المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب السلم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

السلم: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين، فيخرج شراء الدين وإن ماثل حكمه حكمه لأنه لا يصدق عليه عرفاً،

الجزء: 6 - الصفحة: 230

والمختلفان يجوز اشتراكهما في حكم واحد والكراء المضمون والقرض ولا يدخل إتلاف المثلي غير عين ولا هبة غير معين، ويطلب تعجيل أول عوضيه.
وشرطه: عدم طول تأخيره.
ابن حارث: اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير رأس ماله المدة الطويلة، أنه يجوز أن

الجزء: 6 - الصفحة: 231

يتأخر اليوم واليومين.
اللخمي: من شرطه تعجيل رأس ماله إن كان مضموناً، ولا يضر تأخير المعين، واختلف إذا اشترط تأخير المدة اليسيرة كاليومين أو يسير رأس المال المدة البعيدة، هل يصح أو يفسد؟ فأجاز مالك وابن القاسم تأخير جميعه بشرط ثلاثة أيام، وحكى ابن سحنون وغيره من البغداديين أنه فاسد.
زاد المازري عن عبد الوهاب: يومان لا أكثر.
قلت: ولم يذكر الباجي الثلاثة فاستدركها عليه ابن زرقون من المدونة وما ذكره من الخلاف مناف لنقل ابن حارث، الاتفاق في اليومين وعزا الصقلي وغيره كون الثلاثة كاليومين لكتاب الخيار قال: قال بعض أصحابنا: على إجازة السلم إلى ثلاثة أيام ونحوها لا يجوز تأخير رأس ماله اليومين؛ لأنه يصير ديناً بدين، ومثله لابن الكاتب وهو بين.
قلت: ذكره الباجي غير معزو كأنه المذهب قال: ويجب أن يقبض في المجلس أو ما يقرب منه، قال: وتأخيره من غير شرط إن كان عيناً إلى أجل السلم.
قال ابن القاسم مرة: يفسد ثم رجع فقال: لا يفسد إن لم يكن بشرط ربه قال أشهب ولابن وهب: إن تعمد أحدهما تأخيره لم يفسد وإن تعمداه فسد؛ يريد: إن فر أحدهما ليفسده لم يفسد على قولنا: الفرار من الأداء في الصرف لا يفسده.
الباجي: وعلى رواية ابن وهب قال ابن حبيب: إن كان المسلم هو الممتنع منه القضاء خير المسلم إليه في الأخذ ويدفع المسلم فيه، وفي حل الصفقة ورد ما قبض منه وإن كان المسلم إليه هو الممتنع لزمه عند الأجل قبضه، ودفع المسلم فيه وفي التهذيب: إن ادعى أحدهما أنهما لم يضر بالرأس المال أجلا أو أنه تأخر شهراً بشرط، وأكذبه الآخر، فالقول قول مدعى الصحة.
قال عبد الحق: نقص أبو سعيد من هذه المسألة لأن نصها في الأم قال: الذي عليه السلم: لم أقبض رأس المال إلا بعد شهر أو شهرين أو كان شرطنا ذلك واقتصر أبو سعيد على مسألة الشرط، وترك الأخرى وهي يستفاد منها أن تأخير رأس المال بغير شرط الأمد الطويل كالشهر يفسده، وقال ابن القاسم في الكتاب الثالث إن أخر النقد

الجزء: 6 - الصفحة: 232

حتى حل الأجل كرهته، وأراه من الدين بالدين ولا يجوز هذا وهو رأيي وذكر الصقلي هذا الأخر لابن أبي أبي زمنين عن بعض شيوخه.
اللخمي: أجازه أشهب في الموازية ولو تأخر الشيء اليسير بشرط وكله فاسد عند ابن القاسم؛ لأنه يرى الاتباع مراعاة في نفسها.
وعلى إجازة مالك في الموازية في الكراء المضمون: إن تأخر ثلث الكراء يجوز في السلم، والقياس بعد تسليم رعي الاتباع في أنفسها أن لا يبطل إلا قدر ما تأخر وإن تأخر الكثير النصف ونحوه فسد جميعه على معروف المذهب.
وحكى ابن القصار: إمضاء ما تناجزا فيه، ويجري فيها ثالث إن سمى لكل قفيز ثمناً صح ما تناجزا فيه وإلا فسد جميعه، حكاه القاضي في الصرف وتعقب المارزي أخذه من مسألة الكراء المضمون بأن ذلك ذلك للضرورة وإليه الإشارة بتعليله في الرواية بأن الأكرياء يقتطعون أموال الناس، وقول عبد الحق في تهذيبه قول أشهب: إن تأخر يسير رأس المال لشرط لم يفسخ ليس بخلاف لابن القاسم ليسارته خلاف ظاهر، كلام اللخمي، وغيره أنه خلاف.
وفي سلمها الأول: إن أصيب رأس المال نحاساً بعد شهرين؛ فله البدل ولا ينقض السلم إلا أن يعملا على ذلك فيفسخ وليس كتأخير النقد شهراً إذ للمسلم إليه الرضى بما قبض، وإن قال حين ردها سأبدلها بعد شهر لم يجز وإن قال: بعد يومين جاز كابتدائه.
ابن محرز: قال لنا أبو بكر بن عبد الرحمن: لو نزل قوله سأبدلها بعد شهرين وأدرك بعد يومين فسخ الشرط وأخذ بالدفع، وإن لم يدرك حتى طال فسخ السلم من أوله كأنهما عملا عليه، وقال بعضهم: لا ينتقض السلم لأنه وقع صحيحاً، وينتقض ما أخره فقط، وأراه قول أبي عمران، وهو أشبه.
قال أشهب: ولو بقي من أجل السلم يومان فقط جاز أن يؤخره بالبدل أكثر من شهر.
اللخمي: إن وجد رأس المال زيوفاً أو رصاصاً أبدلها وتم السلم وفي مختصر ما ليس في المختصر: إن ثبت في رأس المال درهم ناقص انتقض من السلم بقدره فرأى أن

الجزء: 6 - الصفحة: 233

النهي عن الكالئ بالكالئ غير معلل فأفسد السلم بالتأخير وإن لم يعملا عليه، وغلبا عليه واختلف في الغلبة في الصرف وفي لزوم تعيين الدنانير بشرط تعيينها.
ثالثها: إن شرطه دافعها فعلى عدمه الحكم ما تقدم من الخلاف من لزوم البدل أو فسخ العقد، ومن ألزم الشرط أجاز الخلف إن رضيا معاً وصار ابتداء عقد كرد رأس المال بعيب وهو عرض وقد اختلف في لزوم الوفاء بشرط ما لايفيد.
ولو شرط تعيينها لمعنى معتبر لزم الوفاء به كشرط البائع تعيينها لعدم ملكه غيرها أو لمشقة بيعه ما يخلفها به وكشرط المبتاع تعيينها لحلها وإن كان رأس المال عرضا أو مكيلا أو موزنا فرده بعيب انتقض السلم إن كان معينا وإن كان موصوفاً على جواز الموصوف على الحلول لم ينتقض السلم، وغرم مثله، وإن انتقض السلم برد رأس ماله رد عوضه إن لم يفت، فإن فات فقيمته إن كان من ذوات القيم ويفيته حوالة الأسواق، وإن كان من ذوات الأمثال رد مثله إن فاتت عينه، وعلى رواية ابن وهب بفواته بحوالة الأسواق في البيع الفاسد يفوت بها، ويرجع بقيمته.
وفي خيارها: لا بأس بالخيار في السلم إلى أمد قريب يجوز تأخير النقد لمثله كيومين أو ثلاثة إن لم يقدم رأس المال فإن قدمه كرهته لأنه سلف وبيع، وسلف جر نفعاً< هذه إحدى المسائل الأربع التي لا يجوز فيها النقد ولو طوعاً وعلته ما قاله ابن محرز وغيره، مآله لفسخ دين في دين وهي مقيدة بكون الثمن لا يعرف بعينه؛ لأنه بقبضه، تعلق بذمته بنفس غيبته عليه، فصار ديناً عليه للمبتاع، إذا أمضى السلم كان المسلم قد أخذ السلم متقرراً في ذمة المسلم إليه بدلاً مما تقرر في ذمته من رأس ماله وتقدم هذا في الخيار.
قال اللخمي: في آخر أو ترجمة من كراء الرواحل: إن نقد في الكراء على خيار تطوعا فقيل يمنع وقيل يجوز وهو أحسن؛ لأن نقده إنما كان لأخذ هذه المنافع فلم يدخله تقضي أو تربي هذا في المضمون وهو في المعين أخف للاختلاف في أخذ منافع عن دين أجازة أشهب.
قلت: وله خلاف هذا عن أشهب حسبما يأتي إن شاء الله تعالى في إجازة الطبيب في ترجمة الجعل، وقرر فيها دخوله سلف، وبيع وسلف جر منفعه بقوله: إن قدم النقد

الجزء: 6 - الصفحة: 234

فكأنه أسلفه الدنانير إلى أجل الخيار على أن جعلاها بعد أجله في سلعة إلى أجل فصارت الدنانير سلفاً، وصارت السلعة الموصوفة بيعاً بها فصار سلفاً نفعاً.
قلت: حاصل هذا بعد تسليمه أنه سلف جر نفعاً، ونص دعواه أنه يدخل مع ذلك البيع والسلف، ويحتمل أن يريد دخولها على البدلية فسلف جر نفعاً بما قرر.
ومراده بالبيع والسلف تارة يكون الثمن بيعاً إن بت العقد وتارة يكون سلفاً إن لم يبت وفيه نظر؛ لأن كلا منهما غير كائن في العقد فإن قيل: لعله بناء على أن الملحق بالعقد كأنه فيه، قيل يلزم منع الطوع بالنقد وبيع الخيار مطلقاً.
ابن محرز: ظاهر قولها إن رأس المال عين وربما كان عبداً أو ثوباُ، أو دابة، أو داراً وأمد الخيار يختلف في هذه الأشياء يبعت بنقد أو تأخير، فالصواب عندي أنه تعتبر ذلك فيها، فيضرب فيها من الأجل بقدر ما يحتاج إليه.
قلت: لا يلزم من الحكم بيعه أمد الخيار فيما بيع عليه بدين كونه كذلك إن كان رأس المسلم؛ لأن الموجب للفساد في تأخير رأس مال السلم إنما هو الأجل الذي يؤول به امرهما إلى الدين بالدين، والأجل في بيع الأجل بعين أضعف منه في السلم؛ لأنه في بيع الأجل قابل للسقوط بتعجيل المدين الثمن ويجبر ربه على قبضه، بخلاف السلم، ولا يلزم من عدم تأثير الأجل المعروض للسقوط الفساد عدم تأثير الأجل القوي ذلك.
وفيها: قلت: من أسلم في طعام ولم يضرب لرأس المال أجلاً، وافترقا قبل قبض رأس المال، قال: هذا حرام إلا أن يكون على النقد، وقال مالك: لا بأس به إن قبضه بعد يومين ونحو ذلك.
قال عياض إثر قوله: (حرام): قيل: لعله لم يكن عرفهم في السلم النقد؛ لأن مقتضى لفظ السلم وعرفه جوازه وإن لم ينصا على النقد ويكون قوله إلا أن يكون على النقد أي: بشرط أو عرف، وحملها ابن محرز على أنهما عملا على التأخير.
أبو عمران: وقول مالك: بعده أتى به ابن القاسم مع جوابه لأسد فأتى بما سئل عنه، وما لم يسأل.
وفيها: إن أسلم عبداً في طعام ولو يقبض العبد إلا بعد شهر جاز إن تأخر بغير

الجزء: 6 - الصفحة: 235

شرط ولم يؤقت لنا مالك في ذلك شهراً، ولو كان رأس ماله ثوباً بعينه أو طعاماً بعينه ولم يقبض ذلك إلا بعد أيام كثيرة فقد كرهه مالك ولم يعجبه ولا أحفظ عنه فسخه، وأراه نافذاً.
ابن محرز: عن اللوبي إنما كرهه فيهما؛ لأنهما مما يغاب عليه فقاربا الدين بالدين.
ابن محرز: الطعام أشد كراهة؛ لأنه لا يعرف بعينه.
وقال بعض المذاكرين: هذا على أن الطعام لم يكتل والثوب غائب على الصفة ولو نظر إليه، وكان الطعام وتركهما على غير شرط تراخ لم يكن فيه كراهة؛ لأنه لو أخذ من دينه سلعة نظرها وقام، ولم يقبضها جاز.
اللخمي: إنما كرهه في العبد والثوب والطعام خوف أن يكون عملا على ذلك فيكون بيع معين على تأخير قبضه لا لخوف الدين بالدين لأنهما معينان وهذا على أن الضمان مع قيام البينة من المشتري ولا يفترق حكم العبد من غيره، وعلى أنه من البائع يكره في العبد كالثوب، ومعنى قول مالك إن إبقاءه للإشهاد وشبهه ولو مكن البائع المشتري من العبد والثوب والطعام بعد كيله لم يكره وكان وديعة ولو حبس الطعام قبل كيله فتغير طعمه أو تسوس كان للمشتري رده إلا أن يكون ترك قبضه عمداً فلا رد له وفيها مع غيرها صحة كون رأس المال منفعة معين أو جزافاً من غير مسكوك ابن حارث في ترجمة قبالة الرحاء بطعام هو جائز ولو حل أجل الطعام المسلم فيه قبل استيفاء المنفعة التي هي رأس ماله.
ابن شاس: قال أبو الطاهر: ظاهر قول عبد الوهاب منع كونه جزافاً وكل المذهب على خلافه.
قُلتُ: لفظه في المعونة رابع شروطه كون رأس ماله معلوماً مقدراً، فظاهر قوله جواز كونه جزافاً، وخرج بعض المتأخرين منع كونه جزافاً كقول الشافعي خوفاً من منع الإقالة إن احتيج إليها بعد فوت رأس المال.
قال ابن عبد السلام: وهو بناء منه على الصور النادرة قال: وفيه نظر إذ ليس من لوازم كل سلم بحيث تصح الإقالة فيه في كل وقت، ألا ترى أن كل العروض المقومة يصح أن تكون رأس مال السلم، ومع ذلك لا تصح الإقالة بعد فوتها؟.

الجزء: 6 - الصفحة: 236

قُلتُ: إنما نقل المازري في توجيه قول الشافعي القياس على رأس المال في القرض والقراض وفرق بلزوم اقتضاء العقد ردهما بخلاف رأس مال السلم.
وقوله: ألا ترى أن العروض الخ ظاهره قصر ما ذكره من الحكم على العروض ذوات القيم وليس كذلك بل هو عام فيها، وفي العروض المثلية وهذا لأن قوله لا تصح الإقالة بعد فوتها إن أراد والمسلم فيه طعام فواضح كون المثلية كالمقومة في منع الإقالة بفوتهما وإن أراد في غير الطعام فإن أراد بالإقالة الممنوعة في العروض المقومة أنها وقعت مطلقة لا على شيء مسمى يدفعه البائع بدلاً عن المبيع فالحكم فيهما واحد ولو باع حديداً بعبد معين، ثم طلب بائع العبد رده إليه بمطلق الإقالة من غير ذكر فوات الحديد الذي قبضه لم يلزم دافع الحديد تلك الإقالة على مثله كما لو كان ثمن العبد ثوباً، وقد فات لقولها آخر السلم الثاني: وكل ما ابتعته من مكيل أو موزون من طعام أو غيره فقبضته فأتلفته فجائز أن تقيل منه وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه وبعد أن يكون المثل حاضراً عندك وتدفعه له بموضع قبضته منه ولو طلب ذلك بعد فوات الحديد المعين على أن الإقالة على مثله جاز كما تقدم في نصها، وكذا على مثل الثوب سواء.
وفيها: منع كونه دراهم أو دنانير جزافا ولو عرفا عددها لأنه لا يصلح بيعها جزافا.
ابن حارث: يجوز فيها الجزاف.
وفيها: إن أسلما دراهم يعرفان وزنها مع دنانير لا يعرفان وزنها فسخ الجميع والبائع مصدق في وزن ما قبض بيمينه.
الصقلي: يريد إلا حيث تجوز عدداً؛ لأنه أمر عرفوه.
وفيها: لا خير في سلم حنطة في حنطة مثلها أو طعام في طعام مثله، ولا يجوز سلم الدنانير والدراهم في الفلوس.
وفيها مع غيرها: لا يجوز سلم شيء في أكثر منه ولا أقل منه ولا أدنى في أجود ولا عكسه لأن سلف جر نفعاً، وضمان بجعل، وقول ابن الحاجب: وكذلك في أجود، وأردأ على الأصح إلا أن تختلف منافعهما ومقابل الأصح لا أعرف وقبله ابن

الجزء: 6 - الصفحة: 237

عبد السلام، وقال يعني: إن سلم الرديء في الجيد كالقليل في الكثير وسلم الجيد في الرديء كالكثير في القليل فتمنع الصورتان على أصح القولين، والقول بالجواز؛ لأن اختلاف الصفة يغر الجنس الواحد كالجنسين، وفيه بعد وإذا تقاربت المنفعتان، وأحدهما أرادأ فالظاهر المنع.
قُلتُ: يعني بالصورتين الجيد في الرديء وعكسه، وقال ابن هارون: أجاز في غير المدَوَّنة سلم العبد التاجر في غير التاجر وهو الخلاف المشار إليه بقوله: على الأصح.
قُلتُ: قال عياض: أجاز في الكتاب العبد التاجر فيمن ليس بتاجر؛ لأن الآخر يراد للخدمة، ولمنفعة غير التجارة مما لا يستخدم فيها التاجر ولا يطيقه.
قُلتُ: وقال اللخمي: لا يسلم تاجر ولا صانع فيما تراد منه الخدمة ولا تجارة له ولا صنعة وهو كإسلام الجيد في الدنيء إلا أن يبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز سلم التاجر والصانع في عدد تراد منهم الخدمة.
قُلتُ: فمقتضى طريقة اللخمي اتفاق المذهب على منع الجيد في الرديء، وأحرى في العكس وقرر المازري هذا المعنى معزواً لبعضهم.
ثم قال: وغيره يرى خلاف ذلك تعلقاً برواية المبسوط إجازة سلم العبد التاجر في غير تاجر، وإجازة البعير النجيب في بعير من حواشي الإبل فقايل هذا يلغي التهمة على ضمان بجعل التهمة على سلف بزيادة لشدة التهمة فيه وتكرر فعله وقلة دفع كثير في قليل.
ومثل رواية المبسوط إجازة الموازيَّة سلم فرسين سابقين في فرس ليس مثلهما وسلم طباختين في أمة لا تحسن الطبخ.
قُلتٌ: وهذا يقرر وجود القول بإجازة سلم الجيد في الرديء من صنفه لا العكس.
وقال ابن بشير: في سلم الرديء من كل صنف في الأجود أو بالعكس قولان فالأقوال والطرق ثلاث، للخمي، والمازري، وابن بشير وفيها إن أسلمت جذعاً في مثله صفة وجنساً فهو قرض إن ابتغيت به نفع الذي أقرضته وإن ابتغيت نفع نفسك رد السلف.
اللخمي: واختلف إن قصد في القرض في الثوب بيعه بمثله، فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: ذلك فاسد، وأجازه في مختصر الوقار، وعلى الأول فهو في فسخه

الجزء: 6 - الصفحة: 238

وفوته كبيع فاسد.
وفيها: لا يسلم جذع في جذعين حتى يتبين اختلافهما كجذع نخل كبير طوله وعرضه كذا في جذوع صغار لا تقاربه.
عياض: عورضت بأنه يصنع من الكبير صغار، وصوب فضل منع ابن حبيب ذلك، وقال غيره: معناه: أن الكبير لا يصلح لما يصلح فيه الصغار ولا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس، ولا نقد على ما في الكتاب؛ لأن ظاهره أن الجذوع على خلقتها لم تدخلها صنعة ولا يمكن أن يجعل من الجذع الكبير الغليظ جذوع صغار رقاق إلا بالنشر والنجر، وإذا فعل هذا بها لم تسم جذوعاً بل جوائز، واختلاف الأعراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بين لاختلاف مصارفها.
اللخمي: لا يسلم جذع في جذع إن اتفقا فيما يعمل منهما ولو اختلف أصلهما وإن اختلف فيما يعمل منهما جاز، ولو اتحد أصلهما.
وفيها: لا يسلم جذع في نصف جذع ابن أبي زَمَنَيْن: أي من جنسه، ولو كان من صنوبر والنصف من نخل أو نوع آخر غير الصنوبر لم يكن به بأس على أصل ابن القاسم.
وفي الواضحة: الخشب صنف واحد وإن اختلف أصولها إلا أن تختلف منافعها كالألواح والجوائز.
الصقلي: هذا كله يرد قول ابن أبي زَمَنَيْن.

باب فيما يعتبر في عوض السلم

وفيها: مع غيرها المعتبر في السلم اختلاف منافع عوضيه، والأصل في أفراد النوع اتحاد منافعها، وفي تقرير ذلك أقوال وروايات.

الجزء: 6 - الصفحة: 239

أما الحمر ففي الطرر هي عند ابن القاسم ثلاثة أصناف: صغارها صنف، وكبارها صنفان: حمر مصر التي للركوب صنف، وحمر الأعراب التي للخدمة صنف.
عياض: مذهبها السير والحمل فيها غير معتبر، وحكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وقاله أبو عمران قال: لجعله حمر مصر صنفاً، وبعضها أسير، وحملها فضل على خلافه، وأنكر تأويل ابن حبيب على ابن القاسم، وقال: كيف يصح هذا، وقد قال فيها: إلا أن يختلف اختلاف الحمار النجيب بالأعرابيين وباختلافهما بالسير؟ قال ابن حبيب وأَصْبَغ وعيسى، وأنكر أبو عمران تأويل فضل.
قُلتُ: احتجاج أبي عمران بجعل ابن القاسم حمر مصر صنفاً، وبعضها أسير يرد بأنه لا يلزم من لغو شدة السير مع سير دونه لغوه مع عدمه؛ لأن المراد بالسير سرعته لا مطلقه.
اللخمي: يجوز سلم حمار يراد للحمل في أقل حملا يراد للركوب والسرج، واختلف في سرعة السير ألغاه محمد واعتبره عبد الملك وهو أحسن؛ لأنه يزاد في ثمنه لأجله إن كان سيراً بيناً والآخر معه في معنى الدنيء يسلم المسيار في اثنين.
المتيطي: لمحمد عن ابن القاسم تسلم الأعرابية في المصرية والأشهر لا تختلف حمر مصر بحيث يسلم بعضها في بعض.
وقال عيسى وأَصْبَغ: اختلاف سيرها يبيح سلم بعضها في بعض.
وفيها: لا يسلف كبار الخيل في كبارها إلا فرس جواد له سبق فيما ليس مثله في جودته، وإن كان في سنه.
قُلتُ: ظاهره ولو لم يكن فيه معنى مقصود ليس في الأول.
وقيده اللخمي بأن يرغب أحدهما لجماله، والآخر لسرعته فتكون مبايعته ولو تساويا في السبق وأحدهما أجمل أو في الجمال والسمانة أو الرداءة وأحدهما أسبق لم يجز.
ابن زرقون عن ابن حبيب: لا يخرجها سرعة سيرها عن جنسها وإن فاتت به؛ لأن المقصود فيها السبق إلا البراذين التي لا جري فيها وعرفت بذلك فتكون جنساً.
وفيها: لا تسلف كبار الإبل في كبارها إلا ما بان في النجابة والحمولة فيجوز في حواشي الإبل وإن كانت في سنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 240

اللخمي: الإبل صنفان صنف يراد للحمل وصنف للركوب لا الحمل وكل منهما جيد وحاش يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب، وعكسه اتحد العدد أو اختلف، وما يراد للحمل أوالركوب لا يسلم بعضه في بعض إلا أن يكثر عدد الرديء لتحصل المبايعة فيجوز سلم نصف جيد في كامل رديء.
المازري: الإبل لا تراد للجري والسباق بل للحمولة فيعتبر التفاضل فيها من هذه الناحية وتبعه ابن بشير وهو خلاف متقدم نقل اللخمي وذكر الباجي اعتبار الحمل فيها، ثم قال آخر كلامه: وأكثرها يركب بالسروج؛ لأنها للمشي السريع وليست للحمل.
فظاهره: أن سرعة السير للراكب معتبر فيها خلاف الحمل فيها قاله في ترجمة ما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض وقال في أول ترجمة من البيوع: المقصود من الإبل القوة على الحمل، وليس السبق بمقصود فيها؛ ولذا لا يسهم لها وإن كان منها ما يسابق به وقد يكون من الخيل ما يشتد في القوة على الحمل ويتخذ لذلك، ولا يتميز به في الجنس.
وقول ابن عبد السلام: في قولهم بلغو السبق فيها نظر؛ لأن العرب كانوا يقاتلون عليها ويريدون بعضها للركوب دون الحمل وهو موجود إلى الآن، فينبغي أن يسلم منها ما يصلح للركوب فيما يصلح للحمل وعكسه.
قُلتُ: أول كلامه في السبق وآخره في السير بجواب قوله في لغوهم السبق نظر ما تقدم للباجي مستشهداً بعد القسم للإبل، وقوله: ينبغي هو مقتضى كلام الباجي أولاً.
وفيها قال ابن القاسم: لا بأس أن تسلم البقرة القوية على العمل الفارهة في الحرث وشبهها في حواشي البقر ولومن سنها.
الباجي: يعتبر القوة على الحرث في ذكور البقر اتفاقاً وهو ظاهر قول ابن القاسم في الإناث، وحكى ابن حبيب أن المقصود منها كثرة اللبن فعلى روايته يجوز سلم البقرة الكثيرة اللبن وإن كانت قوية على الحرث في الثور القوي عليه.
المتيطي: وتسلم البقرة الغزيرة اللبن في بقرات ليست مثلها.

الجزء: 6 - الصفحة: 241

وفيها: الغنم لا يسلم ضأنها في معزاها ولا العكس إلا غنماً غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
الباجي: غزر اللبن معتبر في المعز وهو ظاهر قول ابن القاسم في الغنم فيها وليحيى عن ابن القاسم كثرة اللبن في الغنم لغو وعزاه اللخمي لابن حبيب عن مالك وأصحابه.
قال بعض الفقهاء: وهو ظاهرها.
الصقلي: ظاهرا أن الضأن كالمعز سواء في اعتبار غزر اللبن.
وقال يحيى بن سعيد: والمعز أغزر لبناً والضأن أفضل لبناً.
اللخمي: وذكور الغنم وإناثها صنف واحد، وأجاز ابن القاسم: أن تسلم الدجاجة البيوض أو ما فيها من بيض في ديكين فعليه يجوز سلم نعجة في كبشين وهو صواب؛ لأن أهل كسبها يرغبون في إناثها للنسل واللبن ولا يرغبون في ذكورها ولا يمسكون منها إلا ما تحتاجه الغنم.
ولا تسلم نعجة في كبش واحد؛ لأنهما أفضل إلا أن يكون في الكبش فضل عليها من وجه آخر، وأجاز ابن أبي سلمة الضأن في المعز، ورآهما صنفين وعليه الناس اليوم، منهم من يرغب في المعز عن الضأن ومنهم على العكس.
قُلتُ: ظاهره أنه جعل الضأن والمعز نوعين ونحوه قول ابن الحاجب في تمثيله ما تختلف منافعه بقوله: وكالحمار الفاره في الأعرابي والجواد في حواشي الخيل، وكذلك الإبل، البقر والمعز بخلاف الضأن على الأصح ويحتمل أن يريد أن أفراد الضأن لا يختلف بحال على الأصح فتكون غزارة اللبن فيها لغو إلا أن نوعها خلاف نوع المعز.
وفي اعتبار وصف الصغر، والكبر اضطراب، وسمع عيسى ابن القاسم لا خير في صغير بكبير لأجل من صنفه من البهائم ولا عكسه؛ لأنه سلف بزيادة أو لضمان ولا بأس به على وجه البيع أن يكون صغيران بكبير أو كبير بصغيرين أو كبيران بصغيرين لخروجهما من تهمة السلف بزيادة وتهمة الضمان.
ابن رُشْد: سكت عن صغير في كبيرين وإرادته إجازته وهو نصه في رسم باع شاة ومثله في "الموازيَّة".

الجزء: 6 - الصفحة: 242

قُلتُ: مقتضى تعليله منع صغير في كبير منع صغير في كبيرين لتهمة سلف بزيادة قال: ولمحمد في موضع آخر من كتابه لا يجوز صغير في كبيرين ويجوز كبير في صغيرين، فالأقوال ثلاثة: الأول: منع صغير في كبير وعكسه وإجازة ما سواه.
الثاني: منعه ومنع صغير في كبيرين وإجازة ما سواهما.
والثالث: قول ابن لبابة تأويلاً على ما لأَصْبَغ عن ابن القاسم: أنه لا يجوز صغير في كبيرين أنه لا يجوز الواحد في الواحد ولا الجماعة فيه ولا هو في الجماعة كيف ما كان، ويجوز ما سوى ذلك ولا يحمل القياس شيئاً من هذه الأقوال لأنه إذا جاز العدد في العدد جاز الواحد في الواحد؛ لأن المكروه لو دخل في الواحد كان أكثر دخولاً في العدد بالعدد، وما في رسم باع شاة من إجازة صغير الآدمي في المهد بكبير تاجر فصحيح معارض لها وهو أصح وعليه ينبغي أن تحمل المدَوَّنة لإجازته فيها كبار الخيل في صغارها وكبار الإبل، وكبار البقر في صغارهما ولم يفرق فيها بين واحد بواحد أو عدد بعدد، وجعلهما صنفين، والتفرقة بينهما لا يحملها قياس كما ذكرناه، وقد أجاز فيها ثوباً من غليظ الكتان مثل الزيقة، وشبهه في ثوب قصبي لأجل وثوب ثوب فرفى معجل، إنه شاذ إنما يأتي على أحد قولي مالك في أجازة جمل في جمل مثله نقداً، وجمل منه لأجل، ومشهور قوله: إنه لا يجوز.
عياض: ظاهره: لا يجوز كبير في صغير ولا جيد في رديء حتى يختلف العدد، ونحوه في سماع عيسى ولأَصْبَغ عن ابن القاسم، وقاله بعضهم.
وقال بعض الشُيُوخ: مذهب الكتاب جواز كبير في صغير، وصغيرين وصغير في كبير وكبيرين وهو نص الواضحة وأحد قولي الموازيَّة وتأويل ابن لبابة وابن محرز وغيرهما المدَوَّنة.
ولابن القاسم في العتبيَّة: جواز الكبير التاجر في العبد الصغير، فرأى الكبير والصغير صنفين على مذهب الكتاب الكتاب لاختلاف الأغراض سوى بني آدم والغنم؛ لأن المراد من الغنم اللبن واللحم فلم يفترق إلا بغزر اللبن.
قُلتُ: انظر قوله سوى بني آدم مع قوله قبله يليه عن ابن القاسم جواز الكبير

الجزء: 6 - الصفحة: 243

التاجر في الصغير فرأى الكبير والصغير صنفين؛ أخذ من هذا أن الصغير والكبير صنفان وهم لما قاله ابن محرز قال: الصغار والكبار يختلفان من سائر الحيوان إلا في الغنم لأن غالب المراد منها اللحم، وما سوى اللحم من الأغراض تابع له وإلا في الآدمي؛ لأن شراء صغيره إنما هو للخدمة إذا كبر، وما عدا الخدمة إنما يكون بتعليم فإذا باع صغيراً بكبير ليس فيه إلا الخدمة فلم تختلف الإغراض، والإبل والخيل مجبولة على أحوال شتى تختلف لها الأغراض.
منها: القوة على الحمل، ومنها الجري وهذه الأحوال لا تتبين في الصغر.
اللخمي: الصغار والكبار من الرقيق ينبغي كونهما صنفين فيسلم كبير في صغيرين وصغيران في كبير لا كبير في صغير ولا عكسه إلا كبير من الوخش لا يراد إلا للخدمة وللصغير جمال، ومما يراد للتجر إن كبر أو للصنعة.
الباجي: في الواضحة صغير الرقيق وكبيره صنف واحد، والقياس عندي أنهما جنسان لأن المنافع لا يتبين بها الجنس من التجر والصنائع لا تصح من الصغير.
اللخمي: يريد ابن حبيب إن تساوى العدد أو كان عدد الكبار أكثر.
الباجي: وهما في الخيل والبغال والحمير جنسان وكذا الإبل والبقر لا خلاف أن صغارها مخالفة لكبارها لأن العمل فيها مقصودة والحيوان المأكول إن لم يكن فيه عمل مقصود والحيوان المأكول إن لم يكن فيه عمل مقصود ولا منفعة فصغيره وكبيره سوا اتفاقاً كالحجل واليمام، وإن كان فيه منفعة لبن أو نحوه، ففي اختلافه بالصغر والكبر روايتا محمد.

باب حد الكبر في الخيل

وجد الكبر في الخيل بلوغها المنفعة المقصودة.
محمد: هو أن يسافر عليه كالجذع، وما دونه صغير والحولي صغير، وقاله مالك في البغال والحمير، والرباعي كبير ويحتمل كون الجذع كبيراً كالخيل.
وروى محمد: لا خير في ابنتي مخاض في حقة ولا في حقة في جذعتين فيحتمل منعه ابنتي مخاض في حقة؛ لأنهما من سن الصغير أو على رواية منع صغيرين في كبير ويحتمل

الجزء: 6 - الصفحة: 244

منعه حقة في جذعتين على رواية منع صغير في كبيرين فإن الجذع في الإبل أول أسنان الكبر أو لأنهما من سن الكبر.
قُلتُ: انظر قوله على رواية منع صغير في كبيرين مع متقدم قوله: وكذا الإبل والبقر لا خلاف أن صغارها مخالفة لكبارها قال: وحد الكبر في ذكور البقر بلوغ الحرث والإناث على قول ابن القاسم كذلك، وعلى قول ابن حبيب أن تبلغ سن الوضع واللبن والغنم إن فرق بين صغارها وكبارها، فكبرها بلوغها سن الوضع واللبن ويجيب على هذا كون ذكورها كصغارها؛ إذ لا منفعة فيها غير اللحم إلا النزو وهو لغو كما هو في الخيل والحمر، وحد الكبر في الرقيق إن فرق بين صغارهم وكبارهم بلوغ سن التكسب بعمله أو تجره، وهو عندي نحو خمسة عشر سنة ونحوها أو الاحتلام.
ابن زرقون: ولابن دينار لا يختلف صغير من كبير في جنس من الأجناس.
قُلتُ: فهو رابع لثلاثة أقوال.
ابن رُشُد: ابن الحاجب: وكذلك كبير في صغير وصغير في كبير على الأصح بشرط أن لا تفضي المدة إلى معنى المزابنة فيهما.
المازري: وطريقة ثانية أشار إليها بعض المتأخرين هي حمل رواية منع الصغير في الكبير على أنه لأجل يكبر فيه فيؤول للمزابنة وهذا تعسف وبعيد من ظاهر الروايات.
ووقع لمالك منع كبار الحمر في صغار البغال لأجلٍ يمكن أن تنتج فيه الحمير بغالاً وإن لم تمكن فيه كالخمسة الأيام جاز.
فإن قلت: قبوله هذه الرواية تنفي كون قول المتأخر تعسفاً، والرواية هي سماع عيسى ابن القاسم: لا خير في كبار الحمير بصغار البغال لأجل بحال قاله مالك، ولا بأس بكبار البغال بصغار الحمير اثنان بواحد لأجل.
قُلتُ: لم كرهت كبار الحمير بصغار البغال.
قال: ما فيه إلا الاتباع؛ لأن مالكا قاله قلت: من أي وجه أخذه؟ قال: كأنه من أن الحمير تنتج البغال.
قُلتُ: فلو كان لأجل قريب لا تهمة فيه قال: إن كان مثل الخمسة الأيام وشبهها لم أر به بأساً.
ابن رُشْد: ظاهره أن مالكاً لم يجز كبار الحمير في صغار البغال، وإن ابن القاسم

الجزء: 6 - الصفحة: 245

كره ذلك اتباعًا لمالك، وتأول عليه أن ذلك للمزابنة فأجازة للأجل القريب وأجاز كبار البغال في صغار الحمير، لأنها لاتنتجها على هذا حمل الشُيُوخ المسألة، واعترضوها، واعتراضهم على ما حملوها عليه صحيح، لأن كراهة كبار الحمير في صغار البغال ضعيفة، وحجة ابن القاسم باتباعه مالكا عليها غير صحيح إذ لايصح اتباع عالم عالًما فيما لايرى له وجه صحة وتأويله أنه للمزابنة بعيد لبعدها في ذلك، ويلزمه على هذا التاويل إجازة مالك إلى الأجل البعيد الذي لا يكن فيه من الحمار بغل ولا يقصره على خمسة أيام ونحوها، وكيف يصح على ما تأويله علي مالك وقد أجاز فيها كبار الخيل والإبل في صغارهما صغار ماتنتج الخيل والإبل تناج الإبل؟ ولعل معنى قول مالك في هذه العبارة أن الصغار والكبار من كل جنس صنفاً واحداً كما كذلك في بني أدم والضأن والمعز، وهو قول ابن دينارفي المدينة، ولو سئل على هذا القول عن كبار البغال لصغار الحمير لكرهها ولم يفرق بينهما كما فعلل ابن القاسم، والذي أقوله في هذه المسألة إن معنى قوله: لا خير في كبار الحمير بصغار البغال؛ أي لا خير في ذلك واحد بواحد قدم الكبير أو أخر كقوله في المسألة التي قبلها وذلك علي أصله أن البغال والحمير صنف واحد، وقوله بعد ذلك لا بأس بكبار البغال بصغار الحمير اثنان بواحد علي ما وصفت لك أي يجوز اثنان بواحد لأجل مع تباعدهما بالصغر والكبر والأجناس؟ ففال: لا أجد في ذلكم إلا الاتباع لقول مالك أي: لققوله: (أنهما جنس واحد والجنس الواحد لا يجوز الصغير منه بالكبير واحد بواحد)، فقال: من أي وجه أخذه؟ أي: من أي وجه أخذ كونهما جنساً واحداً؟ فقال: لأن الحمير تنتج البغال، فقال له: فلو كان لأجل قريب أي: لأجل لا تهمة فيه على الضمان لقربه فقال: إن كان لخمسة أيام ونحوه فلا بأس فعلى هذا تستقيم المسألة ويرتفع اللإلباس وأطال ابن لبابة كلامه عليها في المنتخبة وخلطه، وقال: إن ابن القاسم لم يفهم ما قاله مالك، قال: والذي قاله مالك إجازة كبار البغال في صغار الحمير عدداًً في عدد، وواحداًَ في واحد كالخيل في الحمير إذ لا يخرج الحمير من البغال كما لا تخرج من الخيل.
وسلم كبار الحمير في صغار البغال جاز في ذلك العدد في العدد ولم يجز فيه الواحد بالواحد ككبار الحمير في صغار الحمير؛ إذ تخرج صغار البغال من الحمير كما تخرج

الجزء: 6 - الصفحة: 246

صغار الحمير من الحمير، هذا عنى قوله وهو تعسف من التأويل بعيد عن اللفظ.
قُلتُ: في أول كلام ابن رُشْد ما يقتضي كون الصغير من الآدمي كغيره كاختيار الباجي، وفي إثباته ما يقتضي الاتفاق على عكس ذلك كقول ابن محرز وغيره ولابن زرقون: قال ابن دينار: ولا يختلف صغير من كبير في جنس من الأجناس، فهو لأقوال ابن رُشْد رابع وهو خلاف قول الباجي لا خلاف في يأن ما فيه عمل مقصود، كالإبل والبقر أن صغيره مخالف لكبيره، وي اعتبار مانعية المزابنة طريقان لنقل النازري عن بعضهم مع ظاهر سماع عيسي ابن القاسم عند بعضهم والباجي، وظاهر كلام المازري مع نص ابن رُشْد.
وتقدم قول الباجي في الطير وسمع عيسى ابن القاسم: الطير كلله جنس واحد لا يحل دجاجة بدجاجتين ولا شبيء من الطير واحد باثنين لأجل وإن تفاضلت في البيض والفراخ وصغيره ككبيره، وذكر كأنثان).
ابن رُشْد: لا خلاف في المذهب أن ما يقتنى من الطير للفراخ والبيض كالدجاج والأوز والحمام كل جنس منه صنف على حدته صغيره وكبيره ذكره وأثناه وإن تفاضل بالبيض والفراخ فإن اختلف الجنسان جاز منه واحد باثنين لأجل، وما كان منها لايقتنى لبيض ولا فراخ إنما يتخذ لحم فسبيلها سبيل اللحم عند ابن القاسم ولا يراعى حياتها إلا مع اللحم، وأشهب يراعيها في كل حال يجوز على مذهبه سلم بعضها في بعض إن اختلفت أجناسها بمنزلة ما يقتنى لبيض أو فراخ وتقدم للخمي عن ابن القاسم إجازة سلم للدجاجة البيوض أو ما فيها بيض في ديكين.
ونقل الصقلي والمتيطي عنه: الديك والدجاجة صنف.
وقال أَصْبَغ: إلا الدجاجة ذات البيض من صنف تسلم البيوض في ديكين أو ديك في دجاجتين منها.
وما عزاه اللخمي لابن القاسم خلاف ظاهر سماعه عيسى.
المتيطي عن ابن حبيب: الدجاج والأوز صنف واحد، والحمام صنف وما لا يقتنى من الوحش كالحجل واليمام هو كاللحم لا يباع بعضه ببعض حياً إلا تحريا يداً بيد.
قُلتُ: ظاهر كلام ابن رُشْد أن الدجاج والأوز جنسان وظاهر نقل المتيطي أنهما

الجزء: 6 - الصفحة: 247

جنس واحد وهما معاً ن قطر الأندلس.
وفيها: العبيد صنف غلا ذو النفاذ.
الباجي: ليست الذكورة والأنوثة بجنس في الرقيق ولا في الحيوان.
الخمي: قال ابن حبيب: الذكران والإناث صنف واحد، وعلي قول مالك في العتق الأول من قال: كل عبد أشتريه أو أكل جارية أشتريها حرة، لا شيء عليه؛ لأنه عم الجواري والغلمان فلم يلزمه اليمين في تعميمه الذكور دون الإناث ولا في العكس، فلو كان جنسًا واحداً لزمته فيهما وهو قول ابن الماجِشُون وقول مالك أحسن لاختلاف خدمة النوعين خدمة الذكور خارج البيت والأسفار والحرث وشبه ذلك، وخدمة الإناث ما يتعلق بالبيت من خبزٍ وطبخ وشبهه.
وقول ابن الحاجب: الذكورة والأنوثة في غير الآدمي ملغاة اتفاقاً صحيح باعتبار نصوص المذهب، وتقدم للخمي أنها معتبرة في الضان.
وذكر ابن عبد السلام: استقراء اللخمي غير معزو له، قال: في استقرائه جواز سلم أحدهما في لآخر نظر؛ لأن نتيجة الاستقراء أنهما جنسان واختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنفعة افاقها والمعتبر اختلاف المنفعة والأعم لا إشعار له بالأخص، ولو سلك في الاستقراء دلالة العرف على تباين منفعة الذكور من منفعة الإناث كما دل عليه العرف المطرد لكان له وجه، وسلكه بعضهم وجعله كالمقوي لما أخذه من المدونة، وهذا الأخير وحده كاف.
قُلتُ: ظاهره أن بعضهم أخذه من مجرد استنتاج كونهما جنسين من مسألة العتق دون اعتبار اختلاف منافعهما ولا أعرف هذا الاستقراء لغير اللخمي إلا من هو بعده، واللخمي لم يستقره من مطلق الجنسين غير معتبر اختلاف منافعهما؛ بل مع اعتباره، وكذا حكاه المازري.
وقوله: اختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنافع ييرد بمنع ذلك؛ بل هو مسارٍ له غالبًا والعيان يثبته.
وقوله جعل بعضهم اختلاف منافعهما مقويًا لما أخذه من المدونة وهو وحده كاف، يرد بأن ذكرهمن حيث كونه كافيًا في جواز سلم أحدهما في الآخر ليس كذكره

الجزء: 6 - الصفحة: 248

من حيث كونه مثبتاً كونهما جنسين؛ لأن الأول لا ينتج جواز سلم صغيرهما في كبيرهما مطلقاً وكونه مثبتاً كونهما جنسين يثبته وكلام اللخمي يدل على أنه إنما ذكره ليثبت به كونهما جنسين وهو بحسن فطرته يهتدي في كثير من أبحاثه لنكت لايدركها غالبًا إلا ذو حظ من علم أصول الفقه، ومقدماته منها تقريره هذا الموضع كونهما جنسين باختلاف منافعهما لما تقرر من أن أفراد كل نوع لا بد أن تباين أفراد ما هو نوع غير نوعها، وتختلف أفراد النوع بالتجر فيها لا بأس بسلم عبد تاجر في ثوبين أو غيرهما لا تجر فيهما.
عياض: من تأملها مع كراهة بيعهم، ذكروا أن لهم عهداًَ.
قُلتُ: نصها في التجارة بأرض الحرب والنوبة لا ينبغي شرائهم ممن سباهم؛ لأن لهم عهداً من عرو بن العاص أو عبدالله بن سعد.
قال عياض: وقيلك لعله فيما باعوه من عبيدهم أو يكون لفظًا للتمثيل لا للتحقيق؛ لأنه لم يقصد الكلام على جواز بيعهم.
ققُلتُ: ولعله شرط نقضوه.
اللخمي: يسلم أحدهما في الآخر إن اختلفت تجراهما كبزاز وعطار أو صنعتاهما كنجار وخياط، ويسلم التاجر في الصانع، لا أحدهما فيما يراد لمجرد الخدمة، وبسلم أحدهما في عدد تراد منه الخدمة واختلف في الحساب والكتابة، هل هما كالصنعة وأرى إن اشتغلا بهما فهما كالصنعة وإن اشتغلا بالخدمة فليسا كالصنعة.
ان محرز: من المذاكريين من ألغاهما بأنهما علم فقط لا صناعةوهو منقوض بالتجر فإنه علم وهومعتبر اتفاقا.
ز المتيطي: فيها لابن سعد لا بأس بسلم حاسب كاتب في وصفاء سواه وقاله اببن حبيب.
أبو عمران: قولهما خلاف المدونة.
الباجي: لمحمد عن ابن القاسم إذا نفذ في الكتابة والقراءة نفاذا يمكنه التكسب بها فهيي منفعة مقصوة.
ولمحمد عن ابن القاسم: ليست اكلكتابة بجنس في الإماء، ولعيس نه إن كانت فائقة فيها فهي جنس تبين به من غيرها فيحتمل أن يكون قولًا

الجزء: 6 - الصفحة: 249

واحدًا، وأن النفاذ فيه جنس ويحتمل أن يكون قولين.
ابن زرقون: انظر هذا فالذي لابن أبي زَمَنْين عن عيسى عن ابن القاسم ان الكتابة ليست بصنعة في الإماء وهى صنعة في الذكورإن كان فائقا فيها.
قال أبو عمران: لا توجد هذه الرواية لابن أبي زَمَنَيْن إنما لأَصبغ في الموازية، وقول ابن حبيب في الجواري، ففي كون الكتابة صنعة ثالثهما: في الذكور لابن القاسم مع مالك وابن حبيب مع أَصْبَغ وابن أبي زَمَنَيْن مع عيسى عن ابن القاسم.
اللخمي: روى محمد الطبخ والخبز صنعة.
ابن القاسم والرقم يريد: إن كان مقصوداً، منها، زاد الباجي: والنسج وكل نوع منها مخالف للآخر إلا الطبخ والخبز فهما جنس واحد.
اللخمي عن ابن القاسم: ليس الغزل وعمل الطيب بصنعة، والنساء أجمع يغزلن يريد ما لم تبن بذلك ويكون المقصود منها، ونقله الصقلي ولم يقيده التونسي لعله يريد بعمل الطيب علمه لا عمله باليد الذي يحتاج إلى علم.
الباجي: والحرث والحصاد لغو في الرجال.
ابن بشير: قال المتأخرون: الانفراد في الطبخ والغزل معتبر.
قُلتُ: هذا ييقتضي أن الطبخ كالغزل خلاف ما تقدم وتبعه ابن الحاجب فيه.
اللخمي: اختلف هل الجمال فيما للفراش من الجواري صنف تبين به الجارية من غيرها فقال ابن القاسم: هما صنف واحد، لا يسلم العلي في الوخش وروى محمد لا بأس بالرائعة بالجاريتين دونها قال: كل ما اختلف في هذا النسيئة فيه تحل، وقاله ابن وَهْب، وقال: أصْبَغ لا بأس بجارية جميلة فصيحة في جاريتين لأجل، وظاهر قول مالك: إجازة رائعة في رائعتين دونها وهو الأصل كسابق في عدد دونه.
الباجي: لعيسى عن ابن القاسم الجمال في الإماء ليس بجنس ولأََصْبَغ هو جنس مقصود.
قال بعض القرويين: ورواه ابن وَهْب.
محمدك وليس السواد والبياض والرومي والنوبي باختلاف في الرقيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 250

ابن زرقون: حكى خلف عن ابن عبد الحَكم: إجازة سلم الأسود في الأبيض.
المازري: الأصح أن الجميلة التي تريد للفراش صنف مخالف للوخش المراد منه الخدمة.
ابن بشير في الاختلاف بالجمال قولان والصحيح عند المتأخرين اختلافه بالجمال الفائق، وجعل أصل كلامه في الحيوان الناطق، ومراده في الجمال ما خصه به غير واحد وهو الإماء، وذكر اللخمي وغيره قول أَصْبَع باعتبار الجمال مطلقًا ونقله عنه عبد الحق اعتبار كونه فائقًا، ويسير الصنعة في بعض النوع لغو وكثيرها معتبر في المزابنة وتقدمت وفي السلم.
الصقلي عن محمد: مغزول الكتان كأصله لا خير في سلم أحدهما في الآخر.
ابن أبي زَمَنَيْن هما عند أصحاب مالك صنف واحد، وأرى الغزل صنعة تبيح التفاضل نقدًا وإلى أجل إن عجل الغزل.
قُلتُ: ومقتضي قول محمد ومنعها سلم صوف في صوف منع الغزل بالغزل.
وقال اللخمي: يجوز سلم الغزل في الغزل إن اختلفا، فيسلم قليلًا جيدًا في كثير رديء؛ لأنه يعمل من أحدهما ما لا يعمل من الآخر.
المازري: كون الغزل بالغزل والكتان صنفًا واحدًا هو مشهور المهب، وأشار بعض المتأخرين إلى أن القياس كونهما صنفين.
ابن الحاجب: والمصنوع لا يعود إن قدم وهانت الصنعة كالغزل إن لم يجز على الأشهر بخلاف النقد.
قُلتُ: ظاهره جوازه نقدًا لا بقيد تبين الفضل وهو خلاف المشهور حسبما تقدم للمازري ونحوه لعبد الحق، في فضل المزابنة وإنما هو على خلاف المشهور.
وفيها: لا بأس بثوب كتان في كتان وثوب صوف فيه: قُلتُ: لامتناع زوال صنعة الغزل، ومنع الشَّيخ سلم ثوب خزِّ فيه معللَّا له بنفسْه.
اللخمي: يسلم ثوب الكتان فيه وفي غزله وإن بعد الأجل، منع أشهب الثوب بالغزل إلى أجل ونقدًا للمزابنة إلا أن يتبين الفضل، وقول مالك: من باع غزلًا فنسجه مبتاعه ثم فلس فلربه أخذه، يقوي قول أشهب.

الجزء: 6 - الصفحة: 251

وفيها: لا يسلم كتان في ثوب كتان لأنه يخرج منه.
وفي نوازل سَحنون من الجعل والإجازة: من تقبل من رجل أحواضًا للملح لها شربٌ معلوم من بئر أشهرًا بملح مضمون عليه لا بأس به.
ابن رُشْد: عاب قول سَحنون هذا الناس قديمًا وحديثًا، وروى زياده أكره أخذ الملاحة ببعض ما يخرج منها، ووجه الكراهة أن الملح يخرج من الماء الذي دفعه أخذ الملح، فأشبه سلم كتان في ثوب كتان، ووجه إجازته سَحنون: أن جل الكراء إنما هو للأحواض لا للماء، إذ لو اكترى الأحواض دون الماء على أن يسوق إليها ماءه لم ينتفع رب الماء به إن لم تكن له أحواض يسيره إليها، بخلاف من أسلم كتانًا في ثوبه؛ لأنه يعطيه من عينه.
اللخمي: يسلم الكتان وغزله في ثوبه إن قرب الأجل بحيث لا يمكن أن يمل منه في ذلك الأجل وإلا لم يجز إلا أن يكون ذلك الغزل لا يصلح عمل ذك الثوب منه فيجوز.
قُلتُ: دليل اعتبار الأجل قول سلمها الثالث: لا خير في شعير نقدًا في قصيلٍ لأجلِ إلا لأجلٍ لا يصير الشعير فيه قصيلًا ويكون مضمونًا بصفة.
اللخمي: ولو بعد الأجل فإن كان الغزل أجود جاز، قل وزنه أو كثر؛ لأنها مبايعة وإن كان أدنى لم يجز إلا أن يكون أكثر وزنًا إن كان مثل وزنه أو أدنى دخله سلف بزيادة هي فضل جودة غزل الثاني وصنعته، ومثله الصوف في ثوبه، وذو الصنعة المفارقة في أصله كأصله بخلاف ما تقدم في اللازمة كالنسيج.
فيها: لا يجوز سيوف في حديد لا يخرج منه لأنه نوع واحد ولو جازت لجاز حديد السيوف في الحديد الذي لا يخرج منه، ولأجزت الكتان الغليظ في الرقيق والصوف في الصوف لأجل وهو يختلف ولا يجوز بعضه ببعض.
قُلتُ: يريد بقوله: لأنه نوع واحد أن الصنعة المفارقة لغو فصار ما قامت به كما لم تقم به، وقوله: (ولو جازت ... إلخ) دليل صدق الملازمة، مقدمتان حذفتا للعلم بهما واضح صدقهما.
الأولى: الحديد الذي يخرج منه السيوف كالحديد الي لا يخرج منه؛ إذ لا يجوز

الجزء: 6 - الصفحة: 252

سلم أحدهما في الآخر.
والثانية: حكم أحد المتساويين حكم الآخر.
والثانية متفق عليها، وفي الأولى اختلاف.
اللخمي: الموزون من حديد وصوف وكتان غير مصنوع نوع واحد وإن تباينا في الجودة.
قال ابن القاسم: الحديد الذي تعلم منه السيوف والحديد الذي لا تعمل منه والصوف الذي يعمل منه السيجان العراقية والأسوانية، وما لا يعمل منه ذلك والكتان كذلك كل منها نوع واحد، وهذا حماية لئلا يتذرع بما يتباين لما يتقارب والقياس الجواز، وأصل المذهب أن ما يتباين اختلافه من الجنس الواحد، وقصد من أحدهما خلاف ما يقصد من الآخر جواز سلم أحدهما في الآخر كما هو في الحيوان والثياب.
قُلتُ: في تهذيب الطالب أجاز سَحنون الحديد الذي لا يخرج منه السيوف في سيوف إلى أجل وله أنه لا يجوز سلم سيف في سيفين بحال.
قُلتُ: فليزم منه جواز سلم حديد لا يخرج منه سيوف في حديد تخرج منه.
اللخمي: وتعليل المنع بأنه يمكن أن يعمل من الدنيء مثل الجيد إذا بولغ في عمله خلاف نص ابن القاسم بمنع سلم الصوف في الصوف وإن كان يعمل من أحدهما ما لا يعمل من الآخر أبدًا.
ابن حارث: قال فضل عن يحيى بن عمر: يجوز سلم سيوف في حديد كثوب كتان فيه ووافقني عليه البرقي.
فضل: وقول ابن القاسم أشبه بأصولهم؛ لأن السيوف قد تكسر فتصير حديدًا.
قلت؛ كذا نقله ابن حارث في حديد من غير تقييده بكونه لا يخرج منه سيوف ونقله اللخمي مقيدًا به، وزاد: ومنعه سَحنون، وقال: ليس ضرب السيوف صنعة تخرجه عن الحديد؛ لأنه يعاد حديدًا، قال: والأول أحسن، وليس إعادة السيف حديدًا بفعل عاقل، ويعاقب فاعله؛ لأنه فساد وإضاعة مال، وإن كان ذك مبلغ عقله وتمييزه حجر عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 253

ابن بشير: المشهور منع سلم سيوف في حديد لا يخرج منه، وأجازه البرقي ويحيى بن عمر، وأخذه اللخمي من قولها: لا بأس بتور نحاس به نقدًا، قال: فجعل الصنعة تخرجه عن الجنس، وقوله غير صحيح من وجهين: الأول: أن المذهب منعه على أن غير المصنوع إذا كان يخرج منه المصنوع لم يجز وما ذكره من مسألة المدَوَّنة هذه لم يفرق فيه بين كونه مما يخرج منه أو لا.
الثاني: أن حكم النقد يخالف حكم الأجل اتفاقًا يجوز ثوب بثوبين نقدًا لا لأجل.
ابن الحاجب: والمصنوع يعود معتبر فيهما.
ابن هارون: وهذا أحسن إذا قدم الأصل، وأما عكسه فمذهب المدَوَّنة المنع وأجازه يحيى بن عمر والبرقي.
ابن عبد السلام: ضمير فيهما عائد على صورتين: تقديم الأصل في المصنوع، وعكسه واعتبار الأجل في الأول ظاهر، وهو أن يكون الأجل لا يسع أن يصنع فيه مثل المصنوع خوف سلم الشيء فيما يخرج منه.
قُلتُ: قول ابن هارون هذا إذا قدم الأصل حسن وقبوله ابن عبد السلام أيضًا لا أعرفه معزوًا لنص ولا لتخريج، ولكنه من حيث كونه لأجل لا يمكن فيه خروج المسلم فيه منه كسلم حديد لا يخرج منه سيوف في سيوف وقد تقدم عزو عبد الحق إجازته لسَحنون، وفي أخذه من متقدم سلم كتان في ثوبه لأجل لا يخرج منه فيه نظر؛ لأن صنعة النسيج غير مفارقة وصنعة المتكلم فيه تفارقه.
وفيها: لا خير في سيف في سيفين دونه لتقارب المنفعة إلا أن يبعد ما بينهما في الجودة والقطع كتباعده في الرقيق والثياب فيجوز.
اللخمي والصقلي: ومنعه سَحنون الصواب الأول.
الصقلي عن محمد: الحديد جيده ورديئه صنف، حتى يعمل سيوفًا وسكاكين فيجوز سلم مرتفعها في غير المرتفع، وكذا ما صنع منه سيوفًا وسكاكين ومرايا وغير ذلك إذا صار أصنافًا مختلفة المنافع وكا النحاس، وتقرر فيما تقدم أجناس الحيوان وسلم بعضها في بعض وما في الضأن والمعز، وقول ابن لبابة في الزكاة: أنهما جنسان والطريقان في الأوز والدجاج، وفي كون البغال والحمير جنسًا أو جنسين قولان لها،

الجزء: 6 - الصفحة: 254

ولابن حبيب.
اللخمي: الأول أحسن لتقارب منافعهما ولا يفترقان إلا من باب الجودة أو الدناءة البغال في معنى الجيد والحمير في معنى الدنيء.
المتيطي: قال أَصْبَغ والبرقي كقول ابن حبيب.
قال فضل: تكلم ابن حبيب على حمر الأندلس وابن القاسم على حمر مصر وأجاب عبد الحق عن معارضة قولها في السلم بقولها في القسم لا يجمع البغال مع الحمير في القسم بالاحتياط في الحكمين، ونقضه غير واحد من المتأخرين بقولها في القسم يجمع ثياب الكتان والصوف والحرير في القسم ويسلم بعضها في بعض والحق أن هذه مشكلة والصواب عدم الجمع.
وفيها: ثياب القطن لا يسلم بعضها في بعض إلا غلاظها في رقيقها، وكذا ثياب الكتان، وفي ثالث سلمها من لك عليه ثياب فرقبية جاز بيعها منه قبل الأجل بما يجوز أن تسلف فيها من الثياب المروية والهروية إذا انتقدت ذلك ولم تؤخره.
عياض: خرج منه أثمتنا جواز سلم رقيق الكتان في رقيق القطن، خلاف قول بعضهم وهو قول مالك في المنتخبة: قال: لأنه رقيق كله وليس في المدَوَّنة ما يستدل به إلا هذا وعزا اللخمي المنع لأشهب، قال: وهو أحسن.
قال: وثياب الكتان والصوف والحرير يسلم بعضها في بعض لاختلاف منافعها ويسلم ما استوت جودته بعضه في بعض لاختلاف منافعها كالعمائم والأردية.
قُلتُ: أخذ بعضهم قول أشهب من قولها في البغال والحمير، ومنهم من فرق باتحاد المنفعة أو تقاربها فيهما واختلافهما في الثياب.
ابن بشير: إن تباين الجنس دون المنفعة فالمذهب المنع، وقد يظن أن فيه قولين من قولي ابن القاسم وأشهب في سلم جيد الكتان في جيد القطن أجازه ابن القاسم وأخذ له من إجازته في السلم الثالث فيمن له ثياب فرقبية وهي رقيق ثياب الكتان إلى أجل يجوز له بيعها من غير من هي عليه بثياب ثطن هروية أو مروية وهي من رقيق ثيابه؛ لأنه يشترط في هذا البيع شرط السلم، ومنعه أشهب وليس كا ظن؛ لأن الخلاف في هذا الفرع خلاف في شهادة هل المنافع متساوية أم لا؟ قلت: بهذا وجه المازري

الجزء: 6 - الصفحة: 255

قوليهما.
وفيها: إن أسلم فسطاطية في فسطاطية معجلة ومروية مؤجلة جاز، ولو عجلت المروية و**** الفسطاطية لم يصلح لأنه قرض بزيادة مروية.
اللخمي: إن أسلم فسطاطيًا في فسطاطيين مثله أحدهما معجل والآخر مؤجل فأجازه ابن القاسم ومنعه سَحنون.
محمد: اضطر المخزومي طرد القياس فيه لأشهب حتى أجاز دينارًا بدينارين أحدهما مؤجل يريد إن قصد بذلك المعروف كدينار بأوزن منه، ويجوز على قوله: أن يكون هو الأوزن هو المعجل وجوازه في الثياب أحسن وإنما يمنع من ذلك ما يقصد فيه إلى فساد فإن اختلفوا في الجودة، والمنفرد مثل المعجل من الثوبين أو أدنى جاز، وإن كان أجود من المعجل ومثل المؤجل أو أدنى لم يجز وهو سلف بزيادة هي المعجل مع فضل المؤجل إن كان أجود وإن كان المنفرد أجود منهما جاز وهي مبايعة.
المازري: في جمل بجملتين مثله أحدهما نقدًا والآخر مؤجل روايتان بالجواز والكراهة بالأولى أخذ ابن القاسم، وبالثانية أخذ ابن عبد الحَكم، وقال - أي سَحنون: هذا الربا، وعزا ابن محرز الروايتين لان بعد الحَكم، قال ابن عبد الحَكم وكراهته أحب إليَّ.
ابن محرز: وقول ابن القاسم في الجملين إذا تساويا الجواز، وأرى أن المنفرد إذا لم يكن فيه فضل عن المعجل فقد استغرقه، ولم يبق فيه تعلق بالمؤجل ولو خالف المعجل من الجملين المنفرد حتى اختلفت الأغراض فيهما تعلق المنفرد بهما معًا كان المعجل منهما زيادة في السلف، والتزم أشهب للمغيرة على ما أجازه من الجمل بالجملين جواز دينا بدينار مثله نقدًا ودينار لأجل لانحصار عوضية المنفرد بالمعجل، بخلاف كونهما معجلين لعموم عوضيته فيهما، ومن المذاكرين من يلزم أشهب ذلك، وإن كان الديناران نقدا وها لم يقله ولا أحد من فقهاء الأمصار وربما استدل من مذهبه على مصيره لذلك، بقوله في صلح المرأة ورثة زوجها عن دنانير بدنانير من أموالهم قدر ميراثها وترك الميت عروضًا أن الصلح جائز وهو بيع ذهب بذهب وعروض وليس كما توهم على أشهب.
ومعنى المسألة أن الدنانير المتروكة كانت بيد الورثة، وإذا كانت

الجزء: 6 - الصفحة: 256

بأيديهم فإن كانت مضمونة عليهم فإنما قضوا بدفعهم ما كان في متهم، وإن كانت في أمانتهم فقد ذكر محمد عن أشهب أنه لا بأس لمن كانت عنده دنانير وديعة في بيته أن يدفع بدلها من ماله فعلى هذا إجازة أشهب.
مسألة الورثة، فإن قيل: إنما أجاز أشهب مسألة الوديعة لأنها في يده فصارت كالمقبوة وهنا أمر زائد على القبض والمناجزة وهو التفاضل بين الذهبين، قيل: إ ن ثبت أن هذا هو علة أشهب في الوديعة حملنا مسألة الورثة على أنهم ضمنوه بتعديهم.
ابن بشير: جرت في مسألة الجملين مناظرة بين المغيرة وأشهب والتزم أشهب الجواز فألزمه المغيرة ذلك في دينار بدينارين فالتزمه وقد لا يلزمه؛ لأن باب الربا أضيق من غيره، فقد تقدر المقابلة في سلم العروض لأجل والإجماع على منع ذلك في الربويات واختلف الأشياخ هل يلزم أشهب ذلك في الدنانير نقدًا فألزمه ذلك بعضهم وأباه بعضهم، وذكر ابن الحاجب هنا أن أشهب هو الذي ألزم المغيرة بيع دينار بدينارين وأن المغيرة هو الملتزم وكذا في تنبيه ابن بشير في كتاب الصرف وللمازري في كتاب الصلح وفي بعض نسخ ابن الحاجب بالعكس وكذا في تنبيه ابن بشير في كتاب الصرف في السلم الأول، وكذا ذكره المازري وابن محرز، وظاهر لفظ اللخمي الأول فتأمله.
ابن رُشْد: السلم في الصناعات على قول ابن القاسم: إن لم يشترك تعيين العامل ولا ما يعمل منه المصنوع فحكمه كالسلم لا يجوز إلا بوصف العمل وضرب الأجل، وتقديم رأس المال وعكسه شرط تعيينهما ليس بسلم إنما هو بيع وإجازة في المبيع إن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل أو يمكن إعادته للعمل أو عمل غيره من الشيء المعين فيه العمل جاز على الشروع في العمل أو على تأخير الشروع لثلاثة أيام ونحو ذلك، فإن كان على الشروع جاز بشرط تعجيل النقد وتأخيره، وإن كان على تأخيره لثلاثة أيام لم يجز تعجيل النقد بشرط حتى يشرع، وإن لم يشترط عمله بعينه ويعين ما يعمل منه فهو أيضًا من البيع والإجازة في المبيع إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام فتعحيل النقد وتأخيره، وإن اشترط عمله ولم يعين ما يعمل منه، لم يجز بحال لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: لزوم النقد؛ لأن ما يعمل منه

الجزء: 6 - الصفحة: 257

مضمون وامتناعه لاشتراط عمل العامل بعينه.
قُلتُ: وقرر اللخمي القسم الثاني بقوله: إن كان لا تختلف صفة خروجه كشراء القمح على أن يطحنه البائع والزيتون على أن يعصره يأخه منه كيلًا معلومًا، أو الثوب على أن يخيطه أو تختلف، ويمكن عوده لحالته الأولى فيصنع على الصفة المشترطة جاز فيهما، وذلك كالحديد والرصاص إلا أن يشتري جملة الحديد والرصاص فلا يجوز؛ لأنه كلما أعيد نقص فلا يقدر أن يعمل في الثاني إلا دون الأول وإن كان يختلف خروجه، ولا يعاد لهيئته الأولى لم يجز كالثوب يشترط صبغه والغزل يشترط نسجه، والعود يعمل تابوتًا أو بابًا، ولو كثر الغزل واشترط إن أتى ناقصًا على الصفة عمل من بقيته حتى يأتي على الصفة جاز، واختلف في جواز استئجار الأجير على أن يأتيه بالغلة فعلى جوازه يجوز شراء الثوب على أن يصبغه، وقيل: لا يجوز شراء سلعة على أن البائع يبيعها لمبتاعها، وكل ذلك جائز على جواز الاستئجار للغلة.
قُلتُ: قوله: ولو كثر الغزل إلى قوله: جاز يرد بالغرر الناشيء عن جهل الأجير بماذا يستحق عوض عمله هل بصنعه المصنوع مرة أو مرتين؛ ولذا لم يذكره ابن رُشْد مع تأخره عنه، والله أعلم، وذكره ابن بشير غير معزو له ولم يتعقبه.
**** على المنع في المختلف خروجه، مع اتفاقهم على جواز الإجازة عليه نظر، لأن احتمال اختلاف الخروج إن أوجب غررًا أفسد عقده مطلقًا وإلا فلا، فإن قيل: هذا الغرر في مجرد عقد الإجارة مضطر إليه فألغى تأثيره الفساد فيد.
وفي عقد بيه مادة المستأجر عليه غير مضطر إليه فاعتبر تأثيره فيه، ولذا منعه سَحنون مطلقًا، قيل يلزم على هذا منع العقد على البيع والإجازة في غير المبيع.
قال اللخمي: وعلى الجواز إن هلك القمح قبل طحنه أو الثوب قبل خياطته أو الحديد قبل صنعه، فإن هلك ببينة أو دونها، والبائع غير منتصب لتلك الصنعة حلف على ضياعه ولم يضمنه، وحط عن المشتري قدر الصنعة وإن كان منتصبًا لتلك الصنعة ضمنه بالقيمة لا الثمن؛ لأن التمكين في المبيع تقدم، وإنما بقي لموضع الصنعة، وعلى المشتري ما ينوبه من الثمن، ويحط عنه مناب الصنعة كما تقدم، وأما الزيتون فضمانه من بائعه، ولو قامت بتلفه بينة لأجل حق التوفية بالكيل، ولو لم يسلم في الغزل على أن

الجزء: 6 - الصفحة: 258

ينسج واشتراه على أنه إن خرج على ما وصف أخذه، ونقد وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز.
ابن بشير: إن كان الصانع معينًا والمصنوع منه غير معين والصانع لا يفتر عن العمل غاليًا كالقصاب والخباز جاز الشراء منه وحكموا له بحكم النقد لما كان الغالب وجوده فهو في حكم المعين ومتى تعذر شيء من هذا وجب الفسخ فيه وظنه اللخمي سلما على الحلول فأخذ منه ذلك، ومقتضى الروايات خلاف ما قال: إنما هو بيع نقد ولا يفتقر إلى أجل السلم، وإن كان العامل لا يستديم عمله فقد أجازوه للضرورة على حكم السلم يشترط فيه أن يكون أجل المسلم فيه يبقى إلى أجل السلم فأكثر، ويقدم رأس المال وإن تعذر فيه شيء منه تعلق بالذمة، وكان كالصانع يبيع مصنوعًا كثيرًا على أن يبتدئ في الأخذ منه يوم العقد أو بعده بالزمن اليسير وأن كان المصنوع منه معينًا والصانع غير معين فمقتضى الفقه أنه هذا الذي فرغنا منه في الصانع يبيع ما ارتفع من صنعته، وما لم يرتفع؛ لأن هذا إنما يجوز إذا كان الصانع غير معين.
قُلتُ: ما ذكره من السلم للقصاب والخباز في قسم تعيين الصانع وعدم تعيين المصنوع منه خلاف ما ذكره فيه الأشياخ من أنه مجرد سلم لذى صنعة في مصنوعه لا بقيد تعيين المصنوع منه.
وما تقدم لابن رُشْد من قوله إن اشترط عمله ولم يعين ما يعمل منه لم يجز بحال فيه نظر لقولها في كتاب الجعل والإجارة، قال مالك: من استأجر من يبني له داره على أن الآجر والجص من عند الأجير جاز.
قُلتُ: لم جوزه ولم يشتر شيئًا من الجص والآجر بعينه؟ قال: لأنه معروف عند الناس.
قُلتُ: أرأيت السلم هل يجوز فيه إلا أن يضرب له أجلًا وهذا لم يضرب للآجر والجص أجلًا؟ قال: لما قال له: ابن لي هذه الدار فكأنه وقت له، وقت بنيانها عند الناس معروف فكأنه أسلم إليه في جص وآجر معروف إلى وقت معروف، وإجارته في عمل هذه الدار فلذلك جاز، وقال غيره: إن كان على وجه القبالة ولم يشترط عمل يده فلا بأس إذا قدم نقده.

الجزء: 6 - الصفحة: 259

قُلتُ: ظاهر المسألة خلاف نقل ابن رُشْد عن المذهب، إن العقد على تعيين العامل وعدم تعيين المعمول منه أنه غير جائز ووفاق لنقل ابن بشير.
الصقلي: قول الغير خلاف لان القاسم؛ لأن ابن القاسم يجيز ذلك في عمل رجل بعينه؛ لأنه يشرع في العمل كإجازاته على خدمته سنة؛ ولذا قال في الحمالة: إن دفعت لخياطٍ ثوبًا على أن يخيطه بنفسه جاز.
وقال بعض القرويين: إنما يصح قول ابن القاسم على أن يكون الأجير صاحب صنعة عمل الآجر والجص فيصير تأخير النقد جائزًا كالشراء من الجزار والخباز كل يوم خبزًا ولحمًا، والثمن مؤخر فعلى هذا يجوز قدم النقد أو أخره، ويشرع في العمل أو يكون المأخوذ منه من الجص والآخر شيئًا شيئًا يطول أخذ جملته حتى يكون المعجل منه يسيرًا في جنب ما يأخذ منه لا قدر المعجل منه لكثرته فيجوز لأنه قد تأخر كله لمثل أجل السلم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأنه في عمل رجل بعينه والآجر والجص في ذمته مضمونًا، والمضمون يجب تأخيره لأجل السلم، ويكون جميع ما ينوب ذلك وما ينوب إجارته نقدًا لأنه لو تأخر من ذلك شيء كان قد تأخر منه قدر مما ينوب الآجر والجص ولا يقدر أن يخص ما ينقده بهما وإن نقد الجميع لأجل منابهما مع وجوب تأخر اقتضائهما لأجل السلم لزم تأخير عمل الأجير لذلك مع انتقاد إجارته وذلك لا يجوز.
قُلتُ: بعض القرويين هو التونسي، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه ابن رُشْد بتعليل المنع بالتناقض والتعقب عليه بإطلاقه المنع فيه دون تفصيل الحال في المسلم إليه.
ولما ذكر المتيطي قول الغير في المدَوَّنة قال: ونحوه لعبد الملك في الثمانية.
قال ابن أبي زَمَنَيْن: هذه المسألة لا تحتمل النظر وجوازها استحسان، كذلك قال سَحنون، وإن وقع العقد بتسمية الثمن دون شرط نقده ولا تأخيره نقد منه ما قابل الآلة، وكلما عمل شيئًا دفع له بقدره.
قُلتُ: هذا خلاف قول التونسي لا يقدر أن يخص ما ينقده بالآلة ففي جواز السلم في سلم معين صانعه دون مادته ومنعه ثالثها: إن كان المسلم إليه من أهل حرفة صنعته أو قل ما يعجل منه لضرورة الشروع في العمل قبل مضي أقل مدة أجل السلم بالنسبة للباقي من المادة، ورابعها: إن نقد منابها لظاهرها مع حملها عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 260

ابن أبي زمنيْن وابن رُشْد والتونسي، والمتيطي، وتمام الكلام في السلم لذوي الحرف في فصل شرط الأجل.
وشرطه بتعلقه مبيعه بالذمه لازم: الباجي: اتفاقًا.

باب في الذمة

ابن عبد السلام: الذمة أمر تقديري يفرضه الذهن لا ذات ولا صفة لها.
قُلتُ: يرد بلزوم كون معنى قولنا إن قام زيد ونحوه ذمة والصواب في تعريفها أنها ملك متمول كلي حاصل أو مقدر عنه ما أمكن حصوله من نكاح أو ولاية أو وجوب حق في قصاص أو غيره مما ليس متمولًا؛ إذ لا يسمى ذلك في العرف ذمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 261

وفي طرر ابن عات في ترجمة السلم في ثمر حائط بعينه: من استسلف ملا وأخذ سلمًا، وقال: أؤدي إليك من مالي من قرية، كذا فحيل بينه وبين ماله ذلك فطلبه المسلم بدينه فأفتى صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرؤوف، وابن الشقاق، وابن دحون وغيرهم بلزوم أداء دينة.
وأفتى أبو المُطَرِّف عبد الرحمن بن بشر: أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتلك القرية فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين فرجعوا إليه عن جوابهم الأول واحتج لجوابه بسماع أشهب وابن نافع في الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء لما عليه من تلك الغيبة إنه لا يؤخذ ذلك من ماله.
قال ابن سهل: أخبرني بجميعه أبو مروان بن مالك فذكرت ذلك المعينة انه لابن عتاب قال لي: لا أذكر أنها نزلت عندنا، وينبغي أن لا يجوز كما قال ابن القاسم في الرواحل والدواب من المدَوَّنة فيمن ابتاع سلعة بدنانير لع معينة غائبة، ولم يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، قال: وليس مسألة العطاء من ذلك؛ لأن العطاء كان مأمونًا.
قُلتُ: فالحاصل أن في النازلة المذكورة ثلاثة أقوال: صحة البيع والقضاء بغرمه من عموم ماله.
وصحته وقصر القضاء على المال المشترط القضاء منه.
وفساد البيع، وأخذه ابن عتاب من مسألة الدنانير الغائبة، يرد بأن التعيين فيها أشد منه في النازلة المعينة؛ لأن مسمى ماله في قرية كذا وسماها ابن سهل بما أحرفه،

الجزء: 6 - الصفحة: 262

وهو أوسع من الدنانير المعينة.
قُلتُ: مسألة سماع أشهب هي في رسم الأقضية من كتاب المديان.
قال ابن رُشْد: (تكررت في آخر السماع)، ومعناها: أنه حكم للعطاء بحكم الدين الثابت في ذمة في أن مصيبته ممن اشتراه إن مات من عليه الدين أو فلس، ومعناه في العطاء: المأمون فإن اشترى سلعة بدين على أن يقضيه من عطائه إذا خرج فلم يخرج بطل حقه، وإن خرج بعضه حل عليه من الدين بقدره على ما في آخر السماع، وكذا لو اشترى العطاء فلم يخرج لم يكن له على هذا القول شيء، وقيل: إن تعين في عطائه أو باعه كان ذكر العطاء كالأجل وتعلق ذلك بذمته إن لم يخرج العطاء أو مات قبل خروجه واختاره محمد ورواه أشهب في الواضحة وهو الآتي على قول الغير فيها: فيمن اشترى سلعة بدنانير له غائبة انه يضمنها إن تلفت وإن لم يشترط الضمان، وعلى قول ابن القاسم فيها لا يجوز التعيين في العطاء إلا بشرط الخلف، فيتحصل ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز البيع إلا بشرط الضمان إن لم يخرج العطاء.
والثاني: الجواز والحكم الضمان.
والثالث: الجواز ولا يلزمه ضمان.
وأما العطاء غير المأمون فلا يتعين فيه حق باتفاق، ويختلف في جواز ذلك بغير شرط الخلف على قولين، ويحتمل حمل هذه الرواية على العطاء المأمون، وما فيه الواضحة، وقول محمد علي غير المأمون فلا يكون في المسألة اختلاف إلا في جواز البيع، بغير شرط الخلف في غير المأمون.
قُلتُ: فالحاصل أن معنى مسألة سماع أشهب غنما هو راجع إلى بيع العطاء نفسه دون تعلقه بذمة بائعه فصار.
كبيع دين على مدين حسبما نص عليه ابن رُشْد بقوله: حكم العطاء بحكم الدين الثابت في الذمة، وذلك خلاف ما فهمه منها أبو المُطَرِّف مستدلًا به على فتواه في النازلة المذكورة، لا يتصور أو كسلعة غائبة مأمونة، فانحصر تعلق البيع والعوضية به والعين، لا تنافي تعلق البيع بها من حيث تعيينها مع أمنها والنازلة

الجزء: 6 - الصفحة: 263

المذكورة هي سلم على أن يدفعه من ماله بقرية كذا، وهذا يمنع كونه كبيع دين؛ لأن طلبه إنما هو من بائعه لا من غيره، والدين المبيع إنما يطلب به غير بائعه، ويمتنع كونه كبيع سلعة غائبة؛ لأن السلعة الغائبة يمتنع السلم فيها لامتناعه في المعينات اتفاقًا حسبما قاله الباجي، وإذا بطل الأمران فيها لزم تعلق البيع فيها بذمة البائع وكلما تعلق بالذمة لزم تعلقه بكل مملوك لذي الذمة، والعجب من ابن عات في عدم ذكره كلام ابن رُشْد مع كثرة نقله عنه.
الباجي: وكون المسلم فيه موجودًا، عند حلول أجله شرط فيها ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في إبانه وإن شرط أخذه في غير إبانه؛ لأنه شرط ما لا يقدر عليه.
ابن بشير: وشرط أبو حنيفة كونه مقدورًا على تسليمه في جميع أثناء الأجل لئلا يموت المسلم إليه في أثنائه فيجب تعجيله، وعندنا خلاف في مراعاة الطوارئ البعيدة فيجري هذا الشرط على رعيها.
ابن عبد السلام: في هذا نظر لاحتمال اتفاق أهل المذهب على إلغاء احتمال الموت والفلس في هذا، وإن اختلفوا في مراعاة الصور النادرة لاحتمالها شهد الشرع بإلغائه في الأجل لجواز البيع إلى أجل طويل إذ لو روعي ذلك الاحتمال كان الأجل غير منضبط فيكون العقد ذا غرر فيمنع وهو باطل قطعًا.
قُلتُ: رده بقوله: لاحتمال اتفاق أهل المذهب على إلغاء احتمال الموت والفلس لا يخفى ضعفه لأن احتمال الاتفاق لا يوجب ثبوته؛ لأنه من جملة أفراد القضية الضرورية القائلة احتمال الشيء لا يوجب ثبوته وهي بديهية وربما برهنت باستلزام نقيضها المحال وهو اجتماع الضدين والنقيضين، ورده ثانيًا بقوله: شهد الشرع بإلغاء هذا الاحتمال إلى آخره، يرد بأنه إنما ألغاه لتعذر المنجي منه في أمر حاجي أو ضروري وهو البيع بثمن مؤجل وصورة النزاع المنجي منه ممكن وهو دوام وجود المسلم فيه مدة الأجل.
وفيها: لا يجوز السلم في نسل حيوان بعينه من الأنعام والدواب بصفة وإن كانت حوامل إنما يكون السلم في الحيوان مضمونًا لا في نسل حيوان بعينه.
اللخمي: لأنه إن لو يوجد بتلك الصفة كان رأس المال تارة سلفًا وتارة بيعًا،

الجزء: 6 - الصفحة: 264

ويجوز إن لم يقدم رأس المال وقرب الوضع إن خرج على الصفة أخذه، ودفع الثمن وإلا فلا بيع بينهما ويختلف إن بعد الوضع لموضع التحجير، فأصل ابن القاسم جوازه وأصل غيره منعه.
قُلتُ: هذا إشارة إلى قوليهما في عقد الكراء على أرض البعل غير المأمونة في أكرية الدور والأرضين فيها وهذا على أصله في إجازته بيع ما فيه غرر إذا وقف ثمنه وكرره في مواضع، ومثله قول المارزي إن شرطا وقفه الثمن فإن خرج الجنين على الصفة المشترطة تم البيع جري على القولين المشهورين فيمن اكتري أرضًا غرقة ووقف الثمن لاختبار انكشاف الماء وفيمن اكترى دابة بعينها على أن لا يركبها إلا إلى أجل بعيد بشرط وقف الثمن.
ورأى السيوري: إذا بيعت الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية على وقف الثمن لاختبار سلامتها جاز بيعها كذلك، وهو ظاهر التعليل في قوله ?: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ويجري هذا على القولين في الأرض والدابة.
وقال ابن شاس: لا يجوز السلم في نسل حيوان بعينه ولو وصف، نقد أو لم ينقد.
وقال السيوري: إن لم ينقد وشرط إن وافق الصفة تم البيع جرى على القولين في الأرض الغرقة.
قُلتُ: الصواب منع تخريج الجواز في مسألة السلم في نسل حيوان بعينه مما ذكرو.
وفي الثمر قبل زهوة على التبقية، ووقف الثمن لقيام دليل المنع وفساد التخريج فيهما أما دليل المنع، فالأحاديث الدالة على فساد بيع الغرر إذ لا خفاء في وجوده في مسألة نسل الحيوان وهو الغرر الناشئ عن احتمال حصوله بالصفة المشترطة وعدمه.
وفي مسألة السيوري: الغرر الناشئ عن احتمال سلامة الثمرة وفساده ونفي علة فساده المشار إليها في الحديث بوقفه لا نفي مطلق علة فساده بغيرها وهو الغرر اللاحق

الجزء: 6 - الصفحة: 265

للمبتاع في وقفه ماله لأمر يحتمل حصوله وعدمه، وفساد تخريجه من قول ابن القاسم فيها في الأرض الغرقة والدابة المعينة بالفرق بينهما وبين صورة النزاع، وذلك أن البيع يقتضي لذاته تعلقه بعوضين ويستحيل تقرره بأحدهما والعوضان في مسألة الأرض حاصلان؛ لأن الأرض حاصلة في ملك مكريها فصح تقرر عقد الإجارة لتقرر عوضيها حاصلين، وكذا في الدابة المعينة والغرر إنما تعلق بصفة العوض وهو انكشاف الماء عن الأرض واستمرار سلامة الدابة وهما خارجان عن ذات العوض، والغرر في صورة النزاع متعلق بذات المبيع وهو نفس النسل المسلم فيه لعدم تقرره في ملك البائع له حين العقد عليه، ولا يلزم من إلغاء الغرر المتعلق بأمر خارج عن ذات العوض إلغاء الغر المتعلق بذات العوض ونحو هذا مذكور في مسألة كراء الأرض.
ابن شاس: لو كان في نسل نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها جاز.
قُلتُ: ظاهره: أنه هو المذهب وظاهر المدَوَّنو منعه مطلقًا هنا وفي الزكاة الثاني في السلم إلى الساعي ويتخرج جوازه من قول بعض الشُيُوخ يجوز السلم في ثمر قرية صغيرة لمن لا ملك له فيها إن كان الغالب بيع بعض أهلها قدر ذلك.
قُلتُ: لا يجوز السلم في ثمر حائط بعينه قبل زهوه ولو شرط أخذه رطبًا فإن أزهى جاز بشرط أخذه رطبًا لا تمرًا؛ لأن مدة إرباطه، وغرر بعد مدة صيرورته تمرًا، وتأجيل قدر ما يأخذه مفرقًا وكله إن شرط أخذه دفعة؛ لان محله البيع لا السلف، والشروع في أخذه أو لأيام قليلة وتأخيره خمسة عشر يومًا قريب، وكون الحائط في ملك المسلم إليه ولو انقطع ثمر الحائط قبل تمام قبض الثمر ففي مضي ما قبضه بمناب قيمته من الثمر في أوقاته كالأكرية أو بقدره كجائحته في شراء جميعه، قولان، لابن محرز عن ابن شبلون، مع اللوبي وعبد الحق عن القابسي وابن محرز عن ابن مزين عن عيسى بن دينار.
اللخمي: إن كان شرط أخذه في يومين فعلى القدر، وإلا فعلى القيم، وسمع أشهب إن شرط أخذه رطبًا فأثمر قبل أخذ جميعه لم يأخذ بقيته تمرًا؛ لأنه بيع رطب بتمر.
ابن محرز لتهمتهما على تعمدهما تأخيره وكذا ما يتهمان عليه ولو أجيحت ثمر

الجزء: 6 - الصفحة: 266

الحائط جاز أخذه ما تراضيا عليه من عين وطعام وغيره لنفي التهمة، ويراعى في أخذه السلامة من فسخ الدين في الدين والصرف المستأخر وسلف جر نفعًا.
والفرق بين منع شراءه ثمر الحائط كيلا على تركه ليصير تمرًا، وجواز شرائه جزافًا على ذلك أن ضمان المكيل من بائعه فيما قل أو كثر والجزاف لا ضمان على البائع فيه إلا ضمان الجائحة، فكان الغرر في الجزاف يسير فلم يمنع صحة البيع، وكثر في المكيل فمنع، ويعتبر هذا المعنى بجواز النقد في عهدة السنة لقلة الغرر وكراهته في عهدة الثلاث لكثرته.
قُلتُ: في هذا التعليل نظر؛ لأن الضمان، مهما قل في حق البائع كثر في حق المشتري وكذا العكس فإن أوجبت الكثرة الغرر لزم مطلقًا ولأجل هذا وهم ابن بشير في هذه المسألة، فاعتقد المذهب على عكس ما نقله ابن محرز، فقال ما نصه: وهل يجوز أن يشتري بعد الزهو ويشترط أخذه تمرًا، أما إن اشترى مكيلة فيجوز ذلك، وإن اشترى جملة الحائط فلا يجوز، والفرق كثرة الغرر مع اشتراء الجملة؛ لأن الضمان من المشتري إلا حكم الجائحة، وقلة الغرر إذا اشترى مكيلة؛ لأن الضمان من البائع، وأراد اللخمي المساواة بينهما وليس كما قال.
قُلتُ: ألفاظ المدَوَّنة كالنص في أن الحكم ما قاله ابن محرز، وما نقله عن اللخمي من المساواة لم أجده في تبصرته، وإنما سوى بين الشراء على الكيل والجزاف في شراء الزرع بعد أن أفرك، وأشار في المدَوَّنة إلى الفرق بأنه إذا اشترى على الكيل لزم تأخير ضمانه لكيله، ومن لوازمه منه انتفاعه بشيء منه قبل إرطابه، ولا خلاف أنه مبيع من حيث تعيينه لا أنه مضمون، فإذا كان أمد كيله إرطابه قرب قبضه فلم يدخله بيع معين يتأخر قبضه.
وإذا اشتراه على الجزاف ضمنه بنفس العقد وكان له التصرف فيه من حينئذ، وانتفى عنه مطلق التأخير.
وفيها: إن انقطع ثمر الحائط بعد أخذه بعض سلمه رجع بحصة ما بقي من الثمن وله أن يأخذ بتلك الحصة ما شاء من السلع معجلًا.
الصقلي عن محمد: وكذا صبرة يشتري منها كيلًا فتقصر عنه، والمسكن ينهدم قبل تمام المدة.
ابن أبي زَمَنَيْن لبعضهم عن ابن القاسم: يأخذ به عنه ما شاء إلا ما هو من صنف

الجزء: 6 - الصفحة: 267

الثمر الذي أسلم فيه فلا يأخذ منه إلا قدر ما بقي له لتهمة التأخير على سلف جر نفعًا.
قال بعض القرويين: وعليه لا يأخذ ذهبًا عن ورق ولا عكسه لتهمة على صرف مستأخر.
قُلتُ: إن رد بأن مطلق التهمة على صرف مستأخر أضعف من تهمة دفع قليل في كثير.
قُلتُ: قد اعتبرها في بيوع الآجال إن كان الصرف بينهما على السعر وألغاها إن كان أقل من السعر فتعتبر هنا إن كان بأكثر من السعر وفيها: تراضيهما على تعجيله قبل الوقت الذي شرطاه جائز إن كان على صفته.
اللخمي: أجاز أخذ ما طاب الآن عن ما يطيب بعده وهو طعام بطعام غير يد بيد فإن قصد المعروف جاز، وإن قصد التصرف في ثمر حائطه وإن أجيحت الثمرة لم يرجع بشيء جاز وإن كان ليرجع بمثل ما دفع لم يجز إلا على وجه السلف.
ومنع ابن القاسم في كتاب الحبس من وهب عشرة أقساط من زيت جلجلان له أن يعطيه ذلك من غيره؟ قُلتُ: إنما شبه مسألة الجلجلان لو عجل له ذلك من غير ذلك الحائط، والمعجل هنا منه والمبيع منه غير معين فيه فما عجل منه كان نفس المبيع ولم يجب عنه المازري بشيء.
وفيها: (إن هلك المتبايعان لزم البيع ورثتهما).
وفي تهذيب عبد الحق: قال بعض شُيُوخنا: إن مات قبل إرطاب التمر أخر مبتاعه لإرطابه وحلول الحق بموت من هو عليه إنما هو فيما تعلق بالذمة، والحق هنا في معين لا في ذمة؛ لأنه لو أجيح رجع في رأس ماله.
عبد الحق: وينبغي أن يكون للورثة قسم التركة ويترك التمر لصيرورته ربطًا لمبتاعه، وليس له منعهم من القسم إن أجيح بأن الثمر قد يجاح فيرجع لرأس المال، لأن التأخير لإرطابه قريب، والغالب السلامة، ولو كان على الميت ديون وطلب أربابها بيع ثمن الحائط، ويستثنى منه قدر حق هذا من الثمر وهو كثير ففيه نظر.
الصقلي: الظاهر أن ليس لهم ذلك؛ لأن الذي له السلم مبدى فيه بحقه والصبر

الجزء: 6 - الصفحة: 268

للإرطاب قريب.
قال ابن عبد السلام: لو كان على الميت دين فطلب أربابه بيع ثمن الحائط لدينهم ويستثنى قدر حق المشتري، من الرطب، فقال بعض الشُيُوخ: في ذلك نظر ثم ذك كلام ابن يونس وقال: كان يمشي لنا في المذاكرات أن تمكينهم من البيع يتخرج على القولين فيمن استثنى في بيع غلة حائطه أو سقاء الثلث فأقل فأجيح ثلث الغلة فأكثر فعلى تبدئته فيما استثنى لا ضرر على المسلم في الصورة التي تردد فيها.
الشَّيخ: وعلى عدم تبدئته لا يمكن أرباب الديون من البيع؛ لأنه يبطل على المسلم حقه في تبدئته.
قُلتُ: فيما ذكره نظر من وجهين: الأول: أن المسألة التي توقف فيها عبد الحق إنما عبر عنها بقوله: ويستثنى منه قدر حق هذا من الثمر وهو كثير وكذا نقلها ابن يونس فظاهره أنه أكثر من الثلث، ونصه: أنه غير محدود به، والمسألة التي خرج منها مقيدة بكون المستثنى الثلث فأقل حسبما ذكرها كما هي في الروايات، فمسألة النظر مباينة مبطلة للقياس ضرورة أن حكم الأصل مشروط يكون المستثنى الثلث فأقل، وصورة الفرع وهو ما جعله عبد الحق محل نظر هذا الشرط فيها مفقود، إما لانها مفروضة على انها مقيدة بنقيضه وهو قوله: (وحقه من الثمر كثير) إن حملنا كثير على أكثر من الثلث أو على أنها عرية عن اعتباره لوضوح دلالة لفظ كثير على عدم التقييد بكونه الثلث فأقل.
الثاني: أن نقول قال اللخمي وغيره في كتاب الجوائح: من اشترى عشرة أوسق من حائط بعينه فأجيح بعضه بدي المشتري فيما بقي بالمكيلة التي اشترى ولو اشترى غيره بعده قدر مكيلة أخرى فأصيب بعض الحائط بدي المشتري الأول على المشتري الثاني وما فضل عنهما لرب الحائط، ولا يحاص الثاني الأول؛ لأن الثاني إنما حل محل البائع، وحق البائع مؤخر عن حق الأول.
واختلف فيمن باع ثمر حائطه جزافًا واستثنى مكيلة الثلث فأقل، فقال مالك: يبدى صاحب الحائط بما استثنى.

الجزء: 6 - الصفحة: 269

قُلتُ: ومن البين أن مسألتنا وهي بيع الغرماء لثمر الحائط مع استثناء مكيلة المشتري إنما هي كمسألة من باع من حائطه مكيلة ثم باع من آخر مكيلة لاشتراكهما في تبدئة المشتري فيهما على رب الحائط لا كالمسألة التي زعم الإجراء عليها.
فإن قلت: ما ذكرتموه أولًا يرد بما إذا كان التمر المبيع عن الحائط كثيرًا أكثر من الثلث أو غيره مقيد بكونه الثلث فأقل كان من الواضح منع بيع الحائط واستثناء هذا القدر فلا يكون محلًا للنظر بكونه عند قائله محلًا له يوجب كونه كالثلث فأقل.
قُلتُ: إنما ينتج هذا تقييده بكونه القلق فأقل لو انحصر موجب النظر فيما في بيعه مستثنى منه الثمر المبيع بوصف كونه مكيلًا ولا موجب لانحصاره فيه لجواز بيعه مستنثى منه الثمر المبيع، من حيث كونه جزء الحائط يكون خرصه ستين وسقا ومكيلة المشتري عشرون وسقا فمحل النظر هل يباع نصف الحائط أو ثلثاه لغلبة أمن الثمر لإرطابه أو لا يباع لاحتمال الجائحة المفوتة ما بقي بقدر جزء المشتري؟ وفيها: إن أسلم فيه بعد زهوة وشرط أخذ ذلك ثمرًا لم يجز لبعد ذلك وقلة أمن الجوائح فيه، وفي فوته بمجرد قبضه ولزوم فسخه قولا أَصْبَغ مع الشَّيخ ونقله رواية محمد وابن شبلون قائلًا: ليس كمن أسلم فيه وقد أرطب، وشرط أخذه تمرًا؛ لأن التمر من الإرطاب قريب ومن الزهو بعيد وصوب الصقلي الأول لقول مالك: إن أسلم في زرع قد أفرك وشرط أخذه إن فات مضى.
وصرح عياض بأن قول الشَّيخ فوته بقبضه قال، وقال غيره بالعقد، وعزا ابن رُشْد لسلمها الأول فسخه وإن قبض ما لم يفت بعد القبض.
وفيها: جواز السلم في كل رطب الفواكه كالرمان والقثاء والبطيخ كالحائط بعينه، وفي لبن غنم بعينها أو صوفها أو أقطها أو جبنها أو سمنها وكره أشهب السمن.
ابن محرز: منعه فيه، وفي الأقط.
التونسي: قال عنه محمد.
ابن محرز عن سَحنون: قوله هذا خير من قوله في الصناعات؛ يريد: بيع ثوب على أن يخيطه البائع أو جلدًا على أن يخرزه أو قمحًا على أن يطحنه، وأجازه ابن القاسم وأشهب لا من وجه خروجها غالبًا وكذا السمن والأقط عن ابن القاسم، ولسَحنون

الجزء: 6 - الصفحة: 270

إنما كره أشهب السمن؛ لأنه كالزيتون على أن على البائع عصره.
الشيخ: إنما يصح هذا التعليل لو أسلم إليه في كيل من اللبن على أن يخرج له بائعه منه سمناً أو أقطعا غير معلوم القدر، وهذه المسألة إنما أسلم إليه في سمن أو أقط معلوم.
الصقلي: إنما كرهه لبعده كاشتراط الزهو تمراً.
وفيها: ما ينقطع من الثمار في بعض السنة أسلم فيه في أي إبان شئت واشترط أخذه في إبان عبد الحق: عن بعض شيوخه، لو مات المسلم إليه قبل الإبان وقف قسم التركة إليه.
ابن رشد: إنما يوقف إن خفيف أن يستغرقها ما عليه من السلم، وإن قل السلم وكثرت التركة وقف قدر ما يرى أنه يفي بالسلم وقسم ما سواه إلا على رواية أشهب، أن القسم لا يجوز وعلى الميت دين وإن كان يسيراً عبد الحق عن بعض شيوخه إن كانت ديون منه لابقيمته لو أسلم فيه الآن على أن يقبض في إبانه.
زاد ابن رشد: إلا على قول سحنون ذو السلم المرجل يحاصص بقيمة سلمه إلى أجله لا بقيمته الآن حالاً.
عبد الحق عن بعض شيوخه: إن جاء الإبان، فكان غالياً فلا شيء له وإن كان أرخص فلا زيادة له على حقه.
الصقلي: ما طار له في الحصاص وقف ليشتري له في الإبان إن نقص عن حقه اتبع بباقية ذمة الميت وإن زاده فالزيادة لمستحقها من وارث أو ذي دين.
قلت: في تعليقه أبي عمران بعد ذكره ما تقدم من الحصاص.
وذكر الشيخ: أن أبا الحسن قال: توقف ما في ذمة الغريم إلى الإبان فعابه وأنكره الصقلي لو هلك كان من الميت؛ لأن له نماءه وحق هذا ليس عين ما وقف له.
ابن رشد: إن جاء الإبان وهو أغلى مما قوم به فلا رجوع له عليه على الغرماء، وإن كان أرخص فلا رجوع لهم عليه في الزائد ما بينه وبين جميع حقه، وما فضل عنه فهو لهم.
ابن عبد السلام: إنما لم يحكم في هذه المسألة بقول ابن القاسم فيما وقف للغريم من

الجزء: 6 - الصفحة: 271

مال المفلس لأن مسألة السلم لم يحل الأجل فيها؛ لأن الإبان لم يأت فلم يتمكن المشتري من حقه بوجه ولو حل الأجل كان كما وقف للغريم من مال المفلس.
قلت: الأجل حل بموته والأولى ان يقال: كون سبب الوقف أمراً خارجاً عن تسبب رب الدين بغيبته يمنع جزيها على ضمان ما وقف لرب دين على مفلس.
قلت: قال أبو عمران ما هلك في الوقف فهو ممن وقف له كقول ابن القاسم في كون العين من الغرماء قيل له: الغرماء ليس لهم إلا الموقف وهذا حقه في عرض يشتري له قال: هذا يؤدي إلى قول المغيرة العين من أصحابه والغرض ممن له العرض وهو خلاف المذهب.
وفيها: إن شرط أخذه في إبانه فانقطع قبل أخذ ما أسلم فيه قال مالك: يتأخر من له السلم لإبانه.
عياض: في لزوم التأخير لإبانه أو إن طلبه أحدهما، ثالثها: يخير المسلم في التأخير والمحاسبة، ورابعها: إن قبض أقله لزمت المحاسبة وإن قبض أكثره جاز له التأخير ولا وجه له وعكسه أقيس وأسعد بلفظ الكتاب، وخامسها: وجوب المحاسبة، وسادسها: هذا إلا أن يجتمعا على التأخير لسحنون مع أول قولي مالك، وثانيهما: وظاهر قول ابن القاسم فيها مع نصه في الموازية وفي عزو الثالث لابن القاسم أو لسحنون تأويلان ورواية الصقلي أو أشهب وأصبغ.
المازري: في لزوم التأخير أو المحاسبة أو إلا أن يرضيا المحاسبة أو التأخير، خامسها يخير المسلم، فأسقط من نقل عياض الثاني والرابع، وجعل الخامس وجوب التأخير إلا أن يجتمعا على المحاسبة، وتبعه ابن بشير، وزاد عن ابن القاسم إن قبض الأقل وجبت المحاسبة، وإن قبض الأكثر وجب التأخير على إعطاء المتبوعات حكم ما تبعها، وحكى اللخمي: قول أصبغ بزيادة سواء كان ذلك بمطل منه أو غيره.
وقول أشهب أحسن إن كان فوت الثمرة بجائحة، وإن كان بلد المطلوب، وقاله ابن حبيب إن هرب المسلم برأس المال او المسلم إليه فلم يقبض رأس المال حتى حل الأجل، فأرى أن يرفع المسلم إليه للحاكم الرطب فيحكم له ببراءته منه وببيعه للغائب إن خشى فساده

الجزء: 6 - الصفحة: 272

إلى حضوره.
قلت: ويؤيده قولها في المدين الحالف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل كذا فيغيب الطالب ولا وكيل له فله الرفع إلى الإمام لأداء الحق الذي حلف عليه.
قلت: فمجموع الأقوال تسعة، ستة.
عياض: وما زاده المازري وما نقله ابن بشير عن ابن القاسم، واختيار اللخمي، وإن عد قولا قول عياض وعكسه أقيس وأسعد بلفظ الكتاب كان عاشراً، وفي عد مثل هذا قولا نظر، وربما مر بي في كلام ابن رشد ما عده يقتضي عده قولا.
الصقلي: قال أشهب: من غصب شيئاً فلم سجد مثله خير ربه في تأخيره لوجود مثله وتغريمه قيمته وهذا نحو ما تقدم لابن القاسم وينبغي على أصل أشهب أن يغرمه القيمة ولا يجوز تأخيره.
قلت: قد يفرق بأن خروج العوض من يد ربه في السلم باختياره فأمكنت تهمته، وفي الغضب بغير اختياره فبعدت.
قال ابن الحاجب: فلو اخره ححتى انقطع فالمشتري بالخيار في الفسخ والإبقاء.
قال ابن عبد السلام: يعني لو أخر المشتري قبض ما أسلم فيه لم يقبض منه شيئاً حتى انقطع إبانه خير في فسخ العقد والتربص لعام آخر، وهذا يظهر إن كان التأخير من منع البائع وهو بعيد من لفظ المؤلف، وإن كان التأخير من سبب المشتري وحده فلا وجه لتخييره؛ لأن تأخيره ظلم.
قلت: تفسيره هذا اللفظ بقوله: يعني لو أخر المشتري إلى آخر تعقبه يرد بأن التعقب إنما جاء من تفسير المرجوح، وهذا لأن فاعل أخر إنما هو ضمير عائد على البائع لا على المشتري كما قال زاعماً أن كون التأخير من البائع بعيد بل الأبعد ما فسره به من كونه عائداً على المشتري وهذا لأن الضمير الفاعل في آخره لو كان عائداً على المشتري لما قال: فالمشتري بالخيار، بل كان يقول: فهو بالخيار فعدوله عن ذلك قرينة تهدي المنصف إلى عود الضمير على البائع ولهذا تلقاه ابن هارون بالقبول، والمسألة جارية على مسألة تأخير الضحايا المسلم فيها لوقتها عنها، سمع القرينان في كتاب الضحايا من أسلم إليه في ضحايا ليأتي بها للأضحى فلم

الجزء: 6 - الصفحة: 273

يأت بها إلا بعد ذلك، أو في قطائف للشتاء فيأتي بها للصيف، والقمح ليأتي به في إبان يغلو فيه فيأتي به بعد ذلك على المشتري قبول ذلك ليس كالمكري للحج يأتي بعد إبانه.
ابن رشد: إنما فرق الحج وغيره؛ لأن منفعته مخصوصة بأيام معينة، ومنفعة الضحايا أثمانها وقد يحصل في غير إبانها، وروى مطرف: إن أتاه بها قرب الأضحى بعد اليوم واليومين لزمته وإن أتى بها بعد الأيام الكثيرة لم تلزمه وهو جار على الخلاف، في السلم ينعقد على النقد فيتأخر إلى حلول الأجل بهروب المسلم وهو عرض على ما في المدونة أو عين على ما حكى ابن حبيب فعلى قولها بلزوم السلم يأتي قوله بلزوم الضحايا.
وعلى نقل ابن حبيب عن ابن القاسم وهو قول ابن وهب ان المسلم إليه بالخيار إن كان الهارب المسلم لكون المسلم إليه فالخيار وفي مسألة الضحايا إذا لم يأته بها إلا بعد الأضحى بكثير، وفي إلزامه إياها بالقرب دون البعد نظر لكساد اللحم قرب أيام الأضحى لكثرته بايدي الناس من ضحاياهم.
اللخمي: لو مطل بالأضحية لعام قابل أو بالفاكهة لو قت إبانها لم يجبر على قبولها على قول أشهب وأصبغ، ويختلف على قول ابن القاسم هل يجبر على قبولها كعيب ذهب، واختلف فيمن أكترى سفينة فدخل عليه الشتاء فلم يتفاسخا حتى عاد إبان السفر وهذا مثله.
وفي تهذيب أبي سعيد: وأم القرى الصغار أو قرى ينقطع طعامها أو ثمرها في بعض السنة فلا يصلح من السلف في ثمرها إلا ما يجوز في حائط بعينه وقد ذكرناه.
عبد الحق: في تعقيبه هذا يقتضي إنها في كل الوجوه كالحائط بعينه، وليس في الأم تشبيهها بالحائط بعينه، ولفظ الأم لا يصلح أن يسلف في هذه إلا أن يسلف في ثمرها إذا أزهى ويشترط أخذه رطباً أو بسراً لا تمراً لأنه ليس فيها بمأمون، فإنما أخبر أن هذا ليس بمأمون ولم يشبهها بالحائط بعينه.
وقال بعض شيوخنا القرويين: السلف في القرية الصغيرة حكمه حكم الحائط بعينه في وجهين: أنه لا يسلم في ثمره إلا بعد زهوه.

الجزء: 6 - الصفحة: 274

وفي شرط أخذه بسراً او رطباً: ولا يجوز شرط أخذه تمراً وتخالفه في وجهين: في أنه يجوز ان يسلم فيها إلى من ليس له في القرية حائط؛ لأنه مضمون عليه.
وفي انه لا يجوز تأخير رأس المال.
ورأيت لبعض الاندلسيين منع السلم فيها لمن ليس له ملك فيها.
قلت: ولفظ أبي سعيد فيها كلفظ مختصر ابن أبي زيد وما عزاه لبعض الاندلسيين عزاه الصقلي لابن أبي زمنين وابن محرز قال: وهو خلاف قول أبي محمد.
ابن زرقون: وعليه تأول التونسي المدونة.
عياض: ظاهرها: انه لا سلف فيها لمن لا ملك له فيها لقولها: لا يسلم فيها بعد الزهو.
قال بعض الشيوخ: فلو جاز لمن لا ملك له فيها لما شرط طيب الثمرة؛ إذ لا يشترط طيبها إلا في المعين، وقاله فضل وابن أبي زمنين وابن محرز.
وقال بعضهم: يجوز: لمن لا ملك له فيها إن كان شأن أهلها بيع ثمارهم ووجود ما اشترى غالباً بيعه، ولو استغرق السلم ثمار القرية او لما جرت العادة ببيعه منها لم يجز وإليه نحى الشيخ.
قال ابن محرز: لم يختلفوا في وجوب تقديم رأس المال: قال أبو محمد: لأنه مضمون وهذا على أصله، وعلى قول من يراه كالحائط بعينه يجريه مجراه في تقديم النقد وتأخيره ذكره عبد الحق عن أبي عمران، وقال: تقديم النقد احوط وإلا فحقيقته أنه كالحائط في كل أحواله، وكر عبد الحق عن بعض الشيوخ انها توافق الحائط بعينه في وجهين ويخالفه في وجهين، فانظر هذا مع القول الأول انه إذا أسلم لمن لا ملك له فيها جاز اشتراط اخذه تمراً لوجود ذلك على الصفة عند الأجل وفيه نظر، ولو كان كما قال: لم يكن بينهما وبين المأمونة فرق، ولو انقطع ثمرها قبل استيفاء ما أسلم فيه ففي وجوب المحاسبة وجواز التأخير قولان، ولو أجيحت لزم التأخير.
وفيها: لا بأس بالسلم في طعام قرية بعينها او ثمرها أو حبها في إبانه وقبله

الجزء: 6 - الصفحة: 275

ويشترط أخذه في إبانه إن كانت مأمونة كمصر وخيبر، ووادي القرى لمن ليس له في شيء من ذلك ملك، والسلم في حديد معدن بعينه كالقرية بعينها في أمنه وقلة أمنه.
وشرطه بكونه لأجل معلوم ومعروف المذهب.
الباجي: هو ظاهر المذهب وفي أقله اضطراب.
الباجي: روى ابن عبد الحكم وابن وهب يجوز إلى يومين زاد ابن عبد الحكم أو يوم.
القاضي: أخذ منه بعض أصحابنا السلم الحال، وقال بعضهم: الأجل شرط في السلم اتفاقا وإنما الخلاف في قدره.
المازري: إلى الأول أشار التونسي ولا يحسن لإمكان كون غجازته لأجل قريب لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم إلى أجل معلوم.
قلت: في حد أقله مأخوذاً ببلد عقده بمجرد ما تختلف فيه الأسواق او بيوم أو يومين أو خمسة.
خامسها خمسة عشر، وسادسها شهر لقول مالك فيها ورواية ابن عبد الحكم وروايته مع ابن وهب وسماع عيسى ابن القاسم حين قال له: لو كان سلم البغال في الحمير لأجل قريب لا تهمة فيه قال: لو كان لأجل قريب الخمسة الأيام وشبهها لم أر به بأساً وقوله فيها، والمازري عن بعض الشافعية عن مالك واستبعده الباجي عن القاضي تغير الأسواق لا يختص بمدة إنما هو بحسب عرف البلاد ومن قدره بخمسة عشر يوماً أو اكثر قدره بعرف بلده.
الصقلي: عن أصبغ: إن وقع إلى يومين لم يفسخ؛ لأنه ليس بحرام ولا مكروه بين.
محمد: يفسخ أحب إلينا.
اللخمي: لابن وهب: السلم إلى يومين احب إلي من بعيد الأجل، وقال أصبغ: إن وقع فسخ وأراه فاسداً.
قلت: هذا خلاف نقل الصقلي عنه، وحمل ابن رشد سماع عيسى على ظاهره،

الجزء: 6 - الصفحة: 276

وقال: هو خلاف مشهور قوله.
ونقل غير واحد عن ابن بشير أنه قال في كتابه المسمى بالأنوار البديعة: يمكن أن يكون غرضه بالخمسة الأيام التحرز من سلم الشيء فيما يخرج منه أو لم يقصد الجواب عن الأجل.
وفي سلمها الثالث: إن أسلمت إلى رجل في طعام ببلد على أن تأخذه ببلد آخر مسافته ثلاثة أيام جاز لاختلاف سعريهما بخلاف البلد الواحد، صور المازري: المسألة بأن المسافة ما بين البلدين اليوم الواحد.
وذكر المتيطي عن بعض الموثقين: إن كان بلد القضاء كاليوم ونحوه فهو كالبلد الواحد لا يجوز إلا بأجل تختلف فيه الأسواق.
قلت: هو نقل ابن فتوح عن المذهب ومقتضى لفظ المدونة اعتبار ما هو مظنة لاختلاف سعريهما فكما اعتبر هذه المظنة في الزمان اعتبرها في المكان.
وفي لغو شرط تسمية الأجل فيه وافتقاره إليها أو إلى شرط الخروج عاجلاً قولا الموازية وابن أبي زمنين.
الصقلي: هذا أحسن.
اللخمي: لو لم يسميا أجلا ففي صحته ويجبر المدين على الخروج أو التوكيل عليه، وفساده قولان، وفساده أحسن.
قال: وسمع ابن القاسم سئل مالك عن قوم يقدمون من أرياف مصر على مسيرة يوم يبيعون لمن بالفسطاط طعاماً مضموناً يوفونه بالريف لا يضربون له أجلاً، قال: أذلك حال قال: نعم، قال: لا بأس به ولم يجعله على الجواز ولا على الحلول لمجرد العقد، وإلى هذا ذهب فضل إلى أن الدنانير والعروض سواء، فهو فاسد كذا وجدته في غير نسخة متصلاً بقوله: لا بأس به ولم يجعله إلى قوله فاسد.
وقال المازري، بعد إشارته غلى القولين، وأشار بعض شيوخنا لقول ثالث وهو كون السلم لا يحمل الخروج فيه على الفور او على التراخي وتعلق بما روي عن مالك لما سئل عن قوم من الريف يأخذون الدنانير على طعام يقضونه بالريف وبينه وبين موضع العقد مسافة قريبة فقال: أحال له فقيل نعم، فأجازه، وهذا لا يعد ثالثاً؛ لأنه إن

الجزء: 6 - الصفحة: 277

كان العقد محتملاً للتراخي والفور صار لأجل مجهول فيفسد كما لو شرط تأخير الخروج لأجل مجهول.
قلت: قوله: أشار إلى قول ثالث وهم إنما أشار إلى تقوية ما اختاره من القول بالفساد، ولذا قال آخر قوله فهو فاسد، وما ذكره اللخمي عن سماع ابن القاسم لم أجده بحال إنما فيه ما نصه، وسئل عن من سلف في طعام مضمون إلى أجل وشرط المشتري على البائع حمله من الريف إلى الفسطاط وإنما كان اشتراه منه على أن يوفيه إياه بالريف قال: ما أرى بهذا بأسا.
ابن رشد: لأنه بيع وإجارة أسلم إليه في الطعام على أن يوفيه بالريف واستأجره على حمله منه للفسطاط في صفقة واحدة.
وقول الباجي على اعتبار ما تختلف فيه الأسواق يجب أن يختلف رأس السلم باختلاف السلع إذ منها ما يكثر بغير أسواقه، ومنها ما يندر كالدر والياقوت، يرد بان الحكم المعلق على مظنة حكمه لا يختلف لندور حصول الحكمة كمسافة القصر بالنسبة غلى عموم الناس وأقلهم ذوي الترفه الذين لا يلحقهم بهذا القدر مشقة.
ابن بشير: لما حد ابن القاسم الأجل بخمسة عشر يوماً.
قال القاضي: هذا يجري على عوائد البلاد يختلف الأمر فيه باختلافهما، فظنه الباجي خلافاً، وليس كذلك ما قاله ابن القاسم شهادة بعادة، وما قاله القاضي تفسير.
قلت: ظاهره: أن الباجي صرح بكونه خلافا وليس كذلك، قال إثر قوله في مسألة الدر والياقوت: قال القاضي: تغير الأسواق لا يختص بمدة من الزمان إنما هو بحسب عرف البلاد، من قدر ذلك بخمسة عشر يوماً او أكثر غنما قدره على عرف بلده.
قلت: وهذا كالنص في جعله قول ابن القاسم وفاقا لقول من يخص كل موضع بعرفه.
قال ابن بشير: ظن اللخمي ان في المذهب قولين: أحدهما: أن مسافة ما بين البلدين تكفي عن الأجل.
والثاني: لابد من ذكره وليس كما ظنه بل لا خلاف في المذهب.
وللمسألة صورتان: إن كان السلم يحل بوصول البلد فلا حاجة للاجل، وإن كان يطول قدر زمن

الجزء: 6 - الصفحة: 278

الحلول فلا بد من ذكر الاجل.
قلت: ما نسبه للخمي لم يختص به؛ بل قاله المازري وغيره.
الباجي: ويجب على المسلم إليه الخروج لمحل القضاء متى بقى بينه وبينه قدر المسافة، فإن أبى أجبر على الخروج او توكيل من يقضي عنه.
ومن متأخري أصحابنا من قال: لا يكفي توكيله حتى يضمن الوكيل المسلم فيه خوف عزله فيبطل سفر المسلم، ويجوز عندي ان يقال: ليس له عزله لتعلق حق المسلم بوكالته كالوكيل على بيع الرهن، وعلى الخصومة بعد تقييد المقالات، وقال ابن بشير: ذكر الباجي عن بعض العراقيين انه يشترط في هذا أن لا يعزله، ورأى الباجي أن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه تعلق بالوكالة حق فليس له عزله، وإنما ينبغي ان يقال في هذا: ليس له عزله جملة ولكن له أن يستبدله إن لم يكن في ذلك مضرة على الطالب.
قلت: الذي في المنتقى وذكره ابن زرقون والمتبطي إنما هو شرط الضمان لا شرط عدم العزل، وشتان ما بينهما شرط عدم العزل يستقل به الموكل وشرط الضمان موقوف على التزامه الوكيل.
وفي سلمها الثالث: وإن أسلمت في طعام لأجل على أن تقبضه بإفريقية جاز، وليس لك اخذه بعد الأجل إلا بإفريقية.
عياض: انظر قوله إفريقية قال فضل: معناه سمى منها موضعاً وإلا لم يجز كمسألة مصر.
وقول الباجي يجب عليه الخروج متى بقي بينه وبينه قدر المسافة، ظاهره انه يجبر على الخروج قبل حلول الأجل ومثله قال اللخمي.
وقال ابن بشير: إذا حل الأجل امر بالخروج وهو أصوب لقولها: إن أبى الذي عليه الطعاك أن يخرج لما حل الأجل أو بعد حلوله أجبر، ومثله في كتاب الغرور منها.
اللخمي: وتقرر العادة بوقت قبض السلم تغني عن ذكره عادة وقت قبض سلم الزيت وقت عصره، وذلك شهر ينير، وفي الحبوب الخصاد، قال: والسلم في الشيء لمن هو من أهل حرفته جائز على الحلول.
قلت: ويخالف السلم أيضا في عدم وجوب نقد رأس المال في كتاب التجارة لأرض الحرب منها، وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم يأخذ كل يوم شيئاً

الجزء: 6 - الصفحة: 279

معلومًا ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذا كل ما يبتاع في الأسواق ويسمي ما يأخذ كل يوم وكان العطاء مأمونا ولم يره دينا بدين، وتقدم أخذ التونسي السلم الحال مطلقا من جوازه ليومين وأخذه غير واحد من إجازتها البيع مرابحة، والثمن عرض وهو أبين من أخذه بعضهم من الشفعة والثمن كذلك؛ لأن بيع المرابحة بيع اتفاقا والأخذ بالشفعة يشبه الاستحقاق.
المتيطي: روى أبو تمام جوازه حالا، وفي المرابحة ما يدل عليه.
قلت: وفي شراء الغائب منها: من له عرض دين فباعه، من رجل جاز ظاهره وإن حل وهو نفس السلم الحال، وأصرح منه قول هباتها، وكل دين لك من عين او عرض فلك بيعه من غير غريمك قبل محله او بعد بثمن معجل.
الباجي عن القاضي: رواية ابن عبد الحكم جوازه ليوم، رواية بجوازه حالا كقول الشافعي.
ومنهم من قال: الأجل شرط قولاً واحداً؛ إنما اختلف الرواية في قدره، وقول الباجي يصح تعيينه بالحصاد والجذاذ وخروج العطاء غن كان معروفا لا يختلف وكذا قدوم الحاج.
وتقدم شيء من هذا في بيوع الآجال.
الباجي: ويبين الأجل فيه وفي البياعات فيقول إلى أول شهر كذا أو آخره وإن قال: إلى شهر كذا حل بأول ليلة منه.
المتيطي: الصواب تأجيله بقولنا في أول الشهر من عام كذا وإن قال إلى شهر كذا احتمل ان يكون إلى آخره لقوله تعالى" (إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6]، قال ابن القاسم: المرفق داخل في الغسل، وقال ابن نافع: لا يدخل لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة:187]، فدليل قوله أن يحكم عليه بدفع السلم أول الشهر، وقال بعض الموثقين: بدخول يوم منه يلزمه القضاء.
ابن شاش: لو قال: إلى ثلاثة أشهر حسبت بالأهلة إلا أن يكون الشهر الأول انكسر في الابتداء فيكمل ثلاثين من الشهر الرابع.
قلت: هو نصها في أكرية الدور وفي تلفيق كسر اليوم اختلاف وكذا في قصر المعدود على تسعة وعشرين يوما تقدم في الأيمان وقوله في شهر كذا قال الباجي عن ابن

الجزء: 6 - الصفحة: 280

العطار: هو ضعيف وليس باجل محدود يكره فإن نزل مضى ويدفع ما بين اول الشهر، وىخره وفي هذا القول نظر.
ابن زرقون عن ابن لبابة: هو أجل مجهول.
ولمالك في المبسوط: هو أجل معلوم، ومحل الأجل في وسط الشهر او وسط السنة إن قال: في سنة كذا كالبيع غلى الجداد والحصاد.
ابن عات: لابن مغيث في وثائقه عن ابن لبابة: أنه يحكم له بالشهر كله قال: وهو اقيس، لقول مالك في المدونة: من حلف ليقضين فلانا حقه في شهر كذا فقضاه في آخره بر.
قال ابن الحاجب: وفي رمضان بآخره وقيل: إن كان آجلا يغتفر معه الشهر.
قلت: لم يعز ابن عبد السلام القول الثاني وعزاه ابن هارون للباجي وهو وهم إنما قال الباجي إثر قول ابن العطار: (وفي هذا القول نظر) فقط.
ولابن بشير في التهذيب إثر قول الباجي نظر ولا شك إن كان هذا القدر إن نسب للأجل اثر في الثمن نقصا او زيادة في فسخ السلم، وإن لم يؤثر فيه ذلك لقلته بالنسبة لبعد الأجل صح قول ابن العطار، فظن ابن هارون ان هذا من كلام الباجي وليس كذلك.
ولما ذكر ابن عبد السلام قول ابن العطار قال: إن قلت: هل في مسألة الحالف ليقضين فلانا حقه في شهر كذا دليل عليه؟ قلت: لا؛ لأن الأجل في الأيمان لا ينافي التوسعة بخلاف البيع؛ لأنه لو قال: لأقضينك في هذا العاك في أي شهر أردت أنا أو أردت أنت جاز ولو كان في البيع فسد.
قلت: ظاهره انه لم يقف على احتجاج ابن مغيث بمسألة المدونة وعزاه ابن عبد الغفور لغير واحد، وفي رده الشيخ بما ذكر نظر، يتضح بتقرير القياس وبيان ضعفه، فنقول أجمعوا على مساواة زمن البر الموجب تأخير الفعل االمحلوف على إيقاعه عنه الحنث لزمن وجوب الحق المؤجل في قوله: لأقضينك حقك يوم كذا واشتريت منك هذه السلعة بثمن كذا على دفعه يوم كذا فيجب استواؤها في قوله: في شهر كذا، ولما كان زمن البر المذكور هو آخر يوم من الشهر وجب كونه كذلك في البيع عملاً بوجوب

الجزء: 6 - الصفحة: 281

المساواة السالمة عن ملزوميتها الغرور الموجب فساد البيع، والصورة التي زعم النقض بها غير واردة، على هذا القياس، المذكور؛ لأن المثبت بالقياس المذكور المساواة في مسمى الوقت فيهما وهي حاصلة في صورة النقض، ولكن المساواة اقتضت في صورة النقض فساد البيع لملزوميتها الغرر، وذلك غير قادح في قياس المساواة حسبما بيناه في البحث معه في مسألة الأمة تعتق أثناء الصلاة ونحو هذا قياس الفقهاء إبطال نفي الإرث في طلاق المريض على قاتل مورثه بجامع التعدي المثبت الحكم بمعاملته بنقيض مقصوده وإن كان حكم الأصل عدم الإرث وحكم الفرع نقيضه؛ لأن المثبت بالقياس نفس الحكم بالمعاملة بنقيض المقصود ومقتضاها في الأصل نفي الإرث وفي الفرع ثبوته وكذا المساواة في صورة النزاع اقتضت الصحة وفي صورة النقض اقتضت الفساد فكما لا يكون ذلك مانعا من صحة القياس لم يكن موجبا للتخلف في الصورة التي زعم النقض بها والصورة المدعي كونها نقضا إنما تكون نقضا إذا اشتملت على تخلف الحكم المثبت بالقياس، وفي لفظ صدر الشهر اختلاف.
ابن سهل: سألت عنه.
ابن القطان، فقال: الثلثان والنصف لسماع ابن القاسم في الحلف على قضاء صدر الحق، قال: الصدر: الثلثان، ولو كان النصف كان قولا، والثلثان احب إلي وسألت ابن مالك فقال يتقى في اليمين: الحنث، والصدر في العقد أقل من ذلك وهو الأشبه عندي إلا أن يكون ثلث الشهر او ما قرب منه.
وروى ابن حبيب: من حلف ليقضين غريمه لأجل كذا بر بإرضائه بقضائه صدرا مثل الثلث، ورواه ابن وهب وقاله ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك لم أعلمهم اختلفوا فيه، فقد أطلق الصدر على الثلث.
قلت: وتقدمت في الأيمان وفي شرط محل القضاء طريقان: المتيطي: تعيينه مستحسن.
وقال ابن حارث: إن لم يذكر فسد السلم اتفاقا.
الباجي عن القاضي: الأفضل ذكره لرفع النزاع.
في الموازية: لا يضر عدم ذكره وإطلاق العقد يقتضي كونه ببلد العقد.

الجزء: 6 - الصفحة: 282

وسمع عيسى ابن القاسم: القضاء حيث قبض الدراهم فيختمل أن يريد موضع النقد ويحتمل ان يريد بلده وجعله سحنون كالحمل للحطب ونحوه يلزم إيصاله لمنزل المبتاع، ومن شروطه: علم قدرالمسلم فيه بمعياره العادي.
في ثاني سلمها: لا يجوز ابتياع طعام معين أو سلم موصوف بقدح معلوم أو قصعة ويفسخ غن نزل وكرهه أشهب ولم يفسخه.
ابن حارث: لابن عبد الحكم عن أشهب: يجوز بمكيال مجهول حجراً وغيره، وكرهه في المدونة.
اللخمي: وعلى قوله: يؤخذ المكيال المجهول فيعرف قدره من المعلوم ويكتب في وثيقة الدين خوف تلفه.
الباجي: كون طريق معرفة القدر بالكيل أو الوزن او العدد هو بحسب العرف في البيع ولا يتقرر في الثياب إلا بالذرع طولا وعرضا، فإن شرط ذراع رجل بعينه جاز، قال ابن القاسم في المدونة: فإن خفيف أو تغيب أخذ قدر ذراعه وإن لم يعينا ذراع رجل بعينه فقال في سماع أصبغ يحملان على ذراع وسط، أصبغ هذا استحسان، والقياس الفسخ ولو كان بالبلد ذراع معين جرى عرف البايع به كراع الرشاش بقرطبة وجب الحمل عليه عند الإطلاق.
وقال ابن رشد في مسألة سماع أصبغ: هي مثل قوله في المدونة خلاف قول ابن حبيب: لا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، قال: ويكفي أن يسميا الذراع فقط فإن اختلفا لزم الوسط هذا إن لم يكن القاضي جعل ذراعا لتبايع الناس فغن نصبه وجب الحكم به ولو يجز اشتراط رجل بعينه، كما لا يجوز ترك المكيال المعروف لمكيال مجهول، وإن لم ينصب للناس ذراع معين، ففي كون الوسط كذراع منصوب فيجوز على ذراع بعينه أو على وسط كشراء الطعام بمكيال مجهول حيث لا مكيال قولا ابن حبيب وابن القاسم، فيها: وفي سلمها الثامي أيجوز السلم في ثياب بذراع رجل بعينه؟ قال: قال مالك: لا بأس ببيع ويبه وحفنة إن أراه الحفنة، لأنها تختلف فأرى الذراع بهذه المنزلة وليأخذا قيسه فيكون عندهما.
قلت: لا يلزم من لغو غرر في تابع يسير لغوه في مقصود.

الجزء: 6 - الصفحة: 283

الصقلي عن بعضهم: لو دفن الرجل قبل أخذ قيس ذراعه واختلفا في قدره قرب العقد تحالفا وتفاسخا، وعند حلوله القول قول المسلم إليه إن أتى بما يشبه وإلا حملا على ذراع وسط.
ابن محرز: إن اتفقا على جعل قيسه بيد عدل فذلك وإلا أخذ كل منهما قيسه عنده، ولو كثرت الحفنات، ففي منعها نقلا عياض عن الأكثر من سحنون وعن أبي عمران عن ظاهر الموازية، وفي شرط رؤية الحفنة قولان لظاهرها، ونقل الصقلي عن ابن أبي زمنين عن ابن القاسم، إن وقع دونها لم يفسخ وقضى بحفنة عامة، وفي حجها الثالث والحفنة ملء يد واحدة.
وفي سلمها الثاني: ويشترط إذا أسلم في لحم وزنا معروفا وإن اشترط تحريا معروفا جاز لجواز بيع اللحم بعضه ببعض تحريا.
عياض: عن ابن أبي زمنين وغيره معناه أن يقول: أسلمك في لحم يكون قدره عشرة أرطال، وقال ابن زرب: معناه أن يعرض عليه قدرا فيقول: آخذ منك قدر هذا؟ قلت: وعلى الأول تعقب قياسها بأن إدراك الصواب بتحري موجود مشار إليه في الحس أقرب من إدراكه بالإشارة إليه في الذهب موصوفا.
الباجي: الأظهر انه لا يجوز تحريا إلا لتعذر الموازين وهو مع إمكانها خطر.
وفي سلمها الثاني: إنما يجوز الشراء بقدح او قصعة بموضع ليس فيه مكيال معروف كالأعراب يشترى منهم العلف والتبن والخبط.
اللخمي: هذا في الطارئ عليهم وما بينهم هو المكيال المعروف بينهم ولو كان مع الطارئ مكيال الحاضرة لم يجز أن يبايعوه به وكذا البادي يقدم الحاضرة يجوز أن يبتاع بمكيالها وإن لم يعلم قدره.
المتيطي عن أبي عمران: إنما خص ابن القاسم الخبط والتبن والعلف لأنه غالب على ما بأسواق الأعراب، وكذلك عنده الطعام حيث يتعذر فيه المكيال، وذكر عنه محمد أن ذلك في الطعام اليسير ولا أدري وجهه.
قلت: لأنه المضطر إليه غالبا.
وفي سلمها الأول: يسلم في الرمان عددا إذا وصف قدر الرمانة وكذا التفاح

الجزء: 6 - الصفحة: 284

والسفرجل، وفي الجوز عددا وكيلا إن عرف فيه، ولا يسلم في البيض إلا عددا ولا في الصوف إلا وزنا لا على عدد جزز.
الباجي عن ابن حبيب: يسلم في الرمان والسفرجل عددا وكيلا لا وزنا، ويذكر مقداره والعدد فيما عظم أظهر وكذا البطيخ والقثاء والخيار والموز والكمثرى ورؤوس الغنم واختلف في الجوز قول مالك وابن القاسم وابن حبيب، كاختلافهم في الرمان وصغير الفاكهة كعيون البقر والمشمش والزعرور والمضاع يتأتى فيه الكيل والوزن والأحمال، والمعتب عرف كل بلد.
ابن حبيب: وما ييبس ويدخر كاللوز والبندق وقلوب الصنوبر إنما يسلم فيه كيلا لا عددا.
الباجي: لمشقة عدده ومن شروطه: وصفه بما يندرج تحته ما لا تختلف فيه الأغراض بمعتبر عادة فما تختلف فيه الأغراض لا عادة لغو، وما اقتضى العرف ثبوته مغتفر عدم ذكره.
فيها: من أسلم في ثمر ولم يذكر برنيا، من صيحاني ولا جنسا من الثمر او ذكر الجنس، ولم يذكر جودة أو رداءة فالسلم فاسد حتى يذكر الجنس والصفة وإن أسلم في حنطة بمصر ولم يذكر جنسا قضى بمحمولة، وإن كان بالشام قضى بسمراء ولا بد من ذكر الصفة وإن اجتمع في الحجاز حيث تجتمع السمراء المحمولة ولم يسم جنسا فسد السلم.
الصقلي عن محمد: روى ابن القاسم إن لم يسم بمصر سمراء من بيضاء لم يجز وقاله ابن عبد الحكم وهو أحب إلينا وقال أصبغ: هو جائز، وقول ابن حبيب ما يجلب غليه جنسان فلابد من ذكر احدهما، وما ينبتان فيه لا يلزمه ذكره فيه لا وجه له.
ابن عبد الرحمن: لا يفتقر لذكر جديد من قديم؛ لأن الرواية لزوم قبول قديم لمن شرط جديدا فإنه لا يختلف عندنا بإفريقية، وهو مختلف عندنا بصقلية فلا بد من ذكره.
قلت: والذي شاهدته في أنباء هذا القرن الثامن وعلمته تواترا عن أوله والقرن السامع اختلاف الجديد مع القديم.
ونقل ابن فتوح عن المذهب كابن عبد الرحمن إلا أنه قال: يستحسن ذكر كونه

الجزء: 6 - الصفحة: 285

جديدًا أو من عام أو من عامين.
المتيطي عن ابن أبي زمنين: لا يضر عدم ذكر كون القمح جديدا أو قديماً، وقال عبد الملك عن بعض شيوخه كذا جاءت الرواية، وقال بعض الموثقين: لا بد من ذكر من ربع أي عام هو؛ لأن منه ما يجعل في المطمر، وفي الأهراء وفي الغرف.
الصقلي عن ابن حبيب: ويذكر في الزيت مع صفته بانه جيد أو وسط او رديء كونه زيت الماء، أو المعصرة وفي لزوم ذكر جنسه من الزيتون نقلا المتيطي عن ابن العطار مع ابن لبابة، وابن أبي زمنين مع موسى بن أحمد المعروف بالوتد محتجا بأنه لو لزم ذلك في الزيت لزم في الدقيق.
قال المتيطي: وقاله ابن العطار في الدقيق، وانتقد قوله في الزيت ابن الفخار وقال لا نعلم أن مالكا او أحدا من أصحابه قاله غنما قاله بعض الموثقين من غير رواية الباجي، في وثائقه عن بعضهم يفتقر لذكر جنس الزيت في بد لا تختلط فيه أجناسه في العصر، وحيث يخلط فلا، ويوصف الخل بكونه خل عنب او عسل والصفاء والنقاء والجودة.
قلت: حاصل أقوالهم وصف كل نوع تختلف أصنافه بما يعين الصنف المسلم فيه دون غيره.
المتيطي: إن اقتصر على قوله من قمح طيب فسد هذا القول المعمول به.
قال فضل: ولابن حبيب إجازته قال: والطيب بمقام الجيد.
قال ابن القاسم في الواضحة: لا يجزئ قوله جيد او وسط حتى يقول أبيض أو سمراء مع الجودة والنقاء، وخالفه أصحاب مالك وقالوا إذا قال جيد أجزأ.
قال أبو عمران: قول ابن القاسم هذا خلاف المدونة.
قلت: انظر قبول المتيطي قوله: إنه خلاف المدونة فإن أراد من حيث لزوم ذكر أبيضاء أو سمراء فليس كذلك، وإن أراد من حيث ذكره النقاء فحسن.
قال ابن فتوح: إن ذكر في وصف الشعير النقاء فحسن وإن سكت، لم يضره؛ لأن الجيد يجمع الطبيب والنقاء والوسط يعرف في الجودة والنقاء.
الباجي عن ابن حبيب: إن اخل بذكر النقاء في الحنطة وذكر الجودة أو الرداءة

الجزء: 6 - الصفحة: 286

أو التوسط لم يفسده.
قال الباجي: وليس عليه وصف التمر بالنقاء؛ لأنه لا غلث فيه ولا وصفه بأن لا حشف فيه؛ لأنه عيب.
المتيطي: عن ابن العطار: لا يجزئ قوله جيد حتى يقول غاية الجودة.
قال: وإن قال في القمح: طيب، ولم يقل: غاية الطيب فسد السلم، وأنكره الباجي، وقال: يلزم في وصف الثوب برقة او غلظ أن يقول غاية الرقة أو الغلظ.
قال: وشرطه هذا أقرب إلى الفساد.
وقال أبو عمر في كافيه: كره بعض اهل العلم شرط غاية الطيب في شيء من الأشياء لتعذر ذلك.
وفي سلمها الثاني: إن شرط في سلم في ثوب حرير طوله وعرضه دون وزنه جاز إن وصفه، ووصف صفاته او خفته وإن شرط صفة ثوب اراه فحسن، وإلا فالصفة تجري ولا أعرف في صفة الثوب جيدا ولا في الحيوان، فأراها غنما السلم فيهما على الصفة.
الصقلي: أنكر سحنون قول ابن القاسم في ثوب الحرير جاز.
قلت: لم يذكر موجب إنكاره فلعله عدم شرط وزنه، والصواب قول ابن القاسم بل شرط وزنه مع صفة ما شرط من صفاقة أو خفة متناف والنوازل تسهد لهذا.
وقوله: (إن شرط صفة ثواب أراه إياه فحسن).
قال الباجي: السلم على مثال، منعه ابن القاسم في الموازية، وأصبغ وأجازه في المدونة في الثوب وجوازه في المثلي أولى.
ابن بشير: الخلاف في السلم على المثال خلاف في حال إن قصدت كل صفات المثال منع لأنه يؤدي إلى إعواز الوجود وإن قصدت صفاته العامة جاز، وقوله: (لا أعرف جيدا ولا فارها) يريد: الاقتصار على أحدهما دون ذكر النوع وما يجب اعتباره من الصفات فيهما.
ابن فتوح: وغيره يصف الرقيق بالسن واللون والقد ولون الشعر، وحال سبوطته او جعودته وصفة العين بالشهلة او الزرقة أو الكحل، والأنف بالقنى أو الشمم، أو

الجزء: 6 - الصفحة: 287

الفطس أو الخنس وسائر الصفات المذكورة في بابها.
ابن شاس وغيره: ويذكر جنسه فيقول: رومي او تركي وغير ذلك من الأجناس.
قلت: وهو قولها في الرد بالعيب إذا ابتاعه على جنس فبان خلافه وكذا البكارة والثيوبة، وفي قول ابن شاس: إن اختلف الثمن لذلك اختلافا مقصودا نظر لوضوح اختلاف الأعراض فيهما.
وفيها: لا بأس بالسلم في الشحم واللحم إذا شرطا شحما معروفا، ولحما معروفا والجنس من ضأن ومعز ونحوه.
الصقلي عن محمد: قيل لابن القاسم: أيحتاج لذكر كونه من فخذ او يد او جنب؟ قال: لا، إنما يقوله أهل العراق وهو باطل غنما يسمي السمانة، وقاله مالك؛ أصبغ؛ وذكر وسط من السمانة يكفي.
محمد: إن اشترط سمينا ولم يحد السمانة جاز، وذكر اللخمي قول ابن القاسم في عدم شرط ذكر كونه من فخذ ونحوه، وقال: أرى أن يسمى ذلك فإن لم يفعل قضى من المقدم، والمؤخر، ويجب ذكر كونه من جذع أو غيره وذكر أو أنثى وخصي او فحل والتسمية في الرؤوس آكد منها في اللحم؛ لأنه لا سلم فيها بوزن فتسمية الصغير فيها من الكبير فيها آكد محمد عن ابن القاسم إن قضاه مع ذلك بطونا فلم يقبلها قال: أيكون لحم بلا بطون؟ قيل: ما قدره قال: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق:3] البطن من الشاة كأنه يقول على قدر البطن من الشاة.
قال: وهذه اشياء عرف الناس وجهها.
اللخمي: يحمل قوله: أيكون لحم بلا بطون على أن ذلك عادة عندهم ولا يقضى به اليوم؛ لأن الشأن بيع البطون وحدها وما تعذر فيه بعض شروطه امتنع فيه.
فيها: لا يسلم في تراب المعادن لأن صفته لا تعرف، وجائز بيعه يد بيد؛ لأنها حجارة تعرف والمذهب منعه في الربع معادن الحديد وغيره مما يحتاج غي إخراج المقصود منه إلى عمل والمنصوص المعروف منعه في الربع؛ لأنه إن وصف بما يجب فيما تختلف الأغراض لأجله عادة تعين لذكر موضعه الشخصي فبطل تعلقه بالذمة، وإن لم يوصف بذلك صار مجهولا.

الجزء: 6 - الصفحة: 288

وقال اللخمي: لأنه إن عين موضعه صار غير مقدور على الوفاء به، وهذه الملازمة غير صادقة لنقضها بما هو في ملكه ولما ذكر الصقلي قولها يجوز السلم في القصيل والبقول على جزر او أحمال معلومة ولا يجوز ان يشترط من ذلك، فدادين معروفة بصفة طول وعرض وجودة او رداءة، ذكر عن محمد قال أشهب: ذلك جائز كله ومن لم يجزه؛ لأن الجيد منه يختلف والوسط منه يختلف لزمه في الحبوب.
الصقلي: قول أشهب هذا خلاف قول شوخنا المتأخرين، إن السلم في الربع والأرضين والحوائط لا يصلح؛ لأنه يؤدس إلى السلم في شيء معين وبيع ماليس عندك.
الزري المشهور عندنا منع السلم في العقار، وحاول بعض الأشياخ أن يضيف إلى المذهب جوازه في العقار ويجعل المذهب على قولين، وذكر ما تقدم للصقلي من إلزامه ذلك ثم قال: وهذا تعسف في التأويل، وأجاب بما حاصله أن إجازة أشهب السلم في القصيل على فدادين معلومة لا يلزم منه تعيين الموضع الشخص إذا لا أثر له في المبيع، غنما أثره في علم قدر من المشتري من القصيل بمجموع قدر مسافته وصفاقته وخفته.
قلت: وما أشار إليه من رده عليه بهذا صواب، وحقه ان لا يقول المشهور منعه في العقار؛ لأنه يدل على وجود القول بجوازه نصا شذوذا، وغنما هو إلزام بين كونه تعسفا.
اللخمي: ويجوز في عدد شجر لقبض بغير أرض، وكذا في البناء بغير أرض، إذا وصف وأمكن الوفاء بهما عند حلول الأجل والمذهب جوازه في جواري الوطء، ومال اللخمي او صرح بمنعه فيها لزعمه تعذر حصول المقصود هنا بالوصف، وضعف دليل المذهب على جوازه.
وفيها: يجوز السلم في اللؤلؤ وفي المكاتب منها إن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف لم يجز لتفاوت الإحاطة بصفته.
عياض: أشار بعضهم إلى مناقضته بقوله في السلم وليس بشيء؛ لأن السلم يقدر على حصر صفته بذكر جنسه وعدده، وقدر كل حبة وصفتها، وفي الكتابة وقع مبهما ولشدة تفاوته بقدر إدراك الوسط منه.

الجزء: 6 - الصفحة: 289

باب ما يلزم فيه قضاء المسلم فيه من الجانبين

قصاؤه لحلوله بصفته، وقدره لازم من الجانبين مع يسر المدين، وبأقل قدرا فقط من صنفه، والقبض من المدين جائز.

باب حسن الاقتضاء والقضاء

حسن قضاء وعكسه حسن اقتضاء، وكذا في صفتي الرداءة والجودة مع اتحاد القدر ومنع أقل قدرا وأجود صفة واضح وعكسه اختلف فيه في سلمها الثالث من أخذ من مائة سمراء حل أجلها خمسين منها ثم حطه بعد ذلك بغير شرط جاز وكذا في خمسين سمراء من مائة محمولة.
وتعقب ابن عبد السلام أخذ الأدنى في الطعام بأنه غير ما في الذمة والإلزام قبوله وكونه غيره يوجب كونه بيع طعام قبل قبضه يرد بمنع إيجاب مطلق كونه غير ما في

الجزء: 6 - الصفحة: 290

الذمة كونه بيعًا؛ لأن كونه أدنى ككونه أقل في القدر إعطاء للجزء المعقول حكم الجزء المحسوس فيما لا خصوصية فيه لأحد العوضين عن الآخر، بل المغاير بالدناءة أقرب بكونه نفس ما في الذمة لجواز مبادلة أدنى بأجود ومنعه في أقل بأكثر.
اللخمي: أخذ خمسين محمولة عن مائة سمراء، أجازه ابن القاسم مرة لأنها أدنى صفة ومنعه مرة لإمكان أن يرغب فيها في بعض الأوقات والأول قول أشهب.
قُلتُ: لم يحك الباجي إلا المنع، وعزاه لرواية قلت: لابن القاسم في كتاب الصرف يجوز أخذ تبر أدنى أقل قدرًا من تبر لك أجود، ولا يجوز ذلك في محمولة عن سمراء، وأجازه أشهب وفرق ابن القاسم بقوله التبر عند الناس نوع واحد والسمراء والمحمولة متباعد ما بينهما، وعزا ابن حارث لسَحنون قول أشهب.
وفيها لو أخذ الخمسين محمولة عن خمسين سمراء ثم حطه الباقي جاز.
الباجي: أجاز ابن القاسم ما هو أشد قال من له مائة محمولة على رجل فأخذ منه بعد الأجل خمسين سمراء، ثم رهنه الباقي دون شرط جاز وهذه أشد تهمة.
ابن الحاجب: قضاؤه بجنسه بعد أجله بأجود يجب.
ابن هارون: نحوه حكى أبو الطاهر وابن شاس، وفيه نظر لأنه لا يلزمه قبول منته.
ابن عبد السلام: كنقل المؤلف قال غير واحد من المتأخرين: إنه يجب قبول الأجود وهو بعيد عن أصول المذهب لأنه معروف لا يلزم قبوله.
قُلتُ: ما نقله ابن هارون عن أبي الطاهر لم أجده فيه لا في ذكره الاقتضاء في كتاب الصرف ولا في كتاب السلم، وفيما ذكراه عن ظاهر المذهب نظر بل ظاهر قولها من اشترى جارية على جنس فوجد أجود منه لزمه كنقل ابن شاس لأن مسألة المدَوَّنة عامة في البيع والسلم، والأظهر إن دفعه المسلم إليه على وجه التفضل لم يلزم قبوله، وإن دفعه لدفعه عن نفسه مشقة تعويضه بمثل ما شرط لزم قبوله.
وفي سلمها الثاني، منع أخذ محمولة من سمراء بعد الأجل من الكفيل بخلاف الغريم لأنه منه بدل، ومن الكفيل بيع إذ لا يرجع بما أدى، وفيها مع اغيرها قضاؤه بصفته وقدره قبل الأجل جائز، ولا يجب قبوله وأجود مساويًا أو أقل أو أكثر وأدنى كذلك لا يجوز لأنه ترك

الجزء: 6 - الصفحة: 291

ضمان بعوض، وتقدم نقل اللخمي جواز ضع وتعجل.
وقال ابن زرقون في ترجمة (ما جاء في الربا في الدين)، تأمل ما حكاه اللخمي إن ابن القاسم يجيز التعجيل بالوضيعة فأراه وهمًا.
وفي سلمها الثاني إن أسلمت إلى رجل في ثوب موصوف فزدته بعد الأجل دراهم على أن يعطيك ثوبًا أطول منه في صفته من صنفه أو من غيره جاز معجلًا، ولا يجوز أخذ أدنى مع بعض الثمن إن كان لا يعرف بعينه، وغاب عليه، ولو كان يعرف بعينه جاز، وتعقبه بعضهم بأن رد العين لا ينافي السلف فيدخله ما يدخل فيما لا يعرف بعينه من علة دخول البيع فيما اقتضى والسلف فيما رد من رأس المال، ويجاب بأن العلة تهمة البيع والسلف لا حقيقته، والتهمة فيما لا يعرف بعينه واضحة لإمكان التصرف فيما قبض ورد مثله وامتناعه فيما يعرف بعينه تضعفها.
وفيها إن أسلمت لرجل في ثياب فزدته قبل الأجل دراهم نقدًا على أن زادك في طولها جاز لأنهما صفقتان، ولو كانت صفقة واحدة ما جاز كما لو دفعت له غزلًا ينسجه ستة في ثلاثة ثم زدته دراهم، وغزلًا على أن يزيدك في طول أو عرض جاز، وهما صفقتان.
الصقلي عن سَحنون: لا يجوز في السلم وأخاف كونه دينًا بدين.
اللخمي: الأول أصوب إن كانت تلك الزيادة لا يرتفع لها ثمن الأول، وإن كان ذلك مما يرتفع له ثمن الأول لم يجز.
قُلتُ: ما خافه سَحنون مردود بقول ابن القاسم لأنهما صفقتان، أن الصفقة الأولى باقية لثبوتها السالم عن تحقق منافيها، والمعاملة الثانية صفقة ثانية لتعلقها بغير متعلق الأولى، والقولان بناء على أن الشيء من حيث كونه وحده ليس بمخالف له من حيث كونه مع غيره أو هو مخالف له.
فإن قلت: قولها: في كتاب الأيمان بالطلاق من قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال لها مع نساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فإن نكحها لزمته طلقتان، يقتضي أن الشيء من حيث كونه وحده مخالف له من حيث كونه مع غيره، وإلا كان المعلق عليه فيهما واحدًا ولو كان واحدا لم يلزمه إلا طلقة واحدة، وهذه المخالفة ألغاها

الجزء: 6 - الصفحة: 292

في مسألة السلم في قول ابن القاسم، وقد يجاب بأن مخالفة الشيء من حيث انفراده لنفسه من حيث كونه مع غيره إنما هو باعتبار ذاته في نفسه لا باعتبار المقصود منه وتعلق الأغراض به، والمعتبر في تعدد الطلاق الأول لأنه يتغير بمطلق مغايرة ما علق عليه ولو بأمر عقلي، والحيثيتان توجبان التغاير العقلي، وهو قول ابن التلمساني في شرح المعالم وغيره الشيء في نفسه ليس كهو مع غيره.
والمعتبر في البيع التغاير الثاني لأن البياعات مبنية على الأغراض، والقصود، ولذا تختلف أثمان المبيع في وقتين مع اتحاد ذاته فيهما، وتتفق أثمان المختلفات في ذاتها، ولذا اعتبر اللخمي تغير ثمن الأول بالزيادة، وعدم تغيره، ومما يدل على لغو الاعتبار الأول في البيع أنه يجوز في المرابحة لمن اشترى مكيلًا أو موزونا بقيت له منه بقية أن يبيعها دون بيان قاله الصقلي وهو ظاهر المدَوَّنة، ولم يذكروا فيه خلافًا عن سَحنون ولا عن غيره فتأمله، ولابن عبد السلام فيها كلام حاصله: التمسك بما قررنا به قول سَحنون من وجوب التغاير بالحيثيتين.
الباجي: إن زاد على أن يزيده في الصفاقة والطول ففي الموازيَّة لا يجوز لأنه نقله لصفة أخرى.
ابن زرقون: ولا يجوز على أن يزيده في العرض.
قُلتُ: إن أراد مع الزيادة في الصفاقة فصواب وإن أراد دونها، ففيه نظر، وظاهر ما تقدم من لفظ المدَوَّنة في طول أو عرض جاز جوازه، والحق إن كان الثوب للتفصيل فزيادة العرض كالطول وإلا لم يجز لأنه يصير العرض صفة فيه.
وفيها: إن أسلمت في ثوب فزدته بعد الأجل دراهم على أن يعطيك ثوبًا أطول منه في صفته أو من غير صفته جاز إن تعجلت ذلك.
ابن محرز في غير صنفه إن كان مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال.
اللخمي: معناه أن الثوب المأخوذ معين وإلا دخله السلم الحال.
قُلتُ: وفسخ في الدين ولذا قال عبد الحق: إنما شرط تعجيل الثوب لئلا يدخله بيع وسلف، إن كان من صنف المسلم فيه، وفسخ الدين في الدين إن كان من غير صنفه.

الجزء: 6 - الصفحة: 293

قُلتُ: تخصيصه دخول البيع والسلف بما إذا كان من صنفه إنما هو على ما تقدم في المسألة الأولى من أصل ابن القاسم، وأما على أصل سَحنون فيدخله فسخ الدين في الدين.
ابن شاس: إن زاده بعد الأجل دراهم على أن أعطاه أزيد في الثوب طولًا أو عرضًا جاز إن عجل الدراهم، قال في الكتاب لأنهما صفقتان، كما لو دفعت إليه غزلًا ينسجه ثوبًا ثم زدته في الأجر على أن يزيدك في طول أو عرض، وأنكره سَحنون ورآه دينًا بدين وأجازه في الإجارة لأنه شيء بعينه، والسلم مضمون.
قُلتُ: وتبعه ابن الحاجب وكلاهما واهم لأن قوله في «المدَوَّنة» لأنهما صفقتان إنما قاله فيما إذا كان ذلك قبل الأجل حسبما تقدم.

باب في جواز اقتضاء غير جنس ما أسلم فيه

واقتضاء غير جنس ما أسلم فيه ضبط ابن محرز: جوازه بصحة بيعه قبل قبضه، قال: فيمنع وهو طعام وبصحة بيعه المقتضي فيمنع ورأس المال ذهب، والمقتضى عن غير الطعام فضة والعكس، قال ولو كان رأس المال دنانير في عروض فأخذ عنها أقل من رأس ماله جاز، واتقاه عبد العزيز ومنع ابن القاسم هذا في الطعام أن يأخذ عن ثمن مائة إردب سمراء خمسين مثلها، وقال: أخاف أن تكون الخمسين ثمنًا للمائة، وأجازه في العروض وعللوه بأن الطعام يدخله التفاضل والضمان معًا، وفي العروض الضمان فقط، وفي الدنانير التفاضل فقط، ولما ذكر ابن بشير هذا في كتاب الصرف قال: والقولان في الطعام لما اجتمع فيه علتان.
وفي كتاب الآجال منها قال مالك: لمن باع طعامًا بثمن لأجل أن يشتري بمثل الثمن قدر ما باع منه من الطعام.
ابن محرز ظاهره منع شراء أقل منه كقول ابن القاسم في مسألة السلم: أخاف أن تكون المائة ثمنًا للخمسين وأجازه أكثر المذاكرين وفرقوا بأن البيعة الثانية في مسألة الآجال غير متعلقة بالبيعة الأولى، بخلاف مسألة السلم، ويصح هذا الفرق أنه لو اشترى منه شعيرًا أو قمحًا غير الجنس الذي باع منه جاز، ولا يجوز أن يأخذ ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 294

قضاء عن ثمن الطعام قال: ولو اقتضى ذلك قبل الأجل اشترط مع ذلك صحة سلم المقتضى في المسلم فيه فيمنع أخذ سلت والمسلم فيه قمح قال وأولى من هذا أن يعتبر صحة قرضه فيه ولذا لا يحتاج إلى اعتبار كون ما بقي من الأجل أنه كأجل السلم لأن محل القضاء في هذا الموضع محل القرض، ولو أسلم عرضا في حيوان اقتضى عنه عرضا يصح أن يسلم فيه جاز، وينبغي فيه اعتبار مقدار ما مر من أجل السلم فإن كان مثل أجل السلم جاز وإلا فلا لاعتبارهم صحة سلم رأس المال فيما اقتضى إلا أن الأجل في السلم لعمرى لا يبلغ مبلغ الربا في القوة وهو مما ينظر فيه ابن بشير في رعي أن يمر بين عقد السلم والاقتضاء مقدار أجل السلم طريقان للأشياخ وكذا يختلف ف 6 ي رعي بقاء أجله من وقت الاقتضاء لحلول أجل السلم.
ولزوم اقتضائه بحلوله: ابن بشير في التهذيب: حكى ابن محرز عن الأشياخ أنه إن عجل المسلم إليه قضاء السلم قبل أجله بيومين لزمه قبوله لأن الأسواق لا تتغير في هذا القدر ولا تختلف فيه الأغراض.
قُلتُ: إنما حكاه ابن محرلاز في السلم الثاني رواية لأشهب وهو خلاف نصها في السلم الثاني إن أتاك من لك عليه طعام من سلم به قبل الأجل لم يجبر على أخذه وفي القرض يجبر عليه.
وفي شرط محل القضاء طريقان: المتيطي تعيينه مستحسن.
ابن الحارث: إن لم يذكر، فسد السلم اتفاقًا.
الباجي عن القاضي: الأفضل ذكره، لرفع النزاع، وفي الموازيَّة: لا يضر عدم ذكره وإطلاق العقد يقتضي كونه ببلد العقد وسمع عيسى ابن القاسم القضاء حيث قبض الدراهم فيحتمل أن يريد موضع النقد، ويحتمل أن يريد بلده، وجعله سَحنون كالحمل للحطب يلزمه إيصاله لمنزل المبتاع.
وفي سلمها الثاني لابن القاسم من أسلم في طعام على أن يقبضه بمصر لم يجز حتى يسمى الموضع منها لأنها ما بين البحر إلى أسوان.
الصقلي: بخلاف كراء دابة إليها ذلك جائز وينزله بالفسطاط لأنه العرف عندهم ولا عرف لهم في القضاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 295

قُلتُ: هو نصها في الرواحل والدواب.
وفيها: إن عينا الفسطاط جاز ويتعين سوق المسلم فيه فإن لم يكن له سوق فحيث ما قضاه منها لزمه.
الصقلي عن سَحنون: يلزمه في منزله ولو كان له سوق.
التونسي: وهو الحكم اليوم لأنه العرف.
قُلتُ: وكذا هو في وقتنا وما قبله في وقت شُيُوخنا.
ابن بشير: إن شرط موضعًا معينًا ففي أي موضع يقضيه فيه وقعت ثلاث روايات: سوق المسلم فيه.
الثانية: موضع العقد.
الثالثة: جميع نواحي البلد.
وليس هو بخلاف إنما هو نظر للعوائد.
ابن بشير: إن أتى المسلم المسلم إليه في غير البلد المشترط فيه القضاء، والدين عين، فالقول قول من طلب القضاء منهما، فإن كان عرضا له حمل لم يجبر من أباه منهما وإن لم يكن له حمل كالجوهر، ففي كونه كالعين قولان وهما خلاف في حال إن كان الأمن في الطريق فهو كالعين وإلا فكالعرض، وينبغي في الخوف أن يكون العين كالعرض، وللصقلي في بيوع الآجال عن أشهب: إن تقارب سعر الموضعين فيما خف حمله والبلد بعيد جدًّا فله أخذه بحقه في موضعه، وغن كان على غير ذلك لم يجبر إلا أن يطوع به فيجبر رب الحق على قبوله لأنه بموضعهما أغلى.
اللخمي: لأشهب في الموازيَّة ما يؤخذ منه إن اتحد سعر البلدين أو هو بالبلد الذي لقيه أرخص جبر المسلم إليه على القضاء.
وفيها: إن شرط قبض الطعام بالفسطاط لم يجز أن يقبضه بغيرها ويأخذ كراء المسافة لأن البلدان كالآجال فكأنك بعته قبل قبضه أو أسقطت عنه الضمان على مال تعجلته فإن وقع رد الكراء، ومثل الطعام بموضع قبض إن فات وأتبعته بطعامك بالفسطاط.
ابن محرز عن ابن الكاتب ولو لم يعطه الكراء أشبه أن لا يجوز لأنه ازداد حمله لغير البلد الذي شرطه ألا ترى إن قرض الطعام لا يجوز شرط قبضه في غير بلد قرض، ويؤكد المنع اختلاف الأسعار كما لو دفع غير الصنف، وزيادة.

الجزء: 6 - الصفحة: 296

ابن محرز: وفي الموازيَّة والواضحة جواز قضاء مثل ما له عليه بغير البلد إذا حل أجله وإن لم يحل لم يجز والنظر يوجب أن لا فرق بين الحلول وعدمه.
وفي النوادر وغيرها: قال يحيى بن عمر عن أَصْبَغ: قضاء مثل ما في الذمة من طعام بيع أو قرض بغير البلد وقد حل أجله جائز، ولا يجوز أدنى ولا أجود وقبل حلوله لا يجوز بحال، ولو كان مثل ما في الذمة، وقاله ابن القاسم في الموازيَّة في الطعام والعرض، قال: ويدخل في أخذ المثل ما يدخل في أخذ أدنى أو أرفع، وأجاز سَحنون أخذ المثل ولو قبل الأجل.
ابن عبدوس: هذا أجود والقياس أن لا يجوز بغير البلد على حال ونحوه لابن زرقون في آخر ترجمة جامع الدين والحول.
قُلتُ: ففي جواز اقتضاء المثل بغير البلد ثالثها: إن حل لسَحنون وابن الكاتب مع قول ابن عبدوس هو القياس، وأَصْبَغ مع ابن القاسم وغير المثل لا يجوز بحال.
والمنع لبيع الطعام قبل قبضه مؤثر في اقتضاء طعام السلم لا القرض ولضع وتعجل عام فيهما ولذا تساويا في المنع في اقتضائه بغير بلده فاقتضاء ما ليس من جنس الطعام عنه لا يجوز في البيع ويجوز في القرض لجواز بيعه قبل قبضه.
وفي آخر سلمها الأول: لا تأخذ من حنطة سلمًا دقيقًا.
الصقلي في السلم الثالث عن التونسي في سماع عيسى ابن القاسم: جواز اقتضائه منه، وفي رسم مسائل كراء وبيوع من سماع أشهب سئل ابن القاسم عمن أسلف مائة إردب قمحًا فأخذ تسعين إردبًا قمحًا وعشرة أرادب شعيرًا أو دقيقًا بعد الأجل، فقال: لا بأس به.
ابن رُشْد: إن كانت التسعون مثل المائة التي له لا أفضل ولا أدنى جاز أخذه ذلك في المجلس لأنها مبادلة، وجاز أخذها تمرا، لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولو كانت أدنى أو أفضل لم يجز أن يأخذ في المجلس بالعشرة الباقية شعيرًا ولا شيئًا من الأشياء على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب في كتاب الصرف من المدَوَّنة تفصيل مذكور في رسم أوصى من سماع عيسى وله بعد انصرافه أن يأخذ في مجلس آخر عن العشرة شعيرًا أو دقيقًا مثل كيلها أو تمرًا أو ما شاء من العروض والعين.

الجزء: 6 - الصفحة: 297

وحمل التونسي المسألة على أن المائة من سلم، فقال فيها: جواز اقتضاء الدقيق من القمح في السلم وليس بصحيح؛ لأنه قال: سئل عمن أسلف مائة إردب، ولم يقل في مائة إردب.
وسمع عيسى ابن القاسم: لمن أسلم ويبة قمحًا أخذ نصفها قمحًا، ونصفها دقيقًا أو شعيرًا أو ثمرًا كمن له ديناران، له أخذ دينار عينًا، ويأخذ بالآخر ما شاء قمحًا أو دراهم، فإن قيل الدينار لا يصلح أن يأخذ نصفه عينًا، ونصفه شيئًا آخر فالويبة بمنزلته قيل: ليس كذلك، لأن الدينار لا يتبعض والويبة تتبعض كدينارين وله أن يأخذ من ويبة القمح نصفها قمحًا، وبالنصف الآخر كل ما يجوز بالقمح متفاضلًا وما لا يجوز إلا مثلًا بمثل لا يأخذ إلا مثل ما بقي من الكيل إن كان له ويبة محمولة فلا خير في اخذه نصفها سمراء، ونصفها شعيرًا أو شيئًا من الأشياء في صفقة واحدة ولو كان ذلك في صفقتين في وقتين فلا بأس به.
ابن رُشْد: لابن أبي جعفر عن أشهب أن الويبة كالدينار فلم يجز ذلك فيها.
وقول ابن القاسم أصح كالدنانير والدراهم المجموعة، وإنما لم يجز في الويبة المحمولة نصفها سمراء ونصفها شعيرًا لأن السمراء أفضل من المحمولة والشعير أدنى فيدخله التفاضل المعنوي، ولا خلاف في منعه وكذا أخذ نصف ويبة سمراء، وفي النصف الآخر صنف آخر تمرًا وشبهه، ولو كان له عليه ويبة سمراء فأراد أن يخذ منه نصف ويبة محمولة ونصف ويبة شعيرًا أو كان له ويبة شعيرًا فأراد أن يأخذ منه نصف ويبة سمراء ونصف ويبة محمولة لجاز على أحد قولي ابن القاسم في المدَوَّنة، وقول أشهب فيها خلاف ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية، وفي رسم إن خرجت بعد هذا دليل على القولين فهي ثلاثة أوجه: وجه جائز اتفاقًا، ووجه لا يجوز اتفاقًا، ووجه مختلف فيه.
فالاقتضاء يفترق من المبادلة والمراطلة في وجهين: أحدهما: أن من كان له على رجل ذهب أو طعام جاز له أخذ بعضه على صفته التي وجبت له وباقيه على صفة أرفع أو أدنى اتفاقًا، ولا يجوز بدل قفيز من قمح، بقفيزين أحدهما مماثل والآخر أجود أو أدنى ولا تجوز مراطلة ذهب بذهبين أحدهما مماثل

الجزء: 6 - الصفحة: 298

والآخر أجود أو أدنى إلا على اختلاف أجازهما ابن حبيب ومنعهما سَحنون، وأجاز ابن القاسم المراطلة لا المبادلة.
والثاني: من له على رجل دين ذهب أو طعام لا يجوز له أن يأخذ منه ذهبًا أو طعامًا أدنى مما له، من وجه وأفضل من وجه، وذلك جائز في المبادلة والمراطلة.
وفيها: إن قبضت طعام سلم أو بيع على تصديق الدافع جاز ولا رجوع لك بما تدعي من نقص إلا ببينة لم تفارقك من حين قبضك ثم ما ثبت من نقص أو زيادة كنقص الكيل وزيادته فلا رجوع به، وما زاد على المتعارف فلك وعليك.
اللخمي: في الموازيَّة منع أخذه على التصديق ولا أراه اليوم لقلة أمانة الناس فيؤدي للنزاع والخصومة إلا أن يكون الدافع ذا دين.
ابن بشير: ما علل به المنع يجري في المبيع على النقد ولا خلاف في جوازه فيه وإنما ذكر الأشياخ القولين في جواز بيعه بقبض التصديق.

الجزء: 6 - الصفحة: 299

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل