكلام؛ لجربه على أصل مذهبنا في أنه لا بد من معرفة الشاهد بنسب المشهود عليه أو التعريف.
وفي الواضح عن الأخوين: ينبغي إذا سجل الحاكم حكمه إن يسمي الشهود، ولا يضره ترك تسميتهم إن كانا مأمونا، ولابد من تسمية من قضي له، ومن قضي عليه، فإن كانا معروفين؛ اجتزئ بالتسمية، وإن مجهولين؛ زاد التحلية والصفة، وذكر
الجزء: 9 - الصفحة: 358
أنسابهما ومتجرهما ومسكنهما.
وقال أصبغ: إن لم يسمع الشهود؛ فأحب إلي أن يبدله حتى يسميهم، فإن لم يفعل حتى مات أو عزل؛ مضى ذلك ونفذ، إلا أن يكون حكماً على غائب.
قال: لما قدم وقيم عليه بالقضية لو علمت البينة جرحتها، فهذا ترد عنه القضية، ويؤمر بابتداء الخصومة.
وفي شرط شهادة غير السماع بقطع الشاهد بالعلم بالمشهود فيه مطلقاً وصحتها بالظن القوي فيما يعسر العلم به عادة طريقان: الأولى في المقدمات لا تصح شهادة بشيء إلا بعلمه، والقطع بمعرفته لا بما يغلب على الظن معرفته.
قال: العلم ما يحصل بمجرد العقل فقط منه ضروري كعلم الإنسان حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره، ويصبح بذلك شهادته على نفسه، وبالعقل مع أحد الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، والثالث: الخبر المتواتر، ومنه نظري؛ كشهادة خزيمة بن ثابت له صلى الله عليه وسلم أنه اشترى الفرس من الأعرابي، ولم يحضر شراءه مستنداً في ذلك للدليل الظاهر والبرهان الساطع، فإن قلت: حمله شهادة خزيمة على هذا الاعتبار، وجعلها مثالا لأصل عام خلاف قول الأصوليين: إنها خاصة لا يقاس عليها حسبها ذكر الآمدي وابن الحاجب في شروط الأصل في القياس.
قلت: جعل الأصوليين كونها خاصة هو من حيث الحكم لها، بحكم شهادة شهيدين لا من حيث الحكم لها بأنها شهادة شرعية.
قال: وكذا الشهادة بما علم من الأخبار المتواترة جائزة؛ كالولاء والنسب والموت، وولاية القاضي وعزله، وضرر الزوجين، وشبهه إذا حصل العلم بهذه الأمور والقطع بها.
الثانية للمازري، قال في قبول شهادة الشاهد بزوجية رجل امرأة برؤيته: حوزه
الجزء: 9 - الصفحة: 359
إياها حوز الأزواج زوجاتهم، وإن لم يولد حين التزويج هذا نوع خارج عن شهادة السماع؛ إنما يطلب فيه الظن القوي المزاحم للعلم اليقيني بقرائن الأحوال كالشهادة بالتفقير، بأن الشاهد يشهد به، ولا يقطع على صحة ما شهد به؛ لجواز أن يكون أن يكون له مال أخفاه؛ لكن إذا بدت قرائن الفقر، والأسعار، والصبر على مضض الجوع، وأدرك ذلك بالمخالطة؛ صح التعويل عليه في الشهادة بقرائن الأحوال، وعلى هذه الطريقة.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: ويعتمد على القرائن المغلبة للظن في التعديل، وفي الإعسار، وضرر أحد الزوجين.
قلت: وهذا الظن الناشيء عن القرائن؛ إنما هو كافٍ في جزم الشاهد بما به يشهد على وجه البت، ولو صرح في أداء شهادته للظن؛ لم تقبل إلا ما تقدم في التعديل من قوله: (أراه عدلا)، فإنه لا يقطع به، بعضهم يقطع به في صيد صيد بمعاينة شهيديه، وما غنم بمعاينتها معترض بجواز كونه يدعي قرب من ربه، وكون الغنيمة مال مسلم.
قلت: وصوره بعضهم بملك مشتري لقطة بشهادة الشهيدين على التقاطهما، وتعريفها سنة، وبيعها بإذن الأمام.
باب شهادة السماع
وشهادة السماع، لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته من غير معين، فتخرج شهادة البنت والنقل وفيها طرق.
الجزء: 9 - الصفحة: 360
الباجي: قال القاضي: هي مختصة بها لا يتغير حاله، ولا ينتقل الملك فيه؛ كالموت، والنسب، والوقف المحرم، فيشهد على الموت بالسماع فيها بعد من البلاد ما اقرب.
قلت: بشرط أن لا يطول زمن تقدم الموت كالعشرين عاماً، ونحوها هذا لا تقبل فيه إلا البت، قاله بعض من لقيت، صواب؛ لأنه مظنة البت كمن ببلد قريب.
الباجي: ما اقرب، وكان ببلد الموت؛ إنما الشهادة فيه علي البت؛ لحصول العلم بالسماع به المتواتر، كالشهادة، فإن نافعاً مولى ابن عمر كما قيل: قال لابن القاسم: يشهد أنك ابن القاسم، ولا نعرف أباك، ولا أنك ابنه إلا بالسماع.
قال: نعم، ثم حكى عن القاضي في قبول شهادة السماع في النكاح قولين بناء على اعتبار عدم تقيده إذا مات احدهم، واعتبار جواز التنقل فيه، وفي نوازل سحنون: أيشهد على النكاح بالسماع كالموت؟ قال: جل أصحابنا يقولون: إذا انتشر الخبر بالنكاح في الجيران أن فلاناً تزوج فلانة، وسمع الدفاف، وكثر به القول؛ جازت الشهادة به، وكذا في الموت يسمع النائحة، ويكثر القول في الناس شهدنا جنازة فلان؛
الجزء: 9 - الصفحة: 361
جازت الشهادة بالموت.
وإن لم يحضره، وكذا النسب يسمع كثرة قول الناس فلان بن فلان، وأن يشهد على نسبه، وكذا ولاية القاضي بما يسمع من الناس، وربما رآه يقضي هذه الأربعة تجوز فيها الشهادة على السماع.
ابن رشد: تجوز الشهادة في هذه الأربعة على القطع من وجهة السماع إذا أفاد العلم باستفاضته، وكذا غير الأربعة؛ لأن الأخبار المتوترة تفيد العلم فيها طريقه العلم، وغلبة الظن فيها طريقه غلبة الظن؛ كالتعديل والتشيد.
وقوله: (جل أصحابنا)؛ يدل أن منهم ما يقول ذلك، ولا خلاف فيه؛ إنما الخلاف في شهادة السماع دون قطع كقوله: سمعنا سماعاً فاشياً من غير أهل العدل وغيرهم كذا.
قيل لا تصح في هذه الأربعة، ولا في غيرها وهو قول ابن القاسم لقوله في المدونة: شهادة السماع لا يثبت بها النسب، ولا الولاء، ويقع له بالمال دون ثوبتهما، ولم يرها عاملة في الحبس إلا مع القطع بمعرفته؛ فإنما تحترم بحرمة الاحباس، ولا في الشراء المتقادم إلا مع الحيازة، والثاني: جوزها في الأربعة وغيرها، وهو دليل حكاية ابن جيب: جواز الشهادة على السماع في الملك دون الحيازة، وهو قول سحنون في غير الجل، لأن معنى قوله: إن الجل يقولون: لأتجوز الشهادة في هذه الأربعة على السماع دون قطع؛ إنما تجوز فيها على القطع؛ لأن شأنها أن تستفيض حتى تصح الشهادة فيها على القطع، وغير الجل يجيزون الشهادة في الأربعة على السماع دون قطع، كما يجيزون ذلك في غيرها، والرابع: أنها تجوز في هذه الأربعة لا في غيرها عكس الثالث، ومضى في آخر رسم الأقضية من سماع يحيى الخلاف فش شهادة السماع في النكاح.
قلت: الذي تقدم له فيه هو قوله: إذا كانت المرأة بائنة منقطعة عن من تقارب معه على النكاح، ولا بينه على أصله، وليسا بطارئين فقيل: لا ميراث بينهما، وإن طال ذلك، وفشا ذكره الجيران، وهو ظاهر قول ابن القاسم، وأشهب في هذا السماع، وهو بعيد؛ لأن النكاح مما يصح فيه شهادة السماع إذا مضى من الزمان ما تبيد فيه الشهود على اختلاف في ذلك، وقيل: يتوارثان إذا طال الزمان، وفا ذكره في الجيران، فشهدوا
الجزء: 9 - الصفحة: 362
فيه بالسماع، وهو قول ابن وهب في هذا السماع، يريد مع طول الزمان الذي تبيد فيه الشهود فالخلاف إنما هو إذا طال الأمر، وشهد الشهود العدول فيه على السماع لا على القطع من ناحية السماع، يحتمل أن يكون قول ابن وهب في السماع المفيد القطع، وقول ابن القاسم وأشهب في السماع القاصر عن القطع، فيرجعان إلى الوفاق، ويحتمل رجوع الخلاف بينهما إلى حد الطول الذي تجوز فيه شهادة السماع.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من افتدت من زوجها، ثم قامت بينة تشهد بالسماع أن زجها كان يضربها، أيجوز في شهادة السماع؟ قال: نعم، من يشهد في مثل هذا إلا بالسماع يسمعه الرجل من أهله، ومن الجيران، وشبه ذلك؛ فيكون فاشياً فيجوز.
قلت: يجوز فيه شاهدان على السماع.
قال: السماع ليس في مثل هذا، والأمر بالمعروف أحب إلي، وعيسى هذا أن يجوز، فأرى أن يجوز، ولا حلف عليها، ولو شهد لها شاهد واحد على القطع أنه كان يضربها ويضيق عليها؛ حلفت معه، ورد عليها ما أخذ منها.
ابن رشد: إجازته شهادة السماع في ضرر الزوج دون يمين خلاف أصله في المدونة، في أنها لا يثبت بها نسب، ولا ولاء؛ إنها يستحق بها المال مع يمينه، واختياره ألا يكتفي في ذلك بشاهدين مراعاة لقول ابن الماجشون: أنه لا يجوز في شهادة السماع أقل من أربعة، وقول أصبغ: إن لم يكن مع الشاهد على البنت غيره حلفت معه، ولو كان معه سماع أو منتشر غير قاطع؛ ردت عليها العطية والوضيعة، يدل على أنه انزل السماع منزلة شاهد آخر على البت، فلو انفردت على مذهبه شهادة السماع؛ لم يستحق بها المال دون يمين.
فقوله: على قياس قول ابن القاسم، وروايته في المدونة.
الباجي: وقد قال مالك: يقطع بشهادة السماع في الولاء والنسب والصدقات، التي طال زمانها، والصدقات تكون على غيره وجه الوقف.
ولابن حبيب عن الأخوين عن مالك: تجوز فيما تقادم عهده، والأشرية، والحيازات، والصدقات، والأحباس، وشبهها.
الجزء: 9 - الصفحة: 363
المتيطي: قال ابن الهندي: إن شهد بالضرر صالحات النساء، والخدم اللواتي يدخلن عليهن؛ جاز ذلك.
قلت: الرق مانع من الشهادة في الذكور؛ فأحرى في النساء، وصرف ذلك للخبر يؤدي إلى حكم الحاكم بعلمه.
المتيطي: قال ابن الهندي في نسخته الكبرى: غمز بعض أهل عصرنا شهادة السماع على الضرر، واختار الشهادة على معرفة الضرر، وقد غمز ابن القاسم هذا الذي اختاره وكرهه، وعلله من جهة القطع على أمر لا يعرف إلا بالاستفاضة والسماع؛ لأن الشهود لا يسكنون مع الزوجين، وإنما هو عندهم بلاغ، فترك الغامز العمل بها استحسان.
ابن القاسم: وأجاز ما كرهه، ويجب إذا ثبتت المسألة رواية، إلا ترفع إلا برواية اثبت منها، وهذه المسألة من الثماني عشر مسألة التي تجوز شهادة السماع فيها؛ منها: الأحباس المتقادمة، والنكاح، والأنساب، والولاء، والميراث، والموت، وولاية القاضي، وعزلته، والعدالة، والتجريح، والإسلام، والكفر بالله، والرضاع، والترشيد، والتسفيه، وفي بعض هذا نزاع، وأما العتق؛ فالأكثر لم ينصوا عليه بعينه فيها، وهو عندي لاكتفائهم بذكر الولاء عنه: لأنه مهما ثبت؛ ثبت العتق، ومهما ثبت العتق؛ ثبت الولاء، ومها انتفى أحدهما؛ انتفى الآخر، وما اثبت أحد المتساويين في اللزوم؛ أثبت الآخر.
وقال المازري: ضبط عبد الوهاب ما تجوز فيه شهادة السماع بما لا ينقل ولا ينتقل، وقبله هو والباجي منه، ثم قال المازري: اختلف الناس في العتق؛ منهم من لم يثبته بها، ومنهم من أثبته بها؛ لأنه مما لا يتغير ولا يبقى.
قلت: وهذا مع ضابط عبد الوهاب ينتج أنه يثبت بها وهو الحق، قول ابن عبد السلام: منهم من ألحق العتق بما يثبت بالسماع.
قلت: وللخمي ما نصه بعد قوله: القسامة تصح بستة أوجه، وبالسماع المستفيض.
قال ابن القاسم: مثل ما لو أن رجلاً عدا على رجل في سوق علانية مثل سوق
الجزء: 9 - الصفحة: 364
الأحد، وشبهه من كثرة الناس، فقطع كل من حضر عليه الشهادة، فرأى من أرضى من أرضى من أهل العلم أن ذلك إذا اكثر هكذا، وتظاهر بمنزلة اللوث.
قلت: وينسب للقاضي ابن رشد في عددها نظم هو:
أيا سائلي عما ينفذ حكمه ... ويثبت سمعا دون علم بأصله
ففي العدل والتجريح والكفر بعده ... وفي سفه أو ضده ذاك كله
وفي البيع والأحباس والصدقات والر ... ضاع وخلع والنكاح وحله
وفي قسمة أو نسبة أو ولاية ... وموت وحمل والمضر بأهله
واستدرك فيها ولده، فقال:
ومنها الهبات والوصية فاعلمن ... وملك قديم قد يظن بمثله
ومنها ولادات ومنها حرابة ... ومنها إباق فليضم لشكله
فدونكها عشرين من بعد سبعة ... تدل على حفظ الفقيه ونبله
أبي نظم العشرين من بعد واحد ... فأتبعتها ستا تماما لفعله
قال ابن هارون: واستدرك عليها الملا، والعدم، والأسر.
وقال اللخمي: تجب القسامة في القتل مع شهادة السماع، فقلت: تتميماً لذلك المقال، ونسجاً على ذلك المنوال:
وفي اليسر والإعسار سمع مقرر ... وفي الأسر يروى من يقوم بنقله
أبو الحسن اللخمي قال مقسم ... ولاة قتيل بالسماع لقتله
قلت: وتقدم لي نظم لما ذكر المتيطي في خمسة أبيات هي:
شهادة ظن بالسماع مقالتي ... لما عد متطيهم في النهاية
فوقف قديم مثله البيع والولا ... وموت وارث والقضا كالعدالة
وجرح وإنكاح وكفر وضده ... ورشد وتوسيخه وعزل ولاية
الجزء: 9 - الصفحة: 365
وإصرار زوج والرضاع وفي النسب ... نفاس حكي اللخمي لوث قسامة وقد زادنا الكافي سماع تصرف ... وإنفاق ذي إيصاء أو ذي نيابة ***** إيصاء لعشر وضعفها ... سنين ابن زَرْب زاده في مقاله
قلت: وما نسبوه للقاضي، وابن رشد بعيد من لفظه في البيان؛ ولذا قال ابن عبد السلام: لست أدخل تحت عهدة صحة نسبة صحة القطعتين إلى من ذكر، والبيت الثاني لابن هارون وجدته بخطة بخكة كتبين الأول ما تقدم، والثاني: أبو الحسن اللخمي يقسم قائل إلخ.
وفي الوثائق المجموعة: وتجوز على السماع في الحمل، والولادة، والرضاع.
ابن عات: وكذا في الأنساب إذا نفى من نسبه، ذكره ابن عبد الغفور، وثبتت في الحمل والرضاعة، قال ابن رشد في سماع حسين بن عاصم في الشهادات في بعض الروايات.
وفي الكافي جائز: أن يشهد أنه لم يزل يسمع أن فلاناً كان في ولاية فلان، يتولى النظر له بالإنفاق عليه بإيصاء أبيه إليه، أو تقديم قاض عليه، وإن لم يشهد أبوه، ولا القاضي بالاستفاضة من أهل العدل والرضا وغيرهم.
وفي مفيد الحكام لابن هشام: أفتى ابن زرب في وصى قامت له بينه بعد ثلاثين سنة على تنفيذ وصية أسندت إليه بالسماع من أهل العدل والثقات: أنها جائزة.
الباجي: وشرط شهادة السماع أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصح، قاله ابن حبيب عن الآخوين، وقاله محمد قالا: ولا يسموا من سمعوا منه، فإن سموا خرجت عن شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة، وقاله ابن القاسم وأصبغ.
وفي اشتراط العدالة في المسموع منهم: ثالثها: إلا في الرضاع للمازري عن نقل محمد، مع قول ابن حبيب قائلاً: سمعوا سماعاً فاشياً من العدول وغيرهم، وظاهر لفظهما مع غيرها، وحسين بن عاصم عن ابن القاسم.
الجزء: 9 - الصفحة: 366
المازري: لعله إنما استثنى الرضاع في النقل عن شهادة امرأتين عدلتين، ويشترط في شهادتهما الفشو، والانتشار، والفشو لا يشترط فيه النقل عن العدول؛ لأن التواتر يفيد العلم، ولو لم يكن المخبرون مسلمين.
الباجي: يحتمل أن يشهد عدلان بعلمهما ذلك بالخبر المتواتر الذي لا يراعي فيه عدالة ولا إسلام، أو يريد شهادة النساء على فشو ذلك مع شهادة امرأتين على الرضاع.
وأفتى ابن رشد بصحة شهادة السماع من لفيف الرجال والنساء، وإن لم تبن عدالتهم بناء زوج مثله؛ ليثبت إحلاها.
ابن فتوح: شهادة السماع لا تكمل إلا بأن يضمن فيها أهل العدل، وغيرهم على هذا مضي الناس، وليس يأتي آخر هذه الأمة بأفضل مما جاء به أولها.
قلت: فلو اقتصر على كون السماع من أهل العدل دون تسميتهم؛ ففي صحتها نقل الشيخ عن محمد عن أصبغ مع ظاهر نقل ابو الفتوح عن المذهب، ونقله عن بعضهم: أنها ليست شهادة سماع؛ وإنما هي نقل، فيفتقر فيها لتسمية الشهود، ولو اقتصر على كونه من عموم الناس دون ذكر العدول؛ ففي صحتها فيها لا يخرج به من يد نقلا اللخمي قائلاً: وهي فيما يخرج به مريد لغو اتفاقاً، وأفتى بعض قضاة شيوخ بلدنا بلغو شهادة السماع بالموت في تقدم موت ميت على آخر بينهما إرث، وأظن أنه عزاه لفتوى بعض القرويين في موتى بقتل كان نزل بتونس لفتنة نزلت بأهلها أيام كونها تحت إمرة أمير إفريقية بالقيروان، وهو ظاهر قولها في كتاب الولاء: من ماتت امرأته وابنه فقال: ماتت امرأتي قبل ابنها، وقال أخوها: بل بعده، قال: لا يرث الموتى بعضهم من بعض إلا بيقين.
وفي شرطها في الحبس بمعرفة البينة حوزه حوزها واحترامها المذكور في نقل ابن فتوح مع غيره عن المذهب: إن سقط من العقد معرفتها؛ سقطت الشهادة، ولم يقض بها مع قول ابن عات.
وقع لابن رشد في مختصر الحريرية: أنه إذا لم يشهدوا أنها تحترم بحرمة الأحباس إلا على السماع؛ فليست بشهادة عاملة، ونقل ابن عات عن أحكام ابن سهل،
الجزء: 9 - الصفحة: 367
وكتاب الاستغناء.
قلت في أحكام ابن سهل ما نصه: كيفية شهادة السماع في الأحباس: أن يشهد الشاهد أنه يعرف الدار التي بموضع كذا، وحدها كذا، وأنه لم يزل يسمع منذ ثلاثين سنة أو عشرين سنة سماعاً فاشياً مستفيضاً من أهل العدل وغيرهم أن هذه الدار، وهذا الملك حبس على مسجد كذا، أو على المرضى بحاضرة كذا، أو على فلان، وعقبة أو حبس لا غير، وإن لم يشهدوا بسبيله، وأنها كانت محترمة بحرمة الأحباس، ويحوزوها بالوقوف إليها، والتعيين بها كذا جرى العمل في أداء هذه الشهادة.
وقال ابن القاسم في سماع عيسى: إذا شهد رجلان أنهما كانا يسمعان أن هذه الدار حبس؛ جازت شهادتهما، وكانت حبساً على المساكين إن كان لم يسم أحداً.
قلت: قال ابن رشد: إجازة ابن القاسم شهادة السامع في هذه المسألة خلاف مذهبه في المدونة قال فيها: لا تجوز شهادة السماع في الحبس إلا مع القطع بأنها تحترم بحرمة الأحباس، وهو على أصله أنه يقضي بشهادة السماع في المال، ولا يثبت بها نسب ولا ولاء.
قال ابن عبد السلام: قال بعض الأندلسيين: لو شهدوا على أصل الحبس بعينه؛ لم يكن حبساً حتى يشهدوا بالملك للمحبس يوم حبس، وتجوز شهادتهم على السماع، ولا يسمون المحبس، ولا يحتاج إلى إثبات في ملك.
قلت: اقتصاره على هذا النقل يوهم أنه المذهب، أو مشهوره، أو المعمول به، وليس كذلك.
قال المتيطي: ما نصه في في عقد الإشهاد: شهد بذلك من يعرف بملك المحبس فلان الملك المحبس، وأن ملكه، وأن ملكه لم يزل عنه بوجه إلى أن عقد فيه التحبيس المذكور في عمله.
قال: وإن لم يعرف الشهود الملك؛ أسقطت ذكره من العقد، ولا تغفل أن تبين كيف قسم الحبس على السوية أو التفضيل.
وفي ترجمة الشهادة في الحبس على السماع من طرر ابن عات: إذا شهدوا في عبد أنه
الجزء: 9 - الصفحة: 368
حر معتق، فإن كشفوا من أعتقه؛ أعذر إليه أو لوراثه وجوباً، وإن قالوا: هو حر معتق، ولم يزيدوا على هذا؛ تمت الشهادة، ولم يكشفوا عن أكثر، قاله ابن مالك في الأول لابن سهل.
وفيها: من أقامت بيده دار خمسين سنة أو ستين، ثم قدم من كان غائباً، فادعاها، وثبت الأصل له أو قام بينة أنها لأبيه أو جده وثبتت المواريث حتى صارت له، فقال من هي في يده: اشتريتها من قوم قد انقرضوا، وانقرضت البينة، وأتى ببينة يشهدون على السماع؛ فالذي نفعه أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي بيده الدار، أو أحد من أقاربه ابتاعها من القائم، أو من أحد من أقاربه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممك ذكرنا بذلك يقطع حق القائم فيها، وإن أتى الذي بيده الدار ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن الذي بيده الدار، أو أحد من آبائه ابتاعها، ولا يدرون ممن لم ينفعه ذلك.
عياض: قوله: إن كان المدعى حاضر البلد الذي الدار به، وحيزت عنه السنين؛ فلا حق له، وإن كان إنما قدم من بلد آخر، فأقام البينة أنها دار أبيه أو وجده وثبتت المواريث سئل الغائب؛ ذهب بعض الشيوخ إلى أن الحاضر المذكور لا يلزم من الدار بيده كشفه، ومن أين صارت له؟ واحتج بقول مالك فيها، وفي المسألة التي قبلها، وبقول عيسى بن دينار: من الدار بيده أحق إذا ادعاها لنفسه بأمر لا يريد أن يظهره.
وسمع عيسى بن القاسم: الحيازة تبطل دعوى من ترك شيئه؛ يحاز عنه، وهو حاضر، وبهذا أفتى ابن أبي زمنين، وخالفه غيره، وأفتى بتوقيفه للحاضر، كما يوقف للغائب إذا أثبت القائم ملكه، ويكشفه من أن يصير له؟ لعله يقر بما ينتفع به.
قلت: فعلى الأول لا تشمع دعوى الغائب بمجرد دعواه غبية، وهو ظاهر قول ابن محرز حيث قال في تعقبه: تقديم البينة بالملك على البينة بالحوز؛ لأنها أرخت، وبينة الملك؛ لم تؤرخ، فإن قيل: إنما كانت أولى؛ لأنه أخبر أن المحوز عليه كان غائباً في تلك المدة، فعلم كم ذلك أن الشهادة بالملك أقوم من الشهادة بالحوز.
قيل: إنما يكون كذلك لو كانت الغيبة؛ إنما علمت من الذين شهدوا بالملك، وليس في المسألة ما يدل على ذلك؛ لأنه يحتمل أن تكون الغيبة عرفت بغير شهادتهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 369
المازري: إنما قال: الدار من يد حائزها ببينة الملك؛ لأنها تقارب القطع، فهي أقوى في الدلالة على الصدق من دلالة الحيازة، إلا أن يقيم الحائز البينة المذكورة على السماع؛ فإنها تقر بيده؛ لأنه اجتمع له دليلان الحيازة، وبينة السماع، ودليلان أقوى من دليل واحد.
ابن رزقون وغيره: لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشيء بيده، ولا يستخرج بها من يد حائز.
ولابن حبيب عن الأخوين وابن القاسم وأصبغ: ما يقتضي أنه يستخرج بها من اليد.
قلت: لم يحك المازري غير الأول ثم قال: لو كانت المتنازع فيه عفواً من الأرض ليس بيد أحد؛ لكان المذهب على قولين في تمكينها لمن قال بشهادة سماع.
قلت: زاد اللخمي: يقضي بها لمن شهد له به السماع بعد يمينه على قول ابن القاسم، ودون يمين على قول أشهب؛ كالسماع على الولاء والنسب.
وفيها: لو أقام الحائز بينه يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها؛ لم ينفعه ذلك، وإنما شهده السماع في بعيد الزمان.
الباجي: إذا قلنا: تختص بما تقادم؛ فلابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: تجوز في خمس عشرة سنة، ونحوها لتقاصر أعمار الناس.
وروى ابن القاسم: لا تقبل في خمسة عشرة سنة شهادة على السماع إلا فيما تقادم.
ابن رزقون: ظاهر المدونة في الأربعين سنة، ولابن القاسم في العشرين، وقيل: إن كان وباء؛ قبلت في أقل من ذلك.
قلت: ففي حد الطول خمس مقالات.
الأخوان: خمس عشرة ونحوها.
ابن القاسم: لا تقبل فيها؛ بل فيها تقادم.
ابن رزقون: عن ظاهررها: أربعون سنة.
ابن القاسم: عشرون.
الجزء: 9 - الصفحة: 370
نقل ابن زرقون: إن كان وباء، فأقل من ذلك، ونقل المارزي قول الأخوين خمسة عشر لا بزيادة ونحوها.
قال ابن الحاجب: وتجوز شهادة السماع الفاشي عن الثقات في الملك، والوقف والموت للضرورة؛ بشرط طول الزمان وانتفاء الريبة، فحمله ابن عبد السلام على ظاهر إطلاقه إنما هو في الوقف، والملك، والصدقة، والأشرية القديمة، والنكاح، والولاء، والنسب، والحيازة جميع ذلك يشترط فيه طول الزمان، وأما في الموت فيشترط فيه تنائي البلدان، أو تقادم الزمان.
قلت: مقتضى الروايات والأقوال أن شهادة السماع القاصرة عن شهادة البت في القطع في المشهود به، ويشترط فيها كون المشهود به حيث لا يدرك به القطع، والبت به عادة، وإن أمكن عادة البت به لم تجز فيه شهادة السماع فيما بعد من البلاد، وأما ما قرب أو ببلد الموت، فإنما هي شهادة البت.
وقد شهدت شيخنا القاضي ابن عبد السلام، وقد طلب بتونس منه بعض أهلها إثبات وفاة صهر له مات ببرقة قافلاً من الحج، فأذن له فأتاه بوثيقة بشهادة شهود على سماع لوفاته على ما يجب كتبه في شهادة السماع، وكان ذلك بعد مدة يتقرر فيها بت العلم بوفاته والقطع بها، وأظن أن ذلك كان منه نحو من ثمانية أعوام، فرد ذلك، ولم يقبله.
ولحوق الريبة فيها يطالبها:
الباجي مع الشيخ عن المجموعة لابن القاسم: إذا شهد رجلان على السماع، وفي القبيل مائة من أسنانهم لا يعرفون شيئاً من ذلك، لم تقبل شهادتهم إلا بأمر يفشو، ويكون عليه أكثر من اثنين، إلا أن يكونا شخصين قد باد جيلهما فتجوز شهادتهما.
وفي شرط تمامها بيمين المشهود له بها طرق فيها مسألة الغائب يقدم أن شهادة السماع للحائز يقطع حق القائم عليه، فظاهره دون يمين، وتقدم نقل اللخمي قولي ابن القاسم وأشهب في مسألة العفو من الأرض.
الجزء: 9 - الصفحة: 371
وقال ابن محرز: لا يقضى لأحد ممن يقضي له بشهادة السماع إلا بعد يمينه؛ لأن السماع يحتمل كونه عن شهادة واحد، والشاهد الواحد لا يقضى به إلا مع يمين الطالب.
وعزا تبن الحاجب هذا للتونسي، وقبله ابن عبد السلام، ولا أعرفه لابن محرز وعند نقله ابن شاس.
باب تحمل الشهادة
... عرفاً: علم ما يشهد به بسبب اختباري، فيخرج علمه دون كمن قرع
الجزء: 9 - الصفحة: 372
أذنه صوت مطلق، ونحوه من قول يوجب على قائله حكماً، فالمعروض للتكليف به الأول لا الثاني، وهو فرض كفاية.
الشيخ في المجموعة عن مالك: قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]
الجزء: 9 - الصفحة: 374
إنما هو من يدعى للشهادة بعد أن شهد، ومثله لابن حبيب عن رواية مطرِّف.
قال مالك في المجموعة: وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إن كان، ثم من يشهد، وليس كل الأمر يجب الرجل أن يشهد عليه، وقاله ابن كنانة.
وقال: إن لم يجد غيره، وخاف أن يبطل حقه إن لم يشهده، فعليه أن يجيب، وإن وجد غيره مستعتباً فهو بالخيار، وكذا الكاتب يدعى إلى أن يكتب، ودعي مالك، وقد دخل السوق إلى شهادة، فلم يجب واعتذر لمن دعاه فقال: أخاف أن يكون في أمرك ما لا أرى أن أشهد به، فيقتدي بي من حضر فقبل منه، وفي «نوازل سَحنون» إنما الآية فيمن عنده [علم قد أشهد عليه، ومن لم يكن عنده] فهو في سعة إن كان بالبلد غيره ممن يشهد.
ابن رشد: الدعاء ليشهد على الشهادة، ويستحفظها فرض كفاية كالجهاد، وصلاة الجنازة فمن كان بموضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه، ومن أهل العلم من أوجب الشهادة على كل من دعي إليها لقوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] وليس بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهداً إلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة لا قبل ذلك.
قلتُ: ذكر ابن عبد السلام هذا الذي احتج به ابن رشد سؤالاً، وتعقبه عنه بقوله.
فإن قلت: الشاهد حقيقة من تحمل الشهادة لا من طلب منه تحملها على ما تقرر في أصول الفقه في مسائل الاشتقاق، فيترجح حمل النهي في الآية على الإباية من أداء الشهادة؛ لأنه حمل الكلمة على حقيقتها، وعلى ما قلتموه يكون حملاً لها على مجازها.
قلت: قال بعض حذاق المتأخرين: ذلك للتفصيل في المشتق إنما هو إذا كان الوصف محكوماً به، وإن كان متعلق الحكم كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] فهو حقيقة في الجميع فيما حصل، وفيما يستحصل، فالشاهد في هذا الموضع حقيقة فيمن تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيأ لتحملها.
قلت: قوله: فالشاهد في هذا الموضع حقيقة فيمن تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيئاً لتحملها؛ وهم مشأ عدم تحقيقه فهمه كلام من عبر عنه ببعض حذاف المتأخرين، وهو القرافي، وبيانه بذكر كلامه، وتقرير فهمه بما يجب.
الجزء: 9 - الصفحة: 375
قال: هي مسألة المحصول في إطلاق اللفظ المشتق على مسماه ما نصه: الأقسام ثلاثة اثنان مجمع عليهما إطلاق اللفظ المشتق، ومسمى المشتق منه مقارن حقيقة إجماعاً كتسمية الخمر خمراً، وإطلاقه وهو مستقبل مجاز إجماعا كتسمية العنب خمراً، وإطلاقه وهو متقدم فيه مذهبان: أصحهما المجاز، ثم قال: سؤال هذه الأزمنة الثلاثة إنما هي بالنسبة إلى زمن الإطلاق، فعلى هذا يكون ﴿قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:38] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:2] ونحوه من نصوص الكتاب والسنة لا يتناول الكائن في زماننا من هذه الطوائف إلا مجازاً؛ لأن زمانهم مستقبل بالنسبة إلى زمن الإطلاق، وهو زمن نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فيتعلل عليهما الاستدلال؛ لأن الأصل عدم المجازة في كل واحد منها، فيفتقر في كل دليل إلى دليل يدل على التجوز إلى تلك الصورة، وهو خلاف الإجماع، بل أجمع العلماء على أن هذه الألفاظ حقائق في هذه المعاني، ثم قال: الجواب عنه أن المشتق على قسمين: محكوم به ومتعلق الحكم فالمحكوم به نحو: (زيد صائم)، فقد حكمنا عليه بهذا المشتق، ومتعلق الحكم نحو: (أكرم العلماء) فلم يحكم بأن أحداً عالم؛ بل حكمنا بوجوب الإكرام لهم، وهذا متعلق هذا الحكم، ومرادنا في هذه المسألة المشتق إذا كان محكوماً به، إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً من غير تفصيل، والله تعالى لم يحكم في تلك الآيات بأن أحداً أشرك، ولا سرق بل حكم بوجوب القتل والقطع والجلد فقط، وهذه الطوائف متعلق الأحكام؛ فاندفع الإشكال، وكل من تحدث في هذه المسألة يذكرها عموماً، وهذا باطل إجماعاً، وبالضرورة كما ترى.
قلت: ففهم الشيخ ابن عبد السلام من قول القرافي فهو حقيقة مطلقاً من غير تفصيل أنه لا يشترك في صدق المشتق على مسماه إذا كان متعلق الحكم حصول المعنى بالفعل في الذات التي أطلق عليها المسمى في وقت الحكم ولا قبله ولا بعده حين تعلق الحكم بالذات التي أطلق عليها المشتق وقبله منه، ولذا قال: فالشاهد في هذا الموضع حقيقة في من تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيء لتحملها من غير تفصيل، وهذا إن أراده القرافي فهو؛ وهم منه معه، وظني أن مراد القرافي أنه لا يشترط حصول المعنى في
الجزء: 9 - الصفحة: 376
الذات التي أطلق عليها المشتق زمن الحكم، وأنه لابد مع ذلك من شرطية حصوله فيه عند تعلق الحكم به؛ لأنه لو كان الأمر كما فهمت لزم ثبوت الحكم بالقطع في السرقة، والجلد في الزاني بمجرد تهيئته للاتصاف بالسرقة والزنا وأمثالها، كما زعم أن حكم النهي عن الإباية في قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] هو أنه متعلق لمن هو متهييء لتحملها، وهذا باطل بالإجماع والضرورة، وقول القرافي كل من تحدث في هذه المسألة يذكرها عموماً، وهو باطل.
قلت: كل من ذكرها فيها علمت كالفخر والآمدي والسراج وغيرهم ممن له مشاركة في المنطق تدل على القطع بإحاطتهم بتحقيق مسألة صادقية العنوان على ذات المحكوم عليه، وهو المعبر عنه في هذه المسألة بمتعلق الحكم، ومن شرط العنوان عندهم صدقه بالفعل على الذات لا بالقوة خلافاً للقرافي، وهذا نص لشرط حصول المعنى في الذات التي أطلق عليها المشتق من حيث كونه متعلقاً للحكم، فعلمهم إنما لم ينبهوا على هذا الذي زعم القرافي أنه انفرد بذكره؛ اتكالا على ما علم من شرط صدق العنوان على الذات والله أعلم.
باب أداء الشهادة
والأداء عرفاً: إعلام الشاهد الحاكم بشهادته ما يحصل له العلم بما شهد به.
الجزء: 9 - الصفحة: 377
في النوادر لأشهب: قوله: (هذه شهادتي) أداء لها.
وقال القرافي: لفظه أؤدي مع أنه إنشاء لا خبر.
قال: فلو قال: (وديت) لم يفد عكس لفظ الإنشاء في: بعت واشتريت وأبيع، وأشتري لغو.
قلت: الأظهر أنه يعرف تقرر لا لذات حقيقة الأداء وغيره، والأظهر أن الإشارة المفهمة في ذلك تكفى، وشهدت بعض النفتنين أداها إشارة، فلم يقبلها منه من أداها إليه، وهو واجب عيناً على من لم يزد على عدد من يثبت به المشهود به، وواجب كفاية على من زاد عليه حاضرا كواحد من ثلاثة في الأموال، وما يقبل فيه اثنان، ومن خكسة فصاعداً في الزنا.
قلت: يتأكد الأداء ويتعين على واضع شهادته لا ثالثاً غير عالم بعطف غيره عليه، لدخوله على موجبه، ويخف طلبه على واضعها ثالثاً فصاعداً إن حضر ممن قبلها يثبت الحق به.
ابن شاس: إن كانوا اثنين قد تعينا إن امتنع أحدهما، وقال: أحلف مع الآخر أثم.
قلت: وترك أخذ العوض عن مؤنة تحمل الشاهد شهادته، وأدائها واضح.
وفي جواز أخذه عن التحمل خلاف.
قال ابن المناصف: قال بعض العلماء: يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة، وإن كانت تعينت عليه إن كان اشتغاله بأدائها يمنعه من اشتغاله بما يقوم به أوده.
قلت: وهو أحد الأقوال في جواز أخذ الأجرة في الرواية على الإسماع أو السماع الجواز والمنع والتفصيل.
وفي نوازل سَحنون قيل له: أرأيت الشاهدين يأتيهما صاحب الشهادة أن يشهدا له، فيقولان: الهبوط إلى الحاضرة يشق علينا إلا أن تتفق علينا، وتعطينا دواب
الجزء: 9 - الصفحة: 379
نهبط عليها.
قال: إن كان مثل الساحل منا كتب القاضي لرجل يشهد عنده الشهود، فيكتب بشهادتهم، ولا يعني المشهود إليه بالقدوم، ولا ترى هذه ولاية للمشهود عنده.
قال: لا يستغني القاضي عن مثل هذا.
قيل له: كم بعد الساحل من هنا؟
قال ستون ميلاً فإن كان الشهود على بريد أو بريدين ويجدون الدواب والنفقة، لم يعطهم رب الحق دواب ولا نفقة؛ فإن فعلوه بطلت شهادتهم، فإن لم يجدوا نفقة ولا دواب، فلا بأس أن يكري لهم، وينفق عليهم.
ابن رشد: أصل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]؛ لأن معناه عند أهل العلم جميعاً فيما قرب دون ما بعد، خصص عموم القرآن بالإجماع، فإن كان الشاهد بحيث يلزمه الإتيان لأداء شهادته؛ وجب علبه ركوب دابته وأكل طعامه، فإن أكل طعام المشهود له، وركب دابته سقطت شهادته؛ لأنه أرشى عليه بذلك، وخفف ذلك ابن حبيب إن كان ذلك قريباً، وكان أمراً خفيفاً، وينبغي أن يحمل على التفسير لقول سَحنون فالقريب الذي يلزمه الإتيان لأداء شهادته قسمان: قريب جداً تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب هذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له، وإن كانت له دابة، ولا أكل طعامه.
وغير قريب جداً تكثر فيه النفقة، ومؤنة الركوب، هذا تبطل فيه شهادته إن ركب دابة المشهود له وله دابة أو أكل طعامه عند سَحنون.
وقيل لا تبطل شهادته بذلك، وهو ظاهر نقل ابن حبيب عن مطرف، وأصبغ في الشاهد يشهد في الأرض النائية فيحتاج إلى تعيينها بالحيازة لها؛ أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له ويأكل طعامه، وهو الأظهر إذ ليس ما يصير إلى الشاهد من هذا ما لا يتمول، وإن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلاً لم تبطل شهادته إن أنفق له المشهود له أو اكترى له دابة، وقيل: تبطل شهادته بذلك إن كان مبرزاً في العدالة، قاله ابن كنانة.
الجزء: 9 - الصفحة: 380
وإن كان الشاهد من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان لأداء الشهادة، وليس للقاضي من يشهد عنده بموضعه الذي هو به، فلا يضره أكل طعام المشهود له، وإن كان له مال، ولا ركوب دابته، وإن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره إنفاق المشهود له مدة انتظاره إن لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف.
وقيل: تبطل شهادته بذلك لتوفيرهم به النفقة على أنفسهم، وهو الأظهر، فانظر أبدا إن أنفق المشهود له على الشاهد حيث لا يلزم الشاهد الإتيان إليه ولا المقام؛ جاز وإلا لم يجز ذلك إلا فيما يركبه إن لم تكن له دابة، ولم يقدر على المشي.
قلت: ما نقله من إبطال شهادته إن كان مبرزاً كذا وجدته في غير نسخة واحدة، وقبل ابن رزقون قول قول ابن كنانة مطلقاً، قال: وقال ابن كنانة: تبطل شهادته بذلك، ولم يذكر تبريزاً، فإن قلت: شرط التبريز في إسقاط شهادته يدل على أنه إن لم يكن مبرزاً بم تسقط شهادته إذا كانت من غير مبرز، كقولها في شهادة الأخ لأخيه تجوز إن كان مبرزاً فجعل التبريز مبطلاً لقدح الأخوة في قبول الشهادة، وجعل التبريز هنا موجباً؛ لأن يقدح في شهادة المبرز ما لا يقدح في شهادة غيره، ويجاب بأنه رأى هذا الوصف في المبرز خسة؛ لأن تبريزه يأبى ذلك كما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا والله أعلم حكى ابن الحاجب هذا القول معكوساً فقال: وقيل: تبطل في غير المبرز، ولم يتعرض ابن عبد السلام ولا ابن هارون لشيء من هذا، واستمر عمل الناس اليوم، وقبله في إفريقية وغيرها على أخذ الأجرة على تحملها بالكتب فيمن انتصب لها، وترك التسبب المعتاد لأجلها، وهو من المصالح العامة، وإلا لم يجد الإنسان من يشهد له بيسر، وأخذها ممن يحسن كتب الوثيقة فقهاً، وعبارة على كتبه وشهادته لا يختلف فيه، ويكون أخذه الأجرة على نحو ما ذكره غير واحد كابن المناصف قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، والأولى لمن قدر، واستغنى ترك الأخذ وعلى الآخذ تكون الأجرة معلومة مسماه، وتجوز بما اتفقا عليه من قليل وكثير ما لم يكن المكتوب له مضطراً للكاتب، إما بقصر القاضي الكتب عليه لاختصاصه
الجزء: 9 - الصفحة: 381
بموجب ذلك، وإما لأنه لم يجد بذلك الموضع غيره فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحق، فإن فعل فهي جرحة، وإن لم يوافق الكاتب المكتوب ففيه نظر، وهو عمل الناس اليوم، وهو عندي محمل الهبة على الثواب، فإن أعطاه قدر أجره المثل في ذلك لزمه قبوله، وإلا كان نخيراً في قبول ما أعطاه وتمسكه بما كتب له إلا أن يتعلق بذلك حق للمكتوب له، فيكون فوتا ويجبران على أجر المثل، وما زال الناس يعيبون أخذ الأجرة في أكثر حوانيت الشهود بتونس؛ لأنهم يقسمون ما يحصل لهم من الأجرة آخر عملهم على ثلاثة أجزاء: جزأين للشهيدين، وجزء للموثق، وهو أكثر من واحد، وربما صرح بعضهم بحرمة فعلهم، ولقد أخبرني بعض من يوثق بخبره أن القاضي أبو علي بن قداح لبناً فشربه، ثم اجتمع به بعد ساعة من شربه فتحدثا، فأخبره صهره أن ذلك اللبن أهداه له فلان، فذكر له بعض شهود تونس اللذين يأخذون الأجرة في شهادتهم، فقام فقاء ذلك اللبن، واستغرب هذا المخبر حاله، لأنه لما شهد طلع الحانوت، وكان يأخذ الأجر على شهادته، ثم أخبرني من أثق بخبره أن الشاهد الذي كان يشهد معه والموثقين كانوا يعطونه كل يوم ديناراً ذهباً، ويأخذ كل موثق منهم أكثر من ذلك وكان الموثقون ثلاثة أو أكثر.
قلت: فسلمه الله من القسمة الفاسدة المتقدم ذكرها.
والمذهب أن اليمين مع الشاهد في الحقوق المالية كشاهدين في الموطأ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمن مع الشاهد.
أبو عمر: هذا مرسل، وأسنده جماعة ثقاة عن جابر يرفعه، وروى مسلم بسنده
الجزء: 9 - الصفحة: 382
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد، وذكر العقيلي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق.
عبد الحق في سنده: مطرف بن مازن ضعيف، ورماه ابن معين بالكذب.
وقال أبو أحمد الجرحاني فيه: لم أر فيما يرويه شيئاً منكراً.
أبو عمر: لم يخرج البخاري حديث مسلم، ورواه أبو هريرة من طرق كثيرة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن شعيب، وكلها من طرق متواترة، وهو قول جمهور العلماء بالمدينة، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غيره إلا أن يحيى بن يحيى بالأندلس تركه، وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، ولقول مالك: قال جلة من العلماء بالعراق: وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة والأوزعي: لا بقضى به.
وقال محمد بن الحسن: يفسخ القضاء به؛ لأنه خالف القرآن، وهذا جهل وعناد، وإنما هو زيادة بيان كنكاح المرأة على عمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]
الباجي: إن قالوا يحتمل أن يكون قضى بيمين المطلوب مع شاهد المدعي.
قيل: قوله باليمين مع الشاهد ظاهرة أنها من جهة واحدة.
ابن رزقون: حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد بالتنكير يرفع الإشكال.
الشيخ: وروى المحمدون إنما يجوز الشاهد واليمين في الأموال دون العتق والطلاق والحدود.
زاد بن سحنون: والنكاح والقتل.
ابن حبيب: روى مطرف يجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق والجراح، عمدها وخطئها، وفي المشامتة ما عدا الحدود.
الجزء: 9 - الصفحة: 383
قلت في رسم القضاء من سماع أشهب: لا أرى أن يحلف مع الشاهد بالشتم.
ابن رشد: ما روى عن مطرف أنه يحلف مع شاهده في الفرية، ويحد له شذوذ ويتخرج غي المسألة قول ثالث أنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي، وفي القصاص من جراح العمد بالشاهد والمين، ثالثها: فيها صغر من الجراح لا فيما عظم كقطع اليد لمالك في أقضيتها، ولابن القاسم في شهاداتها، ورواية ابن الماشجون مع قوله وقول سحنون.
وذكر الباجي عن ابن الماشجون: أن صغير الجراح كالموضحة والأصبغ، وشبهه مما يؤمن معه على النفس.
وحكى المارزي أيضاً الثلاثة الأقوال، وفي الموطأ معها إن نكل ذو الشاهد عن الحلف معه، حلف المطلوب وبريء، فإن نكل غرم الحق.
وفيها: ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال فوجهوه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، ولغوه في العتق يوجب يمن الشهود عليه على رد الشهادة، فإن نكل فقال الباجي في عتقه عليه وحبسه أبدا حتى يحلف، ثالثها: إن طال حبسه ترك؛ لرواية ابن القاسم مع أول قولي أشهب، ولمالك مع سحنون وابن نافع وابن القاسم قائلاً: والسنة طول، وعلى الزوج كذلك، فلإن نكل الثلاثة لقائلها، ورابعها: يسجن ويضرب له أجل الإيلاء، فإن انقضى طلق عليه، وخامسها: هذا بعد طول سجنه.
الباجي عن النوادر عن ابن نافع: ولابن مزين عن رواية محمد بن خالد عنه قال يحيى: وقال أبو زيد: قاضي المدينة مثله.
قلت: في آخر الأيمان بالطلاق منها أقامت امرأة بطلاقها شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهما في الحقوق منع الزواج منها حتى يحلف.
قال مالك: فإن نكل طلقت عليه مكانه، وعدتها من يوم الحكم، وروى عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق.
الجزء: 9 - الصفحة: 384
قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه إن طال سجنه دين، وخلى بينه وبينهما، وهو رأيي.
عياض: قوله إن كانتا ممن تجوز شهادتهما عليه في الحقوق.
زاد في كتاب الشهادات؛ يريد، إلا أن تكون مثل أخواتها وجداتها، ومن هو منها بظنة، وزاد في كتاب العتق: أو عمتها أو خالتها، وليس هذا بمنزلة الحقوق؛ يريد: لأن هذا لو شهدن لها به في الحقوق جازت، ولكن يتهم النساء في هذا الباب لعصبية بعضهن لبعض، ولعياض في كتاب الشهادات: ولحمد يس عن أشهب: أن عليه اليمين في شهادة الأمهات والبنات والقرابات عليه بالطلاق بموجب اليمين عنده بالشهادة اللطخ كاللوث، فلا تعتبر التهمة.
وفي الأيمان بالطلاق: ومن ادعى نكاح امرأة، وأنكرت ذلك فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهداً لا تحبس، ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين هذا لفظ التهذيب، وهي في المدونة مقيسة على دعوى المرأة الطلاق، وفيه نظر لتكرر دعوى الطلاق دون النكاح.
ابن رزقون: قال عبد الملك في الثمانية: من أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن نكل سجن حتى يحلف، وله أن يزوجها في السجن من رجل آخر حتى يحلف، ولا مقال للابنة في ذلك، وإن كانت ثيباً فليس عليه يمين.
وقال أصبغ: لا يمين على الأب بحال.
المارزي: منصوص المذهب من أقام شاهداً واحداً بنكاح امرأة أنكرته أن لا يمين عليها، وفي الموازية: لا يمين في دعوى النكاح على امرأة الرجل، ولا عليه لها ما لم يقم بذلك شاهد واحد بعض الأشياخ وجوب اليمين على المنكر منهما بالشاهد الواحد.
المارزي: وليس هذا بنص بل دليل خطاب لكن وقع في المذهب فيمن عقد نكاحاً لرجل على امرأة، أو لامرأة على رجل، فأنكر الزوج أو الزوجة الوكالة أنهما يحلفان.
وفي الواضحة: لو تعلق اليمين هنا بدعوى الوكيل على الزوج، أنه وكله لتضمن ذلك إلزامه صداقاً ونفقة، ولا تتعلق اليمين على المرأة إذ لا يباح فرجها بمثل هذا،
الجزء: 9 - الصفحة: 385
فأخذ من هذا بعض أشياخي وجوب الحلف مع الشاهد، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها كان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة، والعقد بين الوكيل والزوجة ثابت بشاهدين.
قلت: الذي أشار إليه بالتخريج هو اللخمي ونصه: من أقام شاهداً واحداً على نكاح لم يحلف معه، واختلف في يمين الشهود عليه، فقال ابن القاسم: لا يمين عليه، وقال في الموازية: فذكر ما تقدم إلى قوله: ما لم يقم بذلك شاهد.
قال اللخمي: يريد فيحلف المشهود عليه من رجل أو امرأة.
وقال فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكيل على ذلك، فأنكر المدعى عليه الوكالة بعد أن قدم: إنه يحلف الرجل والمرأة أنه لم يوكله، فإذا كان حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل غير عدل، وهو مدفع عن نفسه التعدي كان أحرى أن يحلف المدعى عليه مع الشاهد العدل.
وقال ابن حبيب: يحلف الرجل أنه ما وكل، ولا تحلف المرأة أنها ما وكلت؛ لأنها إن نكلت لم تكن زوجة.
وأرى أن تطلبه باليمين رجاء أن تقر، ويحلف هو إن ادعت عليه الوكالة؛ لأن المطلوب منه مال، فإن نكل حلفت وغرم بنصف المهر على قول ابن القاسم؛ إلا أن يجب هو البقاء على النكاح، فيحضر الولي ويجدد العقد.
وإن شهد شاهد بعد موت الزوج أو الزوجة، فقال ابن القاسم: يحلف المشهود له، وتستحق الإرث والصداق إن كان الشاهد لها.
وقال أشهب: لا يستحق ذلك إلا بشاهدين.
وقول ابن الحاجب: ويطالب المشهود عليه بالشاهد في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقرأ أو يحلف؛ فإن امتنع فالأخيرة أن يحبس لهما، إلا أن يحكم بالشهادة.
وقال ابن القاسم: يحبس سنة.
وقول سحنون: (أبداً) يقتضي أن المذهب حلفه في النكاح، وليس كذلك، حسبما
الجزء: 9 - الصفحة: 386
تقدم من لفظ المدونة وغيرها، وإنما الحلف قول غير المشهور.
وظاهر قوله: (إلا أن يحكم بالشهادة) أن في النكاح على الرواية الثانية تعجيل
الحكم بالشهادة، وهذا غير موجود في المذهب.
وما ذكرناه أورده ابن عبد السلام على ابن الحاجب سؤالين، ثم قال: ويحتمل أن يرجع الضمير المجرور من قوله: (يحبس لهما) على المرأة ?في الطلاق?وعلى العبد?في العتق?فيسقط السؤالان لخروج مسألة النكاح.
قلت: قوله: (يطالب في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقر أو يحلف) نص في مطالبته بالحلف في النكاح فامتنع سقوط السؤال فيه، وقوله: (فإن امتنع) ظاهره أو نصه أن الضمير الفاعل المستكن في (امتنع) عائد على ما عاد عليه الضمير في (يحلف) فحينئذ إن جعل الضمير في (لهما) عائداً على (المرأة) في الطلاق، وعلى العبد (العبد) في العتق، ففي الشرط في النكاح، وهو فرض الامتناع فيه، والحلف لا جواب له فتأمله.
اللخمي: وإن شهد شاهد بتمليك فهو كشاهد بطلاق يحلف ويبرأ.
ويختلف إن نكل واختارت الطلاق هل يطلق عليه؟ وإن شهده بخلع؟ فإن كان القائم به الزوج فهو كشاهد بمال يحلف معه.
ويأخذه؛ لأن الطلاق بيده، وهو مقر به، وإن كانت المرأة هي القائمة كان كشاهد على طلاق، وإن شهد على نسب أو ولاء لم يحلف معه إن كانت الشهادة على حي، وإن كانت على ميت ليرث منه?وللميت ولد ثابت النسب أو مولى معروف? فأثبت هذا أنه ولد الميت أو أنه مولى مع الأول؛ حلف من ثبت نسبه أو ولاؤه، وكان أحق بالميراث، واليمين إن ادعى الطلبي المعرفة.
واختلف إن لم يكن هناك نسب ثابت سوى الطاريء هل يحلف ويرث؟ أو يكون الإرث لبيت المال؟
وأرى أن من أقام شاهداً أولى.
وقال ابن القاسم: من ادعى على رجل أن عبده، فأنكر وقال: أنا حر؛ أنه ليس له أن يحلفه، إلا أن يقيم شاهداً فيحلف ويستحق.
قال سحنون: ليس له ذلك إن كان معروفاً بالحرية، وأرى إن لم يكن معروفاً
الجزء: 9 - الصفحة: 387
بحرية ولا عبودية أن يخلف ويستحق، وإن كان مشهوراً بحرية، وأنه ابن فلان الحر لم يستحق بشاهد ويمين، ولا بشاهدين، ولا بشاهدين، إلا أن يثبت استحقاقه أمه، أو شبهه مما يخفى، ويبطل ما كان معروفاً به.
قال: وإن شهد بزنا على المعاينة أو الإقرار حد.
واختلف إن نقل ذلك عن غيره؛ فقال ابن القاسم: يُحَدّ.
محمد: لا يحد إن قال: (أشهدني فلان)، إلا أن يقول: (هو زان)، وهذا أحسن؛ لأن من قال: (أشهدني فلان)، ولم يقل: (هو زان) ليس بقاذف.
قلت: إن لمم يكن قذفاً فهو تعريض، ولا سيما إن كان الشاهد يعلم حكم نصاب بينه الزنا.
وإن قال: رأيت فلانا مع فلانة أو بين فخذيها؛ فقال ابن القاسم: يعاقب الشاهد.
وقال غيره: لا يعاقب.
ورابع: إن كان المشهود عليه ممن يظن به ذلك لم يعاقب الشاهد، وإن كلن ممن لا يظن به ذلك عواقب الشاهد.
ومن شهد على رجل أنه شرب خمراً ففيها: ينكل الشاهد.
وقال فيمن شهد على رجل بالسرقة: إن كان لها من يطلبها لم يعاقب?يريد: وإن كان غير عدل? قال: وإن لم يكن لها من يطلبها، والشاهد عدل لم يعاقب، وإن لم يكن عدلاً عوقب.
وعلى قوله في عقوبة الذي قال: (رأيته بين فخذيها) يعاقب الشاهد هنا، وإن كان عدلاً.
ولمالك في المبسوطة: من شهد بالسرقة أو شرب الخمر لم يعاقب.
ولابن نافع في كتب المدنيين: إن شهد بذلك على من له هيئة نكل، وإن كان ممن يتهم بذلك فلا شيء عليه، فأوجب العقوبة الأول قياساً على شاهد الزنا، وأسقطها في القول الآخر؛ لأن الأصل إذا سقطت البينة عدم العقوبة.
الجزء: 9 - الصفحة: 388
والحد على من شهد بالزنا تسليم لقول عمر.
والتفريق بين العدل وغيره لتهمة غير العدل بإذاية المشهود عليه.
وأرى أن يعاقب غير العدل إن كان المشهود عليه لا يظن به ذلك، ولا غير العدل إن شهد على من يظن به ذلك.
وإن شهد بقذف أحلف المشهود عليه.
ويختلف إن نكل هل يحد أو يسجن؟ أبداً حتى يحلف؟ أو يطلق بعد سنة؟ قياساً على الطلاق، والجراح هل يطلق عليه أو يقتص منه.
وإذا ثبت اليمين على مشهود عليه لنكول المشهود له، أو لأنه لم يمكن من اليمين على القول الآخر، فنكل المشهود عليه سجن أبداً حتى يقرأ أو يحلف، وعلى القول الآخر يخرج بعد سنة.
وقال أشهب: يقطع، وذكر ذلك عن ابن القاسم في كتاب الأقضية في بعض روايات المدونة.
وأرى أن يسجن أبداً حتى يقر أو يحلف إلا أن يكون الشاهد مبرزاً، والمشهود عليه ممن يظن به فيقتص منه.
قلت: هذا كله إنما هو في الشاهدة إذا أتى يشهد من قبل نفسه، ولو كان القاضي هو الذي استدعاه للشهادة رجاء ضم غيره إليه؛ وغيره مما لا يثبت به.
ذكر مالك من هذا النوع ?في الموطأ? مسائل منها ما يؤدي إلى فسخ نكاح، أو ثبوت عتق، أو سقوط حد؛ كشاهد ويمين على زوج أمه أنه ابتاعها يثبت الشراء ويفسخ النكاح؛ لأنه لو لم يكن ذلك ذلك لزم إلغاء بالشاهد واليمين في الأحوال، أو اجتماع الملك والنكاح وكلاهما خلاف حكم الشرع؛ ولأن متعلق الشاهد واليمين إنما هو المال والفسخ بحكم الحاكم بالمال لا بالشاهد واليمين.
ومنها شهادة شاهد لمكاتب بأنه قضى النجدم الآخر لسيده، وقبول الشهادة هنا آكد؛ لأن العقد به العتق ثبت على السيد بشاهدين.
الجزء: 9 - الصفحة: 389
ومنها رفع الحد كشاهد ويمين برق من قذف وهو ظاهر الحرية.
قال ابن الحاجب: وأما الشاهد بالقضاء بمال فالمشهور لا يمضي، وله إستحلاف المطلوب؛ فإن نكل لزمه بعد يمين.
قال ابن عبد السلام: هذا كلام فيه نظر، والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين فى قبول كتاب القاضي بشاهد ويمين؛ لأنه حق ليس بمالي يؤول إلى مال، ودعو أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال هي دعوي بمال حقيقة لا ينبغى أن يختلف فيها، وبتقدير أن يكون الأمر على ماحكاه المؤلف فكيف بمنع قبول الشاهد واليمين! ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف من الأول على أصل المذهب.
قال في أقضية المدونه: وللطالب أن يحلف المطلوب أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، فإن نكل حلف الطالب، وثبتت الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزل.
قلت: إنكاره وجود الخلاف بقوله لا ينبغى أن يختلف فيه، وبما ذكره عن الباجي يرد بأن مافهمه عن الباجي ليس كذلك، وبشهرة ذكر الخلاف فيه من كلام الأشياخ.
أما رد فهمه عن الباجي؛ فلقول الباجي ما نصه: فإن تعلقت الشاهدة بالعقود التي لا تختص بالمال، والمقصود منها المال كالشهادة على حكم قاض، فروى ابن حبيب عن الماجشون لايثبت كتاب قاض إلى قاض بشاهد ويمين، وإن كان في مال.
وقال مطرف: يحلف مع شاهده، ويثبت له القضاء.
قلت: فقوله كالشهاده على حكم قاض نص منه على الخلاف في حكم القاضي، ويبقى محل النظر في أخذ الباقي، ذلك من مسألة كتاب القاضي.
وأما شهرة الخلاف فيه من كلام الأشياخ ففيى النكاح الثاني منها: وإذا فرض القاضي للزوجة، ثم مات أو عزل فادعت المرأة قدراً، وادعى الزوج دونه، فالقول قوله إذا أشبهنفقة مثلها، وإلا فقولها فيما يشبه.
عياض: قال بعض أصحاب سحنون: مذهب ابن القاسم أنه لا يمين على من أشبه قوله منهما إذ لا يحلف على حكم حاكم مع شهادة شاهد، وذهب بعضهم إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 390
معنى قوله في الكتاب مع يمينه، وهو الظاهر وأنه حجة لجواز الحلف مع الشاهد على قضاء القاضي، ونبه على ذلك فى كتاب ابن سهل خلاف ما قال بعض أصحاب سحنون، وما لابن القاسم في العتبية قوله هو سماع عيسى ابن القاسم قيل له فإن أقام شاهداً على أمر القاضي وقضائه هل يحلف مع شاهده؟ قال: لا يحلف مع شاهده على شهادته، ولا يجوز فى ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، والشهادة على قضاء القاضي بشهادة على شهادة فلا يجوز في ذلك إلا شاهدان.
ابن رشد: قوله: (إن المقضي له لايحلف مع شاهده على أمر القاضي وقضائه) هو على خلاف أصله في المدونة لوقوله فى أقضيتها: إن القاضي إذا عزل، وقد شهد الشهود عنده، وأثبت ذلك في ديوانه، ولم تقم على ذلك بينة أن المشهود عليه يحلف بالله ما هذه الشهادة التي فى ديوان القاضي مما شهدت به الشهود علي؛ فإن نكل حلف المشهود له؛ وثبتت الشهادة، فإذا كان يستحق ذلك باليمين مع النكون فأحرى أن يستحقه باليمين مع الشاهد، ولافرق بين ذلك وبين الحكم، لأنه شعبة من شعب الحكم.
ونحوه في نكاحها الثاني في الزوجين إذا إختلفا في فريضة القاضي، فإذا كانت المرأة تستحق القضاء باليمين مع النكول وجب أن تستحقه باليمين مع الشاهد، وتأول بعض الناس أن قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه لا يمين على الزوج إن أي بما يشبه، ولا على الزوجة إن أتي الزوج بما لايشبه، وأتت هي بما يشبه على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وفي الواضحه: إن حكم الحاكم لا يستحق باليمين مع الشاهد، وهو تأويل بعيد، وظاهر المدونة: أنه يستحق بهما، وهو قول مطرف وأصبغ، ويجوز فيه على قول ابن القاسم: شاخد وامرأتان؛ لأنه إذا أجاز ذلك في الشهادة على الشهادة، وفي الشهادة على الوكالة فأحرى أن يجيزه في حكم القاضي إذا قد أجيز فيه الشاهد واليمين، ولا خلاق أنه لا يجوز شاهد ويمين في الشهادة على الشهادة، ولا في الشهادة على الوكالة.
وسحنون وابن الماجشون: لايجزان شاهداً وامرأتين في ذلك كله على أصلهما أنه لا يجوز شاهد وأمرأتان، إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وكتاب القاضي إلى القاضي لا
الجزء: 9 - الصفحة: 391
خلاف أنه لايجوز فيه شاهد ويمين؛ لأنه كالشهادة على الشهادة.
قلت: وقال المازري: ولذا اختلف فى شهادة شاهد واحد شهد عل قاض أنه حكم بمال لزيد على عمرو هل يحلف زيد مع شهادته؟ ويستحق المال أم لا؟
في ذلك قولان، وقول ابن رشد: لا خلاف أنه لايجوز شاهد ويمين في الشهادة على الواله خلاف نقل اللخمي والمازري.
قال اللخمي: اختلف إذا شهد على وكالة من غائب هل يحلف الوكيل؟ والمشهور أنه لا يحلف.
وهو أحسن، إن كانت الوكالة لحق الغائب فقط، فإن كانت مما يتعلق فيها حق للوكيل؛ لأن له على الغائب ديناً أو ليكون ذلك المال بيده قراضاً أو تصدق به عليه حلف، واستحق إن أقر الموكل عليه بالمال للغائب.
وإن وكل على قضاء دين فقضاه بشاهد فجحده القابض حلف الوكيل وبرئ الغريم؛ فإن نكل حلف الطالب وغرم الوكيل إن كان موسراً، وإن كان معسراً حلف المطلوب وبرئ، وكانت تباعة الطالب على الوكيل متى أيسر.
قلت: فظاهر لفظ اللخمي أن الخلاف في الشاهد واليمين في الوكالة نص.
وقال المازري: معروف المذهب أن الشاهد واليمين لا يقضى بها في الوكالة؛ بل لأن اليمين فيها مع الشاهد فيها متعذرة؛ لأن اليمين لا يحلفها إلا من له فيها نفع، والوكيل لا نفع له فيها، وغن كان وقع في المذهب أن الوكيل يحلف مع شاهده بالوكالة، ويقبض الحق، فتأول الأشياخ هذه الرواية على أن المراد بها وكالة بأجرة، ويأخذها الوكيل، أو يقبض المال لمنفعة له فيه؛ وأشار إلى إجراء القولين في قبول الشاهد واليمين في الوكالة على المال على قولي ابن القاسم وأشهب في قبول شهادة رجل وإمرأتين على وكالة بقبض مال، ولغوها بناء على الحكم فيما ليس بمال يؤول إلى مال يحكم بماله أو يحكم حاله قاله سحنون.
أشهب: لايجوز شاهد ويمين في الوكالة على حق.
الجزء: 9 - الصفحة: 392
ابن رشد: قال ابن دحون: يلزم من أجاز شهدة النساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهداً ويميناً على الوكالة في المال؛ لأنها تؤول إلى المال؛ وليس ذلك بصحيح إذ ليس كل ما يجوز فيه شاهد وإمراأتان يجوز فيه شاهد ويمين، وإنما القول الذي يقول سحنون وابن الماجشون ما يجوز فيه شاهد ويمين، يجوز فيه شاهد وامأتان، وهما لا يجيزان شهادة النساء في الوكالة على المال.
قلت: في رده على ابن دحون نظر؛ لأن ابن دحون لم يسلك في تخريجه سبيل الاستقراء بصدق كلية لصدق أخرى، وإنما سلك سبيل القياس التمثيلي، وهو أن الشاهد واليمين معمول به في المال، فمن حكم في غيره بأن ما متعلقه غير مال، ومآله قال: إنما يحكم فيه بإعتبار مآله موجب أن يكون الأمر كذلك في الشاهد واليمين يجامع حصر الإعتبار في المال دون متعلق الشهادة الغير المآلي، فإن كان ما شهد به الشاهد حقاً لسفيه فطريقان الشيخ والباجي.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: يحلف مع شاهده بخلاف الصبي، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
قال أصبغ: كالعبد والذمي.
ولابن حبيب عن مطرف: يحلف المطلوب ويؤخر؛ فإذا رشد حلف مع شاهده، فإن أبى لم يكن له على المطلوب يمين؛ فجعله كالصغير.
قلت: زاد فى النوادر إثر قول مطرف، وقاله كله إبن كنانه وقال قبل ذلك.
ولابن سحنون عن ابن القاسم: إن نكل السفيه، وحلف المطلوب فلا يمين إذا رشد، وكذا البكر المولى عليها.
وقال ابن كنانة: لهما الرجوع إلى اليمين بعد رضى حالهما، وإن كان الغريم قد حلف.
وقال ابن زرقون إثر كلام الباجي: لم يختلف ابن القاسم ومطرف أن السفيه يحلف مع شاهده، إنما اختلفا إذا نكل، وحلف المطلوب، ثم رشد السفيه، فقال مطرف: يحلف بعد رشده، ويقضي له.
الجزء: 9 - الصفحة: 393
وقال ابن القاسم: نفذ الحكم للمطلوب، ولا تعاد اليمين إلى السفيه، وكذا هو نص في الواضحة قلت: ما قاله ابن زرقون هو نص ابن رشد في سماع أصبغ، وعزا لابن كنانة مثل قول مطرف، قال: وهو أظهر من قول ابن القاسم وقال في تفسيره سماع أصبغ: وهذا مما لا اختلاف فيه أن المولى عليه يحلف مع شاهده، وهذا فيما لم يل وليه المبايعة عليه فيه كبيعه سلعة له؛ فينكر المبتاع، ويجحد الثمن، فإن كان دفع السلعة حلف هو مع الشاهد إتفاقاً، فإن نكل حلف المبتاع وغرم هو إذ لم يشهد قيل: القيمة على القول إن الإشهاد لا يلزمه إلا عند دفع السلعة، وقيل: الأكثر من القيمة أو الثمن على أنه يلزمه الإشهاد على الثمن، وإن لم يدفع السلعة؛ فقيل: لا يمين عليه مع الشاهد، ويحلف المولي عليه معه، وقيل إنه هو الذي يحلف، فإن نكل اليمين غرم بعد يمين المشتري، وهذا على الخلاف في وجوب الإشهاد عليه بالثمن، وإن لم يدفع السلعة الباجي: وإذا قلنا يحلف السفيه مع شاهده، فإن حلف قبض ما يجب بيمينه وليه ابن شعبان: الاختيار أن يقبض ما حلف عليه؛ فإذا صار إليه قبضه وليه؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئاً إلا من إليه قبضه، وإن كان ما شهد به حقاً لعبد، فقال اللخمي: إن كان بمال والعبد مأذون له فهو كالحر إن نكل حلف المدعي عليه وبرئ، ولا مقال للسيد، وإن كان غيرمأذون له، حلف واستحق، فإن نكل حلف سيده واستحق، وإن دفع له سيده مالاً ليقضيه عنه الغريم، فقضاه حلف وبرئ سيده، فغن نكل حلف المشهود عليه، وغرم العبد إن كان مأذوناً له موسراً، فإن كان معسراً أو غير مأذون له حلف السيد وبرئ، فإن وكله غير سيده فقضي بشاهد ونكل عن اليمين؛ حلف الطالب، وغرم العبد إن كان مأذونا له قال محمد: كالحر يوكله الرجل اللخمي: فإن كان فقيرآ حلف الموكل وبرئ؛ وكذا إن كان غير مأذون له، وهو
الجزء: 9 - الصفحة: 394
موسر يحلف الموكل.
ونقل ابن رشد في العبد كاللخمي، وتقدم قياس أصبغ السفيه عليه، وعلى الذمي، وهو يدل على الاتفاق عليه.
قلت: فشأن قول ابن الحاجب: والعبد كالرشيد لا كالصبي على المشهور لا أعرفه؛ ابن عبد السلام وابن هارون وهما.
الباجي: يحلف مع الشاهد الواحد المشهود له كان مؤمناً أو كافراً أو عبداً ذكراً أو أنثى، فإن كان صغيراً، وانفرد بالحق؛ فمشهور مذهب مالك أنه يستحلف له المطلوب، وقاله ابن القاسم ورواه الأخوان.
وروى محمد: يوقف له حقه حتى يحتلم فيحلف، ولم يذكر اليمين، وقاله سحنون وأشار المازري لتعقب أخذ الباجي ما عزاه لسحنون فقال: تعلق بعض المتأخرين في سقوط يمين المطلوب بذكر لفظ رواية محمد قال: وأرى هذا المتأخر الصغير كمغمى عليه قام له شاهد، ولا يستحلف له المطلوب، وليس مثله لقرب إفاقته، وطول انتظار الصبي.
اللخمي والصقلي والمازري عن محمد: وعلى المشهور يسجل الإمام شهادة الشاهد خوف موته أو طروء جرحته.
ابن زرقون: قال ابن رشد: ذكر عن مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده، وهو غريب.
قلت: يريد الصغير الذي يعرف القربة الذي تجوز وصيته لا غيره.
ولفظ ابن رشد في آخر مسألة من رسم جاع من سماع عيسى ما نصه: ووقع في كتاب جمعت فيه أقضية مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده كالسيفه وهو بعيد، لأن القلم عنه مرفوع فلا يتحرج من الحلف على باطل، وليس لولي الصغير أن يحلف مع شاهده، ويحلف وحده، واختلف في الأب؛ فالمشهور المعلوم من قول ابن القاسم، وروايته أن ذلك ليس له.
وقال ابن كنانة: له ذلك وهذا فيما لم يل الأب والوصي المعاملة فيه، وإن وليها
الجزء: 9 - الصفحة: 395
أحدهما وجبت عليه اليمين فيها؛ لأنه إن لم يحلف غرم.
قلت: تضعيفه حلف الصبي بأنه لا يتحرج من الحلف على الباطل يضعف كونه باطلاً بقيام الشاهد العدل به.
الباجي: إذا قلنا يحلف المطلوب، فإن حلف بقي الحق عنده معينا كان أو في الذمة، حتى يبلغ الصغير؛ فيحلف مع شاهده ويستحق حقه؛ فإن فات المعين فقيمته يوم الحكم به، قاله ابن حبيب عن الأخوين.
وابن عبد الحكم وأصبغ: فإن نكل الصبي بعد بلوغه؛ ففي العتبية والموازية وغيرهما، وهو المشهور: أن المطلوب لا يحلف؛ لأنه حلف، وهذا بناء على أن يمين المطلوب يمين استحقاق بشرط نكول المدعي، ويحتمل أن يقال يمين المطلوب لتوقيف الحق بيده فقط، لما تعذرت يمين الطالب، فإذا حلف الطالب أخذ، وإن نكل حلف المطلوب يمين الاستحقاق إذ لو كانت يمينه أولاً يمين استحقاق، لوجب إن نكل عنه أن ينفذ القضاء عليه بنكوله، ولا يحلف المدعي يميناً بعدها، وهذا أصل متنازع فيه.
قلت: سمع عيسى ابن القاسم إن أبى الصبي أن يحلف لما كبر فليس على المطلوب أن يحلف ثانية.
ابن رشد: وقعت هذه المسألة في سماع أصبغ من كتاب المديان.
وفيها: قال أصبغ: لأنه قد برئ يوم حلف، وهو بريء أبداً حتى يحلف الصبي، فيكون حلفه كالشهادة الحادثة القاطعة، وعلى قول أصبغ هذا لا يجب توقيف الدين.
وقيل: إذا حلف المطلوب أخذ الدين منه، فوقف حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذه، ومعناه لم يكن ملياً، وخيف عليه العدم، وهو في القياس صحيح إذ لو كان المدعى فيه معيناً لوجب وقفه أو بيعه ووقف ثمنه إن خشي عليه، على ما قاله ابن القاسم في سماع محمد بن خالد بعد هذا، وإذا وقف الدين أو العرض فضمانه من الصبي إن حلف، ومن الغريم إن نكل؛ لأنه إنما وقف لمن يجب له منهما، وقيل: إن المطلوب يحلف ثانية إذا بلغ الصبي وأبى أن يحلف، وهو بعيد ووجهه أن يمينه أولاً لما لم تكن واجبة، وإلا سقط عنه الحق بها كانت إنما أفادت تأخير الحكم لبلوغ الصبي،
الجزء: 9 - الصفحة: 396
فإذا بلغ استؤنف الحكم، ولا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف إن بلغ؛ لأن نكوله كالإقرار.
وكذا الوكيل الغائب يقيم شاهداً واحداً على حق الغائب، فيقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى قدوم الغائب، فيحلف مع الشاهد أنه إن نكل غرم، ولم يكن على الغائب إذا قام يمين.
قلت: انظر قوله: (لا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف ... إلخ) مع ظاهر قول الباجي ما نصه: فإن نكل المطلوب أولاً غرم.
رواه ابن حبيب عن مطرف وابن كنانة وقاله محمد.
قال ابن حبيب عنهما: فإن بلغ الصغير فعليه اليمين، فإن حلف قضي له، وإن نكل هذا، والكبير المولى عليه بعد الرشد، والبلوغ رد إلى المطلوب، فظاهره حلف الصبي بعد بلوغه، وإن كان المطلوب قد غرم لنكوله.
قال: ويحلف الصغير إذا كبر مع شاهده على البت.
محمد: ولا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به.
وفي كتاب ابن سحنون متصلاً بقول مالك: إنه يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا؟ فيحلف معه على خبره، ويصدقه كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من مال وغيره، وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما.
قلت: ففي شرط حلفه مع شاهده بتيقنه أو ظنه قولا محمد وابن سحنون عن مالك، وهما جاريان على الخلاف في الحالف على ما يظنه ولا يتيقنه، هل حلفه غموس أم لا؟ حسبما تقدم في الأيمان، وعلى القولين في كتاب العتق الأول منها فيه، وإذا كان عبد بين رجلين قال أحدهما: إن كان دخل المسجد أمس فهو حر، وقال الآخر: إن لم يكن دخل المسجد فهو حر، فإن ادعيا علم ما حلفا عليه دينا في ذلك، وإن قالا ما نوقن أدخل أم لا، وإنما حلفنا ظناً فليعتقاه بغير قضاء، وقال غيره: يجبران على عتقه، ونحوه في الأيمان بالطلاق.
ورد المازري بصحته أخذ ما شهد به الشاهدان بأن إباحة كل المال، ورد الشرع
الجزء: 9 - الصفحة: 397
بالاكتفاء فيه بالظن إذ التكليف فيه بالتيقن حرج عظيم على النفس والأهل والتكليف باليمين بالله باليقين، وعزا بعض أشياخي القولين في التعديل على الظن في اليمين.
قلت: ذكرهما اللخمي روايتين في اليمين مع الشاهد.
الباجي: ومن نكل عن الحلف مع شاهده؛ فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر، ففي الموازية: لا يضم له إلى الأول.
ورواه يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، ولابن حبيب عن ابن عبد الحكم وابن الماجشون عن مالك يضم له إلى الأول، ويقضى له به.
ابن كنانة: هذا وهم، وكان يقول يضم إلى الأول، وإنما هو فيمن أقامت شاهداً على طلاقها، فحلف الزوج، ثم وجدت شاهداً آخر، فإنه يضم إلى الأول؛ لأنه لم يوجد منه نكول، وقاله ابن الماجشون.
وقال أصبغ بقول مالك بالإضافة إلى الأول في الحقوق، كما لو لم يقم شاهداً فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة أنه يقوم بها، وذكر ابن محرز القولين في ضمه غير معزوين.
ابن زرقون: قال أصبغ: وكذا لو لم يقم بينة، ورد المطلوب اليمين على الطالب فنكل، فلم يقض له نكوله، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة ببراءته من ذلك قام بها، ورجع بما أخذ منه، لا أعرف غيره من قول أصحابنا.
قلت: فقول ابن الحاجب: ولو حلف المطلوب، ثم أتى الطالب بشاهد آخر لم يضم للأول اتفاقاً وهم.
الباجي: وعلى عدم ضم الثاني للأول ففي الموازية: يؤتنف له الحكم فيحلف مع شاهده.
وقال ابن كنانة: لا يحلف مع الثاني لتركه حقه بنكوله، ونحوه روى يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، وعلى حلفه إن نكل ثانية ففي الموازية: ترد اليمين ثانية على المطلوب؛ لأنه إنما أسقط بالأولى شهادة الأول.
الجزء: 9 - الصفحة: 398
وقال ابن ميسر: لا ترد عليه ثانية؛ لأنه حلف على هذا الحق مرة.
ابن زرقون: قول ابن كنانة، ورواية يحيى وابن سحنون إنما هي على أن الثاني لا يضم.
قلت: وعلى ما ذكره الباجي فما المحوج لذكره.
قال: وفي المسألة أربعة أقوال.
الأول: إن أتى بشاهدين قضي له بهما، وإن أتى بشاهد ثان استؤنف له الحكم، قاله ابن القاسم في الموازية، فإن نكل ففي حلف المطلوب قولان تقدما.
الثاني: إن أتى بشاهدين قضي بهما وإن أتى بشاهد أضيف إلى الأول، وأخذ حقه دون يمين، رواه ابن الماجشون، وقاله عيسى بن دينار.
الثالث: أن نكوله أولاً قطع لحقه فلا يكون له شيء، ولو أتى بشاهدين غير الأول، قاله ابن القاسم وابن كنانة في المبسوط.
الرابع: إن جاء بشاهدين غير الأول قضي بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء حكاه ابن رشد ولم ينسبه، ولوارث الصغير ما كان له بحكم صفة الوارث إن كان صغيرا فكمورثه، وإن كان سفيها فكما مر فيه، وغن كان رشيداً فله تعجيل حلفه.
قال ابن الحاجب: فلو كان وارث الصغير معه أولاً، وكان قد نكل لم يحلف على المنصوص؛ لأنه نكل عنها.
قلت: لا أعرفها إلا لنقل الصقلي على قولها إن كان الورثة صغاراً، وكباراً لدين بشاهد واحد حلف الكبار، فإن نكلوا وبلغ الصغار فلهم أن يحلفوا، ويستحقوا حقهم ما نصه: قال بعض فقهائنا: لو مات الصغير صغيراً فورثه كبير، نكل عن يمينه في حظه فليس له أن يحلف لتقدم نكوله.
الصقلي: الظاهر أن له أن يحلف على حظ الصغير هـ.
فيستحقه لحلوله محله في اليمين، ونكوله أولاً إنما كان عن حظه لو حلف أولاً، واخذ حظه، ثم روث الصغير لم يأخذ حظه إلا بيمين ثانية، فهما كحقين بكتابين كل حق بشاهد واحد، فليس نكوله عن الحلف مع أحدهما يسقط حلفه مع الآخر.
ابن عبد السلام: في استدلاله نظر لاحتمال أن يقال إنما أعيدت اليمين ثانية؛ لأنها
الجزء: 9 - الصفحة: 399
على الحق الأول فلم تتضمن الثاني وهب أنها تضمنته؛ لكنها قبل وجوبها، ونكوله أولاً الغالب انه من ريبة أو لورع.
قلت: يرد بكون نكوله أولاً لعدم تيقنه حقية ما شهد به الشاهد، أو لعدم ظنه ذلك؛ ثم حصل له اليقين أو الظن.
وعن المازري قولي بعض الفقهاء والصقلي للمتأخرين، وقال: أظن أني رأيت هذا الخلاف بين أصحاب الشافعي.
الشيخ: روى محمد إن قام شاهد لطفل بدين لأمه لم يحلف معه أبوه.
قيل: وإن لزمته نفقته، قال: ما أظن ذلك.
زاد اللخمي: وفي كتاب المدنيين ذلك له قال: وإن ثبت على ميت دين بشاهدين، وشهد شاهد بالقضاء، والوارث صغير حلف الطالب، وأخذ ذلك، فإن بلغ الصغير حلف؛ واسترد المال، وإن نكل الطالب لم يكن له شيء، وهذا على القول بعدم وقف ما شهد به شاهد واحد لصبي من دين، وعلى القول بوقفه لا يقضى به للطالب هنا، ويوقف على يدي عدل، وإن ثبت لميت دين بشاهدين، وأثبت المطلوب شاهداً لبراءته منه حلف معه وبرئ، فإن نكل غرم إن كان الوارث صغيراً، وإن كان كبيراً يظن به العلم للمواطنة للميت كالولد حلف، ويختلف هل يوقف المال من ذمة المطلوب؟
قلت: قوله: (يختلف) راجع لفرض كون الوارث صغيراً.
قال ابن سحنون: من شهد لميت بدين وارثه أخرس لا يفهم، ولا يفهم عنه حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل غرم، وكذا المعتوه إن نكل المدعى عليه غرم، وإن حلف، ثم عقل المعتوه حلف واستحق، وإن شهد شاهد لغائب بدين لم يطلب الغريم دون وكيل، وإن شهد له شاهد بغصب؛ فللحاكم أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل وقف الشيء المغصوب.
الشيخ عن أشهب: شهادة واحد بحبس في السبيل أو وصية فيه، أو لليتامى، أو من لا يعرف يعينه ساقطة، ليس لأحد ممن ذكر الحلف معه، وليحيى بن يحيى عن ابن القاسم مثله.
الجزء: 9 - الصفحة: 400
قلت: لما علله المازري بأن الحق لمجموع يتعذر حصوله، والواحد منه لا يتقرر حقه فيه إلا بإحصاء المجموع، وقال: يجب أن يحلف المشهود عليه على إبطال شهادة الشاهد عليه كالشاهد عليه بالطلاق.
قلت: وظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعين طالبه.
ونقل اللخمي كالمازري قائلا: إن نكل لزمه ما شهد به عليه، ولابن الماجشون إن شهد شاهد بوصية بعشرين للفقراء، وبعشرة لزيد فللوارث الحلف معه ليحاصص ذا العشرة بعشرين في الثلث.
ولسحنون عن ابن القاسم: إن شهد شاهد بوصية لعتق ومال لرجل، حلف الموصى له بالمال، ولم يقض له إلا بما فضل عن العتق، وهذا خلاف قول عبد الملك، ووجه قول ابن القاسم أنه يقال للحالف من أهل الوصايا: إن كانت شهادتك جائزة؛ فإنما لك ما ينوبك فيه، ومالك مع العتق إلا ما فضل عنه.
الشيخ: قال محمد: إن قام شاهد واحد بحبس مسبل ومعقب، فقال أصحابنا: لا يصلح فيه يمين.
وروى ابن الماجشون: إن حلف جلهم نفذ لهم ولغيرهم ولغائبهم، ومن يولد لهم، وللسبيل بعدهم.
وروى أيضاً مع مطرف وابن وهب: إن حلف رجل واحد ثبت له، ولجميعهم وإن لم يحلف معه غيره.
زاد اللخمي: وإن باد شهوده فلم يثبت إلا بسماع حلف واحد منهم، وثبت لجميعهم.
وقال بعض شيوخنا: إن شهد شاهد بحبس على عقب فمن حلف ثبت حظه وحده، ومن نكل سقط حظه، وردت اليمين على المشهود عليه، وهو أقيس كما لو شهد لورثه منهم غائب وحمل، فإن لمن حضر بالغاً أن يحلف، ويستحق حقه.
وذكر ابن الحاجب الاكتفاء بحلف الجل لرواية ابن الماجشون كالشيخ، فقال ابن عبد السلام: إنما حكاه المازري قولا لابن الماجشون لا لرواية.
الجزء: 9 - الصفحة: 401
قلت: والذي وجدته للمازري نقله عنه رواية كالشيخ، ووجه الاكتفاء يحلف واحد بأنه إذا اخذ حظه شركه فيه بقية أهل الحبس؛ لاعترافه أن ما أخذ حق أخوته فيه على الشياع، فإذا أخذ منه شيء عاد لليمين لإكمال حظه فلا يزال كذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة.
قلت: يرد بمنع مشاركتهم إياه؛ لأن استحقاقه حقه إنما هو بسبب فعله، هم قادرون عليه وتركوه، فوجب أن لا يشركوه فيه كشريكين في دين على رجل ملدٍ، فطلب أحدهما شريكه في طلبه معه اقتضاءه فأبى، فلا دخول له على المقتضي بشيء، وما عزاه اللخمي لبعض شيوخه عزاه المازري لبعض شيوخ القرويين قائلا: ولو انقرض البطن الأول بعد استحقاقهم باليمين فهل يكتفي البطن الثاني بيمين الأول أم لا يكتفون؟ فكان بعض الأشياخ يشير إلى عدم اكتفائهم؛ لأن كل واحد من أهل الحبس له حكم نفسه لا تعلق له بغيره، وقاله بعض الشافعية.
وقال بعضهم: يكتفي البطن الثاني بحلف الأول، وقدر الانتقال إليه كانتقال حق بإرث حلف عليه مورثه، والقول الأول عندهم بناء على أن ثبوت الحق لهم إنما هو بعقد تحبيس المحبس لا بالإرث عن آبائهم، وهذا مقتضى النظر.
والقياس على ما ذهب إليه بعض الأشياخ، ولو مات واحد من البطن الأول رجع حظه على بقية البطن الأول، وينظر في تجديد يمين عليهم لأجل الذي يرجع، فإن قيل: هذا الرجوع كالوارثة عن من مات على إحدى الطريقتين المذكورتين؛ لم يلزمهم يمين أخرى، وإن قدرنا رجوعه إليهم إنما هو عن المحبس حلفوا يميناً ثانية، ولو عرضت اليمين على البطن الأول فنكل جميعهم، ثم جاء بعدهم البطن الثاني فمن قال: أخذ البطن الثاني كأخذ الوارث عن آبائهم؛ لم يمكنوا من الحلف لبطلان حقهم بنكول آبائهم، وعلى الطريقة الأخرى، وهي الأظهر أن أخذهم إنما هو بعقد التحبيس من الحبس يمكنون من اليمين، ولم يضرهم نكول آبائهم.
ولو حلف واحد فاستحق حقه، ونكل الآخر من البطن الأول، ثم مات الحالف وحده، وبقي إخوته الناكلون، فقيل: نكولهم كموتهم فيصير كل البطن قد ماتوا
الجزء: 9 - الصفحة: 402
أحدهم حقيقة، وسائرهم حكما بنكولهم، فينتقل الحق للبطن الثاني، وهذا عندي لا يصح على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما، وهو أن نكول من نكل لا يبطل حق من يأتي بعده، فلا يرجع حظ الناكل إلى أهل البطن الثاني، والأظهر أن المحبس إن اشترط أن لا يأخذ البطن الثاني شيئاً، إلا بعد انقراض البطن الأول، وموت جميعهم لم يأخذ أحد من البطن الثاني شيئاً مادام أحد من الناكلين حيا، ونقل ابن شاس كلام المازري على نحو ما ذكرناه.
قال ابن الحاجب بعد القول الرابع معبراً عنه بقوله: فلو مات بقوله لمن حلف نصيبه فلو مات، ففي تعيين مستحقه من بقية الأولى أو البطن الثاني، أو من حلف أبوه خلاف، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فقرر هذه الأقوال ابن هارون بما تقدم للمازري من الإجراء.
وقال ابن عبد السلام: هذه الوجوه لم يحكها المازري أقوالاً هكذا، وإنما جعلها على قواعد فتأملها في كتابه فكلامه هناك ليس بصريح فيما ذكره المؤلف.
قلت: ظاهر قوله قبوله الأقوال التي ذكر ابن الحاجب، وأن التعقب عليه إنما هو في تصريحه بأنها أقوال، وإنما هي في كلام المازري إجراءات على قواعده ذكرها، والحق أنها غير موجودة في كلام المازري؛ لأن حاصل كلامه لمن تأمله مسألتان:
الأولى: انتقال الحبس عن الطبقة الأولى إلى الثانية، أو لبقية طبقة لموت غيرها، ففي وقف هذا الانتقال على حلف المنتقل إليهم قولان بناء على كون استحقاقهم الحق بعقد المحبس الحبس أو بالإرث من المنتقل عنه.
الثانية: في صحة انتقاله لذوي الطبقة الثانية تلو ذوي الطبقة الأولى لنكوله، وبطلان انتقاله لذوي الثانية فلا حلف لهم قولان بناء عليهما، ومقتضى كلام ابن الحاجب أنهما مسألة واحدة فيهما ستة أقوال وهي: لو مات بعضهم.
قيل: يستحق حقه بقية الأولى، وقيل: البطن الثاني، وقيل: من حلف أبوه، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فظاهره أن القولين عامين في الاستحقاق المختلف فيه على الثلاثة أقوال في كل قول منها قولان، ومن أنصف علم أن لفظ المازري لا يدل على
الجزء: 9 - الصفحة: 403
هذا بوجه.
ولابن رشد في رسم الصبرة من سماع يحيى لو كانت شهادته لمن يحصره العدد كآل فلان، ومساكين آل فلان وشبهه، ففي استحقاقهم حقهم بحلف جلهم، وسقوط الحلف في هذا قولان قائمان من وصاياها الثاني، وتقدم حكم جراح العمد.
باب النقل
النقل عرفاً: إخبار الشاهد عن سماعه شهرة غيره، أو سماعه إياه لقاض،
الجزء: 9 - الصفحة: 404
فيدخل نقل النقل، ويخرج الإخبار بذلك لغير قاض، وظاهر عموم الروايات، وإطلاقها صحة نقل النقل، ولم أقف على نص فيه.
فيها مع غيرها: وتجوز على الشهادة في الحدود، والطلاق، والولاء وكل شيء.
قلت: والنقل عن الأصل شيء، فإن قال المنقول عنه للناقل عنه: اشهد على شهادتي أو انقلها عني صح نقله اتفاقاً.
الباجي: من سمع شاهداً ينص شهادته لم يجز نقلها عنه حتى يشهده على ذلك.
قلت: هي في النوادر عن محمد عن ابن القاسم.
فقال أشهب: وليس بضيق رفع ذلك إلى الإمام، وقيل: لا يرفع خوف أن يغلط فيقضي بها.
الباجي: ولو سمعه الحاكم ينصها، ولم يؤدها عنده لم يعمل بها، وإن سمع شاهداً يشهد على شهادته غيره، ولم يشهده، فقال محمد: لا يشهد على شهادته بخلاف المقر على نفسه، ويتخرج عندي على من يسمع رجلاً يشهد عند قاض في صحة نقلها قولا مطرف وأشهب مع أصبغ قائلا: لا يجوز نقلها حتى يشهده، أو يشهد على قبولها القاضي.
قلت: زاد الشيخ أن ابن حبيب قال كمطرف.
وفيها من مدير التصدير: برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئاً، ولم يشهداه، ثم يطلب
الجزء: 9 - الصفحة: 406
أحدهما تلك الشهادة.
قال: لا يشهد له.
قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله فليشهد، وإلا فلا إذ قد يكون قبله ما يبطله أو بعده، ونحوها في سماع أبي زيد.
ابن رشد: شهادة الرجل بما سمعه دون إشهاد له من المشهود عليه ثلاثة أقسام:
الأول: ما سمعه منه من قذف فوجب حده أو عقوبته، شهادته به مقبولة اتفاقاً.
الثاني: ما سمعه منه من إقرار على نفسه لحق لرجل في صحتها به قولان لابن القاسم فيها مع أحد قولي مالك، وابن أبي حازم مع ابن الماجشون، وروايته في المدينة ورواية محمد، وأحد قولي مالك فيها.
الثالث: شهادته عليه بأن سمع منه من شهادته على غيره لحق أو قذف أو زنى لا تجوز اتفاقاً، وإن سمعه يؤديها عند الحاكم أو كان هو الحاكم فشهد بها عنده، أو سمعه يشهد غيره على شهادته، ولم يشهده؛ فالمشهور أنها جائزة.
وهو قول ابن القاسم في هذا السماع إن شهد رجل عند قاض بحق لرجل، فذهب ليأتي بشاهد آخر فوجده مات، وعزل القاضي، فشهادة القاضي أنه شهد عنده فلان أن له على فلان كذا جائزة، إن شهد معه غيره، وهي رواية حسين بن عاصم عنه في بعض روايات العتبية.
والآتي على قيس قوله في المدونة في إجازة شهادة الرجل على الرجل بما سمعه إذا استوعب كلامه، وإن لم يشهده، وقيل: لا تجوز، وهو الآتي على قولي مالك، وروايتي ابن الماجشون ومحمد.
وفي نوازل سحنون: أتجوز الشهادة على الشهادة في العدالة، كما تجوز في الأموال مثل أن يكون لي علم عند رجل أخاف أن يطلبني القاضي بتعديله، ولا أحد من يعدله إلا رجلين مرضيين أخاف موتهما أو غيبتهما، فقلت لهما: اشهدا لي أن فلاناً عندكما من أهل العدل والرضا؛ فأشهدا لي على ذلك رجلين، ثم سألني القاضي عدالة شاهدي فشهد الشاهدان أن فلاناً وفلاناً أشهدانا أن فلاناً من أهل العدل والرضا.
الجزء: 9 - الصفحة: 407
قال: يطلب القاضي من الخصم أن يعدله غيرهما، فإن لم يجد جازت الشهادة فيه على الشهادة إذا كان لغيب اللذان زكياه من أهل الحضر لا من أهل البادية؛ لأن البدوي لا يعدل الحضري.
قيل: فالتجريح أتجوز فيه الشهادة على الشهادة كما وصفنا في العدالة في غيبة الشهود أو مرضهم.
قال: نعم.
ابن رشد للأخوين خلاف قول سحنون: هذا لأن العدالة لا تكون في الشهادة إلا عند السلطان بعد أن يشهدوا في الحين الذي يقطع بشهادته، وأما أن يستدعي الرجل تعديله الرجل، ويشهد على ذلك منه كما يفعل في الشهادة تكون عنده إذا أراد أن يشهد عليها، أو يكون الشاهد تحمل لشهادته من بلد، ويكون الذي تحمل شهادته لا يعرفه بالعدالة، ولا بغيرها فيعدله عنده من يثق به فهذا لا يجوز، ولا علمنا من قاله إلا أن يشهد شاهد على شهادة آخر غائب، فيخبر بعلمه بعدالته مع شهادته على شهادته، ولو شهد شاهد عند حاكم فاستعدله فكان رجل مريض يعدله لا يقدر بمرضه البلوغ إلى الحاكم، فأراد أن يبعث للقاضي بتعديله إياه مع رجلين عدلين يشهدهما أنه عدل فذلك جائز؛ لأن الشهادة وقعت عند الحاكم والعدالة هنا إنما هي القطع بالشهادة، وقاله أصبغ، واستحسنه.
ولابن سحنون: أن أباه رجع عن الشهادة على الشهادة في العدالة والتجريح إلا في تعديل البدوي فهي جائزة، وهو الصواب؛ لأن التعديل لا يكون إلا بعد الشهادة، ولو جاز قبلها لجازت شهادة غير العدل لتغير أحوال الناس.
قلت: ظاهر قولها تجوز الشهادة على الشهادة في كل شيء جوازها في التعديل والتجريح؛ لأنها شيء.
ولما كان تمام شهادة النقل بأدائها ناقلها عنه كان ظرف مانع شهادة الأصل قبل أدائها ناقلها كطروه على شاهد قبل أداء شهادته وبعده، وقبل الحكم بها، والأول واضح، والثاني تقدم حكمه.
الجزء: 9 - الصفحة: 408
المازري: تقدمت الرواية بأن حدوث سبب العداوة بعد تقييد شهادة الشاهد لا يمنع القضاء بها؛ لأن أداء شهادته قبل صيرورته عدواً لا توجب تهمته، ومنع بعض العلماء بما نقل عمن صار عدواً للمشهود عليه؛ لأنه رأى ظهور عداوته يشعر بمقدمات وسوابق.
قلت: ظاهر كلامه أن المذهب عدم سقوط شهادة المنقول عنه بحدوث عداوته بعد سماع نقلها منه، وقيل: أداء نقله كحدوث ذلك بعد أدائها للحاكم قبل نفوذ حكمه، ولا يخفى أن أداءه للحاكم أدل على ثبوتها من سماعها للنقل عنه، ولذا قال ابن شاس: إذا طرأ فسق أو عداوة أو ردت امتنعت شهادة الفرع.
قال المازري: وحدوث فسق الأصل بعد سماع النقل عنه، وقبل أدائه يبطل شهادته، وأشار بعض أصحابنا إلى أن الفسق إن كان مما يخفى ويكتم كالزنا أشعر بسابق مقدمات تمنع العدالة، وإن كان مما يجاهر به كالقتل لم يشعر بأنه كان كذلك فيما سبق.
قال: ولو انتقل من طرأ فسقه لعدالة، ففي صحة النقل عنه بالسماع منه أولا، أو سماع منه بعد انتقاله خلاف بين الناس.
قلت: قد يتخرج الخلاف المذكور على قولي ابن القاسم وأشهب في فسخ شراء من اشترى سلعة شراء فاسداً، ورجعت إليه بعد أن باعها وفوته بما تقدم من بيعه، والله أعلم.
وطروء العمى والجنون: لغو في الأصل، والفرع للغوهما في شهادة غير النقل.
وشرط النقل تعذر أداء الأصل أو تعسره كموته أو مرضه أو بعد مكانه عن محل الأداء.
الشيخ عن الموازية: إنما ينقل عن مريض أو غائب لغيبة بعيدة، ويغير حداثة غيبتهم.
اللخمي: لا ينقل عن حاضر قادر على أداء شهادته لإمكان أن تأخره لريبة، لو حضر ثبتت عليه؛ ولأن تخوف سهو الأصل، وكذبه وغلطه أخف من تخوف ذلك منه،
الجزء: 9 - الصفحة: 409
ومن الناقل.
وعبر عنه المازري بأن ظن القاضي حقية المشهود بسماعه من الأصل يقوي من ظنه بسماعه من الناقل.
قلت: وعليه يشترط في قبول نقل الناقل ما يشترط في النقل.
اللخمي: لابن الماجشون، وفي الواضحة: ينقل عن النساء، وإن حضرن، وهو الشأن.
الباجي: رواه ابن حبيب عن مطرف قال: ولم أر قط بالمدينة امرأة قامت بشهادتها عند الحاكم، ولكنها تحمل عنها.
قال المازري: ولما أمر النساء به من الستر والبعد من الرجال، ولذا قال بعض العلماء: لا يلزم المخدرة حضور مجلس القضاء للمحاكمة.
وقال القفال: لابد من حضورهم للحكم.
قال بعضهم: والمخدرة هي التي لا تبتذل بكثرة التصرف، ولا تخرج إلا لزيارة أو حضور ما لابد منه.
قلت: تقدم هذا في الأقضية، والأظهر الفرق بين من يخشى من خروجها لمفسدة، ومن لا.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم لا تجوز شهادة النساء على شهادة رجل، ولو كن ألفاً إلا مع رجل.
ابن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب ابن القاسم، وروايته في المدونة وغيرها خلاف قول ابن الماجشون، إن شهادتهن لا تجوز إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين.
قلت: فإذا جاز نقلهن فكيف ينقل عنهن على حضورهن على قول ابن القاسم، وظاهر قول المازري أن ما ذكره ابن حبيب هو المذهب لقوله ما نصه: إذا بان عذر المنقول عنهم كالنقل عن النساء جاز النقل عنهن بحضرتهن.
اللخمي: واختلف في حد الغيبة، فقال ابن القاسم في الموازية: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل إلا في الغيبة البعيدة لا في ثلاثة أيام، وتجوز اليومان في غير الحدود.
الجزء: 9 - الصفحة: 410
وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة، أو الستين ميلا جاز النقل، ولم يفرق بين مالٍ وحدٍ.
ولابن القاسم في المدونة: من أراد أن يحلف خصمه لغيبة بينته، ثم يقوم بها إن كانت قريبة كثلاثة أيام؛ قيل له: قرب بينتك، وإلا فاستحلفه على تركها، والأول أحسن، والاحتياط للحدود أولى، وتبعه المازري في نقله، وقبل تخريجه من مسألة المدونة.
قلت: فعليه في كون مسافة الثلاثة أيام قربا، وهو على مسافتها كحاضر أو بعدا، ثالثها: في الحدود لا في الأموال لتخريج اللخمي من متقدم قولها، وسحنون وابن القاسم في الموازية، وقد يرد تخريجه بأن قوله: (قرب بينتك) أعم من كونه بإحضارها أو نقل عنها، وبأنه لا يلزم من عدم الحكم لها بالبعد في تحليف الخصم مع القيام بها إن حضرت عدم الحكم لها بالبعد في النقل لمشقة الحلف في مسألتها، وعدمه في النقل، واختصارها أبو سعيد بقوله: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة، فأحلفه لي، فإذا قدمت قمت بها نظر الإمام، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر، وذهاب الغريم أحلفه له، وكان له القيام ببينته، إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة لم يحلفه، إلا على إسقاطها فأسقط لفظ قرب بينتك متعقب لإسقاطه ما منه التجريح، فإن قلت: لا يتعين كون التخريج من قوله: (قرب بينتك) بل مما اقتصر عليه أبو سعيد، ولذا قال المازري ما نصه: أشار في المدونة إلى كون الثلاثة أيام في غير الحدود قريبة، فقال: من أراد أن يستحلف خصمه لكون من له على ثلاثة أيام لا يمكن من ذلك حتى يسقط القيام بالبينة فجعلها في حكم الحاضرة.
قلت: لا يتم الأخذ من هذا اللفظ؛ لأن عدم تمكينه من تحليفه دون إسقاطه القيام ببينته يحتمل أنه لقدرته على تسببه في نقلها دون مشقة لا؛ لأنها كالحاضرة.
الباجي: وأما الغيبة القريبة كاليومين والثلاثة، ففي الموازية لا تنقل فيها شهادة، ووجهة إن تغيب عن مكانه اليومين والثلاثة، وأما من كان في موضعه على مسيرة يومين أو ثلاثة؛ فيصح نقلها عنه.
الجزء: 9 - الصفحة: 411
قال محمد: إنما ينقل عنهم الشهادة إذا بعدت غيبتهم من يعرف الغيبة بعد مدة لا بإثر غيبتهم؛ يريد: أنه بإثر غيبتهم على مسافة قريبة، ولا يؤمن رجوعهم.
الشيخ عن الموازية: ليس النقل عن الشاهد بتعديل له حتى يعدله الناقلون أو يعرفه القاضي بعدالة.
أشهب: وإلا طلب منه من يزكيه.
ابن حبيب: قال مطرف: وإن قال الناقلون: أشهدنا على كذا قوم كانوا عندنا يومئذ عدولاً، ولا ندري اليوم من هم، لم يجز شهادتهم حتى يسموهم فيعرف أنهم غيب أو أموات، فتجوز شهادتهم، وإلا لم تجز إذ لعلهم حضور نزعوا عن شهادتهم، أو نسوها أو حالت حالتهم بجرحتهم، وقاله أصبغ.
وسمع أصبغ أشهب: إن شهد قوم على شهادة رجل لا يعرفونه، ويعرف القاضي عدالته أو يعدله عنده غيرهم جازت شهادته.
قال أصبغ: وذلك بعد معرفة أخرى أنه الذي شهد على شهادته بعينه لا يحتمل أنه لغيره.
ابن رشد: قوله: وهو لا يعرفونه؛ معناه: لا يعرفونه بالعدالة، ويعرفونه بالعين والاسم مع كونه مشهوراً لا يختلط بغيره، وإلا لم تجز الشهادة لاحتمال أن يكون الذي شهدوا على شهادته غير الذي عرفه القاضي بالعدالة والمعدلون؛ هذا معنى قول أصبغ، وهو تفسير قول ابن القاسم.
عياض: قيل: إن لم يعدل الشاهد من شهد على شهادته، فهي ريبة في شهادته والصواب جوازها بتعديل غير الناقل.
قلت: لم ينقل المازري عن المذهب غيره، وعزا الأول للشافعي قال: والمذهب أنه لا يجوز النقل عن من يعلم الناقل جرحته؛ لأن فيه على القاضي تلبيساً، وما نقله عياض أولا هو ظاهر نقل ابن عبد البر في كافية بقوله: ولا يجب لرجل أن يشهد على شهادة من لا يعرفه بالعدالة، ورد عياض أخذ بعضهم من قولها بصحة نقل النساء جواز نقل الرجل عمن لا يعدله لامتناع تعديلهن بأن منعه إنما هو بالسنة.
الجزء: 9 - الصفحة: 412
وفيها: قال مالك: تجوز شهادة النساء على الشهادة في الأموال والوكالة عليها، وهن وإن كثرن كرجل، فلا ينقلن إلا مع رجل نقلن عن رجل أو امرأة، وقاله أشهب.
وقال غيره: لا تجوز شهادتهن على شهادة، ولا على وكالة في مال.
سحنون: وهذا أعدل.
عياض: يريد أن أشهب وافقه في نقلهن فقط لا في الشهادة على الوكالة بينه سحنون بعد هذا.
وسمع عيسى ابن القاسم إن شهدت امرأتان على شهادة امرأتين بحق، ومعهما رجل شاهد بالحق مع المرأتين الغائبتين لم يجز ذلك إلا أن يكون مع المرأتين رجل، وإنما تجوز شهادة المرأتين بأبدانهما، فإن غابت أبدانهما فلابد أن يكون مع المرأتين رجل، واحتج بأن شهادة الرجل تجوز ببدنه، وتحلف معه، فإن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان، ثم يكون ذلك كرجل يحلف معه.
وفي سماع أصبغ من كتاب القضاء المحض قال أشهب: لا يعجبني هذا أرى ما جازت فيه شهادتهن تامة بلا رجل، ولا يمين كالاستهلال، وعيوب النساء تجوز شهادتهن فيه على شهادة مثلهن بلا رجل معهن.
ابن رشد: قول ابن القاسم: إن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان.
يريد: أو رجل وامرأتان هو نص ما في شهادتها خلاف قول ابن الماجشون وسحنون في أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الشاهد واليمين، ولم يتكلم ابن القاسم في شهادة النساء على شهادة النساء فيما يجوز فيه شهادتهن دون رجل، وقول أصبغ: لا يعجبني هذا، وأرى ... إلخ.
يدل على أن روايته عن ابن القاسم أنه لابد في شهادتهن على شهادة النساء في ذلك من رجل معين، وأنه لا يجوز في ذلك شهادة النساء وحدهن، وهو القياس؛ لأن شهادتهن وحدهن على الأصل إنما هي للضرورة، ولا ضرورة في انفرادهن في النقل، وظاهر قول أصبغ أنه يجرئ في ذلك امرأتان على امرأتين.
الجزء: 9 - الصفحة: 413
وقال بعض أهل النظر: وأراه ابن لبابة معنى قول أصبغ أنه يجزئ في ذلك امرأتان على امرأتين، لا تقوم امرأتان بشهادة امرأتين حتى يكن أربعا، وهو تأويل بعيد لا وجه له في النظر.
قلت: ففي لغو نقلهن مطلقاً، وصحته في مطلق ما تجوز فيه شهادتهن بشرط نقل رجل معهن، ثالثها: تجوز فيما لا يطلع عليه غيرهن، ولو كن اثنتين دون رجل، ورابعها: إن كن فيه دون رجل فلابد من أربع لابن الماجشون مع سحنون، وابن القاسم فيها مع سماعة عيسى، وقول أصبغ، وتأويله ابن لبابة.
قال ابن الحاجب: وتنقل المرأتان مع رجل في شهادتهن، ومنعه أشهب.
قلت: تبع في غزوه لأشهب ابن شاس، وهو وهم لما تقدم من قولها، وقاله أشهب، وبينه عياض حسب ما قدمناه.
والعجب من ابن عبد السلام وابن هارون في قبولهما إياه، والظن بهما عدم جهلها لفظ المدونة، وكلام عياض، وقول اللخمي، أجاز أشهب نقل اثنين في الأموال، ولم يجز نقل النساء فيه؛ يريد: إن انفردن لنقله الشيخ عنه بزيادة غلا أن ينقل معهن رجل نقلن عن رجل أو امرأة.
فإن قلت: قال المتيطي، وابن فتوح ما نصه: منع أشهب وعبد الملك نقلهن شهادة رجل وامرأة مع رجل أو دونه.
قلت: هو عندي، وهم لنقل النوادر عن الموازية ما نصه: تجوز شهادتهن على الوكالة في المال عند ابن القاسم، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز، ولا ينقلن شهادة، وإن كانت في مال إلا أن يزكى غيرهن، وينقل معهن رجل عن رجل أو امرأة.
اللخمي عن محمد: إن شهد رجلان على شهادة رجل في حق وعدلاً رجلاً شهد به جاز، ولو شهد رجلان بحق لم يجز تعديل احدهما الآخر.
وشرط نقل غير الزنا اثنان، ولو اشتركا في أصل آخر.
فيها: وشهادة رجلين تجوز على شهادة عدد كثير، ولا يقبل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر.
الجزء: 9 - الصفحة: 414
اللخمي: قال ابن الماجشون: لا يجزئ في الشهادة على السماع أقل من أربعة؛ لأنه كالشهادة على الشهادة فلا يجري على قوله في المال والحدود غير الزنا أقل من أربعة، وإن نقل عن حكم قاض، فإن كانت الشهادة على القاضي بحكم تضمن مالاً كفى اثنان، وإن كانت على بينة في الحكم لم يجز أقل من أربعة.
وشرط نقل الزنا أربعة عن كل واحد اثنان، فتصح الشركة في كل أصل أو بعضه.
في الرجم منها: تجوز الشهادة على الشهادة في الزنا مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنين على شهادة اثنين آخرين، ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة لم يجد الرجل وحد الثلاثة إلا أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم، فلا يحدوا، ويحد الزاني.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: يجوز ثلاثة على ثلاثة في الزنا، واثنان على واحد.
ابن رشد: هو نصها أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تتم بأقل من أربعة، وذكر ما تقدم.
وقال: وإن تفرقوا لزم اثنان على كل واحد فيصيرون ثمانية، ويكفي في تعديلهم ما يكفي في غيرهم اثنان على كل واحد وأربعة على جميعهم، وقاله ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقول ابن القاسم في السماع يجز ثلاثة على ثلاثة، واثنان على واحد كلام خرج على سؤال سائل لا أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان على ثلاثة، واثنان على الواحد.
وروى مُطرف أنه لا يجوز في النقل في الزنا إلا ستة عشر، أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا أو تفرقوا، وكذا لا يجوز عنده في تعديل الشهود على الشهود إلا أربعة وستون، أربعة على كل واحد من الستة عشر اجتمعوا أو تفرقوا، ويتخرج فيها قول ثالث، وهو جواز أربعة على جميعهم إن اجتمعوا، وأربعة على كل واحد إن افترقوا.
المازري: ذكر في عدد ناقلي شهادة الزنا أربعة أقوال: أحدها: يقبل في ذلك رجلان كما يقبل في أحد القولين عندنا شهادة رجلين في الإقرار بالزنا، إذ الشاهدان على رجل أنه أقر عندهما بالزنا كالشهادة على أربعة رجال أنهم أقروا عندهم بأنهم يشهدون في
الجزء: 9 - الصفحة: 415
الزنا، وأذنوا لهم في النقل عنهم، فلا يفتقر في النقل إلى أربع كما افتقر إلى ذلك في الشهادة بالمعاينة بالزنا؛ لأن طلب الأربعة في الشهادة بالمعاينة في الزنا لستر العورات بخلاف نقل الشهادة به أو الإقرار به، فيترجح هذا القول من أحد القولين في الشهادة بالإقرار بالزنا.
وفيها: إن أثبت هذا القول بنص فهو في عهدته، وإن أثبته بتخريجه المذكور رد بأنه في إقراره أسقط حقه في طلب ستر الشرع عليه في تغليظ ثبوت زناه بأربعة شهداء بإقراره، وفضيحته نفسه، فصار ذلك عليه كسائر الحقوق، وهو في نقل الشهادة عليه باق على حقه في الستر؛ فوجب بقاء اعتبار العدد وجوباً أحروياً بدليل قول موجب ثمانية أو ستة عشر.
قال: وقد يقبل في ذلك نقل أربعة ليطابق عدد الناقلين، عدد المنقول عنهم، وهذا كالقول بأنه لا يقبل في الإقرار بالزنا أقل من أربعة، وهذا إذا سمع من كل واحد من الأصل شاهدان من الأربعة الناقلين، وقيل: لا يقبل في ذلك أقل من ثمانية على أن كل واحد لا ينقل عنه إلا رجلان لا مدخل لهما في النقل عن غيره كذا حكي عن بعض الناس هذا القول مطلقاً.
والذي في الرواية عن عبد الملك أنه يفتقر إلى ثمانية إذا نقلوا مفترقين، وقيل: يفتقر إلى ستة عشر، وعند قائل هذا القول لا يعدل المعاينين أقل من ستة عشر رجلاً، وكذا قال من ذهب إلى شرط ثمانية؛ وهو عبد الملك أن التعديل لا يكون بأقل من ثمانية.
قلت: فيتحصل في المسألة خمسة أقوال:
أول أربعة: المازري مع أربعة.
ابن رشد: قال ابن عبد السلام: تقدم أن في المذهب قولاً شاذاً؛ أن شهود الزنا والحدود لابد أن يكونوا معلومي العدالة عند القاضي.
قلت: تقدم تعقبه عليه بأن هذا القول إنما هو في الدماء لا في الحدود.
قال ابن زرقون: ذكر ابن عبد الغفور أن التعديل يكون في الدماء، وفي كل شيء، وهو قول مالك في كتاب الديات في "المدونة".
الجزء: 9 - الصفحة: 416
وقال أحمد بن عبد الملك: لا تكون عدالة في الدماء، ولم يصحب هذا القول عمل.
وتتم الشهادة ببعض الأصل والنقل عن باقيه بشرط عدده عند قائليه.
الشيخ: لمحمد عن ابن القاسم: إن شهد واحد على رؤية نفسه، وثلاثة على شهادة ثلاثة فذلك تام، ولا يجب الحد حتى يكون عدد الشهود أربعة عند الحاكم، وكذا لو شهد اثنان على الرؤية، واثنان على شهادة اثنين، وأما واحد على رؤية نفسه، واثنان على شهادة ثلاثة؛ لم تجز، وحد شاهد الرؤية للقذف، وشاهدا النقل إن لم يكن في لفظهم أنه زان، إنما قالا: أشهدونا على شهادتهم أن فلاناً زان رأيناه وفلان معنا لم يحدا، وإن قدم الثلاثة حدوا؛ إلا أن يثبتوا على شهادتهم حين قدموا، ويشهدوا بها فيحد المشهود عليه.
محمد: هذا إن تأخر ضرب الشاهد الأول حتى قدم هؤلاء، وكذا لو مات واحد وقدم اثنان؛ لأنه قد ثبت شهادة اثنين على شهادة الميت منهم، وكذا إن لم يقدم منهم غير واحد فشهد، قاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ.
وروى مُطرف: عن حضر ثلاثة على الرؤية وغاب الرابع أو مات لم تقم شهادته إلا بأربعة ينقلون عنهم.
وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادة على الشهادة في الزنا: لا تجوز حتى يشهد أربعة على أربعة في موضع واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
ابن رشد: ليس من شرط بينة الزنا تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة، وإنما شرطها عند ابن القاسم ألا يختلف الشهود في ذلك، فإن شهد الشهود بمعاينة الفرج في الفرج تمت الشهادة، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع، وإن سموهما كان أتم.
وذكر بعض ما تقدم في بينة الزنا، ثم قال: لا تجوز شهادة أربعة على أربعة في الزنا؛ إلا أن يشهد الأربعة معاً على شهادة كل واحد من الأربعة أنهم رأوه معاً يزني بفلانة؛ فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، وإن تفرق إشهادهم لهم مثل أن يشهد اليوم أحدهم، وغداً الثاني، وبعد غد الثالث، والذي يليه الرابع، وأما إن تفرقوا في الإشهاد
الجزء: 9 - الصفحة: 417
مثل أن يشهد أحدهم اليوم على شهادة جميع الأربعة، ثم يشهدهم الثاني غداً، ثم يشهدهم الثالث بعد غد، ثم يشهدهم الرابع في اليوم الذي يليه، فلا يجوز ذلك إلا على القول بجواز أن يفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، ومضى ذكر ذلك؛ لأن الإشهاد على الشهادة كتأدية الشهادة فيما يلزم فيها.
ومراد ابن القاسم بقوله: (في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة) أن يكون الزنا الذي شهد عليه الأربعة زناً واحداً.
ويريد بقوله: (في موقف واحد) أن يشهدوا كلهم معاً على شهادتهم بكل واحد من الشهود الأربعة، وأن يؤدي الشهود الأربعة الشهادة على الشهادة عند الحكم؛ معاً غير مفترقين.
وقيل: إن تفرقوا جاز، فإن شهد أربعة على أقل من أربعة، أو أقل من أربعة على أربعة؛ حدوا؛ إلا أن يأتوا بما يوجب الحد على المشهود عليه، وذلك أربعة سواهم يشهدون على شهادة أربعة، أو على معاينة الزنا، على القول بأنه لا يجوز تفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، وعلى القول بجواز ذلك يجزئهم إن كانوا ثلاثة أن يأتوا بشاهد يشهد معهم، يشهد على شهادة الأربعة، وعلى شهادة نفسه.
قلت: ما حكاه- أولاً- خلاف حكم ما تقدم لمحمد عن ابن القاسم وأشهب وأصبغ فتأمله.
الشيخ: سمع يحيى ابن القاسم في شاهدين نقلا شهادة رجل، وحكم بها، ثم قدم فأنكر أنه أشهدهما، أو عنده في ذلك علم، قال مالك: يفسخ ذلك.
وفي سماع عيسى إن نقلا عن شاهد، فحكم له مع اليمين، أو عن اثنين فحكم بها، ثم قدم من نقلا عنه فأنكر؛ فالحكم ماض، ولا غرم عليهما، ولا يقبل تكذيبه لهما.
وروى نحوه أبو زيد.
وعن المازري: الأول؛ لرواية ابن حبيب، وعن الثاني لمُطرف وابن القاسم.
ابن رشد: جعل ابن القاسم إنكار الشهود بعد الحكم كرجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم في أن الحكم لا يرد لاستواء المسألتين في أن الحاكم حكم بما يجوز له
الجزء: 9 - الصفحة: 418
من الشهادة دون تفريط.
ووجه تفرقة مالك هو أن إنكار المشهود على شهادته إن كان صادقاً في إنكاره وتكذيبه من نقل عنه؛ بطلت الشهادة لتصديقه في تكذيبه شهادته؛ إذ لم يثبت عليه أنه أشهدهما على شهادته، ثم رجع عنها، فوجب رد الحكم لئلا يتلف على المقضي عليه ماله، والشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما مقران بالعداء على المحكوم عليه.
ابن الحاجب: وإذا كذب الأصل قبل الحكم بطلت، وبعده تامة.
ابن القاسم: يمضي، ولا غرم.
ابن حبيب: ينقض، وقيل: يمضي ويغرم الأصل لرجوعهم.
قلت: قوله: قبل الحكم بطلت.
قال ابن رشد: اتفاقاً، والقول الثالث لم يحكه الشيخ ولا ابن رشد.
وقال اللخمي في كتاب الرجم: إن شهد اثنان على شهادة أربعة؛ فلم يحدوا على قول ابن القاسم حتى قدم الأربعة المنقول عنهم، فإن ثبتوا على شهادتهم؛ حد المشهود عليه، واختلف إن أنكروا أنهم أمروهما بالنقل عنهم، فقال محمد: يحد القادمون؛ لأنهما صارا شاهدين عليهم بقذفهم هذا الرجل، وجعلهم كالراجعين عن شهادتهم، وإن نقل اثنان عن ثلاثة، وواحد على المعاينة؛ فلم يحد حتى قدم الثلاثة، فإن ثبتوا على ما نقل عنهم؛ حدوا هم، والرابع الشاهد بالمعاينة على قول ابن القاسم، ولم يحدوا على قول أشهب، وحد المشهود عليه؛ لأنهم يضم الشهادة، وإن أنكروا، وقالوا: ما أشهدناهما بشيء لم يحد المشهود عليه، ويختلف في حد المنقول عنهم فعل قول محمد، وعلى قول مالك في شاهدين على شهادة رجلين بمال، فقضي بشهادتهما، ثم قدم المنقول عنهما فأنكرا الشهادة أنه يرد الحكم لا يحدون.
وقال الأخوان، وأصبغ، وابن القاسم: الحكم ماض، ولا شيء على المنقول عنهم، ولا على الناقلين، فرد مالك الحكم، ولم يرهم كالراجعين عن شهادتهم، وعلى قوله هذا لا يحد القادمون، وعلى قول مطرف وابن القاسم أيضاً؛ لا يحد المنقول عنهم، وتسقط دية المرجوم إذا نقل أربعة عن أربعة، ورجم، ثم أنكر المنقول عنهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 419
وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
وذكر ابن سحنون القولين إذا أنكر المنقول عنهم بعد الحكم: هل ينقض الحكم أم لا؟
قلت: فلا أعلم ما يثبت نقل ابن الحاجب القول الثالث إلا قول اللخمي.
وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
ويرد بأنه إنما قاله محمد في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم.
وتقدم نقل ابن رشد الاتفاق على بطلان شهادتهم في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم، ولا يلزم من جعلهم راجعين قبل الحكم، جعلهم كذلك بعد الحكم لما تقدم من توجيه.
ابن رشد: القول بإمضاء الحكم.
وتبعه المازري في عزوه لمحمد في المسألة التي ذكر عنه أن المنقول عنهم بإنكارهم كالراجعين، ولم يصرح بإغرامهم.
وزاد الشيخ في مسألة تكذيب الأصل من نقل عنهم قبل الحكم- من الموازية- أنه لا يجوز أن ينقل عنه إلا أن يكون صار ذلك إقراراً على نفسه، أو آل إلى أن صار بمجرده منفعة فينفذ ذلك عليه.
قلت: صيرورته إقراراً بأن تكون شهادة الأصل بدين على رجل فلم تنقل عنه حتى مات المدين على المال، والأصل وارثه وصيرورة جحوده منفعة له أن تكون شهادة الأصل على المشهود عليه بدين، وهو مدين للأصل فلم ينقل عنه حتى فلس.
المازري: ولو لم يعلم تكذيب المنقول عنهم للناقلين إلا من جهة أخرى نقلت عنهم أنهم كذبوا الناقلين عنهم؛ لمنع هذا من إيقاع الحكم لما وقع من الاختلاف في الشهادة على المنقول عنهم، ولم تثبت هذه البينة الأخرى بتكذيب الناقلين إلا بعد الحكم، فقد أشار بعض العلماء إلى أن نقض الحكم فيه آكد من نقضه بظهور فسق من حكم بشهادته لعدالته، ولعلة عنده أن بينة النقل وبينة نقل تكذيبهم للأصل إنما هما عن قطع، وبينتا التعديل والتجريح إنما هما عن ظن.
الجزء: 9 - الصفحة: 420
وبالجملة لا يبعد إجراء المسألة على القولين في الحكم بشهادة من ظنت عدالته، ثم ثبت فسقه.
المازري: لو أن الشهود الذين حكم القاضي بشهادتهم أكذبوه بعد أن حكم، ففي المجموعة: ينظر السلطان؛ فإن كان القاضي عدلاً أمضى حكمه، وتقدم عن الموازية فيمن حكم لزيد على عمرو بمائة فنسبه الشهود للغلط، وقالوا: إنما شهدنا بها لزيد على عمرو إن تيقن كذبهم لم ينقذ حكمه، ويغرم لزيد المائة للبينة عليه بأنه أثبت مال من حكم عليه.
ومقتضى قوله: لو رفع الحكم لغيره والقاضي فقيراً انتزع المال ممن حكم له به، وقال محمد: لو شك القاضي في صدقهم وحرز أنه غلط نقض حكم نفسه.
ولابن رشد في رسم (يوصي) من سماع عيسى: ولو لم يذكر الأصل شهادته، ولا قطع بأنه لم يشهد بنقلها، وإنما قال: لا أذكرها، وأنا شاك فيها تُخرج على الخلاف، في العمل بالحديث إذا رواه الراوي؛ فتوقف فيه المروي عنه، وشك فيه، ولم يقطع على أنه لم يحدث.
قلت: ظاهر لفظه أنه لا نص فيها.
وقد تقدم عن الموازية: إن شك الأصل في النقل عنه؛ كإنكاره، وكذا ذكره اللخمي.
باب الرجوع عن الشهادة
الرجوع عن الشهادة: هو انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه، فيدخل انتقاله إلى شك على القولين بأن الشاك حاكم أو غير حاكم.
الجزء: 9 - الصفحة: 421
والأول قول الأصبهاني شارح المحصول.
والثاني قول القرافي.
وقيد بعد أداء شهادته، وهو ظاهر الروايات، وظاهر لفظ المازري صدقه على ما قبل الأداء؛ فعليه بحذف لفظ: (بعد أداء شهادته).
قال في ثاني جوابه عن فصل الرجوع: إن سئل مريض عن شهادة فأنكرها، وقال: ما أشهد به بينكما باطل، ثم أداها واعتذر عن سابق قوله بخوف الوهم لمرضه ونحوه، فالأصل بطلانها.
وقال مالك: تقبل لصدق عذره بقرينة مرضه، وقال أيضاً: من سئل عن شهادة فلم يذكرها، ثم قال: تذكرتها، قيل: إن كان مبرزاً، ولم يمض من الزمان ما ينكر فيه صحة ما اعتذر به.
المازري: في الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم، ثم يذهب.
وقال سحنون: إن قال: أنا تذكرتها، ثم قال: ذكرتها؛ قبلت إن كان مبرزاً.
قلت: وقول المازري في هذا أحرى منه في الأولى.
قال سحنون: وإن قال: لا أعلمها، ثم رجع، ثم قال: علمتها، فقول مالك في
الجزء: 9 - الصفحة: 423
ذلك اختلف.
قلت: قوله: الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم كالنص على أن ما سئل عنه مالك فيمن سئل عن شهادة لم يذكرها أنه شاك، وما ذكره عن سحنون في قوله: وإن قال: لا أعلمها ظاهر في صدقه على الشك، فيتحصل منه في قبول شهادة من صرح بشكه فيها، أو ملزمه، ثم رجع إلى الجزم بها، ثالثها: إن كان مبرزاً لإحدى روايتي سحنون مع قول المازري: الواجب قبولها مطلقاً، وثاني روايتي سحنون، ورواية المازري.
ومسألة المريض هي سماع ابن القاسم من سئل عن شهادة وهو مريض؛ فأنكرها وقال: كل شهادة أشهدتها بين فلان وفلان باطلة، ثم شهد به، وقال: كنت مريضاً فخفت أن لا أكون أتثبت بها، وشهد هذا القول الذي له وجه يعرف جازت شهادته إن كان عدلاً لا يتهم.
ابن رشد: معناه إن كان مبرزاً في العدالة، وهذا إن سألها لتنقل عنه على ما في سماع يحيى، لو لقيه من عليه الحق، فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا لي منه علم، وإن شهدت عليك به فشهادتي باطلة، ثم شهد لم يقدح ذلك في شهادته، وإن كان على قوله بينة، قاله ابن حبيب، وهو تفسير لقول مالك هذا.
ولقول ابن القاسم في سماع يحيى، والفرق بين الموضعين أنه يقول في الوجه الثاني: إنما قلت له معتذراً، ولم أزل عالماً بما شهدت به، والوجه الأول لا عذر له فيها أقر به على نفسه من الجهل الشهادة فوجب أن تبطل؛ إلا أن يأتي بما له وجه من أنه خشي أن لا يقوم بها في مرضه فيصدق إن كان مبرزاً.
قلت: سماع يحيى هو قوله من قيل له وهو عند القاضي: إن فلاناً ادعى أنك تشهد في ذكر حق له على فلان، فقال: ما أذكر أنه أشهدني عليه بشيء، وماله عندي علم، ثم انصرف فذكر فعاد إلى القاضي بعد أيام فشهد في ذلك الحق جازت شهادته إن كان مما لا يشك في عدالته، ولا يتهم في شيء من عمله.
في أقضيتها: إن استقال الشاهد قبل الحكم، وادعى وهماً، وجاء بشبهة أقيل، ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 424
تبطل شهادته إلا أن يعرف كذبه فيما شهد فيه فترد شهادته في هذا، وفي غيره.
وقال في كتب السرقة: إن رجعا قبل الحكم، ولهما عذر بين يعرف به صدقهما، وكانا بيني العدالة أقيلا، وجازت شهادتهما بعد ذلك، وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما يستقلان، ولو أدبا لكان لذلك أهلا، ولو شهدا على رجل بالسرقة، ثم قالا قيل القطع: وهمنا؛ بل هو هذا الآخر، لم يقطع واحد منهما.
وللشيخ عن الموازية: إن قالا قبل الحكم وهمنا؛ لم يقبلا، وقاله ابن القاسم وأشهب قالا: ولو قالا في آخر على هذا شهدنا، ووهمنا في الأول لم يقبلا على واحد منهما، ورواه ابن القاسم.
قال أشهب: كان ذلك في حق أو قتل أو سرقة أو قتل في إخراجهما أنفسهما عن العدالة بإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك.
وفي سماع يحيى قال سحنون: وأنا أقول: إذا استقال الشاهد قبل القضاء أو بعده، وادعى أنه غلط، ثم ذكر أو شبه عليه قبل قوله، وأقيل في شهادته فيما يستقلا إذا كان عدلاً مرضياً.
ابن رشد: إن كان ذلك قبل القضاء فلا خلاف في قبول قوله، فتجوز شهادته فيما يستقبل، ولا يؤدب إن كان عدلاً رضى، وإن استقال بعد الحكم؛ فقيل: لا تجوز شهادته فيما يستقبل، وإن شبه عليه، وهو قول مالك في أقضية المدونة خلاف قول سحنون، هذا أنه تجوز شهادته فيما يستقبل إذا شبه عليه، وكذا يختلف في وجوب غرمه إذا شبه عليه، ولا يؤدب.
المازري: إن وقع بعد أدائها تشكك فعاد إلى القاضي، فقال: توقف في قبول شهادتي، ثم قال له: ذهب عني التشكك؛ فذهب بعض الناس إلى أن ذلك على قولين، ولا يبعد أن يكون هذا التشكك كما حكيناه عن المذهب إذا جرى ذلك منه قبل أدائه.
قال ابن الحاجب: فإن قال: تشككت، ثم قال: زال الشك.
فقال المازري: هي مثل التشكك قبل الأداء، ثم يقول: تذكرتها فالواضح قبولها، وثالثها: إن كان مبرزاً قبلت.
الجزء: 9 - الصفحة: 425
قال ابن عبد السلام: قال المازري: فذكر ما نقلناه عنه آنفا، وقال: (وليس في كلام المازري بيان للأقوال الثلاثة) إذا شك قبل الأداء، وذكر ما نقلناه عنه أولاً.
وقوله: (وليس في كلام المازري بيان للأقوال الثلاثة) يرد بما بيناه من دلالة لفظ المازري على تحصيل الأقوال الثلاثة.
ورجوعهما بعد الحكم، وقبل إنفاذه في المال لا يسع إنفاذه.
ابن حارث: إن رجعا بعد الحكم، وقبل قبض المال وجب للمحكوم له قبض المال اتفاقاً.
وفي سرقتها إن رجعا بعد الحكم بدين ضمناه ظاهره، ولو قبل تنفيذه، وهو مقتضى نقل الصقلي عن الموازية: إن رجعا بعد الحكم فهرب المقضي عليه قبل أن يؤدي، فطلب المقتضي له الشاهدين بما كانا يغرمان لغريمه لو غرم؛ لم يلزمه غرم حتى يغرم المقضي عليه، ولكن ينفذ القاضي الحكم للمقضي عليه على الراجعين بالغرم؛ هرب أو لم يهرب؛ فإذا غرم أغرمهما، وكما لو شهدا بحق إلى سنة، ثم رجعا؛ فلا غرم عليهما حتى يغرم هو.
وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال، حتى يدفعاه عنه للمقضي له به.
الصقلي والشيخ عن الموازية: لو شهدا بقتله عمداً؛ فحكم الإمام بقتله، ودفعه للولي فأقرا بالزور قبل أن يقتل؛ فهذا اضطرب فيه.
قال ابن القاسم: مرة ينفذ الحكم بقتله؛ لأنهما الآن لا تقبل شهادتهما، ثم رجع فقال: هذا القياس، ولكن أقف عن قتله لحرمة القتل، وكذا القطع، وشبهه، والعقل فيه أحب إلي، واختلف فيه قول أشهب كابن القاسم.
أصبغ القياس: القتل، والقطع، والرجم في زنى المحصن وكل شيء، وأستحسن لحرمة الدم خطر القتل أن لا يقتل؛ ولا دية على شاهد، ولا مشهود عليه، وأراه شبهة كبيرة، وقاله محمد.
المازري: قول ابن القاسم: أحب إلي أن يكون فيه العقل، لم يذكر على من يكون
الجزء: 9 - الصفحة: 426
العقل، هل على الشهود؛ لأنهم أبطلوا الدم فيغرموا ديته، وإن أراده فهل عليهم دية من شهدوا عليه أو دية القاتل؛ لأن الدية قد تختلق؛ قد يكون القتيل رجلاً، والقاتل امرأة، والأظهر أن مراده أن العقل على القاتل حتى لا يبطل الدم عنه.
ولو كان رجوعهما ذلك في زنا محصن، ففي تنفيذ رجمه، وسقوطه لا لبدل، ثالثهما: يُحد حد البكر، للخمي عن أحد قولي ابن القاسم مع أحد قولي أشهب، وثاني قولي ابن القاسم والمازري عن محمد.
قلت: إنما نقله الشيخ عن البرقي عن أشهب: ولو كان رجوعهما في زنا محصن، ففي إنفاذه، وسقوطه لعقوبته فقط قولا ابن القاسم مع اللخمي عن محمد واختياره.
وفي القذف منها: وإن قالت البينة بعدما وجب الحد: ما شهدنا إلا بزور درء الحد.
قال ابن الحاجب: الثانية بعد القضاء، وقبل الاستيفاء.
قال ابن القاسم: يستوفي الدم كالمال، وقال أيضاً، وغيره: لا يستوفى لحرمة الدم، ومثله لو رجع شهود الإحصان لجلد جلد البكر.
قال ابن هارون: معناه أنه لا يرجم؛ ويحد حد البكر.
وقال ابن عبد السلام: مثل رجوع شهود القتل، رجوع شهود شرطه بإن شهود الزنا أجبوا مطلق الحد على الزاني، وقيد كونه رجماً وجب بشهود الإحصان، فإذا رجع شهود الإحصان قبل استيفاء هذا الحد، فعلى أحد قولي ابن القاسم في المسألة الأولى لا يعتبر رجوعهم، وعلى القول الآخر يعتبر في إسقاط ما أوجبته شهادتهم، وهو الرجم، ويبق مطلق حد الزنا، وهو صادق بحد البكر.
قلت: مسألة رجوع شهود الإحصان دون شهود الزنا لا أعرفها لغير ابن الحاجب، وتفسيره ابن هارون خلاف تفسيره ابن عبد السلام، والصواب جريها على اختلافهم إذا شهد اثنان بإحصانه، وأربعة بزناه، ثم رجعوا أجمعون فعلى القول الأول ألا غرم على بينة الإحصان لا ينفذ الحكم برجمه اتفاقاً، وعليه يأتي تفسير ابن هارون على القول بغرمهم يأتي تفسير ابن عبد السلام تقدم قولها: إن رجعا بعد الحكم عن شهادتهما بدين ضمنا، وظاهره، ولو لشك.
الجزء: 9 - الصفحة: 427
الشيخ عن سحنون: اختلف أصحابنا في رجوع البينة بعد الحكم، فقال: إن قالوا: أوهمنا أو شبه علينا؛ فلا غرم عليهم ولا أدب، وإن قالوا: زورنا، غرموا ما أتلفوا وأدبوا.
وقال آخرون: يغرمون، ولو في الوهم والشك؛ ويؤدب المعتمد.
قلت: إن قيل: الخطأ في أموال الناس كالعمد اتفاقاً في المذهب، ولذا رجح غير واحد القول الثاني بما وجه القول الأول.
قلت: إنما وقع الاتفاق على أن الخطأ كالعمد في أموال الناس في فعل غير المأذون له في الفعل، والمأذون له في الفعل ليس كذلك كالراعي يضرب الشاة ضرب مثلها فتهلك لا يضمنها، والوكيل على شراء عبد فيشتري أبا الموكل خطأ لا ضمان عليه، والشاهد مطلوب بالشهادة؛ فالقول بعدم ضمانه بناء على أنه يطلب الشهادة منه كالمأذون له في الفعل منضماً إلى أن الأصل عدم التفريط، وعدم الضمان.
وعزا ابن رشد في سماع عيسى القول الأول لسماع عيسى ابن القاسم قال: وهو قول ابن الماجشون حكاه عنه ابن حبيب.
وقال: هو قول جميع أصحابنا المغيرة وابن دينار وابن أبي زيد وغيرهم، وعزا الثاني لقول ابن القاسم في السرقة من المدونة، وهو ظاهر ما في أو رسم من سماع ابن القاسم، ونص قول ابن حبيب عن مُطرف، وابن القاسم وأصبغ.
الشيخ: قول محمد لم يحفظ عن مالك في غرم الشهود جواباً إذا شهدوا بحق فحكم به، ثم رجعوا، ولكن قال ذلك أصحابه أجمع المدنيون والمصريون.
قال ابن القاسم: أخبرني من أثق به عن عبد العزيز بن أبي سلمة في رجوع أحد الشاهدين بعد الحكم قال: يغرم نصف الحق؛ ولا يرد الحكم.
قال ابن القاسم: فسألت عنه مالكاً فقال: يمضي الحكم، ولم يتكلم فيما وراء ذلك.
وقال ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وعبد الملك وأصبغ: إنه يغرم نصف الحق.
قال ابن القاسم: ولا شيء عليهما حتى يقرا بتعمد الزور؛ ولو قال ذلك أحدهما،
الجزء: 9 - الصفحة: 428
وقال الآخر: وهمت، أو شبه علي، أو كان قضاه الدين ونسيت، فهذا يغرم، ويغرم الآخر نصف الحق، وكذا قال عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ وقال أشهب: يضمنان إذا رجعا، وإن لم يتعمدا، واعتذرا بسهو أو غلط.
قلت لابن عبد الحكم: لم لا يلزمهما ما أدخلاه فيه مما لم يكن عليه بجنايتهما، وإن كانت خطأ، فقال لي: ما أقر به، وانظر فيه.
قلت: قد تقدم جوابه.
قال محمد: ولا يمين على المقضي له برجوع أحدهما، ولو كان قبل قبضه حقه.
قال ابن رشد في سماع عيسى: وفي الديات أربعة أقوال:
الأول: الدية في مالهما إن تعمدا الزور أو شبه عليهما لابن القاسم في هذا السماع، وفي الواضحة ومُطرف وأصبغ فيها، وظاهر كتاب السرقة من المدونة.
الثاني: إن تعمدا كان عليهما القصاص، وإن شبه عليهما فالدية في أموالهما، قاله ابن نافع وأشهب، وروي عن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -.
الثالث: إن تعمدا فالدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كانت على عواقلهما، قاله أصبغ في سماعه من الديات.
الرابع: إن تعمدا فالدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كان هدراً، قاله ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار، وابن حازم وغيرهم.
ففي العمد قولان: القصاص، والدية في أموالهما.
وفي التشبيه في كونها في المال أو على العاقلة، ثالثها: هدر.
عزا المازري القولين في تعمد الزور بالقصاص، وكون الدية في أموالهما لروايتين قال: والأولى: اختيار بعض حذاق البغداديين.
والثانية: أشهر عند أصحاب مالك، والناظر في القولين بغمض وعد هذه المسألة أبو المعالي على استئجار في العلوم الشرعية أصولاً وفروعاً من المعضلات.
قلت: الأظهر أنها غير معضلة لوضوح أمرها، فإن القتل إنما وقع بشهادتهما، وإكراههما القاضي على قتله، وصيرورته بشهادتهما كآلة قتل بهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 429
المازري: لو قال الشهود لما رجعوا: لم نتعمد بشهادتنا الكاذبة قتله ظناً منا أن القتل لا يلزمه، وأن القاضي لا يقبل شهادتنا، فقد اضرب فيه العلماء، وربما لحق هذا بمسائل شبه العمد، وهو القتل الذي ليس بعمد محض، ولا خطأ محض.
قال: ولو أن القاضي علم بكذب الشهود فحكم بالجور وأراق هذا الدم، كان حكمه حكم الشهود إذا لم يباشر القتل بنفسه بل أمر به من تلزمه طاعته، ولو أن ولي الدم علم بكذب الشهود في شهادتهم، وبأن القاضي علم ذلك، فقتل قاتل وليه اقتص منه بلا خلاف عند المالكية والشافعية، وقول أبي حنيفة: لا يقتل كالشهود خيال فاسد، وتبع ابن شاس وابن الحاجب المازري فيما ذكره في علم القاضي بكذب الشهود، فقال ابن الحاجب: لو علم الحاكم بكذبهم، وحكم، ولم يباشر القتل فحكمه حكمهم.
فقال ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن الخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب جار هنا.
وقد قال في آخر الرجم من المدونة: إن أقر القاضي أنه رجم، وقطع الأيدي أو جلد تعمداً للجور أقيد منه، وهو ظاهر في أن القود يلزم القاضي، وإن لم يباشر، وعليه حمله بعض الشارحين، وما أظنه يختلف في ذلك.
قلت: ما في المدونة مثله في النوادر لرواية ابن القاسم ولان سحنون عنه فيما أقر به من تعمد جور إن قامت عليه بينة فليقتص منه.
قلت: وقد يفرق بين مسألة المازري، وبين مسألة كتاب الرجم، وما وافقهما مما ذكرناه بأن محمل مسألة كتاب الرجم أنه أقر بالعداء، والجور دن استناد منه لسبب ظاهر.
وفي مسألة المازري، وهو مستند في الظاهر لسبب، وهو البينة المذكورة، والاستناد إلى السبب الظاهر، وإن كان كاذباً له أثر وشبهة كقولها: إن لمن قذف، وهو يعلم من نفسه صدق قاذفه، فيما رماه به أن يحده خلافاً لابن عبد الحكم.
سحنون: إن رجعوا عن شهادتهم بشتم أو حد قذف أو زنا بكر، أو لطمة أو ضرب بسوط يوجب الأدب بعد القضاء في ذلك بالأدب، وأقروا بالزور؛ فإنما فيه عند
الجزء: 9 - الصفحة: 430
أصحابنا إلا الأدب من السلطان لا قود ولا حد، ولا تقع المماثلة في اللطمة، ولا ضرب السوط.
قال ابن عبد السلام: وقد يسبق إلى الذهن أن من يرى القود في السوط من أصحابنا يرى للمشهود عليه هنا أن يقتص من الشهد، وهذا إنما يتم لو كان أشهب الذي يوجب للمشهود عليه القصاص من الشهود يقول بالقود من السوط.
قلت: يرد تعقبه التخريج بان الحكم على المشهود عليه بالضرب بالسوط إن كان به فهو عند الحاكم مماثل؛ فيجب الحكم به على الشهود برجوعهم.
والتخريج إنما يتصور على هذا التقدير، وإن لم يحكم على المشهود عليه بالضرب بالسوط لعدم تماثله غيره، وحكم عليه بمطلق الأدب فواضح؛ لأنه لا يحكم على الشهود إلا بالأدب.
وقوله: (وهذا إنما يتم ... إلخ) يرد بأن القول بعدم القود في السوط بناء في تصور التخريج المذكور، وإنما يتصور على القول بالقود في السوط حسبما بيناه فتأمله.
الشيخ في الموازية عن ابن القاسم: إن شهد رجلان بان هذا الرجل قتل ابن هذا عمداً فقضي بقتله فقتل، ثم قدم الابن حياً غرم الشاهدان ديته في أموالهما؛ إن تعمدوا ذلك، ولا شيء على الإمام، ولا على عاقته، وعلى الأب، وقاله أصبغ إن كان ذلك من الشاهدين عمداً.
ابن القاسم: ولو صالح الأب القاتل بمال لرده؛ فإن كان عديماً لم يتبع الشاهدان بشيء، وقاله ابن سحنون لا بقيد إن تعمدوا ذلك، وزاد عنه: ولا يرجع الشاهدان فيما غرما على القاتل بشيء؛ لأنهما اللذان تعديا، فإن كانا عديمين رجع ولي المقتول على الولي القاتل، فإن أخذ ذلك منه لم يرجع على الشاهدين؛ لأنه الذي أتلف النفس كمن تعدى على مال رجل فأطعمه لآخر لم يعلم بعدائه، فلربه طلب المتعدي، ولا رجوع للمتعدي على الآكل، فإن كان المتعدي عديماً رجع على الآكل، ولا يرجع به الآكل على المتعدي.
المازري: هذا تشبيه صحيح لولا أن الآكل انتفع بالطعام، وربما وفر به ماله،
الجزء: 9 - الصفحة: 431
والمقتص لم ينتفع بالقتل، ولا وفر به نفساً.
سحنون: وروي أن ولي الدم خير إن شاء اتبع الشاهدين، إن اختار ذلك لم يكن له التحول عنهما إل لعدمهما؛ لأنه إن أخذ ذلك منهما رجعا به على الولي، وإن اختار تضمين القاتل؛ فليس له التحول عنه إلى الشاهدين أعدم أو لم يعدم، وإن ودى القاتل إلى الولي لم يكن له رجوع على الشاهدين، وقد روي أنه لا يرجع على الولي بشيء؛ لأن ظهور المحكوم بقتله حياً أبطل الحم، والولي إنما أخذ ما أعطاه الشاهدان على أنهما صدقا عنده، والذي أخذ قصاص لا ثمن فيه، وعلى الشاهدين غرم الدية؛ لأنهما اللذان أتلفا ذلك.
قلت: فحاصله إن قدم من اقتص بقتله ببينة حياً ففي تغيير رجوع ولي من قتل به على الشاهدين عليه بديته في أموالهم إن كانا مليئين؛ وإلا فعلى المقتص، وتخييره في ذلك، وفي رجوعه على المقتص، ثالثها: لا جوع على المقتص بشيء مطلقاً.
لمحمد عن ابن القاسم قائلاً: إن تعمدا ذلك، وإن شبه فالدية على عاقلتهما مع أصبغ وابن سحنون عن أبيه غير قائل ذلك، ونقليه بلفظي، وروي على الأول إن غرم المقتص لعدم الشاهدين لم يرجع عليهما بما غرمه، وعلى الثاني إن اختار إتباع الشاهدين فليس له التحول إل المقتص إلا لعدمهما؛ لأنهما إن غرما رجعا عليه لما غرماه، وإن اختار إتباع المقتص فليس له التحول إلى الشاهدين، ولو كان عديما؛ لأنه إن غرم لم يتبع الشاهدين بما غرم.
قال ابن عبد السلام: والظاهر تخيير المستحق في أخذ الدية ممن شاء، وأخذ البعض من الشهود والبعض من القاتل.
قلت: فيما قاله نظر؛ لأنهما إن تساويا في موجب الغرم لم تجز تعيين أحدهما له دون الآخر؛ فيبطل التخيير، وإن لم يتساويا؛ لانفراد كل منهما بمعنى يناسب الغرم دون صاحبه أمكن التخيير في ترجيح ما اختص به أحدهما على ما اختص به الآخر في إيجاب الغرم؛ لأن البينة اختصت بالعداء، ولم تباشر الإتلاف، والمقتص اختص بالمباشرة دون العداء، وإغرام كل منهما ملزوم لترجيح كل منهما على الآخر، وهو محال وتساويهما
الجزء: 9 - الصفحة: 432
باطل لما مر.
قال ابن الحاجب: قال المازري: لا خلاف في تعلق الغرامة بهم إن شهدوا على قتل عمد فاقتص، ثم ثبت أنه حي، وإنما الخلاف في البداية وفي الرجوع، فقال ابن القاسم: يبدأ بالشهود، وإن كانوا فقراء فمن القاتل، وقيل: المستحق مخير، وفي الرجوع؛ قيل: إنما يرجع الشهود بما أدوا على القاتل، وقيل: بالعكس، وقيل: لا رجوع، فقال ابن عبد السلام: نقله عن المازري الثلاثة الأقوال، وقال ابن هارون: وقوله: (وقيل بالعكس) يقتضي أنه يبدأ بالقاتل، فإن كان فقيراً رجع على الشهود، وهذا القول مما انفرد به، وكذا قوله: (وقيل لا رجوع) يوهم نفي الرجوع مطلقاً عن الولي والشهود، وإنما هو منقول عن الولي فقط.
قلت: قوله: (وقيل بالعكس) يقتضي أن القاتل إذا أدى إما لعدم الشهود.
وإما لاختيار الولي تغريمهم؛ فإنه يرجع على الشهود بما أدى، ولا يرجعون هم عليه إن أدوا مطلقاً سواء أدوا بتبدئتهم في الغرم أو باختيار الولي تبدئتهم، وهذا القول لا أعرفه لا في النوادر، ولا في نقل المازري، إنما نق عن سحنون عدم رجوع الغارم مطلقاً كان الغارم البينة أو القاتل، ونقل على القول بالتخيير رجوع البينة إن غرمت على القاتل.
قال: وهو خلاف ما تقدم لسحنون، وذلك من لفظه واضح لا إجمال فيه، ولا احتمال.
وتفسير ابن هارون قوله: (وقيل بالعكس) بأنه يبدأ بالقاتل، فإن كان فقيراً رجع على الشهود غير صواب؛ لأن هذا العكس إنما هو في التبدئة لا في الرجوع، والعكس في لفظ ابن الحاجب إنما ذكره في الرجوع لا في التبدئة.
الشيخ عن سحنون: ولو كانت الشهادة بقتل خطأ، ثم قدم من شهد بقتله بعدم غرم العاقلة الدية رجعت على البينة بها حالة، فإن أعدمت فعلى الولي، ومن غرمها منهما لم يرجع على آخر بشيء.
وروي أن العاقلة مخيرة إن اتبعت البينة فلا تحول لها عنها إلى الولي إلا في عدمها؛
الجزء: 9 - الصفحة: 433
لأنها لو غرمت رجعت على الولي، وإن اتبعت الولي فلا تحول لها عنه إلى البينة، ولو أعدم، لأنه إن غرم لم يكن له رجوع على البينة، وذكر قبل هذا عن ابن القاسم أن الأب يرد على العاقلة ما أخذ منها، فإن وجد عديما غرمت ذلك البينة بخلاف رجوعهما لاحتمال كذبهما في رجوعهما فلم ينقذ الحكم به، وهذا لما قدم حياً علم كذبهما، ولما ذكر المازري قول ابن القاسم قال: وقيل: يبدأ بالشهود في غرم الدية للعاقلة، فإن كانوا فقراء رجعت على الأب بالدية، ولا يرجع الغارم من الشهود على الأب، ولا الأب على الشهد، ثم ذكر القول بالتخيير على نحو ما ذكره الشيخ.
المازري: فتلخص من هذا أن المذهب لم يختلف في توجه الطلب على الأب، وعلى البينة لكن إن كان أحد الصنفين فقيراً طلب الأب بغير خلاف، وإن كانا مليئين فاختلف هل تخير العاقلة في طلب الأب أو الشهود أو يقع الطلب على الترتيب، وعليه اختلف فيمن يبدأ به هل الأب أو الشهود، ثم رجوع الغارم على المصنف الآخر فيه ما قدمناه من كون الشهود إذا غرموا فيه قولان: هل يرجعون على الأب أو الأب إذا غرم لا يرجع عليهم.
وفيها: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فرجمه الإمام، ثم وجدوه مجبوباً لم يحد الشهود، إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، وعليهم الدية في أموالهم مع وجيع الأدب، وطول السجن.
الصقلي لمحمد عن أشهب: الدية على عاقلة الإمام، وعليهم الأدب، وطول السجن إلا أن يقولوا: رأيناه يزني قبل جبابه؛ فتجوز شهادته، ولا حد عليهم بكل حال.
قلت: عزا الشيخ قول أشه له، ولابن عبد الحكم.
قال ابن عبد السلام: لا يبعد تخريج كون الدية على عواقل الشهود من قولها في حريم البئر في منع ذوي بئر ماشية فضل مائها مسافرين عجزوا عن قتال أهل البئر حتى ماتوا عطشاً ديتهم على عواقل المانعين.
قلت: إن صح التخريج ناقض قولاها في البئر، والمجبوب، ويرد التخريج
الجزء: 9 - الصفحة: 434
بوضوح أن تسبب البينة في قتل المجبوب أوقوى من تسبب المانعين لإحتمال إعتقادهم نجاة المسافرين بماء آخر أو عدم إيجاب عطشهم موتهم.
اللخمي: أما السجن والعقوبة فصواب، وأما الدية فلا أراها علي بينة، ولا إمام؛ لأنه قادر على أن يظهر ذلك من نفسه، وذلك كله كالبينة العادلة، يرد بها شهادة من شهد عليه.
قلتُ: فيما قاله نظر على أصل المذهب لقولها: إن شهد على إمرأة بالزنا أربعة عدول، فقالت: أنا عذراء أو رتقاء، ونظر إليها النساء فصدقوها لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد؛ لأنه قد وجب.
قلتُ: فهذا يرد قول اللخمي؛ لأنه قادر على أن يظهر ذلك من نفسه، وإنما يتمم ما إختاره فى مسألة المرأة أنه ينظر إليها.
الشَّيح عن كتاب محمد بن عبد الحَكم: إن شهد شاهدان أن رجلاً حلف بحريَّة عبده أن فى قيده عشرة أرطال، وقد حلف بحريته أن لاينزع عنه القيد شهراً لفعل فعله العبد يتوجب به ذلك، ثم شهد شاهدان أنه ليس في القيد ثمانية أرطال.
قال عبد الله: أراه يريد: فحكم الحاكم بعتق العبد.
قال فى الكتاب: ثم إن السيد نزع القيد.
قال عبد الله: يريد: بعد الشهر.
قال: فوجد فيه عشرة.
قال: محمد: فلينقض القاضي حكمه لظهور كذب الشاهدين.
قلتُ: مافسر به الشَّيخ قول ابن عبدالحَكم ذكره المازري على أنه من لفظ إبن عبد الحَكم، فقال: مانصه: ذكر إبن الحَكم في رجل قيد عبده بقيد، وحلف أن لاينزع من رجله شهراً، وحلف أيضاً بحريَّة العبد أن في وزن القيد عشرة أرطال؛ فشهد شاهدان أن وزن القيد ثمانية أرطال؛ فحكم الحاكم بحريَّة العبد لأجل شهادتهما بحنث السيد الشاهد فما كمل الشهر وحل الأجل الذي حلف السيد أن لاينزع القيد قبله، وجد فى القيد عشرة أرطال كما حلف عليه السيد؛ فإن الحكم ينقض، ويرد العبد
الجزء: 9 - الصفحة: 435
إلى الرق.
قلت: تفسير الشيخ قول ابن عبد الحكم بأن الحاكم حكم بحرية العبد، وتفسيره، ثم إن السيد نزع القيد بأنه نزعه بعد الشهر، وذكر المازري ذلك على أنه من لفظ إبن عبد الحكم كلام متناقض؛ لأن الحكم بحريته قبل مضي الشهر يوجب تعجيل نزع القيد قبل مضي الشهر؛ لأنه حر، وتأخير نزعه لإنقضاء الشهر يقتضي عدم الحكم بحريته قبل مضي الشهر، والصواب حمل المسألة علي أن البينة بوزن القيد ثمانية إن كانت قامت بعد مضي الشهر، وقبل نزع السيد القيد عن العبد، فكم الحاكم بحريته فنزع السيد قيده فوجده عشرة نقض الحكم بحريته، وإستقام حكم المسألة، وإن قامت قبل مضي الشهر حكم الحاكم بحنث السيد، وحرية العبد، وتعجيل نزع القيد، فإن قلنا بأن الإكراه الشرعي معتبر فى درء الحنث لم يلزم السيد بنزع القيد قبل مضي الشهر حنث، وكذا إن قلنا إن الإكراه الشرعي غير معتبر فى درء الحنث به؛ لأن هذا الإكراه تبين أنه غير شرعي لترتبه على حكم غير شرعي لوجوب نقضه، والإكراه غير الشرعي معتبر في درء الحنث به إتفاقاً، فلا حرية للعبد بحنث، وبالبالحكم لوجوب نقضه، وتقدم الحكم بحد شاهد الزنا لرجوعه، وسواء رجع قبل الحكم أو بعد تنفيذه.
وفيها: إن رجع أحد أربعة شهود الزنا قبل إقامة الحد حدوا كلهم، وإن رجعوا بعد الحكم فكذلك، وإن رجع أحدهم حد وحده.
اللخمي: وإليه رجع أبن القاسم فى الموازية بعد أن قال: يحدون كلهم، ونقل المازري القول الثانى غير معزو، وعقبه بقوله: وأنكر هذا بعض الأشياخ الحذاق، وأشار إلى أنه يقتضي نقض الحكم إذا رجع الشهود بعد إنفاذه، وهذا خلاف مذهب فقهاء الأمصار إلا ماحكيناه عن ابن المسيب، والأوزاعي، ورجحه ابن عبد السلام واحتج عليه بأن حد بعض الشهود عليه ملزوم لعفاف المشهود عليهم، إذ لايحد لا من قذف عير عفيف، وكلما تثبت عفته وجب نقض الحكم بزناه، ويرد بأن حده لإقراره أنه قذف عفيفا، ولا يلزم منه ثبوت عفته شرعاً فلا يرتفع عنه حد وجب عليه.
وفيها: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد الشهود أجمعون، فإن لم
الجزء: 9 - الصفحة: 436
يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا بذلك فذلك على الشهود في أموالهم، ولاشئ على العبد فى الوجهين.
اللخمي: وقال ابن سحنون: قيل: لاشئ على الحاكم، ولا على البينه إن لم يعلموا أن معهم عبداً او علموا وجهلوا رد شهادتهم مع العبد، وإن علموا أن شهادتهم مع لا تجوز فعليهم الدية، وإن علم العبد وحده أن شهاته لا تجوز وجهل ذلك البينة، فكل الدية جناية فى رقبته، وإن علمت البينة مع ذلك فالدية على جميعهم أرباعاً، وهو قول أبي مصعب، واختلف إن كاننت الشهادة بقطع أو قتل؟
فقال ابن القاسم فيها: إن شهد شاهدان على رجل بقطع يد عمداً فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد أو ممن لا تجوز شهادته فلا شئ على المقتص له؛ يرد: إن لم يعلم الحر أن الذي معه عبد.
وقال ابن سحنون: إن تبين أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه حكم المحكوم له بالقصاص فى اليد مع الشاهد الباقي، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يميناً، وتم ماحكم به ونفذ، وإن نكل عن اليمين فى اليد، ولم يعلم أن شاهده عبد، وكانت الحرية فيه ظاهرة، وحلف المقتص منه فى اليد أن ماشهد عليه به الشاهد باطل، ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة إنتقضت الأحكام حتى كأنها لم تكن.
وقال بعض أصحابنا: لاضمان على الحاكم؛ لأنه لم يخطئ، ولا على المحكوم له بالقصاص؛ لأنه أخذ ما أعطته البينة، والحاكم بإجتهاده، ولم يأخذ مالاً فيرده، وغرم ذلك على الشاهد إذا كان جاهلاً برد شهادة العبد أو الذمي.
وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام.
وقيل: إنه عذر.
قلت: كذا وقع فى بعض نسخ اللخمي، وذكره الشيخ فى النوادر.
وقولها: (إذا كان جاهلاً برد شهادة العبد حكموا به) صوابه: (وإن كان جاهلاً).
قال الشيخ: وقد إختلف في قبول شهادة المولى عليه لسوء نظره في المال دون جرحة.
الجزء: 9 - الصفحة: 437
ولما ذكر الصقلي قولها فى العبد: قال: يريد: أو نصرانياً أو ولد زنا.
وفيها: وإن وجد أحدهم مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن شهادتهم تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، وقد يعدل المسخوط، ويسخط العدول، ولم تتم في العمد وشبهه.
قلت: يريد أن خطأه في المسخوط؛ كمخالفته دليلاً ظنياً، وخطأه فى العبد؛ كمخالفته دليلاً قطعياً.
وفى النوادر من كتاب الشهادات: إن وجد أحدهم مسخوطاً؛ فقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدأ أو ذمياً، ويحد هو ومن معه من حر مسلم حد القذف إن كانت قبل أن يشهد.
وقال أشهب: لا يرد الحكم في المسخوط، ولا حد عليه، ولا على من معه.
قال محمد: ولا أعلم إلا، وقد قاله إبن عبد الملك.
قال أشهب: وكذل لو كان الحكم بمال.
قال محمد: وقول أشهب وعبد الملك أحسن إن كان القاضي غير الذي قضي بشهادته، فإن كان هو الذي قضى بشهادته فلينقضه ما لم يفت كالقطع والقتل والرجم، وأخبرنى بقول ابن القاسم أصبغ وأبو زيد.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد أربعة بالزنا، ثم نزع واحد بعدما تمت الشهادة، ونفذت لا يحد إلا الذي نزع قبل، فإن كانوا خمسة فنزع واحد؛ قال: فلا شئ على الذي نزع، وإن نزع آخر من الأربعة بعد ما أقيم الحد؛ قال: يضربان الحد، ولا شئ على الثلاثة الذين ثبتوا.
إبن رشد: إن رجع الخامس من الشهود قبل إقامة الحد أو بعده، فلا حد عليه على هذا السماع.
وذكر محمد أن قول ابن القاسم اختلف فى وجوب حده، وأن قول أشهب: إختلف فى ذلك، واختار قوله: (لايحد).
قلت: وهو نقل الصقلي عبد الملك.
أصبغ: وكأن ابن القاسم فى قوله الذي خالف فيه عبد الملك رأى الراجع
الجزء: 9 - الصفحة: 438
مقراً بقذفه عفيفاً، وأنه وبقية الشهود شهدوا عليه بزور، وإنه لقول حسن.
إبن رشد: وإن رجع بعد ذلك أحد الأربعة قبل إقامة الحد حدوا كلهم لدليل هذ السماع أنه لايحد إذا تم نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحدفه.
وقيل: إنه لا يحد إذا نزع أحدهم بعدما تمت الشهادة، وأنفذت إلا الذي نزع وحده كان نزوعه قبل إقامة الحد أو بعده، وهو ظاهر قوله في المسألة التي بعد هذه.
قيل له: فإن نزع أحد الأربعة؟ قال: يضرب الذي نزع، وهو الذي يوجبه النظر؛ لأنه يتهم أن ينزع ليوجب الحد على من شهد معه، وإن كان ذلك بعد إقامة الحد حد هو، والخامس الذى رجع قبله إن كان لم يحد، ولاحد على الثلاثه الذين ثبتوا، ولا إختلاف فى هذا.
وقال اللخمي: فى رجوع أحد الخمسة بعد الرجم: أرى إن قال: أخطأت أو تعمدت، ولا علم ليى بما شهد به الآخرون؛ لأني لم أكن معهم أن لاشئ عليه من حد ولادية، وإن قال: شهادتنا واحدة، وأخطأنا جميعا أو تعمدنا؛ كان الجواب على ماتقدم لو كانوا أربعة فرجع أحدهم؛ فإنه يحد إذا قال: تعمدنا، ويختلف فى حده، وعقوبته إن قال: أخطأنا.
وقول المازري: التحقيق عندى أن يكشف الراجع عن شهادته؛ فإن قال: كذبت، وكذا كل من شهد معي حد، وإن قال: إنفردت بالكذب عن الأربعة، ولا أعتقد كذبهم بل الظاهر صدقهم لعدالتهم لم يحد يقتضي إنفراده بهذا، وهو متفضى كلام اللخمي قبله.
المازري عن الموازية: لو شهد ستة بزنا رجل فرجع إثنان، وظهر أن أحد الأربعة الذين لم يرجعوا عبد حد الراجعان، وغرما ربع الدية؛ لأن الحد أقيم بأربعة بطل أحدهم بكونه عبداً، والذي بطلت شهادته لو كان حراً رجع عن شهادته حد؛ وغرم ربع الدية، ولا غرم على العبد؛ لأنه لم يرجع عن شهادته، ويحد لقذفه من لم يثبت زناه بأربعة شهداء، ولا يلزم الثلاثة الأحرار حد ولا غرم، ويعترض هذا بأن العبد لما حد صارت الشهادة غير مستقلة، ولو كانت مستقلة لم يحد العبد؛ ففرق هنا بين شهادة
الجزء: 9 - الصفحة: 439
العبد التي سقطت لكونه عبداً، ولم يرجع عن شهادته فيوهن شهادة الثلاثة، وقد يغمض الفرق بين سقوط شهادة العبد؛ لأنه عبد، وبين سقوطها بالرجوع لاسيما أن المذهب نقض الحكم إذا تبين أن الشاهد عبد، ولاينقض الحكم فى أحد القولين إذا تبين أن الشاهد فاسق.
قلت: فوله: (يغمض الفرق ... إلخ) يرد بأن الفرق أمر ظاهر جلي، فصار الحكم بالشهادة؛ كحكم خالف نصاً جلياً، فيجب نقضه، والرجوع يحتمل كونه كاذباً فيه كفسق طرأ، فيكون الحكم بشهادته؛ كحكم خالف دليلاً ظنياً فلا ينقض.
قلت: وظاهر كلام المازري إنما هو سؤال الفرق بين ظهور كون أحد الأربعة عبداً، ورجوع أحد الأربعة، وفهم منه ابن هارون ماصرح به ابن عبد السلام من عند نفسه من مناقضة مافي الموازية من عدم حد الثلاثة الباقين من الأربعة الشهداء الباقين من الستة الذين ظهر أن أحدهم عبد لقولها: (إذا شهد أربعة بزنا رجل فظهر أن أحدهم عبد حدوا أجمعون) وأجابا بأن مسألة المدونة إنتفض الحكم فيها بظهور كون الرابع من الشهود عبداً، ونقضه يوجب حد الثلاثة الباقين، ومسألة الموازية لم ينتقض الحكم فيها؛ لأن قصارى الأمر أنه شهد خمسة، وأقيم الحد ورجع منهم إثنان، وذلك غير موجب لنقض الحكم فذا لم يحد الثلاثة الباقون.
زاد ابن عبد السلام: فإن قلت: فعلى هذا التقدير ينبقى أن لا يحد العبد.
قلت: قذف العبد للمشهود عليه سابق على حد الزنا؛ فلعله لما كان مكالبا به، وظهرت الشبهة فى زنا المشهود عليه برجوع بعض الشهود استصحب حكم القذف، ووجب حد العبد لذلك، والمسألة مع ذلك مشكلة.
قلت: لا إشكال في المسألة لما تقدم من جوابها.
وقوله: (ينبغي أن لا يحد العبد) لا موجب لتوهم قوله: (ينبغي أن لا يحد) إلا قياس العبد على الثلاثة الباقين، أو عدم نقض الحكم، وكلاهما غير صحيح.
أما القياس على الثلاثة فيرد على الفرق بأن الثلاثة شهداء لما يقع موجب لرد شهادتهم في أنفسهم والعبد؛ بطلت شهادته في نفسه فصار قادفاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 440
وأما أنه عدم نقض الحكم فمردود بحد الراجع من الأربعة مع عدم نقض الحكم برجوعه.
وفى الموازية ما حاصله: إن رجع أحد ستة شهدوا بزنا رجل حده الرجم بعد فقء عينه به وثان بعد موضحة به، وثالث بعد موته فعلى الأول سدس دية عينه لفقئها بشهادته مع خمسة، وكذا على الثاني مع خمس دية الموضحة لكونها بشهادته مع أربعة، وعلى الثاث ربع دية نفسه لموته بشهادته مع ثلاثة.
وفى سقوط ما على الثاني عنه، ولزومه إياه قولان.
قلت: بناء على أن دخول دية فقء عين رجل، ودية موضحته فى دية قتله خطأ في الجميع بإعتبار استلزام دية النفس دية مادونها كلية فى أجزائها أو كلاهما.
قال ابن عبد السلام: هذا الذي قاله محمد بناء على أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم، وقبل إستيفائه أنه لايستوفى.
قلت: هذا واضح بين من تعليل قدر ما وجب على كل منهم.
قال: وأما إن قلنا: إنهم إذا رجعوا حينئذ أنه يستوفى، ولايمنع رجعوهم من إستيفائه فيصير المرجوم كأنه أقيم عليه الحد بشهادة الستة جميعاً، فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه فكان ينبغي أن لا يكون على هؤلاء الثلاثة الذين رجعوا عن شهادتهم سوى ربع الدية تكون عليهم بالسواء، ويسقط ماعدا ذلك فتأمله.
قلت: قوله: فيكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه وهمٌ، بل يكون كمن قتله بعد أن أوضحه وفقأ عينه؛ لأن قتله على هذا التقدير بنفس شهادتهم، ورجوعهم لغو فتأمله.
ومن رجم بشهادة أربع بزناه وإثنين بإحصانه، ثم رجعوا أجمعون، ففي عدم غرم شهيدي الإحصان، وغرم كل منهما سدس الدية، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، ثالثهما: على كل من شيهدي الإحصان ربعها، وباقيها على بينة الزنا بالسوية، لأصبغ مع سحنون وإبن القاسم وأشهب مع ابن الماجشون ومحمد، وأشار المازري إلى أن ذلك بناء على حصر حكم الرجم إلى إضافته لوصف زناه، ولغو إحصانه فيه؛ لأنه وصف
الجزء: 9 - الصفحة: 441
كمال له لا وصف نقص فيه، وإضافته إلى وصفي إحصانه، وزناه من حيث عدد مثبتهما أو إضافته إلى الوصفين من حيث ذاتيهما.
المازري: ولو رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لا غرم عليه، وعلى الثاني: يغرم سدس الدية، وعلى الثالث: يغرم ربعها، ولو رجع أحد أربعة الزنا، فعلى الأول: يغرم ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها، وعلى الثالث: ربع للإحصان، وثمن للزنا.
ولو شهد أربعة بزناه إثنان منهم بإحصانه، ثم رجع أحد شهيدي الإحصان؛ فعلى الأول: لاشئ عليه بالإحصان، ويغرم في الزنا ربع الدية، وعلى الثاني: يغرم سدسها للإحصان، وسدسا للزنا، وعلى الثالث: يغرم ربعا للإحصان، وثمنا للزنا.
قال: وعلى أصل سحنون فى لغو الغرم عن شاهدي الإحصان إذا رجعا.
قال: ولو حكم الحاكم بشهادة رجلين فى مال بتزكية رجلين إياهما، ثم رجع المزكيان عن تزكيتهما لم يغرما شيئاً، وقاله ابن الماجشون مع قوله: بمشاركة شهيدي الإحصان لشهود الزنا فى الغرم، فيحتمل أن يكون إختلاف قول فيهما فيتخرج قول أحدهما فى الأخرى، ويحتمل أن يكون ذلك لفرق بينهما إليه سبيل.
قلت: ولم يذكر فرقاً بوجه، ويفرق بضعف سببية التعديل بالنسبة إلى سببية الإحصان فى الحكم الواقع بهما، وبيانه أن سببية التعديل فى الحكم الواقع به عامة في الحكم الواقع به، وهو الحكم، وهو الحكم بالمال وغيره فدلالتها على الحكم المذكور كدلالة العام على بعض أفراده، وسببية الإحصان فى الحكم الواقع به خاصة بالحكم الواقع به دون غيره، فدلالتها على ثبةت الحكم المذكور كدلالة الخاص على مدلوله.
وتقرر فى أصول الفقه أن دلالة الخاص على مدلوله أقوى من دلالة العام على بعض أفراده لإحتما لغو دلالة العام على بعض أفراده، وإمتناع لغو دلالة الخاص على مدلوله.
الجزء: 9 - الصفحة: 442
الشيخ عن كتابي إبن المواز وإبن سحنون: إن إدعى من حكم عليه بشهيدين رجوعهما عما شهدا به عليه، فأنكرا، فإن لم يأت بلطخ فلا يمين عليهما، وأن أتى به حلفا وبرئا؛ فإن نكلا حلف المدعي، وأغرمهما ما أتلفا عليا؛ فإن نكل فلا شئ له عليهما، ولو أقام بينة بإقرارهما برجوعهما بعد الحكم بهما أنهما شهدا بزور غرما ما أشهدا به، ويغرمان الدية فى النفس والرجم مع حد القذف، ويغرمان أرش الجراح، ولا ينظر لرجوعهما بعد الإقرار.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن إدعى عليهما أنهما رجعا عن الشهادة فلا يمين عليهما إن أنكرا، وإن أقام شاهدين برجوعهما قضي عليهما بالمال، وكذا في قيام البينة برجوع أحدهما.
وزعم أو حنيفة وأصحابه أنه لا تقبل عليهما شهادة برجوعهما، وهو خروج من المعقول، لأن من قولهم لو أقر بالرجوع لزمهما الغرم.
ونقل إبن الحاجب توجه اليمين عليهما لا يفيد قيام اللطخ وهم، ونقله إبن شاء فى آخر كلامه مقيداً على الصواب.
وفى الحريرية: من شهد عند حاكم، ثم رجع إليه فقال له: نالني من أجل شهادتي وبالله الذي لا إله إلا هو ماشهدت إلا بحق لكني راجع عن شهادتي فلا يقضى بها، فقال هاشم بن أحمد بن خزيمة: لاتسقط بهذا شهادته، وقاله أصبغ بن سعيد.
وقال ابن زرب: لايقضى يها؛ لأنه إن رجع عن حق علمه سقطت بذلك شهادته.
وقد روي عن مالك أنه قال: كان شريح القاضي يقول للشاهدين: بشهادتكما أقضي، أتشهدان أن الحق لهذا؟ فإن قالا: نعم أجاز شهادتهما، فكيف يقضى بشهادة من يقول: لا تقضى بشهادتى؟.
قلت: الأظهر إن علم نزول ضرر به لشهادته قضى بها، وإلا فلا.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: ولو رجعا عن رجوعهما الموجب غرمهما لم يقالا،
وقضي عليهما بما يقضي على الراجع.
قال ابن الحاجب: إثر هذا الفرع أما لو ثبت كذبهم نقض إذا أمكن.
الجزء: 9 - الصفحة: 443
قال ابن عبد السلام: ثبوت كذبهم عسير؛ لأنه راجع إلى تجريح الشهود، والمشهود عليهم بالكذب فى هذه الصورة يشهدون بكذب من شهد عليهم فيها.
قلت: علف المؤلف ثبوت كذبهم على الإمكان، وإليه يعود هذا الشرط، لا إلى نقض الحكم.
ومن هذا المعنى إذا شهدوا على رجل بالزنا، ثم تبين أنه محبوب.
قلت: قوله بثبوت كذبهم عسير، يرد بما أقر به أخيرا من مسالة المجبوب، وعما تقدم من مسألة من شهد بقتله، ثم قدم حياًّ.
وبقولها فى كتاب الاستحقاق فيمن شهدت بينة بموته؛ فقسمت تركته، وتزوجت زوجته، ثم قدم حيّاً، وهو نص ترجمة النوادر بقوله فى الحكم ينفذ، ثم يظهر مايبطل به مثل البينة تقوم بقتل رجل عمداً أو خطأ، فيحكم بذلك، ثم يقدم الشهود بقتله حيّاً، وشبه ذلك مما يظهر فيه الكذب، أو يظهر المرجوم مجبوبا.
قلت: ومثل هذا لايقال فيه عسير، واستدلاله على ذلك بقوله إن الشرط فى قول ابن الحاجب إن أمكن راجع إلى ثبوت كذبهم، لا إلى نقض الحكم، وهم نشأ عن إعتقاده عسر كذبهم، والحق الواضح لمن أنصف أنه راجع إلى نقض الحكم، لا إلى ظهور كذبهم؛ لأن نقضه قد لايمكن، ككونه حكما بقتل أو قطع وقع، وقد يمكن ككونه بإستحقاق ربع ونحوه.
وكقوله فى مسألة كتاب الإستحقاق المتقدمه، فإن لما تأت البينة بما تعذر من شبهة دخلت عليهم بذلكك كتعمدهم الزور، فيأخذ متاعه حيث وجده، وترد إليه زوجته، وله أخذ ما عتق من عبد، أو كوتب أو دبر أو أمة أتخذت أم ولد، وقيمة ولدها من المبتاع كالمغصوبة يجدها بيد مشتر.
ولسحنون من نوازله: من قال لمن شهد عليه: بلغنى أنك شهدت علي بكذا؛ فقال له: إن كنت شهدت عليك بذلك؛ فأنا به مبطل، وكان شهد عليه، فهذا رجوع إن كان على قوله بينة، وتبطل شهادته، ولا يثبت بها شئ، إن كان ذلك قبل القضاء، وإن كانت مقالته هذه بعد القضاء ضمن ما استهلك من المال.
الجزء: 9 - الصفحة: 444
ابن رشد: لابن حبيب فى هذه المسألة عن الأخوين وأصبغ أن قوله هذا لا يضره فى شهادته، وإن قامت عليه بينة إلا أن يرجع عن شهاده رجوعاً، ووجهه أن قوله يحتمل كونه إعتذارا، لا روعا، فلم يبطل الحاكم بشهادته إلا ببينتين.
ولو شهدت عليه البينة أنه قال ذلك ابتدأ دون أن يعاتب على شهادته، كان رجوعا عنها اتفاقاً.
الشيخ عن كتابي ابن المواز وابن سحنون: إن رجعا عن شهادتهما بطلاق البتة، والنكاح ثبت بغير شهادتهما، فإن كان بعد البناء فلا خلاف في أن لاشئ عليهما، وإن كان قبله؛ فقال ابن القاسم: يغرمان نصف المهر.
أصبغ: هذا استحسان، والقياس لا شئ عليهما.
ابن المواز: الصواب أن لا شئ عليهما، وقاله، أشهب وعبد الملك وغيرهما ممن أرضي.
وفيها: إن رجعا بعد قضاء القاضي بشهادتهما بالطلاق قبل البناء، فعليهم نصف الصداق.
عياض: كذا عندنا في الأصل.
قال بعض الشيوخ: لم يبين لمن هذا النصف، وحمله أكثر الشيوخ على أن غرمه للزوج، وكذا جاء مفسراً فى كتاب العشور من الأسمعة، وحمله غير واحد على أن غرمه للمرأة، ليكمل لها صداقها الذي أبطلاه عليها بالفراق قبل الدخول.
وعليه اختصر المسألة القرويون قالوا: وهذا مقتضى النظر والقياس أن غرمه للزوج لا وجه له، إذا النصف عليه متى حصل الفراق قبل الدخول.
وأشهب وسحنون لايريان عليهما المهر شيئاً.
الصقلي عن سحنون: إن رجعا عن شهادتهما بعفو ولي الدم عن قاتل وليه، أو مجروح عن جارحه عن جارحه بعد الحكم بإسقاط القود لم يضمنا شيئاً، ولا قصاص على القاتل، وشبهه في الموازية برجوعها فى الطلاق.
سحنون: ويحد القاتل مائة، ويحبس سنة، ويؤدب الشاهدان.
الجزء: 9 - الصفحة: 445
وقال محمد بن عبد الحكم: يغرمان الدية؛ لأن له في أحد قولي مالك أن يأخذ الدية.
سحنون: ولو شهد بعفوه على أخذ مائة درهم، وهو ينكر، والجاني يدعي ذلك، ثم رجعا بعد الحكم بذلك فلا شئ لولي القصاص، ولا شئ على الشاهدين؛ لأن الجاني يخرج المال مقر بأنه عفي عنه بذلك، وولي القصاص إنما أبطلا عليه القصاص الذي لا ثمن له.
ولو كان المنكر الجاني، وولي القصاص يدعي مصلحة بذلك أو بالدية، فقضي بذلك، ثم رجعا فعليهما أن يغرما للجاني ما أخرجا من يده، وقول إبن الحاجب: ولو رجعا في شهادة الدخول فى مطلقة غرما نصف الصداق هو نص الجلاب.
ولو شهدا على رجل في زوجته أنه دخل بها؛ فطلقها بعد الدخول، وهو مقر بالنكاح والطلاق، ومنكر للدخول، ثم رجعا عن شهادتهما؛ غرما له نصف الصداق الذي لزمه بشهادتهما.
المازري: لو شهد شاهدان بطلاق من ثبت نكاحها بغير شهادتهما، وآخران بأن الزوج دخل بها، وأرخى الستر عليها، ولم يعلم شاهد الطلاق كان قبل البناء أو بعده، ولم يعلم شاهدا الدخول بطلاقه؛ فلا غرم على شاهدي الطلاق على قولي أشهب وعبد الملك.
قلت: وابن المواز.
قال سحنون هذا مذهب أصحابنا، وأكثر الرواة، وبعض الرواة خالف فيه وإسقاط غرمهما؛ لأنهما إنما أتلفا منافع بضع، وذلك لايتقوم، وما غرمه الزوج من نصف الصداق واجب عليه بعقد النكاح فو رجع شاهدا الدخول غرما نصف الصداق؛ لأن شاهدي الطلاق لو اقتصر على شهادتها لم يلزم الزوج أكثر من نصف الصداق، وغرامة النصف الزائد عليه إنما هو بشهادة من شهد عليه بالبناء، فإذا رجعا عن شهادتهما غرما هذا النصف بينهما بالسواء، وإن رجع أحدهم غرم ربع الصداق.
قال ابن الحاجب: وإن شهد إثنان بالطلاق، وإثنان بالدخول، ثم رجعوا؛ فالأكثر
الجزء: 9 - الصفحة: 446
لاغرامة على شاهدي الطلاق.
وقيل: كما لو انفردوا.
قلت: إن أراد بقوله: كما لو انفردوا مجرد الإشارة إلى قول بعض الرواة فواضح، وإن أراد به ذلك مع تعليله بتقدير إنفرادهم رد بأن تقدير إنفرادهم باطل في نفسه ضرورة ثبوت نقيضه؛ لأن الواقع عدم إنفرادهم.
على هذا فهمه إبن عبد السلام؛ لأنه قال مانصه: أكثر أهل المذهب على أنه لا غرامة شاهدي الطلاق.
قال ابن سحنون وبعض الرواة على خلافه؛ ولعله يريد أن الصداق يكون على جميعهم، وكان ينبغي أن يقول: كما لو انفردوا.
قلت: فقوله: وكان ينبغى أن يقول: (كما لو انفردوا) نص منه على تعليل قول بعض الرواة بالتقدير المذكور.
والبحث فيها يشبه قول الجد في المسألة المسماة بشبه المالكية: لو كنتم دوني لم ترثوا شيئاً.
المازري مع الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو غرم شاهدا البناء لرجوعهما، ثم ماتت الزوجة رجعا على الزوج بما غرما له؛ لأن إنكاره طلاقها والبناء يوجب أن موتها في عصمته قبل البناء، وذلك موجب عليه كل الصداق.
المازري: قال عبد الملك فى كتابه: لو شهدا بطلاقه قبل البناء؛ فغرم الزوج نصف الصداق، ثم مات، ورجع الشاهدان غرما للزوجة ما حرماها من ميراثه، وما أسقطا من صداقها بالطلاق قبل البناء؛ لأن الموت أوجب إكماله.
ولو ماتت الزوجة؛ غرما للزوج مايرثه منها فقط لاشئ مما غرم من الصداق، وهذا إن كان الزوجان ينكران ماشهد به الشاهدان من الطلاق، وذكر ابن الحاجب هذا في مسألة شهادة إثنين بالطلاق، واثنين بالدخول، ولا يتم ذلك فيها على قول بعض الرواة بغرم شاهدي الطلاق.
وفي النوادر ظاهر من كتاب ابن عبد الحكم: ومن له أمة ذات زوج شهد شاهدان
الجزء: 9 - الصفحة: 447
بطلاقها، والسيد يدعيه يقضى له، ثم شهد شاهدان على الشهدين بما أسقط شهادتهما من أنهما زورا شهادتهما، أو كانا غائبين عن البلد الذي شهدا به، فأثبت القاضي النكاح، وصح حكمه بالفراق، ثم رجع الشاهدان أخيرا فعليهما غر مابين قيمتها ذات زوج، وقيمتها خالية منه.
الصقلي عن الموازية: قال أبن عبد الملك: إن رجعا عن شهادتهما بخلع على ثمرة لم يبد صلاحها بعد الحكم؛ غرما قيمتها على الرجاء والخوف.
محمد: بل قيمتها يوم جدها الزوج.
وكذا لو شهدا أنه خالعها على آبق أو شارد أو جنين في بطن أمه، ثم رجعا لم يلزمهما غرم إلا بعد خروج الجنين وقبضه، وبعد وجدان الآبق والشارد، وقبضهما، وإلى هذا رجع محمد ولعبد الملك قول تركته.
قلت: ذكر الشيخ قول عبد الملك، وقول محمد في الثمرة، وفي الجنين حسبما تقدم.
قال عنه: ولو كانت شهادتهما بخلعها بعبدها الآبق أو جملها الشارد كان عليهما لها قيمة ذلك على أقرب صفاته؛ فإن ظهر أنه كان ميتاً قبل الخلع لم يكن عليهما شئ، ولو ظهر أنه أصابه عور أو قطع يد قبل الخلغ لم يلزمهما إلا قيمته كذلك، هذا قول عبد الملك، وأحب إلى أن رجي أخذ ذلك قريباً إن رجي أخذ ذلك قريباً لم يعجل بغرمهما حتى يقبض ذلك الزوج، وإن لم يرج تعجيل وجدانه؛ غرما قيمة صفتهما على ماكانا يعرفان به قبل الإباق والشرود، فمتى ظهر نفص بعد ذلك أو موت رجعا بما زيد عليها، ثم رجع محمد عن هذا كله؛ فذكر ما ذكر الصقلي عنه.
المازري: من أقام على دعواه نكاح امرأة شاهدين، وهى تنكر فقضي عليها بأن تمكنه من نفسها؛ فإن عملت بطلان دعواه، وشهادة الشاهدين بالزور، وجب عليها أن تمنعه من نفسها إذا قدرت؛ لأنه كزان على إعتقادها؛ فإن جبرت على تمكينه، ثم رجع شاهد النكاح، فقد استحقت الصداق المسمي الذي شهد به الشاهدان، وأقر به الزوج، ولا رجوع لها على الشاهدين إلا أن يثبت أن صداق مثلها أكثر من المسمى؛ فيغرمان لها فضل صداق مثلها على المسمى، ولو طلقها قبل البناء فلا صداق لها عليه على مقتضى
الجزء: 9 - الصفحة: 448
إنكارها، وله أن يرجع إلى تصديقها في إنكارها، ويسقط عنه ما كان أقر لها به من نصف الصداق، وإن رجعت هي عن إنكارها وصدقت الزوج، فلها أخذ نصف الصداق منه إن إعتذرت عن إنكارها لكراهتها فيه وندمها على نكاحه، ويحلف على ذلك؛ كامرأة إدعت طلاق زوجها فأنكر ولم تقبل دعواها، فلما مات زعمت أنها كانت كاذبة في دعواها طلاقه، فإن ذلك يقبل منها إن إعتذرت بكراهتها للزوج وترثه.
قال ابن أبي زيد: وتحلف، وكذا على تأويله تحلف المنكرة للنكاح.
ولعبد الملك مثل هذا في رجلين شهدا بطلاق امرأة، فقضي به وزوجها منكر، ثم تزوجها أحد الشهيدين؛ فإن رجع عن شهادته طلقت عليه؛ وغرم نصف الصداق، وإن كان لم يبن بها لإقراره أنه تزوج زوجة غيره، ولو كان رجوعه بعد البناء لم يحد، ولو كان قبل تزويجها؛ منعه الإمام من تزويجها إلا أن يرجع عن رجوعه عن الشهادة، ويحلف على أن الحق في شهادته الأولى؛ فقبل عبد الملك رجوعه عن قول إقتضى تحريمها عليه، وهو كأحد قولي المدونة فيمن شهد على رجل بعتقه عبده، فلم يقض بشهادته، ثم إشترى العبد؛ فقال غير ابن القاسم: لا يعتق عليه إلا أن يتمادى على إقراره بعد شرائه أن العبد حر.
وقال ابن القاسم: يعتق عليه، وإن لم يتماد على شهادته، وقول ابن القاسم هذا قد يتحرج منه أن لايقبل من هذا الشاهد بالطلاق المتزوج لهذه المرأة رجوعه عن شهادته، وهو ظاهر إطلاق إبن المواز فى هذه المسألة، وكذا في مسألة التى أنكرت النكاح، ثم رجعت عن إنكاره إلا أن يقال: إنما قال ابن القاسم حرمة العتق.
قلت: ماذكره ولو كان رجوعه بعد البناء لم يحد هو نقل الشيخ عن ابن الماجشون فى الموازية إذا تزوجها أحدهما، ثم رجع عن شهادته؛ فلها الصداق، ويفرق بينهما بطلاق، ولا حد عليه، والوهم والعمد في ذلك سواء إلا أنه يؤدب فى العمد لا في الوهم.
وذكر قبل قوله قول عبد الملك عن محمد ما نصه: لو رجع قبل أن يتزوجها، ثم جهل فتزوجها فلا صداق عليه إلا أن يبنى بها، فيلزمه مهرها، ولا يقر معها، وهو يقر أنها.
الجزء: 9 - الصفحة: 449
ذات زوج.
وفيها: وسقوط حد العامد في ذلك لوقوع الحكم بالطلاق مع عدم نقضه برجوعه.
قال المازري: ولو كانت الزوجة هي المدعية للنكاح، والمدعى عليه ينكر العقد عليها، ورجع الشاهدان بعد بنائه، وصداق مثلها أقل من المسمى، ففي رجوعه بفضله على صداق مثلها على الشاهدين قولان بناء على تقرر غرمه عوض البضع بنفس وطئه فقط، أو بأن وطأه رضى بما شهد به عليه لقدرته على تركها بطلاقها.
وفيها: لا يحل له القدوم على وطئها مادام معتقدأ كذب البينه عليه فى العقد كما قالوا في المرأة المنكرة العقد عليها: لا يحل لها تمكينها نفسها طوعاً لب الواجب حده؛ كمن وطئ أمة إبتاعها، وهو يعلم أنها حرة إلا أن يراعي شبهة حكم الحاكم.
وفي سرقتها: وإن رجعا بعد الحكم، وقد شهدا بعتق ضمنا قيمة العتق.
الصقلي: وفي كتاب ابن سحنون: وكذا لو كانت أمة غرما قيمتها إلا أنها لا يحل لها أن تبيح فرجها إن علمت أن البينة شهدت بزور، وإن لم تعلمه فذلك لها.
قلت: وذكر الشيخ مسألة المدونة من كتاب ابن سحنون بلفظ: فإن كان السيد مقيماً عل الجحد فله قيمة العبد على الشاهدين، ويبقى ولاؤه له؛ لأن من أعتق عبداً عن رجل فالولاء للرجل، وعلله المازري بقوله: لأن الشاهدين معترفان بأن الولاء لسيده لا لهما، والسيد يستحق ماله على مقتضى إنكاره لكونه ملكاً له؛ فإن لم يكن له وارث أخذ السيد ماله على مقتضي قوله وقول الشاهدين.
قلت: الصواب كونه على مقتضى ظاهر ما حكم به عليه، ولو كان على مقتضى قوله وقول الشاهدين من حيث رجوعهما لم يكن مشروطاً بعدم الوارث، وعلى ظاهر قول المازري.
قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يرد لهما من تركة العبد قدر قيمته التي أخذ منهما؛ لأنه إنما أخذها بمقتضى الملك فيما يزعم لا بمقتضى الولاء والجمع بين الملك وأخذ القيمة باطل.
الجزء: 9 - الصفحة: 450
قلت: ما ذكره غير لازم على تعليل المازري لا بنفس حكم المسألة لجواز تمسك السيد بأنه أخذه بمقتضى ظاهر ماحكم به عليه؛ إلا أنه يأتي في الشهادة بالعتق إلى أجل ما يقتضى رجوعهما عليه بما غرما له مطلقاً.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو رجعا عن شهادتهما بعتق عبد إلى أجل بعد القضاء به؛ غرما قيمته حالة، وأخذاها فى خدمته يؤاجرانه، أو يستخدمانه؛ فإن إستوفياها قبل تمام أجله كانت بقية خدمته إلى الأجل لسيده، وإن تم الأجل قبل إستيفائها؛ فلا شئ لهما، فإن مات العبد بيد سيده عن مال أو قتل، فأخذت قيمته أو مات بعد الحريه عن مال أخذ الشاهدان من ذلك ما بقي لهما.
قلت: لم يقيدالشيخ أخذها فى موته حرا بشئ، والصواب تقييده بأن لا وارث له، وهذا يقتضي رجوعهما على سيده في المسألة السابقة حسب مابيناه.
قال الشيخ: وذكر ابن الماجشون هذه المسألة وقال: إن أعتقه السيد قبل قبض الشاهدين من خدمته ما غرماه بعد عتقه، ورد لهما ما أخذ منهما أو ما بقي لهما منه.
وذكر ابن المواز مثل ما ذكر سحنون، وزاد: لو قال السيد بعد أن أغرمهما قيمته لا آمنهما عليه، وإنما نستخدمه، وندفع لهما ما يحل علي من خدمته، فذلك له، وربما كان ذلك فى الجارية النفسيه، وذات الصنعة فذلك له.
وقاله عبد الملك: وقال لي عبد الله بن عبد الحكم: يغرمان قيمته مسقطاً منها قيمة خدمته للأجل فلم يعجبنا، وقد تجاوز قيمة عمله إلى الأجل قيمته.
وقال عبد الملك: لو كانا عديمين حكم عليهما بقيمة العبد، ثم إن شاء السيد حبسه، وحسب عليه قيمة خدمته؛ فمتى ما أيسرا رجع عليهما بباقى خدمته معجلاً، ويدفع إليهما فيما يستقبل قيمة خدمته شهراً بشهر أو سنة بسنة على قدر ما يرى، وله دفع العبد لغيره بإجارة يستوفيها السيد فى قيمته إن تمت السنون قبل تمام القيمة تبعهم بما بقي.
وتعقب المازري قول محمد قد تجاوز قيمة عمله إلى الأجل قيمته بما نصه: هذا صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره؛ لكنه ممتنع عادة فى جهة العقلاء؛ لأنه إذا حكم
الجزء: 9 - الصفحة: 451
بقيمة الرقبة على بقاء العبد مملوكا طول حياته علم قطعا أن تلك المنافع المؤجلة دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن تكون أكثر منه.
وقال ابن عبد السلام: ماقاله المازري صحيح لو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك.
قلت: يرد قوله: (أكثرهم يقطعون النظر عن ذلك) بأن قطع النظر عن ذلك إنما هو فى تقويم ما لم يعتبر فيه قيمة خدمته لمدة مؤقتة، أما ما يعتبر فيه قيمة خدمته لمدة كما في مسألتنا هذه، فلا يقطع النظر عن ذلك فتأمله.
الشيخ عن الموازية: لو رجعا عن شهادتها بتعجيل معتق إلى أجل بعد القضاء بتعجيل عتقه غرما قيمة خدمته إلى الأجل على غررها، ولو كان إلى موت فلان غرما قيمته على اقصر العمرين عمر العبد، وعمر الذي يعتق إلى موته.
المازري: قد يعارض هذا الذي ذكره محمد وغيره بإقتضائه أن من أعتق عبدأ بعد موته أنه يلزمه كما لو كان في هذه المسألة العبد شيخاً، والمعلق عتقه عليه صبي صغير.
وأجاب: بإمكان موت الصغير قبله فاعبتر في لزوم العتق، واعتبر في لزوم غرم قيمته العادة؛ لأنها أمر مالي.
قلت: ونقل الشيخ في باب المدبر عن أصبغ أن يقول بغرم الراجعين عن شهادتهما بتعجيل المعتق إلى أجل قيمة رقبته لا خدمته.
قال محمد: نحا به أصبغ إلى طريقة ابن القاسم في أم الولد.
الشيخ لابن سحنون عنه: إن رجعا عن شهادتهما بتدبير عبده بعد الحكم على سيده به تعجل منهما قيمته، وإقتضيا من خدمته ما وديا، ويرجع باقي خدمته لسيده.
محمد: يغرمان قيمته يوم الحكم، ويخير السيد فى إسلامه لهما ليأخذا من غلته ما وديا مادام سيده حياً، وإختصاصه بخدمته، ويدفع لهما قيمة تلك الخدمة.
ابن عبد الحكم: يتعجل قيمته منهما، ويختدمانه في القيمة، ويرجع بعد إستيفائهما ما غرما لسيده، وإن مات المدبر قبل إستيفائهما لم يتبعا السيد بشئ؛ فإن كانا عديمين ضمنا فضل ما بين قيمته عبدأ، وقيمته مدبراً أن لو جاز بيعه مدبراً أولاً أخرج العبد من
الجزء: 9 - الصفحة: 452
يده بغير شيء، ولا أقول بقول بعض أهل الحجاز يختدمه سيده قي قيمته إن إستوفاها لم يتبع الشاهدان بشئ إن أيسرا، وإن مات قبل أن يختدمه بوفاء القيمة يتبعهما بما بقي منها إذا أيسرا، ولو قال قائل: يقضي عليهما بما نقص التدبير من قيمته كانا موسرين أو معسرين لم أعبه، وهو أقوى من القول الآخر.
محمد: فإن مات السيد قبل أن يستوفيا من الخدمة ما وديا، فإن خرج من ثلث سيده عتق، ولا شئ لهما غير ما أخذا، وإن رق بعضه فالشاهدان أحق بما رق منه حتى يستوفيا بقية ما غرما، وما فضل عن ذلك هو لوارثه.
وكذا ذكر سحنون فى موت السيد قال: ولو مات المدبر عن مال أخذا منه ما بقي لهما، وكذا من قيمته إن قتل، ولو مات سيده، وعليه دين يرقه بيه لهم قبل الدين، كما لو جنى جناية والدين محيط أهل الجناية أولى برقبته.
ولابن سحنون عنه: لو كان المرجوع عن الشهادة بتدبيره جارية لا تخارج كما نهى عثمان عن مخارجة الأمة التي لا صنعة لها خوف كسبها بفرجها غرما قيمتها، وعتقت إذا ليس فيها ما يستوفى منه ما غرما إلا أن يتفقوا عليها إلى أن يدركا شيئاً من رقها بموت السيد عاجزا ثلثه عن عتقها، وقاله ابن الماجشون في كتابه؛ فإن لم يتفقا عليها خرجت حرة، ولم يلزم سيدها نفقتها.
الشيخ: لابن سحنون عنه، وفي الموازية: إن رجعا عن شهادتهما بكتابة عبد بعد الحكم على سيده غرما له قيمته ناجزة.
محمد: يوم الحكم ويقتضيانها من الكتابة وباقيها إن كان لسيده، فإن وداها عتق وإلا رق لسيده، ولو عجز قبل قبضهما ما غرما بيع لهما منه تمام ما بقي لهما؛ فإن عجز عن تمامه لهما فلا شئ لهما هذا قول عبد الملك.
وقال ابن القاسم: توقف قيمته بيد عدل، ويتأدى السيد الكتابة؛ فإن تأداها.
وفيها: تمام القيمة ردت القيمة للشاهدين، فإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الإستيفاء؛ دفع للسيد من تلك القيمة تمام قيمة عبده.
ابن المواز: وهذا غير معتدل، وبقول عبد الملك أقول، وعليه أصحاب مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 453
والسيد في قول ابن القاسم مظلوم منع من التصرف في عبده دون شئ وصل إليه، ولا راحة للشاهدين في وقفهما؛ ولعلها تتلف فيغركتمخت ثانية، ولو استحسنت قول ابن القاسم لقلت: كلما قبض السيد من الكتابة شيئاً دفع مثله للشاهدين من القيمةم الموقوفة خلاف ظاهر جوابه.
سحنون: وقال بعض أصحابنا: إذا رجعا بيعت الكتابة بعرض؛ فإن كان فيه وفاء القيمة أو أكثر فهو للسيد، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام القيمة، والقول الأول أكثر.
وفي كتاب ابن الماجشونك تباع الكتابة بعرض؛ فإن شاء السيد أخذه، وإن شاء بيع العرض؛ فإن وفى ثمنه بالقيمة أو زاد فهو له، وإن كان أقل تبعهما بتمام القيمة.
قال عنه ابن مهران: فإن أبى السيد من بيع الكتابة لم يغرم له الشاهدان شيئاً.
قلت: فالأقوال أربعة: قول الأكثر، وقول ابن القاسم، وقول بعض أصحاب سحنون، وقول ابن الماجشون، وفي عد قول محمد: لو استحسنت قول ابن القاسم ... إلخ، خامساً: نظر.
وقال ابن عبد السلام: أتفق المذهب على إلزام الشاهدين قيمة المكاتب.
قلت: في صحة هذا الاتفاق مع القولين الأخيرين نظر.
ومن كتاب ابن سحنون والموزاية قال سحنون: إن شهدا أنه أعتق مكاتبه.
قال في الكتابين: شهدا أنه أخذ منه ماعليه من الكتابة.
قال في الموازية: أو أسقطه عنه، وخرج حراً، وثبتت كتابته بغيرهما، أو بإقرار به؛ فكم القاضي بذلك، ثم رجعا غرما لربه ماكاتبه به عيناً أو عرضاً.
قال فى الموازية: يؤديانه على نجومه، وقاله عبد الملك.
قال سحنون إن شهدا على رجل أن فلانه كاتبه بمائتي دينار، وقيمته مائة، والمشهود عليه يجحد فقضي عليه وخرج حراً، ثم رجعا غرما له مائتين، ولا ينظهر إلى قيمته.
قلت: لأنه حر الأصل.
الشيخ: إن رجعا عن شهادتهما على رجل أنه أولد جاريته هذه بعد الحكم عليه
الجزء: 9 - الصفحة: 454
بشهادتهما أن أم ولد له غرما قيمتها لربها، ولم يبق فيها خدمة يرجعان فيها بما غرما إلا أن يؤخد فيها أرش من جراحها أو فيمة من قاتلها؛ فيرجعان في ذلك بما غرما، وما فضل عنه لربها.
سحنون: وكذا يرجعان فيما أفادت من مال بعمل أو هبة بما وديا فقط.
وقال محمد: لارجوع لهما فيه.
المازري: ولا مرجع لهما في سعيها وخدمتها.
وقال ابن عبد الحكم: يخفف عنهما فيما يغرمانه من قيمتها لما بقي لربها فيها من استمتاع؛ ولذا لو كانت حاملاً غرما قيمتها على التخفيف، وإن كان لها ولد شهدا أنه أقر أنها ولدته منه، فألحق به، ثم رجعا غرما له قيمته.
الشيخ: وروي عن بعض مشايخنا أن لاشئ عليهما إذا شهدا أنه إتخذها أم ولد، وهى رواية ما أدري حقيقتها، ولا أرى ذلك.
المازري: والأمر كما ذكر؛ لأن هذا القول يخرم الأصول التي عقدناها في أمثال هذه المسألة، ولو كان ذلك مراعا للقول لجواز بيع أم الولد لكان في المدبر أولى؛ لأن الخلاف فى بيع المدبر أشهر منه فى بيع أم الولد، وإن رجعا عن شهادة بعتق أم ولد بعد الحكم به؛ ففي غرمهما قيمتها وعدمه، ثالثها: قيمة مخففة.
للشيخ عن محمد عن ابن القاسم محتجاً بأنه كقتلها، وعن قول محمد مع عبد الملك وأشهب محتجاً بأنه كرجوعهما عن شهادة بطلاق مدخول بها، وصحة عتق السفيه إياها، وإبن عبد الحكم قائلاً: يخفف عنهما بقدر ما أبقيا له من الوطء، ونقل ابن عبد السلام، وقال أصبغ: لاقيمة على قاتل أم الولد، لا أعرفه له بل لسحنون.
قال ابن رشد فى أول رسم من سماع عيسى من كتاب الضحايا مانصه: واختلف في أم الولد إن قتلت، فقيل: لاقيمة على قاتلها، وهو قول سحنون.
وقال ابن القاسم: وروي أن عليه قيمتها.
قلت: وقال ابن حارث فى باب جناية أم الولد مانصه: واتفقوا في أم الولد يجنى
الجزء: 9 - الصفحة: 455
عليها فتقتل أن قيمتها قيمة أمة، وكذلك جراحها، وأن جميع ذلك لسيدها.
وقال ابن عبد السلام: وانظر على قول ابن القاسم: لو شهدا باستيلاد أمة فرجعا عن شهادتهما، وغرما القيمة لسيدها، ثم شهد آخران بتبتيل عتقها، ورجعا عن شهادتهما، وغرما القيمة ما الحكم فى ذلك؟
قلت: الحكم فى ذلك واضح مما ذكره الشيخ.
قال: لابن سحنون عنه: لو رجعا عن شهادتهما بعتق عبد في محرم عام أول بعد الحكم به فغرما قيمته، ثم شهد آخران أنه أعتقه في صفر عام أول لم ينفع ذلك الراجعين؛ لأنه بشهادتهما عتق.
وقيل إن القاضي يقبل الشاهدين بعتقه في صفر على سيده، ويلزمه رد القيمة على الراجعين، وهذا أعم، وأكثر من الأول، وقاله إبن عبد الحكم، وفرض أن شهادة الأولين يعتقه في رمضان، وشهادة الآخرين يعتقه فى ذي الحجة من عام أول، وزاد إن كان السيد يختدمه فيما بين رمضان وذي الحجة، فللعبد طلبه بقيمة ذلك بشهادة الراجعين في قول أشهب لا في قول ابن القاسم، وبقول أشهب أقول: فإذا قضى له الحاكم بذلك رجع به السيد على الراجعين؛ لأن شهادتهما أوجبت ذلك.
قلت: فعلى قول ابن عبد الحكم يزول الغرم عن الشاهدين بإيلاد الأمة الراجعين عن شهادتهما لبرائتهما بشهادة الأخيرين بعتقها، ويعود الغرم على الشاهدين بعتقها، ويعود الغرم على الشاهدين بعتقها لرجوعهما؛ لأن بشهادتهما برئ الأولان، وعلى القول الأول من نقلي ابن سحنون، وهو قول سحنون أن الغرم لا يزول عن الأولين بشهادة الأخيرين لا يكون على الأخيرين غرم برجوعهما فتأمله.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: من ادعى أنه ابن رجل، والأب ينفيه؛ فأقام بينه أن الأب أقر أنه إبنه فكم بذلك الحاكم، ثم رجعا وأقرا بالزور بقرب ذلك، ولم يمت الأب فلا شئ عليهما في تثبيت النسب قبل أن يؤخذ بشهادتهما المال بالميراث؛ فيرث
الجزء: 9 - الصفحة: 456
المقضي له، ويمنع العصبة؛ فحينئذ يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم، وكذا إن كانت الشهادة على من مات، وترك عصبة فقضي للإبن بالميراث.
وفي الموازية: لو رجعا عن شهادتهما على رجل في عبده أنه أقر أنه أبنه بعد القضاء بإلحاقه به، وحريته غرما له قيمته عاجلاً؛ فإن مات الأب وترك ولداً آخر معلوم النسب قسما تركته إلا قدر قيمة المستلحق يختص بها المعلوم النسب؛ لأن المستلحق مقر أن أباه ظلم فيها البينة، وأنه لا إرث له فيهان ويغرم الشاهدان للثابت النسب قدر ما أخذه المستلحق من التركة.
محمد: وإنما إختص الثابت النسب بالقيمة؛ لأنا لو قسمناها بينهما رجع الشاهدان على المستلحق فيما أخذ منهما لإقراره أنه لا رجوع لأبيه عليهما لصحة نسبه عنده، فإذا أخذا ذلك منه قام عليهما الابن الأول النسب فأخذ ذلك منهما؛ لأنه يقول: لو بقي بيد المستلحق رجعت بمثله عليكما لوجوب غرمكما كلما أخذ من التركة من ألحقتماه بأبي.
الصقلي عن الموازية: ولو طرأ على الميت دين مائة دينا لرجل أخذ من كل من الولدين نصفها؛ فإن عجز عن ذلك أتم قضاء الدين من القيمة التي إنفرد بها المعلوم النسب، ورجع الشاهدان عليه بمثل ما غرمه الملحق؛ لأنهما غرما له مثل ما أخذ الملحق، وما أخذه الملحق قضي به دين الأب، ولا ميراث للمعلوم إلا مافضل عن الدين، وأيضاً فهو كما لم يأخذ الملحق شيئاً، وكان يجب عليهما غرم ذلك للثابت نسبه؛ فلذا وجب أن يرجعا عليه.
قال: ولم لم يترك ولداً غير الملحق، وترك مائتي دينار؛ يريد: إحداهما قيمة الولد الملحق فالمائة الواحده له فقط، والأخرى للعصبة أو لبيت المال، ويغرم الشاهدان مائة أخرى للعصبه أو لبيت المال؛ لأنهما لولا شهادتهما أخذ العصبة مائتين فلو طرأ على الميت دين مائة دينا أخذت من الملحق وحده ورجع الشاهدان فأخذ المائة التي وديا للعصبة أو لبيت المال، وإنما غرم الدين الملحق وحده؛ لأنه مقر أن الذي ترك أبوه مائة، والمائة التى هى قيمته أخذت من الشهيدين ظلماً؛ فوجب أن يؤدي المائة التي ورث إذ لا ميراث قبل الدين، وإنما رجع الشاهدان بالمائة على العصبة؛ لأنهما غرما لهم
الجزء: 9 - الصفحة: 457
ما أخذ الملحق، وما أخذه قضي به دين وليهما، ولا إرث إلا بعد الدين.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو رجعا عن شهادتهما في إمرأة ورجل أنهما لفلان، وهما يجحدان ذلك بعد القضاء بذلك، وأقرا بالزور فلا ضمان في ذلك.
قلت: هذا يناقض ما نقله إبن رشد واللخمي.
قال ابن رشد فى سماع عبد الملك من جامع البيوع: من باع حراً، وغاب فعليه طلبه حتى يرده، فإن عجز عن رده؛ فقيل: يغرم ديته لورثته؛ وكتب بها للقاضي إبن بشير بقرطبة، فجمع أهل العلم، وكتب لقاضيه الذي سأله أن أغرمه ديته كاملة.
قلت: وحكاه اللخمي رواية لإبن حبيب في ترجمة غصب ما لا يجوز بيعه، وكان يجرى الجواب عن المناقضة بأن تسبب الشاهدين في رقة أضعف من تسبب البائع في رقه؛ لإستقلال بائعة برقه، وعدم إستقلال الشاهدين برقه لمشاركة مدعي رقه لهما فى ذلك.
ابن عبد الحكم: إن شهدا على رجل أنه عبد فلان، وهو يدعي الحرية؛ فقضي برقه، ثم رجعا فلا قيمة عليهما، ويغرمان للعبد كلما أستعمله سيده وخراج عمله، وما أنتزعه منه، وليس لمن قضي له بملكه أخذ ذلك منه؛ لأنه عوض ما أخذه منه، ولو مات العبد لم يرث ذلك السيد، ولكن يوقف ذلك حتى يستحق ذلك مستحق، ثم يرثه بالحرية، فإن أعتق العبد قبل موته منه عبداً جاز عتقه، وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حراً، ولايرثه العبد إن مات، ومعتقه حي.
قلت: كذا وجدته في نسخة عتيقة من النوادر أنه لايرثه العبد إن مات، ومعتقه حي، وهو مشكل إن كان المراد بالعبد المرجوع عن الشهادة برقه، وقد عتق إلا أن يريد بقوله: (ومعتقه حي) أن المعتق هو من أعتق العبد المرجوع عن شهادته فتأمل ذلك، وإن أوصى منه العبد كان ذلك فى الثلث، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته إن كان له من يرثه إن كان حراً، وليس للعبد أن يتزوج منه؛ لأن النكاح ينقص رقبته.
ومن كتاب ابن سحنون: إن شهدا على رجل أنه عبد لمن ادعاه، والمدعى عليه
الجزء: 9 - الصفحة: 458
يجحد، فحكم برقه، ثم قاطعه المحكوم له بما أخذه منه، وأعتقه أو كاتبه عليه؛ فأدى وعتق، ثم أقرا بالزور غرما للمشهود عليه ماودى إلى السيد، والحكم ماض، والولاء قائم.
الشيخ عن ابن عبد الحكم إن شهدا على رجل أنه أقر لفلان وفلان بمائة دينار، ثم رجعا بعد القضاء، وقالا إنما شهدنا بها لأحدهما وعيناه، رجع المقضي عليه بمائة بخمسين عليهما، ولا تقبل شهادتهما للآخر بكل المائة لجرحتهما برجوعهما، ولا يغرمان له شيئاً؛ لأنه إن كان له حق فقد بقي على من هو عليه، وليس قول من قال: يغرمان له خمسين بشئ؛ لأنهما إنما أخذا خمسين من المطلوب أعطياها لمن لاشئ له عليه، ولو كان عبداً بعينه شهدا أنه أقر به لفلان وفلان فرجعا بعد القضاء به لهما، وقالا: إنما أقر به لفلان منهما فهاهنا يغرمان لمن أقرا له قيمة نصفه؛ لأنهما أتلفاه عليه هذا إن أقر من كان العبد بيده أنه لمن شهدا له أخيرا، وإن إدعاه لنفسه، وأنكر شهادتهما غرما نصف قيمته للمشهود عليه، وليس للمقر له أخيرا إلا نصفه.
قال ابن عبد السلام: لم يضمن أهل المذهب الشاهدين للمشهود له أخيرا، وعذروهما بالنسيان، واختلف في ضمان المودع بالنسيان، وضمنوا من أقر بثوب لزيد، ثم أقر به لعمرو، ولم يعذروه بالنسيان، وقد يفرق بأن الشاهد قد يكثر تحمله للشهادات فلو ضمن بالنسيان كان عليه ضرر عظيم، ولو أقر بتعمد الزر لا نبغى أن يتفق على تضمينه.
قلت: قوله: (وعذروهما بالنسيان) يرد بأن النسيان فى هذا الباب عند الفقهاء إنما هو عدم ذكر الإنسان ما كان ذاكراً كودع شيئين لرجلين، ثم لايذكر ما لأحدهما منهما بعينه لا فعل ما يعتقد جوازه، أو قوله، وهو فى الواقع غير جائز؛ لأن هذا إنما يعبر عنه بالخطأ الذي هو في أموال الناس كالعمد، ومن البين أن الصادر من الشاهدين في هذه المسألة إنما هو المعنى الثاني لا الأول، وإنما أوجب عدم تضمينها م قاله ابن عبد الحكم، وهو صواب فتأمله، ويقوم منه أن مافي الذمة لا يتعين بحال مادام في الذمة، وأن التعرض إليه بغير الواجب لايوجب فيه حكماً.
الجزء: 9 - الصفحة: 459
ونزلت في أوائل هذا القرن مسألة هي أن رجلا له دين على رجل فعدا السلطان على رب الدين فأخذه من غريمه، ثم تمكن رب الدين من طلب المدين بدينه، فإحتج المدين بجبر السلطان على أخذه منه من حيث كونه حقا لرب الدين، فأفتى بعض الفقهاء ببراءة المدين، وأفتى غيره بعدم براءته محتجاً بأن ما في الذمة لا يتعين.
وقوله: (فلو ضمن بالنسيان كان ضرر عظيم) مقابل بأن عدم تضمينه ضرر بالمشهود عليه، وهو غير مفرط والشاهد هو المفرض فكان أولى بالخسارة.
وقوله: (لو أقر متعمداً لزور) لا نبغى أن يتفق على تضمينه فيه نظر؛ لأن مقتضى قول إبن عبد الحكم: (ولا يغرمان له شيئاً؛ لأنه إن كان له حق ... إلخ) أن تعمدهما الزور، وعدمه سواء فتأمله.
الشيخ فى الموازيه: إن رجع أحدهما عن شهادتهما بحق بعد الحكم غرم نصفه فقط، وقاله عبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ماشهدا به غرم الربع، وإن رجع عن الثلث غرم السدس، ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهدا به غرم الربع، وإن رجع عن الثلث غرم السدس، ولو اختلف رجوعهما غرم كل واحد منهما ما شهد به.
الصقلي عن ابن القاسم: لو كانت البينه ثلاثة فرجع أحدهم بعد الحكم فلا شئ عليه لبقاء من يثبت الحق به؛ فإن رجع ثان غرم هو، والأول نصف الحق.
وقال ابن عبد الحكم: يغرم الراجع أولاً من الثالثة ثلث الحق، وذكر أن أشهب قاله فى أربعة شهدوا بدرهم فرجع ثلاثة أن عليهم ثلاثة أرباعه.
محمد: لو شهد ثلاثة بثلاثين فرجع أحدهم عن الجميع، وآخر عن عشرين وآخر عن عشرة فقد بقيت عشرة إجتمع عليها رجلان، وإجتمعوا في الرجوع عن عشرة فهي عليهم أثلاثا والعشرة الثلاثه رجع عنها إثنان، وأثبتها واحد فعلى الاثنين نصفهما إثنان، ونصف على كل واحد، وهما الراجع عن الجميع، والراجع عن عشرين.
قال: ولابن سحنون عنه لو رجع رجل وثلاث نسوة عن شهادة بحق غرم الراجل نصفه، والنسوة نصفه، ولو رجع من النسوة، وهن عشرة واحدة إلى ثمانية فلا غرم
الجزء: 9 - الصفحة: 460
عليهن، فلو رجع منهم تسع فعليهن ربع المال بينهن بالسواء.
قلت: لأن التسع كامرأة من إمرأتين.
وقد قال الشيخ عن ابن الماجشون: لو شهد رجل وإمرأتان بمال، ثم رجعت المرأتان فعلى كل واحدة ربعه، وغن لم ترجع إلى واحدة فعليها الربع.
قال ابن الحاجب فلو كان مما يقبل فيه إمراتان كالرضاع وغيره، ورجعوا فعلى الرجل سدس، وعلى كل إمرأة نصف سدس، فلو رجعوا إلا إمرأتين فلا غرم فلو رجعت أخرى فالنصف على جميع من رجع.
قلت: يريد أن الشهود رجل، وعشر نسوة كذا صورها إبن شاس، وذكر فيها من الحكم مثل ما ذكر ابن الحاجب.
قال ابن هارون: جعلوا على الرجل ضعف ماعلى المرأة، وفيه نظر، والقياس إستواء الرجل والمرأة في الغرم في هذا الفصل؛ لأن شهادة المرأة فيه كشهادة الرجل، وقاله ابن عبدد السلام، ثم قال: ولعل وجهه أن الشهادة لما آلت إلى المال حكم بالرجوع فيها بحكم الرجوع عن شهادة الأموال.
قلت: هذا التوجيه وهمٌ؛ لأن رجوع الرجل مع نسوة في الأموال يوجب عليه غرم نصف الحق لا ضعف ما يجب على المرأى حسبما تقدم؛ وعندي أنه يتوجه على غير المشهور في إضافة الغرم إلى عدد الشهود من حيث عددهم لا على أقل النصاب منهم، وهو قول ابن عبد الحكم وأشهب في أربعة رجع ثلاثة منهم أن عليهم ثلاثة أرباع الحق خلاف المشهور أن عليهم نصفه فتأمله، ثم تعقب توجيهه المذكور بقول ابن شاس وابن الحاجب: لو رجعوا إلا إمرأتين فلا غرم.
قال: فهذا مما يقوي ما نقلناه أن الرجل في هذا الباب كالمرأة فلذا استقل الحكم بالمرأتين، ويرد بأن بقاء المرأتين يثبت حكم الرضاع، وكلما ثبت فلا غرم فهذه الصورة التى نقض بها علة الحكم في صورة النزاع مباينة لصورة النزاع، فلا ترد نقضا فتأمله، ولا أعرف هذه المسألة لأحد من أهل المذهب، ولقد أطال الشيخ والصقلي في هذا الباب بذكر مسائل كثيرة، ولم يذكراه.
الجزء: 9 - الصفحة: 461
قلت: ذكره الغزالي في وجيزه بلفظ ما ذكره ابن شاس فأضافه ابن شاس إلى المذهب على عادته في ذلك ظناً منه أنها جارية على أصول المذهب، وعليه في ذلك تعقب عام، وهو إضافته ما يظنه أنه جار على المذهب إلى المذهب؛ كأنه نص فيه، وتعقب خاص، وهو حيث يكون الإجراء غير صحيح كهذه المسألة؛ فتأمل ذلك منصفاً.
ولما ذكرها الغزالي قال: وتنزل كل امرأتين منزلة رجل؛ لأن هذا يثبت بشهادة النسوة فلا يتوقف شطره على الرجل.
قلت: وهذا التوجيه يعم لقوله في كتاب الرضاع: والشهادة فيه بأربع نسوة، وشهادة الرجل عندنا في الرضاع كالمرأة، قاله في النكاح الثاني منها.
وقول ابن الحاجب: وقياس قول أشهب خلافه؛ يريد أن رجوع بعضهم يوجب عليه غرم منابه، ولو بقي من يتم الحكم به حسبما تقدم.
الشيخ عن الموازية: إن رجعا بعد الحكم بشهادتهما، وهرب المقضي عليه قبل الغرم فليس للمقضي له تغريم الراجعين بما يغرمانه للمقضي عليه إذا غرم ما شهدا به عليه؛ ولكن ينفذ الحكم عليهما للمقضي عليه؛ فإذا أغرم أغرمهما كما لو شهدا بحق مؤجل، ثم رجعا فلا يرجع عليهما حتى يحل الأجل، ويغرم وله طلب الحكم له عليهما الآن، ولا يغرمان الآن.
قال ابن عبد الحكم: للمقضي عليه طلب الشاهدين بينة دفع المال عنه للمقضي له.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الراجعين بشئ حتى يغرم المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره فإتلاف ماله، واللذان أوجبا ذلك عليه قيام؛ أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوساً، ولا يغرم الشاهدان؟ بل يؤخذان بذلك، حتى يخلصاه، فإن أبيا حبسا معه، ولو شهدا عليه بمائة دينا فحكم عليه بها، وأجله الإمام فيها عشرة أيام، ثم رجعا قبل تمام الأجل غرما ذلك الآن وبرئ المطلوب، وكذا نقله ابن شاس.
وقال ابن الحاجب: وللمقضي عليه مطالبتهما قبل غرمه ليغرمه للمقضي له،
الجزء: 9 - الصفحة: 462
وللمقضي له ذلك إذا تعذر من المقضي عليه، وقيل: لا يلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه، وضعفه إبن عبد الحكم.
قلت: قوله: (عن المذهب) وللمقضي له ذلك وهم؛ لأنه خلاف المنصوص، ولو ذكره بعد ذكر المنصوص أمكن أن يكون قولا انفرد بمعرفته وقوله.
وقيل: لايلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه، وضعفه ابن عبد الحكم ظاهره أن هذا القول في المذهب، وهو وهمٌ، وما نقله من تضعيفه ابن عبد الحكم قد نقله الشيخ حسبما تقدم.
ابن عبد السلام: إذا وقف غرمهما على غرم المقضي عليه، فغرمهما مشروط بغرمه، فيلزمه تأخير الشرط عن المشروط، وذلك مناقض لأصل المسألة أن للمقضي عليه أن يطالبهما بالدفع للمقضي له قبل غرمه.
ألا ترى أن غرمهما سابق على غرمه، فيكون غرمهما سابقاً لاحقا؛ وهو باطل، فلو صح مانقله المؤلف من تضعيف ابن عبد الحكم لكان وجهه هذا.
قلت: وقفه على غرمه إنما هو في غيبته لا مع حضوره، ولا يتوهم تأخر الشرط عن المشروط إلا في مجموع توقف غرمهما على غرمه مع لزوم غرمهما بمجرد طلبه غرمهما قبل غرمه، ويرد بأنه إنما شرط غرمهما بغرمه في حال غيبته لا في حال حضوره؛ لأنه في غيبته يمكن أن لو حضر أقر بالحق المشهود عليه به، وإذا حضر وطلب غرمهما إنتفى هذا الإحتمال فقوله: (يلزم تأخير الشرط عن المشروط)؛ وهم فتأمله.
وقوله: (لو صح مانقله المؤلف من تضعيف ابن عبد الحكم) يدل على أنه لم يصح، وقد تقدمت صحته، وقوله: (لكان وجهه هذا) يدل على أن ابن عبد الحكم لم يذكر وجه تضعيفه، وقد تقدم توجيهه لو نصّاً.
باب تعارض البينتين
تعارض البينتين: إشتمال كل منهما على ما ينافي الأخرى.
عبد الحق: روى النسائي بسنده عن أبي موسى: ((أن رجلين إختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء: 9 - الصفحة: 463
في دابة ليس لواحد منهما بينة فقضى بها بينهما نصفين))
وقال: إسناده جيد، وذكر عبد الرازق بسنده إلى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم ((قضى أن الشهود إذا استووا أقرع بين الخصمين))
عبد الحق: هذا مرسل، وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحي، وهو متروك.
وذكر الدارقطني بسنده عن جابر ((أن رجلين إختصما النبي صلى الله عليه وسلم في ناقة؛ فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي، وأقامه بينة فقضر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده))
فمهما أمكن الجمع بينهما جمع كالدليلين، وتتقرر صورة الجمع مثل قولها: ومن قال لرجل: أسلمت إليك هذا الثوب في مائة أردب حنطة، وقال الآخر: بل هذين الثوبين لثوبين سواه فى مائة أردب حنطة، وأقاما جميعا البينة لزمه أخذ الثلاثة الأثواب في مائتي أردب، ولو قال المسلم إليه: أسلمت لي هذا الثوب الذي ذكرت مع العبد فيما سميت، وأقاما البينة قضي بالبينة الزائدة فيأخذ من الثوب والعبد، وتلزمه المائة لذي الأردب.
وفيها مع غيرها: إذا تعارضت البينتان قضي بأعدلها.
ولابن رشد في سماع يحيى من الشهادات: إن شهدت إحدى البينتين بخلاف ما شهدت به الأخرى مثل أن تشهد إحداهما بعتق، والثانية بطلاق، أو إحداهما بطلاق إمراة، والثانية بطلاق إمرأة أخرى، وشبه هذا فم يختلف قول ابن القاسم، ورواية المصريين في أنه تهاتر يحكم بأعدل البينتين، فإن تكافأتا سقطتا.
وروى المدنيون أنه يقضى بهما معا إذا استوتا في العدالة؛ أو كانت إحداهما أعدل.
الجزء: 9 - الصفحة: 464
وفي نوازل سحنون: إن شهدت بينة بقتل زيد عمراً يوم ذكا، وبينة بأنه كان ذلك اليوم ببلد بعيد عن موضع القتل قضي ببينة القتل.
ابن رُشْد: هذا مشهور المذهب، وقاله أَصْبَغ.
وقال إسماعيل القاضي: يقضي ببينة البراءة إن كانت أعدل، وإن كانتا في العدالة سواء طرحتا، وقال ابن عبد الحكم.
وفي نوازل أصبغ: إن شهدت بينة بزنا رجل بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وأخرى أ، هـ كان ذلك اليوم بالعراق حد، ولو شهدت الأخرى بأنه سرق ذلك اليوم بالعراق أو قتل إنساناً بالعراق سقطتا، ولو شهدت الأخرى بأنه زنى ذلك اليوم بالعراق حد، وكذا لو شهدت بينة أنه قتل فلاناً بمصر، وشهدت أخرى أنه قتل فلانًا بالعراق قتل بهما.
ابن رُشْد: تفرقة أصبح هذه هي على قياس مشهور قول ابن القاسم أن البينتين إذا اختلفتا بالزيادة أعملت ذات الزيادة، وإن اختلفت في الأنواع سقطتا إلا أن يكون إحداهما أعدل فيقضي بها، وقال أيضًا: إن اختلفتا بالزيادة سقطتا إلا أن تكون إحداهما أعدل فيقضي بها كاختلاف الأنواع، فيلزم على قياس هذا إن شهدت الأخرى بانه زنى ذلك اليوم بالعراق أن تسقطا إلا أن تكون إحداهما أعدل، فيقضى بها كما لو شهدت أنه سرق ذلك اليوم بالعراق، وهو الذي يوجبه القياس لتكذيب كل بينة الأخرى، وتعليل أَصْبَغ لإقامة الحد والقتل بأنه يعلم صدق إحدى البينتين غير صحيح؛ لأنه إذا علم أن إحداهما كاذبة، واحتمل أن تكون كل واحدة هي الكاذبة احتمل كذبهما معا، وإذا احتمل كذبهما معا أو كذب إحداهما لم يصح أن يحكم بأن إحداهما صادقة إلا أن تكون هي أعدل، وإلى هذا نحا ابن عبد الحَكم على ما ذكرناه عنه في نوازن سَحنون، ويأتي على قياس قول الأخوين عن مالك في أن البينتين إذا شهدت إحداهما بخلاف ما شهدت به الأخرى واستويتا في العدالة أنه يقضى بما شهدتا به معا أنه يُحَدّ للزنا، والسرقة إذا شهدتا بهما، وهو بعيد جدًّا.
قول ابن الحاجب: ومهما أمكن الجمع جمع يدل على أنه إن شهدت إحداهما بأنه
الجزء: 9 - الصفحة: 465
طلق الكبرى، والأخرى بأنه إنما طلق الصغرى، أنه يجمع بينهما، وتقدم من نقل ابن رُشْد أنه خلاف قول ابن القاسم، ورواية المصريين، وحوز أحد المتداعيين، ولا مرجح.
وفيها: من كانت بيده دور أو عبيد أو عروض أو دنانير أو غير ذلك فادعى ذلك رجل وأقام بينة، وأقام ذلك من بيده بينة أنه له قضي بأعدل البينتين، وإن تكافأتا سقطتا، وبقي الشيء بيد ائزه، ويحلف.
عياض: ثبت قول ابن القاسم، ويحلف عند ابن وضاح، وسقط لغيره.
وفي الموازيَّة: لا يمين عليه.
وفي الولاء منها: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم قام آخر البينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثلها، وتكافأتا فالمال بينهما.
قيل: ولم، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال الذي هو بيده؟ قال: إنما ذلك إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال عرف أصله، وقال غيره: هو للذي بيده كمن بيده ثوب ادعاه رجل، وأقام بينة أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، ومات البائع، ولم تؤرخ البينتان، وهم في العدالة سواء سقطت البينتان، وبقي الثور لحائزه ويحلف.
الصقلي: مسألة الولاء بخلاف هذه؛ لأن الولاء لم يحزه أحدهما، وإنما وقع الحوز في مال عرف أصله.
وعبر عنه المارزي بقوله: إن عرف مبدأ حوزه ففي الترجيح به قولان فذكر مسألة الولاء، قال: وكذا لو التقط الرجل لقطة فأخذها منه من أقام بينة أنها له، فقيل: إذا عورضت بينته ببينة مثلها بقيت له.
قلتُ: ومنه مسألة من طلبته امرأته بكسوتها؛ فقال لها: الثوب الذي عليك لي، وقالت: بل هو لي، ففي كون القول قولها أو قوله نقل الطرر عن الاستغناء، وفتوى ابن دحون، وابن الفخار قال: حكى قوليهما الفقيه أبو القاسم البوياني، واختار الأول.
قلتُ: بناء على اعتبار كونها في حوز الزوج أو حوزها في نفسها.
الجزء: 9 - الصفحة: 466
وإن تكافأت بينتا من ادعى ما بيد ثالث: فقال اللخمي: إن ادعاه لنفسه؛ فقيل: ينتزع منه، ويكون بينهما نصفين لاتفاق البينتين على انتزاعه منه، وقيل: يبقى لحائزه لترجيح كل من البينتين الأخرى.
قلتُ: ذكرهما المازري روايتين، والثانية قولها، والأولى هي ظاهر قول الغير فيها.
اللخمي: فإن اعترف بها لأحدهما فعلى القول الأول إقراره لغو، ويقتسمانه، وعلى الثاني هو لمن أقر له به.
المازري: اختلف القول عندنا في رجلين ادعيا عفوا من الأرض لا يد عليه، وأقاما البينة هل يصرفان عنه ويقسم بينهما بعد الاستيناء؟
اللخمي: اختلف إن تنازعا عفوا من الأرض، فقيل: يقتسمانه بمنزلة ما لا يد عليه.
وقال في المدَوَّنة: تبقى كغيرها من عفو بلاد المسلمين.
يريد: لأن العبد والدار لابد لهما من مالك، وعفو الأرض يصح أن يكون لا مالك له.
وفيها: لابن القاسم بلغني عن مالك: إن تكافأت بينتا المتنازعين في عفو من الأرض سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق ما ثبت من ذلك.
ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب بعد هذا: كل ما تكافأت فيه البينات، وليس بيد واحد منهما، ولا يخاف عليه مثل الدور والأرضين يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتي به صاحبه إلا أن يطول الزمان، ولا يأتيا بغير ما أتيا به، فإنه يقسم بينهما.
ابن القاسم: لأن وقف ذلك يصير إلى الضرر.
قلتُ: ففي ترك العفو مطلقًا، وقسمه بعد الطول رواية ابن القاسم فيها، وقول أبي إبراهيم، وروي ابن نافع أن العفو يوقف أيضاً مثل رواية بان القاسم أولاً.
واقتصار ابن عبد السلام على قوله: روي ابن نافع في العفو أنه يوقف أبدًا، ورواية
الجزء: 9 - الصفحة: 467
ابن القاسم أنه يقسم بينهما بعد إيمانهما يدل على أن لا رواية لابن القاسم إلا القسم، وأنه لا يشترط فيه استيناء طول الزمان، وكلاهما غير صحيح لما تقدم من قول الأمهات.
وإذا وجب قسم المدعى فيه فقال ابن شاس: إن لم يكن في أيديهما قسم على قدر الدعاوي، زاد ابن الحاجب اتفاقاً.
قال ابن هارون، فعليه إن ادعى أحدهما جميع الثوب، والآخر نصفه قسم بينهما أثلاثا.
قلتُ: وذكر المسألة ابن حارث وقال فيها عن عبد الملك وسَحنون: لمدعي الكل النصف بإجماعهما على ذلك، والنصف الثاني الذي تداعيا فيه بينهما نصفين.
قلتُ: وكذا نقله الشَّيخ عن أشهب في كتاب ابن سحنون، وهو خلاف قول ابن الحاجب اتفاقًا.
الشَّيخ في الموازيَّة لابن القاسم: إن قال أحد الشريكين في مال بأيديهما لي ثلثاه، وقال الآخر: لي نصفه، وإنما لك نصفه فلمدعي الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث، والسدس الباقي بينهما نصفين بعد تحالفهما.
وقال أشهب: يقسم بينهما نصفين، فعبر غير واحد عن قوليهما: بكون القسم على الدعاوي أو نصفين.
وفي تعيين المبدأ منهما باليمين خلاف.
قال المازري: ذكرنا الاختلاف في اختلاف المتابعين في الثمن هل يبدأ البائع أو المبتاع؟ وذلك يجري هنا.
قلتُ: إنما يتصور الإجراء لو أمكن اختصاص أحدهما بكونه كالبائع، واختصاص الآخر بكونه كالمبتاع، ولا يخفى تعذر ذلك، ثم قال: وكان شيخنا يختار في هذا الأصل القول بالقرعة، وقيل في هذه المسألة الحاكم بالخيار فيمن يبدئه بالحلف.
قلتُ: الأظهر تبدئة آخرهما دعوى على صاحبه؛ لأنه الأول منا لمدعي عليه منهما، ثم أجرى حلف كل واحد منهما على نفي دعوى صاحبه فقط، أو عليه مع صحة
الجزء: 9 - الصفحة: 468
دعواه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على الحكم في ذلك في اختلاف المتبايعين، وعلى كونه على التداعي في كونه على قدر مدعي كل منهما كعول الفرائض، أو على اختصاص مدعي الأكثر بما سلم له، وقسم المتنازع فيه بالسويَّة نقلاً الشَّيخ عن مطرف مع ابن كنانة وابن وهب وأشهب وابن القاسم مع ابن الماجِشُون.
قال ابن الحاجب: ولو زادوا على اثنين فقولان:
أحدهما: اختصاص مدعي الأكثر بما زاد على الدعويين جميعا، وهو الصواب.
والثاني: اختصاصه بما زاد على أكثرهما؛ فلو كان ثالث يدعي الثلث مع مدعي جميعه، ونصفه جاء القولان؛ فعلى الأول يختص مدعي الكل بالسدس، ثم يأخذ من الباقي نصفه، وهو ربع وسدس، ثم يختص مدعي النصف بما زاد على الثلث، وهو نصف السدس، ويقتسمان الثلث، وعلى الثاني يختص مدعي الكل بالنصف، ثم يأخذ من الثاني نصف ما زاد على الثلث، وهو نصف الثلث، ويأخذ مدعي النصف نصف سدس، ثم يقسم الباقي أثلاثاً.
قلتُ: يريد بالأول الاختصاص بما زاد على الدعويين، والثاني الاختصاص بما زاد على أكثرهما، وتقرير كلامه واضح.
وعن الشيخ في النوادر: الأول لمحمد بن الموَّاز، وقال ابن حارث: رأيته لبعض المصريين في كتاب أبي إسحاق البرقي، وعزا الشيخ الثاني لأشهب، وقرره بقوله: يقال لمدعي النصف، ولمدعي الثلث: سلمتما النصف لمدعي الكل؛ فيكون له ستة أسهم من اثني عشر، ويقال لمدعي الثلث: سلمت السدس، وهو سهمان يكون بين مدعي الكل، ومدعي النصف نصفين، ويبقى الثلث، وهو أربعة يدعونه كلهم؛ فيقسم بينهم أثلاثا فيصير لمدعي الثلث سهم وثلث من اثني عشر، ولمدعي النصف سهمان وثلث، ولمدعي الكل ثمانية وثلث.
قال: هو نحو جواب ابن القاسم، وقرر محمد قوله بقوله: يقال لمدعي النصف، والثلث سلما السدس لمدعي الكل، وبقي خمسة أسداس يدعيها صاحب الكل وصاحباه يدعيانها فيعطيانه نصفها، ثم يقتسمان نصفها، وهي عشرة قراريط من أربعة
الجزء: 9 - الصفحة: 469
وعشرين قيراطًا، يقال لمدعي الثلث: أنت لا تدعي في قيراطين منهما فسلمهما لمدعي النصف، وتقسم الثمانية بينهما نصفين.
وقال ابن حارث: وفي هذا الأصل قول ثالث هو أعدل الأقاويل أن القسمة في ذلك على حساب عول الفرائض، وهو من معني قول مالك في الدينار الواقع في مائة دينار، وكثيراً ما كنت أسمعه من شيوخنا، وهو لأصحابنا أيام الدرس لهم، والمناظرة لهم.
قلت: حكاه الشيخ في نوادره من نقل أشهب قال: قال أشهب: وقال بعض أصاحبنا: يقسم بينهم على حسب عول الفرائض فيقسم على أحد عشر سهمًا لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث اثنان.
وما به الترجيح أمور الأعدلية في الترجيح بها معروف المذهب، ونقل ابن حبيب عن بعض علمائنا، ونقله ابن عبد السلام رواية عن مالك لا أعرفه، وابن رشد إنما عزاه لبعض أهل العلم، قال: وقاله المخزومي.
قال اللخمي: اختلف في الترجيح بالأكثر، والأعدل على ثلاثة أقوال رجح في المدونة بالأعدل لا بالأكثر.
وروى ابن حبيب: يرجح بهما.
قال ابن حبيب: وسمعت غير واحد من علمائنا يقول: إذا شهد عدلان، ومن هو أعدل منهما أو أكثر عدداً فهما سواء، وتبعه المازري على ذلك.
ابن حارث: اتفقوا في البينتين تتضادان في الأموال، والبياعات أن الأعدل منهما أحق بالقبول، واختلفوا إذا تضادت في النكاح؛ فقال ابن القاسم في المدونة، لا ينظر في هذا إلى الأعدل، ويفسخ النكاح إن كان الشهود كلهم عدولاً، وقال أشهب، ولابن عبدوس عن بعد الملك وسحنون أن يقضى بالأعدل في النكاح.
قال: وقال اصبغ في الشهادات من المستخرجة في باب مسائل النوازل أن الجراح والدماء والعتق والقصاص والحدود كلها لا ينظر فيها تكافأت فيه الشهادات إلى الأعدل بعد أن يكون من شهد عدلاً مرضياً؛ فهو أحق ممن يعرض لترك الشهادة.
الجزء: 9 - الصفحة: 470
قلت: لم أجده في العتبية، وليست هذه المسألة من مسائل الترجيح بل من باب الاختلاف في تعارض البينتين في الإثبات، ولانفي هل هو من باب التهاتر؟ فينظر فيه إلى الترجيح أو البينة المثبتة مقدمة، وليس من باب التهاتر، وعليه يتنزل قول أصبغ هذا فتأمله.
قلت: لغو الترجيح بالكثرة، واعتباره قولها ورواية ابن حبيب.
وفيها لابن القاسم: لو شهد لهذا شاهدان، ولهذا مائة وتكافأوا في العدالة لم يرجح بالكثرة.
اللخمي والمازري، ومحمله على الغايات، ولو كثروا حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بهم وذكر في تمام رواية ابن حبيب ما نصه: إن كان كلاهما كثيراً يكتفي بهم الحاكم فيما يلتمسه من الاستظهار بالكثرة لم ينظر إلى الأكثر في الترجيح به، وعزاه الشيخ لرواية الأخوين، ووجه المشهور القرافي بأن المقصود من القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أشد في التعذر من مزيد العدد؛ لأن كلا من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود، ولا يمكنه مزيد العدالة، وتعقبه ابن عبد السلام بقوله زيادة العدد إنما هي معتبرة بقيد العدالة نسلم، ولا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة، وتقرر في علم الأصول أن الوفاء بهما أن الوصف بهما كان أدخل تحت الانضباط، وأبعد عن النقض، والعكس كان أرجح وزيادة العدد منضبط محسوس لا يختلف، والعدالة مركبة من قيود، فضبط الزيادة فيها متعذر أو متعسر فلا ينبغي أن تعتبر في الترجيح.
قلت: رده أولاً بقوله: (لا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة)، يرد بأن القرافي لم يتمسك بأنها سهلة؛ بل بأنها ممكنة غير ممتنعة، وكونها ليست سهلة لا يمنع إمكانها عادة، وقوله: (ضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر) يرد بمنع ذلك فإنا نعلم بالضرورة في شهود شيوخنا، وأمثالنا من هو أعدل من غيره منهم، ووجهه المازري بأن الشارع لما قيد شهادة الزنا بأربع والطلاق باثنين، وقبل في المال الواحد مع اليمين دل على أن لا تأثير في العدد.
قلت: الأظهر في الترجيح بالأعدلية دون الكثرة أن ما به الأعدلية دون الكثرة إن
الجزء: 9 - الصفحة: 471
ما به الترجيح في الأعدلية هو وصف حاصل فيما وجب الحكم به، وهو الشاهدان اللذان يجب الإعذار فيهما للمحكوم عليه، والكثرة وصف خارج عما وجب الحكم به.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: يقدم الشاهد الأعدل مع يمين القائم به على شهادة عدلين.
ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع أصبغ من كتاب الدعوى، وما حكاه ابن حبيب عن الأخوين من تقديم العدلين عليه، ولو كان أعدل أهل زمانه، وهو أظهر والأول إغراق في القياس.
قلت: تقديم شهادة الأعدل مع امرأتين على رجلين عدلين، ولغو أعدليته بتقدم شهادة الرجلين نقل اللخمي عن ابن القاسم مع المازري عن المذهب، وتخريج اللخمي على أن التقديم تخريج من المقدم لمن قدم عليه، وهو نص محمد، وتبعه المازري، وزاد وحكى هذا الذي خرجناه بعض الأشياخ حكاية مطلقة.
وقال ابن الحاجب في الشاهدين: على الشاهد واليمين والشاهد، والمرأتين قولان ورجع عنه ابن القاسم.
قلت: يريد مع التساوي في العدالة لما يذكره بعد، وكذا قيده ابن شاس بالتساوي، ولفظ ابن الحاجب يقتضي أن أول قولي ابن القاسم تقديم الشاهدين على الشاهد والمرأتين، وقبله ابن عبد السالم وابن هارون، وتقدم أن اللخمي لم يثبته إلا تخريجاً مع قول المازري حكاه بعض الأشياخ حكاية مطلقة، وهذا يضعف نسبته لابن القاسم لاسيما مع قول ابن شاس.
قال أشهب يقدم الشاهدان على الشاهد والمرأتين إذا استووا في العدالة، وقال ابن القاسم: لا يقدمان.
قال ابن الحاجب: وعلى التساوي لو كان الشاهد أعدل من كل منهما فقولان.
قلت: تقديمه هو سماع أبي زيد، ومقابل هذا القول تقدم الشاهدين عليه، وهو متقدم نقل ابن رشد على الأخوين.
قلت: وانظر قول اللخمي: أوقف ابن القاسم شهادة رجلين بشهادة رجل
الجزء: 9 - الصفحة: 472
وامرأتين إذا تكافؤوا.
وفي سماع عيسى قال ابن دينار: لا أرى أن يقضي بمن هو أعدل من المعدلين فيقدم على من هو عدل.
ابن رشد: هذا قول ابن الماجشون، وروى مطرف أنه يؤخذ بأعدل المعدلين، والأول هو الجاري علىق ول ابن القاسم أن الترجيح لا يكون إلا بالعدالة؛ لأن زيادة عدالة المعدلين لا تفيد زيادة عدالة في المعدلين، وإنما تفيد زيادة غلبة الظن بصحة عدالة المعدلين، ورواية مطرف على القول بالترجيح بكثرة العدد.
وفي اعتبار بينة الحائز للمدعى فيه بتعارض بينة المعدي، ولغوها معروف المذهب، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون، وهو قول المخالف.
قال بان الحاجب: (فلو ترجحت البينة سقط اعتبار اليد، وفي يمين الخارج حينئذ قولان)؛ يريد: إذا ترجحت بينة المدعي على بينة المدعى عليه الحائز للمدعى فيه قضي للمدعي، وفي وجوب اليمين عليه قولان.
قلتُ: نقل القولين الصقلي قال: قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع أعدل البينتين.
وقال ابن محرز: إن كانت إحدى البينتين أعدل قضي لصاحب الأعدل مع يمينه، وعند محمد: لا يمين عليه.
وقال ابن شاس: تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ مع يمينة على الرواية المشهورة.
وقال ابن محرز: إذا تكافأتا فالقول الحائز مع يمينه.
وقال محمد: لا يمين عليه.
وقال عياض في مسألة عفو الأرض: وقد يقال: إن إلزامه اليمين هنا؛ لأنها في غير يد مالك فاستبرأ باليمين لحق بيت مال المسلمين.
قلتُ: مفهومه إنما هو في حوز حائزه لا يمين عليه، وانظر ما ذكره ابن شاس في
الجزء: 9 - الصفحة: 473
ذلك من الروايتين من حكاهما من المتقدمين.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: إذا أُرِّخَت بينتا المتداعيين قضيت لأبعدهما تاريخاً، وإن لم تؤرخا قضيت بأعدلهما.
وذكره اللخمي غير معزو، كأنه المذهب قال: وسواء كان المدعى فيه تحت أيديهما أو تحت يد أحدهما أو تحت يد ثالث.
قالك واختلفا إن أُرِّخَت إحداهما هل يكون لمن أُرِّخَت أو أو بمنزلة من لم يؤرخ؟
وذكرت الروايات على نحو ما وردت.
المازري عن أشهب: إن شهدت بينة بأنه يملك هذا العبد منذ سنة، وشهدت بينة بأنه لآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر منذ سنتين قدمت شهادة من شهد بالملك منذ سنة حتى يقولوا إنه في يد الآخر يملكه منذ سنتين، فرجح أشهب الشهادة بالملك على الشهادة بالحوز.
وكان بعض أشياخي يرى خلاف هذا، وأن الواجب رد السلعة لمن تقدم حوزه لها، حتى يثبت ما يوجب خروجها من يده.
قال أشهب: لو شهد لمدعي أمة أنها بنت أمته لم تفده؛ لأنها لم تتضمن إثبات ملكه، وقد تكون ولدتها قبل أن يشتريها.
قال المازري: وهذا واضح لكنه لو شهدت له أنها ولدت عنده لم تفده.
واعترضه بعض أشياخنا وقال: إنما أسقطها بالجواز أن تكون ولدت عنده؛ وهي وديعة عنده أو رهن، وتعقبه بأن احتمال الوديعة والرهن بعيد.
قلت: لما ذكر اللخمي قول أشهب هذا قال: وقول ابن القاسم أنها لمن ولدت عنده أصوب، ومحمل الأمر على أنها له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب.
وفيها: لو أن أمة ليست بيد أحدهما أتى أحدهما ببينة أنها له ولدت عنده لا يعلمون أنها خرجت من ملكه بشئ، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: ولو كانت بينة الآخر أعدل، وليس هذا بتهاتر لكن لما زادت قدم
الجزء: 9 - الصفحة: 474
الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أحدهما أنه يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين؛ قضي ببينة أبعد التاريخين، وإن كانت الأخرى أعدل.
المارزي: إلا أن يؤرخ الشهود بالملك دون الولادة عنده بتاريخ، فيعلم قطعاً أنه سبق تاريخ الولادة؛ فتكون هاهنا الشهادتان، وقد تكافأتا وتعارضتا؛ مثل أن يشهد قوم في فتاة لم تبلغ الحلم أنها ولدت عند زيد على ملكه، وشهد آخرون أنها مملوكة لعمرو منذ ثلاثين عاماً فهذا يعلم قطعاً أن إحداهما كذبت، فيقع التعارض، ويعود الحكم إلى ما قدمناه أولاً.
قلت: فرضه أن الأمة لم تبلغ الحلم يوجب سقوط البينة بأنها مملوكة منذ ثلاثين عاماً؛ لأنها مخالفة للضرورة، فيجب سقوطها فلا يقع التعارض الذي زعمه، والعجب منه كيف وقع في هذا.
وقد نبه اللخمي على ما قلناه، وقال: إن شهدت بينة كل منهما بنتاجها عنده، أو أرخت بوقتين مختلفين أو متفقين فهو تكاذب؛ إلا أن يتبين كذب إحداهما؛ لأنها مما تتوالد دون ذلك الوقت أو قبله فتكون لمن أشبه.
وفيها: النسج كالولادة.
اللخمي والمازري: اختلف في ذلك فذكر قولها: قال: وفي كتاب ابن سحنون البينة له بالملك تقدم على البينة بالنسج، ويقضي لمن شهدت له بالنسج بقيمة عمله بعد حلفه ما عمله باطلاً؛ وإنما الخلاف إذا كان الناسج إنما ينسج لنفسه، ومن انتصب لنسج الناس بأجر أو للبيع، فالبينة له بالنسج لغو.
وكذا نسج الكتاب.
اللخمي: وقيل: إن كان مما ينسج مرتين كالخز، فقالت: كل بينة هذا نسجه، وعرف الأول كان له، وللثاني قيمة عمله، وهذا فاسد لا أعلم أحدًا نقض ثوب خز جديد، ثم أعاده.
وأيضاً فلا يعرف لو نقض أن الحرير أو الصوف الذي في هذا هو عين الأول، إنما يعلم ما دام ثوبًا، ويستحيل أن يشهد على حرير أو صوف بعد أن يصنع أنه المتقدم قبل
الجزء: 9 - الصفحة: 475
العمل، وإن كان الأول قديمًا، والثاني جديدًا فهو أبين أن لا يعرف.
باب الملك
الملك: استحقاق التصرف في الشئ بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا لا بنيابة،
الجزء: 9 - الصفحة: 476
فيدخل ملك الصبي ونحوه لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذو الإمرة، وتقدم قول بعضهم بعسر إدراكه، وتعذره فيذكر.
اللخمي: قال سحنون: من حضر رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام رجل بينة أنها ملكه، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من السوق كانت لذي الملك، وقد يبيعها من لا يملكها، والشهادة بالملك أن تطول الحيازة، وهو يفعل ما يفعل المالك لا منازع له، وسواء حضروا بدء دخولها في يديه أم لا، وإن لم تطل الحيازة لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا أنه غنهما من دار الحرب وشبهه.
انتهي.
قوله: وإلى هذا ذهب أشهب أن لا يثبت الملك بمجرد ولادة الأم إلا أن تطول الحيازة؛ لأنه لو كانت المنازعة في الأم؛ فشهدت بينة أحدهما بملكه إياها، وللآخر بينة أنها كانت في يده يومًا أو يومين ترجح الملك، وهذا يحسن في عدم التاريخ، فإن علم أن يد هذا تقدمت، ثم ملكها الآخر، ردت لمن تقدمت يده.
وقال ابن القاسم: من شهد له شاهد في مسكن أنه ملكه، وآخر أنه حيزه فملكه وحيزه سواء؛ يريد: في حيزه إذا طال.
الجزء: 9 - الصفحة: 478
وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها في ملك فلان حتى يقول: ومال من ماله، وقبولها مطلقًا، ثالثها: إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة لابن سهل عن ابن ملك قائلاً: شاهدت القضاء به، وأبي المطرف وابن عتاب، ونقل الصقلي عنها، قال مالك: من ادعى عينًا قائمة من رقيق أو طعام أو عرض أو ناض أو غير ذلك، وأتى ببينة على ملكه ذلك، فمن تمام شهادتهم أن يقولوا: وما علمناه باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه، ونحوه لأبي سعيد، والذي في «المدونة» ما نصه: سمعت مالكاً غير مرة يقول في الذي يدعي العبد أو الثوب، ويقيم بينة أنه شيئه لا يعلمه باع، ولا وهب، فإذا شهدوا بهذا استوجب ما ادعاه.
وسمع ابن القاسم في كتاب الاستحقاق إذا شهدوا في السرقة قال: يشهدون أنهم ما علموه باع، ولا وهب على العلم.
ابن رشد: معناه يزيدون ذلك في شهادتهم على معرفة الملك بالبت، وهذه الزيادة هي كمال الشهادة، وينبغي للقاضي أن يسأل الشاهد عن ذلك؛ فإن لم يزده ذلك في شهادته بطلت، ولم يحكم بها، وإن لم يسأله القاضي حتى مات الشهود أو غابوا؛ حكم بشهادتهم مع يمين الطالب؛ إذ لا يصح للشاهد أن يشهد بمعرفة الملك إلا مع غلبة ظنه أنه ما باع، ولا وهب فهي محمولة على الصحة.
قلت: ووقعت في نوازل عيسى، ولم يزد فيها زيادة.
ولما ذكر الصقلي قولها في كتاب الشهادات قال: وقال أشهب مثله: إن لم يقدر على كشف البينة، وإن وجدوا سئلوا.
قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق، فشهادتهم باطلة.
وفي العارية منها: فإن شهدوا، ولم يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت كما ذكرنا ويقضي له.
قلت: ظاهر قول الصقلي وابن رشد: (أن زيادة البينة لا يعلمون أنه باع ... إلخ)، إنما هي كمال في الشهادة لا شرط، وهو نص قولها في العارية، وكان ابن هارون، وابن
الجزء: 9 - الصفحة: 479
عبد السلام من شيوخنا يحملون المدونة على قولين في كونها شرط إجزاء أو شرط كمال لقولها في الشهادات والعارية، وهو ظاهر نقل ابن عات في الطرر عن ابن سهر، والأظهر عدم حملها على الخلاف، وأن ما في العارية تفسير.
قال عياض في كتاب العارية: قوله (إذا شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب على البت) هي غموس، وشهدوا بباطل وزور.
قالوا: معناه أنه كذب وباطل إذا شهدوا على ما لم يحققوه من علم الغيب؛ لا أن حكمهم حكم شاهد زور؛ ثم اختلف هل هي عامله أم لا؟ لأن لفظها مشكل في الكتاب.
وقال في كتاب الشهادات: قوله: شهادتهم زورن ثم قال: وأرى أ: ن يحلف الإمام الذي شهدوا له أنه ما باع ولا وهب، ولا أخرجه من يده بشئ مما يخرج به من ملكه.
قال بعضهم: انظر أطلق عليها باطل وغموس، ثم جعله يحلف معها فلم يبطلها.
فتأول بعضهم: أنها عند مالك مع قوله: هذا ماضية، يحكم بها، ونحى إليه ابن لبابة، وقال ابن أبي زَمَنَيْن: هو بعيد، وقال بعضهم: في المسألة تقديم وتأخير، وقوله: (أرى أن يحلفه الإمام) راجع للمسألة الأولى في الشهادة الصحيحة، ونحى إليه ابن أبي زَمَنَيْن.
وقال بعضهم: لا يرد القاضي شهادتهم حتى يسألهم أيشهدون على البت أو على العلم؟
فإن أثبتوها سقطت شهادتهم، وإن ماتوا قبل كشفهم حكم بها، وقال بعضهم: إنما زور، فيها شهادة أهل العلم بما يلزم في ذلك، وأما الجهال فلا، ويعذرون في ذلك، ونحوه لأبي محمد وأبي عمران، ولا يختلف أنه لا يلزمهم ما يلزم شاهد الزور من العقوبة.
قُلتُ: لما كانت الشهادة أحد أنواع العلم، والعلم ضروري، ونظري استبان لمن تأمل أن حصول العلم للشاهد بالملك إنما هو نظري حسبما تقدم في تفسير سحنون حقيقة الملك، والعلوم النظرية معروضة للتحول عنها، فلزم من ذلك تكليف الشاهد
الجزء: 9 - الصفحة: 480
بتلك الزيادة في شهادته بالملك، وسائر متعلقات الشهادة غير الشهادة بالعدالة، والعدم من المدين هي من لعلوم الضرورية أو القريبة منها فلم يحتج فيها لتلك الزيادة، وشرط الشهادة بالعدالة، والعدالة نص إضافتهما إلى حال أدائها.
فقول ابن رشد: لو شهدت بينة بملكة بالأمس، ولم تتعرض للحال لم تسمع حتى يقولوا إنه لم يخرج من ملكه في علمهم، ولو شهدت أنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، ويستصحب موجبه كما لو قال المدعي عليه: هو ملكه بالأمس، وكما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، واشتراه من المدعى عليه بالأمس لم يأخذه بذلك، ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه كانت الشهادة جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد.
قلت: أعيان هذه المسائل لا أعرفها نصا لغيره من أهل المذهب إلا لمن تبعه كابن الحاجب.
وفي الوجيز للغزالي: لهو شهدوا بأنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، وإن لم يتعرض الشاهد للملك في الحال، ولو قال المدعى عليه: كان مالكاً بالأمس فالظاهر أنه ينزع من يده؛ لأنه يخبر عن تحقيق فيستصحب بخلاف الشاهد، فإنه يخبر عن تخمين، ولو قال الشهد: هو ملكه بالأمس اشتراه من المدعى عليه بالأمس، أو أقر له المدعى عليه بالأمس سمعت في الحال؛ لأنه استند إلى تحقيق، ولا خلاف أنه لو شهد على أنه كان في يد المدعي بالأمس قبل، وجعل المدعي صاحب يد.
ابن شاس: لو شهدت بينة أحدهما بالملك، وبينة الآخر بالحوز قضي ببينة الملك، ولو كان تاريخ الحوز متقدمًا.
قُلتُ: قد تقدم هذا الفرع لأشهب.
اللخمي: من أقام بينة في ثوب بيد رجل أنه رهنه عنده، وأقام الآخر بينة أنه اشتراه منه، فقال ابن القاسم: هو لمدعي الشراء إلا أن يقيم الآخر بينة بأن الرهن كان بعد الشراء.
سحنون: وقال بعض أصحابنا: يقضى بأعدلهما، وكذا لو لم تقم بينة الراهن مصدق مع يمينه؛ لأن المرتهن أقر له بالملك، وادعى الشراء.
الجزء: 9 - الصفحة: 481
وقوله: (في عدم البينة) صحيح، ومع بينة لكل منهما قول ابن القاسم أحسن؛ لأنا لا نحمل البينتين على التكاذب مع إمكان صدقهما فقد اتفقا على ملك القائم، وكان بيده البيع والرهن، فيمكن أن يكون رهن ثم باع، فتصح الشهادتان إلا أن تكون الشهادتان عن مجلس واحد ولفظ واحد فيقضى بالأعدل، فإن تكافأت في العدالة قضي بالرهن، لأن البينتين تسقطان، ويبقى إقراره.
وقال مطرف: إن شهدت للقائم على الحائز أنه غصبه، وشهد للحائز بالشراء منه قضي ببينة الشراء؛ لأنه إن تقدم الغصب بطل حكمه بما وقع بعده ومن شراء، وإن تقدم الشراء كان قد غصب ملكه.
قال ابن الحاجب: وتقدم الناقلة على المستصحبة.
قلت: هو قولها في الشهادات من المدونة وغيرها.
من قدم وادعى دارًا بيد غيره، وثبت الأصل له أو لأبيه.
وفي شهاداتها وولائها: قال ابن القاسم، من مات وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه، وأقاما بذلك بينة مسلمين، وتكافأت في العدالة أو لم تكن لهما بينة، فالميراث بينهما نصفين، وإن كان المسلم صلى على أبيه، ودفنه في مقابر المسلمين فليس الصلاة بشهادة، ولو لم يأتيا ببينة، وكان يعرف بالنصرانية فالنصراني أحق بإرثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكر.
وقال غيره: إن تكافأت البينتان قضي بالمال للمسلم بعد حلفه؛ لأن بينة المسلم زادت حين زعمت أنه مسلم.
قال اللخمي في كتاب الولاء: إن تداعيا ذلك، ولا بينة حلفا، والإرث بينهما نصفين، وإن أر المسلم أنه كان نصرانيا ثم أسلم، حلف النصراني أنه لم يزل على دينه، واختص بالإرث إلا أن يصلي عليه المسلمون، ويدفن عندهم بحضرته ولا ينكر، فيسأل عن عذره في ذلك، وإن أقر النصراني أنه كان مسلما، ثم مات على النصرانية اختص المسلم بإرثه دون يمين؛ لأنه على قوله: مرتد، فهو مدع لغيره فلا يقبل قوله؛ لأنه غير عدل هذا إن قال: أسلم بعد أن كبرت، وإن قال: وأنا صغير كان النظر في
الجزء: 9 - الصفحة: 482
بقائه على الكفر؛ وإن لم يعلم أصله.
ففيها لابن القاسم: ليس صلاة المسلمين عليه بشهادة، وقال الأخوان وأصبغ: إن كان ذلك بحضرة النصارى قطع دعوى النصراني؛ وهو أبين، إلا أن يعلم للنصراني عذر، وهو أبين، ولو صلى عليه النصارى ودفنوه عندهم بحضرة المسلم اختص النصراني بإرثه.
قلت: للشيخ عن الأخوين في الواضحة: إن دفن في مقابر المسلمين فليس بحجة على الآخر إلا أن يكون حاضرًا لا ينكر، فذلك يقطع حجته.
اللخمي: وإن أقام كل وادح بينة على دعواه، فإن كانت بأنه لم يزل على ذلك إلى موته، ولا يعرفونه انتقل عنه كان تكاذباً، وقضي بأعدلهما، فإن تكافأتا كان الإرث بينهما، وكذا إن كانت البينتان على ما مات عليه، ولا علم عندهما بما كان عليه، وإن كان معروفًا بأحد الدينين أو أقر بذلك الولدان، ففي كون ذلك تكاذبا، والقضاء بالبينة التي نقلته عن الحالة الأولى؛ لأنها زادت حكما قولان، وعلى الثانية إن كانت الحالة الأولى كفرًا فالإرث للمسلم، وفي العكس لبيت مال المسلمين، وإن قالت إحدى البينتين: لم يزل يعرف على كذا، ولم ندر ما مات عليه، وشهدت الأخرى بما مات عليه، ولم تدر حاله؛ قيل: يقضى بالأخيرة إن كانت بإسلامه ورث المسلم، وفي عكسه بيت المال.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: لو شهدت إحداهما بأنا رأيناه يصلي بالمسجد، والأخرى بأنا رأيناه يؤدي الجزية، ولم يؤرخا قضي بالإرث للمسلم؛ لأنه يمكن أن يكون كافرًا فأسلم، ويحتمل أن يكون له نصفه ونصفه للمسلمين؛ لأن الأرث يكون له تارة، وتارة للمسلمين.
اللخمي: قال أصبغ: فلو كان معهما أخ صغير فكلاهما مقر له بالنصف فله النصف كاملًا، ويجبر على الإسلام، والنصف لهما بعد إيمانها.
سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا وقسما ماله.
اللخمي: أصل قولهم أن يكون المال بينهم أثلاثا، فإن خلف الميت ستين دينارًا كان لكل من الأولاد عشرون؛ لأن المسلم يقول: المال بيني وبين الصغير نصفين،
الجزء: 9 - الصفحة: 483
والنصراني غاصب لنا، والغصب علي وعليه على قدر أنصبائنا، وذلك يؤدي إلى تساويهم فيه.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان، ويوقف ثلث ما بيد كل منهما حتى يكبر الصبي فيدعي مثل دعواهما؛ فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويرد إلى الآخر ما وقف من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا واقتسما ميراثه، فإن مات أحدهما قبل بلوغه، وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا يرد، فإذا كبر فادعاه كان له.
قلت: قول سحنون: فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويدر إلى الآخر ما وقف له من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا وقسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا ترد، فإن كبر فادعاه كان له؛ خلاف قوله المتمم قول أصبغ؛ فتأمله.
ابن شاس: ولو كان عوض الابنين جماعة، واختلفت الدعوى بينهم فعلى القول بالقسم يقسم المال بينهم نصفين، وإن تفاوتت أعدادهم.
وفي الموازية: وظاهره عن كتاب ابن ميسر: إن ترك ولدين مسلمين، وولدين نصرانيين كافرين يدعي أن الأب مات على دينه قسم الإرث بينهم أرباعا بعد إيمانهم، فإن نكل فريق اختص الفريق الحالف بالإرث، ولو رجع أحد المسلمين أو أحد النصرانيين قسم الراجع مسلم للطائفة الأخرى، وقول ابن الحاجب: إن كان مع الولدين طفل.
فقال سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بأيديهما، فإذا كبر فمن ادعى دعواه شاركه ورد الآخر ظاهره أنه يأخذ نصف تركته، وهو وهم إنما يأخذ الثلث الذي وقف له كذا نقله المازري، وابن محرز، والشيخ، وغير واحد، وابن شاس.
الجزء: 9 - الصفحة: 484
باب الدعوى
الدعوى: هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 485
ابن شاس والمازري: من غصب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنه أو سوء عاقبة، بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك جاز له أخذه، ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم، وأما العقوبة فلا بد من الحاكم، وقولهم: (جاز) يقتضى عدم استحبابه، ويتخرج استحبابه مما يأتي أحرويًا من قول ابن الماجِشُون.
وقال اللخمي: قال محمد في الإقرار الأول: من غصب منى شيئًا، ثم خفي له أخذه بعينه فأخذه جائز.
قلتُ: فيجب تقييده بما تقدم، ومن قدر على أخذ حقه المالي ممن هو له عليه ففيه طرق.
ابن رُشْد في المقدمات: من أودع رجلًا وديعة فجحده إياها، ثم إنه استودعه وديعة أو ائتمنه على شيء.
فروى ابن القاسم في المدَوَّنة: لا يجحده، وروى أشهب: لا آمره بذلك، وإن أردت فعله فأنت أعلم.
وروى ابن وَهْب: له أخذه إن لم يكن عليه دين، فإن كان بقدر حصاصه منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 486
زاد ابن نافع عنه: إن أمن أن يحلف كاذبًا؛ يريد: إن قبل منه أن يحلف ما له عندي حق على سماع أَصْبَغ في النذور، وقال ابن شعبان: تقبل يمينه ما له عنده وديعة، ولا غيرها بخلاف الحقوق الثابتة في الذمة، فما لا يلزم ذمته يحلف على أقل ما يبرئه من فروعه.
وقال ابن عبد الحَكم: له أن يأخذ وإن كان عليه دين، وقال ابن الماجِشُون: أرى له استعمال الحيلة بما يقدر عليه حتى يأخذ حقه، ففي المسألة أربعة أقوال: المنع والكراهة والإباحة، والاستحباب كان عليه دين أم لا.
وقيل: إنما هذا إن لم يكن عليه دين، فإن كان لم يأخذ إلا قدر الحصاص، وهو قول خامس، والأظهر من الأقوال الإباحة.
اللخمي: إن كان عليه غرماء عالمين بفلسه أو شاكين، وتركوه يبيع ويشترى جاز له حبس جميعها، وإن كان ظاهره عندهم اليسر، ولو علموا ضربوا على يديه جاز له أخذ ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة، وإن كانت الوديعة عرضًا جاز أن يبيعها، ويحسب الثمن مما له عليه، واختلف إن كان يحلفه إن هل يجحدها؟
فقال مالك: إنما له ذلك إن أمن أن يحلفه كاذبًا، واختلف في صفة اليمين.
قيل: يحلف ما أودعتني شيئًا ينوي يلزمني رده، وقيل: ينوى والأولى مثله أو يحرك به لسانه وكل واسع.
ابن الحاجب: وأما ما قدر على غيره، فثالثها: إن كان من جنسه جاز، وهذه طريقة ابن شاس، والقول الثالث ذكره رواية.
وذكره المازري: قولا غير معزو لمعين وقال: ظاهر المذهب أن لا فرق بين جنس ماله وغيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 487
باب المدعي والمدعى عليه
المدعي: من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة.
المدعى عليه: من اقترنت دعواه به.
الجزء: 9 - الصفحة: 488
فقول ابن الحاجب: المدعي من تجرد قوله عن مصدق يبطل عكسه بالمدعي، ومعه بينه، ونحوه لابن شاس.
وفي كتاب الرواحل من المقدمات عن سعيد بن المسيب المدعي من قال: قد كان والمدعى عليه من قال: لم يكن ومن عرفهما لم يلتبس عليه الحكم.
ابن رُشْد: ليس قوله على عمومه في كل موضع إنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على صدق دعواه؛ فإن كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل: لم يكن بدئ عليه باليمين كمن حاز شيئًا عن غيره مدة الحيازة في وجه مدعي الشراء قبل قوله مع يمينه، وهو يقول: قد كان، والمدعى عليه يقول: لم يكن، وكذا المودع يدعى رد الوديعة، القول قوله، وهو يقول: قد كان والمودع يقول: لم يكن، وقول ابن الحاجب: فلذلك كان مدعي رد الوديعة مقبولًا لائتمانه، ومدعي حريَّة الأصل صغيرًا أو كبيرًا ما لم يثبت عليه حوز الملك بخلاف مدعي العتق هو قولها في الوديعة، وفي عتقها الثاني، ومن حاز صغيرًا حيازة الملك، وعرفت حيازته له وخدمته إياه، ثم كبر فادعى الحريَّة فلا قول له، وكذا إن ادعى الحريَّة في صغره، وإن كان إنما هو متعلق به، ولم يعلم فيه حوز فللصبي مصدق، وفي غير موضع منها لغو دعوى العبد على سيده أنه أعتقه.
ابن شاس: والدعوى المسموعة هي الصحيحة، وهي أن تكون معلومة
الجزء: 9 - الصفحة: 489
صحيحة؟
قُلتُ: هو نقل الشَّيخ عن المجموعة عن عبد الملك قال: إذا لم يبين المدعي دعواه ما هي وكم هي لم يسأل المدعى عليه عن دعواه حتى يبينه الطالب في طلبه، فيسأل حينئذ المطلوب عن دعواه، ونقله المازري عن المذهب وقال: وعندي لو قال الطالب: أتيقن عمارة ذمة المطلوب بشيء أجهل مبلغه، وأريد جوابه بذكره مفصلًا أو إنكاره جملة لزمه الجواب.
ابن شاس: وكذا لو قال: أظن أن له لي عليك فاختصره ابن الحاجب بقوله: وشرط المدعي أن يكون معلومًا محققًا، فقبله ابن عبد السلام، وابن هارون ولم يذكروا فيه خلافًا.
وفي رسم الطلاق من سماع القرينين: من دخل بزوجته، ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما يعلم بقي عليه صداق.
ابن رُشْد: أوجب اليمين عليهم، وإن لم تدع ذلك عليهم خلاف ما في النكاح الثاني من المدَوَّنة، وما في الغرر منها في التداعي في وقت موت الجارية المبيعة على الصفة، فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها، وتستوجبه لا على الورثة علموا أنها لم تقبضه، فهذه اليمين ترجع على غير ما نَكَل عليه الورثة، ولها نظائر كثيرة.
قُلتُ: ويختلف في توجه هذه اليمين إذا لم تحقق المرأة ذلك على الورثة؛ لأنها يمين تهمه، ولا يختلف في رجوعها على المرأة بمعرفتها بما يحلف عليه كما يختلف في رجوعه يمين التهمة.
وقول ابن الحاجب: ولا يحلف مع البينة إلا أن يدعي عليه طرو ما يبرئه من إبراء أو بيع؛ هو قولها في اللقطة وغيرها، ولا يستحلف طالب الحق مع شاهديه؛ يريد: غير يمين الاستحقاق في غير الربع عن المشهور، وأسقطها ابن كنانة مطلقًا؛ قاله في الطرر، وفي الربع قولان.
الجزء: 9 - الصفحة: 490
ولظاهر عموم قولها: قال ابن دحون في سمَاع ابن كنانة: من شهدت له بينة بموت موروثة، وأنهم لا يعلمون له وارثا غيره، فإنه يستحلف مع بينته بذلك.
قُلتُ: يستحلف حرف سوء لا خلاف أنه لا يحلف مع بينته.
ابن رُشْد: قوله: (لا خلاف أنه لا يحلف) غير بين؛ لأنه لو ادعى أحد أنه وارثه، وادعى عليه علمه ذلك لزمته اليمين اتفاقًا، فصارت يمينه كيمين الاستحقاق.
وسمع عيسي ابن القاسم: من طلب غريم موكله بدين له عليه بذكر حق فادعى الغريم أنه دفع نصف الحق لموكله، ولا بينة له لم ينفعه ذلك، وغرم جميع الحق، ولا يؤخر للقائه الغريم، فلو غرم، ثم قدم رب الحق فأقر بالقبض، والوكيل معدم أو موسر لم يرجع إلا على رب الحق.
ابن رُشْد: لم يفرق بين أن يكون الموكل قريبًا أو بعيدًا، وفرق ابن عبد الحَكم بين قربه وبعده، وهو عندي تفسير لهذه الرواية، ولقول أَصْبَغ في نوازله في كتاب البضائع: وقيل: لا يقضى للوكيل حتى يكتب الموكل فيحلف، وإن كان بعيدًا على مسألة نوازل عيسى في يمين الاستحقاق.
وفرق بعض أهل النظر بين يمين الاستحقاق ويمين دعوى القضاء: وقيل: إن الوكيل يحلف على العلم، وحينئذ يقتضى، ومضى تحصيله في رسم العتق من سمَاع عيسى من الأقضية، وظاهر هذه الرواية، وما في نوازل أَصْبَغ: أنه ليس على الإمام أن يستحلف الموكل على قبض حقوقه الغائبة أنه ما قبض منها شيئًا، ويكتب له دون يمين خرج أو وكل خلاف كا في رسم العتق من سمَاع عيسي من كتاب الأقضية: أنه يستحلف في الوجهين معًا ما اقتضى، ولا أحال ولا قبض، ثم يكتب له، وعلى ظاهر هذه الرواية جرى العمل.
وقيل: يستحلفه إذا وكل لا إذا خرج، وهو أولى الأقوال، ومعنى قوله: (لم يرجع إلا على رب الحق) معناه أنه لا يلزمه أن يرجع عليه، ويترك رب الحق بل له أن يرجع على من شاء منهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 491
قُلتُ: قوله: (وفرق بعض أهل النظر) هو قوله في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الإقضية: وفرق بعض المتأخرين بأن يمين الاستحقاق من تمام الشهادة، وهى يمين يوجبها الحكم واليمين في مسألة الدين لسيت كذلك، وإنما تجب بدعوى الغريم القضاء، وذهب ابن أبى زيد إلى حمل المسألتين بعضهما على بعض، وهو بين من قول أَصْبَغ لحكاية ابن حبيب عنه أنه يقضى للوكيل في مسألة الاستحقاق في غيبة الموكل إن بعدت، فيتحصل ثلاثة أقوال القضاء وعدمه، والثالث: الفرق بين مسألة الدين والاستحقاق، ورابعها: لابن كنانة أنه يحلف الوكيل.
وقاله ابن القاسم في المدّنيَّة: وكل هذا في الغيبة البعيدة والقريبة لا يقضى لها في المسألتين إلا بعد يمينه.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: فلو قال: أبرأني موكلك الغائب، فقال ابن القاسم: ينظر، وقال ابن كنانة: إن كان قريبًا كاليومين.
قلتُ: وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وهو خلاف ما تقدم من سمَاع عيسى، وظاهر ذكره ابن رُشْد مخرجًا على نوازل عيسى أنه غير منصوص مطلقًا.
قال ابن عبد السلام: ولقول ابن القاسم: ما استعمله المتأخرون من القضاة في تمكين الموكل من الحلف على عدم الإبراء، وما يزيدون معه من الفصول وتسامحوا فيها، وإن كانت يمينًا قبل توجهها، والأصل أن لا يمكن منها.
قلتُ: هذا يقتضى عدم نص المتقدمين هذه اليمين، وقد تقدم ثبوت ذلك في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الأقضية.
ابن هارون: من له ديون مؤجلة فأراد سفرًا، ووكل وكيلًا على اقتضائها فهل يمكن من حلف يمين الرغبة أم لا؟
مكنه من ذلك بعض القضاة الأندلسيين، ومنعه بعضهم.
قلتُ: الأظهر أن المنع لعدم حلولها فهي يمين غير مفيدة.
قال ابن رُشْد: ومن ادعى قال: لي بينة قرينة، وطلب منه كفيلًا أخذ منه كفيل لنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، وكذا إن قامت له البينة فله طلب الكفيل قبل
الجزء: 9 - الصفحة: 492
التعديل.
وقال ابن الحاجب: ومن استمهل لإقامة أو لدفعها أمهل جمعة، ويقضي ويبقى على حجته.
قلتُ: هو مقتضى نقل الشَّيخ عن محمد: لو قال القاضي: ... للخصم قبل الحكم: أبقيت لك حجة؟
قال: نعم، وقد تبين للقاضي أن حجته نفدت، وأنه ملد فليضرب له أجلًا غير بعيد، فإن تبين لديه أنفذ عليه الحكم، ولو ادعى بينة بعيدة لم يمهل.
وفيها: من ادعى قبل رجل غصبًا أو دينًا أو استهلاكًا، فإن عرف بمخالطته في معاملة أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب نظر فيه الإمام، فإما أحلفه له أو أخذ له كفيلًا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرف له.
عياض: قال بعضهم: جعل له أخذ الكفيل، ولم يجعله في كتاب الكفالة ولغيرة هناك كما له هنا، وقال آخرون: ظاهره أخذ الكفيل، بمجرد الدعوى لقوله: (وأما الدين فإن كانت بينهما خلطة، وإلا لم بعرض له) يدل أن الوجه الأول بخلافه.
عياض: يحتمل أن يكون الكفيل بمعنى الموكل به، وقول من قال: ألزمه الكفيل بمجرد الدعوى فغير بين، لقوله: إن كان يعرف بينهما خلطة في دين.
قال ابن الحاجب: وللمدعي طلب كفيل في الأمرين.
ابن عبد السلام: الأمران طلب المدعى إقامة بينه بحقه، وطلب المدعى عليه إقامة بينة يدفع بها بينة الطالب.
وقال ابن هارون: يحتمل أن يريد بالأمرين ادعاء المطلوب دفع بينة المدعي أو تجريحها.
قلتُ: لا يخفي بعده.
وسمع القرينان: من أقام بينه على استحقاقه منزلًا، فيسأل المدعى عليه أن يؤجل ليأتي ببينة له فيها حجة، فأؤجله الشهرين والثلاثة، فلا يأتي بشيء، ويذكر غيبة شهوده أيضرب له أجل آخر؟
الجزء: 9 - الصفحة: 493
قال: أما المأمون الذي لا يتهم على المدعي باطلًا فيزيده، والملد الذي يرى أنه قصد إضرار خصمه فلا يمكنه من ذلك إلا بما تقارب شأنه ثم يقضي عليه.
ابن رُشْد: لأن ضرب الآجال مصروف لاجتهاد القضاة بحسب ما يظهر من حال المؤجل، والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يومًا، عشرة أيام، ثم عشرة، ثم يتلوم له بعشرة أو ثمانية، ثم يتلوم له بأربعة عشر أو خمسة عشر، ثم ثمانية، ثم أربعة، ثم يتلوم له تتمة ثلاثين أو يضرب له أجلًا قاطعا ثلاثين يومًا يدخل فيه التلوم، والآجال كل ذلك مضى من فعل القضاة هذا مع حضور بينته بالبلد، وإن كانت غائبة عن البلد بأكثر من ذلك على ما تضمنته هذه الرواية من اجتهاد الحاكم، وإن امتنع المدعى عليه من أن يقر أو ينكر.
فقال اللخمي: روى عن محمد: المدعى فيه أن يجبر على أن يقر أو ينكر.
محمد: فإن أبى حكمت عليه للمدعي دون يمين، وقال أَصْبَغ: يقال له: إن لم تخاصم أحلفت المدعي، وحكمت له عليك إن كانت الدعوى يستحق بها مع نُكُول المطلوب عن اليمين إذا أثبتت لطخًا؛ لأن نكوله عن الكلام نُكُول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعاهم بها، ولا يسجنه حتى يتكلم، ولكن يسمع من صاحبه ويحمل الحكم عليه.
اللخمي: المدعى بالخيار بين أخذ ذلك بغير يمين على أنه متى عاد المدعى عليه للإنكار، والخصومة كان ذلك له، وبين أن يحلف الآن وبحكم له به ملكًا بعد إعلام المدعى عليه إن لم يقر أو ينكر حكم عليه كالناكل، ولا ينقض حكم من خاصم بالاحتجاج، وينقض بالبينات وبين أن يسجن فلا أحلف، وهذا كقولهم في الشفيع: يكتمه المشتري الثمن؛ فاختلف هل يسجن له الآن حتى يقرأ أو يقال له: خذ ولا وزن عليك حتى يثبت الثمن، هذا إن كانت الدعوى في معين، دار أو عبد، وإن كانت في شيء في
الجزء: 9 - الصفحة: 494
الذمة وأقام لطخا فكذلك، وإن لم يقم لطخا لم تسمع دعواه.
وإن ادعت الزوجة الطلاق فلم يقر الزوج، ولم ينكر يسجن حتى يقر أو ينكر، وحيل بينه وبينها، وتطلق عليه إن طال الأمر لحقها في الوطء، وإن ادعت عليه النكاح سجن حتى يقر أو ينكر، ولو ادعى عليها نكاحاً فلم يقر، ولم تنكر حيل بينها وبين الأزواج حتى تقر أو تنكر، وكذا السيد يدعي عليه البعد العتق، فإنه يسجن حتى يقر أو ينكر.
الشيخ في المجموعة عن أشهب: إن سأل المدعى عليه طالبه من أي وجه يدعي عليه هذا المال فقد تقدمت بيني وبينه مخالطة فسئل عن ذلك، ولم يقض القاضي بشيء على المدعى عليه حتى يسمي المدعي السبب الذي كان له به الحق أو يقول: لا أعلم وجهه، ولا أذكره، فلا يكون عليه في ذلك يمين أنه لا يذكره، وسأله البينة على دعواه، ومثله في كتاب ابن سَحنون، وزاد: إن أبى الطالب أن يخبر بالسبب، فإن قال: لأني لا أذكر وجه ذلك قبل منه، وإن لم يقل ذلك فلا يقضى له بشيء حتى يذكر سبب دعواه أو يقول لا أذكر سببه، ولا يمين عليه أنه لا يذكر سببه، ويسأله البينة على دعواه، ونقله الباجي بلفظ: إن أبى الطالب أن بين سبب دعواه، وادعى نسيانه قبل منه بغير يمين، وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر.
قال الباجي: القيام عندي أن لا يوقف المطلوب حتى يحلف الطالب أنه لا يذكر ما يدعيه، إذ لعله بذكر السبب يجد مخرجاً، وإن امتنع من ذكر السبب من غير نسيان لم يسأل المطلوب عن شيء.
قلت: في دلالة الرواية على ما ذكر الباجي من قوله: (وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر) نظر فتأمله، ونقل المازري كالباجي.
وقول ابن شاس: جواب دعوى القصاص على البعد يطلب من العبد، ودعوى الأرش، يطلب جوابه من السيد واضح؛ لأن الجواب إنما يطلب من المدعى عليه، وهو في الأولى العبد؛ لأن إقراره به عامل دون سيده، وفي الثانية السيد؛ لأن إقراره به عامل دون العبد.
الجزء: 9 - الصفحة: 495
ولفظ اليمين في حقوق اللعان والقسامة فيها: يحلف المدعى عليه أو من يحلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلى هو، لا يزيد على هذا، ومثله ذكر الشَّيخ من رواية سَحنون بزيادة: لا أعرف غير هذا، ولابن رُشْد في رسم الأقضية من سماَع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وفي صفة اليمين اختلاف كثير المشهور قولها، وقيل: يزيد عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول ابن كنانة في المدنيَّة.
اللخمي: واختلف إن قال: والله لم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو؛ فمقتضى قول مالك: أنها يمين جازية، وقال أشهب في الموازيَّة: لا يجزيه اليمين في الوجهين.
قلت: هو ظاهر المَدونَّة، واختار الأول قال: لأنه لا خلاف فيمن قال: والله، ولم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو، أنها يمين تكفر.
قُلتُ: لا يلزم من أنها يمين تكفر أن يجزئ في الحقوق لاختصاص يمين الخصومة بالتغليظ، ولما ذكر المازري قول أشهب: قال: وحمل بعض أشياخي عن مالك أنه يرى الاكتفاء بقوله: والله فقط، وإنما يتعلق في هذا بقوله في كتاب اللعان يقول: بالله، وليس مقصود مالك في اللعان بيان اللفظ المحلوف به، وذكر المازري في لفظ يمين اللعان خمسة أقوال، فقال في المَدوَّنة: يحلف بالله، وفي الموازيَّة يقول: أشهد بعلم الله.
وقال محمد: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، والرابع زيادة: الرحمن الرحيم، وقال ابن الماجِشُون: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم، ونحوه للخمي.
المازري في القسامة ثلاثة أقوال: بالله الذي لا إله إلا هو، والثاني أن يقول: الذي أمات وأحيا، والثالث أن يقول: الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم.
الباجي عن ابن حبيب عن الأخوين: بالله الذي لا إله إلا هو.
محمد: والعبد كالحر، وهو مشهور قول مالك وابن القاسم وروايته ورواية ابن كنانة بزيادة: عالم الغيب والشهادة.
وقال ابن رُشْد في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم، وعن مالك وابن القاسم
الجزء: 9 - الصفحة: 496
يقول: (أقسم بالذي أمات وأحيا).
وسمع يحيى ابن القاسم في الديات صفة حلف القسامة أن يقولوا: بالله الذي لا إله إلا هو، ليس عليهم أن يقولوا: الرحمن الرحيم، ولا الطالب الغالب المدرك.
ابن رُشد: هذا مشهور مذهبه، وعزا لابن كنانة مثل قول ابن الماجِشون قال: وفي كتاب ابن شعبان: من حلف عند المنبر فليقل: ورب هذا المنبر.
وروى ابن القاسم وابن وَهْب يقول: بالله أمات وأحيا، والزيادة على بالله الذي لا إله إلا هو، عند من رواها استحسان إذا لم يختلف في أنه إن لم يزد على ذلك أجزأته يمينه.
قلتُ: وقاله اللخمي.
وفيها: ولا يحلف النصراني أو اليهودي في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليه الذي أنزل التوراة والإنجيل.
اللخمي: قال ابن شعبان: روى الواقدي: أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وقول ابن عبد السلام: النصراني يقر بالتوراة والإنجيل فلعله يغلظ عليه بذكرهما معاً، والمؤلف لم يبينه خلاف ظاهر الرواية.
ابن محرز: قال في الكتاب في النصراني: لا يحلف إلا بالله، وظاهره أنهم لا يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو، وقاله ابن شبلون وغيره: قالوا: لأنهم لا يوحدون، ولا يكلفون ما ليس من دينهم، وليس كذلك بل يحلفون اليمين على هذه الصورة، ولا يكون ذلك منهم إيمانا، ونص عليه متقدمو علمائنا، ويدل عليه استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصانع تعالى الله عن قولهم.
زاد عياض: وفرق ابن شبلون بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحد، وبين بغيرهم.
المازري: وفى تمكين المسلم من استحلافه اليهودي يوم السبت قولا القابسي وبعض المتأخرين، فخص بعضهم الخلاف باليهودي؛ لأن النصراني لا يعظم يوماً،
الجزء: 9 - الصفحة: 497
وعممه ابن عات فيهما، قال: لأن يوم الأحد له، والسبت لليهودي.
اللخمي: اختلف في محل اليمين، فقال ابن القاسم: محله في أقل من ربع دينار، وفى ربعه في المسجد الجامع حيث يعظم منه.
الشَّيخ عن محمد: والثلاثة دراهم ربع دينار، وذكره ابن سَحنون رواية، وذكر القاضي عبد الوهاب عن بعض المتأخرين: الاستحلاف في المسجد في القليل والكثير.
المازري: والمعتبر في المعيب قدر قيمة العيب إن فات المبيع، وإلا ففي كونه كذلك قولا أَصْبَغ، وحذاق الأشياخ.
وقال المازري في بعض الروايات: الإشارة إلا أنه لا يشترط اليمين عند المنبر إلا منبره صلى الله عليه وسلم، ولابن حبيب عن بعض أصحاب مالك: أن الاستحلاف عند المنبر، وتلقاء القبلة يشير إلي أن المحراب هو أعظم ما في المسجد، ومعروف المذهب اختصاصه بالجامع الأعظم، وفي المذهب ما يشير إلى مساواة مساجد الجماعات والقبائل للجامع الأعظم.
اللخمي: إن كانت اليمين في مسجده صلى الله عليه وسلم فعند المنبر.
وقال محمد: على المنبر.
قال مالك: ويحلف بمكة عند الركن.
وقال ابن مالك الجلاب: يستحلف الناس في أقل من ربع دينار في سائر المساجد، ولا يحلف عند المنبر إلا منبره صلى الله عليه وسلم في ربع دينار.
الباجي: في سائر منابر البلاد عند المحراب، وأعظم ما في المساجد المحاريب، فيحلف عندها قرب المنبر، ولو كان المنبر في وسط المسجد حلف عند المحراب دون المنبر.
وفيها: وتخرج المرأة فيها له بال من الحقوق، فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن يخرج، ويبعث القاضي إليها من يحلفها، ويجزئه رجل واحد.
اللخمي في الموازيَّة: تحلف المرأة في بيتها في أقل من ربع دينار، وفي ربع دينار في
الجزء: 9 - الصفحة: 498
الجامع، فإن كانت ممن تتصرف أحلفت نهاراً، وإلا أحلفت ليلاً، وأجاز سَحنون في امرأتين ليستا ممن تخرج أن تحلفا في أقرب المساجد إليهما.
وقال القاضي عبد الوهاب: إن كانت من أهل الشرف والأقدار جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها، ولا مقال للخصم.
ولماذا ذكر عياض حلف المرأة في بيتها حسبما تقدم قال: وهذا فيما تطلب فيه، ولابن كنانة في المدنيَّة قال: يحلف النساء اللاتي لا يخرجن في بيوتهن فيما ادعي عليهن، وأما إن أردن أن يستحققن حقهن فيخرجن إلى موضع اليمين، وقد حلف سَحنون مثل هؤلاء في أقرب المساجد إليهن، وأما شُيُوخ الأندلسيين فرأوا أنه لابد من خروج هؤلاء، ومن امتنعت حكم عليها بحكم الملد.
قال عياض: وليس هذا بصواب.
الشَّيخ في نوادره: روى ابن القاسم تخرج فيما له بال، فمن كانت تخرج بالنهار خرجت، وإلا خرجت بالليل، وفي الموازيَّة مثله.
قلتُ: لمحمد: تخرج في ربع دينار.
قال: لا إلا في الشيء الكثير الذي له بال، ومنهن من هي كالرجل تخرج هذه تحلف بالنهار في المسجد الجامع في ربع دينار، ولابن حبيب عن الأخوين من لا تخرج نهاراً تخرج في الليل في ربع دينار
عياض: قوله: وأما ما سألت عنه من المكاتب، والمدرب، وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار، إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر منهن من يخرج، ومنهن من لا يخرج حمل بعضهم أول الكلام على الذكور دون الإناث، وعليه اختصره أبو محمد، وحمله آخرون على الذكور والإناث، وأن ما عدا أمهات الأولاد كالرجال في الخروج لليمين؛ لأن حرمة أمهات الأولاد بحرمة ساداتهن وأبنائهن كالحرائر، وإليه ذهب ابن محرز، ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات، وأما ما سألت عنه من المدبرة والمكاتبة وأمهات الأولاد فسنتهن سنة الأحرار، وهو محتمل.
قلتُ: وللباجي عن ابن القاسم: والحرة والعبد والمدبرة والمكاتبة سواء.
الجزء: 9 - الصفحة: 499
فإن قلت: قولها: (وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج) مفهومه أنها تخرج في الكثير، وهو مناقض لما تقدم من أنها لا تخرج في الكثير.
قلتُ: لهذا المفهوم صورتان هذه، وهو غير معمل فيها، والثانية أنها إن كانت ممن تخرج خرجت من بيتها لمحل يقتضي فيه الطالب يمينها، ولا يلزمه الذهاب إلى بيتها لاقتضائه؛ لأن الطالب حقاً في اقتضائه اليمين.
قال الباجي: وعندي لو حلف عند المنبر دون أن يقتضيه صاحب اليمين، لم يبر بها حتى يحلف، وصاحب الحق مقتض ليمينه.
قلتُ: وذكر لنا شيخنا ابن عبد السلام أنه حكم لرجل بيمين على امرأة، وطلب حضورها معها لحلفها فامتنعت هي، وزوجها خوف اطلاعه عليها.
قال: فحكمت بحضوره إياها متباعداً عنها أقصى ما يسمع منها لفظ اليمين.
وفيها: في الحالفة في بيتها، ويبعث القاضي إليها من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد.
قلتُ: ظاهره أنه لا يقضى له بحضور يمينها في بيتها.
عياض: هذا يدل على أحد قوليه في هذا الأصل فيمن يوجهه القاضي للإحلاف، والحيازات، والأعذار، والنظر في العيوب، والترجمان، والقائف أنه يجزئ في ذلك رجل واحد، ولو زعم من وجب حلفه عجزه عن الخروج لمحل الحلف لمرضه، ففي نوازل الشعبي أربعة.
ابن بقيّ: إن أثبت ذلك ببينة حلف ببيته، وإلا أخرج.
ابن حارث: وإلا حلف لا يقدر على الخروج، ولا راكباً، وخير المدعي في حلفه ببيته، وتأخيره لصحته، فإن نّكَل لزمه الخروج أو رد اليمين.
ابن لبابة: إن ثبت مرضه حلف في بيته بالمصحف، وإلا حلف على عجزه، وخير المدعي في الأمرين.
ابن زَرْب: يختبر القاضي صدقه ببعثه له شاهدين، وأنكره محمد بن ميسور.
وفي كون التغليظ بالمكان شرطاً في اليمين طريقان.
الجزء: 9 - الصفحة: 500
الشَّيخ عن ابن حبيب: من نَكَل في ماله بال له أن يحلف في المسجد عند المنبر، وشبهه من المواضع، فقال: أحلف في مكاني فهو كنكوله يغرم إن ادعي عليه، وبطل حقه إن كان مدعياً، وقضى به مروان على زيد بن ثابت.
قاله الأخوان، المازري: في كون التغليظ مستحقاً أو مستحبّاً قولان.
اللخمي: ولا يحلف من الأيمان إلى غير موضعه إلا في القسامة.
قال مالك: يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس وغيرهم يستحلفون في مواضعهم، إلا أن يكون قريباً من المصر العشر الأميال ونحوها، وقال أبو مصعب: يجلب إلى الأمصار من كان على ثلاثة أميال، وهو أحسن، ولا يمكن من كان من البوادي من الدماء فتضيع.
اللخمي: اختلف هل يقام الحالف، وهل يستقبل به القبلة؟
فلابن القاسم فيها: ليس عليه أن يستقبل به القبلة، وقال مالك في كتاب ابن سَحنون: يحلف جالساً، وفي كتاب محمد قائماً، وقال الأخوان: يحلف قائماً يستقبل به القبلة إلا أن يكون أقل من ربع دينار، فيحلف في مكانه جالساً، قال مالك في كتاب آخر: ليس على الحالف في غير المسجد أن يقوم؛ يريد: أنه يقوم إذا كانت اليمين في الجامع، وأرى أن يستقبل القبلة في قليل ذلك وكثيره، ولا يقام وإن كانت اليمين في الجامع، وقد يستحسن ذلك في القتل، ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم في اللعان إلا في الخامسة أقام المرأة في موضع الغضب، وقيل: أقام الرجل في الخامسة، وليس في الصحيح.
الشَّيخ: في كتاب ابن سَحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟
قال: قائماً أبين.
قال مالك: يحلف في القسامة قائماً، كذلك اللعان، وقول ابن شاس: حكى ابن عبدوس عن أشهب أن القيام في الأيمان إنما هو في اللعان، وفي القسامة لم أجده في النوادر، وتقدم نقل اللخمي فيه.
وفيها: يحلف اليهودي والنصراني في كنائسهم، وحيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.
الجزء: 9 - الصفحة: 501
الباجي: وهل تغلظ بالزمان؟
وروى ابن كنانة في كتاب ابن سَحنون يتحرى بأيمانهم في المال العظيم، والدماء، واللعان وقتاً يحضر الناس فيه المساجد، ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق، ففي كل حين، ولابن حبيب عن الأخوين: لا يحلف حين الصلوات إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت حضر الإمام استحلفه، وقاله ابن القاسم وأَصْبَغ، ابن شاس: قال في الكتاب: وشرط اليمين أن تطابق الإنكار.
قلتُ: هو قولها في الشهادات: ومن اشترى منك ثوباً، ونقدك ثمنه، وجحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد أن يحلف أنه لا حق قبله لم يكن له ذلك.
قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك.
ابن القاسم: يعني بقوله: يورك الإلغاز.
قلتُ: نقلها الباجي عن مالك في الموازيَّة لا من المدَوَّنة، قال: وقاله مُطّرِّف، وقال ابن الماجِشُون: إذا حلف ما له عليه شيء من كل ما يدعيه، فقد برئ، واختاره ابن حبيب، وفي الموازيَّة والعتبيَّة القولان.
قلتُ: نقل المازري، واختار ابن حبيب الاستظهار بقرائن الأحوال، فإن كان المدعى عليه من أهل الصلاح والفضل، والمدعي من أهل التهم وممن يظن به ادعاؤه الباطل منع في اليمين بقول ابن الماجِشُون: (وشرط اليمين مع الشاهد) موافقتها شهرته معنى ولفظاً.
الباجي: وصفة اليمين مع الشاهد أن يحلف على ما شهد له، فإن شهد بإقرار المطلوب لم يكن له أن يحلف أن له عليه كذا؛ بل يحلف لقد أقر له فلان بكذا.
قاله ابن عبد الحَكم: فإن كان المطلوب غائباً زاد، وإن حقه لباق عليه، وما عنده به رهن، ولا وثيقة ويقضى له.
قال ابن عبد السلام: هذا على أن اليمين مع الشاهد كشاهد آخر، ومنهم من جعلها تقوية له، وعليه لا يبعد كونها على وفق الدعوى كاكتفاء ابن الماجِشُون في يمين
الجزء: 9 - الصفحة: 502
المدعى عليه بالحلف على نفي دعوى المدعي سواء طابق الإنكار أو لم يطابق.
قلتُ: يرد بأن شرط اليمين مع الشاهد موافقتها شهادة الشاهد فيها أثبته في المعنى اتفاقاً أو إجماعاً والحلف مع الشاهد على وفق الدعوى هي أعم من خصوص ما شهد به الشاهد.
والأعم لا يستلزم الأخص إثباتاً فلا يستلزم الحلف على الدعوى نفس ما أثبتته شهادة الشاهد، وقول ابن الماجِشُون: إنما هو في الحلف على أمر هو أعم من خصوص الدعوى، وهو في باب النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فاستلزم حلفه نفي الدعوى فتأمله.
وما ذكره من الخلاف في حال اليمين مع الشاهد لا أعرفه على النحو الذي ذكره؛ بل قول المازري: اضطرب العلماء في القضاء بالشاهد واليمين هل القضيَّة مستندة إلى الشاهد واليمين كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين، والشاهد كالمقوي لها أو مستندة إليهما جميعاً.
الشَّيخ: من قول مالك وأصحابه أن من أقام بينة بدين على حاضر أنه لا يحلف على أنه ما قبضه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه، أو دفعه عند دافع، ولو كان الحكم بالدين على ميت أو غائب لم يقض للطالب حتى يحلف أنه ما قبضه منه، ولا من أحد بسببه، ولو كان الدين لميت قام به ورثته على ميت أو غائب، فلابد أن يحلف أكابرهم أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه، ولا من أحد من مسببه، ولا يحلف الأصاغر، وإن كبروا بعد موته.
قلتُ: قوله: (ولا يحلف الأصاغر) يدل باللزوم على نص قولها: لا يمين على صغير، ولا على من يظن به علم ذلك، وفي سلمها الأول، وإذا أصاب المسلم إليه رأس المال رصاصاً أو نحاساً فردها عليه فقال له: ما دفعت لك إلا جياداً، فالقول قوله ويحلف ما أعطاه إلا جياداً في علمه ألا أن يكون إنما أخذها على أن يريها، فالقول قوله مع يمينه، وعليه بدلها.
التونسي: إن حقق أنها ليست من دراهمه حلف على البت، فإن نكل حلف قابضها على البت؛ لأنه موقن،
الجزء: 9 - الصفحة: 503
قلتُ: ظاهره: ولو كان حلف الأول على العلم، فتكون يمينه تنقل على خلاف ما تتوجه.
قال ابن رُشْد: وهو في مسائل كثيرة.
قلتُ: وذكر غير واحد من شُيُوخ الفاسيين في صفة الحلف ثلاثة أقوال، قولها الثاني: يحلف على البت مطلقاً، الثالث: هذا إن كان صيرفياً دون عزو، وعزاها ابن حارث لابن القاسم، وابن كنانة، وابن الماجِشُون، وقال ابن شاس بعد ذكر الأول: ولو قال: ما أعرف الجيد من الرديء، فقال بعض الأصحاب: يحلف ما أعطيته رديئاً في علمي.
قلتُ: فالأقوال خمسة.
نقل التونسي، والثلاثة، ونقل ابن شاس.
المازري: وينظر في حق الله تعالى في إباحة اليمين مع الشاهد للصغير الذي لم يعاين ما شهد به الشاهد، ولا علمه ضرورة، فإن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد، وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك، ففي إباحة اليمين له بذلك، ووقفها على يقينه قولان لكتاب ابن سَحنون والموازيَّة.
واحتج سَحنون بجواز تصرف الولد الصغير في مال شهد له شاهدان بأنه لأبيه، وظاهر قوله: إسناد هذا الاحتجاج لمالك، وفيه إشكال؛ لأن التصرف في الأموال، ورد من الشرع التعويل فيه على الظن للضرورة إلى ذلك، ولو وقف ذلك على اليقين لأدى إلى ضرر عظيم، وأما تعليق التكليف بتعظيم اسم الله، والقسم به بيقين الصدق، فلا يلحق به ضرر عام وبعض أشياخي يضيف هذين القولين لمالك.
قلتُ: وتقدم هذا، وأخذ الأول من ظاهر قولها في الشهادات، وأظهر منه قولها في الوديعة: وإن بعث إليه بمال، فقال: تصدقت به علي، وصدقه الرسول، وأنت منكر للصدقة فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه، ويكون المال صدقة عليه.
قيل: كيف يحلف، ولم يحضر؟
قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه، واختصرها أبو سعيد سؤالاً
الجزء: 9 - الصفحة: 504
وجواباَ لعدم إفادة الجواب نفي الإشكال؛ لأن حاصله أنه أتى بصورة مماثلة للمسؤول عنها فتستشكل كما استشكلت الأولى.
قال ابن شاس: اليمين على نيَّة القاضي، وعقيدته فلا تصح تورية الحالف، ولا استثناؤه بحيث لا يسمعه القاضي تقدم الكلام في نيَّة الحالف في الأيمان، وأن الخلاف عام في يمين القاضي وغيره حسب ما نص عليه ابن رُشْد قي سمَاع أَصْبَغ منه قال: إلا أن تتضمن نيَّة المحكوم عليه إبطال حق فهي عليه نيَّة المحلوف له اتفاقاَ، وفي لزوم نفي المدعى به في اليمين بعينه والاكتفاء بعموم يشمله خلاف تقدم عزوه.
الباجي عن أشهب: إن بين المدعي السبب فأنكر المطلوب، وقال: أحلف أنه لا شيء له عندي في هذا السبب لم يجزه حتى يقول: ولا أعلم له شيئاً بوجه من الوجوه، قاله أشهب في المجموعة ونحوه في كتاب ابن سَحنون هـ.
والظاهر أنه يجزئه؛ لأن الطالب لم يطلبه بغير ذلك، ومن حق المطلوب أن لا يحلف حتى يقول له الطالب: هذا آخر حقوقي عندك.
قال ابن الحاجب: فإن ذكر السبب نفاه معه على المشهور.
قلت: انظر الضمير في قوله (معه) على من يعود، وفسره ابن هارون بمسألة كتاب الشهادات المتقدمة، قال: يعني قوله: (نفاه معه) أي: نفى السبب مع العدد.
قلتُ: لا يخفى بعده، وفسره ابن عبد السلام بمسألة أشهب وسَحنون، وهو أيضاً بعيد.
ابن الحاجب: قال الباجي: القياس أن يكتفي بذكر السبب، وعن مالك ماله عندي حق.
قلتُ: ظاهر أن قول مالك في نفس الصورة، وفيه نظر؛ لأن الباجي قال بعد ذكر ما تقدم ما نصه: وإن ادعى أنه أسلفه أو باع منه لم يجزه قوله: (لا حق به عندي) حتى يقول: لم تسلفني أو له تبع مني، قاله سَحنون، وهو مقتضى قول مالك قال: وربها قيل منه الجواب ما له على حق، وإلي القول الأول رجع مالك.
قال ابن الحاجب: قال ابن دينار: قلت لابن عبدوس: أيضطر إلى يمين كاذبة أو
الجزء: 9 - الصفحة: 505
غرم ما لا يجب؟
فقال: ينوي شيئاً يجب رده الآن، ويبرأ من الإثم.
قلت: عزوه السؤال لابن دينار خلاف نقل ابن شاس عن ابن حارث عزوه لأحمد بن زياد، وذكر ابن حارث في كتاب المديان، كلفظ ابن شاس، وعزو ابن الحاجب وهمٌ؛ لأن ابن دينار، إما عيسى وإما عبد الرحمن وإما محمد، وكلهم لا يستقيم أن يَسأل ابن عبدون لعلو طبقتهم عنه؛ أما عيسى فهو أكبر من ابن عبدوس.
قال عياض وغيره: أنه أخذ عن مالك ولزم ابن القاسم.
وأما عبد الرحمن فقال عياض: لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه وعرض عليه المدنيَّة، وفيها أشياء من رأيه وكلاهما من أهل الأندلس، وذكرهما في طبقة سَحنون.
وأما محمد فقال فيه عياض إنه صحب مالكاً، وابن هرمز، روى عنه ابن وهب.
قال ابن عبد البر: كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز.
وأما ابن عبدوس فقال فيه عياض: هو محمد بن إبراهيم بن عبدوس كان من كبار أصحاب سَحنون، وهو أحد المحمدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر من أئمة مذهب مالك لم يجتمع في زمان مثلهم؛ اثنان مصريان، ابن عبد الحكم وابن المواز واثنان قرويان؛ ابن عبدوس وابن سَحنون.
والحق ما ذكره ابن حارث وهو أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي.
قال عياض: صحب ابن عبدوس وابن سلام والقاضي ابن مسكين، وكان يكتب له السجلات سمع منه ابن حارث وأحمد بن حزم وأبو العرب وغيرهم.
قال أبو العرب: كان عالماً بالوثائق، وضع فيها عشرة أجزاء، أجاد فيها.
ابن شاس: إن ادعى عليه ملكاً فقال: ليس لي إنما هو وقفٌ على الفقراء، أو على ولدي، أو هو ملك لطفل لم يمنع ذلك إقامة البينة للمدعي إن لم يثبت ما ذكر فتقف المخاصمة على حضور من ثبتت له عليه الولاية.
قلت: ما ذكره هو مقتضى أصول المذهب، ومقتضى إقراره بذلك لحاضر أو
الجزء: 9 - الصفحة: 506
غائب، ولا أعلم من ذكر نفس المسألة التي ذكرها إلا الغزالي في الوجيز.
المازري: لو قال: هي لفلان، وهو حاضر فصدقه سلم له المدعى فيه، والخصومة بينه وبين المدعي، وللمدعي إحلاف المقر أنه ما أقر به لإتلاف حقه إذا لو اعترف أنه أقر بالباطل، وأن المقر به إنما هو لمدعيه لزم الغرم، فإن حلف أنه لم يقر إلا بالصدق، ولا حق فيه للمدعي، سقط مقال المدعي، فإن نَكَل عن اليمين فهاهنا اختلف الناس ها يستحق بيمينه غرامة المقر لإتلاف بإقراره ما اقر به أم لا؟
لأنه لم يباشر الإتلاف، وإذا توجهت الخصومة بين المدعي، والمقر له وجبت اليمين على المقر له، فإن نَكَل حلف المدعي وثبت حقه، فإن نَكَل فلا شيء له عليه، وهل تحليف المقر أم لا؟
قال ابن عبد السلام: ليس له ذلك؛ لأنها لو وجبت لكان للمقر النُكُول عنها، وإذا نَكَل عنها لم يكن للمدعي أن يحلف؛ لأنه قد توجه عليه هذا الحلف ونكل عنه.
قلتُ: ونحوه قول عياض فى الوكالات: إذا اطلع بائع السلعة من وكيل على شرائها على زائف في الثمن فأحلف الآمر فنكل فوجبت اليمين للبائع، وليس له أن يحلف المأمور.
عياض: لأن نكوله عن يمين الآمر نٌكٌول عن يمين المأمور.
قال المازري: ولو أقر به لغائب لا يعذر إليه لبعد غيبته لم يستحقه المدعي بذلك اتفاقاً، فإن أراد تحليفه
سئل، فإن قال: رجاء أن ينكل فأحلفه وأغرمه قيمته جرى على ما قدمناه من الخلاف في توجه الغرم عليه بإقراره به لغيره دون مباشرة إتلاف فمن أغرمه يحلفه ومن لا فلا، وإن قال: رجاء أن ينكل فأحلف، وأستحق نفس الثوب، فذكر ابن سَحنون: من ادعي عليه بدار في يده، فقال: هي لفلان الغائب، فإن حلف بقيت الدار بيده، وإن نَكَل أخذها المدعي دون يمين حتى يقدم الغائب بإقرار المقر، واختار بعض أشياخي إسقاط اليمين عن المدعي عليه إن لم يدع عليه المدعي أنه أودعه السلعة أو رهنه إياها؛ لأنه لا يلزمه أن يحلف لإثبات ملك غيره، ومن الناس من قال: إن نَكَل عن اليمين حلف المدعي، وأخذ المدعى فيه حتى يقدم الغائب فيخاصمه؛
الجزء: 9 - الصفحة: 507
وكأنه رأى أن هذا صيانة لقاعدة الشرع؛ لأنه لو منعنا المدعي من المدعى فيه، ولم يحلف المدعى عليه لم يشأ أحد أن يصرف خصمه عن طلبه من غير أن يمكنه مما ادعى فيه، ولا يحلف له إلا فعل ذلك بأن يضيف المدعى فيه لغائب، ثم ذكر فروعاً لم يضف أقوالها للمذهب فلا ضرورة لذكرها.
قال ابن الحاجب: فإن كان غائباً لزمته اليمين أو البينة، وانتقلت الحكومة إليه، فإن نّكَل أخذه بغير يمين.
قلتُ: ضمير لزمته اليمين يجب عوده على المقر وضمير (إليه) عوده إلى الغائب، والضمير المستكن في (نكل) عائد على المقر، وفي (أخذ) عائد على المدعي، والضمير المفعول (بأخذه) عائد على المدعى فيه، بهذا يستقيم موافقته لما تقدم عن المازري ونحوه لابن شاس، ولا يخفى على منصف إجمال كلام ابن الحاجب، ولو جاء بهذه الضمائر مظهرة كان أولى به.
[(
باب النكول
]
**** امتناع من وجب عليه أو له يمين منها.
قال ابن الحاجب: ويجري فيما يجري فيه الشاهد واليمين.
قلتُ: فاعل (يجري) ضمير يفسره السياق عائد على حكمه المذكور بعد، وهو إثباته القضاء على الناكل بنكوله مع يمين المدعي، ولا يخفى إجمال دلالة قوله على
الجزء: 9 - الصفحة: 508
هذا المعنى.
الشَّيخ لابن سَحنون عنه: قال مالك: ولكنه لا يجب الحق بنكول المدعى عليه حتى يحلف المدعي، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة.
قال مالك: وإن جهل ذلك الطالب ذكر له القاضي حتى يحلف الطالب.
قال أشهب: لم يختلف في ذلك أهل العلم، وقول ابن شاس: ويتم النُكُول بقوله: لا أحلف وأنا ناكل، وبقوله له: أحلف أو يتمادى على الامتناع من اليمين، الروايات والأقوال واضحة بصحته، وقول ابن شاس: إذا تم نكوله، ثم قال: أنا أحلف لم يقبل هو قولها.
قال مالك: إذا نَكَل مدعو الدم عن اليمين، وردوا الأيمان على المدعى عليه، ثم أرادوا بعد ذلك أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك، وكذلك قال لي مالك فيمن أقام شاهداً على مال وأبى أن يحلف معه ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أني حلف ليس له ذلك.
وسمع عيسى ابن القاسم في رسم الجواب من كتاب المديان: إن قال المدعى عليه للمدعي بعد أن طلب يمينه: احلف أنت وخذ، فإذا هم المدعي بالحلف.
قال المدعى عليه: لا أرضى بيمينك، ما ظننتك تحلف لا رجوع للمدعى عليه كان ذلك عند السلطان أو غيره.
ابن رُشْد: مثله في كتاب الدعوى والصلح.
وفي كتاب الديات: ولا خلاف أعلمه في ذلك بعد أن يردها على المدعي، ولو نكل عنها، ولم يردها عليه، ففي كونه كذلك وصحة رجوعه قولان؛ لظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنيَّة مع ظاهر قولها في الديات، وظاهر قول ابن نافع في المدنيَّة.
قلتُ: ومثله في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم في الديات بزيادة إلا أن يكون لهم عذر بين.
سَحنون: مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا.
الجزء: 9 - الصفحة: 509
ابن رشد: تفسير سحنون بين، لأنه إذا أبى أن يحلف مع شاهده على حق يدعيه لميته لأجل أنه قيل له أنه أوصى بوصايا أو عليه دين، ثم علم أنه ليس على الميت دين، ولا أوصى بشيء والعذر في القسامة غير هذا، وقوله: إن لهم أن يرجعوا إلى القسامة إن كان لهم عذر ينبغي أن يحمل على التفسير لما في المدونة من كتاب الديات، وفي تعليقه أبي عمران في المدعي عليه يلتزم اليمين، ثم يريد الرجوع إلى إحلاف المدعي أن له ذلك، لأن التزامه ليس أشد من التزام الشرع له.
قال: وخالفني ابن الكاتب، وقال: ليس له رد اليمين، وقول ابن شاس: ونكول المدعي بعد نكول المدعي عليه كحلف المدعي عليه هو نص الروايات فيها، وفي غيرها، ومثله قول ابن الحاجب، وكذلك لو ادعى أنه قضاه، ثم نكل بعد نكوله لزمه.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: إن قال من وجبت عليه يمين: اضرب لي أجلاً لأنظر في حسابي وأمري أمهل بقدر ما يراه، وفي طرر ابن عات الشعباني: إن طلب من وجبت عليه يمين أن يؤخر بها اليومين والثلاثة، لينظر في محاسبته فله ذلك، ولا يزاد على ذلك، ثم ذكر قول ابن عبد الحكم قال: وقال غيره: ليس له ذلك إلا برضا الطالب وإذنه، لأن على القاضي إنفاذ الحق على الخصم إذا وجد لذلك سبيلاً.
قلت: فالأقوال ثلاثة، وتقييد ابن شاس تأخيره بكفيل بوجهه صواب، يريد: ويغرم المال بعد حلف المدعي إن لم يأت به، ولم يحك ابن الحاج في نوازله إلا القول بعدم تأخيره، وأما عكس هذا، وهو أن يطلب المدعي تأخير حلف المدعي عليه، ففي نوازل ابن الحاج: ليس له ذلك إلا برضا المطلوب، وهو مقتضى قول ابن عات في طرره: من وجبت له يمين على رجل فتغيب عن قبضها، وكل القاضي من يتقاضاها إذا ثبت عنده مغيبه، ويشهد على ذلك.
ابن زرقون: اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة: أنها تتوجه، وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب، وفي سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب.
قلت: هو كلام ابن رشد.
الجزء: 9 - الصفحة: 510
الباجي: إن ادعى المودع تلف الوديعة، وادعى المودع تعديه عليها صدق المودع إلا أن يتهم فيحلف، قاله أصحاب مالك.
قال ابن عبد الحكم: فإن نكل ضمن، ولا ترد اليمين هنا.
ابن رزقون: وفي توجيه يمين الاستحقاق على المستحق أنه ما باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه على البت كان المستحق ربعا أو غيره، ثالثها: إن كان المستحق غير ربع للمشهور، وابن كنانة، وبعض شيوخ ابن أبي زمنين، وهذا الخلاف على قولي المدونة في استحقاق بعض الورثة داراً من سبب مورثه، فبقول ابن القاسم يقضى لهذا القائم بحصته فقط، وعلى القول أنه لابد من يمين المستحق، وقول مالك وأشهب تنزع الدار من المطلوب لبقية الورثة على أنه لا يحلف على استحقاق الربع، وقول ابن كنانة: إنما يصح والمطلوب حاضر لا يدعي شيئاً، فإن غائباً فما أراه يقول ذلك.
باب الخلطة
الخلطة: حالة ترفع بعد توجه الدعوى على المدعي عليه لا لسوء غرضه،
الجزء: 9 - الصفحة: 511
فتخرج حالة توجه دعوى السرقة والعداء.
المازري: قال المتقدمون كابن القاسم: الخلطة أن يبايع إنسان إنساناً بالدين مرة واحدة، أو بالنقد مراراً، وقال البغداديون من أصحابنا: إنما المعتبر كون الدعوى تشبه.
قال القاضي عبد الوهاب: من أصحابنا من قال: هي أن تكون الدعوى تشبه أن يدعى بها على مثل المدعي عليه.
وقال بعضهم: هي أن يشبه أن يعامل المدعي المدعي عليه في مثل ما ادعى عليه به، وهذان الحدان متقاربان، أحدهما راعى الشبه في جنس المدعي فيه، والآخر راعاه في جنس المدعي والمدعي عليه والمدعي فيه، والتحقيق اعتبار قرائن الأحوال في النوازل ولابن رشد في سماع أصبغ قوله في هذا السماع المبايعة الواحدة ليست بخلطة حتى يبايعه مرة ومرة، وفي سماع يحيى من الشهادات ما ظاهره أن المعاملة الواحدة خلطة، وقيل: معنى رواية يحيى أنها مضافة لمعاملة قبلها، ولا أقوال أنها مخالفة ولا مفسدة، بل معنى هذا السماع أنهما قابضاً وتناجزاً، وسماع يحيى على أن المعاملة بالدين والمبايعة بالنقد مع التناجز ليست خلطة وبالدين خلطة، وبالنقد دون مناجزة في شهادات المدونة أنها ليست بخلطة، وفي الموازية أنها خلطة قال: وثبوتها بما ثبتت الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين، وفي ثبوتها بشاهد واحد، ثالثها: مع اليمين، ورابعها: شاهد وامرأة لهذا السماع مع نوازل سحنون، وابن كنانة مع ابن القاسم أيضاً، وابن
الجزء: 9 - الصفحة: 512
نافع، وسماع حسين بن عاصم.
الباجي عن المغيرة وسحنون: لا تثبت بين أهل الأسواق حتى يتبايعوا، والاجتماع بالمسجد للصلاة، والأنس، والحديث لا يثبتها، وفي الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان إذا جاءه الرجل يدعي حقاً على رجل آخر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعي عليه.
قال مالك: وعليه الأمر عندنا، ومثله في كتاب ابن سحنون.
قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" إذا كان بينهما خلطة.
قال أبو عمر: ليس في شيء من الآثار المسندة اعتبار الخلطة.
ابن رشد في سماع أصبغ مذهب مالك، وكافة أصحابه الحكم بالخلطة.
قلت: ومثله عمل القضاة عندنا عليه، ونقل لي شيخنا ابن عبد السلام عن بعض القضاة أنه كان لا يحكم بها إلا إن طلبها منه المدعي عليه.
الباجي: إن كانت الخلطة بتاريخ قديم، وانقطعت، فقال أصبغ وسحنون: حكمها باق، وقال محمد: لا يحلف إلا بخلطة ثانية مجددة، وإن قضى عليه بمائة اليوم أقام عليها بينة ثم ادعى عليه من الغد بحق آخر، فلا يمين عليه بسبب تلك الخلطة لانقطاعها حتى يثبت خلطة، ثم ينقطع أمرها.
عبد الحق عن أصبغ: خمسة يجب عليهم الإيمان دون خلطة: الصائغ والمتهم بالسرقة، ومن قال عند موته: لي على فلان دين، ومن يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل، ولو كان المدعي عليه عدلاً غير متهم، ومن ادعى عليه رجل غريب نزل بمدينة أنه استودعه مالاً، وكذا نقلها ابن سهل، ونقلها ابن رشد غير معزوة
الجزء: 9 - الصفحة: 513
كأنها المذهب.
الباجي: عن يحيى بن عمر: الصناع تتعين عليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم دون خلطة، لأنهم نصبوا أنفسهم للناس، يلزمه مثله في تجار السوق.
قال اللخمي في الصانع: هذا إن ادعى المدعي ما يشبه أن يتجر به أو لباسه أو لباس أهله، وإلا لم يحلفه، ويراعي في الوديعة ثلاثة أوجه: أن يكون المدعي يملك مثل ذلك جنساً وقدراً، وثبوت ما يوجب الإيداع ليس الغالب من المقيم ببلده أن يودع ماله إلا لسبب خوف أو طلب سلطان أو سفر بخلاف الطارئ، وأن يكون المدعي عليه ممن يودع مثل ذلك.
عبد الحق: قال بعض شيوخنا: لا تعتبر الخلطة في الأشياء المعينة إلا مثل أن يعرض رجل سلعته في السوق للبيع، فيقول رجل: بعتها مني هذا تجب فيه اليمين، وقيل: تجب وإن لم تكن خلطة، وهذا عندي أبين، وعزاه الصقلي لابن مناس، وبعض القرويين.
قال يحيى بن عمر: وعليه تدل مسائلها في الشفعة منها إن أنكر المشتري الشراء، وادعاه البائع تحالفا، وفي سرقتها إن ادعى السارق شراء السرقة حلف له ربه، وفي القذف إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها حلف ربها، ولم يشترط في ذلك خلطة، وقال بعض شيوخنا: الخلطة معتبرة في المعينات، وغيرها إلا مثل أن يعرض الرجل سلعتها في السوق للبيع، فيأتي الرجل، ويقول: بعتها مني فيحلف دون خلطة.
وفيها: من أقامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها، ويمنعها، ويكريها، ويهدم ويبنى فأقام رجل بينة أنها له أو لأبيه أو جده، وثبتت المواريث، فإن كان حاضراً يراه يبني، ويهدم ويكري فلا حجة له، وإن كان غائباً، ثم قدم فقد تقدم الجواب فيها.
ابن القاسم: وكذا من حاز على حاضر عروضاً أو حيواناً إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن والدواب تركب، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الربع عشر سنين ولا غير ذلك.
قال ربيعة: حوز الحاضر عشر سنين تقطع دعوى الحاضر إلا يقيم بينة أنه إنما
الجزء: 9 - الصفحة: 514
أكرى أو أسكن أو أعار ونحوه، ولا حيازة على غائب.
قال بن رشد في رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عليه للحائز اتفاقاً لكنها تدل على الملك كإرخاء الستر، ومعرفة العفاص، والوكاء، فيكون القول قول الحائز مع يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حاز شيئاً عشر سنين فهو له" واختلف إن كان الحائز وارثاً.
قيل: هو كمورثه في مدة الحيازة، وأنه لا ينتفع بها دون أن يدعي الوجه الذي تصير به إلى موروثه، قاله مطرف وأصبغ، وقيل: مدته في الحيازة أقصر، وليس عليه أن يسأل عن شيء، لأنه يقول: ورثت ذلك، ولا أدري ما يصير ذلك إليه، وهو ظاهر سماع عيسى ابن القاسم، وقول ابن الماجشون: وهو أبين والمدة ينبغي أن يستوفي فيها الوارث والموروث، وتضاف مدة حيازة أحدهما للآخر، واختلف على القول بأن العشرة الأعوام ليست بحوز، ولو مع الهدم، والبنيان إن طالت مدة يبيد فيها الشهود، وهي العشرون عاماً على اختلاف في ذلك، فقيل: القول قوله في البيع والهبة والصدقة، وهو سماع عيسى ابن القاسم في القسمة، وقيل في البيع فقط لا في الهبة، والصدقة والنزول، وهو سماع عيسى ابن القاسم في هذا الكتاب، وأضعف الحيازة حيازة الأب على ابنه وابنه عليه فحيازة أحدهما على الآخر بالسكني، والازدراع لغو وهي أضعف وجوه الحيازة، ومعتبرة بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة اتفاقاً فيهما، وفي لغوها بالهدم والبناء والغرس، وهي المرتبة الثانية في الحيازة قولان:
أحدهما: لا حيازة له بهما، قاله مالك في هذه الرواية، والمشهور، يريد: إلا أن يطول الأمر جداً لما تهلك فيه البينات، وينقطع فيه العلم.
والثاني: أنها حيازة قام عليه في حياته أو على سائر ورثته في مماته، وهو قول ابن دينار في كتاب الجدار، والواضحة، وقول مطرف: (وحوز الأقارب الشركاء بإرث وغيره)، وهي الموالية في الضعف لحوز الأب على ابنه، وعكسه لا تكون بالسكنى،
الجزء: 9 - الصفحة: 515
والازدراع اتفاقاً، إلا على ما تأوله بعضهم على قوله في المدونة، وهذا من وجه الحيازة التي أخبرتك من أنه لا فرق في الحيازة بين الأقارب والأجنبيين، وهو بعيد، وتكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء، وإن لم تطل المدة اتفاقاً على الجملة، وتفصيل ذلك أنه إن فوت الكل بالبيع، والمحوز عليه حاضر للصفقة فسكت حتى انقضى المجلس لزمه بيع حصته وله ثمنها، وإن سكت بعد انقضاء المجلس حتى مضى العام ونحوه، استحق البائع الثمن بالحيازة مع يمينه أنه انفرد به بالوجه الذي يذكر من ابتياع أو مقاسمة أو شبه ذلك، وإن لم يعلم بالبيع إلا بعد وقوعه، فقام حين علم أخذ حقه، وإن لم يقم إلا بعد العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن، وإن لم يقم حتى مضت مدة أخذه لم يكن له شيء، واستحقه الحيازة بما ادعاه لحيازته إياه، وإن فوته بالهبة والصدقة أو العتق أو التدبير، فإن كان حاضراً وسكت حتى انقضى المجلس فلا شيء له، فإن لم يكن حاضراً، وقام حين علم فهو على حقه، وإن لم يقم إلا بعد العام ونحوه فلا شيء له، وإن فوته بالكتابة تخرج على الخلاف في الكتابة هل تحمل محمل البيع أو العتق، وكذا إن حاز الكل بالوطء، والاتخاذ بعلم المحوز عليه من الورثة فهي حيازة، وإن لم تطل المدة، فإن حاز بشيء مما ذكرناه الأكثر، فالحكم فيه على ما تقدم، ويختلف في الباقي على قولين: أحدهما: أنه تبع للأكثر يستحقه مع يمينه على ما ادعاه، وهو سماع يحيى ابن القاسم إلا أنه لم يذكر اليمين.
والثاني أنه لا يكون تبعاً فيكون للمحوز عليه حقه بعد يمينه على تكذيب صاحبه في دعواه، وهو ظاهر سماع سحنون ابن القاسم إذ لم يفرق فيه بين قليل وكثير بحيازته، فحمله الشيوخ على الخلاف لسماع يحيى، وإن حاز بشيء مما ذكرناه الأقل، فقيل: يستحقه بحيازته ويكون تبعاً لما لم يحز يأخذ المحوز عليه حقه فيه إن كان عبداً فأعتق كان له قيمة حظه على الذي أعتقه، وإن بيع كان له حظه من الثمن الذي بيع به، وإن وهب أو تصدق أخذ حظه منه إلا أن لا يجده، فيكون له قيمة حظه منه على الذي وهب
الجزء: 9 - الصفحة: 516
أو تصدق، وهو سماع يحيى ابن القاسم، وإن فوت بشيء من ذلك النصف أو ما قاربه لم يكن ذلك بعض تبعاً لبعض، فاستحق الحائز ما حاز منه، وما لم يحز بينهما على الإرث، ويحتمل أن يؤول سماع سحنون على أن الذي حازه الوارث بهذه المعاني متناصف أو متقارب فلذلك قال: لا يكون القليل تبعاً للكثير لا فيما حاز، ولا فيما لم يحز، فلا يكون على هذا سماع سحنون مخالفاً لسماع يحيى، ولا يكون خلافاً في أن القليل تبع للكثير لا فيما حاز، ولا فيما لم يحز، فلا يكون على هذا سماع سحنون مخالفاً لسماع يحيى، ولا يكون خلافاً في أن القليل تبع للكثير فيما حيز، وما لم يحز على ما في سماع يحيى، وهو أولى مما حمله عليه الشيوخ من الخلاف، وكذا القول فيما حازه الوارث على وارثه بالهدم والبناء أو الاستغلال العشرة الأعوام على أنها حيازة بين الورثة يختلف هل يكون القليل تبعاً للكثير فيما حيز، وما لم يحز على ما ذكرناه، ولا فرق في حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض إنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي مال الأجنبي بالاعتمار والسكني والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللباس في الرقيق والدواب والثياب.
قال أصبغ: السنة والسنتان في الثياب حيازة إن كانت تلبس وتمتهن، والسنة والسنتان حيازة في الدواب إن كانت تركب، وفي الإيماء إن كن يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك كله بين الأجانب إلى عشرة أعوام كالأصول.
قال: وما أحدثه الحائز الأجنبي فيما عدا الأصول من بيع أو عتق أو تدبير أو كتابة أو صدقة أو إصداق أو وطء بعلم مدعيه أو بغير علمه، ولم ينكر حين بلغه استحقه الحائز بذلك هذا كله معنى قول أصبغ دون نصه، واختلف قول ابن القاسم في حيازة الشركاء بالإرث بعضهم على بعض بالهدم والبناء، فقال مرة: العشر سنين في ذلك حيازة، ومرة قال: لا إلا أن يطول ذلك أزيد من أربعين سنة كالأب على ابنه، وهو عليه وقع اختلاف قوله في سماع يحيى.
وحيازة بعض القرابة على بعض فيما يشرك بينهم فيه، جعلهم ابن القاسم مرة كالقرابة الأشراك فرجع عن قوله إن الحيازة بينهم في العشرة الأعوام الهدم والبناء، إلا
الجزء: 9 - الصفحة: 517
أنه لا حيازة بينهم في ذلك إلا مع الطول الكثير، ومرة يراهم بخلاف القرابة الأشراك فلم يرجع عن قوله: الحيازة بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبناء، وهو دليل قوله في سماع يحيى، ثم رجع ابن القاسم فيما يحوزه الوارث على اشتراكه بالهدم والبناء، لأن فيه دليلاً أنه لم يرجع عن قوله فيما سواهم من الموالي والأصهار والقرابة الذين لا شرك بينهم، فيتحصل فيهما ثلاثة أقوال:
أحدهما: العشرة الأعوام مع الهدم والبناء حيازة فيهما.
والثاني: ليست حيازة فيهما إلا مع طول المدة.
والثالث: الفرق بينهما.
وحيازة: الموالي والأصهار والأختان فيما لا شرك بينهم فيه، فمرة جعلهم ابن القاسم كالأجنبيين تكون الحيازة بينهم بالعشرة الأعوام دون هدم وبناء، وهو سماع عيسى ابن القاسم في هذا الكتاب، ومرة جعلهم كالقرابة الذين لا شركة بينهم، فيتحصل فيهم ثلاثة أقوال:
أحدهما: كون الحيازة بينهم في العشرة الأعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
والثاني: لا تكون بينهم في العشرة الأعوام إلا مع الهدم والبناء.
والثالث: لا تكون الحيازة بينهم بالهدم والبناء إلا أن يطول الزمان جداً.
والأجنبييون الأشراك: لا حيازة بينهم في العشرة الأعوام إن لم يكن هدم ولا بناء، ويكون فيها مع الهدم والبناء، ولا يدخل في ذلك اختلاف قول ابن القاسم المذكور في سماع يحيى بدليل قوله فيه بين الورثة فخص، وقيل: يدخل فيه اختلاف قوله، وهو تأويل عيسى بن دينار في كتاب الجدار: وحيازة بعض الأجنبيين على بعض فيما لا شركة بينهم فيه، فالمشهور أن الحيازة بينهم في العشرة الأعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
وفي كتاب الجدار لابن القاسم: لا تكون حيازة إلا معها، ورواه حسين بن عاصم عنه، ودليل ما في رسم إن خرجت من سماع عيسى من هذا الكتاب، ويشهد لهذا قول عبد الرحمن بن عوف في الموطأ في الأرض التب مكثت في يد أبيه سنين فما كنت أراها
الجزء: 9 - الصفحة: 518
إلا لنا من طول ما مكث في يده، وصدر الشيخ باب الحيازة بتقريره أن مدلول عوائد الناس كالإقرار.
قلت: ومسائل المدونة واضحة به، وتقدم الكلام على اعتبار العادة الفعلية والقولية في كتاب الإيمان والنذور، فلذا قال ابن شاس في أثناء الحيازة مستدلاً على اعتبارها بقوله: لأن كل دعوى ينفيها العرف، وتكذبها العادة مرفوضة، قال الله تعالى: "وامُرْ بِالْعُرْفِ"] الأعراف: 199 [، وأوجب الشرع الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوي كالنقد الحمولة والسير والأبنية ومعاقد القمط، ووضع الجذوع على الحائط.
وفي تحديد مدة الحيازة بعشر أو سبع، ثالثها: لا تحديد بمدة بل باجتهاد الإمام للشيخ عن ابن القاسم مع ابن وهب وابن عبد الحكم واصبغ وابن القاسم قائلاً: وما قارب العشرة مثلها، وسمعه يحيى.
قال ابن رشد: يريد بما قرب منها بالشهر والشهرين والثلاثة، وما هو ثلث العام فأكثر، وقيل: بالعام والعامين، ولابن سحنون عنه من أقام بينة أن قناته تجري على جاره مقدار سنة، فليس بحوز، ولو جرت عليه أربع سنين كانت حيازة.
قال: ومن لهما داران بينهما زقاق مسلوك بإحداهما كوة يرى منها ما في دار الآخر فبني جاره في داره غرفة، وفتح كوة قبالتها، فطلب صاحب القديمة سدها عليه فطلب الآخر سد القديمة، وهي منذ خمس سنين حلف صاحب الحديثة ما تركها إلا على معنى الجوار، وتسد الكوتان.
قلت: جوابه هذا خلاف جوابه في القناة، ولم يتعرض الشيخ، ولا الصقلي بمنافاته إياه، وقد يفرق بينهما بأن في الاطلاع حقاً لله بخلاف القناة.
الشيخ عن أصبغ: روى ابن كنانة وأما الدين يقيم عليه الزمان الطويل، فلا حوز فيه، ولا ينقطع بذلك ملكه.
قلت: ولابن أبي زمنين في اختلاف المتبايعين عن أصبغ إذا كان القول قول البائع في عدم قبضه الثمن، فالقول قوله ما لم يطل الزمان كثلاثين سنة، وكذا الديون، وإن عرف أصلها، ومن هي له، وعليه حاضر لا يقوم بدينه إلا بعد هذا الزمان، فيقول له:
الجزء: 9 - الصفحة: 519
قضيتك وباد شهودي.
قلت: لعل رواية ابن كنانة فيما ذكر حق الدين باق بيد ربه، وقول أَصْبَغ فيما لم يكن باقيًا بيده، وإلا فهو خلاف.
الشَّيخ عن أَصْبَغ: الغيبة علي مثل تسعة أيام ونحوها بعد، وما دونها قرب.
قلتُ: ووقع في سماَع يحيى تمثيل الغيبة البعيدة بالأندلس من مصر، وانظر ما تقدم في القرب والبعد في الحكم علي الغائب، ومن قرب كمن هو على أربعة أيام أو ثمانية في كونه بعلم الحوز عليه كقريب أو كبعيد الغيبة قولا ابن القاسم في سماعه عيسى أولًا، وثانيا قائلا: للناس أعذار في عدم القيام في مثل بعد الثمانية الأيام، وإن لم تعرف.
ابن رُشْد: حكى عيسى في كتاب الجدار قولى ابن القاسم، قال: وأحب إلي أن يكون علي قوله إلا أن يقدم وحقه في يد من حازه في غيبته، فعلم بذلك ثم رجع، ولم يذكر شيئًا حتى قام اليوم، وقد طال الزمان بعد أن علم فهو كالحاضر.
ابن رُشْد: وهذا الخلاف في القريب إنما هو إذا علم، وإن لم يعلم فلا حيازة عليه، وإن كان حاضرًا غير أنه في القريب محمول علي غير العلم حتى يثبت عليه، وفي الحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم يعلم، والقريب الذي فيه هذا الاختلاف ما كان على مسيرة ثمانية أيام ونحوها، والبعيد مثل الأندلس من مصر أو مصر من المدينة على ما في رسم الأقضية من سمَاع يحيى ابن القاسم.
الشيخ لابن سَحنون عنه: من أدخل من زقاق المسلمين شيئًا في داره، ولم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشرين سنة هدم ورد إلى الزقاق، ولا تملك الأزقة، ولا تحاز.
قال: وما أحدث في طريق المسلمين من كنف وحمامات، ولم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين فلا حوز فيه إلا أن يأتي من ذلك أمر قديم كستين سنة ونحوها فيترك؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع، وتقدم الكلام في توجه يمين التهمة، فانظر الشَّيخ في كتاب ابن سَحنون: من ادعى على رجل جرحًا عمدًا أو خطأ، ولم يأت ببينة حلف المدعى عليه؛ يريد: إن كان لطخ، فإن حلف برئ، وإن نَكَل اقتص منه، وقال بعض العلماء: لا يقتص منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 520
اللخمي: من ادعى على رجل أنه جرحه، فإن أتى بأثر الجرح، وهو متعلق به كان لطخًا وسجن، وإن ادعى ذلك عن يوم فرط لم يسجن إلا أن يأتي بلطخ.
وسمع أشهب: من أتى بشاهد واحد على رجل أنه شتمه لم يحلف في هذا مع الشاهد، فإن كان الشاتم معروفًا بالشتم والسفه عزر.
قيل له: أترى على المدعى عليه يمينًا قال: نعم، ولعساني أن أكون أراه، ولكن ليس كل ما رأى المرء أراد أن يجعله سنة يذهب بها إلى الأمصار.
ابن رُشْد: تفسير قول مالك أنه إن لم يكن المدعي عليه معروفًا بالشتم استحلف إلا أنه ضعف اليمين بقوله: (ولعساني وأن أكون ... إلخ)، والأظهر على أصولهم إيجاب اليمين فتضعيفها ضعيف، وقيل: يستحلف المدعى عليه إن كان للمدعى شاهد على دعواه عرف بالشتم والسفه أو لم يعرف بذلك، وهو ظاهر ما في رم الشجرة من سمَاع ابن القاسم من كتاب الحدود، وما في رسم الحدود من سمَاع أَصْبَغ منه، فإن حلف برئ، وإن نَكَل ففي سمَاع ابن القاسم المذكور يسجن أبدًا، حتي يحلف، وفي سمَاع أَصْبَغ المذكور إن طال سجنه جدَّا أو لم يحلف خلي سبيله ولم يؤدب، وقال أَصْبَغ: إن كان معروفًا بالأذى والفحش أدب، وإلا فأدبه حبسه الذي حبس، فهذه الرواية موافقة لما في السماعين المذكورين من كتاب الحدود من أن المدعي لا يحلف مع شاهده مخالفة لما فيهما من إيجاب اليمين على المدعى عليه على ضعفه في حال دون حال، وقيل: يحلف مع شاهده، ويحد له، قاله مُطَرِّف، وهو شذوذ، وتخرج فيهما قول ثالث أنه لا يحلف معه في الفرية، ويحلف معه فيما دونها من الشتم الذي يجب فيه الأدب.
وكذا اختلف في القصاص من جراح العمد بالشاهد مع اليمين في ثبوته به وعدمه مطلقًا، ثالثها: قصره على ما صغر منها دون ما عظم كقطع اليد لمالك في أقضيتها، وابن القاسم في شهادتها، وابن الماجِشُون مع روايته، واختيار سَحنون، وكذا اختلف إن لم يأت المدعي بشاهد، ولا سبب على دعواه في الشتم أو جراح العمد على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا حلف علي المدعى عليه، وهو سمَاع ابن القاسم في كتاب الحدود، قاله في الفرية.
الجزء: 9 - الصفحة: 521
والثاني: عليه اليمين، قاله مالك في رسم العقول من كتاب الجنايات.
والثالث: لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك، وهو سمَاع أَصْبَغ ابن القاسم من الجنايات، فإن حلف علي رواية أشهب أو رواية أَصْبَغ إن كان مشهورًا بذلك برئ، وإن نَكَل سجن حتى يحلف ما لم يطل، فإن طال خلى سبيله، ولم يؤدب، وقال أَصْبَغ: إنه يؤدب إن كان معروفًا بالأذى علي أصله قال: وإن كان مبرزًا في ذلك؛ أي مشتهرًا به مبرزًا فيه جلد في السجن.
وفيها: إن حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضى له بها، وإن استحلفه بعد علمه ببينته تاركًا لها، وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له، وإن قدمت بينته.
عياض: قوله: تاركًا لها هذا الترك عند أكثرهم هو ترك القيام بها مع علمه، ويدل عليه قوله: قيل في الحاضرة، وقال آخرون: لا يكون تركًا إلا بتصريحه بترك القيام بها.
قال فضل: ولو حلفه، ولم يذكرها، وعلم بعلمه بها، فقدمت فإن كانت حين حلفه بعيدة الغيبة بحيث لو رفعه للحاكم قضى له باليمين، ولم ينتظرها قضي له الآن بها، ونحوه لابن حبيب، وهذا يدل على صحة التأويل الثاني.
قال أبو إبراهيم: سقط تاركًا في بعض المواضع، فقيل: اختلاف.
الشَّيخ في كتاب ابن سَحنون: روى ابن وَهْب أن عمرًا رضي الله عنه ادعى عنده يهودي على مسلم فدعاه بالبينة، فقال: ما حضر في اليوم بينة فأحلف المطلوب، ثم جاء المدعي بعد ذلك بالبينة فقضي كمن بينته بعيدة الغيبة.
ابن سَحنون: روى ابن نافع إن أحلف وبينته حاضرة، وهو عالم بها فله القيام بها، وقاله أشهب في غير كتاب، وقاله آخر المسألة.
قال سَحنون: والقول قول صاحب الدين أنه لم يعلم ببينته صح في كتاب ابن
الجزء: 9 - الصفحة: 522
سهل لأحمد بن خالد، وابن أنس عن ابن وضاح لا عند غيرهم، ولا في كتاب ابن عتاب، وهو صحيح على الأصل.
قلتُ: قول أشهب هو سماعه في كتاب المديان.
ابن رُشْد: مثله في الموازيَّة لرواية ابن عبد الحَكم، وفي الثمانية للأخوين، وزاد ابن الماجِشُون أنه أثم حين أحلفه على الباطل، وبينته حاضرة يعلمها، وللأخوين في الواضحة خلاف قولهما في الثمانية مثل ما في المدَوَّنة.
الشَّيخ لابن حبيب عن الأخوين، وابن عبد الحَكم، وأَصْبَغ في المدعى عليه يحلفه المدعي حين لم يجد بينة، ثم أتى المدعي بشاهد، وأراد أن يحلف معه فليس له ذلك؛ لأنه لا تسقط يمين قد درئ بها حق بشاهد، ويمين، ولكن بشاهدين، وذكرها الصقلي، ولم يذكر فيها خلافًا، وذكرها اللخمي، وقال: قال ابن القاسم وغيره: يحلف مع الشاهد ويستحق، وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس ذلك له، وعلله بما تقدم.
وسمع ابن القاسم: من اقتضى غريمه حقه فجحده بعضه وقال: إنما لك علي مائة دينار، وقال الطال: بل مائتا دينار وضاع كتابي، ولا أحفظه، وأشهدت عليك فصالحه على أن زاده على المائة وحطه من المائتين، ثم وجد كتابه بأسماء شهوده، فقام به، فإن عرف هذا من قوله فله نقض الصلح، ويغرم له بقيَّة حقه.
ابن رُشْد: قوله: إن عرف هذا منه؛ أي: عرف قوله قبل الصلح أن له ذكر حق وضاع، وما يعرف شهوده، ودليله إن لم يعرف ذلك منه لم ينتقض الصلح، وهو خلاف قولها في كتاب الصلح إذا صالحه، ولا يعرف له بينة أن له القيام ببقيَّة حقه إذا وجد بينة مثل قول مالك في كتاب الجدار، ويحتمل أن يكون معني قوله إذا عرف هذا من قوله رجع ببقيَّة حقه دون يمين، وإن لم يعرف ذلك منه فعليه اليمين أنه إنما صالحه، وكتابه قد ضاع، ولا يعرف شهوده فلا يكون هذا السماع خلاف ما في المدَوَّنة؛ بل يكون مفسرًا لها في إيجاب اليمين، وقرن في كتاب الجدار بين المسألتين، فيتحصل في نقض الصلح بالرجوع عليه في مسألتي وجود ذكر الحق والعثور علي البينة وعدم نقضه، ثالثها: في مسألة وجود ذكر الحق، ويحتمل حمل هذا السماع على ظاهره أنه ليس بخلاف
الجزء: 9 - الصفحة: 523
لما في المدَوَّنة، وإنما فرق بين المسألتين فيأتي على هذا التأويل، وهو تأويل ظاهر قول رابع: وهي التفرقة بعكس ما في كتاب الجدار، ولا خلاف أنه إن صالحه، ثم أقر له بحقه أن له الرجوع، ولا في أنه إن صالحه، وله بينة غائبة قريبة الغيبة يعلم بها أنه لا رجوع له عليه إذا قدمت بينته، واختلف إن كانت بعيدة الغيبة فاستحلفه أو صالحه، ثم قدمت بينته في صحة قيامه بها فيهما، ثالثها: في استحلافه لا في صلحه، وهذا قولها، ولم يُحَدّ ابن رُشْد القرب والبعد، وكأنه اكتفى بما تقدم في الحكم على الغائب.
وفيها: أولًا إن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.
وقال في باب الذي يدعي العبد في يد رجل أن الخمسة الأيام والسبعة والجمعة قريبة، وتقدم نحو هذا في فصل الحيازة، وفي فصل نقل الشهادة؛ فتذكر ذلك، وما به الترجيح في قياس الشبه.
الجزء: 9 - الصفحة: 524
[حفظ الدماء وموجب جناياتها]
روى مسلم عن أبي بكر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان))، ثم قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فأي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس هذا البلدة الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم)) قال: وأحسبه قال: ((وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه يكون له أوعي من بعض من سمعه))، ثم قال: ((ألا هل بلغت؟))، وفي أخرى: (وأعراضكم من غير شك)).
ابن رُشْد: عمد قتل المسلم عدوانا كبيرة ليس بعد الشرك أعظم منه، وفي قبول التوبة منه وإنقاذ وعيده مذهب الصحابة، وإليه ذهب مالك لقوله: لا تجوز إمامته.
قُلتُ: لا يلزم منه عدم قبول توبته لعدم علم رفع سابق جرئته، وقبول التوبة أمر باطن، وموجب منصب الإمامة أمر منه ظاهر.
وقال في سمَاع عيسى: قول مالك ليكثر العمل الصالح والصدقة والحج والجهاد، ويلزم الثغور من تعذر القود منه دليل على الرجاء عنده في قبول توبته خلاف قوله: لا تجوز إمامته.
الجزء: 9 - الصفحة: 525
قال: والقول بتخليده خلاف السنة، ومن ثوبته عرض نفسه علي ولي القتيل قودًا أو دية.
وفي كون القود منه كفارة له أو لا مذهبان وجه الثاني أنه لا نفع فيه للقتيل بل لوليه.
قلتُ: ونقل الأصوليون إجماع الملل علي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال، وذكر بعضهم أيضًا الأنساب بمحض عمد قتل المسلم عدوانًا يوجب ملك القود منه لمكافئه أو راجح عليه إن كان بالغًا عاقلًا.
باب في القتل
وقتله له بهدف نفسه بفعله ناجزًا أو بعد غمرته.
وفي التلقين: شرط طريانه على من تيقنت حياته، قال: فإن كان بما يقصد به غالبًا دون وسط في نظره فموجب اتفاقًا.
قال الباجي في المجموعة: روى ابن وَهْب العمد أن يعمد للقتل فيما يرى الناس.
قال في الموازيَّة: أو للضرب الذي به هلاك المضروب فيما يرى الناس.
قال في الكتابين: المجتمع عليه عندنا أن العمد إلى ضرب رجل بعصا أو برمي بحجر أو غيره فيموت فذلك يوجب القود، وروى ابن القاسم، وكذا طرح من لا يحسن العوم في نهر على وجه العداوة.
الجزء: 9 - الصفحة: 526
باب العمد في القتل
القتل العمد ما قصد به إتلاف النفس بآلة تقتل غالبًا، ولو بمثقل أو بإصابة المقتل كعصر الانثيين، وشده الضغط والخنق.
ابن الُصَّار: أو يطبق عليه بيتًا أو يمنعه الغذاء حتي يموت جوعًا.
قلتُ: للصقلي عن بعض القرويين منع من فضل مائه مسافرًا عالمًا أنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه قتل به، وإن لم يل قتله بيده.
وفيها: من تعمد ضرب رجل بلطمة أو لكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصا أو غير ذلك ففي كله القود إن مات بذلك.
ثم قال: فيما قلت: إن شقت بطن رجل فأكل وشرب، وتكلم وعاش يومين أو ثلاثة، ثم مات من ذلك أفيه قسامة؟
الجزء: 9 - الصفحة: 527
قال: لم أوقف مالك على هذا، ولكنه قال: من مات تحت الضرب أو بقى بعده مغمورًا لم يتكلم، ولم يأكل ولم يشرب، ولم يفق حتى مات فلا قسامة فيه، وقال: من أكل وشرب وعاش ثم مات بعد ذلك ففيه القسامة؛ لأنه لا يؤمن أنه مات من أمر عرض له، وأما شق الجوف فلم أسمع منه فيه شيئًا، وأري إن أنفذ مقاتله وعلم أنه لا يعيش من مثل هذا إنما حياته خروج نفسه فليس فيه، وما أشبهه قسامة، وقد قال مالك في الشاة يخرق السبع بطنها فيشق أمعاءها فتنتشر أنها لا تؤكل؛ لأنها لا تحيا على كل حال.
وسمع سَحنون ابن القاسم في كتاب العتق: من شقت جوفه أو أمعاؤه أو ذبح فمات ولده حينئذ أيرث منه؟
قال: نعم، إلا المذبوح لا يرث، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن شقت جوفه حجة، ومن قتله في تلك الحال لا يقتل.
ابن رُشْد: لا يرث المذبوح اتفاقًا، ولا يقتل من أجهز عليه، ومن أنفذت مقاتله فرق في هذا السماع بين توريثه ممن مات، والقصاص ممن قتله، وفي سمَاع أبي زيد ابن القاسم أنه يقتل به من قتله، والقياس لا فرق بين القصاص والميراث فيرث ممن مات على رواية أبي زيد، ولا يرث منه على قوله في هذا السماع لا يقتل به من قتله، وهو قول أشهب لا يقتل به إلا الأول فهي قولان وتفرقة.
وفيها: من العمد ما لا قود فيه كالمتصارعين أو يتراميان علي وجه اللعب أو يأخذ برجله على وجه اللعب فيموت منه ففي كل هذا دية الخطأ علي العاقلة، ولو تعمد هذا على وجه القتال فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات كان فيه القود.
ابن رُشْد: عمد الضرب دون عمد القتل في نائرة إن كان على وجه اللعب في كونه خطأ، وإيجابه القود، ثالثها: شبه عمد لها، وللأخوين مع روايتهما، وتؤول على أنه لم يلاعبه صاحبه، والأول على أنه لاعبه فيتفقان.
ولابن وَهْب: وقيل: التفرقة بين أن يلاعبه أو لا رابع.
قال: وعمد الضرب أدبا ممن يجوز له عندي على الخلاف في ضرب اللعب.
الجزء: 9 - الصفحة: 528
وقال الباجي: الخلاف في هذا الوجه: إنما هو راجع إلى تغليظ الدية، ولا قود بحال، هذا إن علم أنه على وجه الأدب، وإن لم يعلم إلا بقوله ففي تصديقه قولان.
قلتُ: للباجي عن المجموعة: روى ابن القاسم وابن وَهْب إن ضرب الزوج زوجته بحبل أو سوط فذهبت عينها أو غيرها ففيه العقل لا القود، وكذلك المعلم والصانع أو القرابة يؤدبون ما لم يتعمد بسلاح وشبهه.
ورواه ابن القاسم وقال: ليس الأخ، والعم، وسائر القرابة كالأبوين والأجداد إلا أن يجري ذلك على وجه الأدب كالمعلم والصانع فهذا يقتضي أن في الأدب بما يؤدب به الدية مغلظة فهو علي أربعة أوجه: ضرب قصد به اللعب بغير آلة القتل لا قود فيه، وفي التغليظ روايتان، وضرب قصد بغير آلة القتل خنقًا وغضبًا ممن لا أدب له في القود فيه، وتغليظ الدية روايتان، وضرب بغير آلة القتل ممن له الأدب من القرابة ممن ليس له عليه ولادة، لا قود فيه.
وفي تغليظ الدية روايتان: والرابع حذف ابنه سيأتي.
وفيها: من طرح رجلًا في نهر، ولم يدر أنه لا يحسن العوم فمات، فإن كان على العداوة والقتل قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية، ولفظها في الموازيَّة فيما نقل الباجي روي ابن القاسم من طرح من لا يحسن العوم في نهر على وجه العداوة، والقتل قتل به.
قلتُ: انظر هل من شرطه أن يعلم الطارح أن المطروح لا يحسن العوم أم لا، وظاهره أنه إن كان يحسن العوم وطرحه على وجه القتل أنه لا يقتل به.
باب في السبب الموجب للقود
والتسبب بفعل؛ إن قصد به قتل معين فمات يوجب القود.
الجزء: 9 - الصفحة: 529
باب في التسبب الموجب للدية في المال
وإن قصد به غير معين فالدية في ماله أن قتل المقصود.
باب في التسبب الموجب للدية على العاقلة
وغيره على العاقلة.
الجزء: 9 - الصفحة: 530
باب الموجب لحكم الخطأ
وإن قصد به حفظ المال لمحل محجوز عنه فخطأ ما بلغ من دم الحر بثلث الدية على عاقلته، وما سواه في ماله، وتفسير يأتي في دياتها من وضع سيفًا بطريق المسلمين أو بموضع لقتل رجل فعطب به الرجل قتل به، وإن عطب به غيره فديته على عاقلته، ونقله الشَّيخ والباجي من المجموعة دونها مرجوح، في ثاني حجها، وهو في التهذيب في ثالثه.
قال مالك: من حفر بئرًا في منزله فسارى أو عمل به ما يتلفه فمات ضمن ديته، وكذا وقع فيه غيره، ومثله في دياتها.
أبو إبراهيم: إن قصد بمثل هذا قتل إنسان بعينه قتل به، وفي غيره ديته على العاقلة كقولها في مسألة السيف، وهي دليل الباب كله.
الباجي والنوادر: روى ابن وَهْب من رش بناء قناة ليزلق من يمر به من آدمي، وغيره ضمنه، وكذا من جعل بالطريق مربطًا لدابة أو كلبًا بداره لغير ضرر أحد أو بغير داره بإذنه أو رش، فإن تبرأ ذا أو تنظيفا أو ربط كلب صيد بداره أو في غنمه للسباع أو نصب حبالات للسباع أو وقف على دابته بطريق أو نزل عنها لحاجة أو وقفها بباب مسجد أو حمام أو بسوق لم يضمن ما هلك بشيء من ذلك، وكذا
الجزء: 9 - الصفحة: 531
إن أخرج روشنا من داره أو عسكرًا.
أشهب: من حفر بئر ماشية قرب أخرى فحفره بغير إذنه فعطب بها آدمي لم يضمنه؛ لأنه جائز له إلا أن يعلم أنه يضر بجاره فيؤمر بردمها، وما هلك فيها بعد أمره ضمنه.
محمد: وما هلك بذلك من آدمي فعلى عاقلته، وغيره في ماله.
ابن القُصَّار: وفي القود بالإكراه بشهادة الزور روايتان، واختار الأولى، وتقدمت في مسائل الرجوع عن الشهادة، وفي تقديم الطعام المسموم القود.
وفيها: من قتل بسقي سم قتل به.
الشَّيخ عن ابن حبيب عن أَصْبَغ: من طرح على رجل حيَّة مسمومة مثل هؤلاء الخولة العارفين الحيات المسمومة فمات قتل به، ولا يصدق أنه على اللعب، إنما اللعب مثل بعض الشباب يطرح الحيَّة الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا فتقتل فهذا خطأ، وكذا طرحه عليه حيَّة يعرف أنها قاتلة، ولا يقبل قوله: لم أرد قتله.
قلتُ: مقتضى قولها إن تعمده بضرب لطمة فمات قتل به عدم شرط معرفة أنها قاتلة ما لم يكن على وجه اللعب، وقول ابن شاس ما لا يقتل من الحيات يقبل فيه قول الملقي لم أرد قتله لتقرر العادة بذلك، صواب، وتجري فيه أقوال اللعب، وروى الباجي إن سحر ذمي أهل ذمته أدب إلا أن يقتل أحدًا فيقتل به.
الباجي: من أشار علي رجل بسيف فمات.
فقال محمد: إن تمادى بالإشارة، وهو يقر فطلبه حتى مات فعليه القود.
ابن القاسم: إن طلبه به حتى سقط فمات فعليه القود بقسامة أنه مات خوفًا منه.
الباجي: لاحتمال موته من السقطة، ولم يكن في مسألة محمد شيء يحمل عليه موته.
ابن حبيب: عليه القود، ولم يذكر قسامة، وبه قال ابن الماجِشُون في هذه المسألة والمغيرة وابن القاسم وأَصْبَغ.
وسمع عيسى ابن القاسم من طلب رجلًا بالسيف فعثر المطلوب قبل أن يضرب فمات قتل به، وقاله المغيرة.
الجزء: 9 - الصفحة: 532
ابن رُشْد: مثله لابن حبيب عن ابن الماجِشُون: ولا أعرف فيه نص خلاف، ويدخله بالمعنى؛ لأنه من شبه العمد المختلف في وجوب القود فيه حسبما مر ابن الحاجب فيمن أشار بالسيف فهرب فطلبه حتى مات، وبينهما عداوة أربعة: القود والدية والقسامة وإلحاقه بشبه العمد.
قلتُ: الثاني هو نقل ابن شاس، وقال ابن ميسر: لا قصاص في هذا، واستحسنه طائفة من القرويين لاحتمال موته من الخوف أو الجري أو منهما.
الباجي: ولو كانت إشارة فقط فمات، فإنما فيه الدية عند محمد على العاقلة، ونحوه لابن القاسم، وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك)).
عبد الحق: رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أميَّة عن نافع ابن عمر كذا، ورواه معمر، وابن جريح عن إسماعيل مرسلا، ولم يتعقبه ابن القطان، وهو في الموطأ من أمسك رجلًا لآخر ليضربه فضربه فمات إن أمسكه، وهو يرى مثله؛ يريد قتله قتلا معًا، وإن كان يرى أنه لا يقتله قتل القاتل فقط، وعوقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة.
الباجي عن ابن نافع: دليل حبسه للقتل أن يرى القاتل يطلبه وبيده سيف أو رمح، وإن لم ير معه ذلك لم يقتل الحابس، ويجلد بقدر ما يرى السلطان.
وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط.
ابن مزين: القول ما قال ابن نافع.
قلتُ: قال ابن القُصَّار: إنما يقتل الممسك إذا علم أنه يقتله ظلمًا.
ابن شاس: وذكر القاضي أبو عبد الله ابن هارون البصري من أصحابنا في وجوب القود من الممسك أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك.
قلتُ: يؤيده قولها: إن حمل رجل على ظهر آخر شيئًا في الحرز فخرج به الحامل،
الجزء: 9 - الصفحة: 533
فإن كان لا يقدر على إخراجه إلا بحمل الحامل عليه قطعًا معًا، وإن كان قادرًا على حمله دونه قطع الخارج فقط.
قلتُ: فإطلاق ابن الحاجب إيجاب الإمساك على القود متعقب، والمذهب قتل الجماعة بالواحد كالواحد.
الباجي عن ابن القاسم وأشهب: إن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبي قتلوا به، وقول ابن الحاجب: لو اشترك المتسببون، والمباشرون قتلوا جميعًا واضح دليله مسألة الإمساك، وقولها في كتاب المحاربين: إن ولي رجل من جماعة قتل رجل، وباقيهم عون له وتابوا قبل أخذهم دفعوا لأولياء القتيل قتلوا من شاؤوا، وعفوا عن من شاؤوا، وأخذوا الدية ممن شاؤوا، ونقل المازري عن المذهب على رواية قود بينة الزور أن القاضي لو حكم عالمًا بتزويرهم، وولي الولي القتل كذلك قتلوا جميعًا.
وقال ابن شاس: يغلب السبب على المباشرة التى ليست عدوانًا كمن حفر بئرًا على طريق أعمى ليس فيها غيره، ولا طريق أخرى له فوقع فيها فمات أو طرح رجلًا مع سبع في مكان ضيق أو أمسكه على ثعبان مهلك.
ابن الحاجب: لو تمالأ جمع على ضرب رجل، وتم وسوط سوط قتلوا جميعًا.
قلتُ: يريد تمالؤوا على قتله.
الباجي عن ابن الماجِشُون: إن اجتمع نفر على ضرب رجل، ثم انكشفوا عنه، وقد مات قتلوا به، وروى ابن القاسم: وعلى ضربه هذا بسلاح، وهذا بعصا وتماديا حتى مات قتلا به إلا أن يعلم أن ضرب أحدهم قتله.
المازري في مسألة زور بينة الرجم: من أكره رجلًا على قتل رجل ظلمًا قتل المباشر إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويقتل المكره أيضًا؛ لأن القاتل كآلة له، ولو كان أحدهما غير مكلف لم يقتل، وكان نصف الدية على عاقلته كقتل رجل وصبي رجلًا عمدًا وتأتي.
ابن شاس: من حفر بئرًا ليقع فيها رجل معين، فوقف الرجل على شفيرها فرداه فيها غير الحافر، فقال القاضي أبو الحسن: يقتلان معًا للاعتدال، وقال القاضي أبو عبد
الجزء: 9 - الصفحة: 534
الله بن هارون: يقتل المردي دون الحافز تغليبا للمباشر.
قلتُ: الأظهر أن علم المردي بتقدم فعل الحافر، وقصده قتلا معًا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورهما، وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور.
وفي كتاب الجعل والإجارة: من أجر على قتل رجل ظلمًا فقتله فلا أجر له، وعلى الأجير القصاص، وعلى الذي أجره الأدب، ولابن رُشْد في سمَاع عيسى ابن القاسم من كتاب القذف: لو قتل عبد رجلًا بأمر سيده ففي قتلهما معًا مطلقًا، وقتل السيد فقط إن كان العبد أعجميًا، والعبد فقط إن كان فصبي قولان لسماع عيسى ابن القاسم مع سماعه أَصْبَغ، وابن حبيب عن ابن وَهْب قائلًا: ويضرب من لا يقتل منهما مائة، ويسجن عامًا، وإن قتل بعض أعوان الإمام رجلًا ظلمًا بأمر الإمام قتلا معًا اتفاقًا، ولو قتل الابن البالغ كذلك بأمر أبيه أو بالغ متعلمي الصانع كذلك بأمره أو المؤدب كذلك بأمره، ففي قتل القاتل والمبالغة في عقوبة الآمر وقتلهما معًا قولا ابن القاسم في روايتي يحيى عنه وسَحنون: ولو كان مراهقًا لم يبلغ الحلم مثله ينتهي عصى ينهى عنه قتل الآمر وعلى عاقلة الصبي نصف الدية عند ابن القاسم، ولو كانوا صبيانا المأمورون كانت الدية على عواقلهم، وإن لم يطر على عاقلة كل واحد منهم إلا أقل من ثلث الدية، وكان ابن القاسم يقول: كل الدية على عاقلة الصبي.
قال أبو محمد: ولا يعجبني.
قال: يريد: ولا يؤدب.
قال أَصْبَغ في هذه الرواية: لا قتل على واحد منهما، وهو من الخطأ كما لو أمر غير ولده بذلك، وفي الموازيَّة: يضرب الآمر مائه، ويسجن سنة، ويضرب الغلام ضربًا بقدر احتماله إلا أن يكون الأب أو المعلم أو المؤدب مباشرًا ذلك مشددًا عليه فيجب حينئذ قتله، وإن كان دون ذلك في السن فلا خلاف في قتل الآمر، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وفي سمَاع سَحنون أنه أنكر قول أَصْبَغ من قتل عبد رجل بأمره غرم قيمته، وقال: لا قيمة له؛ لأنه ماله أمر بإتلافه، ويضرب القاتل، ويجن ويؤدب السيد.
الجزء: 9 - الصفحة: 535
ابن رُشْد: لأَصْبَغ في الواضحة يضرب السيد أيضًا، ويسجن، وقال: أغرمته لجزمه، وهذا ليس بجيد؛ لأنها عقوبة بالمال فالسيد أحق أن لا يعطى المال عقوبة له، ولو علله بأن السيد أسقط حقه في القيمة قبل وجوبها كان أصوب.
وفيها: إن قتل رجل وصبي رجلًا عمدًا قتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية الرجل عمدًا، ومات منهما معًا، فأحب إلي أن تكون الدية عليهما معًا؛ لأني لا أدري من أيهما مات.
الصقلي: يريد: نصف الدية على الرجل في ماله.
الباجي: إن قتل صغير وكبير قتل الكبير، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وقال ابن حبيب: اختلف فيها قول ابن القاسم، فقال مرة هذا، وقال مرة: إن كانت ضربة الصغير عمدًا قتل الكبير، وإن كانت خطأ لم يقتل، وعليهما الدية، وقال أشهب: يقتل الكبير.
محمد: وهو أحب إليَّ.
قلتُ: ظاهره دون قسامة، وكذا نقله الصقلي، ونقله اللخمي عنه أنه لا يقتص منه، ولو مات بالحضرة إلا بعد المعرفة بضربته، والقسامة أنه مات منها، وهو أحسن فإن لم يعرف العمد أو عرف، ولم يقسموا لم يقد منه بالشك.
الباجي: قال أشهب: من فرق بين عمد الصبي وخطئه فقد أخطأ، وحجته بأنه لا يدري من أيهما مات، وكذا الصبي لا يدري من أيهما مات، وهو يري عمده كالخطأ.
قلتُ: قبول الباجي: قول ابن حبيب: اختلف فيها قول ابن القاسم ... إلخ فيه نظر؛ لأنهما صورتان مختلفتان باختلاف قوله فيهما لا يقال فيه اختلاف إلا مع قيام الدليل على قاتلهما، وقد فرق الصقلي بينهما بقوله بأنهما في مسألة عمد الصبي تعاقدا على قتله، وعزا الباجي التعقب على قول ابن القاسم في ترجمة ما جاء في الغيلة، والسحر لأشهب، وعزا الباجي التعقب على قول ابن القاسم في ترجمة ما جاء في الغيلة، والسحر لأشهب، وعزاه قبل ذلك في ترجمة دية العمد إذا قبلت لمحمد، وقال ما قاله محمد: لا يلزم.
الجزء: 9 - الصفحة: 536
ابن القاسم: لأن حجة ابن القاسم أنه لا يدري هل مات من ضرب عمد أو خطأ فهو كما لو كانا كبيرين، وأما إن كان الكبير والصغير عامدين فقد علم أنه مات من ضرب عمد، وسقط القصاص عن الصغير لمعنى فيه لا لمعنى في الضرب كما لو كانا كبيرين ضرباه عمدًا فعفا عن أحدهما لما سقط القود عن الآخر أو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا، ولو قتله أحدهما عمدًا والآخر خطأ سقط القود عنهما؛ لأنه سقط لمعنى في الفعل؛ وهو الجهل من أي الفعلين مات.
ابن عبد السلام: في قول الباجي نظر؛ لأن ظاهر قول ابن القاسم الذي تعقبه محمد قوي في أن القتل لم يكن من مجموع الضربين بل من أحمدهما، وهو مجهول، وأحد الضاربين لا يقتص منه إما لخطئه أو لصغره، وأيا ما كان فلا قود على الكبير لاحتمال أن لا يكون هو الضارب، وعلى هذا التقرير فلا فرق بين كون الصغير مخطئًا أو متعمدًا.
قال: فإن قلت: فعلى هذا لو اجتمع كبيران على قتله عمدًا لم يقتلا؛ لأن القاتل منهما غير متعين بما ذكرتم.
قلتُ: لا يلزم من نفى هذا السبب الخاص نفي سبب آخر للقتل، وهو مباشرة أحدهما، وإعانة الثاني.
قلتُ: لا يلزم من نفى هذا السبب الخاص نفي سبب آخر للقتل، وهو مباشرة أحدهما، وإعانة الثاني.
قلتُ: جوابه عما أورده على نفسه، يرد تعقبه جواب الباجي، وبيانه أنه بنى تعقبه على احتمال كون القتل من غير الكبير، وبنى جوابه عما أورده على نفسه بلزوم كون كل واحد منهما إما مباشرًا، وإما متسببًا بالإعانة، وأن المتسبب كامباشر، وهذا يوجب كون الكبير مع الصغير إما مباشر أو متسبب مع كون المتسبب كالمباشر، وأيا ما كان فهو مناقض لتعقبه قول الباجي باحتمال كون القتل من غير الكبير، وإذا ثبت لزوم إضافة القتل للكبير إما مستقلًا أو معينًا اتضحت تفرقة الباجي بما أشار إليه، وتقريره أن ضرب الصغير عمدًا مقتضٍ للقود ضرورة كونه عمدًا عدوانا، وامتنع فيه القود لقيام مانع، وهو عدم تكليف فاعله، وامتناع القود من بعض الضاربين لمانع لا يقدح في ثبوته على مشاركة السالم عن المانع كالكبيرين يعفى عن أحدهما، وضربه خطأ غير مقتضٍ للقصاص ضرورة لغو الخطأ في القود، وامتناع القود من بعض الضاربين لكون
الجزء: 9 - الصفحة: 537
ضربه خطأ امتناع لعدم قيام المقتضي فكان موجبًا لعدم ثبوته علي مشاركه؛ لأن عدم الحكم لعدم قيام المقتضي أقوى في نفي الحكم من عدمه لمانع مع وجود المقتضي.
الصقلي عن مالك: لو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا قتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته، ولو قتلا حرًا خطأ فعلى عاقلة الحر نصف الدية، والعبد مرتهن بنصف الدية.
قال مالك في العتيبَّة: ينجم ذلك عليه.
وروى ابن القاسم لو قتل أب ورجلان ابنه عمدًا قتلوا به، وإن كان بالرمي، والضرب لم يقتل الأب.
قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية مغلظة، ويقتل الرجلان.
محمد: إن قتل رجل رجلان جرحه أحدهما عمدًا، والآخر خطأ أقسموا على من شاءوا، وإن أقسموا على المعتمد قتلوه، وعلى المخطئ دية الجناية.
محمد: إن عرفت جنايتها من جناية العمد.
أشهب: وإن أقسموا على المخطئ تكون الدية على عاقلته، واقتصوا من العامد جرحه إن كان يقتص منه، وإن كان لا يقتص منه أخذ منه أرشه.
وقال ابن القاسم: إن مات مكانه قتل المتعمد، وعلى المخطئ نصف الدية.
محمد: هذا إن لم يكن جرح الخطأ معروفًا بعينه.
ابن القاسم: إن عاش بعد ضربهم ففيه القسامة إن أقسموا على المتعمد قتلوه، ولا شئ على الآخر، وإن أقسموا على المخطئ فالدية بين العاقلة وبين المتعمد.
ابن حارث: في شركة الصغير والكبير يقتل الكبير، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية مطلقًا.
ابن القاسم: إلا أن يكون الصبي مخطئا فعلى الكبير نصف الدية، ولأحمد بن نصر عن ابن القاسم في الكبيرين أحدهما مخطئ يقسمون على أيهم شاؤوا، وقال عبد الملك في مشاركة الصبي والمخطئ والحر والعبد يقتلان عبدًا يقاد ممن يقاد لو انفرد منه، وقاله ابن القاسم في قتلهما ابن احدهما.
ابن حبيب عن ابن الماجِشُون: إن شرك عامدًا صبي أو والد أو مخطئ أو غرق أو
الجزء: 9 - الصفحة: 538
هدم قتل العامد إن مات قعصا، وإن عاش أقسموا علي أيهما شاؤوا، ولو ضربه أحدهما بعد الآخر، وعاش بعده، وإن قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه فعلى الأول القود، وقاله أَصْبَغ، وقيل في المخطئ والعامد يقسم عليهما، ويقتل العامد فقط، وقيل فيما شاركه الهدم أو الغرق يقسم على العامد، ويقتل، وقيل عليه نصف الدية.
قلتُ: ففي العامد بشركة صبي أو أب أو مخطئ أو من لا يقتص منه لحريته ستة.
أشهب: يقتل في الأولين.
ابن القاسم: في الثالث، وفي الأول نصف الدية، وله في الثالث يقسم علي أيهما شاؤوا.
عبد الملك: يقتل في الجميع.
ابن القاسم: في ابن أحدهما فقط.
ابن الماجِشُون: يقتل مطلقًا إن مات قعصا، وإلا أسموا على أحدهما، ولو قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه أقيد من الأول، وقيل في الثالث: يقسم عليهما، ويقتل العامد فقط.
قلتُ: قوله في قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه يقتل الأول مشكل.
وسمع يحيي ابن القاسم إن قامت بينة بأن رجلًا جرحه رجلان أحدهما عمدًا، والآخر خطأ فمات أقسموا على أحدهما إن أقسموا على العامد قتلوه، وعلى الآخر عقل جرحه، وإن أقسموا عليه فكل الدية على عاقلته، واقتصوا من جرح العامد، وكذا لو لم تقم بينة، وادعى الميت ذلك.
ابن رُشْد: قوله في قيام البينة صحيح على أصل ابن القاسم، وروايته فيمن تري في قطع يده فمات أن الأولياء مخيرون في قطع يده قسامة، وقتله بها، وعلى قول أشهب: لا يقتصون من قطع يده إلا باختياره؛ لأن الجناية عادت نفسا ما قاله في سمَاع أبي زيد إن قتلوا العامد فلا شيء على الآخر، وإن أخذوا الدية من العاقلة برئ الآخر وقوله: دعوى الميت كقيام البينة خلاف الأصول؛ لأن الجرح لا يستحق بقسامة عمدًا، ولا خطأ، وهو نص قولها، والصحيح استحقاق ما أقسموا عليه من عمد أو خطأ، ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 539
شيء على الآخر، قاله محمد، وعاب سمَاع يحيى، وعابه أيضًا يحيى.
ولو شهد على الجرحين شاهد واحد خير الأولياء إن أقسموا على الخطأ استحقوا الدية على العاقلة، ولا شيء لهم في جرح العمد إذ لا يقتص باليمين مع الشاهد إلا المجروح لا ورثته، وإن أقسموا على العامد قتلوه، وحلفوا مع شاهدهم على جرح الخطأ، واستحقوا أرشه؛ لأنه مال.
ابن الحاجب في شريك المخطئ والصبي والمجنون نصف الدية، والقصاص بقسامة، وبغير قسامة إن كان قريبًا، وعلى الآخر نصف الدية، أما إذا علم قصد القتل بالمشاركة قصاص.
قلتُ: جميع ما تقدم من الأقوال مطلقة غير مقيدة بعدم قصد القتل.
وقال الصقلي في قولها: في قتل الرجل والصبي رجلًا عمدًا يقتل الرجل ما نصه: يريد: إذا تعمدًا جميعا قتله، وتعاقدا عليه، وتعاونا عليه كما لو لم يباشر قتله إلا الصبي والرجل معين له حتى لو كانا رجلين لقتلا معًا، فحينئذ يجب قتل الرجل، وإلا لم يقتل الرجل عند ابن القاسم كما لو كانت رمية الصبي خطأ، ويأتي للخمي نحوه، ولم يفرق ابن الحارث بين معرفة عين ضربة المتعمد وجهلها، وهو ظاهر لفظ المدَوَّنة.
وقال اللخمي: إن افترق ضربهم، وعملت ضربة كل واحد منهم، ولم يقصدوا التعاون فلهم أن يقسموا على بعض الضربات لممات منها، ويثبت القود أو الدية على العاقلة إلا أن يتعمدوا القسامة علي ما هو من دون ما هو أخوف فلذي الضربة أن يمنعهم من ذلك وإن كان الضرب عمدًا، وقصدوا التعاون على قتله فلهم أن يقسموا لمات من كل الضرب، ويقتلوا جميعهم، وليس عليهم تعيين ضربة موته؛ لأن لهم قتل من لم يمت من ضربته لتمالئهم على قتله، وإن لم يقصدوا التعاون، وإحدى الضربات نافذة لا يعلم ضاربها، وقالوا: نشك في أيهما قتله أو لا ندري ضربة هذا من ضربة هذا أقسموا لمات من ذلك الضرب، وفرقت الدية عليهم في أموالهم، وسقط القود، وكذا لو مات قعصا، ولم يعش، وقالوا: نشك في أي ضربة قتلته أو أنفذت إحداهما مقاتله، ولا يدرون من ضربها أو كانت ضربة أحدهما خطأ، ومات قعصا لم يقتل ضارب العمد
الجزء: 9 - الصفحة: 540
بالشك، وعليه نصف الدية، ويختلف في ضارب الخطأ هل تغرم عاقلته نصف الدية أو لا؛ لأنه حمل بالشك لا مكان موته بالعمد، ولا تسقط نصف الدية عن المتعمد؛ لأن الظالم أحق أن يحمل عليه، ويختلف إن كانت الضربتان خطأ وجهل الأولياء أيتهما قتلته هل تفض الدية على عاقلتي الضاربين أو تسقط؛ لأنه حمل بالشك، ولمحمد: من أقر أنه قال: أميت المسلمين رمي فلان بسهمه، وفلان بسهمه فقتل أحد السهمين رجلًا لا يدري راميه منهما أو رمي فلان بسهمه، وفلان بسهمه فقتل أحد السهمين رجلًا لا يدري راميه منهما أو رمي جماعة صيدًا، فقتل سهم منها رجلًا فهو كمن قتل رجلًا، ثم هرب فألقى نفسه في بئر فوجد فيها رجلان كل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت طرحت نفسك علي، فقال أشهب: الدم هدر، وقول ابن القاسم في ظني أن الدية عليهما معًا، ولا أظن إلا أن ذلك في العمد، وتكون الدية في أموالهما، وأما الخطأ فهدر؛ لأن العاقلة لا تحمل إلا ما حق عليهما، وثبوت ذلك بالإقرار، وإلا بينة سواء.
ابن الحاجب: وأما شريك السبع وجارح نفسه والحربي والمريض بعد الجرح فالأولان.
قلتُ: تقدم لابن حارث في شريك الهدم قاتل العامد إن مات فعصا، وإن عاش أقسموا على أيهما شاءوا، والقول بالقسامة عليه مطلقًا، ويقتل والثالث عليه نصف الدية، ولا فرق بين الهدم والسبع، وما ذكر معه الصقلي لعيسي ابن القاسم من جرح، ثم ضربته دابة فمات وجهل من أيهما مات فنصف الدية على عاقلة الجارح قيل: بقسامة.
قال: وكيف يقسم علي نصف الدية، وقال: لو جرح ثم سقط من جدار فانجرح فمات وجهل من أي ذلك مات فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح كمرض المجروح بعد الجرح فيموت.
قال فيه مالك: لهم أن يقسموا لمات من ضربه في الخطأ والعمد.
محمد: ولو طرحه إنسان من فوق البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهما شاءوا، وقتلوه وضرب الآخر وسجن، فنقله ابن عبد السلام، وقال: فلعل المؤلف خرج القولين في شريك السبع، وما عطف عليه مما حكيناه.
الجزء: 9 - الصفحة: 541
قلتُ: ليس فيما تقدم تصريح بالقود في شركة غير الآدمي.
قال ابن رُشْد في سمَاع عيسى في مسألة الدابة معنى المسألة إن جرح الرجل، وضرب الدابة كانا معًا، ومات من حنينه فحمل أمره علي موته من الأمرين لاحتمال موته منهما احتمالًا واحدًا لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر، ولابن القاسم في المجموعة أن فيه القسامة كمرض من جرح؛ يريد لهم أن يقسموا لمات من الجرح، ويستحقون الدية أجمع على العاقلة إن كان الجرح خطأ، والقود إن كان عمدًا، فإن لم يقسموا على هذا القول فلا شيء لهم.
قال: ومن شج موضحة فتراضى برؤه حتى سقط عليه جدار مات منه أو قتل أن له نصف عقل الموضحة، وذلك عندي؛ لأنه لا يدري لعله مات من الموضحة.
قلتُ: في تعليله هذا نظر؛ لأن احتمال موته منها لا يوجب سقوط أرشها، وموته من غيرها كذلك، والصواب أن يقول: لاحتمال برئه منها لو لم يقتل فسقط أرشها على هذا التقدير، ويثبت على تقدير نقيضه شطر لذلك عقلها، ولو جرحه ثم ضربته دابة فلم يدر من أيهما مات ثبتت القسامة، والدية في الخطأ، والقود في العمد اتفاقًا؛ لأن الظاهر أنه مات من الأمر الآخر كما إذا جرح، ثم مرض فمات.
قلتُ: كذا وجدته في غير نسخة، وفيه تناقض ظاهر؛ لأنه إذا كان موته من الآخر فكيف يقسم على موته من الأول.
الجزء: 9 - الصفحة: 542
باب الخطأ في الدماء
والخطأ في الدماء له حكم يخصه، فينبغي تعريفه؛ وهو ما مسببه غير مقصود لفاعله باعتبار صنفه غير منتهى عنه، فيخرج قتل حر محترم بفعل؛ إنما قصد به حراً غيره
الجزء: 10 - الصفحة: 5
عدوانا؛ لأنه عمد؛ ولذا اقتصوا من قاتل خارجة، ولم يلتفتوا لإثبات.
قوله: أردت عمراً، وأراد الله خارجة، فإن ثبت قصده بفعله قتل غير آدمي مات يه غيره، فالظاهر خطأ، وأحرى لو كان إنما قصد اتلاف مال غير حيوان ظلماً، ومقتضى قول الباجي إثر نقله، قول ابن القاسم: من وضع سيفاً بطريق أو غيره، يريد به قتل رجل، فإن عطب به ذلك الرجل؛ قتل به، وان عطب به غيره؛ فالدية على عاقلة الجاعل، كما لو رمى رجلا؛ يريد قتله، فأصاب غيره؛ فحكمه حكم الخطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 6
قلت: هذا يؤيد ماقلناه، وأن من قصد قتل رجل ظلماً فضربه، فاذا هو غيره؛ خطأ، هذا نص قوله في ترجمة جامع العقل.
وقال: قبله في ترجمة ما يوجب العقل عل الرجل من قتل رجلاً عمداً يظنه غيره، ممن لو قتله؛ لم يكن فيه قصاص، قال محمد: لا قصاص فيه، ومضى مثله في مسلم قتله المسلمون يظنونه مشركاً؛ فوداه النبي صلي الله عليه وسلم ولم يقد به.
قلت: فالمقصود أنه فلان فتبين أنه غيره إن قصده ظلماً فعمد، وإلا فخطأ، فول اصطدم فارسان حران خطأ، فماتا هما وفرسهما، ففي لزوم دية كل من هما على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد من هما في مال الآخر، أو نصفيهما فقط قولان لها.
ولعيون مسائل ابن القصار عن أشهب، مع تخريجه اللخمي على قول أشهب، في حافري بئر انهارات عليهما على عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، وان مات احدهما فقط فعلى عاقلة الباقي نصف ديته، قال: وهو أحسن لمشاركة كل منهما في قتل نفسه.
قلت: وعزان ايو عمران لروايته ولسحنون، وهو ظاهر قبول الطرطوشي احتجاج الشافعي بما روي: ان النبي صلي الله عليه وسلم الي اليمن، فوجد قوماً اطلعوا على أسد سقط في بئر، فسقط رجل فيها، فتعلق بثان فتعلق الثاني بثالث، فتعلق الثالث برابع فسقطوا، وقتل الأسد بعد جرحه إياهم، وماتوا من جراحهم؛ فهم أولياء الآخر والأول بالقتال، فنهاهم علي
وقال: اجمعوا من القبائل ربع الدية وثلثها ونصفها، والدية كاملة للأول؛ ربعها لأنه هلك ومن فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثها، لأنه هلك ومن فوقه اثنانة، وللثالث نصفها لأنه هلك ومن فوقه واحد، وللرابع دية كاملة، فلم يرضوا فأتوا النبي صلى اله عليه وسلم، فلقوه عند المقام فأخبروه فأجازه.
الجزء: 10 - الصفحة: 7
قلت: كذا ذكره الطرطوشي في تعليقته وسكت عنه، وذكره البزار بنحو هذا اللفظ عن حنش بن المعتمر، قال عبد الحق: حنش هذا هذا ما يقال له حنش بن ربيعة يكني ابا المعتمر، قال ابو حاتم فيه: كان عبداً صالحاً، لا اراهم يحتجون بحديثه، وقال البزار في حديثه: هذا لا نعلمه يروى إلا عن علي ولا طريق له إلا هذا.
قلت: وتوجيهه أن من أوجب في المصطدمين على كل عاقلة دية، أرى ان قتل كلاً منهما مضافاً لفعل صاحبه وحده، لا إلى فعل القاتل والمقتول؛ لأن فعل المقتول لا يوجد على عاقلته دية نفسه، فصار كالعدم واختص يالإيجاب فعل صاحبه، ومن اوجب على كل من هما نصف الدية، رأى القتل مضافاًإلى فعل القاتل والمقتول، لاستوائهما في السببية في الخارج.
وإذا كان مضافاً إليهما معاً؛ كان كل واحد موجباً نصف ديته على عاقلته، وذلك بالطل، فيسقط نصف ديته، وهو النصف المضاف إلى فعله، ويبقى له نصفها، إذا تقرر هذا اتضح حكم الأربعة؛ لأن سبب قتلهم جرح الأسد المسبب عن استقرارهم في قعر البئر واستقرارهم به مسبب عن تماسكهم إلى جهة قعر ... لأول مشارك في ذلك ثلاثتهم؛ لأنه ممسك بحهة قعرها للثاني مباشرة والباقين بواسطة، فله من سبب السقوط لقعرها ثلاثة اجزاء، ففي امساكه من ثلثه مباشره، والباقين يواسطته، فله من سبب موته ثلاثة أجزاء، فسقط من ديته كسقوط النصف في المصطدمين يبقى له ربعها
الثاني مع الباقين كذلك، فلهمن ديته ثلثها
الثالث مع الرابع كمصطدمين.
وكون الرابع له دية كاملة واضح؛ لأنه غير مشارك في سبب موته، لأن إمساكه إنما كان للغلق.
الجزء: 10 - الصفحة: 8
ووجهه ابن العربي في سورة ص، بعد أن خطب عليه بقوله للرابع دية، وعلية ثلاثة ارباع دية في الثلاثة الذين قتلهم، وللثاني دية، وعليه للاثنين الذين قتلهم بالجاذية ثلثا دية، يبقى له ثلث ديه وعليه للرابع نصف دية؛ لقتله واحداً بالمجاذية، يبقي له نصف دية؛ فوقعت المقاصة، وغرم العواقل ما بقي، ويرد بان شرط المقاصة ان تكون مستحق الطلب هو الغارم، ويستحق الدية الورثة، والغارم العاقلة؛ فبطل شرط المقاصة، وبأنه انما ينتج.
قوله: قتل ثلاثة ان عليه ثلاثة أرباع الدية، اذا كان معناه قتل ثلاثة مع ثلاثة، وهذا غير صادق؛ لأن الاعلى لم يقتل أحداً، لأن مجاذاته كانت لفوق، ولو عدت مجاذبته مع فعله سبباً لم تصح له دية كاملة فتأمله.
وفي الرواحل منها: ان سلم احدهما بفرسه؛ ففي ماله فرس للآخر، وعلى عاقلته دية راكبه، ابن شاس: وسواء كان المصطدمين راكبين او ماشين او بصيرين او نزيلين، او احدهما ضريراً وبيده عصا، فان تعمد الاصطدام؛ فهو عمد محض، فيه حكم القصاص، ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما بفضل وليهما، فهما كالبالغين، إلا في القود.
وفيها: لا شيء في اصطدام السفينتين إن كان لغالب من الريح لا يقدرون على دفعه، ولو قدروا ضمنوا.
الصقلي: يريد ي اموالهم، وقيل: الديات على عواقلهم.
اللخمي: لابن القاسم في الموازية: إن كانوا إن حبسوها؛ هلكوا أو غرقوا، فلم يحبسوها؛ ضمنوا الأموال في اموالهم، والديات على عواقلهم، وليس لهم طلب نجاتهم بغرق غيرهم.
قال ابن عبد السلام: قول ابن الحاجب يوهم أن حكم الفارسين والرجلين مخلف لحكم السفينتين، وليس كذلك، فإن الفارسين إذا جمحا فرساهما بهما، ولم يقدرا على صرفهما؛ فكان عنه تلف لم يضمنا، إلا أن الفرسين إذا جهل امرهما، هل هو لجمح يقدران على رده؟ أو لا حمل على القدرة؟، وفي السفينتين على العجز.
الجزء: 10 - الصفحة: 9
وقول أشهب في السفينتين: إن علم أنه من أمر غالب، لا من أمر أخرقوا فيه، فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم؛ فذلك عليهم ظاهره التسوية بين الفرسين والسفينتين.
قلت: قوله: إذا جمحت فرساهما بهما ولم يقدرا على صرفهما؛ لم يضمنا يرد بقولها في الديات: إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنساناً فعطب؛ فهو ضامن، وبقولها في الرواحل: إن كان في رأس الفرس اعتزام، فحمل بصاحبه فصدم؛ فراكبه ضامن؛ لأن سبب فعله وجمحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه؛ فلا ضمان عليه، وإن فعل به غيره ما جمح به؛ فذلك على الفاعل وفي الفينة الريح هي الغالبة، فهذا هو الفرق بينهم.
قلت: فهذا كالنص على أن ما تلف بسبب الجموح، هو من راكبه مطلقاً إلا أن يعلم أنه من غير خلاف.
قوله: ما تلف بالجموح ولم يقدر على صرفه؛ أنه لا ضمان عليه فيه فتأمله، وما ذكره عن أشهب، كذا نقله الشيخ عنه من الموازية، بعد أن نقل عن مالك وابن القاسم مثل ما في المدونة، وقول أشهب خلاف.
وفيها: إن اصطدام حر وعبد فماتا؛ فثمن العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة الغلام، إن كان في ثمن الغلام فضل عن الدية؛ كان في مال الحر، وإلا فلا شيء لسيد العبد، وإن كان دية الحر اكثر لم يكن على السيد شيء.
الشيخ عن محمد: إلا أن يكون للعبد مال، فيكون بقية الدية فيه، وفي نوازل أصبغ: قيمة العبد في مال الحر ويخير السيد في افتكاك قيمته بدية الحر، أو إسلامهما فيهما، فإن اسلمهما؛ لم يكن لمولاه الحر غيرها.
ابن رشد: هذا ياتي على ما مضى في اول رسم من سماع ابن القاسم: ان سيد العبد يخير في جنابته على الحر خطأ، في ان يسلمه بها او يفتديه بها مؤجلة في ثلاث سنين، اذ لولم تكن مؤجلة؛ لوجب ان يكون مقاصة بالقيمة، كما قال في المدونة، ابن شاس: لو جبذا حبلاً فتلفا؛ فكاصطدامهما، فان وقع احدهما على شيء فأتلفه؛ ضمناه.
قلت: يؤيده نق الشيخ عن الموازية والمجموعة: ان اصطدام فارسان فوطئ
الجزء: 10 - الصفحة: 10
أحدهما على صبي فقطع أصبعه ضمناه، ابن الحاجب: لو طرأت مباشرة ثم أخرى عن ممالأة؛ ولا قصاص في الجرح ما لم يتعمد المثلة، قدم الأقوى وعوقبالآخر.
قلت: تقدم الكلام من نقل اللخمي: إن قتل الجماعة بتعاونهم على قتل؛ كقتل واحد، فصدور المثلة من احدهم، كصدورها من واحد يفعل مثلما فعل ويقتل مع سائرهم.
ابن شاس: إذا طرأت مباشرة على مباشرة قدم الأقوى، لو رح الأول وجز الثاني الرقبة قتل الثاني.
قلت: للشيخ عن سحنون: من ضربه رجل ولكزه آخر، قتل الضارب وحده، ولو قطع احدهم يده، والآخر رجله، وضرب الآخر عنقه، قتل القاتل، وقطع القاطعان، ولو أنفذ أحدهما مقاتله، واجهز عليه الآخر؛ ففي قتل الأول وعقوبة الثاني، وعكسه سماع يحيى وأبي زيد ابن القاسم.
ابن رشد: الأول اظهر، ولو قيل: يقتلان معاً لاشتراكهما؛ لكان له وجه، ووجه الثانية أنه معدود في جملة الأحياء، يرث ويوصي، كما لو قتل من بلغ به المرض مع الكبر إلى حال، يعلم أنه لا تتمادى حياته معه.
وعن سحنون: أن وصية انقذت مقاتله لا تجوز، فعلى قوله؛ لا يرث ولا يورث؛ ولا يقتل به قاتله، وقيلس قول ابن القاسم: يقتل به الأول؛ أن لا يرث ولا يورث، وله في سماع عيسى: أنه يرث ويورث، فيتحصل في المسألة ثلاثة اقوال، ثالثها: التفرقة بين القصاص الموارثة وهي احسن الأقوال.
باب فيما يوجب الضمان من الأسباب التي يقصد بها التلف
والمذهب: لزوم الضمان بالسبب العري عن قصد التلف، ان كان عمداً فيها هلاك الصبي بسلاح يمسكها من خطأ دافعها فيكفر.
الجزء: 10 - الصفحة: 11
الصقلي عن المجموعة: الا ان يقدر على امساكها، كأمره له يناوله حجراً يقوى عليه، او لا يضمن في الدابة مطلقاً؛ لأنه لايقوى عليه، ولوحمله على دابة فما أتلفته على الصبي او عاقلته ان بلغ الثلث.
محمد: ولو كان عبداً فجنابته في رقبته، وفي رجوع العاقلة، والسيد بما غرما على عاقلة الحامل، وعليه قول أشهب مع محمد وأصبغ وابن القاسم مع روايته، وعلى الرجوع يرجع السيد بالأقل من قيمته، والأرش إن أشكله
الصقلي: وان فداه؛ فالأقل مما دفع وأرشه.
أشهب: وكذا لو سقط عن الدابة على من قتله، فعلى الحامل، وأنكر رواية ابن القاسم، وقال إنما بلغاه عنه.
محمد: ومثله قول ابن القاسم من أمر صبياً يجري فرساً فمات بجريه، إن كان بأمر أبيه، فلا شيء عليه، وأمر غير الأب لغو في سماع أبي زيد؛ لأنه بأمره عاف عن ديته.
ابن رشد: لو كانت له أم؛ فلها ثلث الدية.
محمد: ولو قتل رجلاً ومات مجريه؛ فعلى الآمر، ولولي القتيل اتباع عاقلة الآمر، أو عاقلة الصبي، فترجع على عاقلة الآمر، ولو كان عبدأ؛ فعلى الآمر لربه قيمته مع الأقل منهما، أو من الأرش، فإن قيل على تعليله: انه بإذنه عاف عن ديته وعن قيمته؛ يلزم قول سحنون في هذا الأصل أن عفوه لغو؛ لأنه عن شيء قبل وجوبه.
قلت: لاحتمال كون العلة عند سحنون؛ عدم عمد الآمر لإذن الأب.
وفيها ما أهلكت الدبة بيدها أو رجلها، وعليها مؤخر ومقدم على عاقلته، إلا أن يحركها المؤخر؛ فعليهما إلا أن يعجز المقدم عن ردها؛ فعلى المؤخر فقط، والصبي الضابط الركوب كالكبير وغيره كمتاع.
محمد: والصغير غير ضابط، والنائم عليها ككبير منتبه، إن لم يكن سائق ولا قائد، فإن كان أحدهما؛ فعليه من دونهما ونفحها كذلك جبار إلا بسبب فاعل.
الباجي لمحمد عن أشهب: إن كدمت أو نفحت لا بسبب من أحد؛ فالسائق أحق بالضمان من القائد والراكب، إن دعوها سوقها يزجر أو ضرب أو نخس، ولو ضربها
الجزء: 10 - الصفحة: 12
الراكب برجله فكدمت؛ ضمن، وكذا القائد إن انتهرها والراكبان في محمل ولا قائد كراكب
أشهب: فقء عين بحصاة طارت من تحت حافر دابة جبار، أشهب: إن دفعها حافرها فعلى راكبها.
محمد: ما أتلفت دابة انفلتت من يد رجل على عاقلته، ومن موردها جبار، ولو نادى من يحبسها له فذهب ليحبسها فقتلته فجبار.
محمد: إلا أن يكون المأمور عبداً او حراً صغيراً، فعلى عاقلة من انفلتت منه.
ابن حبيب عن الأخوين وأصبغ عن ابن القاسم: ما أتلف الفلو يتبع أمه جبار، لا على راكبها ولا قائدها.
وفيها: قائد القطا وسائقه، كراكبما فيه ولو اجتمعا مع راكب فعليهما دونه ما لم يتسبب، فعليه فقط إ لم يشاركه احدهما فعليهما، اشهب: عن الثلاثة.
الشيخ: يريد أن الراكب شاركهم في سبب فعلها.
الصقلي: ظاهر لفظه خلافه.
وفيها: إن ساق أجير دابة، فسقط حملها على من قتله؛ فعلى عاقلة الأجير.
محمد عن أشهب: إن حمله عليها غيره، فعلى الحامل إلا أن يكون من قوده ما يطرح المتاح من خرقه؛ فذلك عليه.
قلت: فسرها ابن رشد بسماع ابن القاسم، إن سقط حمل على جارية بالسوق؛ فالحامل ضامن ضامن، ولم يحك قول أشهب.
الشيخ عن الموازية والواضحة: إن قاد بصير أعمى، فوقع في شيء، والأعمى عليه فقتله؛ فديته على عاقلة الأعمى.
قلت: في جريه على الاصطدام نظر.
الشيخ عن الموازية: لمن سقط على رجل فشجه، وانكسرت سن الساقط فقول أصحابنا: على الساقط دية الموضحة، وسنه هدر ومن مر بجازر يقطع لحماً فزحمه آخر، فوقعت يده تحت فأس الجزار فطرح اصابعه؛ فقيل: ذلك على عاقلة الجازر، وترجع به
الجزء: 10 - الصفحة: 13
على عاقلة الطارح.
محمد عن بعض أصحابنا ما هلك بنفور دابة من نائم، ولو على الطريق جبار إلا أن يكون من حركته.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من طلب غريقاً فأخذه، ثم خاف الموت فتركه؛ لا شيء عليه، ولو ذهب يعلمه العوم فناله؛ ذلك ضمن ديته.
ابن رشد: يريد على العاقلة.
قلت: زاد الشيخ عن محمد، وفي بعض مجالس ابن القاسم خلافه فيما يشبهه، قال فيا من ترد في بئر وصاح برجل يدلي له حبلاً فدلاه ورفعه، فلما خاف على نفسه من رفعه خلاه فمات، ضمنه ولم يعجبنا.
قلت: يريد خلاف قوله في طالب الغريق، ويفرق بينهما بأن موته في الغريق؛ إنما هو بنفس ما كان عليه دون شركة الطالب بفعل، ورافعه من البئر مشارك بسقوطه من فعل رفعه، ولذا ذكره السقي غير ذاكر فيه تنافيا، وقال: لو انقطع الحبل لم يضمنه.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من دلى رجلا في بئر لطلب حمام بحبل، وربط حبلا بخشبة فانقطع حبل الخشبة، فخر الرجل ساقطاً، فخشي الرجل على نفسه، فترك الحبل فعليه ديته، ولا يشبه من طلب ربط السفينة خوف من غرقه، بأخرى مربوطة بصخرة، فأبى ربها خوف الغرق، ثم أجابه، فلما ربطها جرت الثنية الأولى، فخاف ربها الغرق، فقطع ربط الثانية بها فغرقت؛ لا شيء عليه.
ابن رشد: والفرق أنه في البئر غير الرابط من دلاه بإمساكه احد الحبلين، فضمن بإطلاقه الحبل، لزعمه أنه خاف على نفسه، والدية في ماله؛ لأن فيه شبهة عمد، وصاحب السفينة لم يغر بفعله من ربطه؛ إنما ربطه رجاء النجاة من الغرق.
وسمع في عبد حمل ابنه من حرة دون إذنها، في سفينة مع، فغرقت ومات الولد دونه، فطلبة أمه وأولياؤها بذلك؛ لا شيء عله لهم.
ابن رشد: لأنه لم يجني عليها بذلك؛ لا الله أباح ركوبها.
قلت: الأظهر أنها جناية؛ لأنه متعمد في أخذه، يؤيده قولها في إرخاء الستور: ليس
الجزء: 10 - الصفحة: 14
العبد في انتقاله بولده كالحر، والأم أحق بهم كانت أو أمة، وسمعه عيسى: من اتقى حجراً رمي به، فرجع على من قتله، إن كان إنما اتقاه دون رده بشيء؛ حتى أوقعه على غيره؛ فديته عليه.
ابن رشد: مثله روى على، قال: إن اتقاها بيده، فعلى الراد العقل، وهو من الخطأ وقال أصبغ: بل على الرامي، وان دفع الرمية إذ لانتفى الرمية إلا بدفعها، كما لو طلب رجلاً بسيف فهرب، فوقع على صبي فقتله، أو على شيء فاتلفة؛ فهو من خطأ الطالب، إن يشعر المطلوب فيموت؛ ففيه القود، وكذا دافع الحجر عن نفسه، إن أصاب المرمي فهو عمد، إلا أن يكون الحجر قر مقره، وانكسر حده قبل أن يرده؛ فيكون علي المرمي، هذا قول أصبغ.
فان رده بعد أن قر مقره؛ فهو على المرمي، وان قر الحجر ولم يرده؛ فهو على الرامي اتفاقاً فيهما، وإنما الخلاف إن دفعه عن نفسه في اتقائه إياه، وفى المجموعة عن ابن القاسم في صبي عبث بسقاء على عنقه قلة، حتى سقطت على الصبي فمات؛ فلا شيء علي السقاء، ولو سقطت على غير الصبي؛ فعلي عاقلته، ومنن عض رجلا فجبذ المعضوض يده، فنزع أسنانه، في كونها عليه أو هدرا، نقلا الشيخ عن محمد عن مالك وأصحابه، وابن وهب مع يحيي بن عمر قائلا: لم يبلغ مالكاً حديث إهداره.
الشيخ في الموازية من نزل بئراً فنزل في إثره آخر، فجبذ الأسفل الأعلى، فخرا فماتا؛ فعلى عاقلة الجابذ دية الأعلى.
قلت: ذكره الصقلي، رواية الشيخ: روى ابن وهب: من امسك لرجل حبلاً يتعلق به في بئر، فانقطع؛ فلا شيء عليه، وان انفلت من يده؛ فهو ضامن، ولابن حبيب عن
الجزء: 10 - الصفحة: 15
ابن المسيب: فر من أسد خمسة فتعلق من يليه بثان، والثاني بالثالث، والثالث بالرابع، والرابع بالخامس، فقضى عليه رضي الله عنه أن الأول جبار، وعلي كل متعلق دية من تعلق به.
ابن حبيب: يريد على عواقلهم، وفى الموازية والمجموعة عن ابن القاسم وأشهب: ما سقط من يده علي وديعة فأتلفها؛ ضمنها، ولو سقطت؛ لم يضمنها.
وفيها: ما هلك من محدث، حيث يجوز لمحدثه، كمن حفر شيئاً في داره أو طريق المسلمين، من بئر أو مرحاض إلى جانب حائطه؛ لا غرم عليه فيه.
الصقلي عن أشهب: هذا إن لم يضر بالطريق.
وسمع محمد بن خالد ابن القاسم: من أوقد تحت قدر له ففار ما فيها، فقتل صبياً حولها لم يعلم به رب القدر؛ لاشيء عليه.
ابن رشد: لا جناية فيه عمداً ولا خطأ، ولا شيء على العاقلة، كقولها فيمن أرسل ناراً بأرضه، وأرض جاره بعيده مأمونة من النار، فحملتها الريح إلى ارض جاره؛ فلا شيء عليه فيما أحرقت، ولو كانت غير مأمونة منها؛ كان ما قتلت من الناس على عاثلتة.
باب فيما يتقرر على العاقلة من الخطأ
والخطأ على الأحرار قسمان: خطأ لا شبة عمد فيه على العاقلة اتفاقاً، إلا ما دون الثلث، وما فيه شبهة عمد يفترق بحسب قوه الشبة وضعفها، ما قويت شبهته، فالدية في مال الجاني كبينة الزور، وما ضعفت فيه فالدية على العاقلة كمن أرسل ناراً
الجزء: 10 - الصفحة: 16
بأرضه، وما توسطت فيه مختلف فيه، هل هي على الجاني أو العاقلة كالطبيب المخطئ؟
وفيها: وما أحدث بطريق المسلمين، مما لا يجوز له من حفر أو رباط دابة ضمنه.
عياض: معناه جعله لها مربطاً، وان كان إنما نزل عنها أو فوقها وهو راكب عليها أمام حانوت ليشترى منه، أو يحمل منه، أو أمام باب داره، أو نزل للصلاة بالمسجد، أو أوقفها حيث لا يجوز له لضيق الطريق، ولو بعد عن الطريق في فناء أو غيره وشبهه؛ فلا ضمان عليه.
الباجي: روى عن المجموعة: من فعل ما يجوز له كحفر بئر بداره، لغير ضرر أحد أو بدار غيره بإذنه، أو رش فناء تبرداً أو تنظيفاً، فزلق به من هلك به، أو ربط كلباً بداره للصيد، أو في غنمه للسباع، أو وقف دابته بالطريق بباب مسجد أو حمام أو سوق، أو أخرج روشناً من داره أو عسكراً؛ فلا ضمان عليه.
قلت: وفي الزاهي لابن شعبان: من نضح ماء بالطريق، فأصيب به أحد أو مال ضمن، ومن وضع نعليه أو خفيه بالمسجد، فعثر إنسان؛ ضمن كالطريق.
وفيها: ما أهلك الكلب العقور، إن اتخذ حيث لا يجوز؛ ضمنه متخذه مطلقاً، وحيث يجوز إن تقدم له فيه.
وسمع يحيى ابن القاسم: من شكي إليه انهدام حائطه؛ ضمن ما هلك به، يحيى: وان لم يكن ذلك لسلطان، إن اشهد عليه ..
ابن رشد: قول يحيى تفسير مثل قولها، ولعبد الملك وابن وهب؛ لا ضمان عليه إلا بعد تفريطه، بعد الحكم عليه.
ولأشهب وسحنون: ما أهلك بعد بلوغه ما يوجب هدمه؛ ضمنه، ولو لم يشهد عليه، والحمل للصول، والكلب العقور، حيث يمنع اتخاذه، كالحائط يدخلهما ما فيه من الخلاف، وقول أشهب في سماع عبد الملك؛ لا ضمان على رب الدابة الصول، ولو تقد إليه السلطان رابع.
قلت: ونقل الصقلي عن بعض القرويين: إن أنكر رب الحائط أخافه إهلاكه، وقف ضمانه علي تقدم الحاكم إليه وإلا كفي الإشهاد خامس.
الجزء: 10 - الصفحة: 17
ولابن رشد في رسم كتب من سماع ابن القاسم: من مات من سقي طبيب أو كيه، أو قطعه منه شيئاً، أو تحتز الحجام، أو قلع ضرساً؛ لم يضمنه إن لم يخطئ في قلعهما، الا أن ينهاهم الحاكم عن القدوم، علي زى غرر الا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله، هذا ظاهر سماع أشهب.
وقال ابن دحون: هو على العاقلة، إلا مادون الثلث، وما كان بخطأ منه في فعله، كسقيه ما لا يوافق المرض، أو تفريده يد الجاني أو القاطع الكاوي، أو ما لا يوافقه الكي، أو يقلع غير الضرس المأمور بها، وان لم يخش وعر من نفسه؛ عوقب بالضرب والسجن.
وفى كون أرش جنايته كالخطأ أو في ماله: قولان لعيسى مع ظاهر نقل أصبغ عن ابن القاسم، وظاهر هذا السماع، وكلما ألزمت الدية على العاقلة، أو في ماله لزمت الكفارة، وحيث لا تلزم لم تلزم إلا استحساناً، كسماع ابن القاسم: في الأم تسقي ابنها الدواء، فيشرق فيموت، وإذا قدم السلطان أن لا يداوي فيما فيه غرز إلا بإذنه؛ فالعمل في ذلك أن استؤذن، أن يجمع أهل المعرفة، فان تعدي؛ ضمن في ماله.
قلت: ومن الخطأ فعل الشيء المناسب للشكية في غير وقته، وكانت نزلت ببعض متقدم قضاه بلدنا، سأل الأطباء عن فعل كي نشأ عنه هلاك، فأفتوا بأن الكي مناسب للشكية، وفعل في محله من الجسد، فسألهم هل هو في وقته؟ فقالوا: لا فحكم بتضمنه لقصوره عن ثلث الدية.
الشيخ: روى علي إن قطع الحجام حشفه كبير أو صغير أو غلط، فقطع غير اليد المقتص منها؛ فحكمه كالخطأ، ولو فعل ذلك بعمد، دون أمر سيده ضمنه، ولو كان ظنه حراً ومعلم الكتاب أو الصنعة، إن ضرب ما يعلم أنه للأدب؛ لم يضمن، وان ضرب لغير أدب أو جاوز ضرب الأدب؛ ضمن كالطيب.
وفي الزاهي لأبن شعبان قيل: إن ضربه ضربة خفيفة؛ فديته إن مات منها على
الجزء: 10 - الصفحة: 18
عاقلته، وفي المجموعة روى ابن القاسم وابن وهب: من عمد لامرأته بفقء عين، أو قطع يد متعمداً، أقيد منه، وإن ضربها بحبل أو سوط، فذهبت عينها أو غيرها؛ فلا قود وفيه العقل، ومن ادعى في فقء عين زوجته، أنه ضربها أدباً، وقالت: عمداً، ففي قبول قولها أو قوله، أ, قولي سحنون وثانيهما؛ فلا يكون عليه شيء.
ابن رشد الأظهر أن يصدق ولا تصدق عليه؛ فيقتص منه، وتكون كشبه العمد يسقط القصاص، وتكون الدية في ماله، وفي الرجم: منها من أفاض زوجته البكر، ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه، فإن علم ذلك؛ فديتها على عاقلته، وإن شانها، ولم تمت فلا بلغ من ذلك ثلث ديتها؛ فعلى العاقلة، وما دونه في ماله.
عياض: إفاضتها خلط ما بين المسلكين بالوطء العنيف، وإن زنى بامرأة، فأفاضها؛ فلا شيء عليه إن طاوعته، وغن اغتصبها؛ فلها المهر وما شانها.
الشيخ عن الموازية في ماله، وإن جاوز الثلث
الصقلي: الفرق بين الزوجة الأجنبية طائعتين: أن طوع الزوجة واجب لا تقدر على منعه، والأجنبية يجب عليها منعه، يوضحها كم لو أزنت له أن يوطئها.
الشيخ: روى علي: إن ضرب معلم الكتاب والصنعة صبياً، ضرب الأدب فمات؛ فلا شيء عليه، وغن جاوز الأدب، وضربه لغير أدب؛ ضمن ما أصابه، ومن استأجر عبداً في عمل غير ما أذن له فيه فعطب؛ ففي ضمانه كامل العطب في مثله، وغن كان مخوفاً ذا غرر.
قول ابن القاسم مع روايتها، وسماعه مع رواية ابن وهب، وقول ربيعة فيها، ورجحه ابن رشد، قيده بكونه ليس عادته استعمال ذلك العمل، ووجه قول ابن القاسم؛ بأنه اخطأ على سيده في استعماله ما يعطب في مثله، إن لم يكن مخوفا، وفارق من استأجر عبداً من غاصب، فتلف في عمله؛ أن للسيد من يرجع عليه، وهو الغاصب، وليس له من يرجع عليه، أذا أجر العبد نفيه، وقياس هذا ضمانه، وان كان لا يعطب في مثله، إلا أن يقال: هذا القدر من الفعل، يمكن أن يتصرف فيه العبد لو لم يؤاجر، فصار المستأجر له كأنه لم ينقله، وإنما استعمله في موضعه.
الجزء: 10 - الصفحة: 19
وقول ابن القاسم فيها: إن استعانته كإجارته؛ لا يضمنه، إلا فيما يعطب في مثله، خلاف قول ربيعة فيما يضمنه باستعانته فيما يبغي فيه الإجارة، وإن كان أذن له في الإجارة، وهو أظهر؛ لأنه لم يأذن له في هبة منافعه، ولو استأجر من ظنه حرًا، ودفع له أجره، فاستحق برق، وقد أتلف الأجرة، ففي غرم المستأجر الأجرة ثانية لمستحقه ثالثهما، إن لم تطل إقامة العبد بالبلد، ظاهر الحرية لعبد الحق عن بعض شيوخه، وقيد ابن رشد غرم الأجرة بكونها مثل قيمة العمل، ولو كان أقل أو أكثر تعينت القيمة.
قال عبد الحق: والغرم أقيس، وعدمه أشبه، بقولها: من أنفذت وصاياه، وبيعت تركته، ثم استحقت رقبته، وكان معروفًا بالحرية، أو غير معروف.
ابن رشد: هذا كما قال عبد الحق؛ أن القيام غرم الأجرة ثانية؛ لأن منافع العبد قد استهلكها، فوجب عليه غرم قيمتها، كمن اشترى طعامًا فأكله، أو ثوبًا فاستهلكه، ثم استحق لربه أن يضمن المبتاع قيمة ذلك لاستهلاكه إياه.
وفي الغضب منها: من استأجر ثوبًا، فاستعمله؛ أن لمستحقه أن يضمنه ما نقصه استعماله، وله على قياس ما ذكرناه أخذ قيمة استعماله، وسقوط كونه عدوانًا عصمة دم القتيل، واستحقاقه معينًا.
وفيها: إن قامت بينة على محارب، فقتله رجل قبل أن تزكى البينة، فإن زكيت؛ أدبه الإمام، وإن لم تزك قتل به، وفي سماع يحيى قال سحنون: لا دية في قتل المرتد ولا قصاص.
ابن رشد: في لغو ديته وثبوتها كمجوسي، ثالثها كدية دين ردته لسحنون، مع أحد أقوال اشهب، وللبرقي مع نقله عن أشهب وابن القاسم، ولسحنون عن أشهب مع غيره عن ابن القاسم.
اللخمي: وكذا يختلف في قطع عضو له، قال محمد: لا شيء على من قتل زنديقًا.
اللخمي: وكذا الزاني المحصن والمحارب، ولا دية لهم إن قتلوا خطأ، وفي الموازية: من قطع يد سارق خطأ فلا دية له.
وقال في موضع آخر: له ديتها، فعليه تجب الدية في هذين، إن قتلا خطأ، وإن قطع
الجزء: 10 - الصفحة: 20
لهما عضو يد أو رجل، أو فقئت عين؛ فلهما القصاص في العمد، والدية في الخطأ؛ لأن الحد إنما وجب في النفس لا في العضو.
الشيخ: قال عيسى: من اغتاظ ذمي شتم النبي صلى الله عليه وسلم فقتله، فإن كان شتمًا يوجب قتله، وثبت ذلك ببينة؛ فلا شيء عليه، فإن لم يثبت ذلك؛ فعليه ديته وضرب مائة وحبس عامًا.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، فعدا عليه أجنبي، فقتله عمدًا؛ فدمه لأولياء القتيل الأول، ويقال لأولياء الثاني: أرضوا أولياء الأول، وشأنكم بقاتل وليكم، فإن لم يرضوهم؛ فلأولياء الأول قتله، أو العفو عنه، ولهم أن لا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية، أو أكثر منها، وعزاه الشيخ لرواية ابن القاسم وابن وهب، وغيره في الموازية والمجموعة.
قال: وقال مالك: في قاتل العمد يموت، أو يقتله أحد؛ فإنه لا طلب على الجاني؛ يريد الأول بدية أو غيرها، ولا في ماله، وكذا فاقئ العين، تذهب عينه أو تفقأ، وقاله أشهب.
قلت: وهو نص الموطأ، قال مالك: في الرجل يقتل الرجل عمدًا، أو يفقأ عينه عمدًا، فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقئ قبل أن يقتص منه؛ ليس عليه دية، ولا قصاص.
قال مالك: إنما له القصاص على صاحبه الذي قتله، فإذا هلك قاتله فليس له قصاص ولا دية.
أبو عمر: هذا على قول ابن القاسم، وروايته أن ولي القتيل ليس له إلا القصاص ليس مخيرًا فيه وفي الدية، وعلى رواية المدنيين أنه مخير بينهما، تكون له الدية إن شاء على القاتل الثاني، وإن شاء قتله، وذكر ابن شاس وتابعه ما في الموطأ عن رواية ابن عبد الحكم دونه قصور، وذكر اللخمي ما في المدونة بزيادة: ولو قتل القاتل خطأ؛ فديته لأولياء القتيل الأول.
قال: وروى محمد إن قتل خطأ؛ فلا شيء لأولياء الأول، والأول أبين، ولم يختلف
الجزء: 10 - الصفحة: 21
أن لأولياء الأول أن يقتلوه، دون أولياء الثاني؛ وأن لهم العفو عنه على م ال يكون لهم.
اللخمي: واختلف في قول مالك: إلا أن يرضي أولياء الثاني أولياء الأول، فقال ابن القاسم: إن بذلوا الدية لم يلزمههم قبولها، وإن أبوا سلموا القاتل إليها.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: لولي الثاني أن يدفع الدية لأولياء الأول، ويقتص هو لنفسه، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن أولياء الأول استحقوا دمه.
وفيها: إن قطع يد رجل عمدًا، فقطعت يد القاطع خطأ؛ فديتها للمقطوع الأول، وإن كان عمدًا؛ فللأول أن يقتص من قاطع قاطعه.
اللخمي: لابن القاسم في الموازية: من قطع يد رجل من المنكب، فقطع رجل كفه، قيد للمقطوع الأول في قطع كف القاطع الثاني، ولا شيء له غير ذلك، وفي قطع قاطعه من المنكب فقط، ويخلى بين قاطعه، وقاطع كفه، وقال محمد: له قطع الشيئين منهما.
اللخمي: هذا أحسن؛ لأن الأول استحق جميع ذلك العضو.
قال ابن عبد السلام: في هذا بعد لأنه يقطع رجلين في موضعين مختلفين، ولم يتول قاطعه منهما غير واحد.
قلت: لا بعد فيه على أصل المذهب، في قطع أيدي جماعة بيد واحدة، والظالم أحق أن يحمل عليه.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، فحبس للقتل، أو حكم بقتله، وسلم لأولياء القتيل ليقتلوه، فقطع رجل يده عمدًا أو خطأ؛ فله القصاص والعقل والعفو في العمد، لا شيء لولاة القتيل في ذلك، إنما لهم سلطان على من أذهب نفسه.
اللخمي: من قطع يد رجل عمدًا، أو قتل خطأ أو عمدًا؛ فصالح أولياؤه في العمد على مال، فقيل: لا شيء للمقطوعة يده؛ لأن الدية إنما أخذت عن النفس، وقال محمد: لمن قطعت يده حقه من ذلك الأول أبين.
وفيها: من قتل وليك عمدًا، فقطعت يده؛ فله أن يقتص منك، ولو قطعتها خطأ؛ حملت ذلك عاقلتك، ويستقاد له ما لم يقد منه، وتحمل عاقلته ما أصاب من الخطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 22
قلت: ظاهره أنه يقتص له قبل قتله، وانظر إن كان قصاص له من اليد يخاف منه الموت، لمرض الجاني الولي أو للفصل، هل يقتل ويؤخر القصاص لوارثه؟ أو يؤخر قتله لذلك؟ والأظهر الأول.
الشيخ في الواضحة لأصبغ عن ابن القاسم: في القاتل يدفع لأولياء القتيل ليقتلوه، يقطع أحدهم يده، وآخر رجله، ثم قتلوه؛ لا يقاد منهم؛ لأن النفس كانت لهم ويعاقبون على ذلك.
قلت: ومقتضى تعليله بقوله: لأن النفس كانت لهم؛ أن لا قصاص في ذلك، ونحو ما في الواضحة ما في الموازية أيضًا، وجزم ابن شاس، فقال: روى أصبغ عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم في القطع؛ لن النفس كانت لهم.
الشيخ عن محمد: إن أقام الولي شاهدًا على قاتل وليه، فلم يقسم حتى عدا عليه، فقتله قبل القسامة قتل به، وليس له أن يقسم بعد قتله؛ لأنه يدرأ بذلك عن نفسه القتل، إلا أن يأتي بشاهد آخر، فلا يقتل.
قلت: في منعه من القسامة نظر؛ لأنها قد وجبت له، وليس قتله القاتل برافع لها، وكما لو ادعى شيئًا بيد رجل، وأقام عليه شاهدًا، ثم عدا عليه فأتلفه قبل الحلف مع شاهده.
وفيها: من وجب لهم الدم قبل رجل، فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب، وفي الواضحة عن ابن الماجشون: إن قتل ابن القتيل قاتل أبيه، قبل تزكية البينة؛ فإن جرحت قتل الابن به، وإن عدلت؛ أدب بما افتات على الإمام.
وتقدم شرط إيجاب القود كون الجاني بالغًا عاقلًا، ولابن رشد في رسم العشور من سماع ابن القاسم: الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها، لا خلاف أن حكمه في الجناية على الأموال والدماء، حكم المجنون.
وفي كونن جنايتهم على الأموال في أموالهم، وعلى الدماء على عواقلهم، إلا ما دون الثلث، ففي أموالهم، أو هدرا فيهما ثالثها، الأموال هدر، والدماء خطأ؛ لسماع القرينين مع قول ابن القاسم في رسم مرض من طلاق السنة، وللموازية وسماع عيسى ابن
الجزء: 10 - الصفحة: 23
القاسم، ولا خلاف أن الصبي الذي يعقل؛ يضمن المال عمدًا أو خطأ، وحكم عمده في الخطأ، وحكم الكبير المولى عليه فيهما كالرشيد.
ابن زرقون: هذا في الصبي الذي ينزجر، وأما ابن ستة أشهر ونحوها؛ ففعله جبار، وقاله ابن رشد، ونحوه للباجي معبرًا عنه بالرضيع.
وفي الأيمان والطلاق منها قتل السكران إن قتل، فأطلقه الصقلي وغير واحد.
وقال ابن رشد والباجي: هذا في المختلط الذي معه بقية من عقله، وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة؛ فلا خلاف أنه كالمجنون في كل أفعاله وأقوالهن وتقدم في هذا الطلاق.
وفيها: المجنون الذي يفيق أحيانا، في حال إفاقته كالسليم.
الشيخ في المجموعة لابن القاسم: ما جنى المجنون في إفاقته من حد أو قتل، فلم يقم عليه حتى خنق آخر لإفاقته، الحد والقصاص، فإن أيس منه، فالعقل في ماله أو يقده، المغيرة: إن قتل عمدًا؛ أسلم للأولياء حاله، ولو ارتد، ثم خنق، لم أقتله حتى يصح؛ لدرء الحد بالشبهة.
وروى اللخمي: يخير الأولياء في تعجيل القتل، أو الدية من ماله، وإلا اتبعوه.
وفيها: أيقتل مسلم بكافر، إلا أن يقتله غلية.
قلت: هو استثناء منقطع؛ لأنه بالحرابة قتل؛ لأن الغيلة حرابة، ولذا قال فيها: إن قطع يديه ورجليه غيلة، حكم عليه بحكم المحارب، ويقتل الكافر بالمسلم، وذوو الكفر سواء في القصاص بينهم المجوسي، والكتابي فيه.
الباجي: روى علي بقتل اليهودي بالمجوسي، ونقص الدية لغو، كالرجل بالمرأة، ولا يقتل حر بذي رق بوجه، وقتل بالحر المسلم.
وفي جناياتها: قال مالك: يقتل العبد بالحر إن شاء الولي، فإن استحياه خير سيده في إسلامه، أو فدائه بالدية، وكذا يخير في فدائه بالدية في قتله خطأ، وتقدم في الاصطدام ذكر الخلاف، في كونها مؤجلة، وفي دياتها، إن قتل عبد حرًا، فأتى ولاته عليه بشاهد، حلفوا خمسين يمينًا، ولهم قتل العبد إن شاؤوا، وليس لهم أن يحلفوا يمينًا واحدة
الجزء: 10 - الصفحة: 24
ليستحيوه، إذ لا يستحق دم الحر إلا ببينة، أو حلف خمسين يمينًا، وجعل ابن عبد السلام تخيير ولي قتيل العبد، في قتله واستحيائه، جاريًا على أصل أشهب في جبر الحر على الدية، غير جار على أصل ابن القاسم فيه، وأجاب بأن جبر الحر على الدية يضر به؛ لأن له وارثًا قد ترجح مصلحته على نفسه، والمطلوب في مسألة العبد غير القاتل، وهو السيد، ولا ضرر عليه في واحد من الأمرين اللذين يختارهما الولي.
قلت: قوله: المطلوب في مسألة العبد السيد غير صحيح، ضرورة أن لا طلب عليه بحال، وقد يفرق بأن الحر يجبر على أمر يتكلفه، وهو الدية، والعبد لا يكلف بشيء، وبأن للولي حجة في العبد، وهي أنفته، أو يأخذ في دم وليه دم عبده، وهو لا يكافئه، وفي جناياتها القصاص بين المماليك، كما هو في الأحرار، ولو قتل مكاتب عبده؛ فلسيده أن يقتص منه في النفس والجراح.
اللخمي: للسيد الحق، إن أحب اقتص، أو أخذ العبد، إلا أن يفديه ربه، والمدبر والمكاتب، وأم الولد، والمعتق إلى أجل في القصاص مع من ليس فيه حرية سواء، واستحسن في المعتق بعضه، أن لا يقتص منه للحديث؛ أنه يرث بقدر ما عتق منه، ويعقل عنه بقدر ذلك، وفي سماع عيسى ابن القاسم في نصراني حر قتل عبدًا مسلمًا: قال فيه اختلاف، أرى قتله به، سحنون: أرى عليه قيمته كسلعة.
ابن رشد: قوله: يقتل به معناه؛ إن شاء ذلك سيده، وله أن يضمنه قيمته اتفاقًا وإنما الخلاف في قتله به، وقتله به أظهر، وقاله أشهب في سماع عبد الملك.
قلت: وللخمي عن محمد عن ابن القاسم: أنه يضرب ولا يقتل به، زاد الباجي: وقاله أصبغ، قال محمد: قال مالك: ليس بينهما قود في نفس ولا جرح؛ لأن في هذا حرية وفي هذا إسلامًا.
الباجي: ليحيى عن ابن القاسم: لا يقتل مسلم، وإن كان عبدًا بكافر، وإن كان حرًا.
وفي الموطأ: في العبد يشهد بجرح اليهودي أو النصراني لربه؛ أن يعقل عنه، أو يسلمه، فيباع فيعطى اليهودي أو النصراني من ثمنه، أو ثمنه كله إن أحاط بثمنه، ولا
الجزء: 10 - الصفحة: 25
يعطى الكافر عبدًا مسلمًا.
الباجي: قوله: يعطى من ثمنه؛ يريد إن زاد ثمنه على العقل، أعطى منه قدر العقل، ابن مزين: سأل عيسى ابن القاسم عن قوله في هذه المسألة، أخطأ هو في الكتاب، قال ابن القاسم: وهو خطأ، وقد كان يقرأ عن مالك: فلا يغيره وإنما الأمر إذا أسلمه السيد، بيع فقط الكتاب جميع ثمن العبد، وإن زاد على الدية، وهو قول مالك، وما أنكره ابن القاسم، يحتمل أنه رواية عن مالك، ثم رجع إلى ما سمعه ابن القاسم منه وصوبه، وقوله آخر المسألة: ولا يعطى اليهودي ولا النصراني عبدًا مسلمًا، يمنع رواية ابن القاسم؛ لأنه إذا منع الإسلام أن يدفع إليه، فإنما يبيع على ربه ليوفي به الأرش.
وفيها مع غيرها: منع الأبوة والأمومة، إيجاب عمد ضرب الولد بما مات منه القصاص من أبيه أو أمه، فيها: إذا قتل الأب ابنه بحديدة، حذفه بها أو بغيرها؛ لا يقاد من يقاد من غير الوالد فيه، درئ عنه القود، والأم كالأب، وأب الأب كالأب، وكذا قطع شيء من أعضائه، وفي سماع ابن القاسم: ليس التغليظ في الجراح إلا في الأب.
ابن رشد: يريد: والأم إذ لا يفرق أحد بينهما في هذا، وظاهر قوله: لا تغليظ في جد ولا جدة، خلاف قولها تغلظ في الجد؛ يريد: والجدة من قبل الأم، فلا تغلظ على قولها في الجد للأم، ولا في الجدة أم أبي الأم، ولا أم أبي الأب، وهو قول أشهب.
وقول ابن الماجشون: تغلظ في الأجداد والجدات كلهم، لأب أو لأم، وهو قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية، وعن ابن القاسم، مثل قول ابن الماجشون، وروي أنه وقف في الجد للأم، وكلما ثبت التغليظ انتفى القصاص، وكلما انتفى ثبت القصاص، في العمد الذي ليس يشبه العمد، وإن لم يعمد للقتل، لا خلاف أنه لا يقتص من واحد منهم، فيما هو من شبه العمد، كضربه بعصا فيموت بذلك، أو بسوط فيفقأ عينه، وشبه ذلك.
وفيها لمالك: لو أضجع ابنه فذبحه، أو شق بطنه، أو صنعت ذلك والدة بولدها؛ ففيه القود، وأكثر الأشياخ لم يذكروا في القصاص هذا خلافًا.
وقال الباجي: إن أضجعه فذبحه، أو شق بطنه، وهذا الذي يسميه الفقهاء قتل
الجزء: 10 - الصفحة: 26
غيلة.
فقال مالك: يقتل به، وقال أشهب: لا يقتل به بحال، وتبعه ابن الحاجب، ونقله ابن اقصار عنه، كذا وجدته في اختصار عيون المجالس، في المسائل للقاضي عبد الوهاب.
وقال ابن حارث: اتفقوا في الرجل يضجع ابنه ويذبحه، ويثبت ذلك عليه ببينة أو بإقراره؛ أنه يقتل به، واختلفوا إذا قال: أضجعني أبي وذبحني ومات، فقال ابن القاسم: يقتل به بعد القسامة، سمعه يحيى، وقال أشهب: لا يقتل به في مثل هذا.
قلت: لم يحك ابن رشد قول أشهب بحال، وحكاه الشيخ بلفظ، قال أشهب: لا يقتل في العمد والد ولا والدة بالقسامة، قال: وقال ابن سحنون عنه في قول ابن القاسم: إذا قال: ذبحني أبي؛ أنه يقسم مع قوله ويقتل، وكيف يقبل قول من هو في عداد الموتى، إلا أن يكون ذبحه وبقيت أوداجه، وفي سماع القرينين: من فجرت فولدت ولدًا، فألقته في بئر، إن كانت كثيرة الماء أو في البحر؛ قتلت به.
ابن القاسم: إن ألقته في بئر يابسة يقدر على أخذه منها؛ لم تقتل به.
وفيها: من تعمد ضرب بطن امرأته؛ ففيه القصاص بقسامة، إذا تعمد ضرب بطنها خاصة.
الصقلي: روى ابن القاسم: لو قتل الأب ورجلان ابنه عمدًا؛ قتل هذا الأب والرجلان، وإن كان بالرمية والصدمة؛ لم يقتل به الأب، قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية معناه: ويقتل الرجلان، وذكر ابن شاس شركة الأب في قتل ابنه، قال: وسقط القود عن الأب لمعنى فيه، لا في القتل، ألا ترى أن مكره الأب على قتل ابنه يقتل؛ لأن فعله منقول إليه، وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ولذا قتل مكره الأب دونه.
قلت: في النوادر قال ابن سحنون عنه: لو أكره المصر رجلًا على قتل ابنه أو أخيه، ولا وارث له غيره بوحيده يقتل؛ ففعل أنه لا يرث من ماله، ولا من ديته شيئًا؛ لأنه غير مباح له قتله، ولا يخرجه ذلك عند بعضهم من القود، ثم قال: لو أن الأب أكره رجلًا على قتل ابنه، وهو يعقل فقتله، فقال أصحابنا: القود على القاتل، ولا يرث الأب من
الجزء: 10 - الصفحة: 27
الابن شيئًا، ولا قود على الأب.
قلت: وكذا الأب يجرح ولده، أو يقطع شيئًا من أعضائه، بحال ما صنع المدلجي؛ فإن الدية تغلظ فيه.
الشيخ عن المجموعة: تغلظ في الجرح عند مالك، وإن كان ذكر عنه غير ذلك، فالثابت من قوله: وما عليه أصحابه التغليظ، إلا أن يكون عمدًا لا شك فيه، قال ابن القاسم وأشهب: مثل أن يضجعه فيذبحه، أو يدخل أصبعه في عينه تعمدًا لفقئها، ابن شاس: إذا ثبت القصاص؛ فإنما ذلك إن كان ذو الدم، غير ولد الأب، مثل العصبة، قاله في الموازية، ابن الحاجب: شرط القصاص على الأجداد، أن يكون القائم بالدم غير ولد الأب.
قلت: عبر عنه في آخر فصل القصاص بقوله: يكره قصاص الابن من أبيه، وهو نص دياتها، إن كان ولي الدم ولد القاتل، فذكره مالك القصاص منه، وقال: يكره أن يحلفه في الحق، فكيف يقتله، وفسر ابن عبد السلام الكراهة بالتحريم، وفيه نظر، لقول قذفها استثقل مالك أن يحد لولده، قال ابن القاسم: إن قام بحقه حد له.
وفيها مع غيرها لغو فضيلة الذكورية والعدد والعدالة، ولو بقول فاسق: قتلني فلان، والشرف وسلامة الأعضاء، وصحة الجسم لحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، وفي دياتها إن قتل الصحيح سقيمًا أو أجذم أو أبرص، أو مقطوع اليدين والرجلين عمدًا؛ قتل به، وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبية عمدًا؛ قتلوا بذلك.
قلت: وقفت في كتاب الاستشفاء لابن العربي، أن إمام الحرمين نقل عن مالك: أنه لا يقتل منهم إلا واحد بالقرعة، قال: وهو وهم.
قلت: لولا قوله بالقرعة؛ لحمل قوله على ثبوت القتل بقسامات.
و ... التكافؤ في أثر القتل لغو: سمع عيسى ابن القاسم: إن أسلم النصراني بعد قتله نصرانيًا؛ قتل به، وأخبرني يحيى عنه: إن لم يكن للقتيل ولي إلا المسلمون؛ فالعفو عنه أحب إلي من قتله.
ابن رشد: ظاهر رواية عيسى قتله، ولو لم يكن للقتيل ولي إلا المسلمون، وهي
الجزء: 10 - الصفحة: 28
رواية ابن نافع، وعليه لا يجوز للإمام أن يعفو عنه، إن كان له مال على غير شيء، ويجوز له صلحه على مال دون الدية، على القول بعدم جبره عليها، وعلى القول بجبره لا يجوز إن كان مليًا بها، وعلى سماع يحيى: يجوز عفوه مجانًا؛ لأنه استحب العفو عنه لحرمة الإسلام، بخلاف المسلم يقتل مسلمًا لا ولي له إلا المسلمون؛ لا يجوز عفو الإمام عنه مجانًا؛ لأنه ناظر للمسلمين فهو كالوصي على الصغير، ولا يجوز عفوه عن دم أبيه مجانًا، ويجوز عفوه نظرًا لليتيم، ابن حارث: إن أسلم كافر بعد قتله كافرًا، فأكثر أصحاب مالك يقتل، وقال محمد بن عبد السلام: لا يقتل؛ لحديث لا يقتل مؤمن بكافر.
الشيخ: لابن سحنون: قال ابن القاسم: إن أسلم نصراني بعد أن جرح فمات؛ فيه دية حر مسلم في مال الجاني حالة، أشهب: إنما عليه دية نصراني، إنما أنظر لوقت الضربة لا للموت، ألا ترى لو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المقطوعة يده، فمات مرتدًا، أو قتل؛ أن القصاص في قطع اليد ثبت على الجاني، وليس لورثته أن يقسموا على الجاني فيقتلوه؛ لأن الموت كان وهو مرتد، ولو أسلم الحربي في يد سيده المسلم، ومات عبدًا، فلا قصاص على الذمي في النفس؛ لأنه مات عبدًا، ولورثته القصاص في يده.
ولو كان جارحه مسلمًا؛ فعليه دية نصراني، ثم تكون الدية على ما ذكرنا من الاختلاف فيها، ولو عتق بعد إسلامه؛ فورثته بالخيار، إن أحبوا قطع يد النصراني، وإن أحبوا القصاص في النفس، أقسموا لمات من جرحه، ثم قتلوه في قول غير ابن القاسم.
وإذا جنى مسلم على نصراني، فتمجس النصراني، ثم نزي في جرحه فمات؛ فعليه دية نصراني، في قول أشهب، ودية مجوسي، في قول ابن القاسم: ولو كان مجوسيًا ثم يهوديًا، فعلى قول أشهب: دية مجوسي، وعلى قول ابن القاسم: دية يهودي، وهو قول عبد الملك.
ولو جرح مسلم مسلمًا، فارتد المجروح، ثم نزي فيه فمات؛ فاجتمع الناس على أن لا قود؛ لأنه صار إلى ما أحل دمه، والذمة لم يصر بها إلى ما يحل دمه.
قلت: وتقدم لأشهب: أن القصاص في الجرح ثابت، ولابن سحنون عنه إن رمى عبد رجلًا بسهم، فعتق قبل وصول السهم؛ فالجناية في رقبته؛ لأنه عبد حين الرمية،
الجزء: 10 - الصفحة: 29
فجعل الحكم لخروج الرمية.
قال: وإن رمى مسلم مرتدًا، فأسلم قبل وصول الرمية فقتلته أو جرحته؛ فلا قصاص على الرامي؛ لأنه رمى في وقت لا قود فيه ولا عقل، وعليه في قول ابن القاسم: إن مات؛ الدية حالة في ماله، وإن لم يمت، فدية الجرح في ماله، قالا: لأنه لو جرح وهو مرتد، ثم نزي في جرحه، فمات بعد أن أسلم؛ أن ولاته يقسمون لمات منه، وتكون ديته في ماله، ألا تراه لو رمى صيدًا، وهو حلال، فلم تصل إليه الرمية حتى أحرم، ثم وصلت إليه فقتلته؛ أن عليه جزاؤه، واختلفوا في دية هذا المرتد.
فقال بعض أصحابنا: دية الدين الذي ارتد إليه، وقال ابن القاسم وسحنون: دية مسلم، وكذا لو كان المرمي نصرانيًا، فأسلم قبل وصول الرمية لا قصاص، وفيه دية مسلم.
في قول ابن القاسم وفي قول أشهب: ديته دية نصراني، وينبغي على قوله: لو كان مرتدًا فأسلم قبل وقوع الرمية، أن لا قود فيه ولا دية، وقال سحنون: في عبد رمى رجلًا، ثم أعتق قبل وصول الرمية، أن جنايته جناية عبد، وقال أصحابنا: أجمع في مسلم قطع يد نصراني، ثم أسلم، ثم مات؛ لا قود فيه على المسلم، إن شاء أولياؤه أخذوا دية نصراني، وإن أحبوا أقسموا، ولهم دية مسلم في مال الجاني حالة في قول ابن القاسم وسحنون.
وقال أشهب: دية نصراني، لأني أنظر لوقت الضربة، قال سحنون: وإن قطع يد رجل يد عبد، ثم عتق، ثم ارتد، ثم مات بجرحه؛ لا شيء على القاطع؛ لأنه صار مباح الدم يوم مات، وفي قوله: الأول عليه لسيده ما نقصته الجناية.
واختصره ابن الحاجب فقال: لو زال التكافؤ بين حصول الموجب، وصوول الأثر، كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي، وقبل الإصابة، أو بعد الجرح، وقبل الموت، فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة، وحال الموت، كمن رمى صيدًا، ثم أحرم، ثم أصابه؛ فعليه جزاؤه، وقال أشهب وسحنون: حال الرمي، ثم رجع سحنون، وأما القصاص؛ فبالحالين معا.
الجزء: 10 - الصفحة: 30
قلت: ظاهره أن المستدل بمسألة الصيد ابن القاسم، وظاهر ما تقدم من لفظ النوادر، قالا بضمير التثنية أنه من كلام سحنون وابن القاسم.
الشيخ: عن ابن سحنون عنه: إن قطع رجل يد عبد خطأ، ثم عتق، ثم قطع آخر رجله خطأ، ثم مات من الجرحين، فقلت مع ابن القاسم: يقسم ورثته لمات من الجرحين، وديته على عاقلتي الجارحين أنصافًا، في ثلاث سنين، وإن لم يقسموا، فعلى الثاني نصف الدية في ثلاث سنين، وعلى الأول ما نقصه الجرح يوم الجناية وهو عبد، إن كان أولياه من أعتقه، وإن كان له ورثة؛ فأرش نقصه لسيده، ولو كانت الجناية الأولى عمدًا، والثانية خطأ، فلورثته أن يقسموا عليهما، فيأخذوا من الأول نصف دية حر في ماله حالة، ومن عاقلة الثاني نصفها في سنتين، وإن شاءوا قسموا لمات من الثاني، وأخذوا الدية من عاقلته، ومن الأول ما نقص الجرح من العبد يوم جرحه.
فإن كان له ورثة أخذ قيمة الجرح السيد، قال: وإن كان جرح الأول خطأ، والثاني عمدًا بعد أن عتق، فإن أقسموا على الأول؛ أخذوا دية حر من ماله حالة، واقتصوا من الثاني، وإن لم يقسموا إلا على الثاني؛ فلهم قتله، ولهم على الأول ما نقصه الجرح من ماله، إن كان ولاته من أعتقه، وإن كان له ورثة؛ فأرش الجرح للسيد.
قلت: أليس هذا مثل ما أنكرت على الشافعي، من الحكم في نفس بقتل وأرش، قال: لأن هذين جانيان، وذلك جان واحد، قال: ولو كان الجرحان عمدًا؛ فلهم أن يقسموا لمات من الأول، ويأخذوا من ماله دية حر، ويقتصوا من الثاني، ولو أقسموا عليه قتلوه، ولهم ما نقص جرح الأول، إن كان ولاته من أعتقه، وإلا فأرش نقصه لسيده.
قال: ولو قطع رجل يد العبد، ثم عتق، فقطع آخر رجله، ثم آخر يده الأخرى، ثم نزي في ذلك فمات؛ فإن كانت دنايتهم خطأ، أقسم ولاته لمات من كلها، وعلى عاقلة كل واحد ثلث الدية في ثلاث سنين، وإن لم يقسموا؛ أخذوا من عاقلة كل من الجانبين بعد الأول نصف الدية، وعلى الأول ما نقصه يوم الجناية للسيد، وإن كانت الجنايتان بعد العتق عمدًا؛ فلهم أن يقسموا على أحدهما، ويقتلوه ويقتصوا من الآخر الذي
الجزء: 10 - الصفحة: 31
جرحه، وعلى الأول ما نقصه جنايته يوم جنى السيد، وإن شاء ولاته من أعتقه أو ورثته، أن يقسموا لمات من جناية الأول، وأخذوا من ماله دية حر حالة، واقتصوا من الثانيو الثالث، وإن كانت الأول والثانية خطأ، والثالثة عمدًا، وأولياؤه عصبة؛ فلهم أن يقسموا على الثالث ويقتلوه، ولهم على عاقلة الثاني نصف دية حر في سنتين، وللسيد على الأول ما نقصه، وإن شاءوا أقسموا لمات من الأول والثاني، وأخذوا من عاقلتيهما الدية، نصفها من كل عاقلة في ثلاث سنين، واقتصوا من الثالث.
وإن كانت الجنايات الثلاث عمدًا؛ فلهم أن يقسموا لمات من الأول التي في رقه، وأخذوا من ماله دية حر حالة، واقتصوا من الجنايتين بعد حريته، ولهم أن يقسموا على أحد الجانبيين في حريته، فقتلوه واقتصوا من الآخر، ولمعتقه على الأول ما نقصه، وإن لم يقسموا على أحد، فلهم القصاص من الجانبيين بعد حريته، وللسيد في الأولى ما نقصه.
قلت: ضابطه كلما تعددت ضربات، لا من فاعل واحد تعقبها موت، بعد عتق قبل بعضها، فلأوليائه أن يقسموا لمات من كلها أو منبعضها معينًا، ففيما أقسم على الموت منه خطأ، ديته على عاقلة فاعله، إن كان الخطأ بعد عتقه، ولو من غير المقسم عليه، وإلا ففي ماله، لاعتبار كونه ممن تحمل العاقلة، عقله في الجملة أو ليس منه، لاعتبار احتمال الرقبة، فإن تعددت، قسمت على عواقلهم وعمدًا، والضرب قبل عتقه في مال ضاربه حالة، وفيما لم يقسم على الموت منه، والضرب قبل عتقه، أرشه لسيده، وفيما أقسم عليه بعد العتق، كالحر خطأ وعمدًا، أو فيما لم يقسم عليه منه، كالجناية عليه بذلك حرا.
الجزء: 10 - الصفحة: 32
باب في القطع والكسر والجرح وإتلاف منفعة من الجسم
ومتعلق الجناية غير نفس: إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح، وإلا فإتلاف منفعة فالقصاص في الأطراف، كالنفس إلا في جناية أدنى على أعلى، فلو قطع عبد أو كافر حرًا مسلمًا؛ فطرق الباجي مشهور مذهب مالك؛ لا قصاص، وتلزم الدية، وروى القاضي في قطع الكافر المسلم، يجتهد السلطان، ويتحمل هذه الرواية القود.
اللخمي: قال مالك: لا قصاص، وروى ابن القصار القصاص، قال: وهو القياس، وروى العتبي يمنع في العبد، ويجوز في النصراني، وقال ابن نافع: المسلم بالخيار في القصاص والعقل، وهو أحسن، وكذا في العبد.
وفي سماع القرينين: هل النصراني كالعبد يجرح المسلم، لا قود بينهما؟، قال: العبد قد يؤخذ أحيانًا في ذلك، والنصراني لا يؤخذ، فهو تسليط على المسلم يفقأ عينه، ويعطيه دراهم لعينه أهل دينه، أرى أن يجتهد السلطان في ذلك، قيل: أيقاد منه؟ قال: ما أدري، سحنون: قال ابن نافع: المسلم بالخيار في القود والأرش.
ابن رشد: وقف مالك في ذلك، وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أن يمكنه من القصاص مكنه، وإن رأى منعه، والحكم بالأرش؛ فعل ذلك، وصرفه إلى اجتهاده، يدل على، أن كل مجتهد مصيب عنده، ولابن عبد الحكم مثل قول ابن نافع وقال: له الدية ولا قود بينهما، فالخلاف إنما هو إن أراد المسلم القصاص، وعلى قول
الجزء: 10 - الصفحة: 33
ابن نافع: للحر أن يقتص من العبد في الجراح كالقتل.
قلت: ظاهر قوله: لا أدري الوقف لا بقيد صرفه إلى الإمام.
قال ابن شاس: في رواية: يجتهد السلطان، قال أصحابنا: تحتمل هذه الرواية وجوب القود، قالوا: وهو الصحيح، قال الأستاذ أبو بكر: وهذا كما قالوا.
قلت: ففي وجوب العقل أو القود، ثالثها: في الكافر يجتهد الإمام، ورابعها الوقف فيه، وخامسها الأول في العبد لا الكافر، وسادسها يخير المسلم، وعزوها واضح، وفي دياتها إن قطع جماعة يد رجل عمدًا؛ فلهم قطع أيديهم كلهم، كالقتل والعين كذلك.
قلت: ويتخرج فيها ما حكاه ابن العربي، عن إمام الحرمين في مسألة قتل الجماعة الواحدة.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطعه مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع الجماعة الواحد.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطع مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع المسلم، ونصف العقل في مال النصراني، مع الأدب، ولو قطعه أربعة مسلمون أحدهم خطأ؛ قطعت أيدي الثلاثة، وعلى المخطئ ربع ديتها في ماله، وذكر ابن القصار مسألة الكتاب، بقيد كونهم قطعوا يده كلهم دفعة
فعبر ابن شاس عن ذلك بقوله: تقطع الأيدي بالواحدة، عند تحقق الشركة، بأن يضعوا السكين على اليد، ويتحاملون كلهم عليها حتى تبين، فلو تميزت الجنايات، بأن يقطع أحدهم بعضًا، ويبينها الآخر، أو يضع أحدهما السكين من جانب، ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر، حتى يلتقيا، فلا قصاص على كل واحد منهما في جميع اليد، ولكن يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح، إذا عرف ذلك، ابن عبد السلام: لو قطع أحدهما نصف اليد، وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول، وقطع باقيها؛ فإن السكين توضع في قصاص الثاني، في غير الموضع الذي ابتدأ هو به فتأمله.
قلت: هذ لا ينفي التماثل؛ لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف، وكونه كان وسطًا طردي، وفي القصاص منه إنما ابتدئ القطع فيه من طرف، وفيما فسم به ابن شاس قول ابن اقصار نظر؛ بل مقتضى المذهب، أنه منهما ثبت تعاونهما على القطع، وجب قطعهما
الجزء: 10 - الصفحة: 34
فلو حبسه أحدهما لمن يعلم أنه يقطعه فقطعه قطعًا، وقد شبهها في المدونة باجتماعهما على القتل.
وقال في كتاب المحاربين: إن ولي بعض الجماعة قتل رجل، وباقيهم عون له قتلوا به قصاصًا، وفي الجراح ما قبل الهاشمة القود.
عياض: أولها لغة الحارصة بحاء وصاد مهملتين؛ هي ما حرص الجلد أي: شقه وهي الدامية؛ لأنها تدمي، والدامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يدمع منها، وقيل الدامية أولًا؛ لأنها تخدش فتدمي، ولا تشق الجلد، ثم الحارصة؛ لأنها شقت الجلد.
وقيل هي السمحاق، كأنها جعلت الجلد كسماحيق السحاب، ثم الدامعة؛ لأن دمها كالدمع، ثم الباضعة، وهي التي أخذت في اللحم وبضعته وهي المتلاحمة، وقيل المتلاحمة بعد الباضعة؛ لأنها أخذت في اللحم في غير موضع، ثم الملطا بالقصر، ويقال ملطاة بالهاء، وهي ما قرب من العظم، وبينهما وبينه قليل من اللحم، وقيل هي السمحاق، ثم الموضحة؛ وهي التي كشفت عن العظم.
وفيها حد الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو بقدر إبرة، وعظم الرأس محلها كل ناحية منه سواء، وحد ذلك منهي الجمجمة، لا ما تحتها؛ لأنه من العنق وموضحة الخد كالجمجمة، وليس الأنف، واللحي الأسفل من الرأس في جراحهما؛ لأنهما عظمان منفردان.
عياض: ثم الهاشمة ما هشمت العظم، ثم المنقلة ما كسرته، فيفتقر لإخراج بعض عظامها لإصلاحها، وتختص بالرأس المأمومة؛ وهي التي أفضت إل أم الدماغ، وتختص بالجوف الجانفية؛ وهي التي نفذت إليه.
الباجي عن أشهب: لو أطار أنفه بضربة، ونفذت إلى دماغه؛ ففي ذلك دية وثلث؛ يريد ما وصل للدماغ، حيث كان، فهي مأمومة، وفي التلقين، ويقال في المأمومة الأمة.
وفيها: المنقلة ما أطار فراش العظم، وإن صغر، والمأمومة؛ ما أفضى إلى الدماغ ولو بمدخل إبرة، ولا تكون إلا في الرأس، والجائفة ما أفضى إلى الجوف، ولو بمدخل إبرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 35
وفيها لابن القاسم: لا قصاص في هاشمة الرأس؛ لأني لا أجد هاشمة في الرأس إلا كانت منقلة.
قال اللخمي: في ترجمة القصاص: من العظم، وقال أشهب: عند محمد في الهاشمة القود، وقال في ترجمة عقل الموضحة والمنقلة: اختلف في الهاشمة، قال ابن القاسم: لا قود فيها، وقال أشهب: يقاد منه، موضحة إن لم ينقل الأول.
محمد: هذا صواب، إن كان بدأ جرح الأول موضحة، ثم تهشمت، وإن كانت الضربة هشمتها؛ فلا قود؛ يريد: إذا رضت اللحم، وهشمت ما تحتها من العظم، ولو كان ذلك بسيف أو سكين، شقت اللحم، وبلغت العظم، ثم هشمته؛ فله القود من موضحة؛ لأن الجارح لو وقف لما بلغ العظم، كانت موضحة، وإن نقلت بعد الهشم، كان فيها دية المنقلة، ويختلف إذا أحب أن يستفيد من موضحة، فلذلك له عند أشهب، لا عند ابن القاسم.
وفيها: لا قود في المنقلة.
اللخمي: وروى القاضي فيها القود.
قلت: وحكاها ابن الجلاب.
وفيها: مع غيرها، لا قود في المأمومة والجائفة.
وفيها: لمالك: في عظام الجسد القود كالهاشمة، وفي كسر الزندين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين والكفين والترقوة.
محمد: وفي كسر الأنف.
وفيها: لا في المخوف، كالفخذ وشبهه، وكسر العظم، كعظام الصدر، إن كان مخوفًا، كالفخذ فلا قود فيه، وإن كان مثل اليد فالقود.
الشيخ: عن ابن عبدوس: لا قود في عظام الصدر، وقاله أشهب، وقال مع ابن القاسم: ولا في عظام العين، وفي القود من الظفر روايتان لها ولغيرها، بناء على أنه كالعظم أو كالشعر لها ولغيرها.
محمد: القود أحب إلي، ابن عبدوس عن المغيرة: لا قود في كسر الصلب، ابن
الجزء: 10 - الصفحة: 36
زرقون: ربيعة يرى القوم في كل جرح، ولو كان متلفًا، وقال محمد بن عبد الحكم: القود في كل جرح، وإن كان متلفًا، إلا ما خصه الحديث بالمأمومة والجائفة، ويقتص من كل ما ليس بمتلف، تتحقق منه المماثلة اتفاقًا، والمشهور لا يقتص من متلف، وما ليس بمتلف، ولا تتيقن في المماثلة ضربان، ضرب لا تتأتى فيه المماثلة لا قصاص فيه، كبياض العين، وضرب تتأتى فيه المماثلة؛ والغالب نفيها ككسر العظام، حكى القاضي فيه روايتين.
قلت: وللباجي عن أشهب: أجمع العلماء أن لا قود في المخوف، قال محمد: وأجمعنا أن لا قود في عظام العنق، والفخذ والصلب، وشبه ذلك من المتالف، وقال عبد الملك: لا قودفي العنق، يصاب بعضها، قل أو كثر، بأنه لا يوقف له على حد، إلا أن تضاف كلها.
وفيها: لمالك: وفي الصلب الدية، ابن القاسم: كل كسر خطأ بريء، وعاد لهيئة، لا شيء فيه؛ إلا أن يكون عمدًا يستطاع فيه القود، فإنه يقتص منه، وإن كان عظمًا، إلا في المأمومة والجائفة والمنقلة، وما لا يستطاع القود منه، فليس فيه شيء م القود، إلا الدية في عمد ذلك، مع الأدب.
قلت: يريد إن لم يعد لهيئته.
الصقلي عن محمد: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه؛ لأنه متلف لا قصاص في عمده، فهو كالخطأ، قال فيه.
وفي المدونة: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه إلا أربع جراحات: الجائفة والمأمومة والمنقلة والموضحة، إلا أن يكون عمدًا، يستطاع القود منه، فإنه يقاد منه، وإن كان عظمًا.
وفيها: ما برئ على شين، مما لا شيء فيه إن برئ على غير شين، يأتي حكمه في الصلب يبرأ على شين.
وفيها: القود في اليد والرجل والعنق والأنف والأذن والسن والذكر.
وفيها: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد.
الجزء: 10 - الصفحة: 37
قلت: والقود منهما مندرج في قولها والباضعة، وشبهها مما يستطاع منه القود فيه القود.
الباجي عن أشهب: في أشفار العينين القود، قال: وحجاج العين؛ هو العظم المستدير حول العين، يال: هو الأعلى الذي تحت الحاجب، وفي التهذيب: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد، وفي حلق الرأس، إن لم ينبت الاجتهاد، وكذا اللحية، وليس في عمد ذلك قصاص.
قلت: لم أجد هذا اللفظ ولا معناه في المدونة، وفهم بعضهم منه عدم القود في جفون العين، ونص ابن شاس على القود فيهما حسبما قدمنه، وفي الجلاب في الأجفان العين وحواجبهما حكومة.
اللخمي: على قول مالك في السن، تسود الدية تكون في الجفون الدية.
وفيها: وفي الشفتين واللسان، إن لم يكن متلفًا، ومثله للشيخ عن رواية ابن القاسم في المجموعة وفي الموازية، قال أشهب: لا يقاد منه، وقال مالك.
وسمع القرينان: من قطع من لسان رجل، ما منعه بعض الكلام، أحب إلي أن لا يقاد منه، ولم أسمع أنه أقيد منه، ولا أرى أن يقاد منه، أخاف أن تسرى الحديدة، فيذهب كلامه.
ابن رشد: قوله: لا يقاد منه، خوف أن تسرع الحديدة، فيذهب كلامه؛ يريد: أو يذهب أكثر مما ذهب من المجني عليه أو أقل، يبين مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيما يقاد منه: إن كان يستطاع ولا يخاف منه؛ فبين هنا أن ذلك لا يستطاع، وقال أشهب: أنه مخوف.
قلت: ما ذكره من التعليل في السماع، لعدم القود؛ إنما هو في الجناية على بعضه، ولا يتناول ذلك منع القود من جميعه، ولو استدل على منع القود من جميعه، بقوله في السماع: ولم أسمع أنه أقيد منه؛ لكان أبين، وفي الزاهي: في القود منه، إن لم يكن متلفًا خلاف.
وفيها: قيل فإن أخرج الأنثيين، أو رضهما عمدًا، قال: قال مالك: فيهما القصاص
الجزء: 10 - الصفحة: 38
ولا أدري ما قوله في الرض، إلا إني أخاف أنه متلف، فإن كان متلفًا؛ فلا قود، وكذا كل متلف، واختصرها أبو سعيد بلفظها، لعدم جوابه عن إخراجهما.
وقال الشيخ: قال أشهب في المجموعة والموازية: إن قطعتا أو أخرجهما؛ ففيهما القود لا في رضهما؛ لأنه متلف، وفي الشفتين القود، لاندراجهما في عموم ما ليس بمخوف، وحكم ديتهما مع الأنثيين في الديات.
وفيها: لا قود في اللطمة، ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود، سحنون: وعن مالك: لا قود فيه كاللطمة، وإن قطع بضعة من لحمه ففيه القود.
قلت: يريد بشرط المماثلة محلًا وقدرًا.
الشيخ عن المجموعة: قال أشهب: لا قود في اللطمة، ولا الضربة بالسوط، أو بالعصا، أو بشيء من الأشياء، إن لم يكن جرح؛ لأنه لا يعرف حد تلك الضربة، والضرب من الناس مختلف، وفي دياتها إن أوضحه موضحة عمدًا، فذهب بما سمعه وعقله، أقيد من الموضحة بعد البرء، فإن برئ الجاني ولم يذهب سمعه وعقله بذلك؛ كان في ماله دية سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قود وعقل، ولو قطع أصبعه عمدًا، فشلت بذلك يده، أو أصبع أخرى اقتص من الجاني؛ فإن برئ، ولم تشل يده؛ عقل ذلك في ماله.
قال مالك: هذا أحب ما في ذلك إلي من الخلاف، ومثله للشيخ عن ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب في الموازية: دية ذلك على العاقلة، وكذا لو ترامت إلى ذهاب يد أو رجل.
قلت لمحمد: قد قلت عنهما فيمن قطع أصبع رجل، فشلت يده، واقتص من الجاني، ولم تشل يده؛ دية بقية اليد في ماله.
قال ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ: يجعلون غايتنا من إليه العمد، ما بقي منه بعد القصاص في ماله؛ لأن العمد جره.
وقال أشهب: إن تناهى إلى مزيد فيه نفسه، مثل أن لو كان خطأ، لم تكن فيه دية جرحين؛ بل دية جرح واحد، وهو الأكثر، فهذا ما تأسى إليه في ماله، وما يتأسى إلى
الجزء: 10 - الصفحة: 39
جارحة أخرى يكون على عاقلته، كالعمد الذي لا يقدر على القصاص منه، وهو في الجاني قائم.
محمد: وأحب إلينا أنه في ماله؛ لأن العمد جره، ولو كان على ما قال، لكان إذا ترامى إلى النفس، كان على العاقلة، ولم يقله أحد، ولابد فيه من القصاص؛ يريد بقسامة؛ لأن أصله عمد.
وقاله أشهب، وفي المجموعة لأشهب: إن شجه مأمومة، تنامت لذهاب عقله وسمعه وبصره، وغير ذلك، ولو إلى عشر ديات، فله دية كل واحد ما بقيت النفس، فإن ذهبت النفس، فليس فيه إلا دية واحدة.
المغيرة: إن ذهب بالمأموم عقله، فله الدية في العقل، وثلثها في المأمومة، وكذا إن سقط شقه منه؛ فله عقل ما أصاب من يده ورجله، سوى عقل المأمومة، ولو صارت الموضحة منقلة، ففي لزوم عقلها، أو القود من الموضحة؛ فإن لم تصر منقلة عقل له ما بينهما، ثالثها: يخير فيهما، لابن رشد عن آخر أقوال مالك، وأولها: مع سحنون عن ابن القاسم، وأحد أقوال مالك، قال: وقول ابن القاسم، هو القياس على ما أجمعوا عليه في ترامي الجرح إلى شيء آخر، كالموضحة تذهب منها عينه.
وكذلك لو آلت ملطاة إلى موضحة، يخير في القود من الملطاة، وأخذ عقل الموضحة على أحد قولي مالك، وعلى قوله الآخر؛ ليس له إلا عقل الموضحة، لا القود منها آل إليه الجرح، إنما فيه العقل، وعلى قول مالك الأول، وقول ابن القاسم يقتص من الملطاة، فإن صارت موضحة، وإلا عقل له ما بينهما.
قلت: وسمع القرينان، إن صارت الملطاة عمدًا موضحة، ولم تستوضح في الجاني عقلت له الموضحة، قيل لمالك: أتعقل له الموضحة كلها، أو ما بين الموضحة والملطاة؟ قال: لا أدري.
سحنون: قال ابن نافع: له عقل الموضحة كلها؛ لأنه ليس دونها عقل.
ابن رشد: يدخلها الثلاثة الأقوال، وقوله: له عقل الموضحة، كلها بعيد عن القياس؛ لأنه قد اختص من بعضها، وإن لم يكن للملطاة عقل مسمى عند مالك،
الجزء: 10 - الصفحة: 40
فيجب عليه إلى قدر جرح الملطاة، ما هو من جرح الموضحة، فإن كان ثلثه أو ربعه؛ حط من عقل الموضحة ثلثه أو ربعه؛ لأنه أخذه في القود، وقد روى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة.
وقال زيد بن ثابت: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي الملطاة أربعة أبعرة، إن كانت في الرأس، فعلى هذا يكون له إن اقتص من الملطاة، ولم تصر موضحة بعير واحد، إلا أن مالكًا لم يقله.
وقال في الموطأ: لم يقض الأئمة في القديم، ولا في الحديث عندنا، فيما دون الموضحة بعقل، فيحمل ما روي عن عمر وعثمان وزيد، أنه حكومة على وجه الاجتهاد.
قلت: فالحاصل ما يتنامى إليه أربعة أنفس، فيندرج فيها الأول قودًا في العمد، ودية في الخطأ، إن قام ذو الحق بحقه فيها دونه وغيرها، فإن كان الأول جزءًا منه، وفيه القود، كالأصبع مع اليد؛ فعقل الثاني في ماله، ولا قود فيه اتفاقًا فيهما.
وإن كان لا قود فيه، كالمنقلة تصير مأمومة بعقل الثاني فقط، وإن لم يكن جزءًا منه وفيه القود، كالموضحة مع السمع، ولم يتنام في الجاني، ففي كون عقل الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان.
وإن لم يكن فيه القود، فعقل الأول على حكمه.
وفي كون الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان، وقول ابن الحاجب بعد ذكه قولي ابن القاسم وأشهب، وكذلك السراية إلى يد أو رجل، يقتضي عموم قول أشهب فيها، هو جزء من المترامي إليه، كالأصبع مع اليد، وتقدم أن قوله فيه كابن القاسم.
وفي الموازية قال: الفرق بين تنامت الجرح إلى النفس وإلى غيرها، وأن قصاص النفس يسقط كل جرح قبلها، ولو قطعت يداه ورجلاه، ثم نزى في ذلك ومات؛ لم تجب لهم دية الجراح، حتى يقسموا أنه مات من جراحاته، فيأخذوا ديتين، فإن نكلوا، حلف القاتل خمسين يمينًا، أنه ما مات منها، ولو مات مكانه كانت نفسًا، وسقطت الجراح، وقتل في العمد، ولزمت الدية في الخطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 41
قلت: كذا هو في النوادر، وفي نسخة عتيقة، والصواب أن يحلف ولاة القتيل، أنه ما مات من جراحاته؛ فيكون حلفهم على نفس موته من جراحاته، فإن نكلوا حلف الجاني على العكس فتأمله.
ويؤيده قوله في الرواية: لو مات مكانه؛ كانت نفسًا، وذكر الصقلي بعض هذا، وقال: لما كان القتل يسقط كل جرح قبله؛ صار الجرح لغوًا، ولما كان الجرح لا يسقط ما تقدمه من جرح، موضعه في الجارح قائم، وجب بقاء حكم الجرح الأول.
ابن رشد: لو ضربه مأمومة، فذهب عقله؛ ففي غرامة ديتها، مع الدية في العقل، أو دية العقل فقط قولان، على قول مالك، مع متكلمي أهل السنة، أن محل العقل القلب، وقول ابن الماجشون مع أبي حنيفة والمعتزلة: أن محله الرأس.
قلت: تقدم عزو الأول للمغيرة أيضًا.
الباجي: من نتف لحية رجل، أو رأسه أو شاربه، فقال المغيرة: لا قود فيه، وفيه العقوبة والسجن، وقال ابن القاسم: فيه الأدب، قال القاضي: قال أصبغ: فيما أحسب فيه القصاص بالوزن، وعاب ذلك غيره، وقال المغيرة: لا يجوز ذلك، لاختلاف قدر اللحى بالعظمة، ولو أقاد جميع اللحية بجميع اللحية؛ كان صوابًا، وأما البعض ففيه العقوبة.
وفيها: إن انخسفت العين أو ابيضت أو ذهب بصرها، وهي قائمة خطأ، ففيها الدية، وإن كان عمدًا فخسفها خسفت عينه، وإن لم تنخسف، وبقيت قائمة، وذهب بصرهاح فإن استطيع القود أقيد منه، وإلا فالعقل، قال: والبياض بمنزلة القائم العين، إن استطيع منه القود أقيد، وإلا فالعقل.
أبو عمر: من ضرب عين رجل، فأذهب بصرها، وبقيت قائمة، ففي عمد ذلك القود، وأرفع ما جاء في ذلك، أن عثمان أوتي برجل لطم عين رجل، فذهب بصره، وعينه قائمة، فأراد عثمان أن يقيده، فأعيا ذلك عليه وعلى الناس، حتى أتاهم علي فأمر بالمصيب، فجعل على عينه كرسفًا، ثم استقبل به عين الشمس، وأدنى من عينه مرآة، فالتمع بصراه، وعينه قائمة.
الجزء: 10 - الصفحة: 42
وروي أن عليًا أمر بامرأة فأحميت، ثم أدنيت من عينه، حتى سالت نقطة عينه، وبقيت قائمة مفتوحة.
وفيها: من ضرب يد رجل فشلت؛ ضرب الضارب، كما ضرب، فإن شلت يده، وإلا فعقلها في ماله.
الصقلي عن أشهب: هذا إن كانت الضربة خرج فيه القود، ولو ضربه على رأسه بعصا، فشلت يده فلا قود، وعليه دية اليد.
قلت: في كونه تقييدًا، أو خلافًا نظر، والأظهر الأول، وقال أبو حنيفة: إنما عليه الدية، دون قود مطلقًا.
قال ابن عبد السلام: كذا ينبغي أن يكون على المذهب؛ لأن المشهور، أن لا قود في الضرب بالعصا، فالشلل ناشئ عما لا قود فيه، فإذا تعذر القود؛ وجبت الدية.
قلت: نفي القود في الضرب مقيد، بكونه لم يؤثر شيئًا، حسبما تقدم للشيخ عن أشهب، وشلل اليد شبيه بالموت، فإن فيها دية مسماة.
وتشترط المماثلة في العضو ومحله من الجسد فيها، لا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا العكس، وكذا العين ولا سن، إلا بمثلها في صفتها وموضعها الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، وإلا فالعقل.
قلت: وبمقتضاه قال ابن شاس: لا تقاد السبابة بالوسطى، ولا أصبع زائدة بمثلها عند اختلاف المنبت.
قلت: وكذا السن، وللشيخ عن محمد عن أصبغ: قال أشهب: إن قطع مقطوع الأنملة من أصبعه أنملتين من أصبع رجل مثلها، فعليه عقل الأنملتين، ولا قصاص له، وقال عنه غير أصبغ: يعقل له الأنملة العليا، ويقتص من الوسطى.
وفيها: إن ذهبت يمين من قطع يمين رجل، هل بقطع من الله، أو بقطع من سرقة أو قصاص؛ فلا شيء للمقطوعة يمينه، ولو فقأ أعين جماعة اليمنى، وقتا بعد وقت، ثم قاموا عليه؛ فلتفقأ عينه لجميعهم، وكذا اليد والرجل.
قلت: لابن الحارث: إن كان للقاطع وقت القطع يمين، ثم ذهبت بأمر من الله
الجزء: 10 - الصفحة: 43
فروى ابن سحنون: لا شيء للمقطوعة يده، وقال غيره من أصحاب مالك: تجب الدية، سحنون: قول مالك هو الصواب.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، ثم رجلًا آخر عمدًا؛ قتل ولا شيء عليه لهم، قال ابن عبد السلام: إذا تعمد القاضي قتله لواحد منهم، على مذهب من يرى لأولياء الدم الخيار في جبر القاتل على الدية، فقد منع الباقين من أخذ الدية، وفي تضمينه حينئذ ما منعهم منه نظر.
قلت: في قوله نظر؛ لأن النظر إنما يكون في الحكم المشكل، غير الواضح جريه على القواعد، ومن البين أن قاتل رجلين، لكل منهما ولي يخصه، لو أراد أحدهما جبر القاتل على الدية، وأراد الآخر قتله؛ أن القول قول من أراد قتله، ولا غرم عليه، ولا على القاتل للولي الذي أراد جبره على الدية.
ابن حارث: اتفقوا في جراح العمد في الجسد، أن القصاص فيها، على قدر الجرح في طوله وعمقه، فإن كانت موضحة في الرأس، فقال ابن القاسم: القود على قدر الموضحة.
وذكر ابن عبدوس عن أشهب، أنه على قدر جزئها من الرأس، أصبغ: وإليه رجع ابن القاسم، وقال سحنون: ما زعم أصبغ، أنه رجع إليه، هو قوله أولًا، ورجع إلى القود على قدر الموضحة.
وسمع القرينان في طبيب استقاد من أصبغ، قاس أصبع المقطوع، وقطع من القاطع قدر ذلك القياس؛ فنقص من المستقاد منه، أكثر مما قطع من المستقاد له، لقصر أصبع المستقاد منه عن أصابع المستقاد له، أخطأ وبيس ما صنع، والصنع في ذلك، أن يقيس الأنملة المقطوع بعضها، فإن كان المقطوع منها ثلثًا أو ربعًا؛ قطع من أنملة القاطع ثلثًا أو ربعًا.
ابن رشد: لا اختلاف في هذا، كما تقطع الأنملة بالأنملة، كانت أطول أو أقصر، وإنما اختلف في الجراح في الرأس، أو في عضو كالذراع أو العضد ونحوه، فذكر قولي ابن القاسم، وقول أشهب.
الجزء: 10 - الصفحة: 44
قال: وقال محمد: الأمر كما قال أشهب، وقال ابن القاسم قديمًا: أنه يقاد بقدر الجرح الأول، وإن استوعب رأس المستقاد منه؛ يريد: ولو لم يف بالقياس، فليس عليه غير ذلك، وكذا الجبهة والذراع؛ يريد: ما لم يصن عنه العضو، فلا يزاد من غيره.
والصحيح عنده قوله ابن القاسم القديم، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ لأن الألم في الجرح، إنما هو بقدر عظمه، وطوله وقصره لا بقدره من الرأس.
قلت: قال الباجي: وعلى قول ابن القاسم في اعتبار طول الشق، إن قصر رأس الجاني على قدر الشق، فليس عليه غير ذلك، لا يتعدى الرأس إلى الجبهة، ولا الذراع إلى العضد، ولا قود في الباقي ولا دية.
وقال عبد الملك: يؤخذ الباقي فيما جاوزه في الذراع، من أي ذراعيه شاء من نحو العضد، أو نحو الكف؛ لأن ذلك قد وضع فيه الحديد لا من الآخر، وفي الموازية والمجموعة لابن القاسم: ما زاد الطيب في القود خطأ فعلى عاقلته.
قلت: مفهومه إن زاد عمدًا فالقصاص، وهو واضح من إطلاق الروايات في النوادر، ومن الواضحة: إن تعمد الطبيب والخاتم والمعلم قتلًا أو قطعًا أو جرحًا بغير حق، ولا شبهة فعليه القود.
ابن عبد السلام: لا يمكن في الغالب؛ لأن زيادة الطبيب إنما هي بعد حصول الواجب، فإذا طلب القود منه في الزيادة، لم يوصل إليهما منه، إلا بعد تقدم جرح، يكون هذا الزائد متصلًا به، فيتعذر القصاص منه في ذلك، فإن برئت تلك الزيادة على غير عثم؛ وجب أدبه فقط، وإلا أدب مع الحكومة في ماله، وإن جاوزت الثلث.
قلت: هذا مثل ما قاله في الاجتماع على قطع يد رجل، ويعقبه القصاص من الثاني، وقد تقدم جوابه فتذكره.
وسمع أصبغ ابن القاسم: إن قص من اقتص من موضحة عن الحق، وعلم ذلك بالحضرة قبل البرء، ونبات اللحم؛ أتم ذلك، وإلا فلا تمام له، ولا عقل له؛ لأنه قد اجتهد.
أصبغ: لا يعجبني قوله جملة، وأرى إن نقص يسيرًا جدًا، فالقول مما قال، وإن كان
الجزء: 10 - الصفحة: 45
كثيرًا متفاحشًا أو متفاحشًا؛ فإن كان في حرارته ودمه، أتم القصاص، وإن برد وأخذه الدواء، لم يتمه؛ لأني أخاف أن يكون متلفًا أو عذابًا، ويكون الباقي عقلًا، ولا يبطل كمن يقتص فيما ترامى، وبين المقتص منه، وإن كان هذا المقتص لنفسه ممن ناله.
ابن رشد: قول أصبغ حسن؛ هو تفسير لقول ابن القاسم، فما قصر فيه على ثلاثة أقسام يسير جدًا كالعشر، ولا يتمم ولا يأخذ فيه شيئًا، ولو بالقرب قبل أن يبرد ويأخذه الدواء، كما قال أصبغ في اليسير جدًا، ويسر كالربع، وما دون الثلث، إن كان قبل أن يأخذه الدواء، وينبت اللحم؛ اقتص له تمام حقه، وإن أخذه الدواء؛ لم يقتص له تمام حقه، ولا شيء له فيه.
كما قال ابن القاسم، وإن كان كثيرًا كالثلث فما فوقه؛ اقتص له تمام حقه، إن كان قبل أن يبرد، ويأخذه الدواء، وإن كان بعد أن أخذ الجرح الدواء؛ عقل له تمام حقه كما قال أصبغ.
قلت: ظاهر قول أصبغ لا يعجبني قوله جملة، إن قوله عنده خلاف لا تفسير، وفي الموازية والمجموعة، قال أصحاب مالك عنه: المجمع عليه عندهم، أن ليس في العين القائمة التي ذهب بصرها إن فقئت، وفي اليد الشلاء تقطع، إلا الاجتهاد، وكذا الأصابع، إذا تم شللها ثم قطعت، وكذا ذكر الخصي، ولسان الأخرس.
قال مالك: وذكر الخصي هذا عسيب، قطعت حشفته.
وفي كتاب الجراحات منها: في شلل الأصابع ديتها كاملة، ثم إن قطعت بعد ذلك عمدًا أو خطأ؛ ففيها حكومة لا قود في عمده.
القاضي عن ابن القصار: في اليد الشلامء حكومة، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن داود أن فيها دية صحيحة، ولا تقطع الصحيحة بها، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن قوم: أنه يقاد من الصحيحة بالشلاء، وينبغي أن يكون هذا مذهب داود.
الشيخ في المجموعة لابن القاسم وأشهب: في أشل اليد أو الأصابع يقطعها صحيح، لا قود فيها إذ لا يقدر عليه بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي بالاجتهاد.
الجزء: 10 - الصفحة: 46
وروى ابن القاسم في مال الجااني: يريد وإن تم شللها؛ ففيها حكومة وفي دياتها، وإن قطع أشل اليد اليمنى يمين رجل؛ فله العقل ولا قود له.
الشيخ: قال يحيى بن يحيى: عن ابن القاسم: إن كان الجاني أشل اليد خير مقطوع اليد السليمة في القود منها أو العقل، وفي الموازية أنها له العقل.
ومثله في الأسدية، قال محمد: وقال مالك وابن القاسم وأشهب، وقاله ابن عبدوس، وقال أشهب في الكتابين: إن كان شللًا رأسًا أو كثيرًا؛ أذهب أكثر منافع يده، وأما الخفيف؛ فله أن يقتص.
وكذا عين فاقئ عين سليمة، إن كانت ناقصة النظر، وهو ينظر بها وبها بياض أم لا؛ له القود فإن ذهب أكثرها؛ فلا قود.
ولابن رشد في سماع القرينين: إن كانت جل منفعة عين الجاني أو يده باقيا؛ فالمجني عليه بالخيار في القود والعقل اتفاقًا، وإن ذهب كل منفعتها أو جلها؛ ففي تخيير مطلقًا، وإن بقيت فيها منفعة.
ولو قلت: ثالثها ما لم يذهب جل منفعتها لسماع يحيى ابن القاسم، وهذا السماع وأشهب في الموازية والمجموعة، وفي دياتها إن قطع أقطع الكف اليمنى يمين رجل صحيح من المرفق؛ فللمجني عليه العقل أو قطع الذراع الناقصة من المرفق، ومثله في الموازية.
وقال أشهب في الموازية والمجموعة: ليس له إلاى العقل، ونقل ابن الحاجب قولها في مسألة أقطع الكف إثر قوله، وقيل: يخير في قطع الشلاء، فيفهم عنه بعضهم بذلك مناقضته قولها في الشلاء، وقولها في أقطع الكف.
وفي تعليقه أبي عمران: الفرق بين من قطع يمين رجل، ويمينه شلاء؛ أنه ليس للمقطوعة يده إلا العقل، وبين من قطع يمين رجل، ويمينه مقطوعة الكف، أو الثلاثة الأصابع منها؛ أنه مخير في القود والعقل، أن اليد الشلاء كالميت، والميت لا يقتص منه، والذي قطعت أصابعه أو كفه بقيت تدعوه هو بعض حقه.
وقال ابن الحاجب: الذكر المقطوع الحشفة، كالأقطع الكف، وعين الأعمى
الجزء: 10 - الصفحة: 47
ولسان الأبكم، كاليد الشلاء على المشهور.
قلت: لما قدم قوليها في أقطع الكف، وفي اليد الشلاء شبه أقطع الحشفة بأقطع الكف، وشبه عين الأعمى، ولسان الأبكم باليد الشلاء؛ وهو تشبيه واضح جار على تفريق أبي عمران المتقدم.
وظاهر قول مالك في المجموعة: أن الجميع سواء، وقول ابن الحاجب: كاليد الشلاء على المشهور بحكومة، وإن كان اقتص لهما أو أخذ العقل مشكل؛ لأنه إن حمل على أنهما جني عليهما؛ لزم أن يكون فيهما قول بأن لا حكومة فيهما، إما الدية وإما لا شيء فيهما، وكلاهما غير موجود في المذهب.
وتقدم نقل إجماع أهل المذهب على أن فيهما الاجتهاد، وإن حمل على أنهما استحقا في جناية منهما منه على سليم، لزم أن يكون للمجني عليه به لا منهما حكومة، وهذا غير موجود في المذهب، وعلى هذا حمله ابن عبد السلام، وعبر عن الحكومة بالعقل، والعبار عن العقل بالحكومة خلاف الاصطلاح وتخليك، وهذا الموضع في ابن شاس على الصواب.
قال: الذكر المقطوع الحشفة، والحدقة العمياء، ولسان الأبكم كاليد الشلاء، مثل ما تقدم عن المجموعة، وظاهر قول ابن الحاجب، وإن كان اقتص لهما أنه أراد الجناية عليهما، وفي السرقة: منها من سرق، وقد ذهب من يمين يده أصبع؛ قطعت يمينه، كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة؛ أن تقطع يده.
ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من الجنايات: إن لم ينقطع من أصابع الجاني إلا أصبع واحد؛ فليس للمجني عليه إلا القود، ولا يغرمه عقل أصبعه الناقصة، لم يختلف فيه قول ابن القاسم، ويأتي على مذهب أشهب: أنه بالخيار في القود، أو عقل اليد كاملة وهو القياس، كان نقص الأصابع خلقة، أو بأمر سماوي، أو بجناية عمدًا أو خطأ.
قلت: لم يستوف الشيخ نقل أقوال هذه المسألة؛ بل قصر عن نقل ابن الحاجب حيث قال: ولا دية للأصبع على المشهور، وفي النوادر سمع يحيى ابن القاسم: إن كان
الجزء: 10 - الصفحة: 48
الجاني مقطوع أصبع؛ فإنما للمجني عليه القود بلا غرم على الجاني، ابن المواز، وقاله عنه مالك وابن القاسم مرة.
وقد قال مالك أيضًا: تقطع يد الجاني، ويغرم دية الأصبع الخامس، وقد قال ابن القاسم: إنه مخير في القود وأخذ عقل يده دون قود.
قلت: وذكر الشيخ قبل نقله هذا: قال ابن الماجشون: حد ما لا يترفع القود في اليد والرجل من النقص أصبع واحدة، ابن القاسم كانت الإبهام أو غيره.
وقال ابن الماجشون: حد ما لا يرفع القود إن كانت الإبهام، فلا قصاص؛ لأن الإبهام، كأنها أزيد من أصبع، قال ابن سحنون عنه: ما علمت من فرق بين الإبهام وغيرها غيره.
قلت: وتفرقته ضعيفة؛ لأن الإبهام إنما فيها أنملتان، فهي أقل من غيرها، فكيف تكون أزيد؟ ففي لزوم القود من ناقص أصبع واحدة دون غرم عقلها أو معه ثالثها؛ يخير في القود دونه، وأخذ كل العقل ورابعها، إن كانت الناقصة الإبهام تعين العقل للمشهور.
ورواية محمد ونقله عن ابن القاسم مرة، وقول ابن الماجشون: فإن نقصت يد الجاني أكثر من أصبع، ففي تخيير المجني عليه في العقل والقود، دون غرم لما نقص أو معه ثالثها؛ يتعين القود ورابعها؛ يتعين العقل لسماع يحيى ابن القاسم مع ابن رشد عنها، وسماعه عيسى مع الشيخ عن رواية محمد.
ونقل ابن الماجشون عن المغيرة: حد ما لا يرفع القود نقص الأصبع، وما زاد عليها قائلًا: قول مالك أحوط، وللصقلي عن أشهب، وابن الماجشون قائلًا: إلا أن يكون إنما نقصت بعد قطع كف الأولى؛ فتقطع له بما بقي، ويخير في القود من قاطع قاطعه، أو أخذ العقل.
ابن رشد: ولو قطع مقطوع أصبعين أصابع يد رجل الخمسة من تلك اليد؛ قطعت أصابعه، وغرم عقل الأصبعين، كما في سماع عيسى، ولا خلاف فيه، ولو كان نقص الأصبع من يد المجني عليه، ففي استحقاقه القود دون غرم عليه، وتعين العقل
الجزء: 10 - الصفحة: 49
نقل ابن رشد عن سماع يحيي ابن القاسم, مع قوله: وروايته فيها عن أشهب مع قوله استحسن إن نقصت يد المجني عليه أنملة أو نحوها, بجناية عمدًا أخطأ؛ أن له القود, وإن أصيبت كفه خطأ؛ قدر الأنملة من ديتها.
وقول ابن الحاجب: إن نقصت يد المجني عليه أصبعًا, فثلاثة لابن القاسم وأشهب والمغيرة ثالثها, إن كانت غير الإبهام وقبوله.
ابن عبد السلام: يرد بأن الثالث إنما هو لابن الماجشون لا للمغيرة, لنقل النوادر وابن شاس ما نصه: إن نقصت يد المجني عليه أصبعًا واحدة, فقال ابن مالك, وابن القاسم: يقتص كانت الإبهام أو غيرها, أخذ لها عقلًا أو قودًا, واختلف فيه قول أشهب.
قال محمد: الثابت من قوله وروايته: ليس له إلا القود, وقال ابن الماجشون: حد ما لا يرفع القود في اليد والرجل من النقض أصبع واحدة, وزاد المغيرة على ذلك, وقول مالك أحوط, قال: إلا أن تكون الإبهام فلا قود, قال سحنون في كتاب ابنه: ما علمت من فرق الإبهام وغيرها غيره.
قلت: فانظر حصر سحنون هذا القول لابن الماجشون.
ابن رشد: ولو كان نقص المجني عليه أصبعين فأكثر؛ فلا قود له على الجاني, إنما له عليه عقل أهي أصابعه, إلا أن لا يبقى له إلا أصبع واحد, فقيل: يكون له مع عقلها حكومة في الكف, وهو قولها.
وقال أشهب: لا حكومة في الكف ما بقي منها أنملة, يكون له عقل واستحسنه سحنون, وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيي, وسواء كان ما نقص من أصابعه خلقة, أو بأمر من السماء, أبجناية عمدًا أو خطأ, وما أصيبت يده الناقصة أصبعًا أو أقل أأكثر خطأ؛ فليس فيها إلا عقل ما بقي اتفاقًا.
قلت: هو نصها.
قلت: قال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن قطعت أصبع واحدة, فأخذ عقلها, ثم قطعت جميع الكف؛ فلا حكومة لما يقابل المقطوعة من الكف, ولو كان ذلك في
الجزء: 10 - الصفحة: 50
أصبعين, ففي كون ذلك كذلك, ولزوم حكومة لما يقابل الأصبعين المقطوعتين, قولا سحنون مع ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون.
وفي جراحاتها من قطعت إبهامه؛ فأخذ دية الأصبع, ثم قطع العقد الباقي من الإبهام في الكف؛ ففيه حكومة, وإن لم يكن في الكف أصبع, فعلى من قطعها أو بعضها حكومة.
ابن الحاجب: ولو قطع من المرفق؛ لم يجز من الكوع ولو رضيا.
قلت: هو في النوادر عن الواضحة معزو للأخوين وأصبغ, وقبله الشيخ وغيره, وفيه نظر من وجهين:
الأول: الدليل العام؛ وهو الإجماع على وجوب ارتكاب أخف ضرر بدفع ما هو أضر منه من نعه, وضرر القطع من الكوع أخف منه من المرفق ضرورة, وقد قال ابن رشد: إذا لزم أحد ضررين؛ وجب ارتكاب أخفهما قاله في أجوبته.
والثاني: دليل ما في سماع عبد الملك, قال: أخبرني من أثق به من أصحابي عن ابن وهب أو عن أشهب: فيمن ذهب بعض كفه بريشة خرجت في يده, يخاف على ما بقي من يده منها, فقيل له: اقطع يدك من المفصل, إن كان لا يخاف عليه الموت من قطعه فلا بأس.
ابن رشد: إن لم يخف, إذا لم يقطع يده من المفصل إلا على ما بقي من يده؛ لم يجز قطعها من المفصل إن خيف عليه منه الموت, وإن خشي إن لم يقطع يده من المفصل؛ أن يترامى أمر الريشة إلى موته منها, فله قطعها من المفصل, وإن كان مخوفًا, إن كان الخوف عليه من الريشة أكثر.
وقد أجاز مالك فيها لم أحرق العد سفينته, يخرج نفسه في البحر, وإن علم أن فيه هلاكه, ولا خلاف في أنه يجوز له أن يف من أمر يخاف منه الموت إلى أمر يرجو فيه النجاة وإن لم يأمن منه الموت.
وفيها: لو أصيبت يد رجل أو عينه خطأ, فضعفت فأخذ لها عقلًا, إلا أن يبطش ويعمل ويبصر بالعين, ثم أصابها رجل عمدًا؛ ففيها القود بخلاف الدية.
الجزء: 10 - الصفحة: 51
الشيخ في المجموعة للمغيرة: في عين الكبير تضعف ثم تصاب عمدًا؛ ففيها القود وما نقصها من جدري أكوكب أو رمية أو غيرها؛ لا قود فيها, ولو لم يأخذ لنقصها شيئًا.
قال عبد الملك: تأويله إن كان نقصًا فاحشا كثيرًا, ولابن رشد في رسم القطعان من سماع عيسى: قال بعض أهل النظر: تلخيص قول عيسى في العين الناقصة؛ تصاب إن نقصت بسماوي, ولو كثر, ففي إصابة باقيها عمدًا القود, وإن نقصت بجناية؛ فكذلك إن قل وإن كثر فالعقل.
ابن رشد: ليس هذا بصحيح, إن نقصت كثيرًا ولو بسماوي فالعقل, وفي النوارد ومن الموازية ونحوه في المجموعة, روى ابن القاسم وغيره: في عين الأعور تصاب عمدًا.
قال في المجموعة: إن أصابها صحيح؛ فالأعور مخير في القود, وأخذ ديته ألف دينار, محمد: هذا قول مالك, وكل أصحابه لم يختلفوا, وكذا ذكر سحنون في كتاب ابنه, ولأبي بكر الأبهري رواية شاذة: أن مالكاً اختلف قوله, فقال هذا وقال: ليس له إلا القود.
قال محمد: قال ابن القاسم وأشهب: كان الفاقئ صحيح العينين أو صحيح التي مثلها للأعور.
قال ابن الحاجب: لو فقأ صحيح العين عين الأعور, فقال مالك: إن شاء اقتص أو أخذ ديتها ألف دينار من ماله, ذكر ابن عبد السلام وابن هارون, على قول المؤلف كلام عياض وعياض ما ذكر إلا على مسألة المدونة, وهي عكس هذه المسألة وهي التي ذكرها المؤلف بعد هذه المسألة وهي التي ذكرها المؤلف بعد هذه معبرًا بقوله: (فلو فقأ الأعور من ذي عينين ... الخ) , والمسألتان مختلفتان, ولذا ذكر في الثانية أقوالًا لم يذكر بعضها في الأولى, والثانية هي مسألة الكتاب.
والأولى إنما هي من حيث نقلتها, ولا يتوهم أنها مراد البرادعي بقوله: وإن كان المفقوءة عينه أعور العين اليسرى؛ فله عينه اليمنى ألف دينار إذ لا قصاص له في
الجزء: 10 - الصفحة: 52
عين الجاني؛ ولأن دية عين الأعور عند مالك ألف دينا؛ لأنها في المدونة إنما صورها في فاقئ هو أعور العين التي فقأها من الأعور المفقوءة عينه.
وفيها لمالك أن فقأ الأعور عين الصحيح التي مثلها باقية للأعور؛ فله أن يقتص وإن أحب؛ فله دية عينه, ثم رجع فقال: إن أحب أن يقتص اقتص, وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار, وهذا أعجب إلي.
عياض: خرج بعضهم منها قولًا بالتخيير في أخذ دية الجرح عمدًا, وهو قول ابن عبد الحكم خلاف مشهور, قول مالك وأصحابه بوجوب القود, أو ما اصطلحا عليه, ويخرج منها جبر القاتل على الدية, مثل قول أشهب خلاف معرف روايته, وترجح بعضهم في هذا.
وقال أبو عمران: إنما قاله لعدم تساوي عين الأعور, وإحدى عيني الصحيح, فلم يمنعه القصاص إذ هي مثل عينه في الصورة؛ فإن عدل عن القصاص إلى الدية, لم يكن للأعور أن يأبى ذلك؛ لأنه دعي لصواب.
عياض: هذا غير بين, ويلزمه في الجبر على الدية, وخرج منها بعض شيوخنا؛ أن للولي إذا كثر القاتلون, أن يلزم كل واحد منهم دية كاملة عن نفسه قدر ديته, أو من أراد استحياءه منهم, ويقتل من شاء, قال: وكذا في قطع جماعة يد رجل.
عياض: وهذا لازم لأبي عمان على تعليله في زيادة المثلية؛ لأن جماعة أنفس زيادة على نفس على كل حال, وقيل لأبي عمان: لو تعدى رجل على الجاني في هذه المسألة, ففقأ عينه, فقال المفقوءة عينه للجاني على من جني عليه: أتلفت علي عينًا كنت أستحق بقاءها, أو ألف دينار عنها, فأغرم لي بالقيمة ما أتلف علي؛ لأن لي ديتها كالثمن المتواطأ عليه في سلعة استهلكت.
قال: وفي هذا نظر, وأشار إلى تنظيرها برهن في ألف دينار, قيمته مائة دينار استهلك؛ أنه لا يلزمه إلا قيمته دون ما رهن فيه, قيل له: الأعور كان مجبورًا على افتكاك عينه بالألف, وليس كذلك الرهن إذ ليس مجبورًا على افتكاكه, إذ له إسلامه وليس كذلك العين.
الجزء: 10 - الصفحة: 53
قال: أرأيت لو كان عديمًا ليس له مال يؤدي منه الألف فترجح فيها, وقال: انظر لو قال المجني عليه: كان لي أن أتبع الأعور فالألف عليه, ومسألة المدونة هي سماع عيسى ابن القاسم, قول مالك الصحيح, مخير في القود وأخذ دية عينه خمسمائة دينار, ثم رجع فقال: مخير في القود وأخذ دية عين الأعور ألف دينار.
ابن القاسم: فقوله الآخر أحب إلي وأحسن ما سمعت أنه ليس له إلا القود من عين الأعور إلا يصطلحا على أمر.
قال: فإن اصطلحا على الدية مبهمة, فإنما له عقل التي فقئت خمسمائة دينار, ثم رجع ابن القاسم إلى تخييره في فقء عين الأعور أو ديتها ألف دينار.
ابن رشد: قول مالك الأول على القول بأن للولي جبر القاتل على الدية, وهو قول أشهب, وأحد قولي مالك, والقول الأخير الذي قال ابن القاسم, أنه أحسن ما سمع قياس على أصل مذهبه: وروايته أن ليس للولي جبر القاتل.
وفيها: إن فقأ أعور العين اليمنى يمنى صحيح خطأ, فعلى عاقلته نصف الدية, وإن فقأها عمدًا؛ فعليه خمسمائة دينار في ماله, ولا تقاد يد أو عين أو سن إلا بمثلها.
وفي السماع المذكور, وقال قياسًا على قول مالك الأخير, الذي به أخذ إن فقأ من عيني الصحيح معًا في فور واحد؛ خير الصحيح في فقء عينه مع أخذ دية عينه الأخرى خمسمائة دينار, وترك عين الأعور, وأخذ عقلها ألفًا مع خمسمائة دينار عقل الأخرى, وإن فقأها في مجالس مختلفة, فإن بدأ بفقء عين التي هي باقية له؛ خير في فقء عينه أو أخذ عقلها ألف دينار, وإن بدأ بالتي هي ذاهبة منه, فإنما له عقلها خمسمائة دينار, وعليه في الأخرى القود, ولم يزد ابن شد فيها شيئًا.
وللشيخ: روى علي: إن فقأ أعور عيني صحيح عمدًا؛ فله فقء عين الأعور, وأخذ دية عينه خمسمائة دينار.
قال أشهب: هذا إن كان في فور واحد, وإن بدأ بالتي مثل عينه العوراء؛ فله فيها نصف الدية, وفي الأخرى القود, وإن بدا بمثل عينه الصحيحة؛ فله فيها القود, وفي الأخرى ألف دينار, محمد: وقاله مالك وأصحابه.
الجزء: 10 - الصفحة: 54
وفيها: من طرحت سنة عمدًا فردها فثبتت؛ فله القود فيها, والأذن كذلك, ولو رد السن في الخطأ فثبتت؛ كان له العقل.
وفي سماع أصبغ من الديات: من ضرب فذهب عقله, فأخذ العقل بعد السنة, ثم رجع إليه عقله؛ لم يرده وهو حكم مضى.
ابن رشد: مثله في الموازية فيمن ضربت عينه, فنزل فيها الماء وابيضت, فأخذ الدية, ثم برئت بعد ذلك؛ لا يرد شيئًا واختار, محمد: إن قضى به بعد الاستقصاء والأناة.
وقال ابن القاسم في المدونة: في بياض العين, ونزول فيها؛ يرد ما أخذ فيهما, فقيل: هو قوله في مسألة العقل ولا فرق, وقيل قوله في العقل كأشهب, الفرق أن العقل ذهب حقيقة ثم عاد والبصر يستره ساتر ذهابه حقيقة؛ فانكشف برجوعه خطأ الحاكم بالدية؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال, ثالثها يرد في البصر لا العقل, ولو عاد البصر أو العقل قبل الحكم, لم يقض له بشيء اتفاقًا, وحكم السمع حكم البصر, وسن الكبير يقضي له بعقلها, ثم يردها فتثبت فلا يرد عقلها اتفاقًا, أو لا ترجع على قوتها, هذا قول ابن القاسم.
وقول أشهب في الموازية وروايته في رسم الأقضية في الجنايات: والأذن كالسن إذا ردها بعد الكم فتثبت واستمسكت, وإنما اختلف فيها إن ردها فثبتتا واستمسكتا, أو فعادتا لهيئتهما قيل الحكم في القضاء بالعقل فيهما, ثالثها في السن لا الأذن لها, ولأشهب وسماع يحيي ابن القاسم في الجنايات, ولا خلاف بينهم في القود فيهما ولو عادا لهيئتهما,
فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتهما؛ فعادت أذن المقتص منه فذلك, وإن لم تعودا؛ فلا شيء له, وإن عادت سن المستقاد منه أو أذنه, ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه؛ غرم العقل, قاله أشهب في الموازية.
اللخمي: إن رد السن أو الأذن فثبتتا, أو نبت في مكان السن أخرى, ففي العمد لهما القود اتفاقًا, والخطأ في السن وشبهه مما فيه دية مسماة.
قال ابن القاسم في المدونة في السن: له ديتها.
الجزء: 10 - الصفحة: 55
محمد: ليس السن عنده كغيرها؛ لأنه يرى فيها ديتها, ولو نبتت قبل اخذ عقلها وإن خطأ, وقال أشهب: لا شيء له كالجراح, وكذا لو ردها فنبتت فلا شيء له إلا أن يكون أخذ لذلك عقلًا فلا يرده.
واتفقوا في الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة في الخطأ أن فيها ديتها, ولو عادت لهيئتها وفرق بين العمد والخطأ, أن المعتبر في قصاص الجرح ما هو عليه يوم الجرح, وقيسه يومئذ, وفي الخطأ إنما يعتبر ما يكون بعد الربء إن برء على غير شين لم يكن فيه شيء, ولا خلاف في هذين القسمين, وإذا كان له وجب القصاص في الأذن والسن وإن عادتا؛ لأنه الحكم يوم وقع الجرح, ويختلف في إشراف الأذنين, إذا ردهما في قطع الخطأ؛ فعلى أن فيهما حكومة لا شيء لهذا, وعلى أن فيهما الدية, تكون له الدية كالسن.
وذكر عن محمد: إذا عادت سن الجاني وأذنه, ولم يعودا من المجني عليه مثل ما ذكر ابن رشد, قال: ولا يقتص منه ثانية؛ لأن حق الأول في الألم قد أخذه, والقياس أن يقطعه ثانية؛ لأن الألم تبع, والعمد وجود الشين, والمثلة بذهاب ذلك منه كالأول, ومن حق الأول أن يمنعه من إعادة ذلك ليكون في الناس ناقصًا كالأول.
وقال مالك: من كسر أنف رجل خطأ, إن برئ على غير شين غلا شيء فيه, وإن برئ على عثل؛ ففيه الاجتهاد, وفي العمد القود برئ المجني عليه على عثل, والجاني على غير عثل أو عثل أقل منه؛ فللأول بقدر ما زاد شينه.
قال في الموطأ: ولو مات الثاني؛ لم يكن على المجني عليه شيء.
إلا حق بالدم: حصله ابن رشد؛ بأنه بنوة ذو تعصب بنوة أقربه به يحجب أبعده ثم ذو الأبوة أقربه يحجب أبعده, وولد الأقرب, وهم للأخوة في الأب دينه, والأعمام في غيره يحجب البعد من أبيه كالأحقية, في ولاية النكاح والجنائز والولاء عند ابن القاسم, إلا أنه جعل الجد كالأخوة.
قلت: قال اللخمي عن محمد عن أشهب: الأخوة أحق من الجد, كالولاء ووافقه ابن القاسم في الولاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 56
قلت: في النوادر عن محمد, قال ابن القاسم في بعض مجالسه: الأخ أولى من الجد, محمد: وأظنه غلطًا ممن أخبرني به, وهذا قول أشهب.
قلت: عزاه ابن حارث لسحنون فقط.
الشيخ في المجموعة عن أشهب, ابن القاسم: لا شيء للأخ في الدم.
اللخمي في لغو الترجيح بالشركة في الأم بين الإخوة, قولان لابن القاسم وأشهب.
قلت: متقدم قول ابن رشد قول ابن القاسم في استحقاق الدم, كالولاء إلا في الإخوة مع الجد, يقتضي أن الشقيق مقدم على الأخ للأب كالولاء.
اللخمي: إن لم يكن ذو نسب؛ فالمولى الأعلى والأسفل لغو.
والنساء فيهن طرق: الباجي: قال القاضي في أن لهن في الدم مدخلًا روايتان, وعلى الأولى في كونه في القود, إلا العفو أو العكس روايتان.
اللخمي: معروف قول مالك أن لهن حقا في الدم.
وروى ابن القصار: لا شيء لمن فيه.
ابن رشد: لا حق فيه لمن لا إرث له منهن, كالعمات وبنات الإخوة, ولمن يرث منهن كالبنات والأخوات والأمهات؛ منه حق فيه.
اللخمي: اختلف في الأم, فقال مالك وابن القاسم: لها فيه حق, أشهب: لا حق لها فيه ولا مع السلطان, وفي المقدمات: إن كان الأولياء بنات وأخوة أو أخوات وعصبة, ففي كون الأحق بالقود من قام به, ولا عفو إلا باجتماعهم, ولو ثبت الدم بقسامة, أو إن ثبت ببينة, فالنساء أحق بالقود والعفو لقربهن, وإن ثبت بقسامة؛ فالأول لابن القاسم فيهما, وسماعه عيسى ورواية الأخوين.
قلت: يريد باجتماعهم اجتماع بعض الصنفين لقولهما: إن عفا بعض البنات وبعض العصبة, أو بعض الأخوات وبعض العصبة؛ فلا سبيل للقتل, ويقضى لمن بقي بالدية.
ابن رشد: وإن كان مع البنات والأخوات عصبة, وثبت ببينة فالعصبة لغو, وإن ثبت بقسامة؛ ففي كون من قام بالقود من امرأة أو رجل أحق, وسقوط النساء قولان
الجزء: 10 - الصفحة: 57
لابن القاسم فيها وسماعه عيسى.
قلت: في النوادر اختلف في البنات مع الإخوة, قال أشهب: عفو أحد الإخوة يجوز على البنات, وباقي الإخوة وجعلهم كالبنين, ولم يجعل هذا لأحد من العصبة إلا بالاجتماع.
وقول محمد: قول ابن القاسم أحب إلي, لا عفو إلا باجتماع الإخوة والبنات, ورواه ابن وهب وغيرهما, وفي الجلاب في أم أو بنت أو أخت مع عصبة في كون الحق لهم لا للنساء, أو لمن طلب القتل ثالث الروايات القول قول من عفا.
الشيخ عن محمد: إذا استووا كالبنين والبنات, والإخوة مع الأخوات؛ فلا قول للإناث مع الذكور.
اللخمي: اتفق ابن القاسم وأشهب على تقديم الأم على الأخوات, واختلف في الأم مع البنات, فقيل: هن أحق بالقتل والعفو.
وروى ابن القاسم: لا تسقط الأم إلا مع الأب, والولد الذكر فقط؛ فعليه لا يصح عفو إلا باجتماعهما معهن, والأول أحسن؛ لأن البنوة مقدمة على الأبوة.
وفي استقلال الأب بالقتل, والعفو من البنات, ووقفة على موافقتهن: نقلا الشيخ عن محمد عن أشهب وابن القاسم, ولابن سحنون عنه: البنات أولى من عفو الأب.
وفيها: إن كان الأخوات شقائق, والإخوة لأب؛ فلا عفو إلا باجتماعهم؛ لأن الإخوة للأب معهن عصبة.
الشيخ عن الموازية: البنات أقرب من الأم, لا عفو لها دونهن, ولهن العفو دونها, وفي المجموعة روى ابن وهب في أم وأخ وابن عم: لا عفو للأم دونهما, وفي الموازية لابن القاسم: عفو الأم مع العصبة جائز على الأخوات.
قال في المجموعة: إن عفا العصبة والأخوات, فللأم القتل وفي الموازية: إن اختلفت الأم والعصبة بطل العفو, فإن عفا البنات والعصبة؛ جاز على الأم, وإن عفت مع العصبة؛ لم تجز علي البنات, والأم عند أشهب أضعف ممن سميت.
وقال أيضًا: في ولد الملاعنة؛ لا عفو لبناته, ولا للموالي دون أمه, ولا عفو إلا
الجزء: 10 - الصفحة: 58
باجتماعهم.
وفيها: إن غاب أحد الوليين, والقتل بغير قسامة؛ فإنما للحاضر العفو, فيكون للغائب حظه من الدية, ولا قتل له حتى يحضر الغائب, ويسجن القاتل يقدم الغائب, ويكتب إليه, ولا يكفل القاتل, إذ لا كفالة في الحدود والقصاص.
الصقلي: إلا البعيد الغيبة, فلمن حضر القتل, قال سحنون: فيمن بعد جدًا أو أيس منه, كالأسير بأرض الحرب وشبهه, ومن غاب من إفريقية إلى العراق؛ فليس كالأول.
قلت: في النوادر عن المجموعة, قال ابن القاسم: ينتظر الغائب إلا أن يكون بعيد الغيبة, فلمن حضر القتل, قال سحنون ... إلخ, فحذف الصقلي قول ابن القاسم قصور.
وفي تعليقة أبي عمران: سألت الشيخ عن قولها, في الغائب ينتظر أرأيت إن كان بعيد الغيبة؟ قال: ظاهر الكتاب ينتظر, وفرق سحنون بين القريب والبعيد.
وسمع يحيي ابن القاسم: إن غاب بعض الأولياء الذين وجبت عليهم القسامة ممن يجوز عفوه على من حضر, ولو نكل زدت القسامة على المدعى عليه, انتظر أبدًا حتى يقدم, ولا قتل دون ذلك, ولو أقسم من حضر ممن هو في منزلته؛ وإنما يؤمر من حضر أن يقسم؛ لأنه إن نكل سقطت القسامة مطلقًا, وردت الأيمان على المدعى عليه وإن حلف الحضور, فذلك أم احتيط فيه, خوف أن يقدم الغائب ليقسم, فيوجد هؤلاء قد ماتوا, ولا يوجد من يقسم معه فيبطل الدم.
ابن رشد: قوله: ينتظر أبدًا, ظاهره ولو بعدت غيبته, وهو ظاهر المدونة, وهو القياس, ثم ذك قول سحنون, ولم يذكر قول ابن القاسم في المجموعة, وقوله وهو ظاهر المدونة كذلك.
قال أبو عمران, قال ابن عبد السلام: ظاهر قول المؤلف أن الغائب إذا أيس منه سقط حقه, والذي تدل عليه أصول المذهب: أن القاضي يقيم له وكيلًا ينظر له بالأصلح.
الجزء: 10 - الصفحة: 59
قلت: إضافته سقوط حق الغائب للمؤلف يوهم انفراده, ومخالفته ما زعم من مقتضى المذهب, وليس كذلك, فإن قول ابن القاسم في المجموعة كالنص على سقوط اعتباره, وهو قوله: فلمن حضر القتل, ومثله لفظ الصقلي.
قال ابن الحاجب: يحبس كما لو شهد واحد في العمد حتى تزكى, ولا يكفل بخلاف قتل الخطأ وجراحه؛ فإنه مال على العاقلة أو عليه.
قلت: ظاهر قوله بخلاف قتل الخطأ ... إلخ؛ أنه لا يحبس في الخطأ, وقوله في تعليله, أو عليه؛ يريد: أو عليه غير حال, والمنصوص في الشاهد الواحد بقتل العمد, حبس الغريم مقيدًا بالحديد, وقتل الخطأ لا حبس فيه ولا تعزير.
قال المتيطي: عن ابن أبي زمنين: إن احتيج إلى الشهادة على عين القاتل؛ حبس حتى يشهد عليه, وقاله سحنون.
وفيها: إن شهد واحد على دم عمد أو خطأ؛ كانت القاسمة, ولا يحبس المشهود عليه في الخطأ؛ لأن الدية على العاقلة, ويحبس في العمد حتى يزكى الشاهد.
وسمع ابن القاسم: من حبس في قتل خطأ, فمات قبل أن يقسموا؛ لم يبطل, يقسمون ويأخذون الدية, وقيل: لا يحبس أحد في الخطأ.
ابن رشد: ليس هذا باختلاف, إن كان مشهورًا لم يحبس للشهادة على عينه, قاله سحنون وهو صحيح, ولا يبرئه إلا جميل مليء بالدية بوجهه, ولو كان في الأولياء صغير لا ولي له, ففي استقلالهم بالقتل دونه, ثالثها: إن لم يقترب بلوغه لها, ولابن عبدوس عن سحنون عبد الملك وسحنون.
وفيها: إن كان أحد الوليين مجنونا أو مطبقً؛ فللأخر أن يقتل, وهذا يدل على أن الصغير لا ينتظر, وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم, انتظرت إفاقته؛ لأن هذا مرض.
ابن رشد: القياس قول من قال: ينتظر الصغير, وأفتى فيمن له بنون صغار, وعصبة كبار بانتظار الصغار قائلا: إذ هم أحق بالقيام بالدم, فسئل عن فتواه بخلاف الرواية المأثورة في ذلك فقال: خفي على السائل معنى ذلك, وظن أنه لا يسوغ للمفتي
الجزء: 10 - الصفحة: 60
العدول عن الرواية, وليس كذلك بل لا يسوغ للمفتي تقليد الرواية, إلا بعد معرفته بصحتها لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم, وهذه الرواية مخالفة للأصول, واستدل على مخالفتها, بما حاصله وجوب اعتبار حق الصغير, وتأخيره لبلوغه, كحق له بشاهد واحد وبأن له جبر القاتل على الدية, على قول أشهب, وأحد قولي ابن القاسم, ورواية الأخوين.
قلت: لا يخفي ضعف هذا, ولا يغتر في زمننا؛ إنما ساغ ذلك لمثل ابن رشد لعلو طبقت, وقال بعض من عاصره: ليس العمل اليوم على هذا, إذ هو خلاف قول ابن القاسم, وفي طرة بعض نوازله ما نصه: ليس العمل اليوم على هذا, إذ هو خلاف مذهب ابن القاسم, وقال ابن الحاج: إنه بذلك من غير رواية ولا حجة.
فإن قلت: ما هي الرواية المأثورة في ذلك؟.
قلت: في الموازية والمجموعة, روى ابن وهب وأشهب: في قتيل له بنون صغار وعصبة؛ فللعصبة القتل, ولا ينتظر بلوغ الصغار, قال عنه ابن وهب: ولهم العفو على الدية فتكون بينهم, قال عنه أشهب: وينظر للصغار وليهم في القود, العفو على مال وله أن يقسم إن وجد معه من العصبة من يقسم معه, إن لم يكن في قربة, ثم يكون لهذا الذي هو أولى بالصبي, القتل أو العفو على الدية, وإن كان وليه صبيًا أجنبيًا لم يحلف في القسامة إلا العصبة, ثم للوصي النظر في القود أو العفو؛ يريد على مال.
قال: إن ثبت الدم ببينة والولد صغير؛ فللعصبة القتل, والعفو على الدية كاملة, وأحب إلي أن لا يعفوا, وإن أخذوا الدية, ويحبس القاتل حتى يكبر الصغير, وإن كان بالقسامة؛ فكذلك بعد أن يقسموا, فإن نكلوا حبس القاتل حتى يبلغ الصبي, فيقسمون, ثم يقتلون أو يأخذون الدية, وأحب إلي أن أقسموا أن لا يعفوا على الدية, إلا بإذن السلطان, وقاله ابن دينار كنانة وابن أبي حازم.
وروى المحمدان: إن كان الابن صغيرًا؛ فالأب يقتل أو يعفوا على الدية, فإن لم يكن إلا الجد؛ فذلك إليه ولا شيء للجد للأم.
الجزء: 10 - الصفحة: 61
قال أشهب في المجموعة: إن كان له بنون صغار وكبار؛ فأقسم الكبار فلا يقتلوا إلا برضى الوصي, فإن عفا الوصي على الدية جاز, ودخل فيها الكبار, قال بان المواز: إن كانوا في درجة واحدة, وطلبوا القتل نظر معهم أولياؤهم الصغار, ومن عفا منهم على الدية دخل فيها الباقون, وأما العصبة عند أشهب.
يريد: غير الإخوة فمن قام بالدم منهم, فهو أولى من كبير أو ولي صغير, ولا عفو إلا بجميعهم, ولا يعفوا أولياء الأصاغر مع الأكابر, إلا بنصيبهم من الدية, وإلا فلهم العقل.
وفي المجموعة: روى على الوصي أولى بالنظر في القتل, والعفو من الأولياء, وقاله أشهب, هذا كله نقل النوادر, وأطلق اللخمي القول عن اعتبار الوصي فقال: للكبير مع الصغير القتل, والعفو من الأولياء, ولا يؤخر القتل لبلوغ الصبي, ولو كان القتل بقسامة منه, وممن استعان به معه وإن لم يجد من يعينه حلف نصف الخمسين, وسجن الجاني لبلوغ الصغير إن حلف بعد بلوغ استحق القتل والعفو.
قلت: تحصيلها إن كان مع الصغير كبير في طبقته, والقتل ببينة أو قسامة ثبتت, ففي استقلال الكبير بالقتل عن وصي الصغير, ووقفه على نظره معه قولان لظاهرها مع نقل الشيخ نص رواية ابن المواز وابن عبدوس.
ونقله عن أشهب مع محمد وهما بناء على عدم جبر القاتل على الدية وجبره, وإن كان مع من هو بعده كالعصبة مع الابن, ففي استقلالهم عن وصبة ووقفهم عليه, ثالثها: إن كان القتل ببينة استحب عدم عفوهم قفة لبلوغ الصبي, وإن كان بقسامة استحب وقف عفوهم على إذن السلطان, ورابعها الوصي أوى بالقتل والعفو من الأولياء, لرواية ابن وهب مع أشهب وقوله مع محمد, واختيار ابن حبيب ورواية علي.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن لم يترك القتيل إلا ولدًا صغيرًا, ولا ولي له إلا السلطان أقام له وليًا يكون كالوصي, والولي ينظر له بالقتل أو العفو على الدية لا على أقل منها إن كان مليًا بها, وإن عجز عنها جاز ما يرى على وجه النظر, فإن صالح
الجزء: 10 - الصفحة: 62
بأقل منها والقاتل مليء لم يجز ورجع على القاتل, ولا يرجع القاتل على الولي بشيء.
ابن رشد: أجاز أشهب صلحه بأقل من الدية على وجه النظر, ما لم يكن يسيرًا جدًا تتبين فيه المحاباة, وقوله أصح على المعلوم من قول ابن القاسم, بعد جبر القاتل على الدية, وقول ابن القاسم أصح على قول أشهب في جبر القاتل على الدية.
قلت: بقه سحنون بهذا, قال في المجموعة: نقض أشهب أصله في هذا؛ لأنه يرى للولي الجبر على الدية.
وفيها: من وجب لابنه الصغير دم عمد أو خطأ, لم يجز له العفو إلا على الدية لا أقل منها, وإن عفا في الخطأ وتحمل الدية في ماله؛ جاز إن كان مليًا يعرف ملاؤه, وإلا لم يجز عفوه, وكذا العصبة وإن لم يكونوا أولياء, وإن جرح الصبي عمدًا وله وصي فللوصي أن يقتص له, وإن قتل فولاته أحق من الوصي.
الشيخ في المجموعة والموازية لابن القاسم: لو بذل الجارح دية اجرح, فأبى الوصي إلا القود, فإن كان من النظر؛ أخذ المال أكرهه السلطان على ذلك, قال ابن عبد السلام عن بعضهم: للمحجور العف عن قاتله عمدًا وفي الخطأ, كإيصائه به, قال: وأما الجرح والشتم وما نيل من بدنه أو عرضه؛ فأجاز ابن القاسم في الواضحة عفوه كان الجرح عمدًا أو خطأ, وإن كان غير بالغ, ومنعه مطرف, وابن الماجشون وأصبغ.
قلت: الذي رأيت في النوادر, قال عبد الملك: المولى عليه لا يجوز عفوه عن الدم وقياسه على إيصائه وهم؛ لأنه بعد موته قال: وفي المجموعة والموازية: ليس للمرأة المولى عليها عفو عن جراحها عمدًا أو خطأ.
وفيها: إن قتل للصغير عبد عمدًا, فأحب إلي أن يختار أبوه أوصية أخذ المال, إذ لا نفع له في القود, ومن قطع يد رجل, وفقأ عين آخر, وقتل آخر؛ فالقتل يأتي على ذلك كله, رواه ابن القاسم, وابن وهب في المجموعة.
قال اللخمي: القياس أن يقتص لذي اليد, وتبقى النفس لأولياء القتيل, قال أشهب: إن عفا عن دمه أقيد من جراحاته, قال ابن القاسم: وإن قطع أصابع يد رجل, ويد آخر من الكوع, ويد آخر من المرفق؛ قطع لهم من المرفق.
الجزء: 10 - الصفحة: 63
قلت: لابن رشد في سماع أصبغ: من قطع أصابع رجل, ثم كفها قطعت أصابعه ثم كفها؛ فأحرى في رجلين.
وسمع ابن القاسم: لو قطع رجلًا من الكوع, وآخر من المرفق, فقطع للأول فليس للثاني, إلا قطع ما بقي, أصبغ: أحب إلي عدم قطعه إلا أن يأبى الجاني العقل.
ابن رشد: لو قيل: الخيار للمقطوع كان أحسن, وما استحبه خلاف قوله فيمن قطع أصابع رجل ثم كفها.
وفيها: لا يمكن ذو القد في الجراح من القصاص؛ يل يقتص له من يعرف القصاص.
الشيخ: روى محمد وابن عبدوس: أحب إلى أن يولي الإمام على الجراح عدلين بصيرين بذلك في المجمعة, وإن كان أحدهما أفضل من الآخر, فإن لم يجد إلا واحدًا أجزأه, قيل لمالك في الموازية: أيجعل الموسي بيد المجروح, ثم يشد الطبيب على يده حتى تبلغ ذلك قال: لا أعرفه, وسمع ابن القاسم: أجر القصاص على المقتص له.
ابن رشد.
قيل على المقتص منه وهو بعيد.
قلت: كذا نقله ابن شعبان وعزاه المتيطي لابن عبد الحكم.
وفيها: وأما في القتل فيدفع للولي يقتله, وينهى عن العبث, وفي الموازية مثله, وقال أشهب: فيها وفي المجموعة: لا يمكن من القتل بيده خوف أن يتعدى.
قلت: وتقدم ذكر الجناية على القاتل قبل قتله.
وفيها: مع سماع ابن القاسم: على الجاني مع القود العقوبة.
ابن رشد: الأظهر قول من قال: لا يعاقب؛ لأن حبسه إلى براء الجرح زجر, وما لا قود فيه, كالمنقلة يعاقب مع الغرم, سمعه ابن القاسم في رسم مساجد القبائل من كتاب الحدود.
وسمع القرينان: تقام الحدود في الحرم, ويقتل بقتل النفس في الحرم.
ابن رشد: سمع ابن القاسم: ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار.
وقال في سماع أبي زيد: روى ابن عباس: من أصاب الحد في الحرم؛ أقيم عليه
الجزء: 10 - الصفحة: 64
وإن أصابه في غيره, ثم لجأ إليه لم يكلم ولم يجالس لم يؤو, حتى يخرج منه؛ فيقام عليه الحد, وقيل: إذا لجأ إليه أخرج منه فأقيم عليه.
قلت: ما عزاه لفقهاء الأمصار, خلاف نقل ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما, قال ابن القصار: قال أبو حنيفة: إن قتل في الحرم قتل فيه, وإن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم, لم يقتل ولم يخرج منه, ولكن يهج ولا يبايع ولا يؤوى, حتى يضطر للخروج فيقتل ووافقنا في الطرف, ويؤخر العقل والقود سنة.
وفيها: يؤخر بالمقطوع الحشفة, حتى يبرأ, إلا أن مالكًا قال: ولا يقاد من جرح اعمد, ولا يعقل في الخطأ إلا بعد البرء, وإن طلب المقطوع الحشفة حتى يبرأ, إلا أن مالكًا قال: لا يقاد من جرح العمد تعجيل فرض في الدية, إذ لابد منها, ولو عاش لم يكن له ذلك لعل أنثييه, أو غيرهما تذهب من ذلك, وكذا في الموضحة والمأمومة, وتؤخر العين سنة, فإن مضت ولم تبرأ انتظر برؤها ولا يكون قود ولا دية, إلا بعد البرء, وإن ضربت فسال دمعها, انتظر بها سنة, فإن لم يرقأ دمعها ففيها حكومة, ومثله في الموطأ.
الباجي: لأنه قد يؤول إلى النفس فيعود القد ثانيا, وهو خروج عن المماثلة.
قلت: عزا هذا التعليل الصقلي لأشهب, وفي سماع أصبغ قال أشهب: يستأنى بذهاب العقل سنة.
ابن رشد: الوجه في ذلك أن تمر عليه الفصول الأربع, ولا خلاف في انتظاره سنة, إنما اختلف في الجراح, قيل: ينتظر بها سنة ولو برئت قبلها, فإن مضت ولم تبرأ انتظر برؤها بعدها, هذا مذهب المدونة.
وقال ابن حبيب: إن برئت قبل السنة, لم ينتظر تمامها إلا أن تبرأ على عثل, فإن برأت عليه انتظر تمامها, ولا ينتظر بها بعد السنة, ويحكم بالقود عند تمامها, فإن ترامى الجرح لذهاب عضو, نظر فيه, كما لو حكم بالقود بعد البرء, ولم ذكر الباجي رواية ابن القاسم كابن وهب, قال: وقال أشهب: إن مضت السنة والجرح بحاله عقل مكانه, المغيرة: لم أسمع فيه توقيتًا.
الجزء: 10 - الصفحة: 65
قلت: زاد أشهب في الموازية, فإن ترامى إلى أكثر طولب به, والظالم أحق أن يحمل عليه.
عياض: اختلف في الاستيناء لتمام السنة إذا ظهر البرء قبلها, فقال ابن شاس: ينتظر تمامها وظاهر كلام غيره خلافه, وهو ظاهر الأصول لا معنى بعد البرء لرعي الفصول.
وفي الموازية: إن استقر مقر العين عقل ما ذهب منها, وإن كان قبل السنة وكل جرح تحمله العاقلة كالمأمومة والجائفة والمواضح تبلغ الثلث, ففي تعجيل عقلها وتأخيره لتمام السنة, نقل الشيخ عن محمد قولي ابن القاسم وأشهب, قائلا في قطع الحشفة: لولا ماضي من فعل السلف في التأخير لم يؤخر, ولعل الحشفة تنبت, وقد قيل لمالك: إن اللسان ينبت.
عبد الحق: العين الدامعة لا ينتظر بها بعد السنة بخلاف المخسفة؛ لأن انخسافها جرح لابد من برئه, والعين الدامعة تبقى على حالتها تدمع أبدًا, هذا موجود في الناس.
وقال عياض: قوله في قطع اللسان ينتظر ما يصيره إليه.
قلت: في الدية والقود قال في الدية: ظاهرة تعجيل القود كسائر الأعضاء, ولا ينتظر نباته كما يقاد في الأعضاء, فإن نبت لحمها, فقال بعض شيوخنا: يجب على قوله في سن الصبي وثدى الصغيرة, إذا ثبت أن لا قود فيه أن ينتظر نباته, وفرق عياض بما حاصله عندي أن عود ذلك في الصغير أقرب من عد اللسان, وما حمل عليه المدونة من التعجيل في قود اللسان خلاف ما تقدم, من وجوب الاستيناء في العمد والخطأ.
ونحو قو عياض: نقل النوادر عن أشهب: إن قلعت سن الصبي وقد أثغر نبتت أسنانه؛ عجل العقل في الخطأ, والقد في العمد وقولها: إن قطع ثديا الصغيرة, فإن استوقن بطلانها, لا يعودان أبدًا؛ ففيهما الدية, وإن شك في ذلك؛ وضعت الدية واستونى بهما.
اللخمي: الجراح في تعجيل الحكم قبل البرء أقسام؛ ما دون الثلث, ويخشى تناميه؛ يؤخر وإن لم يخش كالموضحة في تأخيره للبرء وتعجيله, هي تدمى, قولا ابن
الجزء: 10 - الصفحة: 66
القاسم وابن عبد الحكم قائلا: إلا أن يخاف أن يكون فيه ثلث الدية, وإن بلغت ديته الثلث كالمأمومة والجائفة؛ ففي تعجيل الدية وتأخيرها قولان, والتعجيل أحسن, وتقدم حكم جرح الخطأ, يعود لهيئته وما يترامى إليه الجرح في أثناء ما لا قود فيه, وفي جراحاتها إن برئ خرم الأنف أو كسره, خطأ على غير عثم؛ فلا شيء فيه, إن برئ على عثم ففيه الاجتهاد.
سحنون: لا اجتهاد فيه؛ لأن الأنف جاء فيه فرض مسمى, وإن برئ على عثم فيه بحساب ما نقص من ديته.
اللخمي: مارن الأنف مالان منه دون عظمه في قصر ديته عى مارنه, أو في قطع جميع أصله, روايتان لها وللمبسوط, وهذه أشبه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أوعب جدعًا)) فإن فرزه, ثم عاد ففيه حكومة, وإن لم يعد أو صار فيه ثقب فبحسابه.
الشيخ: رواية الدية في استئصال العظم شاذة, قال: وفي الموازية؛ إن خرم عظمه دون مارنه ففيه حكومة, إن برئ على شين, وإن خرم ما دون أعظم؛ ففيه بحساب ما ذهب من مانه, وما برئ على غير شين؛ فلا شيء فيه في الخطأ, وفيه في العمد القود.
وقال عبد الحق إثر قول سحنون: إن خرم العظم وسلم المارن؛ ففيه الاجتهاد, وإن خرم ما دون العظم؛ ففيه بحساب ما نقص من المارن, وكذا في الموازية, وإليه يرجع قول ابن القاسم وسحنون.
وفيها: من شرق في شدة البرد فخيف موته من قطعه أخره الإمام, ابن القاسم: والحر إن علم خوفه كالبرد.
الشيخ: روى أشهب في الموازية: وأما في شدة الحر فليقطع إذ ليس بمتلف, وإن كان فيه بعض الخوف, ورواه ابن القاسم بلاغًا, وقال: يؤخر إن خيف ما يخاف ما يخاف في شدة البرد, قال: والمرض المخوف لا يقطع فيه, ولا يجلد لحد ولا نكال.
الجزء: 10 - الصفحة: 67
اللخمي: إذا وجب الحد على ضعيف الجسم يخاف عليه الموت؛ سقط الحد ويعاقب, ويسجن, وإن كان القطع عن قصاص رجع للدية.
وفي كونها على العاقلة أو في مال الجاني خلاف, وحد في القذف والزنا والشرب, يفرق عليه بقدر طاقته حتى يكمل.
قلت: لابن رشد عن سحمون: بيس من خاف على نفسه من الختان تركه, ألا ترى أن من وجب قطع يده لا يترك لذلك, قاله في ترجمة ما جاء من اختتان إبراهيم عليه الصلاة والسلام, من رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من أوائل الجامع, وفي سرقتها من اجتمع عليه حد لله حد للعباد برئ بحق الله, إذ لا عفو فيه ويجمع ذلك إلا أن يخاف عليه الموت, فيفرق ولو سرق وقطع شمال رجل؛ قطعت يمينه وشماله للقود, ويجمع ذلك عليه الإمام, أو يفرقه بقدر ما يخاف عليه.
اللخمي: إن خيف عليه في إقامة ما هو لله دون ما للآدمي؛ أقيم عليه ما للآدمي وإن كان الحقان للآدمي بقذف وقطع اقترعًا أيهما يبدأ, من غير مراعاة للآخر, وإن حمل أحدهما دون الآخر؛ أقيم أدناهما دون قرعة.
الصقلي عن محمد: إن رأى الإمام قطع المحارب في رد شديد, فلا يؤخر بخلاف قطع السرقة؛ لأن الإمام لو قتل هذا المحارب جاز له.
ابن عبد السلام: ليس هذا ببين؛ لأن قطع المحارب, إنما هو بالاجتهاد لا التشهي فمن استحق القطع, لا ينبغي أن يزداد عليه للقتل, هكذا ينبغي.
قلت: القطع على قسمين قطع مع قيد السلامة من خوف موته, وقطع مع احتماله والمحارب معروض للثاني لعدم عصمة دمه مطلقًا؛ لأنه لو قتله غير الإمام لم يقتل به فإذا رأى الإمام قطعه مع احتمال موته جاز, والرواية إنما وقعت فيمن رأى الإمام قطعه في برد شديد, أما لو رآخ في غير الربد ثم تأخر لا ينبغي أن يستأنف الإمام النظر فيه.
وفي الموازنة: تؤخر الحامل في قتل النفس, لوضع الحمل عند ظهور مخايله لا بمجرد دعواها.
الجزء: 10 - الصفحة: 68
قال محمد: وفي القصاص الشيخ: يريد في الجراح المخوفة, ولا تؤخر بعد الوضع إلا أن لا يوجد من يرضعه, وتحبس الحامل في الحد والقصاص, ولو بادر الولي فقتلها فلا غرة للجنين, إلا أن يزايلها قبل موتها؛ ففيه الغرة إلا أن يستهل صارخًا.
الشيخ عن الموازية: لمن وجب على امرأته قود وطئها بخلاف أمته؛ لأنها مرتهنة بالأرش حتى يحدها وقاله أشهب.
وسمع القرينان لولي القتيل بالعصا قتل قاتله بالعصا أو بالسيف, إذا ضربه ضربة واحدة يجهز عليه فيها, لا يكون شيئًا مختلفًا, فإن كان هكذا فلا.
ابن رشد: هذا مثل قولها أنه إن كان ضربه عضوين ضرب القاتل بالعصا حتى يموت؛ يريد: مع قصده الإجهاز عليه في كل ضربة, كما قال في هذا السماع, ولو رمى رجل رجلًا بسهم فقتله؛ لوجب على مذهب مالك أن يقتل طعنًا, بمثل السهم الذي رماه به.
وقال سحنون: إن كان العصا والحجر مجهزًا؛ قتل بمثله, إن كان غير مجهز قتل بالسيف لا بغيره.
وسمع عبد الملك ابن القاسم: من قتل رجلا بتغريق أو سم؛ قتل بمثل ذلك.
ابن رشد: هو نص قولها في السم وتأولها الشيخ فقال: يعني لوجب القود بغير السم, وهو بعيد كتأويل أصبغ قول مالك فيه, وإذا أقيد على قول مالك بالسم؛ فأحرى بالنار خلاف قول أصبغ: لا يقاد بالنار.
قلت: قال اللخمي: اختلف إن ضرب بالعصا, مثل العدد الأول, فلم يمت, فقال ابن القاسم: يضرب بها حتى يموت.
وروى محمد: إن كانت العصا تجهز في ضربة واحدة قتل بها, وأما ضربات فلا, وليقتله بالسيف.
وقال أشهب: إن رأى أنه زيد مثل الضربتين مات زيد ذلك, وإلا فالسيف.
وقال عبد الملك: عند محمد إن قتل الأول بالنبل أو برمي الحجارة أو بطرح من جدار أو جبل أو على سيف أو رمح أو غيره فالسيف؛ لأن ذلك قد يخطئ فيصير
الجزء: 10 - الصفحة: 69
تعذيباً.
وأصل قول مالك: القود بمثل الأول، وهو مقتضي الحديث، وإن أمكن أن يخطيء، فالظالم أحق أن يحمل عليه، وذكر الباجي قول ابن الماجِشُون بما تقدم، وبأنه لا يقتل بالنار وقال: المشهور قتله بما قتل به من نار أو غيرها.
ابن رُشْد: إنما يقتل بمثل ما قتل من ثبت قتله بذلك، وأما من يقتل بالقسامة؛ فلا يقتل الإ بالسيف.
وقال ابن العربي: من قتل بشيء قتل به إلا في المعصية كالخمر واللواط والنار والسم، وقيل: يقتل بهما.
قُلتُ: مقتضي قوله: أن المشهور عدم القتل بهما، وقد تقدم خلافه.
وفيها: إن قطع يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه قتل، ولا تقطع يداه، ولا رجلاه، وكل قصاص القتل يأتي عليه.
الصقلي: يريد إلا أن يفعله به على وجه العذاب.
الباجي: قال عيسى في المدينة.: إن قطع يدي ورجل ورجليه، ثم قتله أقيد منه كذلك، قال القاضي: هذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك يقول: القتل يكفي عن كل ذلك.
وقالل أَصْبَغ: إن لم يرد القاتل بقطع يديه العبث والإيلام؛ قتل فقط، وإن كان أراد ذلك فعل به مثله، وقال ابن مزين.
اللخمي: إن قطع يديه ورجليه؛ ثم تركه فمات، ولم يكن أراد قتله؛ قتل عند مالك ولم تقطع أطرافه، إن أراد قتله، ففعل ذلك، ثم قتله بالفورقتل عند ابن القاسم، ولم يقطع،.
وقال أشهب: يقطع ثم يقتل، وقاله مالك: إن أراد بذلك المثلة وهو أحسن، ولوقطع أصابعه ثم يده، فإن قطع يده بنية حدثت كفى قطع يده عنهما، وإن كانت بنية قطع الجميع على وجه العذاب، جرى على قولي ابن القاسم وأشهب.
قُلتُ: ظاهر قوله أولاً في الاكتفاء بالقتل عن القطع، ثالثهما إن لم يرد المثلة لابن القاسم وأشهب، وظاهر قوله في ياليد قصر الخلاف على إرادة المثلةن وقول ابن الحاجب
الجزء: 10 - الصفحة: 70
هنا: ولو قطع يدًا أو رجلاً لآخر إلخ، تكرير لقولله قبل: وإذا اجتمع مستحق النفس ومستحق الأطراف، وفي جناياتها إن عفا ولي القتيل الحر على إلزام القاتل ديته، لم يلزمه إلا أن يشاء، وقال أشهب: تلزمه الدية وإن كره ولا يقتل.
الباجي: هما روايتان، وبقول أشهب: قال ابن وَهْب ويحيي بن سعد.
قُلتُ: وهو الأظهر ورجحه غير واحد لحديث مسلم، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى يعني الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل.
اللخمي: وعلى الجبر تجبر قاتله رجل على ديته، قال: ويختلف في العكس، هل عليه ديتها أو دية نفسه؛ لأن الولي ملكها كأحد قولي مالك في فقء عين أعور صحيح يغرم ديتها ألف دينار، وعليه يختلف فإن قتل جماعة رجلاً، هلل للولي دية قتيله، أو دية كل واحد لملكه قتله، وفي دياتها إن عفوت عن عبد قتل، وليك الحر عمداً، ولم تشترط شيئاً، فكما لو عفوت عن الحر، ولم تشترط شيئاً، ثم تطلب الدية.
قال مالك: لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها، فتحلف ما عفوت إلا لأخذها، ثم ذلك لها، وكذا في العبد، ثم يخير سيده، ومثله في الموطأ.
الباجي: من قال: إنما عفوت على الدية فروى مُطَرف، إن كان بحضرة ذلك قولاً له، وإن طال فلا شيء له، وقاله ابن الماجِشُون وأَصْبَغ.
قال مالك: إن قال: ما عفوت إلا على أخد الدية حلف ما أراد تركها، وأخذ حقه منها، ثم رجع مالك، فقال: لاشيء له إلا أن يعلم لما قال وجه، وبه قال ابن القاسم.
وقال ابن القاسم في بعض مجالسه: ليس عفوه عن الدم عفواً عن الدية، إلا أن يرى له وجه.
قُلتُ: وتقدم قول ابن عبد الحكم في الجبر على العقل في الجراح، وابن وَهْب: لم أسمع تخيير المجني عليه في الجراح، إلا في الصحيح يفقاً عين الأعور، والأعور يفقاً عين الصحيح، أو العبيد يجرح بعضهم بعضاً، أو الكبير يجرح الصغير؛ قوليه بالخيار في القود والعقل، وإن كان ولي القصاص واحداً، فعفا عن بعض الدم؛ فلم أر فيه نصا وإن عفا المجروح عن نصف الجرح، فلسَحنون في المجموعة والعتبية: إن أمكن القود
الجزء: 10 - الصفحة: 71
من نصفه أقيد منه، وإن تعذر فالجارح مخير في إجازة ذلك، ويغرم نصف العقل وإلا قيل للمجروح إما أن تقتص أو تعفو، وقال أشهب: يجير على عقل النصف.
وفيها: إن عفا أحد البنين سقط حظه في الدية، وبقيتها بين من بقي يدخل فيه الزوجة وغيرها، ابن شاس: للولي المفلس العفو عن القود إذ ليس بمال إلا عن الدية بعد تقررها، فلو كان الدم لرجلين مفلسين فعفا أحدهما، ثم الثاني صح عفو الأول لا الثاني إلا فيما زاد على ديته.
قُلتُ: هو مقتضى قول صلحها للمقتول العفو عن دم العمد وجراحاته، فإن لم يدع مالاً، وكان عليه دين يغترقه لا مقال لغرمائه.
الباجي: إن كان الأولياء ذكورأ وإناثا، بنين وبنات أو إخوة وأخوات، فعفا بعض الذكور، فلباقي الورثة حظهم من الدية، وإن عفا كل الذكور، فقال محمد عن ابن القاسم وأشهب يسقط حق البنات.
وروى أشهب مرة حق البنات باق، وبالأول قال من أدركنا من أصحاب مالك، وهذان القولان مبنيان على نقل القاضي الخلاف هل للنساء مدخل في العفو أو في المطالبة، هذا إذا عفا الرجلان في فور واحد، فإن عفا أحدهم ثم بلغ الآخر، فعفا فلا يضر ذلك من معهما من أخت وزوج وزوجة، قاله محمد.
ابن رُشْد: إن عفا بعض الأولياء بعد ثبوت الدم، ولو بقسامة، وأكذب نفسه بعدها بطل الدم.
وفي بطلان الدية مطلقاً: ولو قبضت ردت وبقاء حظ من لم يعف، ولم يكذب نفسه، ثالثهما: إن أكذب نفسه لابن الماجِشُون وغيره، وابن القاسم فيها قال: ففي بطلان الدية بعفو بعض الأولياء الثلاثة لمن ذكر وسوى ابن القاسم بين العفو والنكول قبل القاسمة، وفرق بعدها بين أن يعفو أو يكذب نفسه.
وفيها: من أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته، فقتل عمداً ومات مكانه، وترك بنات؛ فلهن أن يقتلن، فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل، نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك، إن كان عدلاً فإن رأى العفو أو القتل أمضاه، وفي تعليقة
الجزء: 10 - الصفحة: 72
أبي عمران: الإمام هنا بمنزلة العصبة؛ لأنه يرث لبيت المال ما بقي.
قيل له: فإن لم يكن إمام عدل كوقتنا، فلا قتل له، فإن كان بالموضع جماعة عدول قاموا مقامه.
قُلتُ: انظر هذا مع معروف المذهب في إمضاء أحكام قضاة البغاة، ابن شاس: إن عفا بعض الورثة سقط القود إن ساوى من بقي في الدرجة، أو كان أعلى منه، فإن كان دونه لم يسقط بعفوه، فإن أنضاف إلى الدرجة العليا الأنوثة، كالبنات مع الأب أوالجد، فلا عفو إلا باجتماع الجميع، فإن انفرد الأبوان فلا حق للأم في عفو ولا مثل.
وكذا الإخوة والأخوات معه، وأما الأم والإخوة؛ فلا عفو إلا باجتماعهم معهما، فإن اجتمعت الأم والأخوات والعصبة؛ فاتفق العصبة، والأم على العفو مضى على الأخوات، وإن عفا العصبة والأخوات، لم يمض على الأم، ولو كان مكان الأخوات بنات مضى عفو العصبة، والبنات على الأم، ولم يجز عفو العصبة، والأم عل البنات ومتى اجتمع البنات والأخوات؛ فلا قول للعصبة؛ لأنهن يحزن الميراث دونهم، ولا تجري الجدة مجرى الأم في عفو ولا قيام.
قُلتُ: ما ذكره هو تحصيل قولها مع غيرها من الأمهات، ومن قتل من طلبه أن يقتله على أن عفا عنه في قتله به وصحة عفوه عنه، ثالثهما: يغرم الدية في ماله للعتبي عن سَحنون قائلا: اختلف فيه بعض أصحابنا، والأحسن قتله؛ لأنه عفا عن شيء لم يجب له وبعض أصحابه، ونقل ابن رُشْد قائلاً: هو الأظهر.
قُلتُ: في النوادر عن أبي زيد عن ابن القاسممثل لفظ سَحنون، وقال الصقلي في كتاب الجعل والإجارة: روى ابن سَحنون عنه: ما قال لرجل: اقتلنى ولك ألف درهم، فقتله لا قوة عليه، ويضرب مائة ويحبس عاماً، ولا جعل له.
وقال يحيي بن عمر: للأولياء قتله وعلله بما تقدم، قال: ولو قال اقتل عبدي ولك كذا أو بغير شيء، فقتله ضرب مائة وحبس عامًا، وكذا السيد يضرب ويحبس، واختلف هل يكون له على القاتل قيمة العبد أم لا؟ والصواب لا قيمة عليه، كما لو قال: احرق ثوبي ففعل؛ لا غرم عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 73
قلت: ما نقله الصقلي عن سحنون خلاف ما تقدم عنه في العتبية، ولم يحك ابن رشد عنه خلافه.
الشيخ: روى ابن عبدوس: من قال لرجل: اقطع يدي، أو يدي، أو يد عبدي عوقب المأمور، إن فعل ولا غرم عليه في الحر، ولا في العبد.
ابن حبيب عن أصبغ: يغرم قيمة العبد لحرمة القتل، كما يلزم في دية الحر إذا قتله بإذن وليه، وفي دياتها إن قطع يده عمدًا فعفا عنه، ثم مات؛ فلأوليائه القود في النفس بقسامة، إن كان عفا عن اليد لا النفس، وفي صلحها إن صالحه على مال، ثم ترى فيها فمات فلأوليائه أن يقسموا ويقتلوا، ويردوا المال، وإن أبوا بقى لهم المال الذي أخذوا في قطع اليد، وكذا لو كانت موضحة خطأ؛ فلهم أن يقسموا، ويأخذوا الدية من العاقلة، ويأخذ الجاني ماله، ويكون في العقل كرجل من قومه، وليس للقاطع إن نكلوا عن القسامة أن يقول لهم: قد عادت الجناية نفسًا فاقتلوني، وردا المال، ولو لم يكن صلح، فقال ذلك وشاء الأولياء قطع اليد، فذلك لهم، ولهم أن يقسموا ويقتلوا.
وسمع اصبغ ابن القاسم: من صالح عن موضحه، ثم صارت منقلة لا يكون عقل ولا صلح إلا بعد البرء، فإن وقع هذا رجع بفضل المنقلة، فإن مات أقسموا أنه مات منها ورد الصلح، وأخذوا العقل كاملاً.
ابن رشد: قوله: رجع بفضل المنقلة صحيح اتفاقاً؛ لأنه إنما صالح عن الموضحة والعمد والخطأ سواء، بخلاف إذا صالح عن قطع يده، ثم تأكلت للعضد، حسبما مضى في رسم العرية من سماع عيسى.
قلت: فيه ليس له في تأكلها إلا ما اخذ؛ لأن عقل اليد قد صالح عليه، ولو تأكل الجرح إلى غير ما صالح عليه، كما لو صالح عن قطع أربع أصابع بديتها، ثم ذهبت الأصبع الخامسة بتأكل الجرح لاخذ ديتها، ولو صالح عن قطع أصبعين، ثم ذهبت بقية أصابع يده بتأكل الجرح، ففي الخطأ يرد ما أخذ، وتصير دية لليد على العاقلة، وفي العمد ياد المجروح بقية تمام دية اليد من مال الجارح.
قال ابن رشد في سماع أصبغ: ولو مات من ذلك الجرح افترق العمد من الخطأ
الجزء: 10 - الصفحة: 74
على مذهب ابن القاسم في الخطأ يرد الأولياء على الجاني ما أخذوا منه، ويقسمون الدية على العاقلة، وهو معني قوله في هذا السماع: وفي العمد يخير ورثة القتيل بين التمسك بالصلح ورده، وفي رسم أسلم من سماع عيسى من الديات: لا يصح الصلح في الجراحات على الموت
ابن رشد: الصلح في الجراحات على تراميها للموت في الخطأ، فيما دون الثلث كالموضحة؛ لا تجو اتفاقًا، ويفسخ، فإن وقع برئ ففيه أرشه، وإن مات؛ فالدية على العاقلة بقسامة.
وفيما بلغ الثلث في منعه وجوازه نقلا ابن حبيب وغيره.
وفي العمد الذي الذي فيه القود سماع عيسى، وقول ابن حبيب مع قول صلحا.
قلت: فيها صلح المريض على أقل من أرش الجراح، أو من الدية جائز.
عياض: تأولها الأكثر على أن الصلح عن الجراحة فقط، لا على مال الموت، وتأولها ابن العطار على مآل الموت.
ابن رشد: وما لا قود فيه لا تجوز على تراميه للموت، قاله ابن حبيب، وعليه دون ترامية لما أجازة ابن حبيب، فيما فيه عقل مسمى، قال مرة عليه وعلى ما يترامى إليه دون الموت، ومرة عليه فقط، ومن نزي في جرحه فمات بعد صلحه عنه في تخيير الولى في إتمامه ونقضه برجوعه للقسامة على موته، فيقتل في العمد، ويأخذ الدية في الخطأ، ولو كره الجاني، ووقف إمضاء على رضى الجاني، ثالثها: في العمد ويلزم النقض في الخطأ.
لاصبغ وأشهب على أصله: فيمن نزر في قطع يده؛ فمات ليس لأوليائه إلا القسمامة للقتل، ولا قود لهم في الجرح إن أبوا القسامة؛ لأن الدم آل للنفس كحجته في الخطأ، أنه آل إلى العاقلة، قول ابن القاسم مع ظاهر قوله فيها، وسماعه يحيي على أصله فيمن نزى في قطع يده، فمات وارثه مخير في قطع اليد، وفي القسامة للقتل.
وفيها: من جنى خطأ وهو من أهل الإبل فصالح الأولياء عاقلته على أكثر من ألف دينار، جاز إن عجلوها، فإن تأخرت لم يجز؛ لأنه دين بدين وفي العمد جائز، لأنه
الجزء: 10 - الصفحة: 75
ليس بمال، ومثله في الموازية وازادوا ولو بذهب والجاني من أهل الورق أو الإبل، وإنما يتقى ما يدخل في الدية في الخطأ؛ لأنه دين ثابت.
الصقلي: إن قيل كيف صح لغو اعتبار الدية في العمد، على قول أشهب الذي رأي جبر الجاني على الدية، قيل قد قال أشهب له العفو في مرضه.
قلت: يرد بأن هذا بعض ما استشكل، والجواب أن الأصل الدم، والمال إنما هو بالجبر، وهو لم يقع وعدم وقوع السبب الخاص ملزوم، لعدم ثبوت مسببه، ولا سيما على القول بأن من ملك أن يملك لا يعد مالكًا.
ثم قال الالصقلي: في المدونة لابن القاسم عفو المريض عن قاتله العمد من رأس ماله، وقال أشهب في الثلث، فهو اختلاف قول، وفيها إن صالح أحد ولي القتيل عمداً على عرض أو مرض، فللآخر الدخول، ولو صالح أحد ولي القتيل القاتل على شيء.
ففي تخيير الآخر في الآخر في الدخول عليه فيه واختصاصه به, قولا ابن القاسم، وعلم فيها وفي كون قول أشهب فيها كابن القاسم، أو على نقل عياض عن الأشياخ وسحنون.
عياض: نوقض قولها ولا سبيل إلى القتل بقولها في الجنايات: إن عفا أحدهما على أخذ القاتل، وهو عبد وابن السيد من دفع نصف الدية للآخر، والعافي من جعل العبد بينهما ورده أن لهما القتل، فقال بعضهم: يمكن أن يكون اختلاف قول، وإن يفرق بأن جناية العبد متعلقة برقبته، إلا أن أن يفدية سيده، وفي الحرمتعلقة بذمته.
عياض: هذا غير بين، وما هو إلا اختلاف.
قلت: الأظهر تمام الفرق؛ لأن العافي في العبد لم يبق للآخر ما يتعلق به حقه من أمر مالي، لانحصار الأمر المالي في عين العبد، وقد أخذه فبقي حقه متعلقًا بما كان متعلقاً به بالأصالة، وهو الدم؛ فكان فكان له القتل، وكلما كان له كان للآخر تساويهما، والعافي في الحر أبقى للآخر، ما يتعلق به حقه من الأمر المالى، وهو منابه من الدية في ثمة القاتل.
وفي النوادر قال محمد: ما وجدت لتفريق ابن القاسم بين الحر والعبد حجة.
وفيها: إن أراد من أحاط الدين بما له بماله، أن يصالح على مال يعطيه عن قود عليه بلغه
الجزء: 10 - الصفحة: 76
ما به رده لك.
عياض: حمله بعضهم على ظاهره، وأن لهم رده؛ لأنهم لم يدخلوا عليه بخلاف نكاحه وتسريه.
وقال أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن: إنما هو ما لم يدفع ذلك قبل قيامهم بفلسه، وجعلوه كرهنة وقضائه بعضغرمائه.
وفيها: لا يجوز صلح جناية العمد على ثمرة لم يبد صلاحها، إن وقع بطل القود، ولمت الدية، ككناح بذلك، فبات بالبناء غيره يمضى كالخلع؛ لأنه أرسل بقدر ماله إرساله بغير شيء.
عياض عن القابسي: هذا على أحد قوليه يجبر القاتل على الدية، خلاف قوله الآخر.
وفيها من غيرها: ما صولح به من عمد دخل فيه سائر الورثة، وقضى منه دين القتيل.
وسمع يجيي ابن القاسم: إن صالح من قتل رجلين عمداً أولياء أحدهما؛ فلأولياء الآخر القود، فإن قتلوه بطل صلح الآخرين؛ لأنه إنما صالحهم للنجاة، ولم يزد ابن رشد فيها شيئًا، والعفو عن جناية الخطأ، ترك مال فيها من عفا عن قتله خطأ، فإن كانت قيمته قدر ثلثه جاز عفوه، وإلا جاز منه قدر الثلث، وفي أول وصاياها من أوصى لمن ضربه وعلم به ضربًا خطأ؛ جازت وصيته له في المال، والدية وعمدًا تجوز في المال دون الدية؛ لأن قبول الدية كمال لم يعلم به محمد، ولو قال إن قبل أولادي الدية فوصيتي فيها أو أوصى بثلثها، فلا وصية فيها محمد لا يعلم هل يكون أو لا؟
الصقلي: ولو أنفذت مقاتلة فقيل أولاده الدية وعلمها، فأوصى فيها دخلت فيها دخلت فيها وصايا.
وفيها لو صالح الجاني على العاقلة فيما عليها، فأبت لم يلمها، وقول ابن الحاجب وكذا العكس واضح؛ لأنها فيما يلزمه دونها كأجنبي.
وفيها إن ادعى الجاني عفو الولي استحلفه، فإن نكل حلف القاتل.
الجزء: 10 - الصفحة: 77
الصقلي: إنما يحلف القاتل يمينًا واحدةً؛ لأنها التي كانت على المدعى عليه.
عياض: يقوم منه إلزام اليمين في الدعوى المجردة، وفي دعوى المعروف في هبة ثمن المبيع والكراء والإقالة، وهو أصل متنازع فيه، ولهذا لم ير أشهب في دعوى العفو يمينًا، واختلف شيوخنا في التنازع فيه.
قيل: هو اختلاف من قوله، وقيل: اختلاف حال، فلا يلزم اليمين بمجرد الدعوى، وتلزم مع وجود التهمة.
قلت: تذكر قوله في أكرية الدور قوله: (بل أسكنتني باطلا).
وفي كتاب الجعل، يقول رب الثوب للصانع: عملته لي باطلاً، وفي العارية: من ادعى أن رب الدابة أعارها إياه.
الشيخ لا شهب في الموازية: لا يمين على الولي؛ لأن الخلف في الدم، إنما هو خمسون يمينًا؛ فهذا يريد أن يوجب عليه مع البينة قسامة، أو مع القسامة قسامة أخرى، ولو رضي بيمين واحدة، لم يكن له ذلك، أرأيت لو استحلفة، فلما قام ليقتل قال: عفا عني؟ قلت: هذا يرد تعليل قوله بعدم توجه دعوى المعروف.
وفيها: إن ادعى القاتل بينة غائبة تلوم له الإمام، لم يقيدها الصلي ولا عياض.
وفي الرجم منها: إن ادعى القاذف أن المقذوف عبد، وزعم بينة له إن قربت تلوم له الإمام، وإن بعدت له؛ لم يلتفت، لقوله فعلى تقييدها بها يكون وفاقًا على قول ابن الهندي لا يتلوم له إلا بعد حلفه في الحقوق، يحلف هنا وفي صلحها من ثبت له دم عمدًا أو جراحاته، فادعى صلح الجاني، فأنكره فلا قود له، وله عليه اليمين.
اللخمي: لاصبغ في الواضحة: من قال: لا تعفوا عن قاتلي، فإن ثبت دمه ببينة؛ فلا عفو، وإن كان بقسامة؛ فلهم العفو لإمكان كونه لشبهة دخلت عليهم.
قلت: في النوادر قبل هذا النوادر قبل هذا الفرع عن أشهب: من قال دمي عند فلان فاقتلوه، ولا تقبلوا منه دية فليس لهم أخذ الدية، وإن أقسموا ثم عفا بعضهم، لم يجز عفوه، وإن نكل بعضهم؛ فلا قسامة فيه.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: لمن صالح قاتل وليه على خروجه من هذا البلد، فإن
الجزء: 10 - الصفحة: 78
وجده فيه قتله.
ابن رشد زاد ابن حبيب، فإن شرطوا إن لم يفعل أو فعل؛ فعاد فجاورهم فله الدية فإن ثبت الدم حين الصلح جاز في القود والدية، وإن لم يثبت لم يجز إلا أن يقولوا، فإن لم يفعل أو فعل فعاد، فنحن على حجتنا في الدم، وكذا الجراحات وارث القاتل بعض الدم يسقط قوده به
وفيها: إن ورث القاتل أحد ورثة القتيل، بطل قوده؛ لأنه ملك من دمه حصة.
الصقلى: قال أشهب: إلا أن يكون من الأولياء الذين من قام بالدم، فهو أولى، فإن للباقي أن يقتلوا، وقول بعض الفاسيين، هو وفاق لابن القاسم، لقوله في البنين والبنات: تموت واحدة منهن.
قال ابن شاس في أربعة إخوة: قتل الثاني الكبير، ثم الثالث الصغير، يسقط قتل الثاني لإرثه نصف دمه الواجب للصغير، وله قتل الثالث بالصغير، فإن عفا؛ فله عليه الدية يقاصه بنصفها.
ابن عبد السلام: إن قتله دفع لوارثه نصف الدية، إن كان هناك من يحجبه وانظم، وإن لم يكن فأظن في منعه إرثه خلافاً في المذهب.
قلت: قال الباجي عن ابن القصار: لو قتل إمام عدل موروثه بقصاص أو زني أو حد ثابت بإقرار أو بينة؛ فإن أصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل، وأرى من لا تلحقه تهمة يرث، كقتل الخطأ.
ابن شاس: قال خلف بن زرقون: سألت عنها ابن سَحنون، وابن عبدوس قالا: ترى أن يعفى عنهما جميعاً؛ لأن قتل كل منهما يوجب إرث الباقي وإياه؛ فيرث دم نفسه فلا يقتل، وكل واحد يطلب قتل الآخر قبله، فلا بد أن يعفى عنهما، ويرث أحدهما دية أبيه، والآخر دية أمه.
الجزء: 10 - الصفحة: 79
قُلتُ: لا يبعد إجراء القولين على جواز المقاصة، ولزومها في الديتين والذي في الموازية لا قود بينهما؛ لأن لكل واحد منهما حقاً في أبيه وأمه، ويسجنان عاماً، ويجلدان مائة مائة.
قال ابن الحاجب إثر ذكره هذه المسئلة، وتتميمها بقوله: ويجب لأحدهما دية الأب وللآخر دية الأم ما نصه.
وفي كون إرثه على نحو المال، أو على نحو الاستيفاء قولان، لابن القاسم وأشهب.
قال ابن عبد السلام: معنى الضمير من قوله إرثه، عائد على الدم، ومعنى قول ابن القاسم: إن ولي الدم إن مات تنزل كل ورثته منزلته دون خصوصية لعصبته على زوي فروضه، فترث البنات والزوجات والأمهات، ولهن العفو والقصاص، كما لو كانوا كلهم عصبة؛ لأنهم ورثوه عمن كان ذلك له.
ومعنى قول أشهب: إنه لا يرثه من ورثه ولي الدم إلا من يرثه من المقتول نفسه، فلو ترك ولي الدم ابناً وبنتاً وأما وزوجة، لم يكن للبنت والزوجة حظ، كما لم يكن لبنت القتيل وزوجته مع ابنه شيء.
قُلتُ: في رجمها من قتل، وله أم وعصبة، فماتت الأم فورثتها مكانها إن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، ولا عفو للعصبة دونهم، كما لو كانت الأم باقية، وفي دياتها إن مات وارث المقتول الذي له القيام بالدم فورثه مقامه في العفو والقتل، وإن مات من ولاة الدم رجل وورثته رجال ونساء، فللنساء من القتل والعفو ما للذكر؛ لأنهم ورثوا الدم عمن له ذلك.
وذكر الشيخ عن المجموعة مثل ذلك، من رواية ابن القاسم، وابن وَهْب قال: وقال أشهب: يقوم مقام هذا الميت من ورثته من له القيام بدمه، كأنه مقتول، فلو ترك ولي القتل بنين وبنات، فأمر الدم للبنين دون البنات.
قُلتُ: ففهم شارحا ابن الحاجب: أن مراد ابن القاسم بالنساء الوارثات ما يشمل الزوجة، وكذا الزوج في الرجال، وليس الأمر كذلك؛ بل لا مدخل للأزواج في الدم
الجزء: 10 - الصفحة: 80
بحال، وفي النوادر ما نصه.
ومن كتاب ابن المواز: إن ترك القتيل عمدًا بالبينة أمًا ونتًا وعصبة، فماتت الأم أو البنت أو العصبة؛ فورثته في منابه إلا الوج والزوجة، فإن اختلف ورثة هذا الميت ومن بقي من أولياء القتيل، فلا عفو إلا باجتماعهم انتهى.
قلت: وذكر ابن القاسم في المجموعة: من قتل رجلاً عمدًا، فكان ولي الدم ولد القاتل، فقد كره مالك القصاص منه، وقال يكره أن يخلفه في الحق، فكيف يقتله؟، واستثقل في كتاب القذف أن يحده، وكره في كتاب المديان أن يحلف، قيل لأي عمران: هل يجري في مسألة القتل ما جرى في مسألة الإحلاف؟ قال: لا؛ لأن النفس أعظم حرمة؛ لأنه لو حذفه بحديدة، لم يقتص منه، كما يقتص من الأجنبي.
قلت: يفرق بأنه لم يرد القتل الموجب للقود في حذفه ابنه، وههنا صدر منه ما يوجب القود.
وللشيخ عن أشهب في المجموعة: ليس له قتله وفي ذلك الدية.
وفي المواية لأشهب: من قتل زوجته وابنها، ابنه ليس له قتل أبيه، وله الدية على عاقتله.
وقال أكثر العلماء: لا يقتل الأب بابنه، وإن عمد قتله، ولم يتعقب الشيخ قوله، وله الدية على عاقلته، وهو مشكل والصواب كونها في ماله.
الجزء: 10 - الصفحة: 81