المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الحُبُس
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحُبُس: الوقف مصدرًا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا، فتخرج عطية الذوات والعارية والعمرى والعبد المخدم حياته

الجزء: 8 - الصفحة: 429

يموت قبل موت ربه لعدم لزوم بقائه في ملكه معطية لجواز بيعه برضاه مع معطاه.
وقول ابن عبد السلام: إعطاء منافع على سبيل التأبيد يبطل طرده بالمخدم حياته، ولا يرد بأن جواز بيعه يمنع اندراجه تحت التأبيد؛ لأن التأبيد إنما هو في الإعطاء، وهو صادق على المخدم المذكور لا في لزوم بقائه في ملك معطيه، وهو أسمى ما أعطيت منفعته مدة إلى آخره.
وصرح الباجي: ببقاء ملك المحبس على حبسه، وهو لازم تزكية حوائط الأحباس على ملك محبسها، وقول اللخمي آخر الشفعة: الحُبُس يسقط ملك المحبس غلط، وهو مندوب إليه؛ لأنه من الصدقة، ويتعذر عروض وجوبه بخلاف الصدقة.
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، وروى مع البخاري، واللفظ له عن ابن عمر قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا فأتى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به.
قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، فتصدق عمر على أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يعطهم صديقًا غير متمول فيه.
وللخمي والمتيطي: استدلال وهمي يذكر إن شاء الله، وهو مندوب إليه بحبسه

الجزء: 8 - الصفحة: 431

الصدقة، ويتعذر عروض وجوبه بخلافها.

باب في المحبس

المحبس: اللخمي: الأرض وما يتعلق بها كالدور، والحوانيت، والحوائط، والآبار، والمقابر، والطرق.
قُلتُ: كذا فيها رأيت من نسخ اللخمي، وزاد المتيطى عنه، ولا خلاف فيه بين أصحاب مالك.
قُلتُ: ويريد بالمقابر المتخذة حيث يجوز اتخاذها.
سمع ابن القاسم في كتاب الأقضية: إن أحدثت قبور بفناء قوم كانوا يرمون به في غيبتهم، ثم قدموا فلهم تسوية قديمها للرمي عليها، ولا أحب تسوية جديدها.
ابن رُشْد: إنما كرهه في الجديد؛ لأنها في الأفنية، ولو كانت في الأملاك الحوزة لم يكرهه.
وقد قال على ابن أبي طالب - رضي الله عنه -: واروا في بطنها وانتفعوا بظهرها.
ابن رُشْد: ولو كان دفن في الأملاك المحوزة بغير إذن ربها لكان عليه تحويلهم إلى مقابر المسلمين، وفعل ذلك بقتلى أحد لما أراد معاوية إجراء العين التي بجانب أحد أمر من ينادي بالمدينة من كان له قتيل فليخرجه، وليحوله.
قال جابر: فأخرجناهم من قبورهم رطابًا ينثنون يعني شهداء أحد.
قُلتُ: في استدلاله بفعل معاوية نظر؛ لأن قتلى أحد ما أقبروا إلا حيث جاز إقبارهم، واستدلاله بإخراجهم يوهم كون القبر غير حبس.
والأقرب: أنه فعله لتحصيل منفعة عامة حاجية حسبما يأتي في بيعا لحُبُس لتوسعة جامع الخطبة.

الجزء: 8 - الصفحة: 432

ولابن عات: سئل بعضهم أيجوز حرث البقيع بعد أربعين سنة دون دفن فيه وأخذ ترابه للبناء.
قال الحسن: لا يجوز أن يتملك.
وفي أحكام ابن سهل: أفتى الفقهاء بالمشي على أسنة القبور، وقال: كان (صلى الله عليه وسلم) يشق المقابر على أسنمتها لا بينها.
وقال غيره: المشي على المقابر لمن كان له قبر ضرورة، ويؤمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها، وللضرورة أحكام، ولم يتعقب ابن سهل ذلك.
قُلتُ: وأفتى بعض شُيُوخنا: بعض أهل الخير بنى دارًا له فوجد في بقعة منها عظام آدمي يكون محله حبسًا لا ينتفع به، ولا بهواه فتركه، وهواءه براجًا.
الباجي: تحبيس الرباع جائز اتفاقًا، وقول ابن الحاجب: يصح في العقار المملوك لا المستأجر.
اختصار لقول بان شاس: لا يجوز وقف الدار المستأجر، وفي كون مراد ابن شاس نفي وقف مالك منفعتها أو بائعها نظر، وفسره ابن عبد السلام في لفظ ابن الحاجب بالأول، وهو بعيد لخروجه بالمملوك.
والأظهر: الثاني، وفي نقله الحكم بإبطاله نظر؛ لأن الحُبُس إعطاء منفعته دائمًا وأمر الإجارة خاص، فالزائد عليه يتعلق به الحُبُس لسلامته عن المعارض، ثم في لغو حوزه المستأجر للحبس فيفتقر لحوزه بعد أمد الإجارة وصحته له، فيتم من حين عقده قولان مخرجان على قولي ابن القاسم وأشهب في لغو حوز المستأجر ما في إجارته لمن وهب له بعد إجارته وصحته له.
وإطلاق ابن شاس وابن الحاجب إجازته في الشائع كقولها في آخر الشفعة قال مال: إن حبس أحد الشريكين في دار حظه منها على رجل وولده، وولد ولده فباع شريكه حظه منها فليس له، ولا للمحبس عليهم أخذه بالشفعة إلا أن يأخذه المحبس فيجعله في مثل ما جعل حظه فيه.
اللخمي: إن كانت الدار تحمل القسم جاز الحُبُس إذ لا ضرر على شريكه بذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 433

إن كره البقاء على الشركة قاسم.
قُلتُ: هذا على أن القسم تمييز حق بين، وعلى أنه بيع يؤدي إلى بيع الحُبُس إلا أن يقال الممنوع منه بيعه ما كان معينًا لا المعروض للقسم؛ لأنه كالمأذون في بيعه من محبسه حسبما يذكر في بيع الحُبُس قال: وإن كان لا ينقسم فللشريك رد الحُبُس للضرر؛ لأنه لا يقدر على بيع الجميع، وإن فسد فيه شيء لم يجد من يصلح معه.
قُلتُ: ومثله في نوازل الشعبي قال: وإن كان علو وسفل لرجلين فلرب العلو رد تحبيس ذي السفل سفله؛ لأنه إن فسد منه شيء لم يجد من يصلح له، ومن حقه أن يحمل له علوه ولرب السفل رد تحبيس ذي العلو علوه للضرر متى، وهي سقط منه ما يفسد سفله، والحائط كالدار فيما ينقسم وما لا.
قُلتُ: ومثل إطلاقها في تحبيس الشريك في الدار وقع في رسم كتب عليه ذكر حق في سماع ابن القاسم من الشفعة، فتكلم فيه ابن رُشْد بحكم الشفعة وأعرض عن حكم تحبيس المشاع.
ولابن سهل عن ابن زَرْب: اختلف أهل العلم فيمن له حصة في دار لا تنقسم فحبسها، فقال بعضهم: لا ينفد تحبيسه، وأجازه بعضهم، وبإجازته أقول.
ولابن حبيب: قال لي ابن الماجِشُون: من حبس شركا له مشاعًا في نخل، ودور مع قوم بعضهم غائب، فإن كان من الشركاء من يريد القسم قسم بينهم، وقسم السلطان للغائب إن تعذر حضوره وتوكيله فما أصاب المحبس كان حبسًا، وما لا ينقسم يباع فما أصاب المحبس اشترى به ما يجعل حبسًا كما سبله.
قُلتُ: ففي جواز تحبيس مشاع ربع مشترك فيه مطلقًا، ووقفه على إذن شريكه فيما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه، وإلا بطل، ثالثها: يجوز مطلقًا، ويجعل ثمن الحظ المحبس مما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه لظاهر هما مع ظاهر سماع ابن القاسم.
ونص ابن زَرْب واللخمي عن المذهب، وابن حبيب مع ابن الماجِشُون: ويتخرج القول بالجواز في العلو والسفل.
المتيطي: إن أقر بعض الورثة بتحبيس ربع ورثوه نفذ إقراره في حظه فقط.

الجزء: 8 - الصفحة: 434

قُلتُ: مثله في النوادر لعبد الملك، وظاهره نفوذه مطلقًا، ولو كان فيما لا ينقسم، وهذا على القول بجوازه مطلقًا في تحبيس المشاع واضح وعلى وقفه على إذن شريكه فيه نظر.
قال: وأشد ما على المنكر الحلف أنه لا يعرف أن الحُبُس حبس عليهم.
قُلتُ: يريد: إن كان ممن يظن به العلم.
قال: وليس له رد اليمين؛ لأن المحبس لا يملك ملك المبيع؛ لأن تصييره للأعقاب والمرجع، ولا يحلف أحد عن أحد، ولو نكل إذا ردت اليمين عليه لم يبطل الحُبُس بنكوله فهذه وجوه تمنع رد اليمين في الحبس، وللباجي اختلف هل على المنكر يمين، فقال بعضهم عليه اليمين، وقال بعضهم: لا يمين عليه.
ابن زَرْب: نزلت في رجل حبس مالاً وثبت حوزه فادعى بعض ورثته أن الحُبُس رجع عليه وسكنه حتى مات، وأراد تحليف المحبس عليهم، فقلت: لا يمين عليه، وقال بعض فقهاء: عصرنا عليه اليمين، وهو عندي خطأ، وفي الثياب طريقان.
اللخمي: في جوازه فيها ومنعه قولان لها، ولنقل ابن القُصَّار مع الصقلي.
الباجي لابن القاسم في العتبيَّة: لم أسمع من مالك في الثياب شيئًا، ولا بأس به، وأجازه أشهب، فقيل: يجوازه يلزم لموافقته الشرع، وكونه من العقود اللازمة، وعلى كراهته، ففي جوازه ولزومه روايتان.
قُلتُ: يريد بالجواز عدم اللزوم، لا أحد أقسام الحكم الخمسة، وإلا لزم كون قسيم الشيء قسمًا منه، وهو محال، وتبعه ابن شاس في ذلك، وفرضه في الحيوان.
ابن زرقون: في جوازه فيه وكراهته، ثالثها: في الخيل ويكره في غيرها، ورابعها: يكره في الرقيق فقط لأشهب مع ظاهرها ورواية محمد.
ونقل القاضي: قال بعض أصحابنا: يجوز في الخيل اتفاقًا، إنما الخلاف في غيره، ولمالك أيضًا، ولما ذكر ابن رُشْد هذا الخلاف أول مسألة في الحُبُس قال: إنما الخلاف في الحُبُس المعقب، أو على نفر بأعيانهم، وأما تحبيس كل ذلك لينتفع بعينه في السبيل، أو تصرف غلته في إصلاح الطرق، ومنافع المساجد، أو ليفرق على المساكين وشبه

الجزء: 8 - الصفحة: 435

ذلك، فجائز اتفاقًا إلا في الرقيق، ويكره لرجاء العتق فيه، فإن وقع وفات ومضى، وإن لم يفت استحب لمحبسه صرفه لما هو أفضل.
قُلتُ: يريد بفوته بالحوز لا بالموت.
وقول اللخمي والمتيطي: الأصل في تحبيس ما سوى الأرض قوله (صلى الله عليه وسلم): (من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن سبعه وروثه في ميراثه يوم القيامة) أخرجه البخاري.
وهم شنيع في فهمه إن ضبط باء حبس بالتخفيف، وفي روايته إن ضبطها بالتشديد، وفي مثل هذا كان بعض من لقيناه يحكي عن بعض شُيُوخه أنه كان يقول بعض استدلالات بعض شُيُوخ مذهبنا، لا ينبغي ذكرها خوف اعتقاد سامعها، ولا سما من هو من غير أهل المذهب؛ لأن حال أهل المذهب أو جلهم مثل هذا المستدل.
قال: ولقد رأيت لبعض متقدمي المتكلمين ردًا على المنجمين، وودت أنه لم يقله لسخافته، ورأيت للآدمي ردا عليهم ليس منصفًا وقف عليه.
ابن شاس وابن الحاجب: لا يصح وقف الطعام قال: لأن منفعته باستهلاكه.
قُلتُ: نقصها، وهي كسلف، وذلك جائز إن شاء قبلها على ذلك أو ردها.
قُلتُ: ومثله في رسم استأذن من سماع عيسى ولا بن رُشْد في أول مسألة من سماع ابن القاسم: وأما الدنانير والدراهم، وما لا يعرف بعينه فتحبيسه مكروه وإن وقع كان لآخر العقب ملكًا إن كان معقبًا، وإن لم يكن معقبًا، وكان على معينين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم.
قُلتُ: رجوعه ملكًا ظاهر في جواز بيعه اختيارًا بعد رجوعه، وذلك يمنع كونه حبسًا حقيقة؛ لأن خاصته تمنع مبيعه اختيارًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 436

[

باب في المحبس عليه

] المحبس عليه ما جاز صرف منفعة الحُبُس له أو فيه، وإن كان معينًا يصح رده اعتبر قبوله.
ابن شاس: لا يشترط في صحة الوقف عليه قبوله إلا أن يكون معينًا أهلاً للرد والقبول، وفي كون قبوله شرطًا في اختصايه به أو في أصل الوقف خلاف في الموازيَّة من قال: أعطوا فرسي فلانًا فلم يقبله.
قال مال: إن كان حبسًا أعطي لغيره، ولمُطَرَّف في الواضحة من حبس حجرًا فلم يقبلها المحبس عليه لنفقتها رجعت ميراثًا.
قُلتُ: ما ذكره عن الموازيَّة لفظه في النوادر هنا من أوصى بفرسه في السبيل فقال: أعطوه فلانًا فلم يقبله، فإن كان حبسًا أعطى لغيره، وإن لم يكن حبسًا رد إلى ورثته، وما ذكره عن مُطَرَّف لفظه من حبس على رجل حجرًا عرض عليه أن يكون عليه علفها، فإن أبي كانت ميراثًا، وقاله أَصْبَغ، ورواه عن ابن القاسم.
اللخمي: إن حبس فرسًا أو عبدًا على رجل بعينه فلم يقبله، فإنه يختلف هل يصرف لغيره أو يرجع لربه أو وراثه إن أوصى به فذكر ما تقدم لمُطَرَّف، ولم يعزه لغيره، وما تقدم لمحمد قال: وأرى إن أعطاه له ليركبه لا ليغزو عليه رجع ميراثًا، وإن كان ليغزو عليه فهو محل الخلاف؛ لأن الحُبُس يتضمن نفع المحبس عليه كمن أوصى أن يحج عنه فلان بكذا، والموصي غير ضرورة.
قال ابن القاسم: يرجع المال ميراثًا، وقال غيره: يدفع لآخر يحج به عنه،

الجزء: 8 - الصفحة: 437

وهو أحسن.
قُلتُ: لابن رُشْد عن الشَّيخ: من أمر بشيء لسائلٍ فلم يقبله دفع لغيره.
المتيطي: المشهور المعمول عليه صحته على الحمل.
ابن الهندي: زعم بعضهم أنه لا يجوز على الحمل، والروايات واضحة بصحته على من سيولد وبها احتج الجمهور على الحمل، وفي لزومه يعقده على من يولد قبل ولادته قولا ابن القاسم ومالك لنقل الشَّيخ.
روى محمد بن المواز، وابن عبدوس: لمن حبس على ولده، ولا ولد له بيع ما حبسه ما لم يولد له، ومنعه ابن القاسم قائلاً: لو جاز لجاز بعد وجود الولد وموته.
قُلتُ: يرد بأنه لما لزم بوجوده واستمر ثبوته لوجود متعلقه، وقبله لا وجود لمتعلقه فلم يلزم والأولى: احتجاج غيره، فإنه حبس قد صار على مجهول من يأتي فصار موقوفًا أبدًا ومرجعه لأولى الناس بالمحبس، ولهم فيه متكلم.
وتبع ابن الحاجب: ابن شاس في قوله: يجوز الوقف على الذمي، وقبله ابن عبد السلام، ولا أعرف فيه نصًّا للمتقدمين.
والأظهر: جريها على حكم الوصية.
سمع ابن القاسم: كراهة الوصية لليهودي والنصراني.
قال سَحنون: قال ابن القاسم: وكان قبل ذلك يجيزه، ولا أرى به بأسًا إن كان على وجه الصلة للرحم كأبيه وأخيه وأراه حسنًا، وأما لغير هذا فلا.
وقال عنه عيسى: لا بأس به لأحد أبويه وأخيه وشبه ذلك من قرابته، ولا يعجبني في الأباعد، وليتعطف به على أهل الإسلام.
ابن رُشْد: قوله الأول بالجواز دون كراهة هي رواية ابن وَهْب، واحتج بالحلة التي كساها عمر أخًا له مشركًا بمكة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، قوله قبل ذلك، وأراه حسنًا.
قول ثالث: رأى أجر وصيته لصلة رحمه، وإن كانوا ذميين أكثر من الأجر في المسلم الأجنبي.

الجزء: 8 - الصفحة: 438

وأما الوصية للأباعد من الذميين فلا خلاف في كراهة ذلك باعتبار أنها إيثار للذمي على المسلم إلا في نفس الوصية؛ لأن فيها الأجر بكل حال في موطأ ابن وَهْب عن مالك: من نذر صدقةً على كافر لزمه.
وقال أيضًا: من قال: مالي صدقة على فقراء اليهود لزمته الصدقة عليهم بثلث ماله قال الله سبحانه وتعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، والأسير الكافر، وأجاز أشهب الوصية للذميين، ولو كانوا أجانب إجازة مطلقة دون كراهة، ومعناه في الأجانب إن كان لهم حق من جوار أو يد سلفت وشبه ذلك، وإن لم يكن لذلك سبب فالوصية لهم محظورة إذ لا يؤثر الكافر على المسلم دون سبب إلا مسلم سوء مريض الإيمان لقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية [المجادلة: 22].
الباجي: لو حبس مسلم على كنيسة، فالأظهر عندي رده؛ لأنه معصية كما لو صرفها إلى أهل الفسق.
قُلتُ: عادة الأشياخ أنهم لا يقولون الأظهر عندي إلا فيما فيه نظر ما لا في الأمر الضروري، ورد هذا الحُبُس ضروري من القواعد الأصولية؛ لأنه تسبب في معصية أو إعانة عليها خالية عن مصلحة شرعية، وما هذا شأنه حرام إجماعًا.
وكذا من القواعد الفروعية سمع عيسى ابن القاسم: من أوصى أن يقام بلهو عرس رجل أو مناحة ميت لا تنفذ وصيته، وقوله باطل.
ابن رُشْد: لا خلاف في ردها بمناحة الميت؛ لأنها محرمة.
وفي الموازيَّة: من أوصى لرجل بمال على أن يصوم عنه لم يجز ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 439

باب في المحبس

المحبس: من صح تبرعه، وقبوله منه، فيصبح من الإمام لسماع محمد بن خالد

الجزء: 8 - الصفحة: 440

من ابن القاسم صحة تحبيسه الخيل في الجهاد.
وأنكره بعض مفتي بلدنا حين إشهاد إمامها بتحبيسه بعض ريعها على بناء سورها فوقفته على السماع فرجع، وشهد فيه معنا، فلا يصح من محجور عليه، ولا من مدين أحاط عليه دينه بماله، ولا كافر في قربة دينية ولو كانت في منفعة عامة دنيوية كبناء القناطر، ففي ردها نظر.
والأظهر: إن لم يحتج إليها ردت.
الباجي: سمع ابن القاسم: إن حبس ذمي دارًا على مسجد ردت، ورواه معن بن موسي في نصرانية بعثت بدينار للكعبة رد إليها، وهو على وارث وحده في المرض مردود كهبته فيه فلو كان على غيره فهو معه فهو كالمشهورة بمسألة ولد الأعيان، وهي ذو دار حبسها في مرض موته على ولده، وولد ولده، وحملها ثلاثة، وترك معهم أمًا وزوجة فصورها الشَّيخ والصقلي على أن الولد ثلاثة، وكذلك ولد الولد فتقسم غلتها على عدد المحبس عليهم.
سمع عيسى ابن القاسم: والذكر كالأنثى، وفي قسمه بالسوية مطلقًا أو إن استوت حالتهم نقلاً.
ابن رُشْد: عن ظاهر سماع عيسى ابن القاسم مع قول ابن الماجِشُون، ومشهور

الجزء: 8 - الصفحة: 441

قول ابن القاسم: ودخلت الأم والزوجة على ولد الاعيان فيما صار لهم بحظيهما إرثًا، فإن مات أحد الأعيان تعلق بحظه حق ولد الولد لوجوب صرف كل حبس على عدد عند موت بعضه على من بقي، وفي صرفه لهم بنقص القسم الأول، وقسمه على من بقي من الأعيان، وولد ليقسم حظهم بمقتضى إرثهم والميت معهم مقدرة حياته يستحق وارثه حظه من ذلك، وتدخل الأم والزوجة عليهم فيه بحظيهما كما مر، أو ببقائه، ويقسم حظ الميت مردود إليه سدسه وثمنه.
كذلك نقلا الصقلي عن سَحنون مع محمد، ويحيى عن ابن القاسم، وظاهر سماع عيسى ابن القاسم، وبه فسره الشَّيخ الصقلي، وقول سَحنون في المجموعة: يضم ولد الأعيان لما صار لهما من قسم سهم الميت عليهما مع ولد الولد للسدسين اللذين بأيديهما مردودًا إليهما ما أخذه منهما الأم والزوجة يخرج من كل ذلك لها سدسهما وثمنهما، ويقسم الباقي عليهما مع الميت مقدرة حياته حظه لوراثه عائد إلى نقض القسم.
قال الشَّيخ: ولا يختلف معنى نقص القسم من بقائه بالنسبة إلى الأم والزوجة وولد الولد إنما يختلفان بالنسبة إلى ولد الاعيان وولد الميت، وبيانه يقسم الحُبُس بموت الجد على أنه فريضة صحت من ألفين ومائة وستين لكل من الأعيان، وولد الولد سدسها ثلاثمائة، وستون للزوجة ثمن ما بيد كل واحد من الولد جميعه مائة وخمسة وثلاثون وللأم سدس ما بيد كل من الولد جميعه مائة وثمانون، فإن مات أحد الأولاد ردت إليه الزوجة ما أخذت منه، وذلك خمسة وأربعون، وترد الأم إليه ستين فيعود السدس كما كان ينقسم على خمسة اثنان وسبعون لكل واحد من ولد الولد وولد الأعيان فتأخذ الأم سدس ما بيد كل واحد من ولدي الاعيان، وذلك اثنى عشر والزوجة ثمنها تسعة يبقى لكل واحد عشرون جميع ذلك مائة وسهمان يأخذ كل واحد ثلثه أربعة وثلاثين، ولوارث الميت مثل ذلك، فيصير لكل واحد منهما مائتان وسبعة وثمانين للزوجة مائة وثمانية، وللأم مائة وأربعة وأربعون، ولكل واحد من ولد الولد أربعمائة واثنان وثلاثون هذا على بقاء القسم، وعلى نقضه تقسم ذلك على خمسة خمسه أربعمائة واثنان وثلاثون، وكذا كان لكل واحد من ولد الولد في القسم الأول، ثم تأخذ

الجزء: 8 - الصفحة: 442

الزوجة من كل واحد من ولد الأعيان ثمن مابيده، وهو أربعة وخمسون يجتمع لها مائة وثمانية، وهو ما كان لها في القسم الأول، وتأخذ الأم منهما سدس ما بأيديهما مائة وأربعة وأربعين، وهو ما كان لها في القسم الأول، ثم الباقي بيد ولد الأعيان ستمائة واثنا عشر ثلثها لورثة الميت منهما مائتان وأربعة فرادهما نقض القسم على بقائه مائة وسبعين؛ لأنه إنما كان لهم أربعة وثلاثون هذه الزيادة كانت عند عميهما ونقص كل واحد منهما خمسة وثمانون عما كان بيده في القسم الأول فالذي نقصهما هو ما زاد ورثة أخيهما، وهذا أشبه لوجوب مساواة حق الميت لحقيهما فيما يستحقانه بالإرث.
قُلتُ: هذا الكلام بطولة إنما المطلوب منه بيان اختلاف قدر ما يجب لورثة الميت من ولد الأعيان والباقي منهم على نقض القسم وبقائه وإدراكه باخصر من ذلك واضح؛ لأن الواجب لورثة الميت منهم على نقض القسم ثلث خمسي المال، وعلى بقائه ثلث خمسي سدسه، والمال أكثر من سدسه ضرورة أن الكل أعظم من الجزء، وأن جزء الاصغر من قدر المسمى لجزء الأكبر أصغر من جزء الأكبر، واختلاف حال الوارث ملزوم لاختلاف حال ولد الأعيان؛ لاتحاد حال من سواهم فيهما ضرورة مساواة الجزء المأخوذ من كل لمجموع الأجزاء السمية له مأخوذة له من كل أجزائه كثمانية وأربعين ثمنها وسدسها كثمن أربعة وعشرين مرتين وسدسهما.
ولابن رُشْد في رسم سماع القطعان من سماع عيسى: أن ولد الأعيان ثلاثة، وولد الولد أربعة.
قال ابن دحون: قوله إن مات أحد ولد الأعيان قسم حظه فذكر ما تقدم من قسمه على القول بنقض القسم الأول هذا غلط والواجب رد الورثه كل ما بأيديهم، وذكر ما تقدم في معنى نقض القسم.
ابن رُشْد: إنما قال ابن دحون هذا؛ لأنه تأول قول ابن القاسم على رد جميع ما بيد الميت من ولد الأعيان، ويضاف له ثلث سدس الأم، وثلث ثمن الزوجة فيصير سبعًا تامًا، ويقسم على ما ذكر في السماع؛ ولذا قال قوله يقسم الجزآن غلط؛ بل يرد الورثة كل ما بيديهم إلى الجزءين، ويقسم ذلك على فرائض الله.

الجزء: 8 - الصفحة: 443

كما تأول التونسي: المدَوَّنة: وهو تأويل غلط، تفسد به المسألة، والذي يصح حمل كلام المدَوَّنة عليه أنه لا يؤخذ من الميت من ولد الأعيان كل مابيده إنما يؤخذ سهمه الذي صار من السبعة الأجزاء حين قسم الحُبُس على ولد الأعيان، وعلى ولد الولد مما بيده ومما بيد الباقين من ولد الأعيان، ومما بيد الأم والزوجة؛ لأنه قد قسم ذلك عليهم أجمعين مع السبعين الأخرين اللذين كانا صارا لولدي الأعيان؛ فيؤخذ مما بيد كل واحد ثلثه؛ لأن ولد الأعيان ثلاثة فيكمل السبع على هذا فيقسم على الباقين من ولد الأعيان وولد الولد ومناب ولد الأعيان منه يقسم عليهما مع الميت من ولد الأعيان وعلى الأم والزوجة كما تقدم، فيتساووا على هذا في قدر مواريثهم كتساويهم في بعض القسم.
قُلتُ: قوله وإنما يؤخذ سهمه الصائر له من السبعة الأجزاء إلى آخره كذا وجدته في غير نسخة واحدة، وظاهره أخذ كل ما بيده؛ لأنه الصائر له من قسم السبعة الأخرى، وهو مناف للمعنى الذي صوبه، ولنص قوله بعده فيؤخذ مما بيد كل واحد ثلثه إلى آخره، ولو قال: إنما يؤخذ منه تسمية الصائر له من السهم السابع من السبعة الأجزاء إلى آخره كان واضحًا؛ فتأمله.
وحاصله: أنه يؤخذ مما بيد كل واحد من ولد الاعيان ميتهم وحيهم من الأم والزوجة الجزء المسمى لعدد ولد الأعيان؛ لأن الجزء الصائر لكل منهم من السهم الذي بان بموت أحد ولد الأعيان استحقاق ولد الولد فيه حقًا مع الباقين من ولد الأعيان بمقتضى التحبيس على عددهم.
الصقلي عن سَحنون في المجموعة: إنما هو في الثمار وشبهها من الغلل يقسم عند كل غلة على من وجد حينئذ حيًا من ولد الأعيان، وولد الولد، ثم يقسم حظ ولد الأعيان على الفرائض، فأما ما يسكن من دار أو يزرع من أرض فلا بد من نقض قسمه.
الصقلي: وهذا إنما يصح على قول من لا يرى نقض القسم.
الصقلي: وقول سَحنون في المجموعة؛ كنقض القسم سواء فانظره.

الجزء: 8 - الصفحة: 444

قُلتُ: قوله إنما يصح على قول من لا يرى نقض القسم وهم؛ لأن حاصل قول سَحنون الذي قرره في الثمار هو نفس نقض القسم؛ فكيف يتصور صحته على عدمه، ويمكن تقرير قول سَحنون على الصواب، أن معنى قوله: وهذا إنما يصح؛ يريد: بقاء الربع المحبس بينهم بعد موت أحد ولد الأعيان على ما كان عليه قبل موته إذا كان نفس المقسوم بينهم غلة الربع كدار السكنى وشبهه؛ يريد: ككراء الدور ونحوها أما إن كان المقسوم بينهم نفس الربع كدار السكنى لهم، وأرض الزرع لهم فلا بد من نقض قسمه؛ يريد: فلا بد من تحويله عن حالته في قسمه بينهم بموت أحد ولد الأعيان فلا يبقى على ما كان عليه بينهم؛ لأن الصائر لكل منهم حيث المقسوم بالغلة لا تختلف الأغراض فيه لتعدد قسمه فوجب بقاء الربع المحبس على حاله والصائر لكل منهم حيث المقسوم بينهم الربع نفسه تختلف الأغراض فيه في تعدد قسمه فوجب نقضه عن بقاء حاله قبل موت أحد ولد الأعيان؛ فتأمله.
ابن رُشْد: وقوله في هذا السماع أن هذا القسم لا ينتقض بموت من مات، وإنما يقسم حظه معناه إن كان ينقسم خلاف ظاهر سماع عيسى يحيى أن القسم ينتقض كله كما إذا زاد ولد الولد، وإن لم ينقسم حظ من مات من الولد أو ولد الولد انتقض كل القسم من أصله اتفاقًا كما ينتقض، كذلك إذا زاد ولد الولد، وسماع يحيى ليس مخالف لسماع عيسى فما يخرجه القسم لكل واحد في قتله وكثرته إنما اختلفا في صفة العمل، وسماع يحيى أولى لما في ترك القسم من التشعب والعناء بما لا فائدة فيه، وفي سماع عيسى المذكور ما صار لورثة الميت من ولد الأعيان يستمتعون به ما عاش واحد من ولد الأعيان.
ابن رُشْد: فيه نظر، إذ لا يستمتعون بجميعه ما عاش واحد من ولد الأعيان، كما قال: لأنه إن مات واحد من أعيان الولد بعد ذلك وجب أن يردوا مما صار لهم ما يجب من ذلك لولد الولد، وإنما يستمتع كل من صار بيده من الورثة شيء من الحُبُس بجميع ما صار له ما بقي واحد من أعيان الولد إن مات جميع ولد الولد يرجع جميع الحُبُس للولد، وفي السماع المذكور سئل عنها سَحنون فقال: هذه من حسان المسائل قل من

الجزء: 8 - الصفحة: 445

يعرفها، وهي لابن القاسم في غير موضع فهي في بعض كتبه خطأ، وفي بعضها صواب، الصواب فيها: إن كان ولده ثلاثة وولد ولده ثلاثة وحالهم واحدة قسم الحُبُس على ستة إلى آخره.
ابن رُشْد: قيل: قوله هذا تفسير لقول ابن القاسم، وقيل: خلافه إذ قال يقسم على عددهم، ولم يشترط تساوي حالهم، وقيل: ابن القاسم فرق بين الحُبُس في المرض؛ لأنه فيه بمعنى الوصية فسوى فيه بين فقيرهم وعنيهم بخلاف حبس الصحة، واتفقا على أن لا يفضل الولد على ولد الولد في هذه المسألة، وهو خلاف قول ابن القاسم في المدَوَّنة وروايته فيها مثل قول المخزومي وغيره في قوله، وكان المغيرة وغيره يسوي بينهم فلو مات ثان من البنين فعلى النقض يقسم كل الحُبُس على أربعة، ثلاثة الحفدة والابن الوارث كما مر وبموته يخلص كل الربع للحفدة، وعلى بقائه فعلى تفسيره.
ابن رُشْد: يؤخذ من حظ الميت وسائر من بيده حظ غير الحفدة الجزء المسمى للخارج من تسوية الواحد من عدد البنين حيهم وميتهم يقسم كما مر، وعلى قول الأخوين يقسم كل حظ الميت مع الجزء المذكور ممن ذكر حيهم وميتهم غير ابن حي يقسم كذلك فلو مات أحد ولد الولد والبنون أحياء ففي نقض القسم فيقسم الحُبُس على خمسة كما مر، وبقائه ويقسم حظ الميت كذلك نقلاً الصقلي عن محمد مع غيره، وسماع عيسى ابن القاسم وعليه في دخول الأم والزوجة على ولد الأعيان فيما صار لهم نقلاه عنه مع سَحنون في المجموعة، وعنه في العتبيَّة قائلاً: لأن الوصية نفدت أولاً وارتفعت التهمة.
الصقلي: يريد: إنما رجع عليهم بالولاية.
قال غيره: وعليه يؤثر ذو الحاجة من ولد الموصي؛ لأنه سنة مرجع الأحباس.
الصقلي: قوله في المجموعة: أحسن، وهو ما قاله محمد: من نقض القسم سواء فيما يصير للأم والزوجة إذ لا فرق بين أخذ سدس وثمن من كل مجموعًا، ومن كل أجزائه مفرقة فالقول بنقض القسم أخصر.
قُلتُ: لم يبين وجه كون ما في المجموعة: أحسن، ووجهه إن أخذ ولد الأعيان في

الجزء: 8 - الصفحة: 446

موت أحد ولد الولد لو كان بمعنى استحقاق مراجع الأحباس لا ختصوا بكل ما ترك الميت دون بقية ولد الولد، وفي عزوه الثاني لسَحنون في العتبيَّة نظر؛ لأنه إنما قاله فيها: إن مات جميعهم، ولو مات ثان منهم فذكلك، والقسم على أربعة، ولو انقرض جميعهم رجع كل الحُبُس لولد الأعيان، وفي دخول الأم والزوجة عليهم.
الصقلي: قولا سَحنون في المجموعة مع سماع عيسى ابن القاسم، وقول سَحنون في العتبيَّة، ولما ذكره ابن رُشْد قال: يريد: وكذا لو مات واحد منهم على ما قاله في غير هذا الكتاب، وقوله: لأن وصية الميت نفذت لهم وسقطت المحاباة غلط بين؛ لأنه إنما يرجع الحُبُس إلى أقرب الناس بالمحبس إن انقرض كل المحبس عليهم، وأما ما بقي منهم أحد فهو راجع على جهة الوصية.
وقال الشَّيخ في المختصر: إنما قال سَحنون بعدم دخول الأم والزوجة فيما يصيب ولد الأعيان من قبل ولد الولد إن ماتو كلهم لا في موت أحدهم، فإنهما يدخلان فيه في قول جميعهم؛ لأن أسباب المواريث قائمة بينهم، وكذا تأول عليه ابن دحنون، وهو تأويل لا يعضده نظر وترده الرواية الموجودة عن سَحنون بعدم دخول الأم والزوجة في موت أحدهم.
قال ابن رُشْد: وقول سَحنون إن مات واحد من ولد الأعيان؛ يريد: بعد انقراض ولد الولد أخذ ما في يديه؛ يريد: جميع السدس الصائر له حين قسم الحُبُس على الولد وولد الولد فيقسم على فرائض الله، للأم سدسه، وللزوجة ثمنه؛ يريد: وقد أخذتا ذلك فلا يسترد منهما، ولولد الأعيان ما بقي؛ يريد: ما صار له بالإرث دون ما صار له من رجوع الحُبُس من قبل ولد الولد، وقوله: إن هلك الثاني أخذت الأم مما بيده سدسه غلط بل تأخذ الثلث إلا أن يموت هذا الثاني عن ولد، وقوله: إنما تتقاسم الأم والزوجة ولد الأعيان إن هلك الأول، وبقي اثنان، وإذا هلك الثاني، وبقي واحد صحيح، وفي السماع لسَحنون: إن هلك الثاني، وبقي واحد أخذ ما في أيديهم من النصف الأول الذي صار لهم، وأما ما صار لهم من حق ولد الولد فلا تدخل فيه الأم ولا الزوجة؛ لأنه رجع إليهم من وصية أنفذت لم يكن فيها محاباه لوارث.

الجزء: 8 - الصفحة: 447

قال ابن رُشْد ما نصه: قوله: إن هلك الثاني، وبقي واحد أخذ ما في أيديهم من النصف الأول؛ يريد: فإذا هلك ذلك الواجد فلا تدخل فيه الأم والزوجة الذي بقي أخذ ما في أيديهم من النصف؛ يريد: الذي صار لهم؛ يريد: أنه يؤخذ منهم فيكون ميراثًا عن الحُبُس لورثته وورثة من مات من ورثته.
قُلتُ: كذا وجدته في غير نسخة وفيه نظر؛ لأنه لا يؤخذ شيء من الحُبُس بالإرث عن المحبس إلا إذا صار لوارث له وبموت كل ولد الأعيان بطل تعلق الحُبُس بوارث له، وإذا بطل كونه على وراثه وجب صرفه بمعنى مراجع الأحباس؛ فتأمله.
قال ووقع في النوادر: قال سَحنون في العتبيَّة: إن انقرض ولد الولد وصار ما بأيديهم لولد الأعيان، ثم مات واحد منهم أخذت الأم والزوجة ميراثهما مما بيده من السدس الذي أخذ أولاً لا مما صار إليه عن ولد الولد فما بقي قسم بين ولد الأعيان.
قال أبو محمد: ينبغي أن يكون إنما أخذ أولاً هذا السدس بالإرث فعند الأم سدسه، وعند الزوجة ثمنه، فلا يرد منهما؛ لأنقراض ولد الولد الذي لهم في ذلك حجة فيقسم ما بيده من بقية ذلك السدس على ورثته لأمه سدسه، ولزوجته ربعه، ولبقية ورثته ما بقي، فإن كان إخوته هذين فهو لها، وما بيده عن ولد الولد، وهو سدس ثان فهو كسبيل الأحباس عنده في رواية العُتْبِيّ لا شيء لورثته فيه، ويرد إلى أولى الناس بالمحبس، وهما أخو هذا الميت ورثته بينهما نصفين، كذا وقع قول سَحنون في النوادر، وهو يبين قوله في الكتاب ففيه لبس، وقول ابن أبي زيد مفسر لقول سَحنون لا خلاف له.
قال الصقلي: قالوا: وينتقض القسم لحدوث ولد لبعض ولد الأعيان أو لبعض ولد الولد اتفاقًا، ويقسم على عدد الولد وولد الولد الأولين والذين حدثوا، ولو شرط أن لا حق لمتزوجة إلا أن تتأيم بموت أو طلاق فتزوجت ابنة له انتقض القسم، ولم يقسم لها في قسم الحُبُس شيء، وما صار للأعيان دخلت عليهم بحق إرثها؛ لأنها أخت لهم فلو تأيمت انتقض القسم، وقسم لها فلو كان في المرض على وارثين فقط، ففي وقفه يقسمون غلته بمقتضى الإرث حتى ينقرضوا فيرجع مرجع الأحباس، وبطلانه فيورث

الجزء: 8 - الصفحة: 448

ملكاً، ثالثها: إن قال حبساً لا يباع ولا يورث لتخريج اللخمي على أنه على معين يرجع مرجع الأحباس لا يورث والمعروف.
والشيخ عن ابن كنانه قائلاً: من مات منهم فحظه لورثته على إرثهم حبساً.
قلت: يريد: ما بقى منهم أحد، وإلا رجع مرجع الأحباس، ويرد تخريج اللخمي بأنه لا يلزم من رجوعه مرجع الأحباس، وهو على معين كونه كذلك، وهو على وارث لصحته على المعين وفساده على الوارث، ولا يلزم من ثبوت لازم العقد صحيحاً ثبوت لازمه كذلك فاسداً لجواز كون الصحة هي علاقة اللزوم أو جزؤها ولجواز استلزام المحال المحلل في العقليات فأحرى الظنيات فيستلزم الفاسد نقيض لازم الصحيح، وهو على نفس المحبس وحده باطل اتفاقاً، وفيه مع غيره، ثالثها: إن نص على نفسه صح للمعروف.
ونقل ابن شعبان: دخول من حبس على بني أبيه معهم واختياره.
الباجي: لا يصح وقف الرجل ملكه على نفسه.
وقال ابن شعبان: من حبس على نفسه، وغيره صح حبسهن ودخل معه.
قلت: ظاهر المذهب بطلان كل حبس من حبس على نفسه، وغيره إن لم يحز عنه، فإن حيز صح ما على غيره فقط.
وفي الزاهي لابن شعبان: من حبس على نفسه، وعلى الفقراء، فإن كان فقيراً وشرط خروجه عنه بغناه، ويعود إلى من معه عاد إليهم إن استغنى أو مات، لأن الموت الغني عنه، وهذا استحسان لا قياس، وإن جعل نفسه معهم على الغنى والفقر بطل جزؤه بموته إن علم قدره، كقوله على فقراء بني فلان أو ولد فيعرفون، وإن جعله على الفقراء مطلقاً، فجزؤه لا يعرف، وفي بطلان كل الحبس وإمضاء جميعه إذ لا يرد كثير بقليل قولان بأولهما أقول.
وسمع ابن لقاسم: من حبس شيئاً في السبيل، وأنفذ فيه زماناً فله الانتفاع به مع الناس إن كان محتاجاً.
ابن رشد: ينتفع به فيما سبله فيه لا فيما سواه من منافعه إن كان من حاجة، لأن

الجزء: 8 - الصفحة: 449

الاختيار فيما جعل في السبيل أن لا شيء فيه إلا لأهل الحاجة، فإن استعمله لحاجته لم يكن رجوعاً فيما حبس، ولا عود له في صدقته وللشيخ في المجموعة من رواية ابن وهب وابن القاسم والمتيطي وغيره عن المذهب: ويجوز للمحبس استثناؤه من حبسه ما يسكنه أو ينتفع به حياته على لحوقه بالحبس بعد موته بعقده الأول إن كان ثلث قيمته فأقل وعاينت البينة ما لم يستثنه خالياً من متاعه، فإن كان أكثر بطل جميعه إن كان باقية لصغير ولده، وإن كان لغيره صح إن حيز عنه، وإن لم يلحقه به بعقده الأول وأبقاه على أن يلحقه به بعد وفاته فهو وصية بتحبيسه.
وفيها: يكره لمن حبس إخراج البنات من تحبيسه.
وسمع ابن القاسم: من حبس حبساً على ذكور ولده، وأخرج منه من يتزوج من بناته لا يجوز هو من أمر الجاهلية.
قلت له: فيبطل ويسجن.
قال: نعم.
ابن القاسم: وذلك إن فات فهو على ماحبس.
ابن القاسم: إن كان المحبس حياً، ولم يجز الحبس فسخ، ودخل فيه البنات، وإن حيز أو فات فهو فوت، وهو على ما جعله عليه.
ابن رشد: ظاهر قول مالك إبطاله على كل حال خلاف قول ابن القاسم أنه يمضي إن فات وفوته عنده حوزه عن المحبس على ما قاله في هذه الرواية إذ رأى أن الحبس يبطل ما لم يحز عن المحبس، ويدخل الإناث فيه ظاهره، ولو كره المحبس عليهم لرعي القول بأن الهبة والصدقة والحبس لا يجب الحكم به حتى يقبض، وعن مالك أنه مكروه فعليه لا يفسخ إلا أن يرضى المحبس عليه بفسخه، وهم كبار.
وقال محمد: ليس ذلك باختلاف من قوله، ومعنى قوله: بفسخه ما لم يأب عليه من حبس عليهم، فإن أبو أبقى حبساً، ولم يفسخ، وإن كان حياً إلا أن يرضوا، وهم كبار.
قال مالك: إن لم يخاصم رد حبسه حتى يجعله على صواب ظاهره، ولو لم يحز عنه،

الجزء: 8 - الصفحة: 450

وهو على قياس قوله أنه مكروه.
قلت: في قوله: هو على قياس.
قوله: أنه مكروه، نظر، لأن المكروه إذا وقع أمضى، ولم يفسخ.
قال: وقال ابن القاسم: إن خوصم أقر على حاله، ومعناه على مذهبه إن حيز عنه وتأويلي على ابن القاسم أنه في فسخه فرق بين أن تحاز عنه أو لا تحاز هو ظاهر قوله: إن كان المحبس حياً، ولم يحز الحبس فسخ، ودخل فيه الإناث، وإن كان حيزا وفات، يريد: أو مات بعد أن حيز فقد فات، وهو على ما جعل عليه، وقد تأول على ما حكاه محمد عن مالك وابن القاسم أنه ليس له فسخه، وإن كان لم يحز عنه إلا برضى المحبس عليهم، وقد تأول أن له فسخه، وإن حيز عنه، وأبى المحبس عليهم رعياً لمن لا يرى إعمال الحبس جملة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رسم شك بعد هذا، وفي رسم نذر، وتأول على ظاهر قول مالك في هذه الرواية: أنه يفسخ على كل حال، وإن مات المحبس بعد أن حيز عنه الحبس، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال هذا، ويفسخه ويدخل فيه الإناث، وإن حيز عنه، وهذا ما لم يحز عنه، فإن حيز عنه لم يفعل ذلك إلا برضى المحبس عليهم، ورابعها: لا يفسخه ويدخل فيه الإناث، وإن لم يحز عنه إلا برضى المحبس عليهم، وذكرها ابن زرقون وقال: الأولان تأولا على قول مالك في سماع ابن القاسم، والثالث ظاهر قول ابن القاسم في سماعه، والرابع قول محمد، وللباجي قبل ذكرها.
ابن زرقون قال: قال ابن القاسم: إن فات ذلك مضى على شرطه، وإن كان حيا، ولم يجز عنه فأرى أن يرده، ويدخل فيه البنات، ونحوه لعيسى عن ابن القاسم، وأنكره سحنون.
قلت: انظر هل هذا زائد على الأربعة أو هو تقييد لما سوى الأول منها، وأن الثلاثة إنما هي ما لم يمت فإن مات مضى، وهو أبين.
الباجي: وهذا مبني على ما تقدم من الخلاف فيمن وهب بعض بنيه دون بعض.
قلت: هذا خلاف قول ابن رشد إخراج البنات من الحبس عند مالك أشد كراهة

الجزء: 8 - الصفحة: 451

من هبة الرجل بعض ولده دون بعض إذ لم يختلف قوله أن هبة الشيء من ماله لبعض ولده دون بعض جائزة، وإن كرهت.
اللخمي: في إخراج البنات من الحبس اختلاف.
روى ابن عبدوس كراهته، وروى العتبي: إن أخرجهن إن تزوجن بطل الحبس، وقاله ابن شعبان ابن القاسم.
إن حيز أو مات فات، وكان كما شرط، وإلا فأرى أن يفسخه، ويدخل فيه البنات، وقال أيضاً: إن كان المحبس حياً فليفسخه ويجعله مسجلاً، وإن مات لم يفسخ فجعل له رده بعد الحوز وجعله مسجلاً ما لم يمت، وعلى هذا تجري الصدقة على الذكور فقط أو على بعضهم فعلى الأول تكره، وعلى الثاني تبطل وعلى أحد قولي ابن القاسم تفسخ ما لم تحز وعلى القول الأخر يفسخ ولو حيز.
وروى محمد: لا بأس أن ينجل بعض ماله إنما يكره أن ينحل جل ماله، وفي كون العدل بين الذكر والأنثى بالسوية في القدر أو كالميراث قولا ابن القصار وابن شعبان، وهو أحسن.
ابن شاس: في مختصر الوقار جائز أن يحبس على الذكر دون الإناث، وعكسه.
قلت: ففي الحبس على البنين دون البنات مطلقاً أو إن تزوجن أربعة.
ابن رشد: وخامسها: جوازه، وسادسها: كراهته، وسابعها: فوته بحوزه، وإلا فسخه، ودخل فيه البنات للوقار، ورواية ابن عبدوس واللخمي عن أول قولي ابن القاسم.

باب في الحوز المطلق

وشرطه كجنسه العطية حوزه: وحقيقته رفع خاصية تصرف الملك فيه عنه بصرف التمكن فيه للمعطي أو نائبه.

الجزء: 8 - الصفحة: 452

باب في وقت الحوز

ووقته قبل فلسه وموته ومرضه.

باب في الحوز الفعلي الحسي

وهو حسي وحكمي فالأول في الصلاة منها: لا يورث المسجد إن كان صاحبه أباحه للناس.
اللخمي في كتاب الجعل والإجارة: يريد: إن لم يبحه ورث، وهو أصل كل ما أوجبه الإنسان لله، ولم يعنيه لا يجبر على إنفاذه.
ولابن القاسم مرة ما جعله للمساكين في غير عين جبر على إنفاذه فعليه يجبر باني المسجد على إنفاذه، وإن مات قبل اختياره أو كان على إنفاذه فمات قبل حوزه، ففي

الجزء: 8 - الصفحة: 454

إمضائه حبساً وجعله ميراثاً قولان من الصدقة إن مات قبل تفريط في حوزها.
وله في كتاب الحبس: حوز المساجد والقناطير والمواجل والآبار رفع يد المحبس عنها وتخليته بين الناس وبينها، وحوز غيرها على معين يرفع يده بتسليمه لغيره، وعدم عوده إليه لنفعه به نحوه ما كان قبل تحبيسه.
وفيها: إن حبس في صحته ما لا غلة له كالسلاح والخيل، ولم يخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجوهه ويرجع إليه فهو نافذ، وإن أخرج بعضه دون بعض صح ما أخرج، وما لم يخرجه فهو ميراث.
اللخمي: يصح ما أخرج، ولو قل.
قال: وهو على غير معين كالخيل يغزى عليها، والسلاح يقاتل بها، والكتب يقرأ فيها يصح أن تعود ليد محبسه بعد قبضه، ويختلف إن لم يأت وقت إنفاذه للجهاد أو لم يطلب ما للغزاة لها حتى مات المحبس هل تبطل، ولو كان يركب الدابة في عودها إليه لرياضتها لم تبطل، وإن كان يركبها حسبما كان يفعل المالك بطل، وقراءة الكتب إن صارت إليه خفيف.
قلت: ويكون فيها لحفظها من السوس فيصير كرياضته الدابة.
الصقلي: لأشهب في الموازية والمجموعة: ما كان يرد إليه بعد القفول فيعلف الخيل من عنده، ويرم السلاح، وينتفع بذلك في حوائجه، ويعير ذلك لإخوانه فيموت فهو ميراث.
اللخمي: ما حبس على غير معين لتفرق في آحاده كغلة الحوانيت والثمار وخراج العبيد إن أبانه عنه لمن يقدم عليه، ويفرق غلته صح، وإن أبقاه بيده وجهل إنفاذه غلته بطل، ولو علم صرفه غلته في مصرفها أو جعله على يدي غيره يده وباشر هو صرف غلته مصرفها ففي بطلانها، ثالثها: إن بقى بيده لا إن أسلمه لأشهب مع ابن القاسم وأحد قولي مالك في المبسوط، وثانيهما مع المغيرة ومحمد بن مسلمة ورواية محمد، وعن الصقلي رواية محمد لرواية ابن عبد الحكم.

الجزء: 8 - الصفحة: 455

ابن الحاجب: وإن كان يصرف منفعته في مصرفها، فثالثها فيها: إن كان غلة يصرفها فليس بحوز، وإن كان كفرس أو سلاح فحوز.
قلت: وذكرها ابن شاس روايات، وقبلها ابن عبد السلام وابن هارون، ولا أعرف بطلانها في الفرس، والسلاح إن أخرجها، وعادت غليه لذلك بحال.

باب في الحوز الحكمي

والحكمي: حوز ذي ولاية لمن هي عليه.
في الهبة منها: والأب يجوز لصغار ولده، ومن بلغ من أبكار بناته ما وهبهم وأشهد عليه، ولا يزول حتى يؤنس رشدهم.
والوصي ومن يحوز أمره عليه كأبيه، وفي الهبة تمامه.
المتيطي: إن عمر المحبس على ابنه الصغير الحبس لنفسه، وأدخل غلته في مصالحه، فإن موته يبطل الحبس هذا هو المشهور المعمول به.
وقال ابن العطار: لولا اجتماع الشيوخ عليه لكان القياس عدم بطلانه بتعديه على غلة وجبت لولده.
المتيطي: ولقول ابن العطار ذهب أحد بن يبقي.
وفي خامس الثمانية: قال عبد الملك: من صدق على صغار بنيه بحائط أشهد به فكان بيده يتصرف فيه كتصرفه قبل الصدقة بالبيع، والأكل حتى مات فالصدقة ماضية إلا أن يكون جعل حوزها، والنظر فيها لغيره: فإن فعل فيها فعله قبل الصدقة بطلت.
وقال أصبغ: إنما ذلك إن علم أنه فعله لنفسه انتزاعاً له منه، وإن لم يعلم ذلك فهو على الحيازة أبداً، ولو طالت حيازتها الأجنبي لهم، ثم رجع الأب لهم فيها يملكها حتى مات لم يبطل ذلك الصدقة أو الحبس.

الجزء: 8 - الصفحة: 456

المتيطي: وفي قول عبد الملك دليل لما ذهب إليه ابن العطار وابن يبقى.
قلت: وفي الهبة من هذا زيادة، وفي بطلان قبض السفيه ما حبس عليه لنفسه وصحته نقل المتيطي عن وثائق الباجي، وعن سحنون مع الأخوين.
قال: ونزلت أيام القاضي منذر بن سعيد فشاور فيها فأجمع له الجمع من فقهاء بلده بصحته إلا إسحاق بن إبراهيم التجيبي أفتى ببطلانه فحكم بقول الجمع، قاله ابن عاصم.
وفيها: حوز الوصي ليتيمه ما وهبه كأبيه، فإن كانا وصيين، ففي صحة حوز أحدهما له ما وهبه وكونه فيه كأجنبي نقلا المتيطي.
قلت: قد يتخرجان على ما في وصاياها الأول.
قال يحيى بن سعيد: إن كانا وصيين فأوصى أحدهما بماله من تلك الوصية لغير شريكه في الوصية جاز ذلك، وأباه سحنون.
المتيطي: إن كان الصغير لا ولي له فقدم المحبس أجنبياً فقبض له جاز ذلك.
قلت: مفهوم قوله: لو كان له ولي لم يصح حوز الأجنبي له، وهو خلاف قولها: من وهب لابنه الصغير العبد هبة لم يكن حائزاً له، لأن سيده حازه ماله دون أبيه، فإن جعل الأب هذه الهبة بيد أجنبي يحوزها الصبي كان حوزاً، ولو كره سيده قال: ويصح حوز الحبس بعقد كرائه أو مزارعته إن كان بياضاً أو فيه سواد تبع له، وإن تبع بياضه سواده فبمساقاته، ويغني عن حوزه بالوقوف على معاينة نزول المحبس عليه فيها هذا المشهور المعمول به، وقاله ابن العطار وغيره وحكاه ابن أبي زمنين عن بعض الموثقين، وقال عن بعضهم: أنه لغو، ولا يغني عن الحيازة حتى تشهد البنية بنزول المكتري أو المزارع أو المساقي في الأرض، ومعاينة البنية ذلك، وقاله ابن لبابة وغيره قال: والكراء في الأرض لعامين وأزيد أقوى.
ابن العطار: إن عقده لعام واحد ولم يزرع إلا الورقة الواحدة، ومات المحبس قبل أن يعمل الورقة الثانية لم ينفد إلا ما عمل إلا أن يقل ما لم يعمل كالثلث ونحوه فينفد الحبس كله.

الجزء: 8 - الصفحة: 457

ابن العطار: وجرت الفتيا بأن تطوف البنية على الأرض.
وتخلي المحبس عنها باللفظ إلى المحبس عليه بمحضر البنية حوز تام، ولو لم تعاين البنية نزوله فيها، وفي الحبس والصدقة منها لمالك: إن لم يتمكن المحبس عليه أو المعطي عمارة الأرض، ومات المحبس قبل أوان الحرث، وإمكانه ولم يمكن المحبس عليه منحها وهبتها يعني هبة الانتفاع بها فالحبس نافد، وإن لم يحز.
وقال ابن الهندي: من أعطى ربع كراء أو حرث إن حيز بمعاينة بينة لم يبطل بتركه كراءه أو حرثه إن مات معطيه مطلقاً، وإن لم يحزه بذلك بطل بموته إن ترك كراءه وحرثه بعد إمكان أحدهما لا قبله، وتمام الحوز في الهبة.

باب في صيغة الحبس

الصيغة: ما دل على ماهيته قولاً أو فعلاً، لتسميتهم ما يفهم من حال

الجزء: 8 - الصفحة: 458

الشيء كلاماً.
في آخر صلاتها الأول: والمسجد حبس لا يورث إن أباحه صاحبه للناس.
الباجي لمُطَرف: من بنى مسجداًّ، ثم صلي فيه تأبد حبساً؛ يريد: أباحه لمن صلى فيه، وفي ظاهر قول مُطَرف معها: لا يلزم وتحبيسه بمجرد بنائه، نظر، وكان يجب أن يلزم بمجرد بنائه، ويتم حوزه بإباحته، وإقام الصلاة فيه، ويحتمل أن لا يلزم به لمن جوز أن يبني مثل هذا البناء مسجداًّ لنفسه بداره، وما في المسجد من بيت للماء أو لزينة وحصره وآلته وسلاسله وقناديله تبعٌ له.
قُلتُ: ولتشخص متعلق لفظه، وكونه كلياً أثر في دلالته عليه.
الجلاب: مالي حبس في وجه كذا في كونه مؤبداً، ورجوعه لمحبسه أو وارثه إن انقرض ذلك الوجه روايتان.
ولو قال: وقف تأبد.
ابن رُشْد: معنى لفظ الحُبُس والوقف واحد لا يفترقان في وجه.
وقول القاضي: لا يكون الوقف أبداً إلا محرماً غير صحيح لا فرق بين وقفت هذه الدار على فلان، أو حبستها عليه، وفي كون حبسها عليه مؤبداً، أو يرجع إليه أو إلى وارثه، ثالثها: إن لم يقل حياته لروايتين ومحمد.
اللخمي: إن قال: حبساً على هؤلاء النفر، وضرب أجلاً أو قال: حياتهم رجع ملكاً اتفاقاً، واختلف إن لم يسم أجلاً ولا حياة.
الباجي: من قال: حبست هذه الدار، ولم يقل على شيء ما صح حبساً، قاله أشهب ورواه محمد، وذكر قول القاضي في تأبيد لفظ الوقف، ولم يتعقبه، وتعقبه ابن زرقون كابن رُشْد.
وفيهما لربيعة: والصدقة على قوم بأعيانهم، ومعناه ما عاشوا، ولم يذكر تعقيباً فهو تعميم.
اللخمي: إن قال: صدقة على فلان وفلان فهو ملك لهما.
الباجي: لفظ الصدقة إن أراد به تمليك الرقبة فهو هبة، وأن أراد به معنى الحُبُس

الجزء: 8 - الصفحة: 459

فهو كلفظه.
قُلتُ: بقي عليه إن لم يرد أحدهما.
ابن رُشْد: إن قال: صدقة على فلان فهي تمليك اتفاقاً، ولو قال: حبساً صدقة أو حبساً لا يباع، ولا يوهب ففيها يتأبد.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم فيها: لم يختلف فيه قول مالك غير صحيح.
وروى ابن عبد الحَكم في حبساً صدقة أنها ترجع ملكاً.
ولابن وَهْب في حبساً لا يباع ولا يوهب: يرجع ملكاً لاحتمال قوله لا يباع، ولا يوهب حياة المحبس عليه.
قُلتُ: في عزوه لم يختلف فيه قول مالك لابن القاسم نظر؛ لأنه في بعض نسخ المدَوَّنة لسَحنون نصاًّ، وفي بعضها ظاهراً.
قُلتُ: ونقل الباجي عن ابن حبيب: قال ابن الماجِشُون في حبساً صدقة: هي عمري إن لم يذكر صدقة تعقيباً، ولا منع البيع، وقاله ابن كنانة ثالث في اللفظين.
وفي المقدمات لابن رُشْد: ما حبسه على مجهولين غير محصورين كالمساكين أو في السبيل أو على بني زهرة فهو صدقة محرمة مؤبدة اتفاقاً، وما حبسه على محصورين غير معينين كولد فلان أو عقبه أو بنيه أو نسله أو ذريته فهو كذلك إلا أن يقول: حياتهم.
فقال ابن الماجِشُون: ترجع ملكاً بعد العقب والصدقة على غير معينين، ولا محصورين كهذه الدار على المساكين يسكنونها أو يستغلونها حبس لا تباع، وعلى محصورين غير معينين كداري صدقة على فلان، وعقبه في رجوعها بانقراضهم كالحبس أو لآخر العقب ملكاً، ثالثها: هي عمري تورث بذلك على ملك معطيها لراوية ابن عبدوس وغيرها.
قُلتُ: عزا الصقلي الثاني لبعض أصحاب ابن عبدوس، وعزاه ابن رُشْد في رسم سلف من سماع ابن القاسم لسماع أشهب، وعزا فيه الأول لبعض رجال مالك فيها، ولابن عبدوس عن أكثر أصحاب مالك، وعزا عياض الثالث لرواية الجلاب.
اللخمي: روى محمد: إن قال: "صدقة عليك وعلى ولدك أو عليك وعلى عقبك"

الجزء: 8 - الصفحة: 460

كان ملكاً إلا أن يقال: "لا تباع ولا تورث".
محمد: إن عقب الصدقة فهي حبس إلا أن يقول بتلا له ولعقبه، فإن كان بيتاً فله أن ينتفع به.
قُلتُ: يريد بالبيع وغيره.
قال: ولابن القاسم في الموازيَّة، إن قال: "صدقة على فلان وولده"، فهي حبس والأول أحسن أن يكون ملكاً، ومحملها على الموجود من الطبقة العليا؛ لأن أصل الصدقة التمليك لا التعقيب، وكذا إن أدخل العقب يكون للأول هبة منافع، فإن مات كانت لمن بعده، فإن لم يبق إلا بنت أو من لا يولد لمثله كانت ملكاً يجيء الأولون بالذكر، ويسقم على جميعهم.
قُلتُ: ظاهره: إن صارت لبنت أو من لا يولد له قسمت حينئذ، وفيه نظر.
والصواب بقاؤها بيده ينتفع بها ما دام حياً كمن كان قبله، فإن انقرض قسمت كما ذكر.
قال: وعلى القول الآخر تكون ملكاً لآخرهم، والمعهود من هذا اللفظ التمليك لمن هو موجود من الولد.
وسمع ابن القاسم: من تصدق بدار على رجل وولده فهي ميراث لمن تصدق بها عليه.
ابن القاسم: تورث عنهم كما لو اشتروها.
ابن رُشْد: اتفاقاً إن عرف عدد الولد وأعيانهم، وإن لم يعرفا إلا بعد الإحصاء، والبحث ففي كونهم كذلك، وقسم الصدقة عليهم بقدر الحاجة قولان من ثاني وصاياها.
قُلتُ: ما تقدم لابن رُشْد من الاتفاق في ولد فلان خلاف نقل عياض.
قال: إن جعل لفظ الحُبُس في محصور غير معين يتوقع انقراضه، كقوله على بني زيد أو بنى عمرو وولده أو عقبه أو على من يطلب العلم بموضع كذا فهو حبس مؤبد هذا قوله فيها وفي غيرها، واختلف فيه قدماء أصحابه، ونقل اللخمي رواية الجلاب أنه

الجزء: 8 - الصفحة: 461

يعود ملكاً.
وقيل: هي على من وجد كما لو عين، وهو الذي له في المجموعة.
واختلف إن قال: "بنو زيد" هل هو كقوله: ولد زيد فيمن وجد، وفيمن لم يوجد فيكون مؤبداً.
قُلتُ: قوله: اختلف فيه قدماء أصحابه خلاف نص ابن رُشْد على اتفاقهم أنه مؤبد.
ونقل عياض وهم، إنما ذلك في لفظ الصدقة حسبما تقدم، وما ذكره من نقل اللخمي عن ابن الجلاب صحيح، وفيه على اللخمي تعقب بيانه أنه قال: إن كان الحُبُس على مجهولين فقال: حبس على فلان وعقبه فانقرض ذلك العقب، ففيها لمالك لا يرجع ملكاً، وذكر ابن الجلاب قولاً آخر أنه يعود ملكاً.
قُلتُ: لفظ الجلاب من قال: مالي حبس في وجه كذا، ففيها روايتان حسبما قدمناه.
وقوله: في وجه كذا يحتمل أن يريد في وجع معين.
عياض: لو حبس على معدوم بعد موجود غير محصور كقوله: على أولادي وبعدهم للمساكين، ولم يترك ولداً أو أو أيس له منه، ففي رجوعه ملكاً ونفوذه حبساً قولا ابن القاسم وعبد الملك، ولو قال: بدل هو حبس هو موقوف، فحكى البغداديون نفوذه حبساً، ولو كان على معين، وحكى غيرهم من شُيُوخنا: هما سواء وكل ما لا يتأبد مرجعه لمالكه أو وارثه كعمري.
وما يتأبد في الهبات منها: إن قال: حبس عليك، وعلى عقبك.
قال: مع ذلك صدقة أو لا، فإنها ترجع بعد انقراضهم لأولى الناس بالمحبس يوم المرجع من ولد أو عصبة ذكورهم وإناثهم سواء يدخلون في ذلك حبساً، ولو لم تكن إلا ابنة واحدة كانت لها حبساً لا ترجع إلى المحبس، وإن كان حياً هي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء، فإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهم من الفقراء.
ابن رُشْد: في أول رسم من سماع ابن القاسم في قصر رجوعه على عصبة المحبس

الجزء: 8 - الصفحة: 462

الرجال ودخول من يرثه من ذوي نسبه من الإناث معهم، ثالثها: يدخل من يرثه منهن لو كان ذكراً كبنت المولى المعتق لسماع أَصْبَغ ابن وَهْب، وسماع سَحنون ابن القاسم، وللآتي على قياس قولي ابن القاسم في سماعه.
قُلتُ: ظاهرها كسماع ابن سَحنون، وعزا الباجي سماع أَصْبَغ لابن القاسم، وإنما هو لابن وَهْب كنقل ابن رُشْد.
قال ابن رُشْد: وإنما يدخل بعد موت الأقرب من الرجال والنساء فيما فضل عنه أو عنها، وإن كان الرجال والنساء في درجة واحدة فالذكر كالأنثى.
قُلتُ: عزاه الباجي لرواية محمد.
قال ابن رُشْد: وفي دخول الأمهات والجدات، ثالثها: الأم لا الجدة لها لسماع ابن القاسم وعبد الملك مع رواية أشهب، وابن القاسم في الواضحة.
ابن زرقون: تأول على سماع عيسى ابن القاسم دخول الأم دون الجدة، ولا يدخل فيه من لا يشارك المحبس في نسب، ولو كان ذكرا كالأخ للأم اتفاقاً.
وفي لغة مانعية الغناء من الدخول وشرطه بالفقر، ثالثها: إن كان المستحق سكنى، ولا مسكن للغني لرواية ابن نافع بقيد تبدئة الفقير على الغني.
والمشهور مع قول ابن القاسم وروايته فيها وغيرهما.
ابن رُشْد: هذا إن لم يخص المحبس حبسه بالفقير منهم، ولو قال: هو على الفقراء من ولدي وولد ولدي أو على محتاجي إلى فلان وشبهه لم يرجع إلا إلى أقرب الناس به من الفقراء.
الصقلي: إن لم يكن فيهم فقير ردت إليهم إن استووا في الغنى الأقرب فالأقرب، وللشيخ عن ابن القاسم في الواضحة: كل حبس يرجع حبساً يرجع لأقرب الناس بالمحبس يوم المرجع إن كانوا بناتاً وعصبة فهو بينهم إن كان فيه سعة، وإلا فالبنات أولى، وتدخل معهن الأم لا الجدة للأب، وإن رجع إلى عصبة ذكور دخل معهم أخواتهم، فإن رجع إلى ولد المولى المعتق دخل معهم بناته، فإن كان النساء أقرب من العصبة فقال مالك: يدخلون كلهم إلا أن يكون فيه سعة فيبدأ بإناث ذكور ولده على

الجزء: 8 - الصفحة: 463

العصبة، ثم الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن إلا النساء كان كله لهن على قدر الحاجة إلا أن يفضل عنهن.
أَصْبَغ: لا يعجبني قوله: إلا أن يفضل عنهن ما فضل عن سد خلتهن رجع إليهن؛ لأن ذوي الأحباس إذا استووا في الغنى، والحاجة لم يصرف إلى غيرهم من السبيل.
قُلتُ: ولو لم يكن قريب بوجه فهو لمطلق الفقراء لقول اللخمي: المرجع لا شرط فيه هو فيه كحبس لم يبين مصرفه؛ لأن المحبس مات ظاناً أن العقب لا ينقرض فصرف في الأقربين لحديث أبي طلحة، ولذا قال مالك: الذكر كالأنثى، ولو اشترط فيه أن له ضعف حظها، ولو انقرض المحبس عليهم إلا امرأة واحدة اختصت به، ولو شرط أن للذكر ضعف حظ الأنثى؛ لأن معناه: إن كان معها ذكر.
ابن الحاجب: والوقف لازم، ولو قال: ولي الخيار.
ابن عبد السلام: ظاهره لو قال في عقده: حبست داري هذه على الجذماء ولي الخيار لزمه، ولا خيار له، وفيه نظر؛ لأنه إلزام له غير ما التزم.
قُلتُ: في لفظ المؤلف والشارح إجمال لعدم تعرضهما لمتعلق خياره بالذات، والصواب عبارة ابن شاس: لا يقع الوقت إلا لازماً لو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه وإبطال شرط لزم وبطل الشرط.
قُلتُ: فهذا واضح على ضروري قواعد المذهب في لغو الشرط المنافي للعقد فيه إن لم يؤثر فساداً، كقول عتقها الثاني: من أعتق أمته على أن تنكحه أو تنكح فلاناً فهي حرة ولا يلزمها نكاح، ولا أعرف هذا الفرع في المذهب نصاً إنما ذكره الغزالي في وجيزه فلفظ ابن شاس، وتعقب ابن عبد السلام بقوله: إنه إلزام له غير ما التزم، يرد بمنعه بل هو إلزام له ما التزم؛ لأن حبست إن شاء يجب مدلوله به، فشرط فيه خياره لا يفيده،

الجزء: 8 - الصفحة: 464

كقولها: وإن أعطته شيئاً على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالعها، وشرط إن طلبته شيئاً عادت زوجة أو شرط رجعتها، فشرطه باطل، ولو بين قبل لفظه أن خياره إنما هو في إثباته لا في رفعه عكس ظاهر لفظ ابن شاس: لم يلزمه.
ويؤيده ما ذكره المتيطي، وغيره من الموثقين قال: من أشهد مسترعياً أنه متى حبس ملكه كذا، ووصفه بما يعينه فهو غير ملتزم له إنما يعقده لتخوفه على نفسه أو عقاره، وليحل عقده عند أمنه لم يلزمه ما يظهر من تحبيسه إياه بعد ذلك، وانفسخ بقيامه بهذا الاسترعاء إن لم يثبت المحبس عليه فيه مدفعاً، ويصدق المسترعي فيما يدعيه من التخوف، وإن لم يعرفه الشهود في الاسترعاء.
قُلتُ: كذا قال غير واحد من الموثقين: وكان يمشي لنا في الإقراء أخذ خلاف ذلك من قولها في العتق الأول أنه لا يقبل قوله فيما يتقيه من التخوف إلا بدليل يدل عليه وهو قولها: ولو مر على عاشر بأمة فقال: هي حرة، وهو لا يريد بذلك حريتها لم تعتق عليه فيما بينه وبين الله.
قُلتُ: فإن قامت عليه بينة أتعتق عليه؟ قال: إن عرف أنه دفع بقوله مظلمة عن نفسه لم تعتق عليه في رأيي وتقرير أخذه إن تقدم قوله أنه غير ملتزم له قرينة دالة على عدم التزامه عقد التحبيس لدفع ضرر يتوقعه فوجب أن لا يقبل قوله فيه إلا بدليل يدل على صدقه أنه غير ملتزم له قياساً على مسألة العتق بجامع أنه عقد إنشاء ادعى عدم التزامه لقرينة دالة عليه، وهي صدور لفظ إنشائه عند مروره بالجارية على العاشر، وهذه القرينة أقوى من قرينة تقدم قوله: لا أريد به الحبس؛ لأنه هذه يمكن كذبها عادة وقرينة المرور على العاشر لا يمكن كذبها عادة.
وسمع ابن القاسم: من لحق عبده بدار الحرب فقال له: اخرج إلي وأنت حر، فلما خرج قال: إنما أردت أن أستخرجك.
قال: إن كان شهد أنه أراد أن يستنقذه فلا عتق عليه وإلا فهو حر.
ابن رُشْد: هذا أصل مختلف فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 465

قال مالك: فيمن له على رجل حق فجحده فصالحه وشهوده غيب فأشهد في السر أنه إنما يصالحه، لأنه جحده فخاف ذهاب حقه، وأنه على حقه إن حضرت بينته أن الصلح يلزمه، ولا ينتفع بذلك.
وقال: أَصْبَغ: ينتفع في الغيبة البعيدة وللتحرز من هذا الخلاف يكتب في الاصطلاحات، وأسقط عنه الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء، ومن الكتاب من يزيد ما تكرر وتناهى، ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو أن يشهد قبل الصلح سراً إنما يصالح لوجد كذا، وأنه غير ملتزم للصلح والاسترعاء في الاسترعاء أن يشهد أنه لا يلتزم الصلح، وأنه متى صالح، وأشهد على نفسه في كتاب الصلح أنه أسقط عنه الاسترعاء في السر، فإنه غير ملتزم ذلك، ولا يسقط عنه القيام به، فلا يتصور في ذلك منزلة ثالثة.
وهذا الاسترعاء في السر إنما يقع عند من رآه نافعاً فيما خرج على غير عوض، وما خرج على عوض لا ينفع فيه اتفاقاً.
قال ابن الحاجب كابن شاس: ولا يشترط التنجيز كقوله: إن جاء رأس الشهر فهو وقف.
ابن عبد السلام: كمعتق لأجل في الأمة والعبد لا يضره استحداث سيده ديناً قبل الأجل، وذلك يضر عقده الحبس.
قُلتُ: ما قاله ظاهر إن لم يجز الحُبُس عنه، ولو حوزه عنه، فإن بتل منفعته في الأجل لغيره لم يضره حدوث الدين، وإن أبقاها لنفسه بطل بحدوث الدين على المشهور في لغو حوز المستأجر لغيره، وعلى إعماله لا يبطل به.
والروايات واردة بإطلاق لفظ الحُبُس على ما حبس مدة يصير بعدها ملكاً لمن حبس عليه أو على غيره، أو راجع لمحبسه، وهو مجاز لكونه على المؤبد حقيقة اتفاقاً دفعاً للاشتراك.
الشَّيخ في الموازيَّة والمجموعة عن عبد الملك: من قال: داري حبس على عقبي، وهي لأحدهم ملك فهي لآخرهم كذلك، وقيل: ذلك محبسة إن كان آخرهم امرأة فلها

الجزء: 8 - الصفحة: 466

بيعها وهبتها، وإن كان رجلاً يرجى عقبه وقفت عليه إن مات دونه ورثت عنه.
وفي المجموعة: وروى ابن القاسم: من قال لرجلين: عبدي حبس عليكما، وهو للآخر منكما؛ جاز، وكان له ملكاً.
وقاله أشهب: قال: إلا أن يقول: حبس عليكما حياتكما، وهو للآخر منكما فلا يكون له إلا حبساً عليه حياته.
وفي الموازيَّة: إلا أن يكون قوله: وهو للآخر منكما بعد أن ثبت قوله الأول فلا يكون للآخر إلا حبساً.
وسمع عيسى ابن القاسم: من حبس بعض ماله على أن مرجعه إليه يجعله حيث شاء فجعل مرجعه في مرضه لوارث لم يجز شيء منه له إلا برضى الورثة لقول مالك: من أخدم عبده رجلاً حياته فجعل مرجعه في مرضه، ولآخر هو في ثلثه.
ابن رُشْد: إن استثنى فيما حبس مرجعه لنفسه ليجعله حيث شاء فهو كقول مالك في المخدم إن صرف لوارث بطل، ولغيره هو من الثلث يقوم قيمة صحيحة إن كان رجع وعلى الرجاء والخوف إن كان لم يرجع، ولو استثنى مرجعه لنفسه ليجعله حيث شاء فجعله في مرضه حيث شاء على غير وارث، ففي كونه في ثلثه أو رأس ماله قولا ابن القاسم وأَصْبَغ، وتقدم قولا مالك وابن القاسم فيمن حبس على ولده ولا ولد له فهي محبسة تخرج من يده، وثالثها: ننقل الشَّيخ عن المجموعة: قال عبد الملك: من قال: صدقتي هذه على ولدي، ولا ولد له فهي محبسة تخرج من يده ليد ثقة، يوقف فضل غلتها عن مصلحتها إن مات، ولم يلد كانت وغلتها لأولى الناس به يوم حبسها، فإن كان أخاً، ومات قبله فصار أولى الناس به ابن أخ أخذ ورثة الأخ منها تعمير الأخ من يوم حبس ليوم موته، وأخذ ورثة ابن الأخ تعميره من يوم موت الأخ ليوم موت ابن الأخ، وأخذ العم من غلته من يوم موت ابن الأخ ليوم موت المحبس؛ لأنا لو علمنا يوم حبس أنه لا ينسل عملنا هذا إن وجد له ولد، وقد اجتمع منها غلة فلم يأخذوها حتى انقرضوا، ولم يعقبوا هم، ولا أبوهم فالغلة لورثتهم لاستحقاقهم إياه، ولا تكون لأولى الناس بالمحبس.

الجزء: 8 - الصفحة: 467

ومصرفه: إن عين فواضح، وإلا اعتبر عرفه إن كان.
فيها: من قال: داري حبس، ولم يجعل لها مخرجاً نسياناً أو جهل الشهود أن يذكروه ذلك.
قال مالك: هي حبس في الفقراء والمساكين.
قيل له: هي بالإسكندرية وجل ما يحبس بها في سبيل الله.
قال: يجتهد فيه فيما يرى الوالي، وأرجو له في ذلك سعة.
اللخمي: قال مالك في قوله: داري حبس، ولم يجعل لها مخرجا فذكر ما تقدم.
وقال: قوله ربيعة في المبسوط: يسكنها الولد والقرابة والرحم أحسن لحديث أبي طلحة قال: إن أحب أموالي إلي بير حاء الحديث فأمره صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في الأقربين، ولا يمنع مالك أن يبتدئ بالأقارب والرحم، ولو قال: حبس في سبيل الله، وقال: نويت كذا صرفه فيه، وإلا ففيها لمالك: يجعل في الغزو.
اللخمي: وقال أشهب: القياس في أي سبيل الخير وضع جاز، وذكر قولها: إن كانت بالإسكندرية.
قال: وقال أشهب: يجعل في سبيل الله.
الشَّيخ: في المجموعة لابن كنانة من حبس داراً في سبيل الله ليسكنها المجاهدون والمرابطون، ومن مات منهم لم تخرج امرأته حتى تتم عدتها، ويخرج من ليس بمجاهد، ولا مرابط وصغر ولد الميت.
اللخمي: هذا إن كانت للسكنى، وإن كانت للغلة فرق كراؤها على أهل الغزو إن كانت في المواجيز، وإن لم تكن في المواجيز وشأنهم أن يبعثوا إلى أهل الغزو، وكانت دار الغلة والسكنى سواء تبعت غلتها، وإن لم يكن الشأن البعث إليهم سكنها الفقراء إن كانت للسكنى، وفرق كراؤها عليهم إن كانت للغلة، وإن جعلت غلتها في إصلاح المساجد والقناطير أو غير ذلك جاز.
ابن الحاجب: ولا يشترط تعيين المصرف لفظاً لو قال: وقفت صرف إلى الفقراء، وقيل: في وجوه الخير.
قال ابن عبد السلام: ظاهره أنه لابد من تعيينه قصداً؛ لأنه إنما نفى شرط تعيينه

الجزء: 8 - الصفحة: 468

لفظاً، وهو خلاف ظاهر المدَوَّنة من قال: داري حبس فقط، ولم يجعل لها مخرجاً، ومثله في العتبيَّة.
قُلتُ: ظاهر قوله: أن ظاهر لفظ ابن الحاجب أنه لابد من تعيينه قصداً إلى آخره، يرد بأن آخر كلامه يدل على خلاف ذلك، وهو قوله: صرف إلى الفقراء؛ لأنه لو كان لا بد عنده من تعيينه قصداً لما استقام قوله: صرف للفقراء بل الواجب حينئذ أن يقول سئل عن قصده، فإن تعذر صرف للفقراء.
قال: وقوله: وقيل في وجوه الخير بعده خلافاً، وليس كذلك إنما المذهب سؤال المحبس عن قصده فيعمل عليه، فإن تعذر حمل على غالب حبس الناس في تلك الجهة، فإن لم يكن غالب صرف على الفقراء.
قُلتُ: حاصله رده ما ذكر من الخلاف بزعمه نفي الخلاف، وهو مردود بنقل ابن شاس: من قال: وقفت ولم يعين له مصرفاً صرف للفقراء.
قال مالك في المدَوَّنة: وقال القاضي أبو محمد: يصرف في وجوه الخير.
قُلتُ: فما نقله عن المدَوَّنة واضح، وما نقله عن القاضي هو نصه في المعونة: من قال: حبساً فقط صرف في وجوه الخير والبر.
وشبيه المصرف مثله إن تعذر: في نوازل الشعبي عن ابن المكري: من حبس أرضاً على مسجد فخرب، وذهب أهله وصار ما حوله مزرعة لطول العهد يجتهد القاضي في حبسه بما يره.
وقال ابن الهندي: توقف عليه لعله يبني وصرفها لغيره تبديل.
الباجي: لو كانت أرض محبسة لدفن الموتى فضاقت بأهلها فلا بأس أن يدفنوا بمسجد بجانبها، وذلك حبس كله، قاله ابن الماجِشُون.
ول أَصْبَغ عن ابن القاسم في مقبرة عفت: لا بأس ببنائها مسجداًّ وكل ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض.
ابن الحاجب: لو حبس على زيد وعمرو، ثم على الفقراء، ثم مات أحدهما فحصته للفقراء إن كانت غلةً، وإن كانت كركوب دابة وشبهه فروايتان.

الجزء: 8 - الصفحة: 469

قُلتُ: كذا نقلها ابن شاس، ولا أعلم من نقلها قبله غير القاضي في المعونة، ويؤخذان من قولي مالك فيها: من حبس حائطاً على قوم معينين فكانوا يلونه ويسقونه، ومات أحدهم قبل طيب الثمرة، فجميعها لبقية أصحابه، وإن لم يلوا عملها، وإنما تقسم عليهم الغلة فنصيب الميت لرب النخل، ثم رجع مالك إلى رد ذلك لمن بقي وبهذا أخذ ابن القاسم.
قُلتُ: ففي نقل حظ معين من طبقة بموته لمن بقي فيها أو لمن بعدها القولان بالأول أفتى ابن الحاج، وبالثاني أفتى ابن رُشْد، وألف كل منهما على صاحبه.
قال ابن رُشْد في مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحُبُس ما نصه: وفيها معنى وينبغي أن يوقف عليه، وهو قوله: إن هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم بحظه لولده، وهو قد حبس عليهم، ثم على أولادهم من بعدهم إذ لا يقتضي قوله: على أولادهم أن لا يدخلوا ولد من مات منهم في الحُبُس حتى يموتوا كلهم؛ لأن قوله ذلك يحتمل أن يريد به، ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم وأن يريد، ثم على أعقاب من انقرض منهم إلى أن ينقرض جميعهم؛ لاحتمال اللفظ المعنيين معاً بالسوية، وكذلك في عطف كل جمع على جمع، ويجوز أن يعبر به عن كل واحد من الوجهين، وهو بين من قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]؛ لأنه قد علم أنه تعالى أراد بقوله: ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أنه أمات كل واحد منهم بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم، وأنه تعالى أراد بقوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أنه لا يحيي منهم حتى يميت جميعهم، والصيغة واحدة فلولا أن كل واحدة فيهما محتملة للوجهين لما صح أن يريد بالواحدة غير مراده بالأخرى، وهذا أبين من أن يخفى، فإذا كان قوله على أولاده محتملاً للوجهين وجب أن يكون حظ من مات منهم لولده لا يرجع على إخوته؛ لأن ما هلك عنه الرجل ولده أحق به من إخوته فترجح بذلك أحد الاحتمالين؛ لأن الأظهر من قصد المحبس أن ذلك بينهم على سبيل الميراث فقال: على أعقابهم فلا يدخل الولد مع والده في الحُبُس حتى يموت، ولو أراد أن لا يدخل في الحُبُس حتى يموت والده، وجميع أعمامه المحبس

الجزء: 8 - الصفحة: 470

عليهم مع أبيه لقال: ثم على أولادهم من بعد انقراضهم جميعهم فلا خاف أعلمه في هذه المسألة نصاًّ، ولابن الماجِشُون في الواضحة ما ظاهره خلاف هذا، وهو محتمل للتأويل، وذهب بعض فقهاء زماننا إلى أن الولد لا يدخل في الحُبُس بهذا اللفظ إلا بموت أبيه وكل أعمامه.
قال: لأن ثم تقتضي التعقيب في اللسان العربي دون خلاف وتعلق بظاهر قول ابن الماجِشُون في الواضحة: ولا تعلق به لاحتماله، فقوله خطأ صراح بما بيناه، وإنما يختلف في المذهب إن حبس على جماعة معينين ثم صرف الحُبُس من بعدهم لغير أولادهم من وجه آخر.
فجعل مرجع الحُبُس إليهم بعدهم على ثلاثة أقوال قائمة من المدَوَّنة فيمن حبس حائطه على أقوام معينين مات بعضهم، وبالحائط ثمر لم يؤبر: أحدها: رد حظ الميت إلى المحبس.
والقاني: رده إلى بقيتهم.
والثالث: إن كان الحُبُس تقسم غلته كالثمرة رجع حظ الميت للوجه الذي جعل المرجع إليهم بعدهم، وإن كان لا تنقسم غلته كالعبد يختدمونه، والدار يسكنونها، والحائط يلون عمله رجع حظ الميت إلى بقيتهم.
وحكى القاضي في المعونة: أن الخلاف إنما هو فيما يقسم كالغلة والثمرة، ولا خلاف فيما لا ينقسم كالعبد يختدم، والدار تسكن، وليس ذلك بصحيح.
قُلتُ: كذا وجدته في غير نسخة واحدة من البيان، والذي في المعونة عكس ما نقل عنها.
فيها: إن حبس على جماعة شيئاً، ثم جعله في وجه آخر بعد انقراضهم فمات بعضهم، فإن كان ذلك الشيء يقسم كالغلة فحظ الميت في الذي جعل فيه بعد انقراضهم لا على من بقي، وإن كان مما لا ينقسم كالعبد يستخدم، والدابة تركي ففيها روايتان.
ومن حبس على فلان، ثم على عقبه من بعده، وعقب عقبه، ففي دخول عقب

الجزء: 8 - الصفحة: 471

العقب مع العقب لعطفه عليه بالواو، وكونه بعده على الترتيب لأجل تقدم العطف بثم فتوى ابن القاسم أَصْبَغ بن عبد الله، وابن الحاج مع ابن رُشْد.
تحقيق لفظ المحبس عليه: ابن رُشْد: ولدي أو أولادي فقط يخص من ولده، ولو بواسطة ليست أنثى هذا قول مالك: وجل أصحابه، وعمه ابن عبد البر، وغيره من المتأخرين في الجميع، وله في آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم.
وقيل: لا يدخل في تحبيسه على ولده إلا ولده لصلبه ذكورهم وإناثهم، قاله غير ابن القاسم في سماع سَحنون فيمن حبس على ابنته، وعلى ولدها.
وعلى سماع أَصْبَغ ابن القاسم من كتاب الوصايا: من أوصى لولد فلان خصت ذكور ولده دون إناثهم بخلاف قوله: لبني فلان هذا يدخل فيه بنو فلان ذكورهم وإناثهم؛ أي: من حبس على ولده اختص بذكور ولده فقط.
قُلتُ: ففي قصر لفظ ولدي وجمعه على ذكور صلبه أو مع إناثهم أو مع ولد ذكورهم ذكراً أو أنثى، رابعها: هذا مع ولد البنات للتخريج على سماع أَصْبَغ ابن القاسم في الوصية، وقول غير ابن القاسم والمشهور وأبي عمر مع غيره، ويرد أخذ ابن رُشْد، واتباعه ابن زرقون من قول الغير سماع سَحنون بأنه إنما قاله في قوله: حبساً على ابنتي، وعلى ولدها، فقال ابن القاسم: يدخل ولدها ذكورهم وإناثهم، فإن ماتوا كان ذلك لأولاد الذكور من ولدها ذكورهم وإناثهم، وكذا قال مالك: يكون على كل من يرجع نسبه للابنة.
وقال غيره: إنما يكون على ولد الابنة دنية من الذكور والإناث إن ماتوا لم يكن لأولاد أولادهم شيء.
قُلتُ: ولا يلزم من عدم تناول لفظ ولد البنت ولده كونه كذلك في لفظ ولده لجواز كون البعد، وعدم لحوق نسبهم به مانعاً من تناوله إياه.
وكون القرب وثبوت النسب إليه مؤثراُ أو جزءاً من المؤثر، وعلى المشهور في دخول الولد مع أبيه في تسوية الأبناء بالآباء وتبدئة الآباء إن استوت حاجتهم، ثالثها:

الجزء: 8 - الصفحة: 472

يبدى من دخل بالنص على من دخل بالمعنى، لا من دخل بالنص على من دخل به، ورابعها: يبدى من دخل بالنص على من دخل بالمعنى، ومن دخل بالنص على من دخل بالنص لا على من دخل بالمعنى على من دخل به، وهذا القول أضعفها؛ لأن نسبة النص للنص كنسبة المعنى للمعنى، وحصلها ابن رُشْد إثر قوله في سماع ابن القاسم قوله في السماع هم مع آبائهم في الحُبُس بالسوية هو نص سماع عيسى ابن القاسم وسماعه يحيي، ونقل سَحنون فيها عن المغيرة خلاف المسألة التالية هذه.
ومعلوم مذهب ابن القاسم وروايتها أن الآباء يؤثرون على الأبناء، ولا يكون للأبناء معهم في السكنى إلا ما فضل عنهم وسواء على قوليهما.
قال: حبس على ولدي، ولم يزد يدخل معهم الأبناء بالمعنى، أو قال: على ولدي وولد ولدي دخلوا معهم بالنص.
وفرق أشهب فقال: إن دخلوا بالمعنى بدي الآباء، وإن دخلوا بالنص لم يبدوا عليهم.
والأقوال الثلاثة فيمن سمي من الأبناء على من لم يسم منهم، ومن سفل منهم ممن لم تتناوله تسمية المحبس فلا يفضل الآباء منهم على الأبناء إن استووا في الحاجة هذا نص قول مالك فيها: لا أعرف فيه نص خلاف فيدخله بالمعنى من متقدم قوله في الموالي يبدأ بالأقرب فالأقرب من ذوي الحاجة إلا أن يكون الأبعد أحوج فيبدأ هذا قول مالك، وهو أحب ما فيه إلي، وفي قوله: أحب ما فيه إلى دليل على الخلاف، وهو قوله في رسم الشريكين بعد هذا أن موالي الموالي يدخلون مع الموالي لا يفضلون عليهم في ظاهر قوله إن استوت حاجتهم.
قُلتُ: في كون هذه الأربعة تحصيل هذا البيان نظر لعسر أخذ رابعها منه بل تحصيله في تفضيل الآباء على الأبناء إن سمى الآباء، ثالثها: ودخل الأبناء بالمعنى، ورابعها: ولو لم يسموا لسماع ابن القاسم مع سماعه عيسى، ونقل سَحنون فيها عن المغيرة وغيره، ومعلوم قول ابن القاسم مع روايتها يؤثر الآباء على الأبناء، وأشهب والتخريج على سماع ابن القاسم من حبس على مواليه بدئ بالأقرب فالأقرب، وفي

الجزء: 8 - الصفحة: 473

نوازل ابن الحاج إن كان عرف بلد القائل حبس على أولادي أنه على الذكور فقط لم يدخل فيه الإناث كعرف زمن عائشة حيث قال: وتمثلت بقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ الآية [الأنعام: 139]، ولو كان العرف كونه على الإناث، لم يدخل الذكور، وإن لم يكن عرف دخل فيه الاختلاف، ولفظ ولدي وولد ولدي أو أولادي وأولاد أولادي رواية ابن وهب في المجموعة لا يدخل فيه ولد البنات.
الباجي عن ابن العطار هذا قول مالك، وكانت الفتيا بقرطبة دخولهم، وقضى به القاضي ابن السليم بفتيا أكثر أهل زمانه.
وفي المقدمات: من أدخل من متقدمي شيوخنا ولد البنات بهذا اللفظ أو إذا كرر اللفظ ثاله، وعزاه لمذهب مالك أخطأ وجهل الرواية عنه، ويحتمل أنه علمها، وتأولها بحمله قوله: لا يدخل في ذلك ولد البنات فيه على أنه أراد به ولد بنات أبناء المحبس على أصل مذهبه أن ولد البنات ليسوا بولد ولا عقب، وهو تأويل بعيد، ولفظ ولدي وأولادهم أو أولادي وأولادهم في المقدمات.
روى ابن أبي زمنين: لا يدخل فيه ولد البنات، وأدخل فيه ولد البنات خاصة دون من تحتهم من ولد بنات البنات من الشيوخ من أدخلهم في ولدي وولد ولدي إلا أن يزيد درجة فيقول: وأولاد أولاد أولادي، فيدخلون في الدرجة الثالثة، وكذا كل ما زاد درجة دخلوا إلى حيث انتهى لفظه.
وبإدخالهم هذا اللفظ قضى ابن السليم بفتوى أكثر أهل زمانه، ودخولهم به أبين من دخولهم باللفظ الأول؛ لأن الأول، وهو قوله: ولدي وولد ولدي يخص ولد الذكور من ولده إناثهم بوجهين عوف الشرع وعرف الناس، والتخصيص بعرف الشرع متفق عليه.
ولفظ أولادي وأولادهم لا يتخصص إلا بعرف الناس فقط، وهو سماع أصبغ من أوصى لولد عبد الله خص ذكور ولدهم دون إناثهم، والتخصيص بعرف كلام الناس مختلف فيه من قول مالك وغيره فيتخرج دخول ولد البنات في الحبس بهذا اللفظ على قول مالك لا يخصص به، وقول الشيوخ: إن كرر اللفظ فقال: وأولاد أولاد

الجزء: 8 - الصفحة: 474

أولادي أن ولد بنات بنات المحبس يدخلون إلى انتهاء الدرجات لا يجري على مهب مالك بحال إنما يتأتى على اتباع ظاهر اللفظ لغًة.
قلت: ظاهر قول الباجي: أن قضاء ابن السليم في اللفظ الذي قبل هذا خلاف نقل ابن رشد ولا سيما بعد ذكره الفرق بينهما معنًى، ولفظ أولادي ويسميهم بأسمائهم ذكورهم وإناثهم، ثم يقول وعلى اولادهم.
في المقدمات: ما يدخل فيه ولد البنات على مذهب مالك وأصحابه المتقدمين والمتأخرين إلا ما روي عن ابن زرب، وهو خطأ صراح فلا يعد خلافًا؛ لأنه لم يقله برأيه بل قاله بقياس فاسد على ما ذهب إليه من تقليد غيره؛ لأنه كان يفتي بما عليه الجماعة من دخول ولد البنات إلى أن نزلت، فقال: رأيت لموسى بن طارق قاضي زبيد أنه سأل مالكًا عمن حبس على ولده، وولد ولده فقال: ولد البنات في هذه المسألة ليسوا بعقب لا أعلم فيه خلافًا بين أهل المدينة فرجع عن قوله، وأشهد على رجوعه فكان من قوله في القائل: على ولدي فلان وفلان وفلانة وعلى أعقابهم وأعقاب أعقابهم أنه لا شيء لولد فلانة فقوله على أولادي وأعقابهم وفيهم أنثى.
قال: فكذا إذا قال: على ولدي فلان وفلان وفلانة وعلى أعقابهم لاحتمال عود الضمير إلى الذكر من دون البيت، والذي قاله الجماعة من عوده على جميعهم هو الصواب.
ورجوع ابن زرب لأجل الرواية التي حكاها غلط بين؛ لأنها إنما هي فيمن حبس على ولده وولد ولده، وهي غير التي رجع عن جوابه فيها؛ لأن وجه الرواية ما بينه من اعتقاد الناس أن الولد خاص بالذكر بل لا يعرف صدق لفظ الولد على الذكر والأنثى إلا الخاص من العلماء، ولا يمكن أن يقال إن أحدًا من الناس يجهل أن ضمير الجمع يرجع إلى جميع المذكورين بل الكثير منهم يعتقد أنه لا يصح رجوعه إلى بعضهم، وذهب إليه كثير من العلماء فقالوا: في عموم آي القرآن المخصصة بغيرها أنها منسوخة، ومعنى آخر: وهو احتمال كون مالك راى أن لفظ ولد الولد لا يقع إلا على من يرجع نسبه إليه، ولا يمكن أن يقول أحد إن ضمير الجمع يعود على بعض المذكورين إلا إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 475

قام عليه دليل كقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي﴾ [الأنعام: 130] ضرورة العلم بأنه تعالى لم يبعث من الجن رسولًا.
وقول ابن عبد السلام وغيره قول ابن الحاجب.
قال الباجي: أخطأ ابن زرب خطأ في العزو لجهله اصطلاح ابن شاس في إطلاقه لفظ الشيخ أبي الوليد على ابن رشد، ولفظ القاضي أبي الوليد على الباجي.
وتقدم الكلام عليه في المزارعة.
ولفظة أولادي ذكورهم وإناثهم، ولم يسمهم بأسمائهم، ثم قال: وعلى أعقابهم.
في المقدمات: ظاهر المذهب دخول ولد البنات في ذلك بخلاف لفظ: أولادي، ولم يذكر لفظ ذكورهم وإناثهم لما قلنا من أن لفظ الأولاد لا يوقعه الناس إلا على الذكور دون الإناث.
واستدل بعضهم من رواية الموازية: من حبس على ولده الذكر والأنثى، وقال: من مات منهم فولده بمنزلته لا شيء لولد البنات، أن لا شيء لولد البنات واستلاله ضعيف.
ووجه هذا القول إن سلمنا استدلاله على ضعفه أن يحمل قوله: وأعقابهم، على أنه إنما أراد أن يبين أنه لم يرد أن يخص بحسبه بينه الذكور والإناث دنية دون من تحتهم من بني البنين لا إدخال من لم يتناوله لفظ الولد الذكران والإناث، وإذا لم يسلم الاستدلال فالفرق بين المسألتين أن تحمل هذه المسألة على ظاهرها، ويحمل قوله في رواية محمد: من مات منهم فولده بمنزلته على التفسير لما تناوله اللفظ الأول.
ولفظ البنين في المقدمات حكم قوله: على بني أو على بني وبني بني أو على بني وبينهم، كحكم لفظ الولد على القول إن لفظ جمع المذكر يدخل فيه المؤنث، وعلى عدمه ينفرد الذكور من بنيه وبني بينه دون الإناث.
قلت: في الزاهي لابن شعبان لو قال: على بني لم يدخل فيه المؤنث، وعلى عدمه ينفرد المذكور عن بنيه وبني بنيه هو وبناته ودخل فيه بنو بنيه فقط، وقيل: يدخلن لقوله تعالى ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 27] لدخول البنات فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 476

ابن رشد: ولو قال: على بني ذكورهم وإناثهم سماهم أو لا وعلى أعقابهم فهو على ما تقدم في الولد.
قلت: قوله: على القول: إن لفظ جمع المذكر يدخل فيه المؤنث، وعلى عدمه ينفرد الذكور دون الإناث خلاف إطلاق الرواية.
قال الشيخ: وظاهره من المجموعة: قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه دخل فيه بناته وبنات بنيه.
وسمع عيسى ابن القاسم: من حبس على بنات له دخل فيه بنات بنيه الذكور.
وذكره الباجي ولم يقيده قال: وقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن: ((ابن ابني هذا سيد)) مجاز وثناء عليه، ولفظ العقب في المقدمات هو كلفظ الولد اتفاقًا.
قلت: وعزاه الشيخ لرواية ابن القاسم في المجموعة.
ولابن حبيب عن الأخوين قال: قال ابن الماجشون: فجميع ذلك أن كل ذكر أو أنثى حالت دونه أنثى فليس بعقبه، وقاله مطرف.
ولفظ النسل والذرية في عدم دخول ولد البنات فيهما: ثالثها في النسل للمقدمات عن بعض الشيوخ عن الجاري على مذهب مالك، وبعضهم، وابن العطار.
الباجي عنه: النسل كالولد والذرية تشمل ولد البنات اتفاقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 84 - 85]، وهو ولد بنت.
ابن رشد: وهو استدلال صحيح في أن ولد الرجل من ذريته، وكذا يقول في نسله، وعقبه كما أنه من ولده خلاف ما ذهب إليه.
قلت: يرد استدلال ابن العطار بأنه لا يلزم من ثبوته في عيسى عليه السلام ثبوته في مسألة النزاع؛ لأنه إنما ثبت في عيسى لعدم أب له يحوز نسبه، ولا يلزم من ثبوته فيمن

الجزء: 8 - الصفحة: 477

لا أب له يحوز نسبه إليه ثبوته فيمن له أب يحوز نسبه، ولاعتبار هذا المعنى من حيث ذاته كان المذهب في ولد الملاعنة المعتقة جرها ولاء ولدها لمعتقها ما دام غير مستلحق، فإن استلحقه أب بطل جرها، وشاع في أوائل هذا القرن على ما بلغني الخلاف فيمن أمه شريفة وأبوه ليس كذلك هل هو شريف أم لا؟ فأفتى الشيخ أبو علي منصور المدعو بناصر الدين من فقهاء بجاية بثبوت شرفه وتبعه جل أهل بلده.
وأفتى الشيخ أبو إسحاق بن عبد الرفيع قاضي بلدنا تونس بعدمه.
وسمعت شيخنا ابن عبد السلام يصرح بتخطئة مثبته متمسكًا بالإجماع على أن نسب الولد إنما هو لأبيه لا لأمه.
وقاله بعض من لقيت من الفاسيين: وقال: يلزم عليه أنه لو تزوج يهودي أو نصراني بعد عتقه وإسلامه شريفًة أن يكون ولده منها شريفًا، وهذا لا يقوله منصف أو مسلم؛ أنا أشك.
وألف الفريقان في المسألة وأقوى ما احتج به الأولون تمسكهم بما تمسك به ابن العطار: و [ان أصل الشرف من فاطمة رضى الله عنها، وهو بنسبة الأمومة لا بنسبة الأبوة.
قلت: والحق أن ابن الشريفة له شرف ما عن منزلة من أمه ليست بشريفة لا الشرف العرفي، وتمسكهم بما تمسك به ابن العطار يرد بما تقدم.
وتمسكهم بالقياس على ثبوته بالنسبة إلى فاطمة بجامع أنه شرف ثبت بولادة الأم يرد بأنه إنما ثبت بهذه النسبة فيمن ثبتت نسبته إليها بنسبة الأبوة، فكان هذا الشرف الثابت في صورة الإجماع ثابتًا بالنسبة إلى فاطمة رضى الله عنها الثابتة النسبة إليها بالنسبة إلى الأب فحينئذ لا يلزم ثبوته في المقيس؛ لأنه إنما يتصور ثبوته فيه بالنسبة إلى فاطمة رضى الله عنها بالنسبة إلى الأم لا إلى الأب، وهذه النسبة الثابتة في المقيس أضعف من النسبة الثابتة في الأصل؛ لأنها فيه بالنسبة إلى الأم، وهي فاطمة رضى الله عنها، وبالنسبة إلى الأب، وهو أبو الولد المتكلم في شرفه الثابت نسب أبيه إلى الحسن أو الحسين رضى الله عنهما بالنسبة إلى الأب، وهي في المقيس ثابتة بالنسبة إلى الأم، وهي فاطمة رضى الله عنها وبالنسبة إلى الأم أيضًا، وهي أم الولد المتكلم في

الجزء: 8 - الصفحة: 478

شرفه فهي في الأصل أقوى، وفي المقيس أضعف، وذلك فرق واضح يقدح في القياس المذكور، ويؤكد صحة هذا الفرق اتفاق العلماء فيما علمت في باب الترجيح على أن نتيجة الدليل الذي هو إحدى مقدمتيه ظنية، والأخرى قطعية أرجح من نتيجة الدليل الذي مقدمتاه معًا ظنيتان.
ولفظ إخوتي في الزاهي لابن شعبان يشمل إخوته، ولو لأم فقط ذكورهم وإناثهم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، ولفظ رجال إخوتي ونساؤهم فيه يشمل أطفال ذكورهم وإناثهم، ولفظ بني أبي فيه يشمل إخوته لأبيه وأمه ولأبيه فقط والذكر من أولادهم مع ذكور ولده؛ لأنهم من بني أبيه.
زاد ابن شاس: وهذا يشعر بعدم دخول الإناث تحت قوله: بني خلاف ما تقدم في الرواية في لفظ البنين.
قلت: ووهم ابن الحاجب في عزوه هذا التعقب للتونسي؛ لأنه نص لابن شاس اتفق له مثل هذا في غير هذا الموضع من كتابه.
وأخل ابن الحاجب بالنص على دخول ولده الذكور معهم، وأجاب ابن عبد السلام عن تعقب ابن شاس بأن لفظ بني يطلق بمعنى الحنان والشفقة وذلك قرينة في إدخال البنات.
ولفظ بني أبي إنما يستعمل عرفًا عند المفاخرة والتعصب والمحامات، وهذا لا يناسب إرادة المؤنثات.
قلت: إن رد بأن إدخال صغار إخوته حال كونهم صغارًا في قوله: رجال إخوتي يبطل إيجاب قرينة إرادة التناصر إخراج من لا نصرة له فيه أجيب بأن المراد النصرة، ولو بالقوة العادية، وهي حاصلة في الصغير لا في الأنثى.
والحق إن كان المعتبر عند ابن شعبان الإطلاق لغًة فالتعقب لازم، وإن كان المعتبر الإطلاق عرفًا فجوابه تام، ولكن ظاهر كلام ابن شعبان اعتبار الإطلاق اللغوي أو الشرعي لا العرفي، ولذا لما ذكر الباجي قوله في الأصل قال إثره: وهذه المعاني، وردت

الجزء: 8 - الصفحة: 479

مجازًا، ومقتضى مذهب مالك اعتبار حقائقها أو عرف استعمالها.
قلت: فخص مالكًا باعتبار العرف دون ابن شعبان، فحينئٍذ يكون التعقب لازمًا.
ولفظ آلي وأهلي: قال الباجي عن ابن القاسم: الآل والأهل سواء هم العصبة والبنات والعمات لا الخالات.
الباجي: يريد: العصبة، ومن في تعددهم من النساء.
قلت: فتدخل بنات العم، ولو بعدن قال: هذا المشهور.
ولابن شعبان: هم من هو في جهة الأبوين، ولو بعد.
قلت: لفظ ابن شعبان من كان من جهة أبيه أو أمه، ولو بعد.
ولفظ القرابة: قال الباجي: روى ابن المواز وابن عبدوس: من أوصى لأقاربه قسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد.
وفي العتبية: لا يدخل فيه ولد البنت، ولا ولد الخالة.
ولابن عبدوس عن ابن كنانة: تدخل فيه العمة والخال والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.
وروى علي: يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه.
أشهب: يدخل فيه كل ذي رحم محرم، ولو غير رحم من قبل الرجال والنساء، ويلزم من أدخل بني الأخت أن يدخل بني الخالة إلا أن تكون لجهة الأب مزية.
قلت: في كتاب الوصايا: سمع عيسى رواية ابن القاسم: من أوصى لأقاربه بثلث ماله فهو لقرابته من قبل الرجال، ولا شيء لقرابته من قبل الأم إلا أن لا يكون له قرابة من قبل الرجال.
ابن رشد: إن لم يكن له يوم أوصى قرابة من قبل أبيه فالوصية لقرابته من قبل أمه اتفاقًا، فإن كانا معًا ففي دخول من هو من قبل أمه قولا أشهب وابن القاسم مع روايته.
المتيطي: في عدم دخول قرابته من النساء ودخولهم بكل حال، ثالثها: إن لم يبق من قرابته من الرجال أحد دخلوا لابن القاسم، ورواية الأخوين مع قولها، ونقله ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 480

حبيب عن كل أصحاب مالك وعيسى بن دينار.
ولفظ الموالي في قصره على موالي عتاقته فقط أو مع أولادهم ومواليهم أو مع موالي أبيه وابنه، ولو بعد أو إخوته، رابعها: وموالي عصبته لابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الحبس عن سماع أصبغ ابن وهب في الوصايا، وسماع ابن القاسم أول قولي مالك، وثانيهما: قول غير ابن القاسم في المجموعة يدخل فيه موالي ولد الولد والأجداد والأم والجدة، ونقله مع تخريجه على الثالث.
قال: وقول الغير: وموالي الأم والجدة؛ يريد: أم الأب وأم الجد لا أم الأم ولا أم أم الأب؛ لأن النساء لا يرثن الولاء، وفي دخول المولى الأعلى مع الأسفل إن لم يقم دليل على إرادة أحدهما قولان لأشهب، ونص وصاياها.
قال أشهب: فإن كان كل منهما ثلاثة فأكثر أو أقل منها قسم الحبس أو الوصية بينهما نصفين، ولو كان عدد أحدهما أكثر من الآخر، فإن كان عدد أحدهما أقل من ثلاثة اختص به الآخر.
ابن رشد: لو قيل: يقسم على عددهم ما كانوا إن استووا في الحاجة كان له وجه، وهو أظهر من قول أشهب وكون أهل أحدهما أغنياء دون أهل الآخر دليل إرادة الفقراء فقط.
الباجي: قال مالك: يدخل في مواليه موالي مواليه وابنه وأبيه، وروى ابن وهب وأولاد مواليه.
وفي المجموعة: وموالي ولد الولد والأجداد والأم والجدة والإخوة لا موالي بني الإخوة والعمومة.
قال ابن الحاجب: وعلى مواليه روي مواليه الذي أعتقهم فقط وأولادهم، وروي موالي أبيه وابنه ورجع إليه، وروي موالي أبيه وابنه ورجه إليه، وروي وموالي مواليه، وروي وموالي الجد والجدة والأم والأخ، فقبلها ابن عبد السلام وجعل تغايرها بما زادته كل رواية على ما قبلها، وهذا يوجب وجود رواية بقصره على معتقيه وأولادهم دون موالي مواليه وجده رواية بقصره على مواليه وأولادهم وموالي أبيه وابنه دون موالي

الجزء: 8 - الصفحة: 481

مواليه، ولا أعرف من نقلها، فإن ثبتتا كانت الأقوال سنة أربعة ابن رشد وهاتان.
ابن رشد: ومن دخل منهم على قول قائل بدئ منهم الأقرب على الأبعد إلا أن يكون أحوج كما قال في أول رسم من سماع ابن القاسم، وظاهر سماعه في رسم الشريكين مساواة البعد الأقرب.
ولفظ القوم: قبل الباجي قول ابن شعبان هو خاص بالرجال العصبة دون النساء لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: 11].
وقول زهير: أقوم آل حصن أم نساء ابن شعبان: ولفظ أطفال أهلي وصبيانهم وصغارهم يخص من لم يبلغ ذكرا أو أنثى، ولفظ شبانهم وأحداثهم يخص من بلغ منهم، ولم يكمل الربعين، ولفظ كهولهم يخص من جاوز الأربعين منهم إلى ان يكمل الستين.
ولفظ شيوخهم: يخص من جاوز الستين منهم، ولفظ أراملهم فيه الرجل الأرمل كالمرأة الأرملة.
قال الشاعر: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن الحاجة هذا الأرمل الذكر وأما الوصايا والأحباس على المتعارف بين الناس.
قلت: والبيت لجرير، في الاكتفاء لابن كردبوس جاءت طائفة من الشعراء فأقاموا بباب عمر بن عبد العزيز أياما لم يؤذن لهم حتى قدم عدي بن أرطأة، وكانت له مكانة فتعرض له جرير، فقال: يأيها الرجل المزجي مطيته ... هذا زماتك إني قد خلا زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه أني لدى الباب كالمصفود في قرن وحش المكانة من أهلي ومن ولدي نائي المحلة عن داري وعن وطني

الجزء: 8 - الصفحة: 482

فقال: نعم، أبا حزرة فدخل على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن الشعراء ببابك، وأقوالهم باقية، وسهماهم مسمومة.
قال: يا عدى ما لي وللشعراء.
قال: يا أمير المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم مدح فأعطى، وفيه الأسوة لكل مسلم، مدحه عباس بن مرداس فكساه حلة قطع بها لسانه.
قال: وتروى؟ قال: نعم رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا عن الحق لما أصبح الحق مظلما الأبيات.
قال له: فمن بالباب؟ فقال له: ابن عمك عمرو بن أبي ربيعة.
قال: لا قرب الله قرابته، ولا حيا وجهته، أليس هو القائل: ألا ليت أني يوم تدونوا منيتي شممت الذي ما بين عينيك والفم وليت طهوري كان ريقك كله وليت حنوطي من مشاشك والدم وليت سليمى في القبور ضجيعتي هناك أو في جنة أو جهنم والله لا دخل علي أبدا فمن بالباب غيره؟ قال: جميل.
قال: هو القائل، فذكر من شعره نحو ما تقدم: لا دخل علي أبدا فمن بالباب غيره؟ فقال: كثير عزة، فذكر من شعره نحو ما تقدم، وقال: لا يدخل علي فمن بالباب غيرهم؟

الجزء: 8 - الصفحة: 483

قال: خالك الأحوص الأنصاري، فذكر من شعره نحو ما تقدم، وقال: لا يدخل علي فمن بالباب غيرهم؟ قال: الفرزدق همام بن غالب فذكر من شعره نحو ما تقدم، وقال: لا يدخل علي فمن بالباب غيرهم؟ قال: الأخطل فذكر من شعره ما نسب فيه لنفسه فعل الكبائر، وقال: لا وطئ لي بساطًا أبدًا، فمن بالباب؟ قال: جرير.
قال في شعره عفة فأذن له.
قال: فخرجت وأذنت له فلما مثل بين يديه.
قال له: اتق الله أبا حرزة، ولا تقل إلا حقا.
فقال: كم باليمامة من شعثاء أرملة ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممن يعدلك يكفى بعد والده كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر إنما لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا من الخلافة ما نرجو من المطر أتى الخلافة إذ كانت له قدرا كما أني موسى ربه على قدر هذي الأرمل قد قضيت حاجتها فمن الحاجة هذا الأرمل الذكر فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر، وما أملك إلا ثلاثمائة درهم، مائة أخذها ابني عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية، فقال: يا أمير المؤمنين، إنها لأحب مال كسبته إلى، وخرج، فقال له الشعراء: ما وراءك؟ فقال: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، وأنشأ يقول: رأيت ولي الشيطان لا يستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا قلت: قوله: "كما أتى ربه موسى على قدر" كتم بعض أشياخنا الصلحاء يمنع هذا

الجزء: 8 - الصفحة: 484

التشبيه، ويراه خلاف ما يجب من الأدب لمقام الأدب النبوءة.
قلت: وفيه دليل على جواز حفظ الشعر المشتمل على نسبة قائله لنفسه ما لا يحل فعله، ولو في الكبائر إذا كان فيه مصلحة من استشهاد به أو تجريح قائله، وعزو ابن هارون بيت هذي الأرامل للخطئية، وهم تبع فيه ابن شاس.
قال: وحكم الوقف اللزوم في الحال إن نجزه، ولم يضفه لمستقبل من قوله أو غيره.
قلت: حكم ما عقد منه اللزوم مطلقًا نجزه في الحال أو إضافة لمستقبل، وإنما المنقسم فيه إلى الحال والاستقبال التنجيز لا اللزوم فعبارة ابن الحاجب أحسن، وهي وحكم مطلقة التنجيز ما لم يقيد باستقبال.
قلت: هذا هو المعروف في لزوم العطية بالعقد، وعلى نقل ابن زرقون والمازري عدم لزومها به عن روايتي ابن خويز منداد والطحاوي لا يلزم الحبس بعقده، وهو خلاف نقل ابن رشد في رسم الشجرة لا خلاف في المذهب أن من حبس أو وهب أو تصدق أنه لا رجوع له في ذلك، ويقضي عليه بذلك إن كان لمعين أتفاقًا ولغير معين باختلاف، والقولان فيها على اختلاف روايتها وتقدم وقف تمامه على حوزه.
الباجي: حكى أبو تمام عن المذهب أن الصدقة والحبس يتمان بالقول دون حوز والهبة تفتقر إليه، وهو كالعطية من رأس المال إن حيز في صحته، ومن ثلثه إن أحدثه في مرضه، وفيما تأخر حوزه لمرضه، وأحدثه في صحته خلاف مذكور في الهبة.
الشيخ: روى ابن عبدوس من قال: هي حبس عليك حياتي، ثم هي في السبيل فهي من ثلثه، وقاله ابن القاسم وأشهب وعن أشهب: في هذا الأصل أنها من رأس ماله.
قلت: وفي نوازل ابن الحاج عقب ذكره القولين، ولو قال: هي لك في حياتي، ثم هي في سبيل الله كانت من راس ماله اتفاقًا.
قلت: لأن لفظ الحبس يقتضي بقاء ملك المحبس، وإسقاطه بمفتقر سقوط ملك المعطي.

الجزء: 8 - الصفحة: 485

وأفتى ابن رشد فيمن حبس حبسًا على ابنته، وعقبها على إن ماتت، ولا عقب لها او مات عقبها في حياته رجع إليه، وإلا فهو لأقرب الناس منه أنه من الثلث، ويدخل سائر ورثته على ابنته إن مات قبلها فيه إن حمله الثلث أو ما حماه منه.
قلت: لأنه على وارث مرجعه لغير وارث، وكرواية محمد سمع ابن القاسم.
ابن رشد: عن ابن لبابة إن مات المحبس عليه قبل المحبس فالأول، وإن مات بعده فالثاني، والأولان بناء على أن الإعطاء المبتل الموقف قبض المعطي العطية على أمر هو قبل وجود ذلك الأمر على ملك المعطي لأجل، وقف تقيده على أمر لم يوجد بعد أو هو على ملك المعطي لجزمه في العقد بتبتيله، وخرج عليه قولي مالك فيمن أخذ من عبده رجلا، ثم هو الآخر فقتل أو جرح أو مات عن مال هل قيمته وأرش جرحه وماله لمعطيه أو لمن مرجع رقبته.
واختلف قول ابن القاسم كمالك، ولو حبس حبسًا معقبًا شرط فيه رجوعه إليه بعد انقراض كل العقب، وبقي بيده إلى أن توفى كان في ثلثه لا من راس مال، ونزلت أيام منذر بن سعيد فحكم به بعد فتوى اللؤلؤي به مع كل أهل الفتوى حينئذ، وخالفهم إسحاق بن إبراهيم التجيبي في وجع في ذلك فلج مخالفته عقله.
ابن فتوح والمتيطي عن ابن الهندي: وولد الحيوان الحبس مثله.
سمع ابن القاسم: ما ولد بقرات حبست قسم لبنها في المساكين من أنثى حبست معها ورد ثمنها في إناث أو في علو فتها.
ابن رشد: هذا كقولها: ما ضعف من دواب حبس السبيل أو بلي ثيابه، فذهبت منفعته بيع ورد من ثمن الدواب في خيل، فإن لم يبلغ ثمن فرس أو هجين أو برذون أعين ب÷ في ثمن فرس ورد ثمن الثياب في ثياب، فإن قصر عن ثمن ما ينتفع به فرق في السبيل خلاف رواية منع بيع ذلك، وأنه لو بيع الربع المحبس، وهو قول ابن الماجشون: من حبس غلامًا فكبر أو تخلف فكثرت سرقته وإباقه لم يجز بيعه ليشترى بثمنه مكانه، وكذا البعير والتيس إن انقطع حزابه لكبره لم يبع ليشتري بثمنه غيره مكانه إلا أن يكون المحبس شرط ذلك في حبسه، وهذا الخلاف إنما هو في بيعه ليشتري بثمنه

الجزء: 8 - الصفحة: 486

غيره يكون مكانه، وأما بيعه فيما يلزم من رعيها وعلفها فجائز اتفاقًا فما انقطعت منفعته إن لم يرج عودها وأضر بقاؤه للنفقة عليه جاز بيعه، وما رجي عود منفعته، ولا ضرر في بقائه منع بيعه اتفاقًا فيهما، وما لم يرج عود منفعته، ولا ضرر في بقائه مختلف فيه، ومنه الربع الخرب.

باب المستحق من الحبس لمن عليه حبس

والمستحق لمن عليه حبس منفعته، وهي أخص من الانتفاع به لاختصاص ملك المنفعة جواز بيعها دون ملك الانتفاع إلا أن يشترط المحبس قصر استحقاق المحبس عليه على الانتفاع فقط أو يقتضيه عرف تقرر كحبس مدارس العلم على طلبته وزوايا لفقراء.
وفيما تجب به الثمرة لمن حبست عليه اضطراب.
سمع ابن القاسم: من تصدق على ثلاثة نفر بثمر حائطه فمات أحدهم بعد أن أبروها فهي بينهم؛ لأنه قد أبر وسقى، ثم نزلت فقضي أن لا شيء لمن مات إن كان حبسًا وإنما يكون لوراثة لو مات بعد طيبها، ولو كانت صدقه غير حبس كانت لوارثه، ولو المتوبر.
ابن رشد: معنى قوله: تصدق على ثلاثة نفر؛ أي: حبسها عليهم؛ لأن الصدقة المبتولة، وغير حبس حظ من مات منهم من ما فيها لوراثة اتفاقً، ولو لم توبر.
وأما الحبس فمن مات منهم بعد الطيب فحظه لوارثه، ومن مات قبل الآبار لا شيء لوراثة اتفاقًا فيهما، فإن مات أحدهم بعد الآبار قبل الطيب، وففي وجوب حظه لوراثة مطلقًا أو إن كان الميت أبر وسقى، ثالثها: لمن بقي منهم، ورابعها: هذا إن كانوا يلوا عملها أو كان المحبس عبدًا يخدمهم أو دار يسكنونها، وإن كان ثمرًا يقسم رجع

الجزء: 8 - الصفحة: 487

لمحبسه، وخامسها: له مطلقًا لغير واحد من الرواة فيها، ولما رجع إليه مالك مع اختيار ابن القاسم: ولم يعز الباقين وأولهما هو الذي رجع عنه مالك فيها، وثانيهما: مقتضى قول اللخمي عزوه لرواية القاضي في المعونة، وصوبه.
قال: إلا ان تكون العادة رجوعه لبقية أصحابه، وقول ابن رشد: من مات بعد الطيب فحظه لوارثه اتفاقًا خلاف نقل اللخمي.
قال: إن كانت الغلة تقسم عليهم، ولم يلوا عملها لم تستحق بالإبار، واختلف هل تستحق بالطيب أو تكون لمن أدرك القسم.
وقول ابن حارث: اتفقوا في الحبس على قوم على أنهم إن كانوا يلونه بأنفسهم، وهو بينهم على الإشاعة أن حظ من مات منهم لأصحابه خلاف نقل ابن رشد الأقوال الخمسة.
قال ابن حارث: وذكر محمد اختلاف قول مالك، والقول الذي رجع إليه بزيادة إلا أن يكون أوصى بعدة لكل رجل أو قال: لهذا يوم، ولهذا يوم فحظ من مات راجع إلى مرجع الحبس كله.
زاد الصقلي عنه: وكذلك إن أوصى لكل واحد بمسكين بعينه فحظ من مات لصاحب الأصيل، وعلى كونه لمن بقي منهم لو تقدم للميت في الثمر نفقة، ففي رجوع وارثه بعد طيب الثمرة على من بقي منهم بالأقل من النفقة أو حظ الميت من الثمرة مقسطا منها ما أنفقه غيره فيها، وتعجيل غرم من بقي لصاحبه لوارثه نفقته نقلا الصقلي عن بعض أصحابه، وبعض شيوخه قائلا: كتعجيل غرم من استحق أصلًا فيه ثمر سقيه، وعلاجه.
الصقلي: وهذا أبين إلا أن يبقى الوارث على حظ الميت في الثمرة، وعلى الأول قال: لو أجيحت الثمرة فلا شيء للوارث.
قلت: يرد القياس على المستحق بأنه باستحقاقه تعجل تمام ملكه الثمرة الجواز بيعه إياها، وإعطائه إياها لمن يتعجل تصرفه فيها: ومن بقي من ا÷ل الحبس لا يتعجل ملك الثمرة لمنعه من بيعها، وإعطائها من يتعجل التصرف فيها.

الجزء: 8 - الصفحة: 488

ابن رُشْد: ولو ماتوا كلهم معًا، ففي كون الثمرة لورثتهم أو للمحبس، ثالثها: إن كانوا أبروا وسقوا وإلا فللمحبس لأشهب ولغيره ولهذا السماع؛ لأن موتهم كلهم كموت المحبس عليه إن مات واحد، وإن مات واحد بعد واحد، ففي مون الآخر ثلاثة أقوال، وإنما ترجع الثمرة للمحبس في الموضع الذي ترجع إليه إذا قال: حبسًا، ولم بقل حبسًا صدقة، ولو قالها رجعت إلى أقرب الناس به حبسًا.
قال: فيتحصل فيما تجب به الثمرة للمحبس عليهم بأعيانهم وجوبها بالطيب لا الإبار، وبالإبار مع كونهم سقوها، وأبروها وبمجرد الإبار.
الباجي: لو كانت أرضا يحرثها من حبست عليهم، وهم معينون، ثم ماتوا خير ربها في إعطائه الوارث كراء الحرث أو سلبها لهم بكرائها تلك السنة، ولو مات وبها زرع فهو للوارث، ولا كراء عليه، وقاله أًصْبَغ، وإن لم يكونوا معينين كالحبس على رجل وعقبة ففي وجوبها بالطيب أو القسمة قولان.
قُلتُ: عزاهما ابن زوقون لابن القاسم مع مالك لابن الماجِشُون.
قال: وثالثها لأشهب بالإبار لا تجب إلا بالقسم وأما الحُبُس على بني زهرة فلا يجب إلا بالقسم من مات قبله سقط حظه، ومن ولد قبله ثبت حظه.
قُلتُ: والحبس على القراء بموضع معين كقراء جامع الزيتونة بتونس حرسها الله تعالى إن كان بقيد أن الثوب لمعين فهم كالأجراء، وتقدم كلام الشُيُوخ في المستأجر على الأذان والإمامة يمرض بعض الأيام، وإمام المسجد يموت وعليه دار محبسة وأهله بها هل تخرج أو تقيم لتمام العدة، وإن كان الحُبُس لا بقيد كقراءة سبع المحرابي بجامع الزيتونة فهو كالحبس على فلان وعقبه.
المتيطي: وفي كراهة اقتسام الحُبُس اقتسام اغتلال وانتفاع قولان، والعمل على جوازه.
قُلتُ: عزاه ابن سهل لعبيد الله بن يحيي، ومحمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ولظاهر قولها في مسألة أولاد الأعيان، وعزا المنع لظاهر قول أكثر أصحاب مالك، ولفته وابن الأعبس محتجًا على ابن أيمن برواية علها فيها.

الجزء: 8 - الصفحة: 489

وقال محمد بن يحيى: اختلافهما خطأ، ومعنى القسم في مسألة الأعيان إنما هو قسم انتفاع لا قسم يلزم، والنظر في الحُبُس لمن جعله إليه محبسه.
المتيطي: يجعله لمن يثق به في دينه وأمانته، فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للقاضي يقدم له من يرتضيه، ويجعل للقائم به من كرائه ما يراه سداد أعلى حسب اجتهاده.
قُلتُ: فلو قدم المحبس من رآه لذلك أهلا فله عزله، واستبداله.
سمع يلي حبسهن فاتهمنه في غلتهن، وطلب بعضهن أن يوكل بحقه، فإن كان حسن النظر لم يكن لها ذلك، وإن كان على غير ذلك جعل معه من يوكله بذلك.
ابن رُشْد: معناه أن العم قدمه المحبس، ولو كان بتقديمهن لكان لمن شاءت منهن توكيل غيره على حقها، ولم يكن للسلطان في ذلك نظر، وقوله إن كان على غير ذلك؛ يريد: سيئ النظر أو غير مأمون، وإنما رأى أن يوكل بحقها، ولم يعزله؛ لأنه رضيه بعضهن، ولو لم ترضه واحدة منهن عزله، ولو كن غير مالكات أنفسهن لوجب تقديم السلطان غيره، وقال ابن دحون: لو اتهمه جميعهن لكان لهن عزله وإنما بقي؛ لأنهن اختلفن في تهمته، وفي قوله نظر.
قُلتُ: قول ابن دحون: هو معنى متقدم قول ابن رُشْد؛ فتأمله، ونزلت في حبس حبسته الحرة أخت أمير بلدنا وجعلته بيد شيخنا ابن عبد السلام على أنه مدرس به، ثم نقلته لشيخنا ابن سلامة فقبله وشهد في العزل والتولية جميع الشهود الذين كانوا حينئذ منتصبين للشهادة، وعللوا ذلك بالتفريط.
المتيطي: إن شرط المحبس في حبسه أنه إن نظر قاض أو غيره في حبسه هذا فجميعه راجع إليه إن كان حياً أو لوارثه إن كان ميتًا أو صدقة بتلها على فلان ابن فلان فله شرطه.
ابن فتوح: للقاضي تقديم من ينظر في أحباس المسلمين، ولا يرتفع تقديمه بموته، ويرتفع برفعه من ولي بعده.

الجزء: 8 - الصفحة: 490

ولقاضي: أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس رزقاً معلومًا في كل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله، وفعله الأئمة.
ابن عات عن المشاور: لا يكون أجره إلا من بيت المال، فإن أخذها من الأحباس أخذت منه، ورجع بأجره في بيت المال، فإن لم يعط منها، وأجره على الله تعالى، وإنما لا يقطع له منها شيء؛ لأنه تغيير للوصايا، ومثل قول المشاور أفتى ابن ورد وقال: لا يجوز أخذ أجرته من الأحباس إلا أن يجهل على من حبست، وخالفه عبد الحق بن عطية، وقال: ذلك جائز، لا أعلم فيه نص خلافٍ، وتقدم جعله على غير يد المحبس، وولاية المحبس تفرق غلته في فصل الحوز.
ونفقة الحُبُس من غلته: فلو كانت لا تفي بنفقته فأظنني وقفت على أنه إن ثبت ذلك عند قاضي محله رده لمحبسه يصنع به ما شاء.
ونزلت فحكم بنقضه بعض قضاة وقتنا بعد عجز ثبوت عجز غلة الحُبُس عن خراجه واستشارني في ذلك فوافقته لما كنت وقفت عليه من النص في ظني، ثم بعد ذلك ظهرت له غلة فقام المحبس عليه يطلب رده لحبسه فلم يسعف، والأظهر عندي أن ينظر، فإن كان مع ذلك لا ثمن له رد حبسه، وإن كان له ثمن مبلغ ما يشتري به ما فيه نفع، ولو قل بيع واشترى بثمنه ذلك.
وفي الزاهي: لو شرط الواقف أن يبدأ من غلته لمنافع أهله، وترك إصلاح ما ينخرم منه بطل شرطه، وجعله اللخمي في النفقة عليه أقساما.
قال: دور الغلة والحوانيت والفنادق من غلتها ودور السكني يخير من هي عليه في إصلاحها وإكرائها لما تصلح منه والبساتين إن حبست على من لا تسلم إليه بل تقسم عليه غلتها تساقى أو يستأجر عليها من غلتها، وإن كانت على معينين هم يلونها فالنفقة عليهم والإبل والبقر والغنم كالثمار إن كانت تقسم غلتها استوجر عليها، وقسم ما فضل، وإن كانت على معينين خيروا في ولاية عملها، وفي استئجارهم عليها.
والخيل في السبيل لا تؤجر نفقتها في بيت المال، فإن لم يوجد بيعت، واشترى بثمنها سلاح، وإن كانت على معين أنفق عليها إن قبلها على ذلك، وإلا فلا شيء له.

الجزء: 8 - الصفحة: 491

والعبيد إن كانوا على السبيل، ولهم صنعه تراد للسبيل فكالخيل من بيت المال، وإن كانوا للغلة فمنها.
وفي كون نفقة المخدم على ربه أو المخدم قولان؛ الثاني: أصوب؛ لانقطاعه إليه ليًلا ونهارًا، وإن كان مأواه ليًلا عند ربه كانت عليه.
ولو قيل: نفقته نهارًا على المخدم كان له وجه، وكذا العبد يحبس على معين ليخدمه، والحبس يضرب له أجلٌ يخدم فيه العبد، وينتفع فيه كالمخدم، وكذا ينبغي إن لم يضرب له رجل على القول بعوده بعد موت المحبس عليه ملكًا لربه أنه كالمخدم.
والمساجد والقناطير ليست نفقتها على محبسها بل من بيت المال، فإن لم يكن، ولم يتطوع أحد بقيت حتى تهلك.
قُلتُ: فالحاصل أن نفقته في فائدته، فإن عجزت بيع وعوض من ثمنه ما من نوعه، فإن عجز صرف في مصرفه كقولها في النذور من نذر هدي مالا يهدي، وعجز ثمنه عن أدنى الهدى في إنفاقه على الكعبة يدفع لخدمتها والصدقة به حيث شاء قولا مالك، واستحباب ابن القاسم، والأولى تخصيص صدقته بمنى أو مكة.
قال ابن الحاجب: ولو شرط إصلاحها عليه لم يقبل.
قال ابن عبد السلام: في آخر حبسها من أسكن رجلاً دارًا سنين مسماة أو حياته على أن عليه مرمتها لم يجز، وهو كراء مجهول لكن إن وقف مع ظاهر هذا الكلام سلك بالوقف مسلك الكراء الفاسد فيفسخ، وليس هذا مراده إنما مراده أن يمضي الحُبُس، ويسقط الشرط، وهو معنى قول المؤلف لم يقبل.
قُلتُ: سوقه مسألة المدَوَّنة هذه على كلام ابن الحاجب يقتضي أنها مسألة حبس، ومن أنصف بعلم بمجرد البديهة أنها ليست من الحُبُس في شيء.
المتيطي: إن شرط المحبس أن إصلاحه من مال المحبس عليه فشرطه ساقط، وإصلاحه من غلته.
وفي كتاب الحُبُس منها: من حبس دارًا على رجل، وشرط عليه إصلاح ما احتاجت إليه من ماله لم يصلح، وهو كراء ليس بحبس، ولا أحفظه عن مالك إلا أنه

الجزء: 8 - الصفحة: 492

قال: من حبس فرسم على من شرط عليه حبسه سنة، وعلفه فيها لا خير فيه إن هلك الفرس قبل السنة ذهب عليه باطلاً.
قُلتُ: أيجعل الفرس والدار حبسًا أم يبطل؟ قال: لا أرى إلا أن مالكًا قال فيمن باع عبده على أنه مدبر على مشتريه لا خير فيه.
قال ابن القاسم: وأرى أنه يجوز تدبيره؛ لأنه بيع فات به، ويتبع البائع المشتري بتمام الثمن إن هضم له منه شيء فأرى في الفرس أن يخير صاحبه إن لم يفت الأجل في وضع شرطه ويبتله لصاحبه أو يدفع له ما أنفق ويأخذ فرسه، وإن فات الأجل لم يرد، وكان للذي بتل بغير قيمة، وأرى الدار حبسًا على ما جعل، وتكون مرمتها وغلتها؛ لأنها فاتت في سبيل الله.
الصقلي: وقاله يحيى بن عمر في الدار.
اللخمي: إن شرط على من حبس عليه دارًا مرمتها لم يصلح ابتداء.
قال ابن القاسم: هو كراء لا حبس، وأختلف إن نزل؛ فروى إن القاسم في المدَوَّنة: مرمتها من غلتها، وأسقط الشرط.
محمد: يرد ما لم يفت.
وفي أثناء أبواب الصدقة منها من وهب لرجل نخلاً وشرط لنفسه ثمرتها عشر سنين على أن يسقيها الموهوب له بمائه لم يصلح؛ لأنه لا يدري أتسلم النخل لذلك الوقت أم لا، ولقد قال مالك: من دفع لرجل فرسه يغزو عليه سيقتين، ونفقته في الأجل على المدفوع إليه، ثم هو له بعد الأجل على أن يبيعه قلبه لا خير فيه إن مات الفرس قبل الأجل ذهبت نفقته باطلة.
وقال أشهب في الفرس: لا يبطل شرطه العطية، وهو كمن أعاره لرجل يركبه سنة، ثم هو لفلان فترك المعار عاريته لصاحب البتل أنه يتعجل قبضه، فإذا كان مرجعه إليه من نفسه كان أحرى أن يتعجله، ويزول الخطر.
وفي كون الفرس في مسألتي الحُبُس والصدقة ملكا للمعطي بغير قيمة، وكونه في الأولى حبسًا مع رجوع المنفق بنفقته على محبسه طريقاً بعض القرويين مع الشَّيخ

الجزء: 8 - الصفحة: 493

وبعضهم مع القابسي محتجين بنص المحبس في الأول على التحبيس، وبظاهر لفظهما واستدلاله بهما.
القابسي: ويغرم المحبس النفقة للمحبس عليه مضى الأجل أم لا، أسقط شرطه أم لا.
قال: وفوت الحُبُس بمضي أجله على محبسه، وفي المدبر على مشتريه فاختص بغرمه قيمته.
قال: ومعنى المسألة الثانية أن المدفوع إليه الفرس يغزو عليه وثواب غزوه في الأجل لدافعه، وله في الأجل إمضاء العطية بإسقاطه شرطه، وردها بتماسكه به، فإن مضى الأجل فهو بيع فاسد.
يرد إن لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة يوم حل الأجل وغرم نفقته أسقط شرطه أم لا حل الأجل أم لا، وإن قبضه على أن يغزو به عن الدافع رجع بأجر مثله إن غزا عنه.
قُلتُ: قوله: ويغرم المحبس النفقة في إسقاط شرطه في الأجل خلاف ظاهر متقدم قول ابن القاسم يخبر في وضع شرطه وتبتله لصاحبه أو يدفع له ما أنفق ويأخذ فرسه ووجه أنه بتبتيله انكشف أنه ملك له من يوم قبضه.
اللخمي: اختلف فيمن أعطى رجلًا فرسًا على أن يحبسه سنه، ولا يركبه، ثم هو له ملك أو ثم هو حبس يغزو عليه أو قال: يحبسه سنه يغزو عليه، ثم هو له ملك.
فروى ابن عبد الحكم: من أعطى رجلًا فرسًا ينفق عليه سنه، وهو له بعدها إن نزل مضى.
وقال ابن القاسم: إن لم يفت الأجل فله أن يسقط الشرط ويبتله له أو يدفع له ما أنفق ويأخذ فرسه.
قُلتُ: فظاهره عدم لزوم النفقة إن ابتله له.
قال عنه: وإن فات الأجل كان لمن بتله له دون قيمة، ولم يجعله بيعا؛ لأن ربه لم يشترط شيئًا يأخذه لنفسه بل لما رأى فيه مصلحه للفرس أو لغيره، وكذا إن قال هو بعد السنة حبس تغزو عليه، وإن كان هذا أثقل، واختلف في القسم الثالث، فروى ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 494

القاسم كراهته، وعلى رواية ابن عبد الحَكم إن نزل مضى.
وقال أشهب: هو جائز ولا بين حبيب عن الأخوين من أخدم عبده رجلًا عشر سنين، ثم هو له بتلا أو أخدمه، ثم قال بعد الإخدام فهو سواء يصنع، وبه من الآن ما شاء.
وقال أَصْبَغ: إن جمع ذلك معًا فهو كالحبس إلى أجل وهذا أصوب؛ لأنه هبه فلا تغير عن شرط المالك فيها، وكذا إن كانا عقدين.
وقال: لا تتصرف فيها بالملك إلا بعد الأجل، وإن قال بعد الإخدام هو لك صنع به عاجلًا ما شاء.
قال ابن الحاجب كابن شاس: من هدم وفقا فعليه رده كما كان لا قيمته، ومن أتلف حيوانًا وقفًا فالقيمة، وتجعل في مثله أو شقصه.
زاد ابن شاس: وقيل: إن لم تبلغ ثمن عبد قسمت كالغلة فقبله ابن هارون في العدم والحيوان، وهو مقتضى قول ابن عبد السلام الأصل وجوب القيمة؛ لأنه من ذوات القيم لكن القيمة هنا تستلزم ملك الواقف على ما وقفه، وهو غير جائز في الأحباس إذ لا يمكن أن يؤدى الهادم القيمة، ولا يأخذ النقض، واختلف في هادم غير الحُبُس هل يقضى عليه بالقيمة أو يرده على ما كان عليه وهاهنا أحرى.
قُلتُ: قبولهما نقل ابن شاس وابن الحاجب يوهم أنه كل المذهب أو مشهورة، ولا أعرف ذلك بل ظاهر المدَوَّنة أن الواجب في الهدم القيمة مطلقًا حسبما يأتي نصها فيه.
قال عياض في حديث جريح أول كتاب البر: من هدم حائطًا فمشهور مذهب مالك وأصحابه أن فيه، وفي سائر المتلفات القيمة.
وقال الشافعي: عليه بناء مثله.
وفي العتبيَّة عن مالك مثله، وقول ابن عبد السلام: لكن القيمة هنا تستلزم نقل مالك الواقف وقفه إذ لا يمكن أن يوصى الهادم القيمة، ولا يأخذ النقض نص منه أن القول بإغرام الهادم القيمة يوجب له أخذ النقض في المذهب، وهذا لا يليق بتحصيله؛ لأنه خلاف المدَوَّنة وغيرها في كتاب الاستحقاق منها: ومن اكترى دارًا فهدمها تعديًا،

الجزء: 8 - الصفحة: 495

ثم قام مستحق فليأخذ النقض إن وجده، وقيمة الهدم من الهادم.
والصواب نقل اللخمي في ترجمه بيع الحُبُس قال: من تعدى على حبس فقطع النخل أو هدم الدار أو قتل العبد أو الفرس أو أحبي الثوب غرم قيمة ما أفسد، فإن كان الحُبُس على غير معين جعل ما أخذ من هدم أو قطع نخل في بناء تلك الدار أو غراسة مثل النخل، وفي مثل ذلك العبد والفرس والثوب.
وعلى قول أشهب يصرف فيما يرى أنه أفضل، ويختلف إن كان على معين هل يسقط حقه أو يعود في القيمة.
ولمحمد من أوصى له بغله دارًا وسكناها فهدمها إنسان في حياة الموصى، وهي تخرج من الثلث غرم الهادم ما بين القيمتين يورث عن الموصى، وتكون الأرض على حالها في الوصية، وإن هدمها بعد وفاته بني تلك الدار أتى في بنائها على ما كانت عليه أو أقل ويكون ذلك للموصى له، وكذا في قطع نخل الحائط.
وفي جناياتها: من أوصى له بعبد فقتل لاشيء له من قيمته، وعلى قول محمد يشتري له بالقيمة مثل الأول.
قُلتُ: ما ذكره عن المدَوَّنة لم أجده فيها إنما في جنايتها: إن أوصى بخدمة عبده لرجل سنين، وأوصى مع ذلك برقبته الآخر، والثلث يحمله فقتله رجل كان ما يجب فيه لمن له مرجع الرقبة، وهو إن أراد بما زعمه عن المدّوَّنة أنه قتل بعد موت الموصى فلا خلاف في المذهب أن قيمته للموصى له فيتمنع حمل نقله عنها لا شيء له على ذلك فلم يبق إلا حمله على مثله قبل موت الموصى، وتخريجه في هذا أن يشترى له بالقيمة مثل الأول عن قول محمد الذي قدمه لا يصح؛ لأن محمدًا إنما أثبت للموصى له ما بقى من الموصى به لا ما أخذ على ما أتلف فيه.
في الزاهي: لا يباع نقض الحُبُس، وأجاز بعض أصحابنا بيعه، ولا أقوله ولابن سهل عن ابن لبابه، وابن الوليد: جواز بيعه، وأجازه ابن زَرْب لبقاء باقية بهن ما بيع منه، وله في موضع أخر أفتى ابن عتاب بعدم نقل نقض مسجد خرب إلى مسجد آخر، وبعدم بيعه ويترك حتى يعفن لسماع القرينتين من تصدق بنخل بمائها فأصابتها الرمال

الجزء: 8 - الصفحة: 496

حتى بطلت كرانيفها، وغلبت عليها، وفي مائها فضل لا تباع، وتترك حتى تأكلها الرمال.
وفي طرر ابن عات عن ابن عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة؛ لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها إن خيف فساده، ووقفه إن رجي عمارتها أمثل.
قُلتُ: إن وجبت عمارته وجب وقفه قال: وإن لم يرج بيع وأعين بثمنه في غيره أو صرف لغيره.
وقال المشاور: ذكر ابن أبى زَمَنَيْن: أنه ينتفع به في سائر المساجد: ويترك ما يكون علمًا له ليلًا يدرس أمره، ونحوه حكي ابن حبيب وابن القاسم لا يرى ذلك.
وفيها: مع العتبيَّة والموازيَّة وغيرها منع بيع ما خرب ربع حبس مطلقًا.
الباجي: روى محمد وغيره في نخيل حبس عليها الرمال حتى بطلت كرانيفها، وفي مائها فضل لا يباع فضل مائها، وإن غلبت عليه الرمال.
قُلتُ: تقدم عزوها ابن سهل لسماع القرينين، ولم أجدها فيه.
وسمع ابن القاسم: لا تباع دار حبس خربت ليبتاع دونها.
ابن رُشْد: فيها لربيعة: إن الإمام يبيع الربع إذا ولى ذلك لخرابه، وهو إحدى روايتي أبى الفرج.
اللخمي: لا تباع إن كانت بمدينة إذ لا ييأس من صلاحه من محتسب أو بعض عقب، وما بعد عن العمران، ولم يرج صلاحه جرى على القولين، والذي أخذ به المنع خوف كونه دريعة لبيع الحبس.
قُلتُ: ففي منعه، ثالثها: إن كانت بمدينة للمعروف، وإحدى روايتي أبى الفرج، ونقل اللخمي.
وفي جواز المناقلة به لرفع غير خرب قول ابن زرقون في رسالة الشَّيخ لا بأس أن يعاوض منه بربع غير خرب، ونقل الباجي عن ابن شعبان: لا يناقل وقف، وإن خرب ما حوله، وقد تعود العمارة.
قُلتُ: في كون خرابه أشد من خراب ما حوله نظر، ولفظ الرسالة إنما هو اختلف

الجزء: 8 - الصفحة: 497

في المعاوضة به بربع غير خرب، وفي «نوازل ابن رُشْد»: إن كانت هذه القطعة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة، وعجز عن عمارتها، وكرائها فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسًا مكانها، ويكون ذلك بحكم من القاضي بعد ثبوت ذلك السبب، والغبطة في العوض عنه، ويسجل ذلك ويشهد.
في ابن عبد السلام: حكى أبو الفرج وابن شعبان قولا بجواز بيع الخرب مثل ما في «الرسالة».
قُلتُ: الذي في «الرسالة» إنما هو المعاوضة بالمناقلة لا بيعه بغير ذلك، ورواية أبى الفرج في البيع الذي هو أعم منها، وما عزاه لابن شعبان لا أعرفه.
وفي الزاهي: لو خرب فأراد غير الواقف إعادته فمنعه الواقف أو الوارث فله ذلك.
وفي «نوازل سَحنون»: لم يجز أصحابنا بيع الحُبُس بحال إلا دارًا جوار مسجد ليوسع بها، وليشتري بثمنها دار مثلها تكون حبسًا، وقد أدخل في مسجده - صلى الله عليه وسلم - دور كانت محبسه.
وسمع ابن القاسم: إن باع قوم دارًا كانت لهم حبسًا، وأدخلوها في المسجد اشتروا بثمنها دارًا أخرى يجعلونها في صدقة أبيهم، ولا يقضى عليهم بذلك.
ابن رُشْد: ظاهره أنه جائز في كل مسجد، كقول سَحنون، ونقل النوادر عن مالك ولابن حبيب عن الأخوين، وابن عبد الحَكم وأَصْبَغ: أنها يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج لذلك لا في مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها، كالجوامع، وقول مالك: لا يقضى عليهم بجعل الثمن في دار أخرى هو قول ابن القاسم ولابن الماجِشُون يقضي به عليهم.
ولمالك وابن القاسم إن استحق حبس فعل بثمنه ربه ما شاء، وظاهر السماع أنهم باعوها طوعًا، واختلف متأخروا شُيُوخنا إن امتنعوا من البيع للمسجد، فقال أكثرهم: تؤخذ منهم بالقيمة جبرًا، وهو الآتي على سماع قول ابن القاسم أنه لا يحكم عليهم

الجزء: 8 - الصفحة: 498

بجعل الثمن في أخرى لا يقضي عليهم بيعها إن امتنعوا؛ لأنهم إذا باعوها باختيارهم في موضع لا يحكم عليهم به لو امتنعوا منه كان الحكم عليهم بصرف الثمن في دار تكون حبساً واجباُ لما في ذلك من حق غيرهم إن كان الحبس معقباً، وكذا إن كان عليهم بأعيانهم على القول برجوعها بعدهم لأقرب الناس بالمحبس، ولأبي زيد في الثمانية يقضي عليهم ببيعها لتوسيع المسجد، فقوله بالقضاء عليهم يجعل الثمن في دار مكانها ليس على أصله فلعله إنما قال: يقضي عليهم بذلك ما عدى المسجد الجامع.
قلت: في قوله نظر؛ لأن المناسبة الناشئة عن اعتبار المصالح تقتضى عكس ما قاله؛ لأنهم إذا لم يجبروا على جعل الثمن في حبس آخر كان جبرهم على بيعه تحصيلاً لمصلحة التوسعة مع مفسدة إبطال حبس، وإذا جبروا على جعله في حبس، فإن قيل: جبرهم على البيع مع جبرهم على جعله في حبس فيه شدة ضرر وجبرهم على البيع مع عدم جبرهم على جعله في حبس أخف ضرراً وارتكاب أخف الضررين راجح أو واجب.
قلت: إبطال الحبس راجع لحق الله تعالى، وضررهم راجع لحق آدمي، وحق الله آكد.
ابن عات: عن أبي زيد: قال عبد الملك: يجبر أهل الدور المحبسة على بيعها لتوسيع جامع الخطبة والمنبر، وكذا الطريق إليها لا للمساجد التي لا يجمع فيها والطرق التي في القبائل لا يلزم أحد أن يبيع لها صدقة، ولا يوسع بها طريقاً لهم.
قال مطرف: إن كان نهر بجنب طريق عظمى للمسلمين يسلكها عامتهم فحفرها حتى قطعها جبراً هل تلك الأرض التي حولها على بيع ما يوسع به الطريق، فإن لم ينظر السلطان فيها لم تسلك تلك الأرض إلا بإذن أربابها.
ابن سهل: قال ابن الماجشون في مقبرة ضاقت عن الدفن بجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسع المسجد ببعصها؛ لأن المقبرة والمسجد حبس للمسلمين ول أصبغ عن ابن القاسم في مقبرة عفف ليس فيها كبير نفع أتباع ويشتري بثمنها خشباً يرم بها المسجد.
قال: لا إلا أن، ثم قولاً ضعيفاً.

الجزء: 8 - الصفحة: 499

قلت: قول سحنون هذا كقول ابن الماشجون، والقول الآخر، كقول ابن القاسم فيما بلد من الثياب المحبسة، وقد تقدما.
ابن عات: سئل بعض أهل الشورى بقرطبة عن فاضل غلات أجناس المساجد أيصرف في المساجد التي لا غلات لها.
فأجاب قول ابن القاسم: أن لا يصرف إلى غيره من ذلك شيء، ويباع له به أصول تجري غلاتها عليه، ويوسع منها عليه فيها يحتاج من، وقيد وحصر وكل آلاته وقومته.
قال: وغيره يجيز صرفه لغيره والمساجد التي لا أحباس لها فمن أخذ بهذا القول لم يضمن ما أنفق في ذلك، وعلى الفول الأول أكثر الرواة، ومن لم يجز صرف بعضها لبعض لم يجز السلف من بعضها لبعض، ومن أجازه أجازه.
وقد قال أصبغ وابن الماجشون في العتيبة: الأحباس كلها لله انتفع بعضها ببعض، وقاله بعض أصحابنا، وسأل شجرة سحنونا عن مسجدين أو قصرين متقاربين من الرباطات وضع في كل منها بسلاح وآنية ينتفع بها المرابطون فيحتاج أهل هذا القصر إلى ما في الثاني لينتفعوا به ويردوه من حيث أخذوه، فقال أهل كل قصر أولى بما فيه إلا أن يكون له أمر عرفوه.
وبيع الحبس بشرط من المحبس في عقذه راجع إلى شرط تحبيسه بنقيض ما جعله المحبس سبباً في بيعه لا إلى إعمال شرط مناقض للحبس فيه.
سمع ابن القاسم من جعل داراً له حبساً صدقة على ولده لا تباع إلا إن احتاجوا لبيعها، فإن احتاجوا لبيعها، واجتمع ملاهم عليه باعوا وقسموا ثمنه سواء ذكورهم وإناثهم، فإن لم يبق منهم إلا رجل واحد فله بيعها إن احتاج، ولا ميراث في ثمنها لورثة المحبس.
قوله: إلا إن احتاجوا لبيعها؛ يريد: أو يحتاج أحدهم لبيع حظه منها قل الحبس لكثرة عددهم أو كثر لقلتهم فمن احتاج كان له بيع حظه، واختص بثمنه، وإن لم يبق إلا واحد اختص بثمن جميعه، ومن مات منهم قبل احتياجه سقط حظه، ولم يورث عنه ويرجع بعد انقراض الحبس عليهم إن لم يبيعوه لحاجتهم إلى أقرب الناس بالمحبس،

الجزء: 8 - الصفحة: 500

وهذا كله نص رواية محمد.
وأمد كراثه ما سلم عن غرر عدم وعدم تمامه.
سمع القرينان في الهبة والصدقة.
سئل مالك عمن تصدق بدار على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم ما بقي منهم أحد ومرجعها بعدهم لولده فلم يبق منهم إلا رجل واحد فتكارها منه بعض الذين إن مات الموالي رجعت إليهم من ورثة المتصدق عشرين سنة، فقال: ورثة المتصدق لا يجيز ذلك خوف موت هؤلاء الموالي في هذه المدة فتقدم علينا بحيازتك، فقال مالك: إن مات هذا المولي في السنين انفسخ الكراء، ولكنه شاب يخافون طول حياته وطول حيازة هذه الدار فيكتبوا عليه بذلك كتاباً، ويتوثقوا عليه فيه.
ابن رشد: أجاز في هذا السماع اكتراء الدار المحبسة عشرين سنة ممن صارت له بالحبس مع نقض كرائها بموته، ومعناه عندي ما لم ينقده؛ لأنه إن نقده، ومات رجع للمكتري كراء باقي المدة فكان سلفاً، وقيل: لا يجوز كراؤه لهذه المدة، وإن لم ينفذ، وهو ظاهر وصاياها.
الثاني: فيمن أوصى بخدمة عبده لرجل حياته أنه لا يجوز أن يكريه إلا لأمد قريب السنة والسنتين، والأمد المأمون الذي ليس ببعيد، ولم يفرق بين نقد، وغيره فظاهر المدونة جوازه في القريب على أن لا ينقد فيجوز في القريب على أن لا ينقذ ويمنع في البعيد على النقد اتفاقا فيهما، ويختلف في البعيد بغير النقد، وفي القريب به على قولين، وقد نص على ذلك في الموازية، وفي الموازية بأثر هذه المسألة.
قال مالك: لا يرفع في كرائها وليكرها قليلاً قليلاً، وقاله عبد الملك إلا أنه قال السنة والسنتين، فإن وقع في السنين الكثيرة على لأقول بمنعه، فإن عثر على ذلك والباقي من المدة يسير لم يفسخ، وإن كثر فسخ، قاله في الموازية، ولم ير في السماع حجة للقائم فخوف طول الحيازة لارتفاعها بالإشهاد، وهو معارض لما في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الأقضية فيمن له ممر في حائط رجل أنه ليس له أن يحضره، وإن

الجزء: 8 - الصفحة: 501

لم يجعل عليه بابا لئلا يطول الأمر فينسي حظه.
المتيطي: يجوز كراء من حبس عليه ربع من الأعيان أو الأعقاب لعامين لا أكثر في رواية ابن القاسم، وفي سماع أشهب إجازته لخمس وعشرين عاماً، وبالرواية الأولى القضاء.
قلت: الذي في سماع أشهب عشرون.
قال: والحبس على غير معين كالمرضى والمساكين أو مسجد أو قنطرة يجوز لمدة طويلة، واستحسن قضاة قرطبة كونه لأربعة أعوام خوف اندراسه بطول مكثه بيد مكتريه، وقال عبد الملك في المبسوط: المقدم على الأحباس لينقذها في أهلها، وهي معقبة إنما يكريها السنة والسنتين، فإن مات قبل ذلك نفذ الكراء، ولحائزها لنفسه كراؤها لنفسه الخمس والست.
وحدثني من أثق به أن ملكاً تكارى على هذه الحال، وهو صدقة عشر سنين واستكثره المغيرة وغيره، ولهذا أن يكتري بالنقد، وغيره، وليس ذلك للمقدم في كراء النقد؛ لأنه يضع من الكراء، ولا يقدر على قسمه قبل ذلك كان قد أعطى من الغلة من قد يموت قبل وجود ذلك له للمقدم في كراء النقد؛ لأنه يضع من الكراء، ولا يقدر على قسمه قبل.
وفي مقرب ابن أبي زمنين: من حبست عليه دار، وعلى عقبه أو غيرهم أو جعل لهم فيها سكني حياته لم يجز أن يكريها بالنقد إلا ستة أو سنتين، وجائز أن يكريها سنتين كثيرة بكراء منجم كلما انقضى نجم دفع كراءه، وكلما دخل نجم قدم كراءه إن كان النجم يسيراً هذا مذهب ابن القاسم، وابن وهب وروايتهما، ابن العطار: استحسن بعض أهل العلم الاحتياط في الحبس بأن لا يكبر ممن يجاوره خوف أن ينقض منه، ولا من ذوي قدرة لغير ما وجه.
قلت: وأكريت في أواسط القرن السابع بتونس عرصة لا بناء بها من أجناس تونس على الفقراء ممن بني بها شيئاً إضافة لداره كأنه منها لمدة أربعين عاماً بأضعاف

الجزء: 8 - الصفحة: 502

قيمة كرائها بعد مطالعة الناظر في أحباس تونس قاضيها، ومن له شورى، وهذه العرصة هي الآن ببنائها جزء من دار تعرف بمكتري العرصة المذكورة يقال ابن علال كان من مشاهير التجار الأملياء، وهي الآن بيد غيره ببياعات بعده، وهي في رائقة غير نافدة الخارج منها يستقبل القبلة بطرق سوق الأبارين جبلي جامع الزيتونة.
ولابن عات عن المشاور: إن أكرى ناظر الحبس على يدي القاضي ربع الحبس بعد النداء عليه، والاستقصاء، ثم جاءت زيادة لم يكن له نقض الكراء، ولا قبول الزيادة إلا أن يثبت بالبينة أن في الكراء الأول غبنا على الحبس، فتقبل الزيادة، ولو ممن كان حاضراً، وكذا الوصي في كرائه ربع يتيمه أو إجارته، ثم يجد زيادة لم تنتقض الإجارة إلا بثبوت غبن إن فات وقت كرائها، فإن كان قبل ذلك نقضت وقبلت الزيادة.
قلت: ظاهر أول كلامه إن لم يكن غبن لم تقبل الزيادة، ولو لم يفت الإبان، والأول أقيس والثاني أحوط.
وقد يؤخذ من أول عتقها الأول: بيع السلطان بالمدينة على خيار ثلاثة أيام، فإن وجد زيادة وإلا نفذ البيع، واستمر العمل في كراء الناظر في حبس تونس أنه على قبول الزيادة بموافقة قضاتها على ذلك، وتقدم في الأكرياء ذكر الخلاف فيه.
وفيها: لمالك: إن بني بعض أهل الحبس فيه أو أدخل فيه خشبة أو أصلح، ثم مات، ولم يذكر لما أدخل فيه ذلك فلا شيء لورثته فيه.
ابن القاسم: إن أوصى به، أو قال: هي لورثتي فذلك لهم، وإن لم يذكره فلا شيء لهم قل أو كثر.
المغيرة: لا يكون من ذلك صدقة بحرمة إلا فيما لا باب له من الميازب والستر، وما له خطر ورث عنه، وقضي منه دينه.
وسمع ابن القاسم: من بني في دار مسكناً أو غرس في أرضه نخلاً، وقد حبستا عليه، ثم مات، فإن أرضي رب الدار، ورثة الرجل فذلك له، وإلا قلعوا نخليهم، وأخذوا نقضهم.
ابن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم، وروايته في المدونة مثل قول المخزومي

الجزء: 8 - الصفحة: 503

فيها، ومثل ما في الشفعة منها، وما في التفسير لابن القاسم.
وقوله: إن أرضى رب الدار ورثة الرجل، وإلا قلعوا نخلهم، وأخذوا نقضهم معناه: إن مات بحدثان ما بنى وغرس، ولو لم يمت حتى مضى من المدة ما يرى أنه بنى وغرس لمثله فلرب الدار أخذ النقض والنخل بقيمتها مقلوعة إن شاء، وإن أبى قلعوا نخلهم، وأخذوا نقضهم على مذهب ابن القاسم فيمن بني فيما اكترى.
وكذا روى ابن القاسم في النوادر: لهم قلع نقضهم إلا أن يعطيهم قيمة ذلك مطروحاً في الأرض، ومعناه إن كان مضى من المدة ما يرى أنه بني لمثلها، وعلى رواية المدنيين أن للمكتري قيمة بنائه قائماً فالحكم في الحبس كما قاله في السماع طالت المدة أو قصرت، وهو ظاهر قول المخزومي فيها: أن البناء الذي له قدر مال من ماله هذا حكم ما بني للسكني إذا مات، وإن لم يمت فهو أحق بسكني ما بني لا يدخل عليه غيره فيه.
وسمع عيسى ابن القاسم: في دار حبس على قبيلة بناها رجل منهم حوانيتان وبيوتاً للغلة والسكني.
قال: أما السكنى فمن سكن منهم فهو أولى بما سكن مما يكفيه لا يدخل عليه غيره، وما للغلة يقاص نفسه بما يستوفي من الخراج فيما أنفق فما فضل عنه لجميع من حبس عليهم يؤثر بذلك أهل الحاجة، وما فضل قسم بين الأغنياء، فإن أراد أحد الدخول مع من بني فيما بني من الغلة غرم للباني نصف ما بقي له من حقه، ودخل معه فيه، فيكون في يديه نصف ما بقي للغلة يأخذ غلته ويقاص نفسه بها حتى يستوفي حقه، فإذا استوفى حقه كانت الغلة بين من حبست عليه على ما وصفنا.
قيل: فإن كانت القاعة لا كراء لها قبل البناء.
قال: يقاص بغلة الحوانيت والدور نفسه من يوم أخذ لها غلة، وإن لم يجثه أحد.
ابن رشد: قوله يكون في يديه نصف ما بقي للغلة صوابه: يكون في يديه نصف ما بني للغلة، وكذا في بعض الروايات، وهي مسألة بينة.
وقال ابن دحون: يدخل فيها كل ما في الرحا تخرب فيبنيها بعض أهلها أو البئر كذلك، وليس كما ذكر إنما يدخلها أكثر يدخلها القول بأن كل الغلة للباني إلا أن يعطيه

الجزء: 8 - الصفحة: 504

مريداً الدخول عليه منابه من النفقة أو من قيمتها على الخلاف في ذلك هذا إن قام بحدثان البناء، ولو قام بعد أن بلي البناء فليس عليه إلا منابه من قيمة البناء بحاله اتفاقاً.
وتقدم تفسيره في نوازل عيسى من كتاب السداد: وإن كان للحبس كراء قبل بناء هذا الباني كان عليه لإشراكه ما يجب لهم من الكراء اتفاقاً.
وإن لم يكن لهم كراء دخله الخلاف من الرحى الخربة فيبنيها بعض الشركاء هل عليه فيها كراء أم لا، ولا يدخلها قول محمد بن دينار المدني في الرحى الخربة يبنيها بعض الشركاء أن الغلة بينهم للعامل بقدر ما أنفق، وقدر ما كان له فيها قبل النفقة، ولمن لم يعمل بقدر ما كان له من غلتها؛ لأن الحبس ليس بملك للمحبس عليه.
قلت: جعله ما في الشفعة مثل قول المخزومي خلاف ما حمله عليه غيره من الشيوخ، وأن قول المخزومي من التفرقة بين الكثير واليسير.
وحصلوا في كون ما لم يوص بحبسه أنه حبس أو موروثه حبساً، ثالثها: إن قل لابن القاسم مع روايته فيها، وقولها في الشفعة والمغيرة وجعله ما في الشفعة خلاف ما في الحبس خلاف قول عبد الحق معنى ما في الشفعة أنه بين أنه موروث عنه، وما في كتاب الحبس أنه لم يبينه، ويحتمل أنه حبس عليهم ليسكنوا فقط كالتعمير لا أنه وقف.
وقال بعض القرويين: معنى ما في الشفعة أنه بني في الحبس بناء مفرداً لنفسه، وما بني في الحبس بناء شيئاً مخالطاً للحبس.
وقال التونسي في كتاب الشفعة: أو يكون على القول الثاني، وهو قول المغيرة: إنه موروث إلا ما لا قدر له.
قال ابن الحاجب كابن شاس لابن شعبان: لو خرب الوقف فأراد غير

الجزء: 8 - الصفحة: 505

الواقف إعادته فللواقف أو وارثه منعه، ووجهه ابن عبد السلام بما حاصله أن الحبس مملوك لمحبسه، وكل مملوك لشخص لا يجوز تصرف غيره فيه بغير إذنه بوجه.
قلت: والجاري عندي على أصل المذهب في ذلك التفصيل فإن كان خراب الحبس لحادث نزل به دفعة كوابل المطر أو شدة ريح أو صاعقة فالأمر كما قالوه.
وإن كان بتوالي عدم إصلاح ما ينزل به من هدم شيئاً بعد شيء، ومن هو عليه يستغل ما بقي منه في أثناء توالي الهدم عليه كحال بعض أهل وقتنا من أئمة المساجد يأخذون غلته ويدعون بناءه حتى يتوالى عليه الخراب المذهب كل منفعته أو جلها فهذا الواجب قبول من تطوع بإصلاحه ولا مقال بمنعه لمحبسه ولا لوارثه؛ لأن مصلحه قام بأداء حق عن ذي حق عليه لعجزه عن أدائه أو لدده.
وتقدم لابن رشد في كون قسم الحبس المعقب بين آحاده بقدر حاجتهم أو بالسوية والغني كالفقير مشهور المذهب، وقول ابن الماجشون مع ظاهر سماع عيسى ابن القاسم.
الباجي: روى محمد: لا يفضل فيه ذو الحاجة على الغني إلا بشرط؛ لأنه تصدق على ولده، ويعلم أن فيهم الغني والمحتاج وفي المجموعة الحبس المعقب كالصدقة لا يعطى منه غني، ويعطي المسدد بقدر حاله، وإن كان أولاد الأغنياء كباراً فقراء أعطوا بقدر حاجتهم؛ يريد بالمسدد من له كفاية، وربما ضاقت حاله بكثرة عياله، وإن تساووا في فقر أو غنى أوثر الأقرب، وأعطى الفضل من يليه، ويؤثر الفقير الأبعد، ذكره ابن عبدوس، وهذا إن كان عددهم لا ينحصر، ولم يفضل عن فقرائهم شيء، وإن فضل شيء صرف لأغنيائهم، رواه عيسى عن ابن القاسم.
********* معينين هم فيه بالسوا، لابن رشد في رسم البز من سماع ابن القاسم.
قال ابن القاسم في النوادر: وما على قوم بأعيانهم فقيرهم وغنيهم وحاضرهم وغائبهم سواء، وزاد في أول سماع عيسى بعد عزوه لمحمد: اتفاقاً، وقول ابن عبد السلام هذا ظاهر على القول بأنه عمري لا ترجع مراجع الأحباس.
وعلى القول برجوعه مراجع الأحباس يقال إنه يؤثر به الأحوج؛ لأن المقصود منه

الجزء: 8 - الصفحة: 506

الإرفاق يرد بأن من أنصف، وتأمل علم أن مقتضي الروايات أن موجب التساوي، والتفاوت إنما هو النص أو دليل القصد إلى أحدهما، وأن التعبير ظاهر في قصد التساوي لدورانه معه وجوداً وعدماً وأن الرجوع إلى الأحباس طردي فيما قبل رجوعه.
وهو مقتضى نقل الشيخ رواية ابن القاسم في المجموعة: من حبس داراً على أربعة نفر من ولده على أن من مات منهم فولده على مصابته من الحبس فمات اثنان منهم وتركا أولاداً، ثم مات أحد الباقين، ولا ولد له فمصابه راجع على جميع ولد إخوته الميتين، وأخيه الحي، ويؤثر أخل الحاجة منهم.
قلت: فقد جعل قسمه على مستحقيه بالتعيين بالسوية وعلى مستحقيه بعد التعيين بالاجتهاد، ولم يجعل كونه آيلا إلى عدم التعيين موجباً لقسمه في التعيين بالاجتهاد.
وفيها: لا يخرج من الحبس أحد لأحد، ومن لم يجد مسكناً فلا كراء له، ومن مات أو غاب غيبة انتقال استحق الحاضر مكانه، ومن سافر لا يريد انتقالاً فهو على حقه.
وسمع عيسى: من حبس على قوم، وهم متكافئون في الغني والفقر اجتهد في ذلك ليسكن فيها من رأى أو يكريها فيقسم كراؤها عليه، ومن سبق فسكن فهو أولى ولا يخرج منها.
ابن رشد: معناه في غير المعين كحبسه على أولاده أو أولاد فلان، ولو كان على معينين مسمين لم يستحق السكني من سبق إليه، وهم فيه بالسوية حاضرهم، وغائبهم قاله ابن القاسم.
محمد: وفقيرهم وغنيهم سواء.
وسمع ابن القاسم: من حبس داراً لم يجعل له مخرجاً قسمت على ذوي الحاجة.
ابن رشد: مثله فيها وفي سماع عيسى أن الحبس الذي لم يجعل له مخرجاً يكون على الفقراء والمساكين، ومن حصل في مسكن منهما لم يخرج منه لغيره إلا أن يستعتين، وسمع ابن القاسم من حبس داراً على ولده وعلى ولد ولده فالأدنون أولى بما لا يفضل

الجزء: 8 - الصفحة: 507

عنهم، فإن خرج بعضهم إلى سفر سكن الذين يلونهم، فإن جاء أحد من الأدنين لم يخرج منه كما لم يدخل عليه، وذلك شأن الحبس.
ابن رشد: معناه: إن خرج لسفر بعيد يشبه الانقطاع، أو يريد المقام في الوضع الذي سافر إليه، ولو سافر ليعود فهو على حقه، وهو نص مالك في رسم البز، وتفسير ابن القاسم في المدونة قول المالك، وفي رواية مالك: على إن غاب، ولم يزد ما قاله ابن القاسم، وهو وفاق له، والخلاف في المسألة إنما يمكن فيما تحمل عليه غيبته، فظاهر رواية علي على الانقطاع والمقام حتى يتبين خلافه.
قال ابن رشد في رسم البز: وهذا في السكني، وأما فضل الكراء وغلات الثمر، وغيرها فحق من غاب باق لا يسقط.
قال ابن الحاجب: ولا يخرج الساكن لغيره، وإن كان غنياً.
ابن عبد السلام: لما تكلم على حكم المساواة والترجيح قبل السكني تحدث على ما إذا سكن أحدهم لموجب الفقر، ثم استغنى، فإن ذلك الحكم لا يرتفع بارتفاع سببه، وهو الفقر ولعل ذلك؛ لأن عودته لا تؤمن، وغلا فالأصل أن يخرج، وهذا في الوقف على غير معين.
قلت: في لفظه، ولفظ ابن الحاجب إجمال؛ لأن ظاهر لفظهما سواء كان الحبس على عقب وتحوه أو على الفقراء فسكن بعضهم لا تصافه بالفقر، ثم استغنى أنه لا يخرج لغيره، وليس الأمر كذلك.
قال ابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم: من استحق مسكناً من حبس هو على الفقراء لفقره أخرج منه إن استغنى.
وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى ابن القاسم: من استحق مسكناً من حبس هو على العقب وهو غني؛ لانقطاع غيبة المحتاج، ثم قدم، فإنه لا يخرج له؛ لأنه لم يدخل عليه ولكنه سكن بها حيث لم يكن أحد أولى بها منه، وروى الباجي لو سافر مستحق سكني لبعض ما يعرض للناس كان له كراء مسكنه إلى أن يعود، ولو انتقل إليه أحد من أهل الحبس رد لمنزلته، وأخرج من دخل فيه، وقسم ما على غير منحصر بالاجتهاد

الجزء: 8 - الصفحة: 508

اتفاقاً.
الشيخ: روي ابن عبدوس: من حبس على قوم وأعقابهم فهو كالصدقة يوصي أن تفرق على المساكين لمن وليها أن يفضل ذا الحاجة والمسكنة والمؤنة والعيال والزمانة وكذا غلة الحبس، ولا يعطي الغني شيئاً، ويعطي المسدود بقدر حالة، وإن كان للأغنياء أولاد كبار فقراء قد بلغوا أعطوا بقدر حاجتهم.

باب العطية

الهبة: أحد أنواع العطية، وهي تمليك متمول بغير عوض إنشاء، فيخرج

الجزء: 8 - الصفحة: 509

الإنكاح والحكم باستحقاق وارث إرثه وتدخل العارية والحبس والعمري والهبة والصدقة فالعارية والحبس تقدماً.

باب العمري

والعمري تمليك منفعة حياة المعطي بغير عوض إنشاء، فيخرج الحكم باستحقاقها، ويصدق عليها قبل حوزها؛ لأنها قبلة عمري، وكذا بقية الأنواع وحكمها

الجزء: 8 - الصفحة: 510

الندب لذاتها، ويتعذر عروض وجوبها لا كراهتها أو تحريمها.
في هباتها: من قال: أعمرتك هذه الدار حياتك أو هذا العبد أو هذه الدابة فهو جائز، وترجع بعد موته إلى من أعمرها أو إلى ورثته.
زاد في العارية والناس عند شروطهم

باب في صيغة العمري

الصيغة: الباجي ما دل على هبة المنفعة دون الرقبة كأسكنتك هذه الدار عمرك أو وهبتك سكناها عمرك.
وفيها: من أعمر رجلاً عمري له ولعقبه رجعت بعده لربها، وكذا: هي لك صدقة سكني.
ابن فتوح عن ابن الهندي: إنما ترجع للمعمر أو لورثته إن كانت غير معقبة، وإن كانت معقبة على مجهول من يأتي من ولد وولد ولد خرجت من العمري ولحقت بالأحباس.
ابن عات: هذا خلاف قول مالك وأصحابه أن العمري معقبة أو غير معقبة إن كانت بلفظ العمري أو بغيره من الإسكان أو الإمتاع أو وقت أنها لا تلحق بالأحباس بل تكون ملكاً للمعمر أو وارثه.
ولعل ابن الهندي أخذ بظاهر قول مالك في الموطأ عقب قول القاسم بن محمد.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا أن العمري ترجع للذي أعمرها إن لم يقل: هي لك ولعقبك.

الجزء: 8 - الصفحة: 511

وإنما يريد مالك أنه لم يتلفظ فيها بلفظ العمري، ولا بما في معناها، وإنما قال: هي لك ولعقبك، ولم يحك المتيطي عن المذهب غير ما حكاه ابن فتوح، وابن الهندي خلاف ما ذكر ابن عات فاعرفه.
الباجي: في الموازية والمجموعة لابن القاسم وأشهب: من قيل له: هي لك صدقة سكني فليس له إلا سكناها دون رقبتها.
محمد: حياته، ومسألة هذه الدار حبس على فلان مذكورة في الحبس.
أبو عمر: الإفقار، والأخبار ونحوه من ألفاظ العطايا كلفظ العمري.
قلت: في الصحاح أفقرت فاناً ناقتي؛ أي: أعرته فقارها ليركبها، وأخبلته المال إذا أعرته ناقة لينتفع بلبنها ووبرها أو فرساً يغزو عليه.
اللخمي: قوله: كسوتك هذا الثوب وحملتك على هذا البعير أو الفرس هبة للرقاب.
ابن فتوح والمتيطي: للمعمر جعل مرجعها بعد مدتها بتلاً لمن شاء، ولو لوارث ما لم يشترط المعمر رجوعها له إن كان حياً؛ لأنها وصية لوارث.
وقول المتيطي: إلا رقاب جائز، وهو إسكان المالك داره غير مدة حياته واضح ومقتضي قول غيره أنها من صور العارية.
وفي عاريتها: تكون في الحيوان كله، ولم أسمع منه في الثياب شيئاً، وهي عندي كذلك، وفي هباتها.
قلت: فإن أعمر حلياً أو ثياباً.
قال: لم أسمع في الثياب شيئاً، وأما الحلي فأراه كالدور.
واختصرها أبو سعيد سؤالاً وجواباً لإشكالها من حيث مناقضة مفهوم تفصيلها منطوق قولها في الثياب في كتاب العارية.
ويجاب بأن التفصيل في وضوح كون الحلي كالدور لمساواته إياها في عدم ذهاب عينهما بالانتفاع وذهاب ذوات الثياب به.

الجزء: 8 - الصفحة: 512

باب في الرقبى

وفي عاريتها: لم يعرف مالك الرقبي ففسرت له فلم يجزها، وهي تحبيس رجلين داراً بينهما على أن من مات منهما أولاً فحظه حبس على الآخر، وسأتله عن تحبيسهما عبداً بينهما على أن من مات منهما فحظه يخدم آخرهما موتاً حياته، ثم يكون العبد حراً، فلم يجزه وألزمهما عتقه بعد موتهما، ومن مات منهما فحظه يخدم ورثته دون صاحبه فإذا مات آخرهما كان حظ كل منهما حراً من ثلثه كمن قال: إن مت فعبدي يخدم فلاناً حياته ثم هو حر.
اللخمي: إن نزل في الدار فعلي القول أن الحبس على معين يرجع ملكاً يبطل تحبيسها، وترجع ملكاً لهما.
وعلى رجوعه حبساً تبطل السكني فقط، وتكون ملكاً لهما حتى يموت أحدهما فترجع مراجع الأحباس.
الصقلي: ألزمهما العتق؛ لأنه كعتق لأجل لوقفه على موت فلان، وجعله من الثلث لقوله: بعد موتي فجمع له الحكمين: ابن عبد السلام: استشكل إلزامه العتق من كونه من الثلث؛ لأنه إن كان معتقاً لأجل خرج من رأس المال، وإن كان موصي بعتقه لم يزلمه العتق.
وأجيب بأنه كالمدبر، وفيه نظر؛ لأن أصله في مثل هذا أنه لا يكون مدبراً إلا بقصد التدبير، وإن كان وصية على ما قاله في أول كتاب المدير.
قلت: إنما قال ذلك في أول كتاب المدبر في العتق الموقوف على موت المعتق فقط، وفي هذه المسألة الوقوف عليه، وعلى موت الأجنبي، وإليه أشار الصقلي، وتقريره أن مطلق وقفه على موت الأجنبي يوجب لزومه وكونه من رأس المال، ومطلق وقفه على موت مالكه يوجب عدم لزومه، وكونه من الثلث فلما جمع بينهما

الجزء: 8 - الصفحة: 513

صار كدليلين متنافين تعارضا، وأمكن الجمع بينهما فيجب حسبما تقرر في أصول الفقه فجمع بينهما إنما أنتج حقيقة شرعية يمكن القصد إليها، وهي حقيقة التدبير فأعمل الأول في حكم لزومه دون حكم كونه من رأس المال، وأعمل الثاني في حكم كونه من الثلث، لا في حكم جواز الرجوع عنه ويمنع إعمال الأول في لزومه مع إعمال الثاني في جواز الرجوع عنه لتناقضهما، وكذا إعمال الأول في حكم كونه من رأس المال مع إعمال الثاني في حكم كونه من الثلث لتناقضهما، ومع إعمال الثاني في حكم جواز الرجوع عنه لصدق منافيه، وهو كل ما هو من رأس المال لا يجوز الرجوع عنه فانحصر إعمالها فيما ذكرناه.
وفي أول المدبر ما يشهد لهذا قال فيه: إن قال: أنت حر بعد موتي وموت فلان، فهو من الثلث وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موته.
سحنون: وقال أشهب.
قلت: قول سحنون: وقاله أشهب، يدل على أنه لا رجوع له فيه، وإلا كان مناقضاً لقول أشهب يدل على أنه لا رجوع فيه، وإلا كان مناقضاً لأصل أشهب فتأمله.
وكذا قال الصقلي: يريد: ولا رجوع له فيه لذكر الأجنبي كعتق لأجل.
وقال التونسي: كأنه جعله كالتدبير لا رجوع له فيه وتقريره بقوله: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي يشبه كونه كالتدبير كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي بشهير فيكون له الرجوع.

الجزء: 8 - الصفحة: 514

باب الهبة

والهبة: لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطي بغير عوض والصدقة كذلك لوجه الله بدل لوجه المعطي.
وفي الهبة لكونها كذلك مع إرادة الثواب من الله صدقة، أو لا، قولاً الأكثر ومطرف حسبما يذكر في الاعتصار، وتخرج العارية، والبيع.

باب في صيغة الهبة

الصيغة: ما دل على التمليك ولو فعلاً كالمعاطاة.

الجزء: 8 - الصفحة: 515

سمع ابن القاسم: من مات بعد أن حلي ابنه الصغير حلياً فهو له لا ميراث.
ابن رشد: لأنه يجوز لابنه الصغير ما وهب له ما حلاه به مثل ما كساه من ثوب إلا أن يشهد الأب أنه على وجه الإمتاع.
وفي شرط صحتها فيما لا يحاز بلفظ ولي فقط، أو بلفظ العطية، أو ما يستلزمهما، قولان لسماع ابن القاسم: من أشهد أنه ولي أبنه الصغير حائطاً بثمن هو أقل من قيمته بكثير، ومات صح للابن إن حازه له مع ابن رشد عن الأخوين، وأصبغ في الواضحة، وقول ابن القاسم في كتاب داود مع أصبغ في سماعه ابن رشد، وعليه وعلى الأول: إن لم يحزه له في كون الواجب للابن مناب ثمنه من الحائط بقيمته أو تخيير وليه في ذلك.
وفي إتمام ثمنه وأخذ جميعه قولان ودلالة الالتزام معتبره.
المتيطي: من تصدق من دار ببيت فقط لزمه مرفق الدخول والخروج والبئر والمرحاض.
قلت: هو سماع عيسي ابن القاسم.
ابن رشد: هذا مثل سماع أشهب في البيع المبهم أنه يقضي بهذه المرافق.

الجزء: 8 - الصفحة: 516

وقيل: لا شيء له من ذلك إلا أن لا يكون له حيث يفتح له باباً فيكون له المدخل على دار المتصدق وسائر مرافقه، وهو دليل قول أشهب في رسم باع شاة من سماع عيسي من جامع البيوع، وعلى لزوم المرافق في إبهام لفظها إن قال المتصدق: إنما قصدت البيت دون مرافقه، فقيل: لا يصدق، وهو ظاهر هذا السماع، ومعناه إن لم يقم دليل على صدقه كصدقته ببيت يلاصق دار المتصدق عليه.
وقيل: يصدق مع يمينه إلا أن لا يكون له انتفاع بالبيت إلا بالدخول من دار المتصدق.
وهذا يأتي على سماع أصبغ.
ابن رشد: تحصيلها: من تصدق بأرض بها ماء تبعها اتفاقاً.
فإن قال: لم أتصق به، ففي لغو قوله وقبوله بيمينه إن قدر المتصدق عليه على سقيها بغيره، قولان لابن القاسم مع الأخوين وغيرهم.
ولو كان الماء بغير المتصدق بها، أو بمشاع منها ولها شرب منه، ففي بقائه واندراجه قولان.
الأول يأتي على دليل قول أشهب في البيوع، ومعناه: إن قدر على سقيها من غيره أو استغني بها عنه.
وعلى الثاني إن قال: إنما تصدقت بها دونه، ففي قبول قول بيمين سماعاً أصبغ وعيسي ابن القاسم.
ومعني الأول: ما لم تكن لا تستغني عنه بحال.
ومعني الثاني: ما لم تكن بإزاء أرض للمتصدق عليه لها ماء إعمالاً لدلالة الحال.
والبيع إن وقع مبهماً كالصدقة.
وإن ادعيا البيان نطقاً أو في نيتهما، فقال أصبغ: يتحالفان ويتفاسخان كان الماء بها أو خارجاً عنها إلا أن يكون المشتري قبض الأرض، وفوتها بإدخال العين فيها أو بغيره من مفوت فيقبل قوله.
وقول ابن القاسم في هذا السماع: يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يكون الماء

الجزء: 8 - الصفحة: 517

بالأرض أو بغيرها أو ينفرد المشتري بالشبه بأن لا يكون للأرض سقي إلا من ذلك الماء، فيكون القول قوله، فرعي الشبه مع القيام خلاف المشهور.
وألغاه أصبغ، وهو المشهور.
ابن عات عن ابن مزين: وقول الأب لولده: أجعل هنا كرماً أو داراً ففعل وتكرر قوله: هذا كرم أبني، ودار ابن عارية للعرصة لا تمليك لها.
وسمع أصبغ قول ابن القاسم: هذه القرية لابني لغو حتى يصرح بأنها هبة أو صدقة.
ابن رشد: لأن اللام لا تدل على التمليك لقوله صلي الله عليه وسلم: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾.
وفي صدقتها: الثمر المأبور لا يندرج في عطية تمليك الأصول، وفي عتقها الثاني: لا يندرج مال العبد في عطيته.
وقيل: يندرج؛ لأنه بغير عوض كالعتق.
ابن شاس: ركنها الأول الصيغة مع القبول ويستشكل كون القبول ركناً بقول عتقها الأول: من وهب لعبد نفسه أو تصدق به عليه عتق، وإن لم يقبل، ولو قال له: أنت حر إن شئت، لا عتق إلا أن يشاء، فلو كان القبول ركناً في الهبة كان كقوله: أنت حر إن شئت، ويجاب بان هبة العبد نفسه عتق له لا هبة، فهو في الأولى غير معلق على شيء وفي الثانية معلق على أمر فاعتبر.
ومن دليل كونه ركناً سماع يحيي ابن القاسم: إن امتنع مدين من قبول هبة فلا جبر لغرمائه عليه وقبولهم لغو.
ابن عات عن المشاور: من سكت عن قبول صدقة زماناً فله قبولها بعده، فإن طلب غلتها حلف: ما سكت تاركاً لها، وأخذ الغلة.

الجزء: 8 - الصفحة: 518

قلت: فيه مع ركنية القبول نظر إلا على أن بت الخيار موجب بته من يوم عقده.
اللخمي وغيره: هي والصدقة مندوب إليها، والأفضل عطية الصحة، ويستحب كون الصدقة من أنفس ماله وكونها في الأقارب ثم الجيران، وما يرفع الشحناء.
قلت: هذا مع التقارب في الحاجة، وفي ترجيح الأحوج على المحتاج الأصلح نظر قال: وكون المعطي صحيحاً شحيحاً، وأفضلها ما خلف غني.
وفي صحتها بكل ماله رواية محمد وقوله سحنون: إن لم يبق ما يكفيه ردت صدقته، وهو أحسن، وصدقه أبي بكر بكل ماله كانت لاستئلاف الناس للإيمان، وهو حينئذ واجب، والمعروف لزوم العطية بعقدها.
ابن زرقون: قال المازري: للواهب الرجوع في هبته قبل حوزها عند جماعة.
وفي قوله شاذة عندنا، وحكاها الطحاوي عن مالك، ومحكاه ابن خويز منداد عن مالك.
قلت: تقدم في الحبس نقل ابن رشد الاتفاق، وهي لمعين دون يمين، ولا تعليق يقضي بها.
ابن رشد: اتفاقاً، وعلى غير معين كذلك فيها لا يقضي بها.
ابن رشد: في القضاء بها قولان على اختلاف الرواية فيها وعلى معين في يمين أو تعليق فيها لا يقضي بها ابن رشد هذا المشهور.
ولمحمد بن دينار: من تسرر على امرأته، وقد شرط لها إن تسرر عليها فالسرية لها صدقة تامة، وأعتقها بطل عتقه، وكانت لها، وهو خلاف المشهور.
وقول ابن نافع: من شرط لمبتاع سلعة إن خاصمة فهي صدقة عليه، فخاصمه لزمته الصدقة أن حمل اللزوم على القضاء بها فهو مثله.
ابن زروق: لابن نافع: من قال: إن تزوجت عليك فأمتي صدقة عليك قضي عليه بذلك، وقاله ابن دينار.
قلت: هذا خلاف عزو ابن رشد مسألة الأمة لابن دينار ومسألة السلعة لابن نافع وجزمة به خلاف جعله ابن رشد محتملاً.

الجزء: 8 - الصفحة: 519

وفي القضاء بالمعلق بيمين لغير معين: نقل ابن زرقون عن أصبغ والمعروف.
وفي إيجاب دعوى هبة معين يمين الواهب، قول الجلاب، ونقل الباجي عن ظاهر المذهب قائلاً: دعوى المدين هبته رب الدين دينه يوجب يمينه اتفاقاً.
قلت: وكذا من ادعي هبة ما بيده من معين.

باب الموهوب

ابن شاس: الركن الثاني الموهوب: وهو كل مملوك يقبل النقل، وتبعه ابن الحاجب.
فقال ابن عبد السلام: كالدار والثوب ومنافعهما إلا ما لا يقبل كالاستماع بالزوجة، وأما الولد قاله ابن هارون وزاد: وكالشفعة، ورقبة المكاتب، وما زاده حسن؛ لأنهما ماليان.
وكذا الحبس لا تصح هبته: وهو مندرج تحت كل مملوك، ودخول المنافع فيه تدخر العارية، وهو خلاف العرف.
وفيها: ومن وهب مورثه، وهو لا يدري كم هو جاز.
والغرر في الهبة لغير الثواب يجوز بخلاف البيع.
اللخمي: هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويستحب كونهما بعد معرفة قدر العطية خوف الندم.
وفيها: هبة ما جهل قدره من إرث ناجز في لزومها، ثالثها: إن عرف قدر الميراث، ولو جهل نصيبه منه، وإن جهل قدر الميراث لم يلزمه، ولو عرف نصيبه منه لها مع ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 520

رشد عن أشهب وابن عبد الحكم قائلاً: ولو ظهرت كثرتها.
ونقل اللخمي عن ابن القاسم في العتيبة: من تصدق بميراثه، ثم بان أنه خلاف ذلك له رده، وكذا في الواضحة، وابن فتوح عن بعضهم مع ابن رشد عن بعض المتأخرين على معني ما في المدونة.
ابن رشد: وهو تفريق غير صحيح لا وجه له إلا إن شك فيما بين الجزاين ككون الزوج لا يدري إرثه النصف أو الربع، فيكون للتفرقة بين ذلك وبين جهل قدر المال وجه، وهو أن من شك فيما بين الجزأين رضي بهبة أكثرهما فوجب أن يلزمه.
وقال ابن رشد: قول ابن القاسم إنما هو فيمن وهب إرثه من أبيه في مرضه قبل موته.
والصحيح لا فرق بين كونه في مرض موته أو بعد موته.
وعلى الثاني قال اللخمي: إن ظن الموروث داراً معينة بأن أنها دار أخرى أو طرأ مال لم يكن يعلمه حاضراً فله رد الدار والطابي، وإن ظن في الحاضر قدراً بأن أنه أكثر كان شريكاً بالزائد.
وفي عارضة ابن العربي في باب القطاع في جواز هبة المجهول روايتان.
وفيها: من وهب نصيباً من دار لم يسمه.
قيل له: قر بما شئت مما يكون نصيباً.
اللخمي: هذا على مراعاة اللفظ.
وعلى المقصد إن أقر بما يشبه هبه مثله لمثل الموهوب قبل، والإلزام ما يشبه.
وعلى الأول في لزوم حلفه نقلاً ابن أبي زمنين عن أشهب، وابن فتوح عن المذهب.
وسمع عيسي ابن القاسم: من تصدق بإرثه من أبيه إن مات، والأب باق لم يلزمه لجهله قدره.
ابن رشد: أسقط لزومه لجهله قدره لا؛ لأنه وهب ما لم يملك بل ما يملك لتقييده بموته خلاف سماعه أصبغ أنه يلزمه إلا أن يقول: ظننت قلته، ولو علمت هذا القدر

الجزء: 8 - الصفحة: 521

ما وهبته وأشبه قوله فيحلف ولا يلزمه.
وحمل بعضهم سماع أصبغ على أنه بعد موت الأب، وسماع عيسي على أنها قبله.
قال: وهو قولها آخر الوصايا الثاني أن الوارث لا يملك الإرث في مرض مورثه إنما يملك الحجر عليه فيما زاد على الثلث.
ما وهبته وأشبه قوله فيحلف ولا يلزمه.
وحمل بعضهم سماع أصبغ على أنه بعد موت الأب، وسماع عيسي على أنها قبله.
قال: وهو قولها آخر الوصايا الثاني أن الوارث لا يملك الإرث في مرض مورثه إنما يملك فيه الحجر عليه فيما زاد على الثلث.
قال: وفي الموطأ ما يدل على سقوط ما وهبه في مرض مورثه من إرثه منه وكل ذلك غير صحيح، بل في الموطأ أن هبته إرثه في مرض مورثه لأزمة، وليس في المدونة خلافه، ولا في هذا السماع نص على ذلك لاحتمال حمله على أن هبته كانت في صحة مورثه.
وفي الحقيقة لا فرق بين الصحة والمرض ففي لزوم ذلك في المرض والصحة، ثالثها في المرض، وفي التنبيه لابن بشير في كتاب العرايا حكي محمد الإجماع على جواز هبة المجهول، وقال: من لا تحقيق عنده من الملقبين بالفقهاء في هبة المجهول قولان، وهو غلط منه لما روي من الخلاف.
فيمن وهب مجهولاً، وقال ما ظننت هذا المقدار هل له رده أم لا؟ وقول ابن شاس: تصح هبة الآبق والكلب واضح لتقرر الملك، ولغو الغرر في الهبة.
ولو وهبة خمراً فاطلع عليها بعد كونها خلاً فلا نص، ففي اعتبار الهبة يوم عقدها هي للواهب، وعلى اعتبارها يوم الحوز هي للمعطي، والقولان يأتيان.
وفي هبتها: من وهب ما رهنه جاز، وقضي عليه بافتكاكه إن كان ملياً، وإن لم يقم عليه حتى فداه فللموهوب أخذه ما لم يمت الواهب.
بعض شيوخ عبد الحق: إن كان الدين عرضاً لم يجبر المرتهن على قبضه، ولا أخذ رهن غيره.
قلت: يريد: والدين من بيع لا قرض على المشهور.
اللخمي: قيل: في هذا الأصل ليس عليه تعجيل الدين إن حلف ما أراده، فإن تمسك المرتهن برهنه بقي لحلول أجله، فإن كان موسراً قضي الدين وأخذه الموهب له،

الجزء: 8 - الصفحة: 522

وإن كان يجهل أن الهبة لا تصح إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك، ولم يجبر على تعجيله اتفاقاً.
محمد: ولو وهبة قبل حوزه المرتهن، وقبضه الموهوب له فهو أحق إن كان الواهب موسراً، ولم يجعل للمرتهن حقه لتفريطه في حوزه، وإن كان معسراً فالمرتهن أحق به.
ولو قاما قبل حوزه أحدهما، فإن كان موسراً فالموهوب أحق به، وعجل للمرتهن حقه، فإن أعسر بعد ذلك تبعه بحقه، ورآه كمن وهب، ثم وهب، وحازه الثاني أنه أحق.
وقال ابن القاسم في هذا الأصل إن كان الأول أحق، وإن كان الرهن شرطاً في عقد البيع أو القرض كان أبين في حقه في قبضه.
وفيها: هبة الدين جائزة إن أشهد بها وجمع بين المدين والموهوب له، ودفع له ذكر الحق، فإن لم يكتب ذكر حق بأن أشهد له، وأحاله عليه فهو قبض، فإن غاب المديان كفي إشهاده، ودفع ذكر الحق وإحالته عليه، وقوبل هبة الدين على غائب بإشهاد به قبض.
المتيطي وابن فتوح عن ابن أبي زمنين: إن أشهد له، ولم يدفع له ذكر الحق، فذلك جائز إن قبل.
قلت: ظاهره، ولو لم يحضر المديان، فإن كان لغيبته فهو كقولها، وإن كان ولو كان حاضراً فهو خلاف قولها فالحاصل إن أشهد له وأحاله على المدين لحضوره، ودفع ذكر الحق كفي اتفاقاً، وإن تعذر كفي الإشهاد والقول في لزوم دفع الذكر الحق إن كان قولان لظاهرها، وظاهر قول ابن أبي زمنين، والأول هو ظاهر الكلام اللخمي، ونص عبد الحق عن بعض شيوخه: إن لم يدفع ذكر الحق للموهوب حتى مات الواهب، بطلت الهبة كدار مغلقة لم يعطه مفتاحا.
ومقتضي قول ابن رشد في سماعي عيسي ابن القاسم فيمن تصدق بدين عليه على غيره فدفعه بعد علمه بالصدقة دون دفع ذكر حقها للمتصدق عليه غرمه للمتصدق عليه؛ لأنه بقبوله إياها دون قبضه ذكر حقها صادر المدين قابضاً له عدم شرطية قبض

الجزء: 8 - الصفحة: 523

ذكر الحق كابن أبي زمنين.
وفيها: قبض هبة المدين ما عليه قبوله.
اللخمي والمتيطي: لو لم يقل الموهوب في عقد الهبة: قبلت حتى مات الواهب، ففي بطلانها قولاً ابن القاسم وأشهب قائلاً: كون الدين عليه حوز له.
قال: ولابن العطار وغيره، من الموثقين عدم ذكر قبض الزوج رسم الصداق في هبة الزوجة إياها، وذكر قبض المدين رسم الدين في هبة ربه إياه، ولا فرق إلا أن يقال: لم يبق بين رب الدين والمدين بعد هبته علقة بخلاف الزوجين.
قلت: بقاء حقها في طلب نفقة الزوجية يوجب تمسكها به.
وقول ابن عبد السلام: اختلف الشيوخ هل دفع ذكر الحق من شروط الصحة أو من شروط الكمال يقتضي شهرة القولين، ولا أعرف الثاني إلا ما مر عن أبن أبي زمنين وابن رشد وابن شاس.

باب الواهب

وابن الحاجب: الواهب من له تبرع.
قلت: ليس التبرع أعرف من الهبة؛ لأن العامي يعرفها دونه، والأولى هو من لا حجر عليه بوجه، فيخرج من أحاط الدين بماله.
في هباتها: من وهب عبداً لثواب فأعتقه أو وهبة أو تصدق به، فإن كان ملياً جاز،

الجزء: 8 - الصفحة: 524

وإلا منع، وإن كانت بدنة فقلدها وأشعرها فللواهب أخذها، ولو ابتاعها ففعل بها هذا حلت قلائدها، وبيعت للمشتري في الثمن.
الباجي عن أصبغ في العتيبة: إن كانت قيمة العطية أكثر من الدين إن بيع جميعها، وإن بيع بقدره قضي عنه للتبعيض بيع جميعها، وكان الفضل للمتصدق ولا للمتصدق عليه كما لو استحقه مستحق.
قلت: هذا قوله في رسم الوصايا.
ابن رشد: اتفاقاً.
وتصح من المريض في ثلثه؛ إذ لا حجر عليه فيه، وتقدم حكم لزوم عقدها.
الموهوب له: من صح ملكه للهبة ولو لم يدم.
فيها: من وهب له من يعتق عليه عتق إن قبله، ولو كان صغيراً أعتق، ولو لم يقبله وليه.
المتيطي: وتجوز الصدقة على الحمل فيملكها إن استهل.
الباجي: وقيل: لا تصح، وتقدم في الحبس عليه، والمذهب وقف تماماً على حوزها.
ابن زروق: روي أبو تمام: عدم وقف الصدقة والحبس على الحوز، ووقف الهبة عليه.

باب الحوز الحكمي في الهبة والصدقة

والحوز حكمي ومعنوي؛ وحسي فعلي الأول حوز الولي لمن في حجره، فيدخل الكبير السفيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 525

فيها: إلا الوالد لولده العبد، ولا الأم لولدها إلا أن تكون عليه وصياً، ومر عمل الموثقين على كتبهم، وتولي الأب قبض هذه الصدقة من نفسه لابنه، واختارها له من نفسه.
وفي كتاب المتيطي: حرمها له من ماله، وأبانها عن ملكه، وصيرها من أملاك ابنه، ثم قال: والإشهاد بصدقته يغني عن الحيازة، وإحضار الشهود لها فيما لا يسكنه الأب، ولا يلبسه.
وكره ابن القاسم كتب أن الأب احتاز ذلك من نفسه بما يجوز به الآباء لأبنائهم، ورأي السكوت عنه أحسن؛ لأن السنة أحكمت أنه الحاكم لهم.
قلت: ونقله ابن عات وفي آخر رهانها مع غيرها، سكني الأب ما أعطاه لصغار بنية يبطل حوزة لهم.
المتيطي: شرط صدقة الأب على صغار بنية بدار سكناه إخلاؤها من نفسه وأهله

الجزء: 8 - الصفحة: 526

وثقله ومعانيتها البنية فارغة من ذلك ويكريها لهم.
ابن عات عن ابن رشد: من تصدق على ابنه الصغير بدار سكناه، فباعها قبل أن يرحل عنها صح الثمن للابن، ولو مات الأب فيها، لأنه مات وهي للمشتري لا لابنه إلا أن يكون باعها لنفسه استرجاعاً للصدقة، وغفل عن ذلك حتى مات، فإن الصدقة تبطل، ولو علم ذلك في صحته فسخ البيع، وردت لولده.
وبيعه بعد خروجه منها محمول على أنه لابنه حتى ينص على استرجاعه فبيعه مردود للولد، ولو كان ميتاً، لأنها كات صدقة ببينونته عنها إلى أن باعها، والثمن للمشتري في مال الأب وحده أم لا، لا شيء في مال الولد، قاله ابن حبيب في الواضحة.
ولو كان حبسها، وهو ساكن بها، ثم رهنها لنفسه قبل أن يرحل منها حتى مات بطل الحبس، وكذا لو باعها بعد أن حبسها قبل أن يرحل منها، ولم يعثر عليه حتى مات، أو مرض، ولو لم يعثر عليه في صحته فسخ بيعه، وصحح حبسه بالحيازة.
قلت: قول ابن رشد هذا هو في رسم أوصى من سماع عيسي من كتاب الحبس أتي به على أنه المذهب، ولم يعزه لأحد، وهو في النوادر لابن حبيب عن أصبغ، ولم يتعقبه ابن عات، وفيه نظر؛ لأن شرط صدقته بدار سكناه ارتحاله فبيعه إياها قبله بيع لها قبل تمامها لولده فيجب كون ثمنها ميراثاً لقول ابن القاسم أول مسألة من كتاب الصدقة: من باع ما تصدق به قبل حوزه المتصدق عليه ومات، الصدق باطلة.
وذكرها الباجي عن الواضحة ل أصبغ، وفي لفظه: لو خرج منها بعد الصدقة، ثم باعها لنفسه، أو استرجاعاً، أو على غير ذلك فالبيع مردود للولد.
ابن زرقون: لا أدري ما يريد بقوله: أو غير ذلك، وهو إذا باعها بيعاً مبهماً فهو جائز، والثمن للابن.
وفي آخر رهونها: من حبس على صغار ولده داراً، أو وهبها لهم، أو تصدق بها عليهم، فحوزه لهم حوز إلا أن يسكنها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها.

الجزء: 8 - الصفحة: 527

وإن سكن من الدار الكبيرة ذات المساكن أقلها، وأكرى لهم باقيها نفد لهم ذلك فيها سكن، ولم يسكن.
ولو سكن الجل وأكرى لهم الأقل بطل الجميع، وكذلك في دور يسكن واحدة هي أقلها أو أكثرها.
بعض شيوخ عبد الحق: إن سكن الأقل صح جميعها، ولو كان الولد كباراً، وإن سكن الأكثر بطل الجميع إن كان الولد صغاراً، أو ما سكنه فقط إن كانوا كباراً.
وقال غيره منهم إن سكن أكثر من النصف بطل الجميع، وفي الأقل يصح الجميع، وإن سكن النصف صح ما لم يسكن وبطل ما سكن.
قال غيره منهم: إن سكن القليل وأبقي الكثير خالياً بطل حتى يكريه لهم؛ لأن تركه منع له فكأنه أبقاه لنفسه.
قلت: عزاه عياض للصقليين.
قال: وهو صحيح في النظر ظاهر من لفظ الكتاب.
قال: وقوله: إذا سكن منها المنزل، وهو ذات منازل فحاز الكبار سائر الدار، وكانوا أصاغر.
ثم قال آخر: إن سكن أقل الحبس جاز ذلك كله، وإن سكن أكثره لم يجز منه شيء.
ظاهرة تسوية الصغار والكبار في حوز الأب الجل وسقط قوله فحاز الكبار سائر الدار من كتاب الرباع، ولم تكن عند ابن عتاب، وصوب سقوطه ابن وضاح.
وثبت عند يحيي قال: فضل: إثباته غلط، لأن من قول ابن القاسم: إن حاز الكبار ما تصدق به عليهم، ولو قل جاز إلا أن يكون قوله هنا: إن حاز الجل بطل الكل على الصغار فقط.
عياض في الموازية له ولأشهب: يبطل الأقل إن سكن الجل كان هو الحائز للصغار أو حوزه لغيره، فأخذ منه بعضهم بطلان الجميع على ظاهر رواية يحيي ونحوه في صدقة العتيبة.
وقال ابنأبي زمنين: لفظ ابنه الكبير ساقط في بعض الروايات يعني في

الجزء: 8 - الصفحة: 528

أول المسألة.
قال: وهو الصحيح على قول ابن القاسم وروايته وبين أصحاب مالك في هذا الأصل تنازع.
عياض: وهو على الخلاف في مراعاة الأتباع.
اللخمي: للأكثر حكم نفسه في حوزه وسكناه، والأقل في الحبس تبع للأكثر عند ابن القاسم وأشهب، وقصر عبد الملك تبعيته للأكثر في الصغار على حوزه بنفسه لحسن نظره، وإن حوزه غيره بطل الأقل بسكناه.
وفي الصدقة تبطل مطلقاً جاز الأكثر، أو حوزه غيره.
وقال سحنون: إن قبض الكبار الأكثر، وسكن الأقل بطل.
ولم خلافاً في صحة محوز الكبار، ولو قل، وعلى قولي ابن القاسم وأشهب: إن حاز للصغار القليل، أو حوزه أجنبي بطل يبطل محوز الكبار إن قل.
وقال أصبغ إن سكن داراً من دور بطلت، ولو قلت.
وصح ما حازه للصغار أو حوزه غيره، ولو قل كل ذلك كحبس منفرد.
والدار الكبيرة إن قل ما سكن منها صح جميعها، وإن كثر صح ما سواه حازه لهم أو حوزه غيره الصغار والكبار فيه سواء، فإن حاز الكبار الأكثر صح الجميع على قول ابن القاسم، ولم يصح على قول عبد يصح حظ الصغار والكبار فيه سواء؛ لأنه يحوز عن الأب، وبطل ما سكنه الأب في جميع هذه الوجوه؛ لأنه الأكثر، وإن سكن الأب بعضاً وحاز بعضاً والكبار بعضاً كل ذلك قريب من السواء صح حظ الصغار من كل الصدقة إلا على قول ابن القاسم؛ لأنه سكن أقل عطيتهم، والأكثر محوز لهم بيده ويد الكبار، ولم يصح للكبار إلا ما حازوه، وبطل ما بيد الأب؛ لأنه الأكثر من صدقتهم، وهو لا يجوز لهم.
وفي آخر سماع عبد الملك: ما حد الذي إن سكنه الأب من الدار حتى مات لم يكن للود فيه صدقة؟

الجزء: 8 - الصفحة: 529

قال: إن سكن الثلث فالصدقة ماضية، وإن سكن أكثر منه فهي باطلة.
ابن رشد: الثلث عند مالك يسير إلا في معاقلة المرأة الرجل، وما تحمله العاقلة والجوائح.
قلت: للشيخ في كتاب الحبس عن أبن حبيب: حد القليل فيما سكنه المتصدق مما تصدق به مما هو أقل من الثلث، وسمعت من يستكثر ذلك.
ابن عات: إن تصدق على ابنه صغيراً أو كبيراً وشرط سكني أمه معه، ولم يكن سكنها الأب بخاص جاز، ولو كانت الأم في العصمة قاله بعد هذا في ورقة سابعة.
قلت: مقتضي قولها في قصر المسافر أن من مر بقرية فيها أهله أتم خلافه، ونحو ما ذكره ابن عات في سماع عيسي صحة حوزة لصغير ولده الدار مع إسكانه بها أمهات أولاده.
ابن رشد: وجعله الأشياخ خلاف ما في سماع يحيي، أن إسكانه بها صغير ولده غير المتصدق عليه يبطل حوزه، ويحتمل أن يفرق بسكني الابن المتصدق عليه مع أمهات أولاده، وسواء كانت أمهات أولاده تحته بملك أو تزويج ما لم يكن ذلك مسكناً له خاصاً يستوطنه.
ابن عات: أنظر لو تصدق على من في حجره بدار سكناه، وألحق بالصدقة جميع ما في الدار، ثم سكنها الأب حتى مات هل تصح الصدقة؛ لأن سكناه بها صار كالنظر لابنه، وكما إذا ألحق بالأملاك الزرع النابت بها، وذكر أن في وثائق ابن العطار جواز ذلك.
قلت: ظاهر الروايات بطلان الصدقة؛ لأنه قادر على أن يخرج ما في الدار لينظر فيه.
وقول الموثقين: استثناؤه سكني بيت معين حياته على أنه ملحق بعد وفاته بصدقة سائرها لا يبطلها.
ويلحق بها إن عاينت البينة إخلاء غير المستثني وضمنت أن قيمته الثلث فأقل تقدم عزوه للمتقدمين وتقريره في كتاب الحبس.

الجزء: 8 - الصفحة: 530

الشيخ لابن حبيب عن الأخوين: لو جعل من يجوز لصغير ولجه ما أعطاهم، وحوزه ذلك ببينه، ثم وجه بيده بعد موته، فهو ميراث، لأنه بتحويزه غيره ألغي حيازته لولده.
ولو أشهد حين رجوعها له أنه لحيازته لهم ففي صحتها مطلقاً أو إن حدث ممن حاز لهم سفه أو سوء ولاية قولاً مطرف وابن الماجشون مع أصبغ.
الباجي: وقولهم وفاق لابن القاسم إلا أنهم شرطوا الإشهاد بأن قبضه للحفظ للابن، وزاد ابن الماجشون: مع ضرورة أخذها.
وفي أجوبة ابن رشد: من أشهد بهبة ما في تابوت بيته مغلقاً لابنته الصغيرة ووجد به بعد موته حلي وثياب هبته باطلة إلا أن يدافع مفتاحه للبينة، وتعاينة مقفلاً.
وفيها: من حبس على صغار بنية وكبارهم ومات قبل حوزهم بطل الجميع.
ابن رشد: اتفاقاً.
ولابن حبيب: اتفق المدنيون والمصريون على أنه إن حاز حظ الأصاغر، ولو بقسمة بعد عقد الحبس صح لهم قاله في سماع عيسي.
وزاد في رسم المكاتب من سماع عيسي: قال فضل: رأيت لابن حبيب هذا في قسمه في عقد الحبس، وسكت عن قسمه بعده.
ابن رشد: وهو القياس؛ لأن قسمه على أبنه الكبير الغائب لغو.
ووجه اعتباره رعي القول بعدم لزوم عقد العطية فقسمه بعده كقسمة فيه.
ومعني قول ابن القاسم فيها؛ لأن الحبس لا يقسم أنه عقد على أن ليس للصغار منه جزء معلوم، وإن مات منهم صغير وكبير فحظه لمن بقي.
ولو كان على ابنين بأعيانهما أحدهما صغير صح حوزه له على قول مالك: من مات منهم رجع حظه للمحبس أو لأقرب الناس منه لا علي أخيه.
قلت: لو كان عليهم صدقة فكذلك.
وروي ابن نافع: وعلى حظ الصغار جائز لهم.
الباجي: القولان بناء على الخلاف في هبة المشاع، ثم قال: من تصدق على ابنه

الجزء: 8 - الصفحة: 531

الصغير أو وهبه نصف غنمه أو عبده أو داره مشاعاً، ففي صحته، وإبطاله نقل القاضي روايتين معناه ترك باقية لنفسه أو جعله في السبيل وحازه حتى مات بالأولى قال ابن القاسم، وهي رواية أشهب، وبالثانية قال أصبغ.
ومن تصدق على ابنه بمائة شاة من غنمه، ولم يعينها بما تعرف به، فعن مالك فيه روايتان في الموازية والعتبية لمالك: لا تجوز.
وبه قال ابن القاسم ومطرف.
قال محمد وابن حبيب: قال أصبغ كان يجيزه، ثم رجع.
زاد في العتيبة: هو وأصحابه.
قال ابن حبيب: وبهذا ابن زرقون، يريد: بالجواز أخذ ابن وهب وابن عبد الحكم وابن الماجشون والمغيرة وابن دينار، واستثني ابن الماجشون العتق والمسكن والملبوس، فإنه يبطل، يريد: إذا لبسه أو سكنه.
قال: ففي صحة حوزه المشاع لابنه الصغير وباقية له أو صدقه على كبير أو في السبيل، ثالثها: إن أبقاه لنفسه أو لنفسه مما صدق على ابنه إلا ليحوز له مقسوماً، فلم يجز مشاعاً، وفي غيره تصدق ليحوز مشاعة.
قال: كذا حصلها ابن رشد، ولو تصدق نصف أرضه مشاعاً على رجل فعمرها معه على الإشاعة، ففي صحته له قولاً ابن القاسم في تفسير ابن مزين وأصبغ.
وفي صحة حوزه لابنه الصغير جزءاً مشاعاً، أو عدداً غير معين ثالث الروايات في الجزء المشاع لا العدد.
قلت: لتحقق قدر المشاع باسمه، وفي العدد إنما هو بتسمية عدد الموهوب من عدد الجملة.
وجوز الأب لصغير ولده ما يعرف بعينه صحيح.
ابن رشد: اتفاقاً.

الجزء: 8 - الصفحة: 532

قال: في سماع ابن القاسم: والذهب والورق وما لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه من كل مكيل وموزون، ولو كان غير مأكول كالكتان، أو غير مكيل ولا موزون، وهو اللؤلؤ والزبرجد في لغو حوزه إياه مطلقاً، وصحته إن طبع عليه بحضرة البينة قولان لسماع ابن القاسم، ورواية مطرف إن صرفها بحضرة البينة، وختم عليها بخاتمة، ورفعها عنده، ووجدت كذلك بعد موته، ولو لم تختم عليها البينة وختمها أحسن مع قول ابن الماجشون ولابن نافع والمدنيين، وقول الموطأ.
وعزا الباجي الأول لابن القاسم، والمصريين وعزا اللخمي الأول لمحمد قال: والتبر ونقار الفضة كالعين يجري على الخلاف.
وكذلك اللؤلؤ والزبرجد والكتان.
قال مالك: والمطوق والسوار كالعرق.
وفي السماع: لو تصدق على ابنه بعبد موصوف في ذمه رجل صح قبضة الأب، أو لم يقبض.
ولو تصدق عليه بدنانير دين على رجل ومات الأب، وهي بيده صحت؛ لأنها قد حيزت لكونها على الغريم.
وكذا لو تصدق عليه بدنانير ووضعها على يدي غيره، ثم أخذه منه لسفره، أو بعد موته؛ لأنها قد حيزت كالدار يحوزها عن السنتين أو السنة، ثم يسكنها ويموت فيها صدقتها ماضية.
وكل صدقة حيزت مدة فهي جائزة.
ابن رشد: لا يشترط في الدنانير الدين بقاؤها على الغريم بعد الصدقة حولاً، لأنه لم يزل محوزاً عنه.
والدنانير التي حوزها غيره كالدار إن قبضها اختياراً من غير عذر سفر، ولا موت قبل الحول بطل حوزها كالدار.
قلت: زاد الباجي أنه إن تسلف الدنانير الدين بعد حوزها لم يبطل لتشبيهها برجوع الدار في لفظ مالك.

الجزء: 8 - الصفحة: 533

وتسلفه ما حازه الأجنبي يبطل حوزه.
وقال الشيخ أبو بكر: لو ختم على المكيل والموزون بعد وضعه في شيء وأشهد صح حوزه له؛ لأنه حينئذ يتميز كالعبد.
قلت: أنظر هل يؤخذ من قوله: يتميز كالعبد أن ركائب الكتان، ومزاود النيلج ونحو ذلك إذا بيعت كذلك على الوزن أنها مما تعرف بعينه يستحقها بائعها في الفلس بالبينة عليها بعد الغيبة عليها ومفارقتها البينة أولى، لأنها من جملة الموزون.
قال: وهذا على قول المدنيين في الدنانير ظاهر.
وعلى قول المصريين يحتمل أن يقوله في كل مكيل وموزون ومعدود ويحتمل أن يفرق بأن الدنانير لا تتعين بالعقد، وهذا يتعين بالعقد اتفاقاً.
ونقل ابن عبد السلام: أن المكيل والموزون كالعرض في الحوز لا بقيد الطبع عليه لا أعرفه إلا قول ابن عات.
قال ابن عتاب: اختلف فيما لا يعرف بعينه إذا وهب الأب واحتازه، ولم يخرجه من يده لغيره.
وفي المدونة لابن القاسم ما يدل على جوازه أنظر ذلك في الثاني لابن سهل.
قلت: لم أجد ما أشار إليه في أحكام ابن سهل؛ فتأمله.
ولو وهب ماله على عبده من كتابه أو دين لابنه الصغير، ففي كونه على العبد حوازاً لا يبطل باقتضائه الأب ثالثها في الدين؛ لأنه يحاص به غرماء عبده، لابن رشد عن بعض المتأخرين وغيره وسماع عبد الملك ابن وهب وأشهب.
وسمع عيسي رواية ابن القاسم: كراء الأب ما وهبة لابنه الصغير من ريع حوز، وإن لم يقل أكريت لابني، ولم يخرجه لمن يجوزه له زاد في رسم يدبر من هذا السماع، وفي سماع أصبغ، وإن لم يكتب الكراء باسم ولده.
قال: ومن يكري له إلا أبوه وأنكر قول من قال: لا تجوز إن كتب الأب الكراء باسم نفسه، وعابه ورآه خطأ.
قال: وهو خلاف سنة المسلمين لا أعلم أحداً، قاله من الناس؛ يريد: من

الجزء: 8 - الصفحة: 534

أهل العلم.
ابن رشد: مثله قول مالك في رسم يدبر، ولا أعلم فيه خلافاً في المذهب.
ابن زرقون: ذكر أصحاب الوثائق أن الأب إن قامت البينة فيما تصدق به على ابنه الصغير مما له غلة أنه يستغل، ويدخل الغلة في مصالح نفسه إلى أن مات فصدقته باطلة كالسكني إذا لم يخل الدار حتى مات.
ومثله في المدنية لابن كنانة، وظاهر المدونة خلافه، وأن الصدقة جائزة؛ لأن الكراء إذا كان محمولاً على أنه لابنه، فإنما استنفق مال ابنه.
وهو قول أصبغ في ثمن الدار إذا باعها بعد أن حازها الأب وباعها بيعاً مبهماً أن ثمنها للابن في حياته وموته.
وفي حوزه حبسه على ابنه الصغير زيادة مذكورة في الحبس.
ولأصبغ في رسم الوصايا: من أشهد في صحته أنه اشتري هذه الدار لابنه من مال ابنه وأنه يكريها له فهو تلويج تورث عن الأب؛ لأنه لم يتصدق عليه إنما زعم أنه مال لابنه، ولم يعرف له مال من وجه.
ابن رشد: وجعله بعضهم خلاف سماع ابن القاسم: من أشهد في غلام أنه اشتراه لابنه الصغير، ثم مات الأب أنه للابن غير صحيح؛ لأنه في هذه إنما اشتراه من مال الابن فإن لم يكن له مال كان توليجاً، ولم يقل في سماع ابن القاسم أنه من مال ابنه بل اشتراه بمال وهبه لابنه.
وسمع يحيي ابن القاسم: الحوز في صدقة السيد على أم ولده كصدقته على زوجته.
ابن رشد: قولها؛ لأن من تصدق بصدقة على غيره أو وهبة هبة لا يكون الواهب جائزاً له إلا أن يكون والداً أو وصياً أو من يجوز أمره عليه في قول مالك يدل على صحة حوز السيد لأم ولده وعبده الأكبر ما أعطاه إياهما كابنه؛ إذ لا أحد أجوز أمراً على أحد من السيد عليهما؛ إذ له انتزاع أموالهما فتحجيره عليهما أقوي من الأب.
ووجه ما في السماع أن جواز انتزاع المال يضعف حوزه لهما؛ لأنه منه لهما يشبه الانتزاع.

الجزء: 8 - الصفحة: 535

فسماع يحيى أظهر.
واستجب أبو عمر الإشبيلي العمل به، فإن عمل بما في المدونة مضي، ولم يرد.
قلت: أخذه الأول من المدونة عزاه الباجي لابن العطار، ولم يتعقبه.
وما حكاه عن أبي عمر هو في أحكام ابن سهل.
الباجي: حوز المعطي للمعطي الصغير ما أعطاه خاص بالأب ووصيه والسلطان ومقدمه.
رواه أشهب وقاله ابن القاسم.
ولابن حبيب عن الأخوين: الأم في ولدها اليتيم كالأب، وكذا من ولي صبياً احتساباً من أجنبي أو قريب قبل إعطائه ذلك.
وليحيي عن ابن وهب: الحوز له خاص بالأب والوصي والأم.
والأجداد كالأب في عدمه والجدات كالأم في عدمها إذا كان في حجر أحد من هؤلاء.
ابن رشد: في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا: كل من ولي يتيماً من قريب أو بعيد يجوز له ما وهبه له، ومثله من بيده اللقيط رواه ابن غانم.
ونحوه قولها: تجوز مقاسمة ملتقط اللقيط عليه.
وقول نكاحها الأول: الحاضر والمربي في حياة الأب كوكيلة في تزويج ابنته المحضونة.
قلت: إن كان ما ذكره ابن رشد خاصاً دون الأم إذا لم يكن الصغير في حضانتها كان قولاً رابعاً، وهو مقتضي قولها عندي لنصها على لغو حوز الأم، وإجازتها بمقاسمة ملتقط اللقيط، ففي قصر حوز المعطي عطيته لصغير على الأب ووصية والسلطان ومقدمة، وعليهم مع الأم وكل من وليه، ثالثها: هذا بشط كونه جداً في عدم الأب أو جدة في عدم الأم، ورابعها: الأول مع من وليه السلطان مطلقاً للمشهور مع رواية أشهب وابن حبيب عن الأخوين وسماع يحيي ابن وهب وابن رشد عن سماع عيسي مع دليل قولها في القسم والنكاح الأول.

الجزء: 8 - الصفحة: 536

الباجي عن ابن العطار: إن وهب أحد الوصيين يتيماً لم يجز حوزه له.
وقيل: يجوز.
قلت: الأظهر هذا إن رضي الثاني، وإلا فالأول وفيها: مع غيرها: السفيه كالصغير وحده فيهما الرشد به يبطل حوزه لهما.
ابن عات: في الاستغناء عن ابن عيشون: إنما يبطل به إن علم المعطي بالعطية، وإلا فالأول، وقيل: لا يبطل بحال وهو أحسن.
ولو حاز السفيه لنفسه، ففي بطلان حوزه وإعماله نقل المتيطي عن وثائق الباجي ومحمد مع سحنون ومطرف وقول ابن الحاجب متبعاً.
ابن شاس: شرط استقرارها الحوز كالصدقة إلا في صدقة أب على صغيره، وعلى ذلك علماء المدينة تركه خير من ذكره لاقتضائه العموم في كل عطية من عين، أو مثلي، أو مسكن، وإبهام قصره على الصدقة، والصغير دون السفيه، والأب دون وصية، والقاضي ومقدمة فيوقع الناظر في خطأ فاحش لأجل هذا، ونحوه طرحه كذلك كثير من متقدمي الشيوخ ومتأخريهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 537

باب التحويز

والمذهب: لغو التحويز في الحوز في هباتها إن قبض الموهوب له الهبة بغير إذن الواهب؛ جاز قبضه؛ إذ يقضى عليه بذلك إن منعه.
وقول ابن عبد السلام: يشترط إذن الواهب على القول الشاذ بعدم لزوم الهبة بالعقد هو مفهوم تعليلها.
وقوله: ولا يبعد تخريجه على المشهور من افتقاره في الرهن؛ لإذن الراهن يرد بقوة بقاء ملك الراهن.
وشرط الحوز كونه في صحة المعطي وعقله، في عتقها الثاني، والحمالة، والهبات منها: ما أقر به المريض أنه فعله في صحته، فلم يقم عليه المقر لهم حتى مات أو مرض؛ فلا شيء لهم.
وإن كانت لهم بينة إلا العتق والكفالة إن قامت به بينة.
وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدقت بعبد أو غيره في صحتها، فذهب عقلها قبل حوزه؛ فحوزه باطل كموتها.
ابن رُشْد: هو كالمريض رجوع عقلها كصحتها، ومثله سمعه أَصْبَغ.
قُلتُ: لم يحك هو والباجي خلافًا في ذلك.
ورأيت لابن حارث ما نصه بعد ذكره هذا السماع: وقال سَحنون وابن عبد الحَكم: يقضى عليه بدفع الصدقة، وهو كالصحيح.
ابن حارث: إن كانت حالته بما عرض له حالة مريض؛ لم يقض عليه بالدفع، وإلا قضي عليه.

الجزء: 9 - الصفحة: 5

قُلتُ: هذا هو قول سَحنون، وابن عبد الحَكم.
وفي السماع المذكور: لا يحاص بها الورثة أهل الوصايا كما يحاصوا بالوصيَّة لوارث.
ابن رُشْد: لأنه لم يرد كونها من الثلث، وفي الوصيَّة: للوارث إرادة.
وفي دخول الوصايا فيها سمَاع عيسى ابن القاسم في الوصايا، وهذا السماع مع الموطأ، ورواية ابن وَهْب بناء على ترجيح دلالة عدم تحويزه في صحته على علمه ببقائها على دلالة تحويزه في مرضه على إتمام فعل صحته؛ ليكون من رأس ماله أو العكس، وإحالة الدين بماله قبل العطَّية يبلطها اتفاقاً كما مر.
وفي كون إحاطته بعدها قبل حوزها كذلك، وصحة حوزها حينئذ نقلا الباجي عن الأخوين وأصبغ قال: بناء على اعتبار يوم الحوز أو العقد.
ولو نازع كبيرًا حاز عطية من له دين على معطيها، وجهل كونه قبلها؛ لم يردها.
ابن رشد: اتفاقًا.
ولو نازع في عطية صغير حوزها حوز الأب إياها، وجهل كونه قبلها، ففي صحتها وتقديم الدين عليها قولا أصبغ مع الأخوين وابن القاسم فيها، وصوبه ابن رشد وقال: في اعتبار تاريخ أحدها مع خلو الآخر عنه ولغوه قولا مالك مع أصحابه غير المغيرة وابن القاسم معه، فعلى هذا في تقديم العطية على الدين مطلقًا، أو ما لم يؤرخ الدين، فيقدم عليها، ثالثها: الدين مقدم مطلقًا، ورابعها: ما لم تؤرخ الصدقة فتقدم، ويتخرج في الصدقة على الكبير تقديمها مطلقًا، وتقديمها ما لم يؤرخ الدين فيقدم.
وفيها: إن تأخر الحوز لموت الواهب؛ لخصومته بإنكاره إياها قضي بها إن عدلت بينة الموهوب له.
الباجي: قاله مطرف وأصبغ، وقال ابن الماجشون: تبطل.
ولابن القاسم: إن وقف القاضي العطية؛ لينظر في حجتهما؛ قضي بها.
أشهب: إن منعها من الواهب، فرفع حكمه عنها؛ قضي بما يثبت عنده كما يقضي

الجزء: 9 - الصفحة: 6

به في حياته، وإن لم يمنعه منها؛ بطلت.
قلت: فالأقوال ثلاثة عزوها بين، وعزا عياض الأولين لمالك.
وفيها مع غيرها: العارية والقرض كالهبة في الحوز والحبس تقدم، وما حيز في مرض موت معطيه في بلاطنه وصحة ثلثه للمعطى، ثالثها: جميعه من الثلث لها مع سماع عيسى ابن القاسم: في الجنون، والباجي مع اللخمي عن أشهب، وتخريجه من قولها: يقوم على المريض في ثلثه؛ لعتقه حظه في صحته، ويرد بتشوف الشرع للحرية، ولم يحك ابن رشد فيه خلافًا.
وتبع ابن عبد السلام الصقلي في قبوله قول محمد إثر نقله قول أشهب يعني: أنه لم يدع غيرها مع أن في كلاه، ولا أرى قول من قال بحوز جميعها من الثلث، ولا قول من قال: يبطل جميعها.
محمد: أظن جوابه: أنه لم يدع غيرها؛ فلذا قال: ثلثها.
وقول محمد هذا وقبوله وهم لقول أشهب: ولا أرى قول من قال: تجوز كلها من الثلث.
الباجي: إذا حجر على المفلس؛ بطل حوز عطيته في ملائه.
قال أصبغ في العتبية: إن زادت قيمة العبد الموهوب على الدين إن بيع جميعه، وإن بيع بقدره قصر عنه للتبعيض بيع جميعه، وما فضل عن الدين للواهب لا للموهوب لها، كما لو استحق؛ لأن الغرماء استحقوه.
الشيخ: لو ثبت رهن أو هبة في الصحة، ووجد ذلك بيد حائزة بعد موت ربه، ففي قبول قول حائزه إن حازه في صحة ربه قولا أصبح مع مطرف وابن حبيب مع ابن الماجشون.
قلت: وقيل بالأول في الهبة، وبالثاني في الرهن.
وفي نوازل ابن الحاج قولا مطرف وابن الماجشون قائمان من المدونة، وبقاء تصرف المعطي في العطية لنفسه يمنع حوزها الحكمي كالحسي حصل ابن رشد مسألة أطال أصبغ في نوازله كلامه فيها بقوله: الأب في الأرض يتصدق بها على ابنه الصغير؛

الجزء: 9 - الصفحة: 7

محمول على أن تعميره إياها لولده حتى يثبت أنه لنفسه على ما كان يفعله قبل الصدقة.
"وفي الدار يتصدق بها عليه"؛ محمول على أنه كان يسكنها، أو يشغلها بمتاعه وحشمه حتى يثبت إخلاؤه إياها، وأنه لم يكن قبل يسكنها ولا يشغلها.
زاد ابن عات في أحاك ابن زياد: لأبي صالح وابن لبابة وابن وليد: من تصدق على ابنته البكر بنصف دار إلى ناحية بعينها على السواء أن على من ادعى أنها كانت معروفة لسكنى الأب البينة على ذلك؛ قال أبو صالح: هذا قول سلفنا، وقاله سعد بن معاذ، وهو خلاف قول ابن رشد.
قلت: هو من كلام ابن سهيل: إن لم يأت مدعي سكني الأب إلا بشاهد واحد؛ حلفت مع شاهدها على الصدقة، وقاله يحيى بن عبد العزيز.
قلت: في هذا نظر، والصواب: أن يحلف مدعي السكني مع شاهده، وتبطل الصدقة؛ لأنها دعوى في مال قام بها شاهد واحد.
فتأمله.
وفي صحة حول أحد الزوجين يعطي أحدهما الآخر دار سكناهما بسكناهما معًا، ثالثها: في هبة الزوج لابن زرقون عن رواية ابن القاسم، وابن بطال عن رواية أشهب، وسماع عيسى ابن القاسم.
ولم يحك ابن رشد والباجي غيره.
ابن سهل: خاض أهل مجلس ابن زرب في صحة حوز الزوجة دارًا تصدق بها عليها زوجها بسكناها إياها معه فقال جلهم: هو حوز، فأنكره عليهم ابن زرب لوجوب السكنى على الزوج قالوا به: فما تقول؟ فقال: هي مشتبهة، ولم يفصل فيها بشيء، وتوقف عن جوابها.
قال ابن سهل: كذا وقعت فيما جمع من مسائل ابن زرب، وفيه قوة الدليل على عدم الاجتهاد؛ لعزوب هذه عندهم مع نصها في سماع عيسى، فينبغي أن لا يغفل عن درس المسائل فآفة العلم النسيان.
وحكي لنا عن أبي عمر الإشبيلي: أنه كان يقول: لا يبقى مع الحافظ آخر عمره إلا

الجزء: 9 - الصفحة: 8

معرفة مواضع المسائل، وما هي إلا منزلة كبيرة لمن كان بهذه المنزلة في العلم، ولم يكن كما ذكر عن بعض من اتسم بالفتيا أنه طلب باب الحضانة في طلاق السنة، فلم يزل يقلب ورقة حتى لآخره، فلم يجد شيئاً، فرمى بالكتاب في محراب مسجده، وهذا هو الموجود في وقتنا.
الباجي: روى ابن القاسم في الموازية والعتبية: من تصدق على زوجته بخادم معهما في البيت تخدمهما بحال ما كانت؛ فهو جائز.
قال محمد عن ابن القاسم وابن عبد الحكم: وكذا متاع البيت وبه أقول.
وروى أشهب في الكتابين: أن هذا إلى الضعف، وما هو ببين.
وكذا هبتها إياه خادمًا أو متاعًا بالبيت أقام بأيديهما؛ هو ضعيف.
ابن زرقون: في صحة حوز الزوجة الصدقة والرهن من زوجها على هذا الوجه، ثالثها: في الصدقة لسحنون قائلاً: ذلك في الرهن، فأحرى الصدقة.
وسماع ابن القاسم في كتاب الرهن مع سماع أشهب، وسماع أصبغ ابن القاسم في الرهن وكذا في حوز الزوج إياهما منها لرواية أشهب؛ لأن أيديهما معًا على الخادم.
والأظهر الفرق بين كونها واهبةً، أو راهنةً، أو وهبها أو رهنها؛ لاتفاقهم أن القول قول الزوج في اختلافهم في متاع البيت مما يكون للرجال والنساء.
وقد قيل: القول قوله فيما يعرف للنساء، وأنه لا يد لها معه.
قلت: كله كلام ابن رشد في البيان.
الباجي: وأما ما يستعمل منفردًا، فسمع أشهب: نحلة الأم ابنها الصغير عبد خراج ماتت قبل حوزه الأب باطلة.
ولو كان عبد خدمة يختلف معه، ويقوم في حوائجه كان حوزًا.
وكذا نحلة الأب إياه اختلافه معه، وخدمته له حوز، وإن خدم الأب مع الغلام إلى موت الأب.
قلت: كذا نقل ابن زرقون بلفظ: وإن خدم الأب مع الغلام، فظاهره: أنه لا يضر خدمته الأب مع خدمته الولد.

الجزء: 9 - الصفحة: 9

ولفظها في العتبية: وكذا الرجل ينحل ولده الغلام يكون معه يخدمه، ويختلف معه للكتاب، وهو في ذلك مع أبيه، فيكون ذلك له حوزًا وله حائزًا.
ابن رشد في الموازية بإثر المسألة: قال ابن القاسم وأشهب: إن لم تكن الأم وصيًا؛ فليست حيازتها حيازة بحال، فلم يراع في السماع كون العبد مع الأم في منزل واحد، ورأى الصبي هو الحائز له باختدامه إياه، وراعاه ابن القاسم وأشهب، وغلباه على اختدام الصبي إياه، فجعلاها الحائزة دونه، فلم يجيزا حيازتها له إلا أن تكون وصيًا، وهو الأظهر؛ لأنه إنما يختدمه، ويتصرف له بأمرها ونظرها.
ولو كان كبيرًا سفيهًا؛ كان قول مالك في السماع أظهر؛ لأن يدها مع السفيه الكبير أضعف منها مع الصغير، ولو انفرد الصغير بالسكنى عن الأم؛ كان حائزاً له باختدامه قولاً واحدًا، وكذا لو انفرد الكبير.
ولو كان الأب ساكنًا مع الأم، كان هو الحائز باتفاق.
قلت: هذا على صحة قبض الصغير لنفسه، وتقدم في صحة حوز السفيه نقلا المتيطي عن محمد مع سحنون ومطرف والباجي في وثائقه.
وللمتيطي في أثناء فصول الصدقات والهبات في مسائل ابن القاسم: ابن الكاتب: حوز الصغير الذي يعقل أمره ما وهب له؛ جائز.
وقاله اللؤلؤي في مسائل الشعبي.
ولو حوز الأب صدقته على ابنه الصغير أجنبيًا، ففي صحة حوز له قولا محمد وأشهب مع ابن القاسم.
ورجوع العطية لربها بعد حوزها منه عن قريب يبطلها: الباجي عن ابن حبيب: اتفق عليه أصحابنا.
ابن سهل: سأل ابن دحون القاضي ابن زرب عمن وهب دارًا ثم أعمر فيها واهبها بعد مدة يسيرة لا تكون حيازة، فأراد رد العمرى خوف بطلان هبته، فأطرق حينًا، ثم قال: إن كان ممن يرى أنه يجهل بطلان هبته بذلك؛ فله ذلك، وإلا فلا.
قال: والمسائل إنما هي بتكرار درسها.
شاهدت اللؤلؤي أفتى في استبراء امرأة

الجزء: 9 - الصفحة: 10

فاسدة باستبرائها بحيضه؛ فقلت له بعد ذهاب السائل: إنما استبراء الحرائر بثلاث، فرد السائل، ومحى جوابه، وأجاب بالصواب.
وقال في وصية بخدمة فتى لزوجته: فإن شاح الورثة في خدمته؛ فهو حر، فقلت له: هذا لا يجوز، فأتيته بالرواية فيه فتذكرها، وأصلح ذلك، فقال له ابن جني: هذا عجيب مثل اللؤلؤي يغلظ في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين نسيت ما هو أقرب من هذا، فكيف بشيخ بعد عهده بالدرس.
قلت: إبطاله العمرى بجهل الموهوب له بطلان هبته بها، فيه نظر.
والأظهر نزعها من يد الواهب، وإكراؤها من غيره تبرع؛ لإتمام الحوز في الهبة كقولها في مدبر الذمي: يسلم أنه ينزع من يده، ويؤاجر عليه، وكذا أم ولده في أحد قولي مالك، ولا يبطل ذلك الحوز للموهوب له كمؤاجرة الرهن لراهنه مع صحة حوزه فتأمله.
ويؤخذ من قوله: لو تركت الدرس عامين أنه ينبغي لمن يلي الفتوى أن لا يترك ختم التهذيب مرة في العام، وكذا كنت أفهم ممن ذكر لي عن بعض شيوخنا.
وفي بطلانها بموت المعطي وهي في حوزه برجوعها إليه اختيارًا بعد مدة طويلة نقلا الباجي عن الأخوين، ورواية محمد عن أصحاب مالك.
زاد الصقلي عن الأخوين: وكذا لو كتب المعطي كتابًا أنه أسكنه إياها أو أكراها منه مدة بعد أن حازها المعطي زمانًا طويلاً، فلم يسكنها المعطي حتى مات؛ فهي باطلة كما لو سكنها.
قلت: ظاهرة: ولو كان المعطي ساكنًا بها، والأظهر تقييده بعدم سكناها إياها والمدة الطويلة.
قال الباجي: وروى محمد عن مالك وأصحابه: هي سنة.
قلت: وفي سماع عيسى في رسم استأذن السنتان أو السنة، وفي رسم أو وصى السنة أو ما أشبهها، وقول ابن عبد السلام: وربما وقع في بعض الروايات: سنتان ظاهره أنه وقع مستقلاً، ولا أعرفه إلا مقرونًا بقوله: أو سنة حسبما تقدم.

الجزء: 9 - الصفحة: 11

الباجي: ولغو الرجوع بعد طول الحيازة؛ إنما هو فيمن يحوز لنفسه، ولو كان صغيرًا؛ حاز عليه الأب أو غيره، ثم رجع الأب إليها قبل حوز الولد لنفسه بكبره سنة؛ لبطلت.
محمد: اتفاقًا.
الباجي عن محمد: لو اختفى الواهب؛ لخوفه عند من وهبه دارًا، فمان بها أو أضافه، فمات بها؛ لم يبطل حوزها.
قال: وزاد ابن حبيب عن الأخوين: ولو كان بعد حوز الموهوب له بيوم.
قلت: قال ابن حارث: اتفاقًا.
قال: وكذلك الزيارة.
***** (ص 12) ما وهبه قبل حوزه الموهوب له، ففي مضيه، ورده للموهوب له إن لم يمت الواهب، ثالثها: إن علم الموهوب، ولم يحز حتى بيع نفد، والثمن له.
وإن لم يعلم والمبيع للموهوب له ما لم يمت الواهب.
الباجي عن ابن القاسم مع أشهب، وأبي زيد عن ابن القاسم ومالك فيها.
وعلى الأول في كون الثمن للبائع أو للموهوب له قولا ابن عبد الحكم مع أشهب ومطرف: إن كان الواهب حيًا.
وعلى الثاني قال ابن القاسم: إنما يرد إن كان المعطى معينًا؛ لأنه يقضي له به، وإلا فلا لعدم القضاء به ككونه للسبيل.
الباجي عن مطرف: ولو كان المعطى غائباً فقدم والواهب حي؛ خير في رد البيع وأخذ الثمن، ورواه ابن حبيب والعتبي عن ابن القاسم.
ابن رشد: في رسم الوصايا من سماع أصبغ في كون المبتاع أحق من الموهوب له بالمبيع وعكسه: إن لم يفرط الموهوب له في حوزه، فإن فرط؛ فله الثمن.
ثالثها: وإن فرط؛ فلا شيء له.
واربعها: إن لم يمض وقت يمكن فيه الحوز؛ فهو أحق بالمبيع، وإلا فله الثمن.
وخامسها: وإلا فلا شيء له لأشهب فيها، ولها، وهذا السماع والأخيران مخرجان

الجزء: 9 - الصفحة: 12

على قولي المخزومي في العتق.
الصقلي: لو علم الموهوب له، فغاضبه الواهب بالبيع؛ فله نقض البيع.
ابن فتوح: إن ادعى عليه العلم؛ حلف، فإن نكل؛ حلف المبتاع وتم البيع.
ولو ادعى المبتاع فيما ثبت من الصدقة مدفعًا وعجز عنه؛ فلا رجوع له على البائع بشيء من الثمن لإقراره أنه إنما باعه ملكه، والمتصدق عليه ظلمه.
قلت: في هذا الأصل اختلاف مذكور في إقرار المستحق من يده ما ابتاعه لصحة ملك بائعه، ولو أعطى ما وهب قبل حوزه الموهوب له، وحازه الثاني، ففي رده للأول ومضيه للثاني، ثالثها: إن فرط في الحوز؛ فالثاني أحق وإلا فالأول أحق به أو بقيمته إن فات للباجي عن ابن القاسم، ومحمد مع الغير فيها، وأصبغ في العتبية.
ابن رشد: في كون الأول أحق، ولو فرط حتى قبض الثاني أو الثاني إن قبض، ولو لم يفرط الأول، ثالثها: الفرق بين أن يعلم، فيفرط أو لا يعلم، ورابعها: الفرق بين مضي وقت يمكنه فيه القبض إن علم، أو لا يمضي ما يمكن فيه ذلك لظاهر قولي ابن القاسم وأشهب فيها، ولم يعز الأخيرين لدلالة متقدم كلامه على أنهما لأصبغ والمغيرة.
ولو أعتق الأمة أو أولدها معطيها قبل حوزها المعطي، ففي مضي فعله، ورد عتقه وعزمه القيمة في الإيلاد نقلا الباجي عن ابن القاسم وابن وهب.
ابن رشد: في سماع محمد بن خالد في كون العتق أحق مطلقًا، ولو لم يعلم المتصدق عليه بالصدقة أو الصدقة مطلقًا، ثالثها: إن مضى وقت يمكن فيه الحوز لو علم بالصدقة لرواية ابن القاسم، وسماع عبد الملك محتملاُ كونه من ابن القاسم أو ابن وهب والمغيرة، ورابعها: ما اخترته من أن الصدقة أحق إلا أن يفرط المتصدق عليه في الحوز.
قال: ولو أحبل الأمة من تصدق بها قبل حوزها عنه؛ كان كعتقه إياها على أن الصدقة أحق من العتق يكون للمتصدق عليه أخذها، وقيمة ولدها أو قيمتها يوم أحبلها دون قيمة ولدها على اختلاف قول مالك في ذلك، وعلى أن العتق أحق تكون أن ولد لمن تصدق بها.

الجزء: 9 - الصفحة: 13

وفي غرمه قيمتها سماع عبد الملك ابن وهب مع قوله في هذا السماع: لعل ذلك أن يكون.
وسماع أصبغ ابن القاسم مع قوله: أنه كالعتق، والصحيح الأول؛ لأنه أفاتها بما له فيه استمتاع.
قال في سماع أصبغ: والتدبير لأجل والكتابة والعتق كالإيلاد، سواء قيل: الصدقة أحق وقيل: العكس، ولا شيء للمتصدق عليه، وقيل: له القيمة، ويدخل فيه القولان بالتفريق بين تفريط المتصدق عليه، وعدم تفريطه، وبين مضي مدة ما يمكن فيه الحوز وعدمه.
ولو قتل العبد واهبه غرم قيمته اتفاقًا.
ولو قال: نصف عبدي صدقة على فلان ونصفه حر، ففي تقديم الصدقة عليه وعتق جميعه دون تقويم قولا ابن القاسم في سماع يحيى راجعًا للثاني.
وعلى الأول في غرمه نصف قيمته، أو قيمة نصفه قولان لسماع عبد الملك ابن القاسم، مع الآتى على أصل المذهب، وسماعه يحيى، مع قولها في الجنايات، والغير في أمهات الأولاد منها: ولو بدأ بالعتق قبل الصدقة؛ فلابن القاسم في سماع يحيى: يعتق دون تقويم.
ابن رشد: هذا القول بالسراية، وعلى المشهور يقوم عليه، قال: ففي بطلان الصدقة مطلقًا، وتقويمها، ثالثها: إن تقدم العتق كل هذا على وجوب العتق والصدقة بنفس تمام اللفظ على قولها في: أنت طالق ثلاثًا، وأنت علي ظهر أمي أن الظهار لا يلزمه، وعلى أنهما لا يجبان بنفس تمامه؛ بل بسكوته سكوتًا يستقران به، وهو الصحيح على ما في الأيمان بالطلاق منها في القائل قبل البناء: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أنها ثلاث إلا أن يريد التأكيد، فسواء قدم العتق أو أخره يلزمه تقويم الصدقة وهبة المغصوب جائزة بخلاف بيعه.
اللخمي: إن قبض الموهوب له في حياة الواهب؛ صح، وإن لم يأخذه حتى فلس أو مات، ففي بطلانها قولا ابن القاسم ومحمد مع أشهب قائلاً: ليس فيها حوز

الجزء: 9 - الصفحة: 14

غير هذا.
محمد: لأن الغاصب ضامن؛ فهو كدين.
اللخمي: الأول أحسن؛ لأنه إنما وهبه نفس المغصوب لا قيمته.
وعزا الصقلي لسحنون مثل قول محمد قال: وأنكره يحيى.
وفيها: قول المودع في هبته الوديعة: قبلت، حوز.
ولو كانت ببلد آخر، ولو تأخر قبوله لموت واهبها، ففي بطلانها وصحتها قولا ابن القاسم وغيره فيها، وهو في الموازية لأشهب.
الباجي والصقلي عنه: إلا أن يقول: لا أقبل.
الباجي عن محمد: وهو أحب إلي؛ لأنها بيد المعطى، فتأخر القبول لا يمنع صحتها كمن وهبته هبة، فلم يقل: قبلت، وقبضها لينظر رأيه، فمات المعطي فهي ماضية إن رضيها، وله ردها.
وكمن بعض بهبته لرجل وأشهد، فلم يصل حتى مات المعطي؛ فله قبولها، وتكون من رأس ماله وله ردها.
ابن الحاجب: وفي هبة المودع: لم يقل: قبلت حتى مت الواهب قولان، وكذا من وهب له، فقبض ليتروى ثم مات الواهب، ونحوه لابن شاس.
فظاهره: دخول القولين في مسألة التروي، وظاهره سياقها.
الباجي عن محمد: محتجًا بها على ترجيح قول أشهب الاتفاق على صحة قبوله بعد الموت في مسألة التروي.
وفيها: من وهب دينًا له عليك؛ فقولك: قبلت قبض، وإذا قبلت سقط، وإن قلت: لا أقبل بقي الدين بحاله.
قلت: مفهوم قوله أولاً: قولك: قبلت مناف لمفهوم قوله أخيرًا.
إن قلت: لا أقبل؛ بقي الدين بحاله في حالة السكوت.
ولما ذكر ابن رشد قولي ابن القاسم وأشهب في رسم الوصية من سماع القرينين.
وعزا لسحنون قول أشهب قال: وإن مات المتصدق قبل علم المتصدق عليه،

الجزء: 9 - الصفحة: 15

فقول مالك في هذا السماع: أن ذلك جائز له إن كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونه ذلك شذوذ؛ لأنه يقتضي أن هبة المال لا تفتقر لقبول، وتجب بنفس الهبة حتى لو مات الموهوب له قبل علمه ورثت عنه ولم يكن لوارثه ردها إلا على وجه الهبة إن قبل ذلك الواهب، وهو بعيد إنما يصح ذلك في الحرية إذا قال لعبده: وهبت لك نفسك؛ فهو حر، وإن لم يقبل قاله في العتق منها.
ولو لم يعلم الموهوب له بالهبة حتى مات الواهب؛ بطلت الهبة اتفاقًا؛ لافتقارها للحوز إلا على هذا السماع الشاذ.
ومن وهب شيئًا لغائب، وجعله له على يدس من يحوزه له؛ صح.
ولو لم يعلم حتى مات الواهب بخلاف ما إذا كان الموهوب بيد الموهوب له الغائب؛ لأنه إذا كان بيده بإذن الواهب، فكأنه في يد الواهب حتى يعلم بالهبة، فيكون يعلمه بها جائزًا لنفسه.
واختلف في الوصية قيل: تجب للموصى له بموت الموصي مع القبول بعد الموت وهو المشهور، وقيل: بموت الموصي دون القبول؛ فعليه إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل علمه، وجبت الوصية لورثته، ولو لم يكن لهم تركها إلا هبة لورثة الموصى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدقت عليه امرأته بمهرها، وكان لها به كتاب، ثم سخط فرد عليها الكتاب بعد أيام، فقبلت بشهود، ثم مات؛ لا شيء لها في المهر كصدقة لها لم تقبضها.
ومن وهب وديعة لغير مودعها، ولم يأمره بحوزها له، ففي صحة حوزها له بمجرد كونها بيده، أو بشرط علمه بالصدقة بها، ثالثها: بعلمه ورضاه بالحيازة لابن رشد في رسم العشور من سماع عيسى عن المدونة، وابن القاسم في نوازل سحنون مع سماعه إياه في كتاب الوديعة، والتخريج على رهن فضله الرهن إلا أن يفرق بقوة حوز الرهن، وإنما يصح حوزه على الأولين إن قبل الموهوب له في حياة الواهب.
ولو لم يعلم قبوله حتى مات؛ فلا شيء له، ولا شيء على المودع في ردها لربها قبل قول الموهوب له وعلمه بها إن كان غائبًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 16

وإن كان حاضرًا؛ صح حوز المودع له، وإن مات الواهب قبل قوله.
وفي سماع سحنون: لو دفعها المودع بعد علمه بالصدقة لربها؛ ضمنها للمتصدق عليه.
الباجي: وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدق على رجل بمائة دينار، وكتب لوكيله يدفعها إليه، فأعطاه خمسين ومات المعطي؛ أنه لا شيء له غير ما قبض، وقاله مطرف.
ابن حبيب وأصبغ: والفرق أن الوكيل نائب عن المعطي.
وفي الموازية في الوديعة: إن جمع بينهما وأشهد؛ صحت.
وكذا لو قال المعطي: دعها لي بيدك.
قلت: مفهوم قوله: وجمع بينهما، كالمخالف لما في سماع سحنون: ولم يأمره بحوزها له.
وقول ابن عبد السلام: في فرق الباجي نظر، يرد بأن للوكيل تصرف فيما بيده للواهب زائدًا على مجرد حفظه، فأشبهت يده يد الواهب والمودع إنما له مجرد الحفظ فلا قياس شبه يلحقه بالواهب.
ولو وهب نصف الوديعة، ورضي المودع بحوزه له، ففي صحته ككل، وبطلانه لبقاء يده للواهب في النصف الثاني، قولان لنقل اللخمي، وعزوه لابن الماجشون قال: والأول أحسن؛ لأنه أمين لهما، وفي صحة حوز مخدم عبدًا رقبته لمن وهبت بمجرد قبضه مطلقًا، أو بشرط كون الإخدام والهبة في عقد واحد قولها، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون.
اللخمي: إن وهب الرقبة بعد انقضاء الخدمة؛ لم يكن قبضه حوزًا، ولو قتل؛ فقيمته لربه، وإن بتل الرقبة من الآن ونفقته على ربه؛ فكذلك.
وإن كانت على الموهوب له؛ فسدت الهبة.
وإن كانت على المخدم صار كالمغصوب لرفع يد الواهب عنه، فإن رضي المخدم بحوزه له؛ صح بخلاف ارتهان فضلة الرهن؛ لأن المرتهن حقه في الرهن، وثمنه

الجزء: 9 - الصفحة: 17

والمخدم حقه في منافعه.
وما لا نفقة فيه كالدار والثوب إن رضي معطي المنفعة حوزه له؛ صح، وإلا فلا.
قلت: ففي صحة حوز المخدم عطية الرقبة مطلقًا أو بشرط كون الإعطاءين في عقد.
ثالثها: بشرط كون النفقة على المخدم، ورضاه بالحوز.
وفيما لا نفقة فيه بمجرد رضاه وعزوها واضح.
وفي نوازل سحنون: من أعطى رجلاً غلة كرمه سنين معلومة أو سكنى داره كذلك، ثم تصدق بالرقبة على ابن له صغير، فقبض الرجل ذلك حوز للصغير، ولو لم يصرح الأب بجعله جائزًا له، وتصريحه أحسن.
ابن رشد: إن كان ذلك في عقد واحد؛ فهو حوز اتفاقًا.
وإن تقدم الإسكان والإخدام في العبد؛ ففي كونه كذلك قولان لها، ولغيرها بناء على اقتضاء ذي المنفعة على ملك المتصدق عليه، أو على ملك المتصدق، وعليها لو جنى على العبد جناية في كون أرشها للمتصدق أو للمتصدق عليه.
والمستعير كالمخدم وقال التونسي: لم يشترط ابن القاسم علم المخدم والمستعير بالصدقة، كما شرط علم المودع؛ لأنهما إنما حازا الرقاب لمنافعها لو قالا: لا تحوز للموهوب لم يلتفت لقولهما إلا أن يبطلا ما لهما من المنافع، ولا يقدران على ذلك؛ لتقدم قبولهما، فصار علمهما غير مفيد، والمودع لو شاء قال: خذ ما أودعتني لا أحوزه لهذا.
وفيها: ليس قبض المرتهن قبضًا للموهوب له؛ لأن للمرتهن حقًا في الرقبة بخلاف المخدم.
ولو وهبته عبدًا أجرته من رجل؛ لم يكن حوز المستأجر حوزًا للموهوب إلا أن يسلم إليه الإجارة الصقلي والباجي عن أشهب قبض: المستأجر حوز كالمودع، ولم يقيد الصقلي قولها: إلا أن يسلم إليه الإجارة بين لوضوحه.
وقال عياض: قالوا: معناه: أن الإجارة لم تقبض، فاقتضاء الموهوب له الإجارة من المستأجر حيازة.

الجزء: 9 - الصفحة: 18

ولو قبض الواهب الإجارة، فسواء دفعها مع الرقبة، أولا؛ لا تكون حوزًا.
ولابن رشد في سماع محمد بن خالد: لو باع المتصدق عليه الصدقة، فمات المتصدق قبل قبضها مبتاعها، فقال الأخوان وعيسى بن دينار وابن حبيب: البيع حوز.
وقال أصبغ: ليس بجوز.
وفي العيوب منها دليل القولين.
قال مطرف: وكذا لو وهبه.
وقال ابن الماجشون: لا تكون الهبة حوزًا؛ لأنها تحتاج إلى حوز بخلاف البيع والعتق.
وقال أصبغ: لا يكون حوزًا إلا العتق.
قلت: عزا الباجي كون البيع حوزًا لرواية ابن وهب.
وفي الصدقة منها: من بعث بهدية أو صلة لغائب، فمات المعطي أو المعطى قبل وصولها، فإن كان أشهد حين بعث بها على إنفاذها؛ فهي للمبعوث إليه أو وارثه، وإن لم يشهد عليها حين بعث بها؛ فهي للباعث أو وارثه.
قلت: في جعل هذا الإشهاد حوزًا للغائب مطلقًا، وإن كان ممن يحوز له الواهب، ثالثها: على أنه أشهد على إعطاء المال، ثم اشترى به الهدية للصقلي عن ظاهرها مع ابن رشد عنه مع سماع ابن القاسم، والصقلي عن يحيى عن ابن القاسم مع ابن رشد عن رواية على بن زياد، والصقلي عن أصحابنا.
وعلل الصقلي الأول بغرر المعطي لغيبته.
وقال ابن رشد: لا لإشكال في مسألة الرسول؛ لأنه حائز للمبعوث إليه.
الصقلي: قول الموازية: إن لم يشهد بذلك إشهادًا؛ إنما كان بذكره للعدول عند الشراء أو غيره، فمن مات منهما أولاً؛ رجع لوارثه أبين من قولها؛ لأن العطية لا تبطل بموت المعطي.
وفي باب آخر منها: إن مات الموهوب له قبل قبض الهبة؛ فلوارثه قبضها، وكذا السيد العبد إن مات قبل قبضه ما وهبه.

الجزء: 9 - الصفحة: 19

عياض: في الموازية لأشهب: كقولها وقالوا: وهذا على غير أصله، ومذهبه المحقق أنه لا يعتبر موت الموهوب له، ووارثه مثله.
وفي الواضحة من مات منهما؛ رجعت لوارثه، وهذا هو الجاري على الأصل المتقدم.
عياض: لعل معنى قوله هنا: أن الباعث قال: إنما أردت بصلتي المبعوث إليه بعينه إن وجد حيًا فيصدق؛ إذ لا يلزمه من المعروف إلا ما أقر به.
وقول ابن الحاجب: المرسل بهدية يموت أحدهما قبل وصولها في المدونة ترجع للمهدي أو ورثته، وعلل بفوت الحوز أو بعدم القبول لا يخفى قصوره وإجماله؛ لأنه إن حمل على حالتي الإشهاد وعدمه؛ لم يصدق، وإن حمل على الثاني فقط؛ صدق، وكان إطلاقًا في محل التقييد وهو مغلطة.
وابن شاس: ذكر لفظ المدونة على وجه لا كإجمال ابن الحاجب.
وفي كون الإشهاد بإعطاء ما تسلفه المعطي من غيره أمرًا له بدفعه للمعطي حوزًا.
ولغوه قولا ابن القاسم وغيره في المديان منها: وصفة الإشهاد الذي جعله حوزًا.
روى أشهب: هو أن يكون أشهدهما إشهادًا.
الصقلي: وكذا روى ابن القاسم فيما اشترى من هدايا الحج لأهله: لانتفع الشهادة حتى يشهدوا أنه أشهدهم.
قال: ولو قالوا: سمعناه يقول: هذا لامرأتي، وهذا لابني؛ لم ينفعه حتى يقولا: أشهدنا على ذلك.
وروى محمد: لو أشهد الباعث أنها هدية لفلان، ثم لب استرجاعها من الرسول قبل أن يخرج؛ فليس له ذلك.
محمد: لو بعث بها مع رجلين أشهدهما إن قال: اشهدا علي؛ فهو على الإنفاذ.
ولابن عبد الحكم عن ابن القاسم: إن قال: ادفعا ذلك إليه، فإني وهبته؛ فهي شهادة، وإن لم يذكر بأي وجه؛ فليس بشيء.
قلت: ففي لغو القبول في ملك المعطي العطية؛ كالإرث وشرطه منه أو من وارثه.

الجزء: 9 - الصفحة: 20

ثالثها: منه فقط لابن رشد عن سماع ابن القاسم، فظاهر قولها في الصدقة، ونصه في هبتها مع معروف المذهب.
وفي كون البعث حوزًا للغائب مشروطًا بالإشهاد عليه، أو بمجرد التصريح للبينة بأنه هبة، قولان لروايتي ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن ابن القاسم.
وفيها: ما اشترى الرجل من هدية لأهله في سفره من كسوة ونحوها، فمات قبل وصوله لبلده إن أشهد على ذلك؛ فهو لمن اشتراه له، وإلا فهو ميراث، فذكر الصقلي فيه ما في هبة الباعث.

باب في الحوز الفعلي في عطية غير الإبن

وحقيقة الحوز في عطية غير الابن رفع تصرف المعطي في العطية تصرف التمكن منه للمعطى أو نائبه كما مر في الحبس.

الجزء: 9 - الصفحة: 21

سمع عيسى ابن القاسم: دفع المتصدق بدار مفتاحها لمن تصدق بها عليه حوز ولو لم يسكنها.
ابن رشد: اتفاقًا.
وقال في آخر رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم: حوز الدار الحاضرة بالقبض أو القفل عليها ووكيله كنفسه.
وإن كانت غائبة؛ ففي كونها كذلك تبطل بموت المعطي، ولو لم يفرط في قبضها أم إن فرط.
ثالثها: إن لم يخرج هو أو وكيله لحوزها قبل موت المعطي، ولو لم يفرط لها ولأشهب وغيره.
قلت: عزا ابن حارث لابن الماجشون.
وزاد عن ابن حبيب: إن جهل هل فرط حمل على التفريط.
ابن رشد: إن أعطيت وقت إمكان عمارتها بحرث أو كراء أو شبهه؛ فهي كالدار حاضرة وغائبة، وإن كانت في وقت لا يمكن فيها ذلك؛ فقبول المعطي حوز إن مات معطيها قبل وقت حيازتها.
وقال مطرف وأصبغ: إن حددها الشهود، وأوقفهم عليها؛ فهو أقوى، وإن لم يوقفهم؛ فهو حوز دون الأول، وإن لم يمت المعطي حتى أتى وقت حوزها، فلم يحزها بالعمل حتى مات معطيها؛ بطلت عطيتها.
قلت: عزاه اللخمي لابن القاسم وقال: القياس ألا تبطل إلا أن يعود يد الواهب بحرز لها بحرث أو غيره.
والبستان كالدار يكفي غلقه: ابن زرقون مع ابن رشد: تفريق ابن القاسم بين

الجزء: 9 - الصفحة: 22

الأرض والدار الغائبتين بإبطاله عطية الدار بموت المعطي قبل قبضها معطاها، ولو لم يفرط وعدم بطلانها في الأرض بعد قبضها قبل موته إن لم يفرط، واكتفائه بالإشهاد فيها اختلاف قول ابن رشد، ورأيت ذلك لابن زرب.
والصدقة بالأرض الغائبة قبل وقت حوزها لا يضر التراخي في الخروج لحوزها إن خرج في وقت يصل فيه قرب إمكان حوزها بالعمل؛ لأنه لو وصل قبل إمكان حوزها؛ لاكتفى في حوزها بالقبول ما لم يأت وقت حوزها.
الباجيي عن أصبغ: إن منع المعطي من العمل؛ لم يبطل حوزه، ويبقى على حال طلبه بحيث يعلم أنه غير تارك للعمل، فإن ضعف عن العمل، وأمكنه الكراء أو السكني فترك؛ بطل حوزه.
وإن عجز عن جميع ذلك؛ كفاه الإشهاد قاله يحيى عن ابن القاسم.
أصبغ: ما لم ينتفع بها معطيها.
الباجي عن ابن الماجشون: حوز الابن يعطي بطلبه والإشهاد.
ولو قبضه بعد موت معطيه؛ لأنه لم يكن بيده كالدين.
وحوز وكيل المعطي على حوزه حوز: ابن حارث: اتفقوا أن حوز الزوج ما وهب لامرأته بتوكيلها إياه على قبضه حوز.
ولو حاز ذلك من غير توكيل ولا إذن؛ ففي صحته لها قولا ابن الماجشون وأصبغ مع ابن القاسم: ومن تصدق بدار على رجلين أحدهما غائب؛ ففي كون قبض الحاضر حوزًا قولان لابن القاسم فيها، وابن حارث عن عبد الملك.
وتحويز المعطي العطية غير معطاها بحضرته مع منعه دفعها له إلا بإذنه يبطلها وإلا بعد موته وصية.
ومع السكت فيها تصح.
وفيها: تبطل.
عياض: قيل: اختلاف، وإليه نحا اللخمي.
وقيل: الأولى: العطية كانت بيد معطيها فأخرجها، والثانية: إنما كانت بيد غاضب.

الجزء: 9 - الصفحة: 23

وفيها: حوز المشاع مما باقيه لغير المعطي بحلول معطاه محل المعطي، ورفع تصرفه فيه، وما باقيه له في شرطه برفع يد المعطي، وصحته بتصرفه مع المعطى كشريكين، ولا يضر استقلال معطيه به في أيام قسمه قولان للخمي عن سحنون، ومحمد مع عياض عن ابن مزين قائلاً: هو قول ابن القاسم وعيسى.
والعطية هبة وصدقة: اللخمي: الهبة ما قصد به وجه المعطي في جواز رجوعها للواهب بغير إرث وكراهته، ثالثها: إن كانت برغبة من الموهوب له للخمي عن رواية محمد، ونقل القاضي عن المذهب، واختيار اللخمي.

باب الاعتصار

والاعتصار ارتجاع المعطي عطيته دون عوض لا بطوع المعطي

باب صيغة الاعتصار

******* ما دل عليه لفظًا

الجزء: 9 - الصفحة: 24

وفي لغو الدلالة عليه التزامًا نقلا ابن عات عن بعض فقهاء الشوري، وابن ورد قال لبعض فقهاء الشوري: من شرط في هبة ابنه الصغير الاعتصار، ثم باعها باسم نفسه ومات، فثمنها للإبن في ماله، وليس ذلك عصرة إلا أن يشهد عند بيعه أو قبله أن بيعه اعتصار، ولا يجوز اعتصارها بعد بيعها، ولا يكون اعتصارًا لا بإشهاد، وفي الاستغناء رأيت لابن ورد ما ظاهره خلاف هذا قال: إن باع الأب مال ابنه ونسبه لنفسه، وأفصح بذلك والمبيع؛ لم يصر للإبن من قبل أبيه بهبة بجوز اعتصارها، فيختلف في ذلك.
والأظهر أنه بيع عداء يتعقبه حكم الاستحقاق.
قلت: بالأول أفتى ابن الحاج في نوازله، والمذهب صحته للأب في هبته ابنه كبيرًا أو صغيرًا.
وفي كون الأم مثله مطلقًا، أو بشرط عدم حوز الأب الهبة قولان لمعروف المذهب، ونقل ابن حارث وغيره عن ابن الماجشون.
قال ابن رشد في نوازل ابن الماجشون: حوز الوصي ولابن الكبير؛ كالأب.
وفي كون الجد والجدة كالأبوين أو الأجنبي؛ فلا يعتصر.
نقل الباجي رواية أشهب مع قول ابن عبد الحكم ورواية ابن وهب، وعزا اللخمي الأول لرواية ابن القاسم.
قلت: هو نص روايتها، ويمنعه رفع ملك الموهوب عن الهبة؛ كتلفها أو خروجها عن ملكه، ولو بغير عوض.

الجزء: 9 - الصفحة: 25

وتغير حال ملكه يعارض معتبر: سمع عيسى ابن القاسم: من نحل ابنته نحلة، فتزوجها رجل عليها، ثم طلقها أو مات عنها.
وهي بيدها؛ لا اعتصار له فيها.
ونقل اللخمي: منع نكاح الابنة الاعتصار بأن النكاح لأجل الهبة كالنزاع.
وفي رسم باع من سماع عيسى: ممن نحل ابنه التاجر المالك ألف دينار ما قدره ثلاثون دينارًا، ثم تزوج وهو ممن لا يزوج لتلك النحلة فيما يرى الناس اعتصار تلك النحلة.
قلت: وظاهر قوله: للأب اعتصار ما وهبه لوالده الكبار ما لم ينكخوا، ومثله في الجلاب مثله خلاف ذلك.
وفي مانعية نكاح الابن مطلقًا ولغوه، ثالثها: لغوه إن لم يتزوج للهبة لقتلها أو كثرتها، وهو بين اليسار إلا أن تكون كثيرة، ولولا هي لم يتزوج لظاهرها مع الجلاب وغيره والصقلي، وللخمي، وابن رشد عن ابن دينار، واختيار اللخمي.
ابن رشد: إن نكح بغير سبب الهبة، ككونها يسيرة يعلم أنه لم يتزوج لأجلها، ففي لغو مانعيته قولان لأصبغ مع ابن القاسم، ومطرف، وروايته، وقول ابن الماجشون.
***** لأجلها مانع، وما ليس لأجلها قال فيه ابن رشد ما قال في النكاح عن قائليه فيه اللخمي عن محمد: إنما يمنع إن داينه الناس لأجلها، وأرى لغوه إن استدان، وله وفاء بدينه؛ لأن له هبة الهبة، إنما يمتنع الاعتصار إن تعلق للغريم حق، وكذا إن لم يكن عنده سوى الهبة، ثم اشترى سلعة تجر؛ لأنه موسر بها، ولو كان الدين بطعام يأكله، أو ثياب يلبسها منع الاعتصار.
الباجي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون: لو وهب ابنته المتزوجة، أو ابنه المريض أو المديان؛ لم يعتصر كما لو تقدمت الهبة هذه الحوادث.
وقال أصبغ: له الاعتصار.
ابن رشد: اختار ابن حبيب قول ابن الماجشون.

الجزء: 9 - الصفحة: 26

وابن رشد وابن زرقون عن أصبغ: زوال الدين لا يعيد الاعتصار.
وعزاه ابن رشد لابن القاسم.
وفي مانعيه مرض الوالد أو الولد، ولغو مرض الوالد، والوقف في مرض الولد سماع عيسى ابن القاسم مع قول سحنون، وابن رشد عن المشهور، ونقل محمد رواية أشهب، وثالثها: قول اللخمي: أرى وقف اعتصاره إن مات؛ سقط، وإن صح؛ ثبت.
اللخمي وابن رشد على قول ابن نافع: للسيد اعتصار مال مدبره، وأم ولده في مرضه للأب ذلك في مرضه.
ورده ابن عبد السلام بقوله: تسلط حق السيد على مال مدبره، وأم ولده أقوى منه على مال ولده، وإن كان وهبه له؛ لأن العبد غير مالك، وإما مالك على توقف.
والولد مالك حقيقة، وقدرة الأب على الاعتصار لا توجب ضعفًا في ملكه، ويرد بأن القياس؛ إنما هو في ملك الولد للهبة من قبل أبيه، وموجب قوة تسلط السيد عنده كون ملك العبد على ترقب.
وهذا المعنى موجود في ملك الود هذه الهبة، فيجب استواؤها في التسلط ضرورة.
ووجوب استواء الحكم في صورتي استواء علته فيهما، بقوله: وقدرة الأب إلى آخره دعوى دليل نقيضها قائم، فسقوطها واجب فتأمله.
والاعتصار من العبد أشد ضررًا عليه من الاعتصار على الولد؛ لأنه إن ماك لم يرث العبد شيئًا مما اعتصر منه، والوالد يرث منه.
وعلى مانعيه المرض لو زال، ففي عود الاعتصار ثالثها: في زوال مرض المعتصر لابن رشد عن ابن القاسم مع مرطف، والمغيرة، وابن دينار، وأصبغ مع ابن الماجشون وروايته وسحنون.
ابن رشد: ولو قيل: توقف الاعتصار في المرض لصحته أو موته؛ لكان وجه القياس والنظر.
قلت: تقدم جزم اللخمي به، والفرق بين زوال المرض، وبين زوال النكاح

الجزء: 9 - الصفحة: 27

والدين المتفق على بقاء مانعيتهما: أن زوال المرض يصيره؛ كأنه لم يكن؛ لعدم بقاء أحكامه؛ لأن العطية فيه من الثلث، فإن زال صارت من رأس المال، وزوال النكاح والدين ليس كذلك لبقاء أحكامهما من الحرمة والعهدة وغيرهما.
وتقدم عن الباجي حكم الهبة على هذه الأحوال.
وتغير الأسواق لغو، وظاهر قول ابن رشد واللخمي وغيرهما الاتفاق عليه، وصرح به عياض، وقال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن كانت الهبة قائمة بعينها لم تتغير أن الاعتصار جائز.
وقول ابن عبد السلام لا يبعد تخريج الخلاف فيه حقه أن يبين الأصل الذي يتخرج منه الخلاف، وذكره دون تعيينه ساقطه نص متأخروا الأصوليين على أن القياس المنكر، وهو القياس على صورة غير معينة باطل، ومثلوه بقول المستدل: الزكاة واجبة في الحلي بالقياس على صورة من صور الوجوب، فيسقط بيسير معارضته مثله، وهو القياس على صورة من صور عدم الوجوب.
وللأصبهاني شارح العميري في ذلك كلام حسن ليس هذا موضعه.
وفي قوته بتغير الزيادة والنقص نقلا ابن رشد عن أصبغ مع سماع سحنون ابن القاسم، وظاهر قولها: ما لم يحدثوا دينًا، أو ينكحوا أو تتغير عن حالها والأخوين.
وسمع سحنون ابن القاسم: نحل الأب ابنه الدنانير، وجعلها على يدي غيره أو الابنة، ثم يصوغها له حليًا؛ بقيت اعتصارهما.
ابن رشد: إن صاغهما بمال للولد؛ فلا اعتصار اتفاقًا.
وإن صاغهما بمال نفسه أو منهما؛ تخرجا على الخلاف في تغير الهبة بنقص أو نماء غير ناشيء عن نفقة من مال الابن.
فإن نشأ عن ماله ككونه هزيلاً، فينفق عليه من ماله حتى يسمن أو دارًا فيصلحها ببناء؛ فلا اعتصار اتفاقًا.
اللخمي: غرس الأرض وبنائها فوت، وإن كانت دارًا، فانهدمت؛ لم يكن فوتًا.
ولو هدمها الأب أشبه كونه فوتًا؛ لأنه أخرج فيه ثمنًا إلا أن يعتصر

الجزء: 9 - الصفحة: 28

العرصة وحدها.
وفي الجلاب: خلط الولد الدنانير والدراهم، أو ماله مثل بمثله يمنع رجعة الأب فيه، ولا يكون للولد شريكاً بقدره.
وعزاه الباجي للقاضي، وأخذ بعضهم خلافه من قولها في المأذون: من اتاباع زيتًا، فصبه بمحضر بينة على زيت، ثم فلس؛ فالبائع أحق بقدر زيته، وهو كعين قائمة، وكذا خلط الدنانير.
اللخمي: لمالك في كتب المدنيين: لمن وهب جارية اعتصارها، ولم يبين هل ذلك من زوج أو وزنًا؟ قال: وكذا التزويج على أحد القولين؛ لأنه عيب.
ولا يعتصر الولد؛ لأنه نما بمال السيد؛ لأنه المنفق عليه إلا أن يعتصره بفور الولادة.
قلت: في البيع الفاسد والإقالة من الطعام الولادة فوت؛ فعليه يمنع الاعتصار.
وإيلاد الولد الأمة لغو: القاضي: وكتابته إياها.
الباجي: وعليه العتق والتدبير.
وفي فوته بوطء الابن: نقل الباجي عن ابن القاسم مع مالك وأكثر أصحابه: ولو كانت ثيبًا، والمغيرة مع ابن الماجشون: وتوقف للاستبراء إن بان بها حمل؛ فاتت.
وعزا ابن رشد الأول أيضًا لأصبغ والمدونة، والثاني للأخوين، ولم يفرقا بين بكر وثيب.
اللخمي: الأول أحسن إن كانت من العلي؛ لتهمتهما على الإحلال، وهو في الوخش أخف.
ابن عبد السلام: الأقرب أنه في البكر متفق عليه.
وفيها: إن أحدث في البكر نقصًا؛ كان كالنقص يختلف فيه، وإن لم يحدث نقصًا فواضح فأين الاتفاق.
وقد قال في آخر المرابحة: إن وطئ الأمة؛ لم يبين إلا أن يكون افتضها، وهى

الجزء: 9 - الصفحة: 29

ممن ينقصها.
وأما الوخش الذي كان ربما أزيد لثمنها؛ فلا يتبين عليه.
الصقلي: قول الابن الكبير في غيبته عليها وطئتها: يمنع اعتصارها، ولم أطأها يثبته.
قلت: ظاهره لغو الغيبة عليها.
ومثله قول استبرائها: إن اعتصرها، وقد غاب عليها ابنه الكبير؛ فعليه استبراؤها، وإن وطأها؛ فلا اعتصار له.
وعلى نقل ابن رشد عن أصبغ: فوتها في هبة الثواب بالغيبة عليها مثل الوطء يتخرج فوت اعتصارها بها بقياس التسوية كما مر في عتق الأمة في الصلاة.
وهو في الهبة لغير ثواب أحرى؛ لأن الغيبة عليها مظنة للوطء بنفسها غير متوفقة على بت عقد ذي الحلال.
وفي هبة الثواب: هي متوقفة عليه، وطروء اليتم وهو موت أبي الطفل.
قال الباجي: يمنع اعتصار الأم قال: ولو كبر في حياة أبيه، ثم مات؛ لم يمنعه، والصدقة تقدم تعريفها.
فيها: لا يعتصر الأبوان ما تصدقا به على ولد صغير أو كبير، وأما الهبة والعطية والنحل؛ ففيها الاعتصار والحبس إن كان بمعنى الصدقة؛ لم يعتصر، وإن كان بمعنى الهبة يكون سكني أو عمري إلى مدة، ثم مرجعها إليه؛ فإنه يعتصر.
أبو عمر: لا أعلم خلافًا أن الصدقة وكل هبة أريد بها وجه الله؛ فالرجوع فيها حرام.
ولابن زرقون بعد نقله هذا: قال مطرف: إن قال: هبة لله أو لوجه الله؛ فله الاعتصار.
عياض: خرج بعض شيوخنا من إجازة مالك في العتبية أكل ما تصدق به على ابنه الصغير، جواز الاعتصار في الصدقة.
قلت: في نوازل سحنون: له هبته لابنه للصلة لا يجوز اعتصارها، وكذا هبته

الجزء: 9 - الصفحة: 30

لضعفه، وخوف الخصاصة عليه.
ولابن الماجشون: كل هبة لوجه الله، أو لطلب الأجر أو لصلة رحمن؛ لا يعتصر.
ابن رشد: هذا مثل قول عمر في المدونة، ونحوه في مختصر ابن عبد الحكم وهو أظهر من قول مطرف.
وزاد في قول مطرف: أنه إذا وهب ولده لوجه الله أو لصلة؛ أن له الاعتصار أبدًا حتى يسميها صدقة، ثم وجه القولين بأنهما بناء على أن الهبة ما قصد به الموهوب له فقط أو ولو كان مع طلب الثواب من الله تعالى.
وفيها: لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه، ولا من غيره.
اللخمي: اختلف هل النهي على الندب أو على الوجوب؟ فقال مالك: لا ينبغي أن يشتريها.
وقال: يكره.
وقال الداودي: هو حرام.
وظاهر الموازية: أنه لا يجوز والأول أحسن؛ لأن المثل ضربه لها بما ليس بحرام.
قلت: التعليل يدل على ذم الفاعل بتشبيهه بالكلب العائد في قيئه، والذم على الفعل يدل على منعه، وقاله عز الدين بن عبد السلام، ولبعد اللخمي عن ذكر قواعد أصول الفقه حسبما قاله المازري في صلاة الجنائز قال هذا، والله أعلم.
قلت: ظاهر قول اللخمي فيما حكاه عن الموازية: أن معنى لا يجوز الحرمة، وهو لفظ المدونة، وسماع ابن القاسم، وعبر ابن عبد السلام عن المشهور بالكراهة، وفيه نظر.
ولم يحك ابن رشد في سماع عيسى غير لفظ: لا يجوز.
اللخمي: قال مالك في كتاب الزكاة: لا يشتري الرجل صدقة حائطه، ولا زرعه، ولا ماشيته.
وقال ابن القاسم في كتاب النذور: كره مالك: أن يشتري صدقة التطوع؛ فهذا أشد كراهة.
ابن رشد: وفي جواز شراء الصدقة من غير الذي تصدق بها عليه.
رواية ابن

الجزء: 9 - الصفحة: 31

وهب: لا بأس بذلك، وقولها: لا يجوز.
قال: وشراء غلة ما تصدق به من المتصدق عليه؛ قيل: جائز كالعرية بخرصها، وكرهه أشهب، وهو الصواب.
قلت: مسألة العرية؛ إنما هي من العود في عين الصدقة لا في غلتها.
الصقلي عن محمد: لو تصدق بالغلة فقط عمره أو أجلاً؛ فله شراؤه، قاله مالك وأصحابه إلا عبد الملك.
قلت: أخذه بعضهم من قولها: من تصدق على أجنبي بصدقة؛ لم يجز له أن يأكل من ثمرها، ولا يركبها، ولا ينتفع بشيء منها.
وفيها: من تصدق على ابنه الصغير بجارية، فتبعتها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه، ويشهد ويستقضي للابن.
الصقلي: لمحمد عن ابن القاسم: إنما أرخص في هذا الولد الصغير، ولو كان كبيرًا ما حل له ذلك.
وقال مالك: ونقل قولها في سماع ابن القاسم: والموهوب عبد.
ابن رشد: قولها في الجارية: أعذر منه في العبد؛ لتعلق نفسه بها لو تبعتها نفسه والصدقة بها على أجنبي لما بعد شراؤه لها بخلاف العبد، والولد بخلاف الأجنبي؛ للشبهة التي له في مال ابنه؛ ولذا أجاز في رسم نذر سنة: أن يكتسي من صوف ما تصدق به على ابنه من الغنم، ويأكل من لحمها، ويشرب من لبنها، ومثله لمالك في رسم شهد من سماع عيسى.
وفي رسم نذر سنة: إن تصدق بالحائط؛ فله الأكل من ثمره إن أطعمه.
وفي الموازية: إن رضي ابنه وهو كبير؛ يصح رضاه.
اللخمي: لابن نافع في شرح ابن مزين: أكره أن ينتفع بصدقته على ولده كانت أو أجنبي، وهو أحسن لعموم الحديث.
****** في الهبة وكراهته: نقلا اللخمي عن رواية محمد والقاضي قال: وهذا أحسن إلا أن يكون برغبة من الموهوب له في شرائه منه؛ فيجوز؛ لأنه

الجزء: 9 - الصفحة: 32

معروف ثان.
قلت: وتقدم شيء من هذا في النذور: ورجوعهما بالإرث جائز اتفاقًا؛ لأنه جبري.

باب هبة الثواب

وهبة الثواب: عطية قصد بها عوض مالي وفي شرطها بغير لفظ البيع قولان ذكرا في فضل شرط العوض فيها.
اللخمي: إن اقترن بعطية ما يدل عليه؛ فهي للثواب، وإن اقترن بها ما يدل على نفيه؛ سقطت دعواه، وكذا إن أشكل الأمر لقول عمر رضي الله عنه من وهب هبة يرى أنها للثواب؛ فهو على هبته، فلم يجعل له مقالاً إلا بدليل؛ ولأن أصل الهبة عدم العوض.
الباجي في الجرب: من وهب هبة مطلقة ادعى أنها للثواب حمل على العرف إن كان مثله لا يطلب ذلك؛ قبل قول الموهوب له مع يمينه، وإن كان مثله يطلبه، أو أشكل أمره؛ قبل قول الواهب مع يمينه.
وقسم ابن رشد الهبة أقسامًا منها قوله: إن لم يتبين أن الواهب أراد مجرد التودد فقط، أو التودد والمكافأة كهبة الأغنياء بعضهم بعضًا أجانب أو أقرباء؛ ففيها في هذا القول قول الواهب.
وفي حملها على أنه بيمينه أو دونه تأويلان للأشياخ، والأمر عندي إن قال: أردت ذلك، ولم أشترطه جرى على الخلاف في تعلق يمين التهمة دون تحقيق، وإن قال: شرطته، وأنكره الموهوب له؛ فلا حلف عليه على القول بتوجه يمين التهمة إلا بعد حلف الموهوب له أنه ما اشترط عليه ثوابًا، فإن نكل؛ فالحلف على الواهب، وكان له الثواب دون يمين، وإن قال: شرطت الثواب عليك، وقال الموهوب له؛ بل بينت أن لا ثواب لك علي قبل قول الواهب مع يمينه أنه شرطه، فإن نكل قبل قول الموهوب له أنه

الجزء: 9 - الصفحة: 33

بين له؛ أن لا ثواب عليه، فإن نكل؛ فللواهب الثواب دون يمين على حكم المدعي والمدعى عليه.
قلت: واختلف في ثبوته في صور الاختلاف في اشتمالها على ما ينفيه.
ابن زرقون تابعًا لابن رشد في هبة أحد الزوجين للآخر ثلاثة: قولها لا يصدق إلا أن يظهر ما يدل على صدقه.
وقول ربيعة ومالك والليث فيها: لا يصدق إلا بشرطه.
ونقل المعونة: يصدق، وإن لم يقم ما يدل على صدقه، وعلى هذا الخلاف خرج الباجي قولها في كتاب الأكرية بسقوط طلب الزوجة الزوج بكراء منزل سكنه بها هي فيه بكراء أو ملك.
وقولها في كتاب العدة: إن اعتدت في مسكن بكراء، فطلبته بكرائه؛ لزمه.
قال: وقال بعض الأندلسيين: هما مسألتان مختلفتان، ومعنى ذلك عندي أن المعتدة سكنت في وقت لا يظن بها الصلة.
قلت: ذكر الباجي مسألتي العدة والأكرية يدل على أن الخلاف في المسألة سواء عبر عن لفظ العطية بلفظ الهبة أو لا، وظاهر استدلال اللخمي بقوله: ولأن أصل الهبة عدم العوض على أن محل الخلاف هو ما عبر فيه بلفظ الهبة.
وعلى طريق الباجي يحسن التمسك بقولها في كتاب النكاح الثاني: وإن أنفقت على زوجها في ذاته، وهو ملي أو معدم؛ فلها إتباعه به إلا أن يرى أن ذلك بمعنى الصلة ونحوه في سماع أشهب في كتاب النكاح.
قال ابن رشد فيه: اختلف قول ابن القاسم في هذا الأصل في المدونة: وإذا وجب لها الرجوع بعد يمينها، ومن هذا المعنى دعوى أحد الزوجين فيها وهبه للآخر الثواب، فذكر قولي مالك ونقل المعونة.
وفيها: لا ثواب بين الزوجين.
ابن عات: عن الاستغناء: إن وهبت زوجها صداقها، ثم طلب الثواب؛ لم تصدق كانت عرضًا أو عينًا بخلاف ما وهبته من مالها، أو وهبه إياها من ماله، ففي ذلك ثلاثة

الجزء: 9 - الصفحة: 34

أقوال، واستدلوا في هذا الأصل بحديث الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من وهب هبة؛ فهو أحق بها ما لم يثب منها".
قال عبد الحق: رواثه ثقاة؛ لكنه جعله وهماً.
قال: والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، ورواه من حديث أبي هريرة، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ومن حديث ابن عباس، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العوزبي، ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهما ضعيفان جداً، ولم يتعقبه ابن القطان.
اللخمي: ويختلف في الثواب بين الوالدين والولد كما في الزوجين، ودعوى الابن الثواب أبين من الأب إلا أن يكون الأب قليل ذات اليد، والأب موسر.
وفيها: الهبة في القرابة، وذوي الأرحام إن علم قصد الثواب؛ قضى به، وإن علم نفيه كغني لفقير؛ سقط.
اللخمي: لم يذكر حكم فقد دليل القصدين.
وفيها: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، ولو من فقير إلا بشرطه، وللثواب في الهبة لغني، ولو من غني.
الباجي لمحمد عن أشهب: لا ثواب فيما وهبه ذو سلطان.
وفي كون الهبة له، كذلك قول ابن شعبان، ونقل الباجي عن ظاهر المذهب.
ابن شعبان: لا ثواب فيما أهدى لفقيه.
اللخمي عن القاضي: وكذا لرجل صالح، وفيما أهداه الثواب.
الباجي: الظاهر: أنه أراد الفقير منهم، والغني كسائر الأغنياء.
قلت: فيلزم لغو كونه فقيهاً، وظاهر مساقه اعتباره، وهو مقتضي العرف إن كان الواهب له غنياً.
زاد المتيطي في كلام ابن شعبان: إلا أن يكون بين فقيهين، وعزاء اللخمي له بلفظ؛ يريد: إلا أن يكون بين فقيهين.

الجزء: 9 - الصفحة: 35

الباجي: لا ثواب فيما أهداه المولى لسيده.
قلت: إن كان المولى غنياً، وإلا فلا.
قال: وما جرت به العادة من الهدايا عند النكاح.
قال ابن العطار: هو على الثواب وبه القضاء؛ يريد: أنه عرف يقضي بقيمة الكبش حين قبضه إن جهل وزنه، وإن علم؛ فبوزنه، وإن كان المهدي إليه بعث للمهدي قدراً من اللحم مطبوخ، أو أكل عنده في العرس؛ حوسب به في قيمة هديته، ولو كان هذا ببلد لا يعرف فيه هذا لم يقض فيه بثواب، وفيما قاله نظر.
اللخمي: الشأن في هذه الولائم، الأعراس، الثواب، ويختلفون في القيام إن لم يثب من علم من مثله عدم الطلب؛ فلا قيام له، ولا لوارثه، ومن يعلم من مثله الطلب؛ فله ذلك ولوارثه، وهي في الصحة على وجهين إن كانت العادة أن الثواب قدر الهبة فأقل؛ جازت، وإن كانت أنه أكثر؛ لم يجز.
المتيطي عن أبي بكر بن عبد الرحمن لو قال له المعطي: لا أعطيك إلا إن حدث لك عرس؛ فله الرجوع بقيمة هديته معجلاً.
وقال ابن عمران: إن كانت المكافأة عرفاً كالشرط؛ فهو فاسد يقضي فيه للقائم بالقيمة فيما يقضي فيه بالقيمة، وبالمثل فيما يقضي فيه بالمثل، وكذا الجفان توجه لأولياء الميت.
وقال الشيخ في مسائله: ما يوجه لأولياء الميت؛ لا رجوع فيه، بخلاف هدايا النفاس والعرس، فإن فيها عرفاً، كالشرط؛ وهي في مختصر ابن عبد الحكم.
وقال القابسي في مسائله لا رجوع في شيء من ذلك كله.
قلت: مقتضي المذهب: أنه إن اقتضى العرف قصد الثواب؛ ثبت، وإلا سقط إن اقتضاه على ما يوجب الفساد في وقته، أو قدره أو نوعه؛ حكم فيه بحكم البيع الفاسد، وإلا حكم بحكم ثواب الهبة، والغالب في صورته ثبوته عرفا الفساد؛ ولذا ينبغي عدم الأكل منه لم حضره، وربما يفرق في ذلك بين حاله قبل فوته، فيتأكد الكف، وبعد فوته؛ فيخف.

الجزء: 9 - الصفحة: 36

وفيها: لا ثواب في هدية فقير لغني الفاكهة والرطب؛ لقدومه من سفر.
ابن القاسم: ولا أخذ ذلك، ولو كان قائماً.
الصقلي عن الشيخ: لابن اللباد عن بعض أصحابنا: له أخذه إن كان قائماً.
قال: وأما القمح والشعير يوهب للثواب؛ فيه الثواب.
اللخمي: اختلف في الهبة للقادم من السفر الفاكهة والطعام وشبهه؛ فقال مالك: لا ثواب، ولابن عبد الحكم في مختصر حمديس: له الثواب، وهو أبين.
والشأن رجاؤه مما يقدم به المسافر.
قلت: مفهومه: إن لم يقدم بشيء؛ فللثواب عليه.
ثم قال: فمن لا يرضى الكلام عليه إن وقعت بينهما مقابحة، فتكلم عليه؛ لم يكن له شيء، ومن يتكلم عليه؛ يقضى له إن طلبه.
والشأن فيما يهديه القدام لجار، أو صديق عدم الثواب.
وفيها: لا ثواب في هبة العين.
ابن القاسم: إلا بشرط، فيثاب عرضاً أو طعاماً.
الصقلي عن الموازية: إن شرط لها ثواباً؛ ردت، وقاله أشهب.
قلت: عزاه الباجي لمحمد عن ابن القاسم، قال: وهو المشهور عن مالك.
وقال ابن القاسم أيضاً: إن اشترطه، فيثاب عرضاً أ, طعماً، ومثله في المدونة، وقال محمد: لا يعجبنا، وهو غير جائر.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا ثواب في هبة الصفائح، والنقر والحلي المكسور.
ابن رشد: في الحلي المصوغ على هذا الثواب، وهو نص قولها: والصفائح إن أراد بها المصنوعة من الحديد لشعيل الدواب، فالمعنى أنها كثيرة الوجود لا يتحف بها من أهديت له، ولو أهداها إليه في الغزو عند الحاجة إليها وعدمها؛ لوجب فيها الثواب، وإن أراد صفائح الذهب أي: سبائكه؛ فبين؛ لأنها كنفر الفضة والدنانير والدراهم.
قلت: تعليله عدم الثواب في المصنوعات من الحديد بكثرة وجودها خلاف اقتضاء المذهب ثبوت العوض في كثير الوجود وقليله.

الجزء: 9 - الصفحة: 37

وقدم تقدم للشيخ: أن في هبة القمح والشعير الثواب.
هبة الحلي: قال المتيطي في ثبوت الثواب فيه قولا ابن القاسم وأشهب.
الباجي في الموازية: معها إجازته هبته للثواب.
وقال محمد: لا يجوز بحال وقيام الهبة.
قال ابن رشد: الموهوب له فيه بخير في إثبايته بقيمتها أو ردها، وعلى قول مطرف وروايته: لا يلزم الواهب أخذ قيمتها دون رضاه إلا بعد موتها.
قلت: عزا الباجي الأول لابن القاسم وابن الماجشون قال: وقال مطرف: هو على هبته، ولو أعطى أكثر من القيمة حتى يرضى، ونحوه سمع ابن القاسم.
قلت: هو ظاهر قوله في رسم حلف، وحمله ابن رشد على أنه أعطاه أقل من القيمة، ففي كون الفوت الموجب على الموهوب له قيمتها قبضه إياها، أو حوالة سوقها، أو تغيرها بزيادة أو نقص رابعها: بنقصها فقط لرواية ابن الماجشون ومحمد عن ابن القاسم فيها مع أحد سماعيه عيسى وثانيهما.
قلت: وقال بعد هذا: لو قيل بلزومها له بالقول؛ كان له وجه في القياس على البيع، ويرد بأنه إن أراد على بيع البت؛ منع وجود علة الأصل في الفرع، وإن أراد على بيع الخيار؛ فحكمه عدم اللزوم.
وفي سماع عيسى: إن كانت الهبة الجارية، فوطئها الموهوب له فوت؛ يلزمه قيمتها.
ابن رشد: اتفاقاً.
وقال أصبغ والأخوان: غيبة الموهوب له عليها فوت يوجب قيمتها، ويمنع الرد، ولو لم تحمل؛ لأنه ذريعة لإحلال الفروج بغير ثمن.
وقي المقدمات في لزوم الواهب قبول القيمة: إن بذلها الموهوب له بعقد الهبة أو بقبضها أو بتغيرها بنقص أو زيادة.
رابعها: بقوت عينها أو تقويتها بعتق أو غيره، ولو تلف جلها؛ فله أخذ ما بقي للآتي على لزوم الواهب دفع الهبة قبل قبض عوضها، والمشهور من قول ابن القاسم مع روايته في المدونة وغيرها، وقولها في الشفعة، ولم يعز الرابع، وعزاه في سماع عيسى

الجزء: 9 - الصفحة: 38

لمطرف وروايته، وقرر ما في الشفعة بقولها: لأن الناس إنما يهبون للثواب رجاء ما هو أكثر من قيمة ما أعطوا.
قال: وفي القضاء للواهب بحبس هبته حتى يثاب، ولزوم تسليمها قبله قولان.
قلت: هما للخمي، وعزاهما لأشهب ومحمد.
وقال: إن قبضها المعطي بغير إذن الواهب؛ فقال أشهب: يرتجعها، وقال ابن القاسم: لا يرتجعها، ويتلوم له في الثواب، فإن لم يثبه؛ ردها.
ابن رشد: وعلى الثاني ضمانها الموهوب له بكل حال، وعليه قيمتها يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق، وعليه قيمتها يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق، وعلى الأول يختلف في ضمانها كمحبوسة بالثمن.
قلت: وقد تقدمت.
وفي تخريج ضمانها: المبتاع في المحبوسة يرد في أنه في عقد يرم، وهبة الثواب غير لازمة للموهوب.
قال: وعلى هذا في كون قيمتها يوم الهبة، أو يوم القبض قولان لسماع ابن القاسم مع سماعه عيسى وأصبغ، وقول مالك في الموطأ مع قولها في الشفعة، واختار محمد أن القيمة يوم القبض، واعتل بعلة غير صحيحة على قول ابن القاسم وروايته، فقال: إنه مخير في ردها قبل فبضها، فيلزم كون قيمتها يوم الفوت؛ لأنه قبله مخير، وهذا لم يقولوه، ولو قالوا؛ كان له وجه، ويتم تعليله على إلزام الموهوب له القيمة بالقبض.
وفيها: إن عرض الموهوب له أقل من الهبة، ثم قام الواهب بطلب تمامها؛ حلف ما سكت إلا انتظاراً، وهو على حقه.
وفي قصر الثواب عند التنازع على العين وعمومه في كل معتبر بالقيمة ثالثها: إلا الحطب والتين، ونحوه لابن رشد عن أشهب وسحنون: ولها، وعلى الأول قال الباجي: يختص بسكة العين الجارية في البلد.
وفي وقف ردها بعد فوتها على تراضيهما على معرفة قيمتها قولا محمد.
ابن رشد: الصواب: وقفه: ولا معنى لغيره، ولا وقف في دفعه عرض غيرها إلا

الجزء: 9 - الصفحة: 39

على قول أشهب.
الباجي: يجوز بعد فوتها ثوابها، فكل ما يصح أن يسلم فيه.
وفيها: منعه بما لا يصح أن تسلم فيه.
وفيها: يثيب عن الحلي عروضًا لا عينًا، وإن كان من غير جنسه.
الباجي: يريد: بعد التفرق، ويجوز قبله بحضرة المحلي.
قلت: وكذا الطعام عن طعام.
الباجي: وفي الموازية: يجوز أن يثيبه عن حلية الذهب ورقًا، وعن حلي الورق ذهبًا.
ابن شاس: إذا أثاب؛ فلا رجوع له في الثواب بعد تعيينه.
قلت: هذا ضروري كتب عند الخيار: ولو كانت الهبة عبدين، ففي منع الموهوب له من رد أحدهما، وحبس الآخر ثالثها: إن كان المردود أدناهما لها، ولأصبغ ولتخريج ابن رشد على قول ابن القاسم فيها: إن باع وجهها؛ لزمته بثمنها، وإن لم يكن وجههما؛ غرم قيمته يوم قبضه، ورده الباقي.
ابن رشد: لأن قوله هذا خلاف قوله: ليس له حبس أحدهما، ورد الآخر مطلقًا؛ ولذا قال سحنون: بيعه أحدهما موجب قيمتهما.
وفيها: للموهوب له رد الهبة بالعيب، وأخذ العوض والعيب بالعوض، إن كان فادحًا؛ لا يعاوض به؛ كالجذام والبرص؛ فله رده، وإن لم يكن فادحًا؛ نظر لقيمته.
الباجي: إن ظهر عيب الهبة قبل ثوابها وفوتها؛ فقال محمد: إن علمه الواهب؛ اعتبرت قيمتها معيبة، وإن جعله؛ اعتبرت سليمة، ولو حال سوقها أو وطئت، قال أصبغ في العتبية: لأن ذلك لا يفيت الرد بالعيب، والواهب على السلامة وهب، وإن ظهر بعد أن أثابه ولم تفت؛ فكالبيع.
محمد: لو فاتت بتغير بدن أو وطء؛ فله قيمتها سليمة؛ إما حبسها بها، وإما ردها؛ لأن ما يوجب قيمتها لا يفيت الرد بالعيب، ولو كانت مما لا يقدر على ردها، وظهر العيب بعد أن أثابه رجع بقدره من الثواب؛ كان أقل من القيمة أو أكثر، ولو ظهر

الجزء: 9 - الصفحة: 40

العيب قبل ثوابها؛ كان عليه قيمتها معيبة، ونحوه لابن رشد في نوازل أصبغ، والله أعلم.

باب الهبة بشرط عوض عيناه

والهبة بشرط عوض عينها: قال ابن رشد وغيره: هي بيع.
وفي كون شرطه غير معين يفسدها؛ لأنه بيع على القيمة، وصحتها كالبيع قولان لابن رشد، وغيره عن ابن الماجشون، وأصبغ مع ابن القاسم.
الباجي عن الشيخ: قول أصبغ هو قول ابن القاسم فيها.
قلت: منه قولها في كتاب الهبة والواهب: إذا شرط الثواب، أو رأى أنه أراده له أخذ هبته إن لم يثبه.
قلت: وفي ترجمة بيع الغرر من المنتقى: لو قال: بعتك السلعة بما شئت، ثم سخط ما أعطاه.
قال ابن القاسم: إن أعطاه القيمة؛ لزمه.
محمد: معناهك إن فاتت، وإلا ردت، فحمله ابن القاسم على المكارمة؛ كهبة الثواب، واعتبر محمد لفظ البيع.
عياض: إن وهب وسكت من يعلم منه طلب الثواب؛ جاز اتفاقًا، ولو قال: أهبك لتثيبني، فقال اللخمي: كالأول.
وظاهر قول عبد الملك: فساده، ولو قال بشرط الثواب، أو على أن تثيبني؛ فهي مسألة عبد الملك: وإن عين العوض؛ فبيع.
وفي كون الإعطاء لتحصيل المعطي مغير مقصود للمعطى هبة تفتقر للحوز، أو معاوضة لا تفتقر قولان لسماع أصبغ ابن القاسم فيمن قال لولده: أصلح نفسك، وتعلم القرآن، ولك كذا؛ ففعل، وقول أصبغ في قوله: من أعطى دار سكناه لامرأته النصرانية على أن تسلم فتسلم؛ لا بد من حوزها.
ونقل ابن رشد عن ابن حبيب مع مطرف في مسألة النصرانية: الدار ثمن

الجزء: 9 - الصفحة: 41

والإشهاد يكفيها دون حوز.

باب العدة

العدة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل، فيدخل الوعد بالحمالة

الجزء: 9 - الصفحة: 42

وغيرها، الوفاء بها مطلوب اتفاقًا.
ابن رشد في رسم طلق من سماع ابن القاسم من العارية في لزوم القضاء بها مطلقًا: وإن كانت على سبب، ولو لم يدخل بسببها في السبب، أو بشرط دخولها بسببها في السبب رابعها: لا يقضي بها مطلقًا.
لعمر بن عبد العزيز، وأصبغ مع عبد الملك في هذا السماع، ولابن القاسم في هذا السماع قوله: إن اقتعد الغرماء منه على موعد؛ لزمه لأنهم تركوا بوعده إياه التوثق من غريمهم مع قول سحنون، وكسماع القرينين، فعلى قوله ابن القاسم قوله لمدين: أنا أقضي عنك دينك؛ لا يلزمه، وقوله لرب الدين: أقضيك الدين الذي لك؛ يلزمه لإدخاله إياه في ترك التوثق.
وفي نوازل ابن الحاج: ذكر الأقوال الأربعة غير معزوة، وصوب منها.
وفي نكاحها الأول: مما هو حمل لا حمالة قوله: بع من فلان فرسك، فباعه، ثم هلك الضامن؛ كان ذلك في ماله، فإن لم يدع شيئًا؛ فلا شيء على المبتاع، وكذا من وهب لرجل مالًا، فقال لرجل قبل دفعه له: بع فرسك بالذي وهبته له، وأنا ضامن لك حتى أدفعه لك، فقبض الفرس؛ فالثمن على الواهب، فإن لم يقبض البائع الثمن حتى مات الواهب، ولا مال له؛ فلا رجوع للواهب للبائع على الموهوب له بشيء.
عبد الحق: لم يبين إن مات الواهب عديمًا قبل قبض المبتاع الفرس هل له قبضه دون غرم ثمنه أم لا؟، وفيه قولان لغير الشيخ.
قلت: وذكرهما أيضًا في كتاب الجعل والإجارة، وفي لفظها: ولا يكون على قابض السلعة شيء إن مات الواهب عديمًا.
وسمع القرينان في كتاب العدة: من قال لبيعه بعد البيع: بع، ولا نقصان عليك قولًا غارمًا بينًا، وبصدق المبتاع فيما يدعي من نقص إن أشبه.

الجزء: 9 - الصفحة: 43

ابن رشد: لأن المعروف على مذهب مالك وأصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه يقضى به ما لم يمت أو يفلس، وقوله ذلك قبل انتقاده كقوله بعده إلا أن يقول له: انقدني وبع، ولا نقض عليك؛ فلا يجوز؛ لأنه بيع معلق.
وفي سماع عيسى: لأنه يكون فيه عيوب، وخصومات، فإن باع فنقص؛ لزمه أن يرد له إن كان انتقد، إن كان لم يغبن في البيع غبنًا بينًا، وباع بالقرب، فإن أخر حتى حالت الأسواق؛ فلا شيء له؛ لأنه فرط، ويقبل قوله بيمينه في النقص فيما يشبه؛ لأنه ائتمنه.
وفي سماع عيسى: إن كان عبدًا، فأبق أو مات، فقال أصبغ: فيه اختلاف، والذي أقول أنه موضوع عن المشتري، ولا يقبل قوله في الثوب إلا ببينة أنه ذهب وإلا فهو منه، وإن كانت أمة؛ لم يحل للمشتري وطؤها إن قبل الشرط.
قال لي ابن القاسم: فإن وطئها؛ لزمته بجميع الثمن؛ لأن بوطئه ترك ما جعل له.
ابن رشد: قوله: أنه موضوع منه هو قول ابن القاسم، وفي السماع المذكور: لو باع منه على أن لا نقص عليه، فقال مالك: ليس بيعًا، فإن باع؛ فله إجازته.
ابن رشد: البيع على هذا لا يجوز اتفاقًا.
وفي كونه إجارة فاسدة، أو بيعًا فاسدًا قولا مالك في هذا السماع مع الموطأ، وفي غيرهما، والقولان لابن القاسم في الواضحة، وفي هذا السماع، فعلى الأول الضمان من البائع، ولا فوت للمبيع، ولو بعيب مفسد، وللمبتاع أجر مثله، فلو فوتها بعطية أو عتق العبد أو حمل الأمة؛ ففي مضية بالقيمة يوم العطية، والعتق والإجبال لرعي القول بأنه بيع فاسد أو بالثمن؛ لأن ذلك رضًى منه به قولا مالك، وابن القاسم في هذا السماع.
وعلى الثاني: عليه القيمة يوم القبض كبيع فاسد اتفاقًا.
وسمع أصبغ أشهب: من أجاب من ابتاع منه كرمًا، فخاف الوضيعة بقوله: بع وأنا أرضيك إن باعه برأس ماله فأكثر؛ فلا شيء له، وإلا فعليه أن يرضيه إن زعم أنه أراد شيئًا سماع؛ فهو ما أراد، وإن لم يرد شيئًا أرضاه بما شاء، وحلف ما أراد أكثر من ذلك يوم قال ذلك.

الجزء: 9 - الصفحة: 44

أصبغ: وقال لي ابن وهب: عليه أن يرضيه بما يشبه تلك السلعة والوضيعة فيها.
أصبغ: هذا أحب إلي.
ابن رشد: قول أشهب: إن زعم أنه أراد شيئًا؛ فهو ما أراد يريد مع يمينه؛ ومعناه: إن لم يسم شيئًا يسيرًا لا يشبه أن يكون أرضى، وعلى قول ابن وهب إن قال: لم أرض بما يقول الناس أنه إرضاء؛ لم يصدق.
ولو حلف ليرضيه؛ لم يبرأ إلا بما يقول الناس، وربما يرضيه.
قلت: هذا على تقديم ظاهر اللفظ على العرف في الأيمان، والمشهور خلافه.

الجزء: 9 - الصفحة: 45

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل