المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجهاد: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد؛ لإعلاء كلمة الله أو حضوره له، أو دخول أرضه له، فيخرج قتال الذمي المحارب على المشهور أنه غير نقض، وقول ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 5

هارون: وهو قتال العدو لإعلاء كلمة الإسلام غير منعكس بالأخيرين، وهما جهاد اتفاقاً.
وقول ابن عبد السلام: هو إتعاب النفس في مقاتلة العدو كذلك، وغير مطرد؛ لدخول قتال لإعلاء كلمة الله، وحاصل أنقال المذهب أنه فرض كفاية على قادر عليه لم ينزل به عدو، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن دفعه من مسلم أو ذمي، ونقل ابن القطان الإجماع عليه.
ونقل المازي عن ابن المسيب وغيره: أنه فرض عين، ونقل ابن عبد السلام عن سَحنون: أنه سنة- لا أعرفه، وفرض الكفاية حرام عموم تركه، فمن ثم قال سَحنون: ومع كونه فرض كفاية لا ينبغي أن يعطل الإمام الجهاد.
وفي «الكافي»: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو يخرج بها هو أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة.
والنافلة منه: إخراج طائفة بعد أخرى، وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة.
زاد ابن شاس عنه: وعلى الإمام رعي النصفة في المناوبة بين الناس، وعزا القرافي جميع ذلك لعبد الملك.
التلقين: لا يجوز تركه لهدنة إلا لعذر.
اللخمي عن الداودي: بقي فرضه بعد الفتح على من يلي العدو، وسقط عن من بعد عنه.
المازري: قوله: بيان لتعلق فرض الكفاية بمن حضر محل متعلقه قادراً عليه دون

الجزء: 3 - الصفحة: 7

من بعد عنه لعسره، فإن عصى الحاضر تعلق بمن يليه.
وقول سَحنون: كان فرضاً واليوم ليس فرضاً إلا أن يعين الإمام بعثًا نظراً للإسلام فتجب طاعته، وجهازهم من بيت المال، يتأول على أنه لا يتحقق فرضه إلا بأمر الإمام.
قُلتُ: في قوله: يتأول؛ نظر لأنه حمل غير مرجوح من اللفظ، وغير مخالف لقواعد المذهب.
وفي الاستذكار: من قام غيره بسد ثغوره؛ فهو له نفل.
ابن سَحنون: روى ابن وَهْب: تطوع الجهاد أفضل من تطوع الحج، وسمع عيسى ابن القاسم: الحج أحب إلى من الغزو إلا في الخوف ومن الصدقة إلا في مجاعة، والصدقة من العتق، وقد يعرض لفرض الكفاية ما يوجبه على الأعيان.
في التلقين: وقد يتعين في بعض الأوقات على من يفجؤهم العدو.
الشيخ عن سَحنون: إن نزل أمر يحتاج فيه إلى الجميع؛ كان عليهم فرضاً، ولو سبي المشركون النساء والذرية والأموال؛ وجب استنقاذهم على من قوي عليه، ولو ساروا لحصونهم مالم يخافوا على أنفسهم أو أهليهم، وينفر من بسفاقس لغوث سوسة أن م يخف على أهله برؤية سفن أو خبر عنها، ولتعينه أولاً.
غزا النبي صلى الله عليه وسلم في ثانية الهجرة غزوة الأبواء؛ وهي غزوة ودان في صدر صفر، ثم بواط بناحية رضوى في شهر ربيع الأول، ثن العشيرة في جمادي الأول، ثم بدر الكبرى في رمضان.
روى العتبي: في السابع عشر منه.
أبو الربيع: وفرغ منها في عقبه أو في شوال.
في ثالثتها: غزوة طلب غطفان إلى نجد سلماً في صفر؛ وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز سلما في شهر ربيع الأخر، ثم غزوة بني قينقاع، حوصروا فنزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، وشفع فيهم عبد الله بن أبي، ثم غزوة أحد في شوال، ثم غزوة

الجزء: 3 - الصفحة: 8

حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة سادس عشر شوال.
ثانية يوم وقعة أحد سلماً إرهاباً للعدو، وفي رابعتها: غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول، ثم ذات الرقاع في جمادي الأول سلماً، ثم بدر الثالثة في شعبان سلماً.
وقول البخاري: غزوة ذات الرقاع بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خبير، حدثني محمد بن العلاء، أن أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بدة عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقط أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة (ذات الرقاع)؛ مشكل لاتفاق أهل السير فيما عملت أنها في الرابعة، وخيبر في السابعة، ولم يتعبه السهيلي ولا أبو عمر مع وقوفهم على حديث البخاري فيما يظن بهم إلا أن يحمل شهوده إياها قبل هجرته للحبشية، لصحة قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته للحبشة، وفي خامستها: دومة الجندل سلماً في شهر ربيع الأول، ثم الخندق؛ وهي الأحزاب في شوال، ثم غزوة بني قريظة إثرها، فنزلوا على حكم سعد، وفي سادستها: طلب بني لحيان إلى عسفان سلماً في جمادي الأولى، ثم بعد ليال طلب عيينة بن حصن إلى ما ذي قرد لما أغار على سرح المدينة وفات، ثم غزوة بني المصطلق؛ وهي المريسيع في شعبان، وفيها حادث الإفك.
ابن رُشْد: هذا أصح من القول أنها قبل الخندق.
قالوا: ثم غزوة الحديبية في ذي القعدة بعد قدومه صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق.
وقول ابن الحاجب: في المريسيع عمرة الحديبية؛ وهم، وفي سابعتها: غزوة خبير خرج إليها صلى الله عليه وسلم في أثناء محرم، وفي منصرفه منها فتح وادي القرى، وبعدها في ذي

الجزء: 3 - الصفحة: 9

القعدة عمرة القضاء، وقول ابن بشير وأبن الحاجب: في غزوة خيبر: عمرة القضاء؛ وهم.
وفي ثامنتها: غزوة مؤته ببعثه صلى الله عليه وسلم إلى الشام الجيش المؤمر عليه زيد بن حارثة، ثم فتح مكة لعشرين من رمضان، ثم غزوة حنين وقعتها أول شوال، ثم الطائف منصرفه صلى الله عليه وسلم من حنين، وفي تاسعتها: غزوة تبوك سلماً؛ وهي جيش العسرة، فيها جهز عثمان تسعمائة بعير ومائة فارس، وفيها تولى المستحملون وأعينهم تفيض من الدمع، وتخلف كعب بن مالك، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وفي عد أبي عمر، وأبي الربيع، وغيرهما العمرتين في الغزوات نظر؛ لاتفاقهم على أن خروجهما إنما كان للعمرة لا للحرب.
أبو الربيع: وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون، ورواه ابن العربي إسحاق.
ورورى محمد: لا يخرج لغير متعينه ذو ق، ولو كان مكاتباً إلا بإذن ربه، ولا ذو أبوين إلا بإذنهما.
محمد: إن خج دونه رجع حتى يأذنا.
مالك: إن أبيا؛ فلا يكابرهما، ولا يأكل جهازه، وليرفعه أو ثمنه إن خاف فساده، إلا إن كان ملياً؛ فليفعل به ما شاء حتى يمكنه الغزو، فإن مات؛ فهو ميراث، ولو كان جعله على يدي غيره إلا أن يوصي به، فيخرج من ثلثه، أو يشهد بإنقاذه على كل حال فمن رأس ماله.
سَحنون: وأحد الأبوين كالأبوين ولو كانا مشركين إلا أن يعلم أن منعهما كراهة إعانة المسلمين.
سَحنون: وبر الجد والجدة واجب وليس كالأبوين أحب أن يسترضيهما ليأذنا له، فإن أبيا؛ فله أن يخرج، ولا شيء عليه في عم أو عمة، ومن له إخوة وأخوات وعم وعمات وخال وخالات إن كان القائم بهم، ولا يخاف ضيعتهم بخروجه، فمقامه أفضل وإلا فخروجه، ومن تلزمه نفقته من زوجة وولد إن ترك نفقتهم لهم؛ فله الخروج، وإن كان إنما يعود بعمل يده أمر بالمقام دون قضاء؛ إذ ليس على الفقير مؤاجرة نفسه لينفق، ورورى ابن سَحنون: وسمع ابن القاسم: للمدين العديم الغزو دون إذن غريمه.

الجزء: 3 - الصفحة: 10

سَحنون: لو كان ملياً بدينه، ويحل قبل قدومه؛ فله الخروج إن وكل من يقضي عنه.
ابن رُشْد: روى ابن حبيب: توسعة خروجه إن خلف وفاء بدينه، أو كان بإذن غرمائه.
ابن رُشْد: وظاهره: لزوم استئذانه غريمه إن لم يدع وفاءً وهو بعيد.
العُتبيّ عن سَحنون: أردت غزواً في البحر، فنهاني عنه ابن القاسم.
ابن رُشْد: لأنه علم أنهم كامزا لا يغزون على الصواب، ولا يحافظون فيه على الصلاة في أوقاتها؛ لأنه في البحر على الصواب من أفضل الأعمال لحديث أم حرام.
قُلتُ: أو لرجحان العلم له على الجهاد.
وأفتى ابن رُشْد بسقوط فرض الحج عمن بالأندلس قال: لعدم شرطه؛ وهو الاستطاعة التي هي القدرة على الوصول مع الأمن على النفس والمال، فإذا سقط فرضه؛ صار نفلاً مكروهاً لتقحم الغرر.
قُلتُ قوله: في قوله: نفلاً مكروهاً نظر؛ لأن النفل من أقسام المندوب، وهو والمكروه ضدان، والشيء لا يجامع الأخص من ضده في موضوع واحد إلا أن يريد نفلاً باعتبار أصله مكروهاً باعتبار عارضه كقسم المكروه من النكاح مع أن مطلق النكاح مندوب إليه.
قال: وإن وجدت الاستطاعة فمن أدى فرضه فجهاده أفضل من حجه.
قُلتُ: هو نقل الشيخ عن رواية ابن وَهْب.
قال: ومن لم يؤد فرضه لخرج على القولين في فور الحج وتراخيه، وهذا إن سقط فرض الجهاد عن الأعيان؛ لقيام من قام به، وإن تعين؛ فهو أفضل من حج الفرض اتفاقاً، وأهل العدوة كالأندلس، وهذا في غير من يقوم بفرض الجهاد من حماة الدين، الجهاد هو الواجب عليهم؛ لعدم تعين الحج عليهم إلا من بلغ الستين.
وفي النوادر: ونحوه للقاضي: يخرج لتعينه مطيقه، ولو كان صبياً أو امرأة أو ذا رق

الجزء: 3 - الصفحة: 11

دون إذن.
وشرطه وجوبا عيناً القوة عليه، وهي كون العدو ضعف المكلف فأقل، وفي كون الضعف في العدد أو العدة والجلد إن أدركت نسبتهما قولا الأكثر، وابن حبيب مع ابن الماجِشُون وروايته، وعلى الأول قال ابن حبيب: لا يحل فرار مائة من ضعفها، ولو كان أشد سلاحاً وقوة وجلداً، إلا أن يكون العدو بمحل مدده، ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة.
الصقلي: المعتبر العدد مع تقارب القوة في السلاح، أما لو لقي مائة غير معدة ضعفها معداً؛ فلا؛ لأن الواحد كان معداً يعدل عشرة غير معدة.
وفي الموازيًّة: لا يحل الفرار من الضعف إلا انحرافاً للقتال أو تجيزاً للفئة؛ كالانحياز للجيش العظيم أو سرية متقدمة لمتأخرة عنها، وقاله عبد الملك رواياً: لا ينحاز إلا لخوف بين.
ابن سَحنون عن ابن القاسم: لا يحل فرار الناس إن فر إمامهم من ضعف عددهم، ومن فر من الزحف لم تقبل شهادته إلا أن تظهر توبته.
قُلتُ: إنما تظهر بثبوته في زحف آخر.
ابن رُشْد: الفرار كبيرة.
الشيخ: أنكر سَحنون قول العراقيين: لا يفر اثنا عشر ألفاً من عدو ولو كثروا، وعزا ابن رُشْد قول العراقيين لأكثر أهل العلم، وقال به قال: وهو دليل قول مالك، ولم يحك إنكار سَحنون بحال.
وروى عبد الملك: ليس أمر الجيش كالسرايا في الانحراف، ولهم سعة أن يثبتوا لقتال أكثر منهم بأضعاف كثيرة وهو يجدون مصرفاً عنهم، وإن علموا أنهم إن ثبتوا قتلوا؛ فأحب انصرافهم إن قدروا، ومن ثبت حتى قتل، رجوت له أفضل الشهادة؛ وإنما الشهادة لمن أيقنت بالموت قبل الموت فاحتسب كما قال عمر، وروى أشهب كراهة ذلك.
قُلتُ: كذا وجدته في عتيقتين: أفضل الشهادة والصواب: فضل الشهادة.
قُلتُ كذا وجدته في عتيقين: أفضل الشاهدة والصواب: فضل الشهادة.
ابن حبيب: وروى أشهب: أحب انصراف من لقى عشرة أو أكثر لعسكره، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 12

في سعة من قتالهم.
وروى علي: إن لقيت سرية أضعافهم، فإن علمو أنهم لا ينكدوا العدو؛ فلا يلقوهم؛ لئلا يستأسر بقتلهم.
محمد: لمن نزل العدو بع وحده ودعاء للأسر أن يقاتل أو يستأسر.
وفي الواضحة وكتاب ابن سَحنون: عن ابن وَهب عن ربيعة: إن حصر عدو أهل قرية إن لم يقاتلوا؛ ماتو جوعاً، وإن خرجوا لقتاله قتلوا أحب إلي خروجهم لقتاله.
وفي كتاب ابن سَحنون: إن أعجزهم الجوع عن القتال؛ خرجوا إن طمعوا في الأسر، وعرف ذلك من العدو، وإلا ماتو جوعاً ولم يخرجوا.
قُلتُ: للتونسي كلام طويل في الانتقال من موت لآخر، وسمع القرينان: حمل رجل أحاط به العدو على جيشه خوف الأسر خفيف.
ابن رُشْد: وله أن يستأسر اتفاقاً، وحمل الرجل وحده من الجيش الكثيف على جيش للعدو للسمعة والشجاعة مكروه اتفاقاً.
قُلتُ: الصواب: حرمته، ولعله مراده.
قال: وحمله محتبساً بنفسه؛ ليقوي نفوس المسلمين في كونه مكروهاً منهياً عنه، أو جائزاً مستحباً لقوي قول ابن العاصي مع غيره، وفعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع أبي أيوب الأنصاري، والقولان قائمان من السماع، والثاني الصحيح.
محمد: روى أشهب في الرجل بين الصفين يدعو للمبارزة: لا بأس به إن صحت نيته.
وروى سَحنون: لا تنبغي إلا لمن يثق بنفسه خوف إدخال الوهن على الناس، وقد بارز أنس بن مالك مرزبان الداره من البحرين فقتله، وأخذ منطقته وسواريه، فقوما بثلاثين ألفاً أو أربعين.
قال لي معن عن مالك: إن دعا العدو للمبارزة، فأكره أن يبارز أحد إلا بإذن الإمام واجتهاده، ونقل عياض عن مالك: تجوز المبارزة مطلقاً دون شرط أمر الإمام، ولم ينقل غيره، إن أراد بالأمر الإذن، فهو خلاف نقل الشيخ، وإن الأخص منه؛

الجزء: 3 - الصفحة: 13

فإخلال بنقل شرط الإذن، فلة خيف قتل المبارز؛ ففي جوازه عضده.
نقل الشيخ قولي سَحنون مقيداً الأول بعد قتل الكافر؛ لأن مبارزته كعهد أن لا يقتله إلا واحد، وقاله أشهب، كما لو أسره جاز خلاصه منه.
سَحنون: قيل لمالك: أيعضد إن خيف عليه؟ قال: إن خاف الضعف فلا يبارز.
وعزا الباجي الثاني لمحمد عن ابن القاسم وأشهب.
الشيخ عن سَحنون: لو بارز ثلاثة أو أربعة مثلهم؛ جاز أن يعضد من فرغ من مبارزة أصحابه كما فعل علي وحمزة يوم بدر.
ابن حبيب: قال أهل العلم: لا بأس بالمبارزة بإذن الإمام، رب رجل ضعيف يقتل فيهد الناس، ولا بأس أن يعضد إن خيف قتله.
وقيل: لا، لأجل الشرط، ولا يعجبنا؛ لأن العلج إن أسره وجب علينا أن نستنقذه، وقد ضرب شيبة رجل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المبارزة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنقذاه منه.
قُلتُ: كانت مبارزة علي وصاحبيه مبارزة جمع لجمع، وتقدم لسَحنون جواز العضد فيه.
روى البزار عن علي رضي الله عنه قال: تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه فنادى: من يبارز؟ فبادر إليه شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقا رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث.
قال: فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، وأقبل عبيدة إلى الوليد.
قال: فلم يلبث حمزة صاحبه إلى أن فرغ منه.
قال: ولم ألبث صاحبي.
قال: واختلفت بين الوليد وبين عتبة ضربتان، وانتحر كل واحد منهما صاحبه.

الجزء: 3 - الصفحة: 14

قال: فأقبلت أنا وحمزة إليهما، وفرغنا من الوليد واحتملنا عبيدة.
الجوهري: انتحر القوم على الشيء إذا تشاجروا عليه، وتناحروا في القتال.
الشيخ: روى سَحنون وغيره: كراهة مبارزة الرجل أباه المشرك وكره قتله إبتداءً.
قالوا: ولا بأس بقتل ذوي محارمه مبارزة وغيرها.
سَحنون: إن اضطره أخوه المشرك فلا بأس بقتله، وليس الجد كالأب عندنا في هذا.
الشيخ عن الموازيَّة: أيغزي بغير إذن الإمام؟ قال: أما الجيش والجمع؛ فلا إلا بإذن الإمام، وتوليته والياً عليهم، وسهل مالك لمن قرب من العدو، ويجد فرصة، ويبعد عليه الإمام.
محمد: كمن هو منه على يوم، ونحوه لأبي زيد عن ابن القاسم: إن طمع قوم بفرصة في عدو قربهم، وخشوا إن أعلمهم إمامهم منعهم، فواسع خروجهم، وأحب استئذانهم إياه.
وسمع القرينان: من نزل بهم عدو؛ استأذنوا الإمام في قتاله إن قرب وإلا قاتلوه.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة؛ حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو.
وسمع أصْبَغ ابن القاسم في أهل ثغر تبينت لهم غزة في عدو، والإمام منهم على أيام: لا بأس بإخراج سراياهم دون إذنه إن أمنوا على أنفسهم.
ابن رُشْد: لو حضرهم لم يخرجوا دون إذنه إن كان عدلاً لسماع عبد الملك ابن وهب: إن كان غير عدل لم يشترط إذنه في مبارزة ولا في قتال.
ابن رُشْد: وطاعته لازمة، ولو كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية للأحاديث الثابتة.
الشيخ عن سَحنون: تجب طاعة الأمير ولو فيما لا يعلمون عاقبته، ولا يسألوه عنها.

الجزء: 3 - الصفحة: 15

قُلتُ: يريد: إذا كان عدلاً.
قال: وقد منع عمرو بن العاص جيشه، وقيد النار في ليلة باردة، فلما قدموا شكوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عمرو: كان في أصحابي قلة، فكرهت أن يراهم العدو، فأعجبه صلى الله عليه وسلم ذلك.
قال: وإنما يسألونه فيما يخاف فيه الهلكة، ويجتمه على أنه خطأ، فيسألونه ويناظرونه، فإن أظهر صوابه؛ أطاعوه وإلا فلا، وقد رجع الصحابة لرأي أبي بكر في قتال أهل الردة وإنفاذ جيش أسامة، وإن رأى بعضهم رأي الأمير رجع إليه من خالفه، والإمارة في الحرب غير الإمارة في غيره، إنما يقدم فيها العالم بها مع الفضل، ولا ينظر في نسبه أعربي هو أو مولى؟ وقد يقدم فيها الأدنى فضلاً على الأفضل لفضل علمه بها.
وسمع القرينان/ قيل لمالك: يقال: خير السرايا أربعمائة.
قال: قد بعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة على سرية فيها ثلاثمائة، وربما بعث الرجل والرجلين سرية.
ابن سَحنون عنه: ليس في السرية حد؛ إنما ذلك باجتهاد الوالي بقدر ما يرى من شدة الخوف وكثرة العدو.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: لا بأس ببعث السرايا سراً وعلانيةً، ولا أرى إلا أن يكون كتيبة من ذوي شجاعة ولو قلوا، (رب رجل خير من كتيبة)، ولا ينبغي أن يكون في غرر؛ لأن وهنها وهن للجيش.
الشيخ عن الموازيَّة: لا تخرج سرية دون إذن الإمام.
عبد الملك: إن خرجوا دون إذنه عصوا، ولا ينفلون ويؤدبون.
سَحنون: أصحابنا يرون إن خرجوا في قلة وغرر دون إذنه؛ فله منعهم الغنيمة؛ أدباً لهم.
سَحنون: أما جماعة لا يخاف عليهم؛ فلا يحرموا الغنيمة.
وروى ابن القاسم في قوم أتوا المصيصة، فوجدوا الوالي اخرج سرية، فلحقوا بهم، ولم يدخلوا القرية خوف منع الوالي من لحوقهم بهم؛ لا بأس بذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 16

باب الرباط

والرباط: المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه.
الباجي: ولو بتكثير السواد.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون وغيره: قال مالك ليس من سكن بأهله كالإسكندرية وأطرابلس ونحوهما من السواحل بمرابطين؛ إنما المرابط من خرج من منزله يرابط في نحر العدو حيث الخوف.
ابن حبيب: قال مالك: سكان الثغور؛ يريد بالأهل والولد ليسوا بمرابطين، وذكر مثل ما تقدم.
الباجي: وعندي أن من اختار استيطان ثغر للرباط فقط، ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره؛ له حكم الرباط.
قُلتُ: هو مقتضى نقل ابن الرقيق أن سبب خط القير وان بمحلها رعي كون بينها وبين البحر أقل من مسافة القصر؛ لتكون حرساً.
الباجي: إذا ارتفع الخوف عن الثغر كقوة الإسلام به أو لبعده عن العدو؛ زال حكم الرباط عنه.
وقد قال مالك فيمن جعل شيئاً في السبيل: لا يجعل في جدة؛ لأن الخوف الذي كان بها ذهب.

الجزء: 3 - الصفحة: 17

الشيخ عن ابن حبيب: روى إذا نزل العدو بموضع مرة؛ فهو رباط أربعين سنة.
وروى ابن وَهْب: الرباط أحب إلي من الغزو، على غير وجهه، وهو على الصواب: أحب إلي من الرباط.
ابن رُشْد: إلا إذا خيف على موضع الرباط.
الباجي: لا يبلغ الرباط درجة الجهاد.
ابن سَحنون: روى ابن وَهْب: لم يبلغني أن أحداً ممن يقتدي به من صاحب وغيره خرج من المدينة للرباط إلا واحداً أو اثنين، وهي أحب المساكن إلا من خرج له، قم رجع إليه.
ابن حبيب: روى عنه صلى الله عليه وسلم: (تمام الرباط أربعين ليلة).
وفي غضبها: يكون بالثغور.
فيقال: قال الإمام: لا تجز سواه إلا بإذني.
قال مالك: ويقول: لا تصلوا إلا بإذني لا يلتفت لقوله، وفي الدعوة قبل القتال طرق.
الشيخ عن ابن سَحنون: في وجوبها ثالثهما: تسقط فيمن قرب؛ كالمصيصة وطرطوس للحسن، ومالك مع أكثر العلماء، ورواية ابن الماجِشُون.
اللخمي: تجب لمن لم تبلغه دعوة الإسلام اتفاقاً، وفيمن بلغته روايتان، ثم قال: تجب على الجيش العظيم فيمن لا يطيقه، وغلب على الظن إجابته للإسلام أو الجزية، وقد يظن عدم قبول ذلك منه لتأخره، ومن علم قبول ذلك منه، ولم يغلب على الظن إجابته ورجيت؛ استحبت، وإن لم ترج؛ أبيحت، وإن قل المسلمون وخشي تحرز العدو منهم؛ منعت.
المازري: ضبط المذهب للمتأخرين: من جهل الدعوة؛ وجبت له، وفي غيره قولان، وعندي ثالثهما من جهلها، ورابعها في كثير الجيش الآمن غائلة العدو لا في غيره لأحد قوليه لها فيها، وابن سَحنون عنه، وثاني قوليهما، وظاهر كلام أَصْبَغ، ثم قال: من عاجلنا سقطت، وإن أمكنت، وتحقق جهله بها؛ وجبت إجابته ورجت، ولو يحسن اختلافاً، والأحسن حمله وتفصيلاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 18

ابن رُشْد: من لم يبلغه أمر الإسلام، أو بلغه، وجهل ما يدعى إليه، وظن إنما يقاتل؛ ليغلب أو يملك؛ وجبت دعوته في الجيوش، وعلى قول جل أهل العلم أن دعوة الإسلام عمت العالم سقط الأول، ومن علم ما يقاتل عليه؛ لم يلزم إعلامه قبل بعث السرايا إليه، وجاز للإمام إعلامه بذلك لا لأمير السرية إذا دخل؛ لأنه تأليب عليها، وفي سقوطها في الجيوش، والصوائف ووجوبها مطلقاً، أو إن رجيت إجابته، رابعها: إن تيقنت؛ وجبت، وإن رجيت؛ استحبت، وإن أيست؛ جازت.
لسَحنون مع الآتي على مذهب مالك وأَصْبَغ ويحيى بن سعيد فيها وغيره: ومن شك في بلوغه الدعوة، فإن بعد عن الدروب؛ حمل على عدم بلوغها إياه، اتفق عليه قول مالك، ولو قرب، ففي كونها كذلك؛ فتجب دعوته أولاً، فتسقط قولا مالك فيها.
وسمع ابن القاسم في قتال المصيصة: لا يقاتلوا إلا أن يدعوا.
ابن بشير: في كثير الجيش الآمن وللمتأخرين، في هذه الروايات طرق: أولاها: ردها للثالثة.
وثانيها: ردها لثلاثة أقوال: ثالثها: ثالثها المازري: في سبب الخلاف طريقان: الفقيه: اهتلاف الأحاديث في ثبوتها وفيها الآيل لتقديم المثبت أو النافي أو الجمع بينهما.
وفي الطريق الأصولية قولان: قال بعض الأصوليين: هو ما قيل: لم يخل العقل من سمع لقوله تعالى: (الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ) [الملك:8]، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء:15]، (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]؛ فعموم الإرسال للخلق يوجب بلوغ الدعوة، وما قيل: بخلوه عنها، فلسنا على ثقة بأن الكفار علموا ما يدعون إليه.
وقال بعضهم: هو قول أهل السنة بعدم تحسين العقل وتقبيحه فلا يوجب شيئاً، فتجب الدعوة للإعلام بما أوجب الشرع.
وقول المعتزلة بتحسينه، فتسقط الدعوة لخطاب الكافر من ناحية عقله، ولنا فيهما

الجزء: 3 - الصفحة: 19

تعقب يطول ذكره، وذكر ابن بشير الطريقين دون تعقب، وقد يتعقب بأنه لا يلزم من عدم الخلو عن السمع سقوط الدعوة؛ لأن السمه ينسخ بعضه من بعضاً، فتجب الدعوة للإعلام بالنسخ، وبيان الناسخ، وبأنه لا يلزم من إدراك العقل وجوب التكليف بالتوحيد ووجوب الإرسال إدراك متعلق الدعوة، وعلى وجوب الدعوة لو قوتل من وجبت له دونها فقتل وسبي فطرق: ابن محرز عن سَحنون: لا دية ولا كفارة ولا ضمان.
ابن محرز: كمن قتل مرتداً قبل استتابته.
قيل: دمه هدر، ونحوه للصقلي، وحكاه المازري كأنه المذهب.
قال: وقال بعض أصحابنا البغداديين: القائل بهذا لو قتل دونها من تمسك بمقتضى كتابه، وآمن بنبيه ونبينا صلى الله عليه وسلم وجهل بعثه؛ ففيه الدية، فإن أراد الدية الكاملة؛ فهو كقول الشافعي، وهو يجري على القولين في ثبوت حكم النسخ بنزوله أو بلاغه.
قُلتُ: اللازم عليه ديته في دينه لا دية المسلم.
ابن بشير: على مذهب المعتزلة لا دية فيها، وعلى خلو العقل من سمع تلزم الدية.
وقال بعض البغداديين: لا نص فيه، وخرجه على القولين في خلو العقل من سمع.
قُلتُ: الذي للباجي: قال ابن القُصًّار: ولا نص فيها لمالك.
والأظهر عندي قول أبي حنيفة: لا دية، ولم يذكر تخريجاً.
ابن رُشْد: إم قتل أو سبي قبل الدعوة من لم يبلغه أمر الإسلام، أو بلغه، وجعل ما يدعي إليه، وظن أن قتاله ليقتل أو يملك؛ رد في الأول ولا الثاني، وعلى قول جل أهل العلم أن جعوة الإسلام عمت العالم؛ سقط الأول.
وفيها: فرق بين الروم والقبط.
وقال: لا يقاتلوا ولا يبيتوا حتى يدعوا.
عبد الحق: لأنهم لا يفقهون ما يدعوة إليه.
زاد في تهذيبه: وأنكر بعضهم هذا، وقال: هم من أحذق الناس في الأعمال والحساب وغير ذلك؛ إنما العلة أنهم ركنوا بظلم في عهد كان لهم، وعزا ابن محرز الأول

الجزء: 3 - الصفحة: 20

للمذاكرين والثاني لابن شبلون القرافي: قيل: لشرفهم بسبب مارية وهاجر، وقوله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم نسبًا وصهرًا".
قُلتُ: تعليل وجوب دعوتهم بعدم فهمهم إياها متناف، وفي كراهة تبييت العدو وإجازته رواية ابن عبد الحَكم وقول محمد.
اللخمي: من وجبت دعوته؛ منع تبييته، ومن استحبت؛ كره، ومن أبيحت؛ أبيح ما لم يخفف على المسلم؛ لجهلهم موضع العدو، وفي وصفة الدعوة طرق: عبد الحق عن ابن حبيب: إنما يدعو إلى الإسلام جملة، وإلى الجزية كذلك لا تذكر الشرائع إلا أن يسلموا، فيبين لهم، أو يسألوا عن الجزية فتبين لهم، وقاله الأخوان.
الشيخ عن ابن حبيب: أمر صلى الله عليه وسلم أن يدعوا إلى الإسلام والصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج والزكاة.
ومقتضى الروايات؛ إنما يدعى إلى الجزية من تقبل منه حسبما يأتي إن شاء الله.
اللخمي: هي أقسام مرجعها أن يدعوا إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفروا، ثم بعد ذلك إلى الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ فإن أقر بالتوحيد والرسالة وأنكر الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج؛ فمرتد إن رجع للإقرار بذلك، وإلا ولم تقبل منه جزية.
قُلتُ: هذا خلاف ظاهر نقل الموثقين عن المذهب.
قال ابن فتوح وابن العطار وابن الهندي: من أجاب إلى الإسلام مجملاً، ولم يقر بالصلاة، ثم ارتد؛ لم يقتل إلا أن يثبت أنه صلى ولو صلاة واحدة.
ابن الهندي: ويؤكده قول ابن عبد الحَكم: إن أسلم وحسن إسلامه، ثم رجع؛ استتيب.
قال: فقوله: حسن إسلامه؛ يدل على اعتباره بالقول والعمل.

الجزء: 3 - الصفحة: 21

المتيطي: إن لم يوقف الإسلامي على شرائع الإسلام؛ فالمشهور أنه يؤدب ويشدد عليه، فإن أبي؛ ترك في لعنة الله، ولم يقتل، وقاله مالك، وابن القاسم، وابن عبد الحَكم وغيرهم، وبه القضاء.
وقال أَصْبَغ في الواضحة: إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم رجع ولو عن قرب؛ فهو مرتد وإن لم يصل.
المتيطي: لو اغتسل لإسلامه ولم يصل إلا أنه حسن إسلامه، ثم رجع عنه، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن أبي، قتل، وقال ابن القاسم: لا يقتل حتى يصلي ولو ركعة.
وفيها: لا توطأ الأمة من غير أهل الكتاب حتى تجيب إلى الإسلام بأن تشهد أن لا إله إلا الله أو تصلي.
الشيخ عن سَحنون: من أجاب للإسلام أو الجزية؛ لم يؤمر بالتحول من محله إن كان تحت حكم الإسلام آمنًا من غيره وإلا تحول إليه.
وفيها: لعليَّ رضي الله عنه: الدعوة ثلاث مرات، وفي الأمر بدعاء المحارب للتقوى قبل قتاله لمن لم يعالجه، والنهي عنه أولى روايتي اللخمي معها، وقول عبدالملك قائلاً: خذه من أقرب حاله مع ثاني روايتي اللخمي يجب على من لقي لصًا حرصه على قتله، ولو قطع على غيرك، وسلمت منه؛ وجب رجوعك إليه، ولو طلب ثوبًا أو ما خف، ففي إعطائه لترك قتاله رواية اللخمي معها، وقول عبد الملك: لا يعطه إن رجا دفعه، وخرجهما اللخمي على وجوب جهاده وعدمه، واختار إن كان غير مشهور؛ لم يبح قتله إلا لضرورة دفعه عن نفسه، وإن كان مشهورًا ممتنعًا بموضع إن ترك تحصن به، وعاد للحرابة تعين قتاله، وإن كان غير ممتنع ممن يريد قتاله، ولا يخاف على أحد منه؛ لم يقتل إلا أن يؤذن الإمام إلى قتاله، ولم يجب، وذلك للإمام.
الشيخ: قال سَحنون: أجمع العلماء على جواز القتال في الشهر الحرام، وروى: لم أسمع أحدًا قال: لا يقاتل في الشهر الحرام، وروى سَحنون: لم يزل الناس يغزون الروم، وغيرهم وتركوا الحبشة، وما أرى تركهم إلا لأمر، فلا يخرج إليهم حتى يستبان أمرهم، فإن كانوا ظلموا؛ لم يقاتلوا، والاستعانة بالكفار في منعها ثالثها إن لم يكونوا منحازين بناحية للمشهور،

الجزء: 3 - الصفحة: 22

وابن رُشْد عن رواية أبي الفرج مع نقل عياض: قال بعض علمائنا: إنما كان النهي في وقت خاص.
وابن بشير عن الشاذ واللخمي مع الشيخ عن ابن حبيب قائلاً: لا بأس أن يقوم بحربي يسالمه على من لم يسالمه.
وقول ابن بشير: وعلى الشاذ في جوازه مطلقًا أو في الخدمة مطلقًا خلاف نصها: لا بأس أن يكونوا نواتية أو خدمًا، ولا يستعان بهم في القتال.
وروى اللخمي: يجوز استعماله في خدمة أو صنعة.
ابن رُشْد: لا بأس أن يستعار منهم السلاح، ولو استعين بهم؛ ففي الإسهام لهم طريقات: ابن رُشْد: إن كانوا مكافئين للمسلمين، أو هم الغالبون؛ قسمت الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين فقط.
عياض: في الإسهام لهم إن كان جيش المسلمين إنما قوي بهم قولا سَحنون ومالك.
وسمع يحيى ابن القاسم: لا أحب إذن الإمام لهم في الغزو، ولا يخمس ما غنموا، ولا يقسمه بينهم حكم المسلمين إلا أن يرضوا فيقسم بينهم قسم الإسلام، وإلا فأمرهم لأساقفتهم.
قُلتُ: ظاهره: عدم اشتراط رضا اساقفتهم في القسم بينهم وفيه خلاف.
ابن رُشْد: في منعه من الخروج، وتركهم دون إذن لهم قولا أَصْبَغ يمنعون أشد منع، ودليل السماع: لا أحب إذن الإمام لهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 23

باب الديوان

والديوان: لقب لرسم جمع أسماء أنواع المعدين لقتال العدو بعطاء.
وفيها: لسَحنون عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: أوقف عمر والصحابة رضي الله عنه الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين، ففرض منه للمقاتلين والعيال والذرية؛ فصار سنة، فمن افترض فيه ونيته الجهاد؛ فلا بأس به، وأسند سَحنون أن أبا ذر قال لمن قال له: لا أفترض: افترض فإنه اليوم معونة وقوة، فإذا كان ثمن دين أحدكم فلا تقربوه.
وفيها: لم ير مالك بأسًا بمثل ديوان مصر، والمدينة ودواوين العرب.
اللخمي: إن كان العطاء من مباح.
قُلتُ: هو معنى قول مالك.
اللخمي: ويستحب كون الغزو دون أجر، وسمع ابن القاسم: لا أرى لغني قبول فرس أو سلاح أعطيه في الجهاد، ولا بأس به للمحتاج.
ابن رُشْد: قبول المحتاج أفضل إجماعًا لأنه من إعلاء كلمة الله بالقوة على الجهاد، وسمع ابن القاسم: من أعطي شيئًا في السبيل من الوالي؛ فلا بأس به.
ابن القاسم: يريد: الخلفاء، وغيرهم لا يجوز الأخذ منه.
ابن رُشْد: إلا أن يكون فوض لهم في ذلك.
وفيها: بسند الوليد بن مسلم إلى ابن محيريز قال: (ذوو العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون).
قُلتُ: في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وحاصله الترجيح بكثرة العمل، فإذا اتحد كان دون عطاء أفضل.

الجزء: 3 - الصفحة: 24

ابن رُشْد: من أعطى شيئًا في السبيل؛ فالمذهب قصر صرفه في غزوه إلى بلوغه رأس مغزاه، وما فضل بعد بلوغه لا يرجع لملك معطيه، وفي جواز إنفاقه منه في رجوعه، وصرف باقيه في غزو غيره، وصيرورة كله ملكًا له، ثالثها: وجوب صرف كله في غزو غيره، ورابعها: إن أعطاه لينفقه فيه على نفسه رد باقية لربه، وإن أعطاه لينفقه فيه لا على نفسه؛ رد ما بقي في السبيل لا بن حبيب، وأحد قولي سَحنون مع فضل عن مالك وأصجابه، وسماع القرينين، وثاني قولي سَحنون، وعلى الثالث في استحباب صرفه هو لغيره في السبيل دون رده لربه؛ ليصرفه ربه في ذلك، وتخييره في الأمرين سماعًا ابن القاسم والقرينين.
وسمعا: لو قال: أردت كون الفضل ملكًا للمعطي لسماع ابن القاسم ذلك في قوله صدق، وسمع ابن القاسم: لو قال: أردت كونه لي؛ صدق، ولو كان المعطي في السبيل فرسًا أو سلاحًا؛ ففي حمله على التحبيس حتى ينص على التبتيل وعكسه حكاية سَحنون رواية ابن القاسم وظاهر سماعه، وسمع: من أعطي شيئًا في حج؛ ففضله لربه.
ابن رُشْد: الفرق عند مالك أن الغزو لا منتهى له وللحج منتهى، وعليه لو أعطي عينًا في غزاة معينة؛ رجع فضلها لربها، وسمع من تجهز لغزو، وبدا له أحب دفع جهازه لغيره.
ابن رُشْد: ولو بدا له في تأخيره لخروجه في غزاة أخرى؛ رفعه لها، ولو خيف فساده رفع ثمنه لها إلا أن يكون موسرًا يجد مثل جهازه في غزاة أخرى، فليفعل به ما شاء، وسمع من أوصى بمال في السبيل أحب إلى أن يعطي من يغزو به من بلد الموصى من بعثه؛ ليقسم في الثغور والرباط خوف ضياعه بالطريق.
ابن رُشْد: خير فيه في سماع أشهب في الوصايا.
قُلتُ: لعله مع الأمن.
وفيها: لمالك: لا بأس بجعل القاعدة من ديوان للخارج منه دونه، وربما لم يخرج لهم عطاء، وهو العمل عندنا.
ابن القاسم: جعله لمن ليس من أهل الديوان لم أسمعه منه ولا يعجبني، وهو أشد كراهة من كراهته لمن يرابط مؤاجرة فرسه في غزو أو رباط، ولم يعجبه لمن معه في سبيل

الجزء: 3 - الصفحة: 25

الله فرس أن يؤاجره، والجعالة لمن في ديوان ليست إجارة؛ لأن عليهم سد الثغور.
التونسي: لو عين الإمام من يخرج باسمه أو صفته؛ لم يجز أن يجعل لمن يخرج عنه إلا بإذنه، وينبغي إن أتاه بمن يقوم مقامه أن يقبله.
الصقلي: وسهم الخارج بجعالة من ديوان واحد للجاعل، ولا للخارج، به أفتى شُيُخنا، وحكي عن بعض القرويين.
قُلتُ: الأظهر أنه بينهما؛ لأنه لولا الجعالة احتمل وجوب خروج الجاعل بالقرعة فيكون الخارج أجيرًا، فيستحقه الجاعل، ويحتمل العكس فيستحقه الخارج، أما لو كانت المجاعلة بعد تعين الجاعل بقرعة، أو كان الخارج من غير ديوانه فكما قالوا، وفيه نظر؛ لأن قواعد الشرع تقتضي أن استحقاق الإسهام؛ إنما هو بمباشرة حضور القتال، أو الخروج له إن عاقه عن حضوره ما لا يقدر على دفعه، وتركه اختيارًا لا في مصلحة الخارجين يمنعه، وسمع القرينان في بعوث يتجاعل فيها؛ لخوفها كبعوث المغرب يغرم فيها القاعد للجاعل، فيكون اللوالي الحوى في بعضهم من أهل الفضل والصلاح جعله في ذلك الرفع؛ ليسلم من الغرم.
قال: هذا شيء جعل للسلطان فهو أخف.
ابن رُشْد: قد كره أن يحابي بعض أهل الفضل والصلاح بجعله في الذين يمسكهم للحاجة إلهم؛ ليسلموا من الغرم، وخففه إن لم يحاب، ولم يكن له بد من إمساك بعضهم للحاجة إليه، وذلك مكروه للسائل.
وفيها: عن ابن عباس: لا بأس بالطوى من ماحوز لآخر إذا ضمنه الإنسان.
قُلتُ: الطوى: المجاوزة.
في المحكم: طوى المكان إلى المكان جاوزه.
والماحوز: الناحية.
في المحكم: كل ناحية على حدة حيز، وجمعه أحياز نادر، وقياسه حيائز بالهمز عند سيبويه، وحياوز بالواو عند أبي الحسن.

الجزء: 3 - الصفحة: 26

قُلتُ: ومعنى ضمنه الإنسان: أي: كفي فيه وقام بحربه.
وفيها: ليحيى بن سعيد والليث: لو قال في الطوى: خذ بعثي وبعثك، وأزيدك دينارًا أو بعيرًا؛ فلا بأس به.
قال عبد الرحمن بن شريح: يكره أن يعقد الطوى قبل أن يكتتبا في البعثين اللذين يتطاويان فيهما فيقول أحدهما للآخر: اكتتب في بعث كذا، وأنا أكتتب في بعث كذا، ثم يعقدان الطوى على ذلك، وأما بعد الكتابة؛ فلم أسمع من ينكره إلا من يفعله التماسًا للزيادة في الجعل.
التونسي: كون ذلك قبل الكتابة غير متصور؛ لأنه لم يجب عليهما شيء يخرجان فيه، ولا فائدة في إعطاء أحدهما الآخر شيئًا في شيء لا يجب عليه وبعد الكتابة، وحضور الخروج جائز، وقبل حضورها يقول: خذ بعثي وآخذ بعثك، وما كان لي فهو لك، وما كان ذلك؛ فهو لي وأزيدك كذا، فهذا هو الدين بالدين، ولعله المعنى الذي كره أن يعقد الطوى قبل الكتبة، يريد: قبل حضور ما يأخذانه وحلوله.
قُلتُ: يرد إلزامه الدين بالدين بأنه ليس يع في الرواية: ما كان لي؛ فهو لك، وما كان لك؛ فهو لي، إنما فيها: خذ بعثي وآخذ بعثك؛ حسبما مر، ومعناه: اخرج لبعثي بالمغرب، وأخرج لبعثك بالشام، وأزيدك كذا لسهولة بعث الشام؛ فالزيادة هنا لمكان السهولة كما كانت في الجعائل لمكان القعود، وعلى تسليم ثبوت ذلك في الرواية لا يلزم الدين بالدين؛ لأن ما يأخذانه إنما هو من معط واحد؛ لأنهما من ديوان واحد، وغالب العطاء من صنف واحد وهو العين، فإن تساوا عطاءاهما؛ فلا معاوضة، وآل الامر لمحض الزيادة، وإن اختلفا؛ صارت الزيادة من العطاء، ولا يدفعه من عنده، وإنما يتصور ذلك إن التزم كل واحد دفع ذلك من عنده في ذمته، ولو كان كذلك؛ كان ربا أشد من الدين بالدين، إلا أن يكون عطاء أحدهما من غير صنف عطاء الآخر، فيكون الدين بالدين، وحمل الأثر على ذلك بعيد، وهذا يرد توجيهه أثر عبد الرحمن بما ذكر، ووجهه أنه قبل الكتاب يؤدي إلى كذبهما عند الكتب وبعدها لا يؤدي إليه.
وفيها: قلت: لو تنازعا في اسم في العطاء، فأعطى أحدهما الآخر دراهم على أن يدع له الاسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 27

قال: قال مالك: من أراد بيع ما زيد في عطائه بعرض؛ لم يجز، فكذا مسألتك.
التونسي: يريد: خرج العطاء لزيد بن عمرو فادعياه واسم كل منهما كذلك.
اللخمي: إن كان تنازعهما قبل خروج العطاء يخير الإمام فيهما، وإن كان عند خروجه دون بعث وهما من ديوان واحد؛ تحالفا، وقسم العطاء نصفين، ومن نكل منهما اختص به منازعه الحالف، فإن أثبتا معًا فرق بين اسميهما، وإن كان حين بعث ... معينة هما منها؛ فكذلك، إلا أن يرى الإمام بعث أحدهما دون الآخر، فإن كان أحدهما ليس منها؛ كان العطاء للآخر إلا أن يرى الإمام خروج من ليس منها أولى، وإن كانا من بعث مبهم كقوله: يخرج بعث الثغر الفلاني، أو الجيش الفلاني؛ تحالفا كما مر ويخرجان أو يقترعان، فمن طارت قرعته خرج دون أخذ شيء من منازعه، واقتراعهما للتخفيف عليهما في عدم خروجهما معًا لا ليرد أحدهما على الآخر شيئًا؛ لأن حق الأمير إنما هو على أحدهما فقط.
التونسي: لو كان تنازعهما في عطاء لخروج غير ثابت؛ تخير الأمير فيهما.
وفيها: ما سمعت منه في الإدراب بالنساء لأرض الحرب شيئًا، وقال: لا بأس أن يخرج بهن إلى السواحل كالإسكندرية، ولا بأس عندي بالغزو بهن في عسكر أمين، سَحنون: ويخرج بأهله لأمين المواضع الكثير الأهل كالإسكندرية وتونس، وشك في سفاقس وسوسة، ولا يخرج لغيرهما من سواحلنا.
وروى ابن حبيب تعليل النهي عن السفر بالقرآن لأرض العدو لخوف نيله العدو.
ابن حبيب: لما يخشى من استهزائهم وعبثهم، وتصغير ما عظم الله.
وقول اللخمي: اختلف في ذلك، فذكر قول مالك، وقول ابن حبيب يقتضي تباينهما وليس كذلك؛ لأن قول ابن حبيب تفسير لقول مالك.
سَحنون: ولا يجوز ولا في جيش كبير.
ابن حبيب: خوف نسيانه فيناله العدو.
اللخمي: هذا استحسان، والغالب السلامة.

الجزء: 3 - الصفحة: 28

الباجي عن ابن الماجِشُون: لا يسعف الطاغية طلبه مصحفًا يتدبره، ولا يعلم كافر قرآنًا ولا كتابًا.
محمد وابن حبيب: ولا بأس بقراءته عليه احتجاجًا.
عياض: أجاز الفقهاء الكتب لهم بالآية، ونحوها في الكتاب يدعون به الإسلام والموعظة.
أبو عمر: يجوز ذلك للضرورة.
وفيها: لمن أحرق العدو سفينته طرح نفسه في البحر؛ لأنه فر من موت لآخر.
ربيعة: صبره أولى، وقال أيضًا: لا يفر من موت لآخر أيسر.
اللخمي عنه: له أن يثبت للموت ولا يفر للأسر.
وروى أبو الفرج: لمن أظله العدو إلقاء نفسه في البحر.
اللخمي: كلاهما غير بين، لا يلقي نفسه بنفس إتيانه العدو، والأسر مقدم على الموت، والطرح لخوف موت الحرق خفيف، والموت بما ينزل أولى منه بفعل نفسه.
وفي وجوب أكل الميتة وإباحتها لخائف الموت بالجوع خلاف.
قُلتُ: لم يذكر عز الدين ابن عبد السلام غير وجوب الأكل، وساقه مساق الاتفاق عليه، وهو ظاهر كلام الصقلي وغيره.
قال عز الدين: إن استوت مدة الحياة في الإحراق والإغراق؛ فالأصح عدم لزوم الصبر على الأشد ألمًا؛ إنما يجب الصبر عليه إذا تضمن الصبر بقاء الحياة.
قُلتُ: هذا إن تساوت الحالتان في الثبوت على ذكر الشهادتين وإلا ترجحت حالته.
وسمع سَحنون ابن القاسم: لمن خاف نارًا أن يلقي نفسه في الماء فيموت ابن رُشْد: قاله مالك فيها: وربيعة مرة، ومرة قال: لا يحل، والصواب أن تركه أفضل وفعله جائز.
ابن بشير: مارجي فيه السلامة من بقاء أو انتقال وجب.
وفي جواز انتقاله في القطع بالتساوي قولان: التونسي عن سَحنون: لو بلغ من حصره عدو من الجوع ما أعجزه عن القتال، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 29

نجاة بأسر صبر للموت جوعًا، ولا يخرج لقتله العدو، وأشار لإجراء خروجه لقتله على الانتقال من موت لموت.
وتعقب ابن عبد السلام عزو بعضهم هذا لابن سَحنون بأنه إنما ذكره الشيخ على أنه من كلام ربيعة، ولم يتعقب إجراءه.
وفي تعقبه على بعضهم نظر؛ لأن التونسي ذكره نصًا لابن سَحنون، فالناقل عن التونسي برئ؛ لأنه نقل عن ثقة، ولفظ النوادر محتمل؛ لأن نصه بعد ذكره كلامًا لربيعة من الواضحة وكتاب ابن سَحنون.
قال في كتاب ابن سَحنون: فيحتمل عود ضمير (قال) على ربيعة، ويحتمل أن يكون كلام ربيعة انقضى، وأتى بكلام ابن سحنون في كتابه على عادته، ويرد إجراء التونسي بأن الانتقال إنما أجازوه حيث لا يوجب تشفيًا للعدو بنيله قتل المسلم بيده.
والأسير إن ترك بعهده ألا يهرب، أو لا يخون ظاهر أقوالهم لزومه اتفاقًا، وهو ظاهر قول ابن حارث: يجب على المسلم الوفاء بعهده العدو اتفاقًا.
**** العقد ولو كان مكرهًا عليه، أو إن كان غير مكره؛ نقلا المازري عن الأشياخ: وإن ترك دون استئمان ويمين؛ فله الهروب بنفسه، وما أمكنه من قتل، وأخذ مال إن قدر على النجاة، وإن ترك بائتمان أو أيمان طلاق أو غيره، ففي كونه كذلك أو كالعهد، قالثها: له الهروب بنفسه فقط لابن رُشد عن المخزومي في المبسوطة مع ابن الماجِشُون، وسماع عيسى ابن القاسم مع سماعه أَصْبَغ والأخوين مع روايتهما.
قُلتُ: وعزاه الشيخ لسَحنون وروايته، وعزا الصقلي الثاني لسَحنون، وعزا الشيخ والصقلي لمحمد: المواعيد كالعهد.
وفرق اللخمي بينه وبين اليمين بخوف اعتقادهم عدم وفاء الإسلام بالعهد؛ إذ لا حل له، ولليمين حل بإيقاع موجب الحنث، ونحوه للتونسي.

الجزء: 3 - الصفحة: 30

الشيخ عن أشهب: لايحل سرقته ثوبًا دفعوه ليخيطه لهم.
محمد عن ابن القاسم: له سرقة أموالهم لامعاملتهم بالربا.
محمد: لاشيء عليه بعد خروجه فيما سرقه منهم، ويستحب صدقته بما أبى.
وسمع عيسى ابن القاسم: لايخمس ماخر جبه.
ابن رُشْد: قول محمد: هذا إن أسر من بلاد المسلمين، وإن أسر من غزو، وخرج إله خمس، بعيد على أنه ساقه تفسيرًا للمذهب.
قلت للشيخ: عن ابن حبيب عن الأخوين مع مالك: إن هرب أسير الجيش ببلد الحرب لولا الجيش ماأمكنه هروب فيما هرب به من جملة الغنيمة إلا مال نفسه، وماكان وهبه، وهو مصدق فيما يدعيه بيمينه.
ولو عوهد أسير على تخليته لإتيانه بمال وإلا رجع، فعجز عنه، ففي لزوم رجوعه ومنعه نقل ابن حارث مع الشيخ تخريج سَحنون على قول مالك في الرهن: بأيدينا يسلم أنه يرد الدين إليهم، وقول سَحنون.
ابن حبيب عن الأخوين: ولو أطلقه العدو على أن يأتيه بفدائه، فله بعث المال دون رجوعه، فإذا لم يجد فداءً، فعليه أن يرجع، ولو عوهد على أن يبعث بالمال، فعجز عنه فاليجتهد فيه أبدًا ولا يرجع، وقاله أَصْبَغ.
قُلتُ: الفرق بينهما شرط رجوعه في الأولى دون الثانية.
سَحنون: لو عاهدوه على بعث الفداء، فإن عجز رجع فعجز، ففي لزم رجوعه قولا أصحابنا، وبالأول قال أشهب، وإنه لحسن، وربما تبين لي الآخر.
سَحنون: لمن اسلم من حربي قتل من أمكنه من حربي وأخذ ماله، ولو أخذه ملكهم، فأنكر إسلامه، فتركه لا لمسلم دخل إليهم على أنه كافر، لأن إدخالهم إياه على ذلك أمان، لو ذكر للملك إسلامه فقال له: أنت آمن، أو زاد: والحق بأرض الإسلام، فإن لم يؤمنه المسلم، ولم يقل شيئًا، ولا فشا بالبلد تأمينه الملك، فله قتل من أمكنه، وأخذ ماله، ولو أخذ فقال: هو نصراني او جئت لأقاتل معكم، ففي جواز ذلك له ومنعه نقلا الشيخ قولي أهل العراق وسَحنون، وفي كتاب ابنه من دخل إليهم بأمان، ولو من أحدهم حرموا عليه، ولو أباح لهم ملكهم أخذ مالهم، ومن غدروه بعد تأمينه،

الجزء: 3 - الصفحة: 31

فله فعل ما أمكنه فيهم، ولو غدره عامتهم، فأنكر عليهم ملكهم، وغيره فهم على عهدهم.
وفيها: لابن القاسم: لو نزل بنا عبد حربي بأمان فأسلم ومعه مال لسيده، فالمال للعبد لايخمس، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة إذ قدم مسلمًا مالًا أخذه لأصحابه.
أبن حبيب: عن أَصْبَغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام، ومامعه أول نزوله، فيكون كما لو هرب به مسلمًا، وقول ابن القاسم: أحب إلي.
سَحنون عن أشهب: هو حر ولا يعرض لما بيده، وعليه الوفاء لربه برجوعه إليه بالمال وهو حر عليه، لأنه لو بعث أسير بتجر، فهو حر، ولايكلف الرجوع، ولايمنع مما في يده، وعليه الوفاء لباعثه بما خرج عليه.
****** المسلمين: فيه طرق، الأكثر واجب.
الباجي: في وجوبه وكونه نفلًا قول جمهور أصحابنا مع مالك، وقول أشهب في الفداء يخمر لايدخل في نقل بمعصية.
ابن بشير: سما نفلًا، لوجوبه على الكفاية لا الأعيان إلا أن يتعين، وسمع القرينان استقاذهم بالقتال واجب فكيف بالمال.
زاد اللحمي في روايته مع سماع أَصْبَغ رواية أشهب، ولو بجميع أموال المسلمين.
قُلتُ: مالم يخش استيلاء العدو بذلك، وفي المبدأ بالفداء منه طرق.
ابن بشير: بيت المال، فإن تعذرت فعلى عموم المسلمين والأسير كأحدهم، فإن ضيع الإمام والمسلمون ذلك، وجب على الأسير من ماله.
ابن حارث: عن ابن عبدوس عن سَحنون: يفدى المسلم من ماله، فإن لم يكن له مال، فمن بيت المال.
اللخمي: أرى أن يبدأ بماله، ثم بيت المال، ثم الزكاة على المستحسن من المذهب، فإن لم تكن، فعلى المسلمين على قد أموالهم إن لم يستغرقها الفداء، فإن استغرقها فدي بجميعها.

الجزء: 3 - الصفحة: 32

وسمع القرينان: من رهنه أبوه، فمات ففداه مسلم، ليرجع بفدائه في قدر إرثه من أبيه أو على التركة قال: لو فداء الإمام.
ابن رُشْد: يريد: من بيت المال، لأنه الواجب، فإن لم يفده، ولا أحد من المسلمين، فالواجب كونه من رأس مال أبيه، فإن قصر فعلى الابن، ويتبع به في عدمه على ظاهر الروايات.
الشيخ عن سَحنون: إن رهنه أبوه في تجارة، فعليه فداؤه ويؤدب، فإن مات فمن تركته، وإن رهنه في مصلحة المسلمين، فعلى الإمام فداؤه.
وفي الفداء بآلة الحرب: ومالايملك من خمر وخنزير وميتة، ثالثها: بالآلة مطلقًا لابما لايملك، ورأبعها: عكسه للشيخ عن سَحنون عن ابن القاسم، وابن حارث عن أشهب مع الباجي عنه مع ابن الماجِشُون وابن رُشْد عن قول ابن القاسم: هو بالخمر أخف منه بالخيل مع قول النخمي عن أشهب: يفدى بالخيل والسلاح لاالخمر والخنزير والميتة، وعسكه أبن القاسم فقال: لايصلح بالخيل وهو بالخمر أخف، وخامسها: لابن رُشْد عن ابن حبيب: يجوز بالخيل والسلاح مالم تكثر بحيث يتقوى به، وعلى الأول.
قال ابن رُشْد والشيخ عن سَحنون: يأم الإمام أهل الذمة بدفع ذلك لهم، ويحاسبون به من جزيتهم، فإن أبوا، لم يجبروا، ولا بأس بابتياع ذلك لهم وهذه ضرورة، وفي الفداء بأسارى الكفار القادرين على القتال نقل ابن حارث عن سَحنون مع الشيخ عن الأخوين وأَصْبَغ قائلين: وإن كان المشرك ذا قدر عندهم ونجدة أن لم يرضوا إلا به، ونقل ابن رُشْد مع ظاهر نقل الباجي عن ابن القاسم: لايجوز بما يتقوون به، ونقل اللخمي قول أَصْبَغ بزيادة مالم يخش بفدائه ظهورهو على المسلمين، وخوف وقوع الضرر بقتالهم مغتفر.
قال: عن ابن سَحنون: ويفدى بصغارهم أن لم يسلموا، وبالذمي إن رضي، وكانوا لايسترقونه، وعزا الشيخ عدم الفداء بمن أسلم من صغير لرواية ابن نافع.
قال سَحنون: إن عقلوا الإسلام، وروى إن لم يكن معهم أحد أبويهم، فلهم حكم الإسلام.

الجزء: 3 - الصفحة: 33

وقول ابن عبد السلام: أنكر ابن حارث وجود الخلاف في الفداء بالأسارى، لم أجده له، بل ماتقدم مع قوله عن أشهب: لابأس أن يقبل في فدية رجال الكفار المال، وأنكره سَحنون، ومن فدى حرًا أجنبيًا، ولادليل على عدم اتباعه في رجوعه عليه وعدمه مطلقًا، ثالثها: على بيت المال، فإن تعذرت فعلى المسلمين، ورأبعهما: هذا إن كان عديمًا لسماع أًصْبَغ أبن القاسم مع أبن رُشْد عن ظاهر الروايات والموازيَّة وأبن بشير عن مقتضى عزو الباجي الأول لجمهور أهل المذهب مفسرًا قول غير الجمهمور بالقول يأخذ مافدي من لصوص مجانًا، ومقتضى القياس عن اللخمي، ومقتضاه عند ابن رُشْد، وعلى الأول في رجوعه به، ولو كان أضعاف ثمنه، وإن كره أو مالم يعلم صدق قوله: كنت قادرًا على الخروج دون شيء أو بأقل، وفدي دون أمره وعلمه، فلا يتبع بما كان قادرًا على الخروج دون قولان لسماع أَصْبَغ مع الموازيَّة واللخمي.
الشيخ عن سَحنون: لو فداه ذمي بخمر أو خنزير أو ميتة، تبعه بقيمة ذلك وقيمة الميتة إن كانت مما يتمالكونه، وكذا لو اشتراه بذلك أو كافأه به عن هبته له.
قُلتُ: لم والمكافأة تطوع؟ قال: لأنهم يقصدون الثواب، ولو فداء بذلك مسلم، لم يتبعه بشيء.
زاد الباجي: يحتمل على قوله بإجازة الفداء بالخمر والخنزير أن يتبعه بثمن ذلك.
قُلتُ: يرد احتماله بأن القاتل بعدم اتباعه سَحنون القائل بجواز الفداء بذلك، وإلا تناقض ولاتناقض، إذ لايلزم من الفداء به الاتباع، وأول قولي ابن الحاجب في رجوع المسلم عليه بالخمر ونحوه، وإن كان اشترى الخمر لذلك قولان لا أعرفه، وفي أخذه من قول الباجي محتمل بعده، ولم يحك ابن رُشْد غير الثاني، وقيد قول سَحنون في الذمي بكونه أخرج ذلك من عنده، ولو اشتراه، لتبعه بثمنه.
الشيخ عن سَحنون: لو فدى جماعة فيهم ذو القدر والغنى وغيرهما، فإن علم العدو ذلك، وزرع الفداء على تفاوت أقدارهم وإلا فبا لسوية، وكذا لو كان فيهم عبيد ولربهم تركهم لفاديهم.
الباجي: القريب غير ذي محرم كالأجنبي في اتباعه بفدائه.
ابن رُشْد: اتفاقٌا، وذو محرم لايعتق كذلك إن كان بأمره ليتبعه به، وإلا ففي كونه

الجزء: 3 - الصفحة: 34

كذلك، وسقوط أتباعه ثالثها: إن جهله الفادي، ورابعهًا: إن لم يتوارثا لتخريج ابن زرقون من قول المغيرة: يتبعه في الكتابة، والباجي عن المذهب، والشيخ عن سَحنون مع ابن رُشْد من قولها: يرجع المكاتب بما ودى عن من معه في كتابته ممن لايعتق عليه مطلقًا، وتخريج ابن زرقون من قول أشهب لايرجع عليه، والباجي عن سَحنون مع ابن زرقون عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وتخريجه من قول ابن كنانة لايرجع على ماودي عنه في كتابته أن وارثه، وذو محرم يعتق عليه يتبعه إن كان بأمره، وإلا فثالثها: إن لم يعلم، ورابعها: إن لم يعلم لم يتبعه، وإلا تخرج على لزوم الثواب بينهما، ونفيه لتخريج ابن زرقون من قول المغيرة يتبعه في الكتابة، والباجي عن المذهب والشيخ عن سَحنون محتجًا بأن الفداء ليس ملكًا، وإلا فسخ نكاح الزوجة بالفداء، واللخمي محتجًا بأنه قصد الشراء والملك.
قلت: يرد باحتجاج سحنون وبامتناع الملك فيه ولذا قال فيها يحيى بن سعيد: من فدى ذمية، فلا يطؤها، وله عليها مافداها به، وهي على أمرها.
اللخمي: لو أشهد قبل فدائه باتباعه تبعه اتفاقًا إلا أن يكون الأب فقيرًا، لأنه مجبور على فدائه، لأنه آكد من نفقته، وعزو ابن بشير الاتباع بأمر الفادي للمتأخرين قصور، لثبوته في الروايات حسبما ذكره السيخ وغيره، ونقل ابن الحاجب عدم رجوعه مع كونه بأمر المفدي والتزامه لاأعرفه، بل نقل الباجي الإجماع على اتباعه.
الشيخ: سمع عيسى ابن القاسم: وروى ابن سَحنون عن المغيرة ومالك: من فدى زوجته، أو اشتراها من حربي، تبعها بفدائها إن جهلها.
ابن حارث: اتفاقًا.
ابن رُشْد عن فضل: لو قالت له: افدني وأعطيك الفداء وإلا فثالثها: إن امرته بفدائها لابن حارث عن ابن سَحنون عن سَحنون مع تخريج الباجي من إحدى روايتي القاضي بالثواب بينهما، وسماع عيسى ابن القاسم مع تخريج ابن رُشْد من قولها في المكاتب يؤدي كتابته ومعه أمرأته لايرجع عليها بشيء.
والباجي عن سَحنون قائلًا: أصل ذلك من لايرجع عليه بثواب لا يتبعه بفداء

الجزء: 3 - الصفحة: 35

وعكسه عكسه، وتخريج الباجي على إحدى روايتي القاضي لاثواب بينهما.
والشيخ يحيى بن يحيى مع ابن حبيب عن ابن القاسم ورواية الأخوين.
زاد اللخمي في التخريج على رواية الثواب بينهما: بعد حلفه مافداها إلا ليتبعها.
قال: ولو أشهد الفادي منهما باتباعه قبل فدائه تبعه اتفاقًا، ولم يعز ابن بشير القول بالاتباع إلا للتخريج على الثواب، وتبعه ابن عبد السلام، وتعقب التخريج بقوله: يمكن أن تسمح النفوس بالهدية لاالفداء، ولاسيما نزارة الهدية وكثرة الفداء، ويرد بإنتاجه نقبض ماادعاه الصقلي والشيخ.
وروى أبن نافع في: أفدني وأضع عنك مهري وهو خمسون دينارًا، ففداها بعبد قيمته خمسون دينارًا: لاشيء له مهرها إلا أن يفديها جاهلًا أنها امرأته.
قُلتُ: فرض جهلها مع وضع مهرها عنه متناف.
وسمع يحيى أبن القاسم: لو قالت: افدني وأسقط مهري عنك، فإن لم تسم الفداء لم يحل، فإن فداها، فله فداؤه والمهر باق، فإن سمته، فإن كان المهر عينًا والفداء بعين من غير جنسه، لم يجز إلا تقبضه صرف الحال، ويعيده عليه للفداء، وإن كان بعين مماثلة للمهر مقاصة، جاز مطلقًا إن حل وإلا جاز بقدره وبأقل ضع وتعجل، وبأكثر ذهب بأكثر إلى أجل، ويعرض جائز إن عجل الفداء وإلا فدين بدين، وكذا إن كان عرضًا والفداء يعرض مخالف أو عين وإن كان طعامًا، لم يجز بغير صنفه بحال وبه بعد حلوله جائز مطلقًا وقبله بقدره فقط، وإلا جاء ضع وتعجل أو حط عني الضمان وأزيدك.
ابن رُشْد: قوله: (ذهب بأكثر إلى أجل) لايصح، بل هو تعجيل حق له وزيادة عليه، وفي قوله: في الطعام جائز بقدره، وإن لم يحل نظر، إذ لايجوز أخذ طعام من سلم بغير موضع قبضه قبل أجله، فلا يصح قوله إلا إن أعطى الطعام في موضع شرط قبضه فيه، وإذا وجب الرجوع بالفداء.
قال الباجي وأبن بشير: يرجع بالمثل في المثلي والقيمة في غيره.
ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقًا، لأنه قرض.

الجزء: 3 - الصفحة: 36

قُلتُ: الأظهر إن كان الرجوع بقول المفدي: افدني وأعطيك الفداء، فالمثل مطلقًا، لاأنه قرض نقله ابن رُشْد عن فضل، ولم يتعقبه في سماع عيسى من كتاب التجارة بأرض الحرب، وإن كان بغيره،.
فقول الباجي: لأن السلعة المفدي بها لم يثبت لها تقرر في الذمة، ولاالتزامه قبل صرفها في الفداء، فصار دفعها كهلاكها في قولها: لو هلكت السلعة المستعارة للرهن عند المرتهن، وهي مما يغاب عليه، لاتبع المعير المستعير بقيمتها، وكقولها: إن دفع حميل بدنانير عنها سلعة، تبع الغريم بالأقل من قيمتها أو الدين.
ابن بشير: لو جعل لفاديه جعلًا، فالمنصوص سقوطه، وينبغي إن تكلف مالا يلزمه، فله بقدر كلفته.
الشيخ عن ابن حبيب: من قالت له زوجته: افدني ولك كذا، فلاشيء له إلا فداؤه.
قُلتُ: خرج على المسألة بعضهم: أجر فادي مابأيدي اللصوص، وأجر غفير القافلة، وهي أحرى في قوافل التجر، ولو فداه وماله، فالفادي أحق به من غرمائه، وفي كونه، لأنه فداه أو لتعليق الفداء بذمته جبرًا نقلا الصقلي قول محمد أولّا، وعن عبد الملك مع تصويب محمد.
قوله: فادى أم الولد أحق بما في يد ربها من غرمائه، ولو كان للمفدي مال، لم يفد معه، ففي اختصاص الفادي به فقلا اللخمي مع الصقلي عن عبد الملك، والشيخ عن سَحنون واللخمي مع ظاهر نقل الصقلي عن محمد.
اللخمي: وعلى الأول له فداء نفسه بما خلفه، ولو كره غرماؤه، لتغليب درء ضرر الأسر، وخوف فننته في دينه، ولو اختلفنا في قدر الفداء، ففي كون القول قول المفدي مطلقًا أو إن أشبه، إلا فقول الفادي إن أشبه، وإلا ففداء المثل إن حلفا أو نكلا، ومن حلف دون صاحبه قبل قوله وإن لم يشبه، ثالثها: القول قول الفادي إن كان الأسير بيده مطلقًا، ورابعها: إلا ان يدعي مالا يشبه، فله فداء مثله لسماع عيسى ابن القاسم، وابن رُشْد عن قاعدة المذهب، وعن سَحنون وعن ابن أبي حازم، ولو أنكر انه فداه، وخرجا معًا من دار الحرب، أو ادعى كل منهما أنه فدى الآخر، فالقول قول منكر الفداء.

الجزء: 3 - الصفحة: 37

ابن رُشْد: إن كان منكر الفداء في يد مدعيه، قبل قوله.
وسمع يحيى ابن القاسم: لو هرب أسير برقيق من دار الحرب، فادعى أحدهم أنه حر مسلم سبي صغيرًا، وهو فصيح ينتسب لقوم يخبر عن منازلهم، وشهد عدول بسبي صغير من هناك، ولا يدرون أهو هذا؟ لايقبل قوله إلا بيينة على عينه، أو أنه كان بدار الحرب مسلمًا.
ويقاتل العدو بكل قاصر على مقابليه عادة.
اللخمي: ويحرق سورهم ويرمون بالنار إن لم يمكن غيرها، وخيف على المسلمين منهم اتفاقًا، ولو خالطهم النساء والذرية، ويختلف إن طلبهم المسلمون، فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها كمن لم يقدر عليه إلا بها؟ التونسي: انظر لو كان فيهم مسلمون هل يرمون لنجاة المسلمين منهم؟ وكيف إن كان معهم من المسلمين الاثنان فقط، والمسلمون عدد كثير، وموت الاثنين خير من موت عدد كثير، فلهذا وجه.
اللخمي: أرجو خفته إن كان معهم النفر اليسير من المسلمين.
ابن بشير: هذا على قوله يطرح الرجال بالقرعة من السفن للضرورة، وانكره المحققون، لتساوي الحرمة ولغو الكثرة.
قال: ولو تترس العدو بمسلمين، وخفيف من تركهم استئصال جمهور المسلمين ففي تركهم ترجيحًا لدرء مفسدة قتل الترس، لأنها عاجلة ومفسدة استيلاء العدو آجله يمكن صرفها، وقتلهم ترجيحًا لدرء مفسدة كلية على جزئية قولان للشافعيَّة.
قُلتُ: إنما ذكر أبن الحاجب خلاف الشافعيَّة حيث يكون ترك الترس يؤدي إلى هلاك كل الأمة لاجمهور الأمة.
ابن شاس: لو تترس كافر بمسلم لم يقصد الترس، ولو خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلم لا يستباح بالخوف، ولو تترسوا في الصف، وإن تركوا انهزم المسلمون، وخيف استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين، وأهل القوة منهم وجب الدفع، وسقطت حرمة الترس.
قُلتُ: وقال الغزالي: غن كان ترك الترس يؤدي إلى قتل كل الأمة رمي الترس، لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 38

مقتول، ولو ترك وإن لم يؤد إلى قتل كل الأمة، لم يرم.
قُلتُ: اعتماد منكري قول اللخمي والتونسي، إنما هو على أن القول بذلك قول بما شهد الشرع بإلغائه، لحكم الشرع بمساواة الواحد للكثير في الاحترام، ولعلهم أخذوه من قتل الجماعة المباشرة لقتل الواحد به كالواحد به، ومساوي المساوي مساوٍ على أن في ذلك خلافًا بين العلماء، وقد يجاب بمنع كونه مما شهد الشرع بإلغائه، أما في مسألة الرمي بالنار، فالأقل فيها تبع لمن وجب قتله، والتبعية شهد الشرع باعتبار جنسها أو نوعها، وشهادة الشرع بإلغاء الكثرة مع القليل، إنما تثبت حيث استقلال القليل، وعدم تبعيته، وذكر أبو عمر عن الشافعي قولًا برميهم، وإن تترسوا بأسرى، ولم يقيده بالخوف منهم، وأما في مسألة القرعة، فالقول بها إنما كان لشهادة الشرع باعتبار ارتكاب أقل الضررين اللازم أحدهما دون أكثرهما، كنقل عز الدين وجوب قطع يد من ألم بها يؤدي إلى إتلاف النفس مع اعتبار الشارع نوع القرعة، ومالايتوصل للواجب إلا به، فهو واجب، وإن لم يقع هذا الاضطرار إلى رميهم بالنار.
فقال ابن رُشْد: إن لم يكن في الحصن غير المقاتلين، ففي جواز رميهم بالنار، ومنعه قولان لها، ولسَحنون مع رواية محمد بن معاوية، وعزاه اللخمي أيضًا لابن القاسم.
ابن رُشْد: ويجوز تغريقهم ورميهم بالمنجنيق، وشبه ذلك اتفاقًا، ولو صحبهم النساء والصبيان فقط ففي جواز رميهم بالنار وغيرها، ثالثها، إلا رمي النار، ورابعها: المنع إلا رمي المنجنيق لابن مزين عن أَصْبَغ، وفضل عن ابن القاسم وأبن حبيب ولها، وعزا اللخمي الأول لمحمد قائلًا: إن لم يقدروا على أخذهم إلا بتحريق حصنهم أو تغريقه، وأحب إلى اجتناب النار.
ابن رُشْد: ولو صحبهم أسرى مسلمون، فلا يحرقوا ولا يغرقوا.
وفي جواز قطع الماء عنهم ورميهم بالمنجنيق، ومنعه قولا ابن القاسم مع أشهب وابن حبيب مع نقله عن مالك وأصحابه.
قُلتُ: وعزاه الشيخ لسَحنون.
ابن رُشْد: ولو صحبهم بالسفينة النساء والصبيان فقط، جاز رميهم بالنار اتفاقًا

الجزء: 3 - الصفحة: 39

ولو صحبهم الأساري فقولان لأشهب وابن القاسم.
قوله: قول أشهب، يريد: ماتقدم للخمي فيما أنكر عليه إلا أن الشيخ نقل قول أشهب في الواضحة بقيد قوله: إن رمونا بها.
اللخمي عن محمد: لاتدخن مطمورة، إنما بها النساء والذرية.
اللخمي: إن كان لم يكن بها غير المقاتلة، جاز، ويختلف إن صحبهم النساء والذرية، ولو صحبهم أسرى، جاز مايرجى به خروجهم دون موت، فإن لم يخرجوا تركوا.
الشيخ: كره سَحنون جعل سم في قلال خمر يشربها العدو.
الشيخ: عن سَحنون: الإمام مخير في قتل أسارى العدو واسترقاقهم.
ابن رُشْد: حاصل مذهب مالك تخيير الإمام في قتل الأسير واسترقاقه وفدائه، وضرب الجزية عليه، وعتقه بالاجتهاد في تحصيل الأصلح، فذو النجدة والفروسية والنكاية يقتل، وغيره إن كان ذا قيمة استرقه، أو قبل فيه الفداء إن ناف على قيمته، ومن له قوة على الجزية ضربها عليه، وإن لم تكن له قوة كالزمنى أعتقه، ولو جهل هل له نجدة أو فروسية أو غائلة أو لا؟ ففي قتله روايتان: الأولى: قول عمر رضي الله عنه.
قُلتُ: هو ظاهر قولها: يقتل من الأسارى من لايؤمن منه، ألا ترى ما كان من أبي لؤلؤة.
ابن رُشْد: ولو رأى الإمام خلاف ماقلناه باجتهاده، فله ذلك، كرأيه فداء ذي النجدة بكثير المال يتقوى به المسلمون.
قُلتُ: نحوه نقل الصقلي عن محمد: لايفادى حربي علج من أهل الذكر والشجاعة إلا بمسلم مثله، فإن لم يكن أجتهد الإمام فيه، وخص اللخمي هذا التخيير بالرجال المقاتله.
الباجي: مقتضى الاجتهاد في الشجاعة وذي الرأي قتله، وفي غيره إن كان صانعًا أو عسيفًا استبقاؤه، ومن رجي إسلامه، والانتفاع به من عليه.
وفي جواز قتل الرجال غير المقاتلين كالأجير والفلاحين وأهل الصنائع نقلا اللخمي عن سَحنون وأبن حبيب مع ابن الماجِشُون وأبن القاسم وروايتة، ويجوز فداء

الجزء: 3 - الصفحة: 40

الرجال بأسرى المسلمين، وفيه بالمال نقلاً ابن حارث عن أشهب مع الباجي عن مالك، ونقلهما عن سحنون ابنه.
قلت: فادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى بدر بالمال.
قال: لمكة خصوص ليس لغيرها، دخلها رسول الله صلي الله عليه وسلم عنوة ولم يقسمها، ولا خمسها ومن على أهلها بلا مال، ولا إسلام، ولا نفعل ذلك اليوم.
اللخمي: على منع جزية المشركين واسترقاقهم يخير فيما سواهما.
قال: وفيها يسترق العرب إن سبوا كالعجم، ومنعه ابن وهب أحسن.
سَحنون: من أمنه الإمام أو قسم؛ لم يقتل.
قال: مع رواية ابن نافع أو أسلم، وروى ابن وهب: يدعى الأسير إلى الإسلام قبل أن يقتل، فلو قال: كنت مسلماً؛ لم يقبل إلا بينة.
وفي الموازية: إن ترك قتل الأسير لرجاء فداء أو نفع أو دلالة أو سبب أو أخذوه يستخبرونه الخبر أو أبقوه لصنعة ظنوها فلم تكن؛ لم يقتل، ومترك ليرى الإمام فيه رأيه؛ فله قتله، وكذا في المختصر.
وفي الموازية: أتى عمر بالهرمزان فكلمه فاستعجم فقال: تكلم ولا تخلف، فلما تكلم أراد قتله.
قال له: قد قلت: لا تخف؛ فتركه.
وسمع ابن القاسم: قدم بالهرمزان وجفينة علي عمر رضي الله عنه، فأراد ضرب أعناقهما فكلمهما فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما، ثم أراد قتلهما فقالا له: ليس ذلك إليه قد قلت: لا باس عليكما.
ابن رشد: الهرمزان: سيد تستر حاصره أبو موسى في قلعة بها بعد أن دخلها، ثم أنزله على حكم عمر، فأتي به عمر فقال له: تكلم.
فقال: كلام حي وميت؟ فقال: تكلم فلا بأس.
فقال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نقصيكم ونقتلكم، فلما كان الله معكم؛ لم يكن لنا بكم يدان.

الجزء: 3 - الصفحة: 41

قال عمر: يا أنس ما تقول؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدداً كثيراً وشوكة شديدة، فإن تقتله ييأس القوم من الحياة، ويكون أشد لشوكتهم.
قال عمر: استحيي قاتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور، فلما خفت قتله.
قلت: ليس إلى قتله سبيل.
قلت: تكلم ولا بأس.
قال: لتأتيني بمن يشهد لك، فلقيت الزبير، فشهد معي، فتركه عمر، وأسلم وفرض له.
قلت: مقتضى قول مال: أن المحتج على عمر رضي الله عنه الأسيران لا أنس، ونقل ابن رشد عكسه، ومثله نقل أبو عمر، وقد يجمع بقوله: أنس أولاً، والأسيران ثانياً.
وفيه قبول الحاكم الشهادة عليه بما نسيه وهو المذهب، ورأيت عمل بعضهم بخلافه، فالله أعلم.
الشيخ في الموازية: لو أمر الإمام بالنداء على أسير، فبلغ ثمناً؛ فله قتله.
أصبغ: هذا إن عرضه ليختبر ثمنه وإلا فلا.
زاد ابن حبيب: إلا أن يكون هو الذي سأله البيع فأجابه إليه، فلا يقتله.
محمد: عن أصبع عن أشهب: لو أسرت سرية أعلاجاً، فأدركهم أمر خافوا منه؛ فلهم قتلهم إن لم يكونوا استحيوهم، واستحياؤهم أن يتركوهم رقيقاً للمسلمين أو فيئاً لهم ليرى الإمام رأيه.
ابن حبيب: وقتل الأسير بضرب عنقه، لا يمثل به ولا يعبث عليه.
سحنون: قيل لمالك: أيضرب وسطه؟ قال: قال الله (عز وجل): ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، لا خير في العبث.
قلت: وقتل ذمي بنقض العهد كقتل الأسير، ونزلت في ذمي ثبت بيعه أولاد المسلمين لأهل الحرب، فسأل السلطان الشيخين ابن قداح وابن عبد السلام.
فقال ابن عبد السلام: يصلب ويطعن، وذكر قول مالك فيها: لم أسمع أحداً صلب إلا عبد الملك بن مروان، فإنه صلب الحارث الذي تنبأ، وهو حي وطعنه بالحرية بيده، ففعل ذلك، ومقتضى رواية سحنون: ضرب عنقه.

الجزء: 3 - الصفحة: 42

وفي مراسيل أبي داود عن إبراهيم التيمي أنه صلى الله عليه وسلم صلب عقبة بن أبي معيط إلى شجرة.
فقال: يا رسول الله أنا من بين قريش؟ ال: نعم.
قال: فمن للصبية؟ قال: النار، والتمسك بهذا في صلبه الأسير أبين.
الباجي: لا يمثل بالأسير في قتله؛ بل يضرب عنقه إلا أن يكونوا مثلوا بالمسلمين.
سحنون: قيل لمالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك.
قلت: في حديث لمسلم في غزوة بدر: فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال: هذا ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه سألوه، قال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال: هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله صلي الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأي ذلك الضرب قال: "والذي نفسي بيده لتضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم".
الحديث.
عياض: فيه جواز ضرب الأسير لمعنى يوجب ذلك، وليستخبر ما عنده من أمر العدو.
سحنون: لا يجوز حمل الرؤوس من بلد لأخر، ولا حملها إلى الولاة، وكره أبو بكر حمل رأس القبريط إليه من الشام، وقال، هذا فعل الأعاجم.
وفي قتل النساء والصبيان عن قاتلوا ثالثها: إن قتلت المرأة أو الصبي إن راهق، للخمي عن سماع يحيى ابن القاسم وسحنون في المرأة، فألزمه اللخمي الصبي، وعن

الجزء: 3 - الصفحة: 43

أصبغ، وعزاه الشيخ لابن حبيب.
وللصقلي عن سحنون: لا يقتل الصبي والمرأة إن قاتلا بخلاف الراهب والشيخ الكبير.
الشيخ عن سحنون: في قتل الصبي المنبت قولاً أكثر أصحابنا وابن القاسم.
الشيخ عن ابن حبيب: قتال المرأة المعتبر بالرمح والسيف وشبهه، وقتالها بالرمي من فوق الحصن لا يبيح قتلها إلا أن تكون قتلت، وروى ابن نافع في النساء والصبيان يرمون حصن المسلمين بالحجارة أيقتلون؟ قال: نهى صلي الله عليه وسلم عن قتلهما.
عياض: في كون قتالها بالحجارة كالسلاح قولا أصحابنا، ولم يعزهما ابن بشير لأحد، وفي قتل الزمن العاجز عن القتال المجهول كونه ذا رأي ثالثها: إن كان في جيش لا في مستوطن لسحنون وابن حبيب واللخمي.
قلت: ظاهر نقل الشيخ عنهما: من علم عجزه عن القتال والرأي لا يقتل، ومن علم أنه ذو رأي؛ يقتل.
في الموازية: عن عبد الملك: يقتل الشيخ الكبير ذو الكيد.
محمد: إن عرف بذلك وإلا تركه أحب إلي.
سحنون: المريض الشاب والمجنون يفيق أحياناً، والأجذم يقبل ويدبر كصحيح، ومن أبطله الجذام كشيخ فانٍ، ومفلوج لا حراك له لا يقتلون غلا من له رأي.
ويقتل كل مقاتل حين قتال: ابن سحنون: ولو كان شيخاً كبيراً.
وسمع يحيى ابن القاسم: وكذا المرأة والصبيان.
ونقل ابن الحاجب: منع قتلها حين قتالها لا أعرفه.
ابن سحنون: وقتال الصبي غير المطيق للقتال لغو إنما هو ولع.
سحنون: إن قاتل هو والمرأة يرمي الحجارة رمياً بذلك ولو قتلا.
وأنكر قول الأوزاعي: يقتلان حين حراستهما الحصن.
سحنون: من قتل من لا يقتل بدار الحرب قبل صيرورته مغنماً؛ استغفر الله، وبعدها يغرم قيمته للمغنم، والراهب المخالط للعدو.

الجزء: 3 - الصفحة: 44

قال ابن حبيب مثله.
اللخمي: هو ظاهر قول مالك فيها.
قلت: بل كل ظاهر الروايات، والمباين كذوي الصوامع المشهور محترم.
اللخمي: روى محمد: لا ينزل من صومعته.
ابن حبيب: لاعتزالهم عن محاربة المسلمين لا لفضل ثبت لهم؛ بل هم أبعد عن الله من أهل دينهم؛ لشدتهم في كفرهم.
ابن رشد: وابن حارث عن مالك: يقتل الرهبان؛ لأن فيهم التجبير والنقض للدين، وعلى المشهور سمع القرينان: رهبان الديارات والصوامع سواء.
وفي كتاب ابن سحنون: إن وجد الراهب في دار أو غار؛ فهو كأهل الصوامع.
قيل: كيف يعرف؟ قال: لهم سيما يعرفون بها.
وإذا وجد العلج قد طين على نفسه في بيت في موضعه، وله كوة ينظر منها؛ فهو راهب لا يعرض له.
سحنون: إن صح عن راهب أن أهل الحرب يأخذون عنه الرأي، قتل، وإن وجد منهزماً مع العدو، وقد نزل من صومعته، فقال: إنما هربت خوفاً منكم؛ لم يعرض له.
ابن نافع: قيل لمالك: تمر سرية المسلمين براهب، فيخافون أن يدل عليهم، فيأخذونه معهم، فإذا أمنوا أرسلوه.
قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته، وما أدعاه من قال قدر كفايته ترك له، وما كثر وجهل صدق دعواه أنه له، أخذ الزائد منه على قدر كفايته.
وفيما علم صدقه فيه طريقان.
ابن رشد وغيره: في تركه له، أو قدر ما يستر عورته، ويعيش به الأيام قولان لنص سماع ابن القاسم في رسم اغتسل، وقول سحنون فيه، وفي الشيخ الكبير، وهو نحو قولها.
ابن رشد: ومعنى سماع ابن القاسم في رسم الشجرة يترك له من ماله ما يصلحه البقرتان تكفيان الرجل، ولو قبل قوله ادعى الكثير فيما لا يعلم صدقه فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 45

قال: وقال بعضهم: كل المذهب كقول سحنون وقولها، وسماع اغتسل في اليسير لا الكثير، وسماع الشجرة فيما علم أنه له.
قال: والصواب ما قدمناه، واللخمي كابن رشد، وصوب ترك ما علم أنه له ولو كثر.
قلت: الذي للشيخ عن سحنون: يترك له ما يستر عورته، ويرد عنه البرد، وما يعيش به من الطعام لا بقيد الأيام، ثم قال: عن سحنون، إن وجدت سرية بصومعة راهب طعاماً، فاحتاجوا إليه أخذوا منه، وتركوا له قدر عيشه الأشهر، وما وجدوا من مال خبأه عنده الروم أخذوه، ولا يستحل بذلك دمه.
قلت: فقوله: الأشهر خلاف نقل ابن رشد عنه الأيام.
وفي لغو ترهب المرأة واعتباره كالرجل نقل اللخمي مع الشيخ عن سحنون وسماع القرينين: وفيمن أخذ من أهل الحرب دون قتال مقبلاً إلينا يدعي مجيئه لما يوجب حرمته من سلم طرق: ابن رشد: تحصيل اضطراب أقوالهم إن كان أظهر ذلك قبل أخذه؛ صدق اتفاقاً، وقبل قوله أو ورد لمأمنه، وإلا ففي كونه فيئاً يرى فيه الإمام رأيه، ولو بالقتل أو لا، فيخير الإمام في قبول قوله أو رده لمأمنه، ما لم يبن كذبه كدعوى التجر ولا سلع، إلا آلة الحرب إن أخذ ببلد الحرب وإلا ففيء، وإن أخذ ببلد الإسلام إن كان بحدثان قدومه، رابعها: وإن طال الأشهب ويحيى بن سعيد.
فيها: مع ظاهر قول مالك فيها، وسحنون وسماع عيسى ابن القاسم، وسماعه يحيى، وخامسها: إن كان من بلد عادتهم الاختلاف لما ادعي قبل قوله أو رد لمأمنه، وإلا كان فيئاً لابن حبيب مع نقله رواية المدنيين والمصريين وربيعة فيها، وسحنون في سماعه، وعيسى في تفسير ابن مزين، وإليه نحا ابن القاسم فيه.
وفيها: قال مالك في رومي أخذ فقال: جئت أطلب الأمان: هذه أمور مشكلة وأرى رده لمأمنه.
قيل: من أخذ حربياً دخل بلد الإسلام دون أمان أيكون له أن فيء؟ قال: لم أسمعه من مالك إلا أنه قال فيمن وجدوا بساحل المسلمين زعموا أنهم

الجزء: 3 - الصفحة: 46

تجار لا يصدقون، وليسوا لمن وجدهم: ويرى الإمام فيهم رأيه.
وفيها: إن نزل تاجر جون أمان قال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن نزل تاجراً.
قال: هذا كقول مالك أولاً إما قبل قوله أو رد لمأمنه.
وروى ابن وهب فيمن وجدوا بساحل المسلمين زعموا أنهم تجار لفظهم البحر، وتكسرت سفنهم، أو يشكون شديد العطش، ومعهم السلاح، فينزلون للماء لا خمس فيهم: ويرى الإمام فيهم رأيه.
الصقلي: من نزل تاجراً لظن الأمن قبل قوله أو رد لمأمنه، ومن تكسرت سفينته أو نزل العطش، وإنما معه السلاح فيء يقتل إن رآه الإمام اتفاقاً فيهما، وإلا فذكر بعض ما تقدم.
اللخمي: إن قام دليل صدقه أو كذبه؛ عمل عليه، وغلا فرأى مرة أنه أسير بنفس الأخذ، ومرة قبل قوله، وهو أحسن.
فوجود الكتاب مع مدعي الرسالة، ووجود من يفدي مع مدعي الفداء أو ثبوت قريب له بالموضع الذي قصده دليل صدقه، وعدمه دليل كذبه، والقائل: جئت أطلب الأمان؛ إن خرج إليهم عسكر، ووجد على طريقه، ولا سلاح معه مشكل أمره، وإن أخذ غير مقبل إلينا، أو لم يخرج لهم عسكر ففيء.
قلت: للشيخ: وظاهره لعبد الملك في كتاب ابن سحنون: لو نزل علج من معقله إلى ما لا يحصنه من المسلمين، فناداهم بالأمان؛ أمن أو ورد لمأمنه، ولو كان معه سلاح، ولم يرد عليه هيئة من يريد قتالاً، لو جاء سالاً سيفه، مسنداً رمحه، فلما صار فيما لا يحصنه طلب الأمان؛ فهو فيء؛ وإنما هذا على ما يظهر من العلامات، وما كان مشكلاً رد إلى مأمنه، ومقابل الأصح في قول ابن الحاجب: ومن وجد بأرض المسلمين أو بين الأرضين وشك في أنه حرب أو سلم، فقال: هذا مشكل، وعلى أنه حرب؛ لا يجوز القتل على الأشهر، وإن حصل الظن بأحدهما؛ عمل عليه على الأصح، لا أعرفه.
وظاهر الروايات وقول اللخمي ونحوه للتونسي وابن بشير بنفيه.
وأما القتل فقال ابن عبد السلام: الذي رأيت لبعض من يحقق النقل من الشيوخ اختلف في القتل، فعلى قول ابن القاسم لا يقتل، خلافاً لابن الماجشون، وعادتهم في

الجزء: 3 - الصفحة: 47

هذه العبارة أنها تستعمل في التخريج، ولكن جعل هذا الشيخ محل الخلاف المذكور فيمن قامت أمارة على كذبه، فيكون الأنسب لهذا الخلاف كونه عند قول المؤلف: على الأصح، وما وجدت من تكلم على هذه المسألة ممن يعتبر نقله ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال، وإذا انتفى القتل عن محل الإشكال، فنفيه عن محل أمارة صدق الرومي أولى، وكلام المؤلف يدل على الخلاف فيه وهو شيء لا يوجد.
قلت: ما ذكره من الخلاف فيمن قامت أمارة على كذبه خلاف ما تقدم للصقلي من نقل الاتفاق على أنه فيء يقتل، وعادة الشيوخ في النقل الغريب تعيين قائله، فلو عين لنا هذا الشيخ المحقق.
وقوله: ما وجدت من ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال.
قلت: ذكره غير واحد، قد تقدم لابن رشد في أول أقوال نقله أنه يقتل نصاً، وهو ظاهر قوله بعد ذلك أنه فيء، وللشيخ عن الواضحة في ثلاثة متسلحين دخلوا قرية آخر عمل الإسلام.
قلت: وفي العتيبة أيضاً وغيرها خلاف ذلك في سماع عيسى المذكور فيه.
تحصيل ابن رشد خلافه قال فيه: إن أخذ بعد طول مقامه بأرض الإسلام؛ فهو رقيق يرى فيه الإمام رأيه، ولا يقتله إلا أن يعلم أنه جاسوس.
وللشيخ عن الواضحة أيضاً: لو أخذ حربي فقال: جئت لتجر أو فداء؛ فإن كان اعتاد المجيء، وجاء مطمئناً قبل قوله أو رد لمأمنه إن أخذ بحدثان وصوله، وإن كان بعد طوله رق، ولم يقتل إلا أن يتهم بتجسس، وإن لم يكن معتاداً للمجيء فهو فيء أينما أخذ، وقاله أصبغ وأشهب.
اللخمي: إن احتيج في أخذ من نزل للعطش لقتالهم، فإن كانوا بحيث ينجون بأنفسهم؛ لبقاء سفنهم ووجود الريح فهم غنيمة لآخذهم فقط أن استقلوا بأخذهم، وإن لم يقدروا على أخذهم إلا بكونهم قرب قرية المسلمين؛ فهم غنيمة لجميعهم كغنيمة سرية جيش، وإن كانوا بحيث لا ينجون؛ فهم فيء كأسارى قاتلوا.
محمد: روى أشهب في مراكب تكسرت وجد فيها عين وغيره إن كان مع العدو؛ فهو مثله، وإلا فلواجده، ويخمس إن كان بقربه قرية العدو، وإلا خمس الذهب والفضة

الجزء: 3 - الصفحة: 48

فقط، ونقله التونسي بزيادة: إلا أن يكون يسيراً.
قال: وهذا خلاف المعروف له في الركاز.
قال: وجعل العروض لا شيء فيها؛ يريد: على أحد الأقوال في ركاز العروض، ولم يجعل جملة الناس ملكوا العروض إذا كانت منفردة، فيكون النظر فيها إلى الإمام؛ لأنها مما يغيب ويخفى، فأشبهت الركاز والرجال لا يغيبون ولا يخفون، فأشبهوا ما جلا عنهم الروم من الأرضين؛ فصارت ملكاً للمسلمين لا لمن سبق إليها.
وفي محل ارتفاع أمان من خرج من محل تأمينه إليه طريقان.
الصقلي: بعد ذكره روايات في ارتفاع تأمينه ببلوغه بلده أو قربه قولان.
قلت: ثالثها: بلوغه محل ارتفاع خوف الإسلام، لها ولنقله عن ابن الماجشون ومحمد مع أصبغ وسحنون ومالك وابن الماجشون أيضاً، ويمكن رد الثالث للثاني؛ ولذا لم يذكره الصقلي في تحصيله مع ذكره إياه قبل تحصيله، ولو رجع بعد بلوغه أمنه.
ففي كونه حلاً لمن أخذه، أو تخيير الإمام في إنزاله آمنا أو رده، ثالثها: إن رجع اختياراً، للصقلي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون، ومحمد وابن حبيب عن عبد الملك.
ابن رشد: قول سحنون: يرتفع تأمينه ببلوغه من البحث موضع الأمن، وإن لم يصل إلى بلده.
قيل له: لا يأمن اليوم إلا ببلده؛ لكثرة سفن الإسلام.
قال: إن كان الأمر كذلك فحتى يخرج من البحر، ويبلغ محل أمنه ينبغي كونه تفسيراً لها إذا لم يفرق فيها هذه التفرقة، ولما في سماع عيسى، ويتخرج عليه ما غنمه العدو من بلاد المسلمين، ثم غنمه المسلمون منه قبل وصوله به بلده هل يقسم إذا لم يعرف ربه أم لا؟ وهل يأخذه ربه وإن قسم بغير ثمن أو لا؟ اختلف في ذلك عندنا.
وفي كون حكمه مع سلطان غير الذي أمنه؛ كالذي أمنه وكونه حلاً له مطلقاً قول مالك فيها مع غيرها، ونقل اللخمي مع الصقلي عن ابن الماجشون.
ابن بشير: إن كان مؤمنه الإمام الأعظم، فغيره مثله؛ وإلا فقولان.
ابن سحنون عنه: إن أمن حربي بأن أنه عين؛ فالإمام قتله أو استرقاقه إلا أن يسلم

الجزء: 3 - الصفحة: 49

ولا خمس فيه.
اللخمي: إن أدى تجسسه قتل؛ قتل، ولو كاتب ذمي أهل الحرب أحوال المسلمين؛ سقط أمانه.
سحنون: يقتل نكالاً.
اللخمي: يريد: إلا أن يرى الإمام استرقاقه، ولو ثبت أن مسلماً عين لهم، فللخمي خمسة: روى العتبي: يجتهد فيه الإمام.
ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب.
ابن القاسم وسحنون: لا توبة له.
عبد الملك: إن كانت منه مرة وظن جهله وعدم عوده، وليس من أهل الظن على الإسلام؛ نكل، والمعتاد يقتل.
سحنون: قال بعض أصحابنا، يجلد ويطال سجنه، وينفى لما بعد عن دار الحرب.
الصقلي عن محمد: إن كان بقوله مظاهرة على عورة المسلمين وإلا سجن حتى تعرف توبته.
اللخمي: قول مال: يجتهد؛ حسن، فإن علم به قبل إعلامه أهل الحرب أو بعده، وتحرز المسلمون، فكف العدو عن الإتيان عوقب ولم يقتل، فإن خيف عوده لمثل ذلك؛ خلد في السجن، وإن دل على موضع استباح منه العدو المسلمين، أو قتل مسلماً، أو لم يدل عليه وعلم به بعد قتل العدو من المسلمين؛ قتل إلا أن يعلم عزم العدو على الإتيان دون قوله، ولو يؤثر قبله شيئاً فلا يقتل.
وسمع ابن القاسم في مسلم أخذ، وقد كاتب الروم بأخبار المسلمين: ما سمعت فيه شيئاً، ويجتهد الإمام فيه.
ابن القاسم: تضرب عنقه ولا توبة له.
ابن رشد: قول ابن القاسم صحيح؛ لأنه أشد فساداً من المحارب، ولقولة

الجزء: 3 - الصفحة: 50

عمر رضي الله عنه في حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يرد رسول الله صلي الله عليه وسلم قوله؛ إلا بأنه شهد بدراً مع تصديقه صلي الله عليه وسلم حاطباً في عذره بالوحي، ومعنى قول مالك: يجتهد فيه أي في قتله وصلبه فقط.
وفيها: لمالك: لا بأس بحرق قراهم وخرابها وقطع الشجر مطلقاً.
ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق رضي الله عنه عن ذلك بالشام لعلمه مصيره للمسلمين، وما لا يرجى لهم ينبغي خرابه وتحرق زروعهم وحصونهم بالنار، أصبغ: هو أفضل من تركها.
ابن سحنون: روى ابن القاسم: تخريب كنائسهم أحب إليّ، وتكسر صلبانهم.
وفي تحريق النحل وتغريقها وكراهة ذلك ثالثها: الوقف عن تحريقها للشيخ عن روايتي ابن حبيب راوياً: لطالب عسىلها تغريقها لخوف لذعها، ونقله عن ابن سحنون، ورواية ابن نافع.
وفي التلقين: لا تمس النحل إلا أن تكون من الكثرة بحيث يؤثر إتلافها، فخص المازري الخلاف بالكثير، وما ضعف المسلمون عن حمله إن كان متاعاً فيها أحرق.
ابن حبيب: إن ضعف عنه الأمير، ولم يجد فيه ثمناً؛ أعطاه، فإن لم يقبله أحد؛ أحرقه، فإن لم يحرقه؛ فهو لمن حمله.
ابن رشد: اتفاقاً، وإن كان ماشية أو دواب ففي إتلافها بالعقر دون ذبح ولا نحر، أو بما تيسر من ذلك، أو تسريحها سليمة، رابعها: ذبحها أحسن، وخامسها: يكره كتعرقيبها؛ بل يجهز عليها لسماع ابن القاسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 51

وقولها: بزيادة، وكذا ما ضعف عنه ربه.
وابن رشد عن رواية ابن وهب مع الباجي عنه لا عن روايتهن واللخمي مع نقله عن سحنون مع ابن عبد الحكم، والصقلي مع الباجي عن ابن حبيب مع المدنيين قائلاً: لأن الذبح مثله، والتعرقيب تعذيب، ومنع الباجي كونه مثله.
قال: وإنما كره؛ لأنه ذريعة لإباحة أكلها.
وفيها: لم أسمع حرقها بعد ذبحها.
اللخمي: إلا أن يخشى إدراكها العدو قبل فسادها.
الباجي: إن كانوا يأكلون الميتة؛ فالصواب حرقها.
اللخمي: ويترك صغير الآدمي والمرأة والشيخ الفاني، ويقتل الرجال إلا مَنْ مُن عليه بالحياة والرق.
وسمع أصبغ أشهب في سرية أصابوا أعلاجاً، ثم أدركهم ما أدركهم، فخافوا أن يعينوا عليهم: لم يجز لهم قتلهم إلا أن يقاتلوهم إن كانوا استحيوهم، وإلا فلهم ضرب أعناقهم، واستحياؤهم تركهم رقيقاً أو فيئاً للمسلمين، وتخييرهم، وتركهم لتخيير الإمام فيهم بالقتل يبيح لهم قتلهم، وقاله أصبغ.
ابن رشد: هذا صحيح على أصولهم.
قلت: انظر لو كانوا بحيث إن تركوهم للحوق من أحسوا به هلكوا بمجموعهم **** إتلافه مما ينبغي إتلافه إن كان غنيمة؛ فهو لم حمله.
ابن رشد: اتفاقاً.
قال: وإن كان ملك بشراء أو قسم، وحمل من أرض الحرب، ففي كونه كذلك أو لربه وعليه أجر مؤنته إن شاء.
قولا ابن حبيب وأصبغ مع سحنون: وإن حمل من أرض الإسلام، فالثاني اتفاقاً إلا في الشيخ والعجوز.
قال ابن حبيب: تركهما عتق.
وعزا الشيخ واللخمي قول سحنون لأشهب.
زاد الصقلي عن ابن حبيب: تعليل قوله في الشيخ والعجوز بأرض الحرب غير

الجزء: 3 - الصفحة: 52

عتق: بأنه لم يملكهما ملكاً تاماً، وتعقبه بأنه تام؛ لأن له أن يطأ ويبيع، ولو أعتق؛ لم يكن له فيه رجوع.
ابن سحنون عنه: ينبغي توكيل الإمام في دخوله دار الحرب رجالاً يلحقون من تخلف، ويقفون على الضعيف، ومن معه دابة لا فضل فيها ألحقوه بالناس دونها، ولهم ذبحها ولا ضمان عليهم، ولو ألحقوا من اشترى نعماً أو خيلاً من المغنم دونها لعجزه عن اللحوق بها، ثم مر بها سرية لحقوا الناس بها؛ ضمنوا ما هلك منها إن كان علموا بالسرية وإلا فلا، ولربها أخذا ما بلغ منها بعد دفعه ما أنفق عليها من حملها إن أنفق عالماً أنها لمسلم، ولو حملها ظاناً أنها للعدو غنيمة؛ فلا نفقة له كعبيد غنموها بأن أنها لمسلم له أخذها دون غرم نفقتها، لو قسمت أخذها بالثمن دون نفقة.
قال أكثر أصحابنا: من وقفت دابته فتركها، وأنفق عليها رجل؛ فربها أخذها بغرم نفقتها، والقول قول المنفق فيما يشبه، فإن اختلفا في المدة أو قال ربها: لا أدري؛ فالمنفق مدع لا شيء له إلا ببينة أو إقرار ربها.
وقال ابن كنانة: إنما يغرم النفقة أن كانت يسيرة، وما كثر؛ لم يلزمه؛ إذ ليس له حبسها حتى تذهب في نفقتها.
وفي الروايات وأقوال الرواة والأشياخ: لفظ الأمان والمهادنة، والصلح والاستئمان، والمعاهدة والعهد، ومنها متباين ومترادف.

باب الأمان

فالأمان: رفع استباحة دم الحربي، ورقه وماله حين قتاله، أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، فتدخل الأمان بأحد الثلاثة؛ لأنه رفع

الجزء: 3 - الصفحة: 53

لاستباحتها لا المهادنة، وما بعدها وهو من حيث استلزامه مصلحة معينة أو راجحة أو مفسدة أو احتمالها مرجوحاً واجب، أو مندوب أو حرام أو مكروه، وتبعد إباحته؛ لأنها لا تكون إلا عند تحقق عدم استلزامه إحداهما أو تساويهما وهو عسير.
اللخمي: هو لأمير الجيش باجتهاده بعد مشورة ذي الرأي منه كان على الرحيل عن أهل الحرب، أو على أمنهم فقط مدة معينة في أنفسهم وأموالهم أو دونها بلا عوض أو بأخذ أموالهم وأبنائهم أو بعض ذلك، أو باسترقاقهم، أو ضرب الجزية عليهم.
قلت: يريد: ولا تتوقف في الأشخاص الجزية على المشورة.
اللخمي عن ابن حبيب والشيخ عنه وعن سحنون: لا ينبغي أن يؤمن غير الإمام، وينبغي أن يتقدم للناس بذلك فمن أمن بعد ذلك؛ فللإمام إمضاؤه أو رده لمأمنه.
الباجي: من أمن بعد منع الإمام التأمين؛ فللإمام رده برد الحربي لما كان عليه إن لم يعلم منع الإمام وانظر إن علم.
قلت: للشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو أحد؛ فهو فيء فهو على ما قال، وذلك نافذ.

الجزء: 3 - الصفحة: 54

باب ما يثبت به الأمان

الصيغة: الباجي: يثبت بكل إنسان عبر به عنه، ولو لم يفهمه المؤمن، والإشارة به كلفظه، وكذا لو أراد المؤمن منع أمانه، فظنه المؤمن أماناً؛ فهو أمان له.
قلت: لنقل الشيخ رواية ابن وهب: الإشارة بالأمان كالكلام، وليتقدم إلى الناس في ذلك.
ابن العربي: لا خلاف في إمضاء الإشارة به إن كانت معهودة بينهما.
قلت: انظر مفهوم قوله: إن كانت معهودة، وفي الموطإ: الإشارة به كالكلام.
وللشيخ عن محمد: أجمع فقهاؤنا في مركب مسلمين قاتلوا مركب عدو يومهم، فطلب العدو الأمان، فنشر المسلمون المصحف، وحلفوا بما فيه: لنقتلنكم، فظنه العدو أماناً، فاستسلموا، ثم طلبوا بيعهم أن ذلك أمان.
قال: ولو طلبوا مركباً للعدو، فصاحوا به: ارخ قلعك، فأرخاها؛ هو أمان إن كان قبل الظفر بهم.
قلت: وتقدم قول عمر للهرمزان.
ابن سحنون: ذكر لمالك ما روي عن عمر في القائل للعلج: مترس؛ وهو بالفارسية: لا تخف.
قال سحنون: هو أمان، وكذا بكل لسان قبطي أو غيره، ولو لم يفهمه الحربي.
ابن حبيب عن بعض أهل العلم: من رهق مشركاً فاتقاه، فقال له: لا تخف ولا بأس عليك، ثم أسره فأراد قتله، إن أراد بقوله له تأمينه من الضربة التي أشرف بها عليه لا من قتله؛ فله قتله، وإن أراد من القتل؛ فلا يقتله، فإن قتله؛ غرم قيمته للمغنم.
قلت: إن قيل: قتله مطلقاً يوجب ضمانه؛ لأنه لا يقتل أسيراً إلا الإمام.
قلت: مراده بأسره الاستيلاء عليه بالغلبة لا حصوله في قبضة الإسلام.
وفي الموطإ: مالك عن رجل من أهل الكوفة: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش: بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع.
قال الرجل: مطرس يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، والذي نفسي بيده لا أعلم

الجزء: 3 - الصفحة: 55

مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه.
قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه، وليس عليه العمل.
ابن العربي: قيل: لم يصح هذا عن عمر.
قلت: في بعض الحواشي يقال: مطرس، ومطرس بشد الطاء وإسكانها، وبالتاء يدل الطاء مشددة وساكنة.
ابن حبيب: ذلك تشديد من عمر، ولا ينبغي أن يقتل.
ووقته الباجي: قبل أسر الحربي لغير الإمام.
سحنون: لو أشرف على أخذ حصن وتيقن أخذه، فأمنهم رجل مسلم؛ فللإمام رده.
اللخمي عن سحنون: من أمن أسيراً بعد أسره؛ لم يحل له قتله، ويجوز للإمام قتله إن رآه، ومنعه محمد.
قلت: ظاهره جواز قتل غير الإمام الأسير، فيؤول بما مر، وشرط المؤمن الرافع أمانه كون المؤمن فيئاً عقله الأمان واختياره، وعدم إعلام الإمام الحربي لغو أمانه.
وروى الباجي: شرط عقله مطلقاً، ونقله غير واحد.
وللشيخ عن كتاب ابن سحنون: إن أمن مخالط العقل إلا أنه يصف الإسلام ويعرفه ويعقله؛ جاز أمانه، وللإمام إمضاؤه أو رده، وشرطه متفقاً عليه ذلك، والإسلام والذكورية والبلوغ والحرية، وكونه قبل القدرة على الحربي في غير الإمام.
فأمان الذمي قال اللخمي: اختلف فيه.
روى محمد: لا أمان له ومؤمنه فيء.
قلت: قال: اختلف فيه، ولم يذكر غير قول مالك، ولم يحك الباجي غيره.
وقال التونسي: في آثارها أمان الذمي جائز.
قلتك قول الصقلي عقب ذكره هذا الأثر.
قال سحنون: بهذا يقول أصحابنا، يقتضي أنه في المذهب.
ولسحنون في النوادر، وظاهره من كتاب ابن سحنون ما نصه: أجاز ابن القاسم

الجزء: 3 - الصفحة: 56

أمان العبد والذمي.
قال ابن القاسم: إن قالوا: ظننا الذمي مسلماً؛ ردوا لمأمنهم، وإن علموا أنه ذمي؛ فهم فيء.
سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال.
وقال المازري وابن بشير: المشهور لغو أمانه، والشاذ صحته.
اللخمي: وعلى لغوه لو قال المؤمن: ظننته مسلماً، ففي قبول عذره قولا ابن القاسم.
قلت: زاد الشيخ عن محمد: أحب إلي رده لمأمنه.
اللخمي: لو قال: ظننت صحة أمانه، فروى محمد: لا يقبل.
اللخمي: إن رده لمأمنه للشك في استباحته، ولو قال: علمت أن لا أمان لنصراني وجهلت أنه نصراني؛ لم يعذر؛ لأنهما أهل دين واحد، فدعواه جهله لا تشبه.
قلت: مفهومه لو كان يهودياً عذر، وخرج ابن بشير عليه ظن عقله وهو مجنون.
وأمان المرأة: الباجي: معتبر.
اللخمي: في اعتباره قولا ابن القاسم وأبي الفرج عن عبد الملك.
المازري: أولاً لا خلاف في تأمينها، ثم قال: المشهور اعتباره، وقيل: لا تأمين لها.
عياض: على جواز أمانها جمهور العلماء، وخالف فيه ابن الماجشون؛ إذ ليست ممن يقاتل.
وفي أمان الصبي عاقلة مطلقاً، أو إن أجازه الإمام للقتال قولا ابن القاسم فيها، والباجي مع اللخمي عن سحنون.
وفي أمان العبد ثالثها: إن أذن له ربه في القتال للباجي عن ابن القاسم مع قوله نقله القاضي كأنه المذهب، ورواية أبي عمر واللخمي مع الباجي عن رواية معن، وله عن سحنون قال: وقال ابن القصار: لا نص فيه، وهم يرون قياس قول مالك اعتباره، ونقل ابن بشير الثالث بلفظ: إن قاتل، ونقله ابن شاس.
رابعاً الشيخ عن سحنون: إن ثبت تأمين العبد، فرده الإمام، فأبوا إلا أن يقتلهم الإمام، أو يسبيهم أو يتم أمانهم، فإن تحولوا لبلد الإسلام ضرب عليهم الجزية، فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 57

أبوا؛ فهم فيء يخير فيهم الإمام بالقتل وغيره.
وأمان الأسير: لم بيده بعد تخليتهم إياه صحيح، وقبله مع قولهم: أمناً وإلا قتلناك لغو.
ابن رشد: اتفاقاً فيهما.
وفي صحته لهو بقولهم: نخليك على أن تؤمننا ولغوه قولان؛ لأول لفظ سماع عيسى ابن القاسم وآخره مع ابن حبيب.
وفي صحته من أسير طلب من آسره تأمينه حين أحسوا بخيل المسلمين، فأمنهم وهو آمن، سماع أصبغ أشهب قائلاً: يصدق إن كان آمناً مع محمد قائلاً: إن اختلف قوله؛ أخذ بأوله.
ونقل ابن بشير مع الشيخ عن سحنون قائلاً: لا يصدق أنه كان آمناً، ولا يقدر إذا طلبوه منه إلا أن يؤمنهم، ونقل التونسي عن محمد عن ابن القاسم مثل قول أشهب.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن خرج حربي من أرضنا بأمان من خالف على الإمام في ثغر؛ لم يستبح في نفس ولا مال، ويقال له: إن عهده لا يمضيه الإمام، فارجعوا إلى مأمنكم، فإذا ردوا لأرضهم؛ كانوا أهل حرب.
ابن رشد عن أصبغ: إن أغاروا على المسلمين لمخالفة من أعطاهم العهد الإمام؛ فلا أمان لهم.
الشيخ عن سحنون: أمان الخوارج، ولو لجمع معتبر، وللإمام نقضه بردهم لمأمنهم، ولو كانوا بمنعة، فأمنوا حربيين على الخروج إليهم للكون معهم بأرض الإسلام، فقاتلونا معهم؛ لم يستباحوا لو قاتلونا، ويرد لهم ما لهم ولو نفله الإمام.
قلت: ثم قال عنه في مثل هذا: إن قاتلونا؛ استحل منهم ما يستحل من الخوارج.
قال: وتأمينهم إياهم على مجرد الخروج ليقاتلونا معهم لغو؛ لأنهم لم يذكروا أماناً.
قلت: اعتبار تأمينهم بناءً على عدم تكفيرهم، والفرق بين الثانية والأولى التصريح بلفظ الأمان فيها دون الثانية.
فإن قلت: إنما جعل تأمينهم على الخروج للكون معهم بأرض الإسلام، وإن كانوا

الجزء: 3 - الصفحة: 58

يقاتلوننا معهم لتقرر لازم الأمان في هذه الصورة، وهو التزام المؤمن حكم الإسلام بالإطلاق، وإن كان فاسقاً، وجعل تأمينهم على مجرد الخروج لقتالنا لغواً؛ لانتفاء لازمه المذكور؛ لأن الخروج المخصوص بقتالنا خروج لحرب المسلم المناقض لالتزام حكمه.
قلت: يرده قوله: لو أمن عشرة من الخوارج مثلهم من الروم على أن يغيروا علينا، ولا منعة لكل فريق فهم كالخوارج لا فيء، ولو لم يؤمنوهم، وقالوا اخرجوا قاتلوا معنا فهم فيء.
قال: ولو دخل الخوارج أرض أهل الحرب، وأمن بعضهم بعضاً، فغن كان الحربيون في سلطانهم؛ سقط تأمين الخوارج لهم وإلا اعتبر، لو دخل الحربيون إلى الخوارج بأرضنا، فسألوهم قتالنا هم بناحية والخوارج بناحية، وأمير كل منهما منه، فإن كان الحربيون بمنعة بأنفسهم، فهو فيء وإلا فكالخوارج.
وأمان الإمام وأميره المجعول له لازم إمضاؤه.
وفي كون أمان غيرهما كذلكن وكونه لنظر الإمام أو أميره في إمضائه، ونقضه برده لمأمنه نقلا اللخمي عن محمد مع الباجي عن فهم القاضي المذهب، وابن القاسم، ومالك، وابن حارث عن سحنون مع اللخمي عنه، وعن ابن حبيب والباجي عن ابن الماجشون، وجعل ابن بشير الأول المشهور.
وفيها: لمالك: أمان المرأة جائز.
ابن القاسم: وكذا عندي العبد والصبي إن عقل الإسلام لحديث: يجير على المسلمين أدناهم.
قال غيره: لم يجعله صلي الله عليه وسلم لازماً للإمام؛ بل ينظر فيه بالاجتهاد.
الصقلي: جعل أصحابنا قول المغيرة وفاقاً لقول مالك، وجعله القاضي خلافاً.
قلت: عزا الشيخ قول الغير لابن الماجشون وسحنون، وكذا أبو عمر قائلاً: هو شاذ لم يقله أحد من أئمة الفتوى، ومقتضى الروايات وأقوالهم، ونص المازري أن الخلاف في

الجزء: 3 - الصفحة: 59

إمضاء أمان غير الإمام وأميره؛ إنما هو إذا كان لواحد أو جماعة لا على ناحية ألا تغزى، وخص ابن العربي هذا الخلاف بكونه في جيش فيه الإمام.
قال: فإن غاب الإمام عن موضع الأمان نفذ الأمان.
ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ: أن معنى حمل قول الغير على الخلاف أن ابن القاسم يقول: الإمام مخير في إمضائه، ورده لمأمنه، والغير يقول في إمضائه وجعله فيئاً.
قلت: هذا لا أعرفه في عموم تأمين غير الإمام في ذي منعة، وأسير حسبما هو ظاهر المسألة، فإن قلت: نقل ابن شاس والباجي عن ابن القاسم: للإمام رد تأمين غيره يقتضي أنه فيء.
قلت: فسر الباجي رده فيمن أمن بعد نهي الإمام عن التأمين يرد الحربي إلى ما كان عليه، فأحرى فيمن لم يتقدمه نهي.
وللشيخ عن كتاب ابن سحنون: من أمن حربياً، فأدخله دار الإسلام، فكرهه الإمام؛ فيعذر إليه أن يرجع لبلده في أجل يمكنه ذلك فيه، ويحتاط له، فإن تعدى ذلك جعله ذمة، وهذا فيمن يقدر أن يرجع، وإلا فعلى الإمام إبلاغه مأمنه، إنما أعرفه في الأسير.
قال اللخمي: اختلف في الأمان بعد الفتح والأسر في القتل.
فقال محمد: من أمن أسيراً سقط قتله؛ يريد: لا استرقاقه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يحل لمن أمنه قتله، وللإمام قتله إن رآه مصلحة أو إمضاؤه بجعله فيئاً، وهذا أحسن.
وفي مثل هذا كان جوار أم ****: قال ابن الماجشون وسحنون: إنما تم أمانها بإجازته صلي الله عليه وسلم.
اللخمي: ولو كان أماناً لمن في حصن كان ألا يهاج بقتل ولا غيره إلا أن يتبين أنه في النفس دون المال وغير ذلك، وفي متعلق الأمان في الأسير عدم قتله، وفي الحربي إن قيد به، وبعد استرقاقه أو بالأول فقط فواضح، وإن أطلق عمهما لنقل الشيخ عن كتاب ابن حبيب: إذا استأسر حربي في منعه؛ فهو آمن لا يقتل ولا يسترق، وإن استأسر

الجزء: 3 - الصفحة: 60

وقد رهقته؛ فلا أمان له.
الباجي: التأمين المطلق هو تأمين الإمام رجلاً أو جماعة، فيكون له الأمان من القتل والاسترقاق، وإن أراد البقاء على الجزية، فله ذلك، وإن أراد الرجوع، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، وهذا حكم من أمنه المسلم الجائز الأمان، والتأمين المترقب ماينظر فيه الإمام باِلإمضاء أو الرد إلى مأمنه، ولعل هذا تجوز ممن يقوله من أصحابنا؛ والصواب أن يرد إلى مثل حاله قبل التأمين، ولو لزم رده إلى مأمنه؛ لكان أماناً مطلقاً، فهذا عند سَحنون هو التأمين الصحيح، وابن الماجِشُون يرى هذا رد الأمانة.
ويثبت الأمان بشاهدين: وفي ثبوته بقول المؤمن فقط نقلا الباجي عن محمد مع أَصْبَغ وابن القاسم وسَحنون.
الشيخ: لو شهد جل مع الذي أمنهم، ففي قبوله أول قولي سَحنون وآخرهما قائلاً: قول الإمام: كنت أمنت مقبول إنما البينة في غيره.
والأمان بشرط جائز جائزٌ، فمن الأمير ماض ومن غيره.
قال سَحنون: للأمير رد تأمين غيره على مال بره، وإمضاؤه بأخذه منه.
سَحنون عن عبد الملك: من استأسر على أن يدل على عورة فلم يدل، فإن اتهم على كتم شيء جبر على أن يدل عليه، فإن أبى رد لمأمنه.
قُلتُ: وفي ترجمة النزول بعهد على شرط من النوادر.
قال سَحنون: إن نزل رل من الحصن على أن يؤمن على مائة دينار يعطيها، فلم يعطها، وقال: ماعندي شيء؛ فهو فيء للإمام قتله.
محمد عنه: إن بان أن المؤمن على الأخبار أخبرهم باطل تغريراً المسلمين، أو لم يجدوا لما أخبرهم به أثراً، أو غرهم بقلة عدد، فجاءهم أكثر منه، أو صرفهم عن طريق عدوهم، لولا ذلك ظفروا به قتل، لأنه جاسوس.
سَحنون: لو أمن على أن يدل على مائة رأس بقرية كذا أو مطمر، فلم يوجد، فإن بان كذبه أو قال: لا أدلكم على شيء؛ فللإمام قتله أو استرقاقه، وإلا فله إمضاؤه أو رده لمأمنه، ولو دل على بعض ماذكر، فللإمام نقضه بره لمأمنه، ولو شرط: إن لم أدلكم على ماشرطت؛ فأنا فيء، فلم يف فهو فيء ولا يقتل، ولو نزل على أن يدل على مائة

الجزء: 3 - الصفحة: 61

رأس بقرية أو على بطريق، فنزل فوجد المسلمين علموا ذلك، فإن كان معيناً؛ فللإمام ره لمأمنه، وإن لم يعينها؛ فهو فيء إلا أن يعرف صدقه، أو يدل على مثل ذلك.
ولو قال أهل حصن: تفتح لكم على أن تعرضوا علينا الإسلام فنسلم فأبوا؛ جبروا عليه بالسجن والضرب.
ولو شرط عليهم إن لم تسلموا؛ فلا أمام لكم؛ فهم فيء للإمام قتل من شاء منهم، ومن قال منهم: أمهلوني حتى أنظر؛ لم يمهل كالمملكة، ولو شرط أن يؤخر ثلاثاً؛ أخر لها، وحسب كسر يومه، ومن استرق منهم لذلك، ثم أسلم؛ فهو رقيق.
سَحنون: لو أمن الأمير أسيراً على أن يدله على حصن كذا، فدله، فله شرطه، ثم رجع فقال: لايخليه بهذا، وكأن فداء بمال، ولو كان ذلك على دلالة طريق جيش المسلمين حين خيف هلاكهم؛ مضى كفداء بأسرى المسلمين.
سَحنون: من أمن على شرط، فوفى به، ثم عاد لبلده، فلا أمان له إلا بعقد آخر، ولو أمن على أن يرجع، ولم يشترط شيئاً، فكل ما جاء به من مالٍ وأهلٍ فيءٌ من أي محل جاء به.
ويدخل في الأمان مادل اللفظ عليه عموماً أو السياق، لنقل الشيخ عن كتاب ابن سَحنون: لو قال الإمام لأهل حصن: من فتح الباب؛ فهو آمن ففتحه عشرون معاً فهم آمنون، ولو قال رجل من حصن حوصر غير أميره: أفتح لكم على أن تؤمنوني على فلان، أو على قرابتي أو أهل مملكتي أو حصني؛ دخل معهم في الأمن لا الأموال والسلاح.
وفي (أمنوني على أهل حصني على أن أدلكم على الطريق أو على كذا) يدخل الأموال والسلاح؛ لأن (أفتح) دليل على إرادة الناس فقط، وكذا في أمنوني على أهل حصني على أن أفتحه فتدخلوا فتصلوا فيه.
وفي: (أفتح لكم على أن تؤمنوني على ألف درهم من مالي) له ذلك، ولو كان عروضاً، واستغرق ماله، وماقصر عنه سقط، ولو قال: من دراهمي؛ فلم تكن له دراهم، فكل ماله فيء كالوصايا في المسلمين فلو لم يكن هل مال، فلا شيء عليه ولا له.
وفي (أفتح لكم على عشرة من الرقيق أو من كذا) له ذلك على المسلمين وماله فيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 62

وفي (أمنوني على أن أنزل إليكم على ألف درهم من مالي) يكون له طلبهم بها؛ لأنه فداء بخلاف (أفتح لكم على أن تؤمنوني على ألف درهم من مالي فلم توجد؛ فلا شيء له ولا عليه)؛ لأنه شرط لنفسه.
وفي (أفتح لكم وأعطيكم مائة دينار من مالي) يلزمه إعطاؤها، فلو زاد على أن تعطوني عشرة آلاف درهم فربا لا يجوز، ولو قال: (أعطيكم مائة دينار من مالي على أن تؤمنوني بألف درهم من مالي؛ فجائز، وله شرطه، ومن أموالهم ربا لا يجوز.
محمد: إن وقع على مالا يحل رد إلى مأمنه إلا أن يدع الألف فيتم أمانه.
سَحنون: ولو قال صاح حصن: أمنوني على حصني على أن أفتحه لكم فالحصن، ومافيه من مال وغيره آمن، وكذا قول الملك: تؤمنوني على أهل مملكتي، ولو قال الإمام لأهل حصن: ليخرج أربعة نراوضهم الأمان، فخرج أكثر أختار الإمام أربعة يؤمنهم والوائد فيء، لا يقتلون إن خرجوا بإرسال طاغيتهم، وإلا فكلهم فيء جائز قتلهم.
ولو قال الإمام: عشرة منكم آمنون على فتح الباب فدخل المسلمون؛ فللإمام اختيار عشرة يؤمنهم ليسوا من أراذلهم وعبيدهم وصبيانهم، وأحب كونهم من خيارهم وما سواهم فيء، ولو كانوا هم القائلين ذلك؛ فالخيار لهم لا من عبيد ونساء وذرية ولا يترك لهم إلا ما غلبهم، فإن اختلفوا فيما يختارونه؛ أقرع بينهم.
ولو قال الإمام: يخرج إلينا هؤلاء الأربعة، ولم يزد، أو زاد: وهم آمنون، أو نراوضهم؛ فهم آمنون مطلقاً.
أنكر سَحنون قول أهل العراق في الأولى للإمام قتلهم، ولو خرج غير الأربعة المشار إليهم فهم فيء، ولو أشكل هل الأربعة الخارجون هم المعينون صدقوا أنهم هم دون يمين، ولو خرج عشرون كل منهم يقول: هو أحد الأربعة؛ فكلهم آمنون.
ولو قال أمير الحصن: افتح لكم على أني آمن على عشرة من الحصن، أو على أن لي عشرة آمنين، فهو وعشرة يختارهم آمنون في أنفسهم وأموالهم.
قُلتُ: قف على دخول المال في الأمان في قول الأمير بخلاف ما تقدم في غيره.
وروى: أن صاحب حصن قال لأبي موسى: أمن لي عشرة من الحصن أصحابي

الجزء: 3 - الصفحة: 63

وأفتح لك.
فقال أبو موسى: اعزلهم، فعزل عشرة، ونسي نفس فقتله.
سَحنون: لا نأخذ به، لأن مخرج ذلك أنه أراد نفسه، وأمرهم عمر مع الهرمزان بأقل من هذا.
قال الشيخ: ولَسحنون قول آخر: أنه يكون عاشر تسعة يختارهم.
قُلتُ: والأظهر في مثقل قضية أي موسى تذكير المؤمن أن ليس له إلا عشرة هو أحدها أو غيره دونه.
ولو قال: أمنوني مع عشرة فله نسه وعشرة يختارهم.
ولو قال: في عشرة من أهل بيتي؛ فله نفسه وعشرة منهم يختارهم.
وفي قوله الآخر: هو تسعة، وكذا في عشرة من بني أبي أي في اختلاف قوله، فأما في عشرة من إخوتي، فهو أبين أن له نفسه وعشرة ويختارهم؛ لأنه لا يحسن أن يقال هذا من إخوته، ويحسن هذا من بني أبيه.
ولو قال: أمنوا عشرة من إخوتي، أو من ولدي، أو من أهل بيتي، أو من حصني أنا فيهم أو أحدهم، فرجع سَحنون عن كونه عاشر عشرة إلى أن له عشرة مع نفسه كلهم بأموالهم.
قال: ولا تؤخذ الأعاجم بمعاني اللغة؛ بل بظاهر قولهم، وإذا ميز العدد بينه؛ فله اختيارهم ذكوراً أو إناثاً، أو منهما من بنيه، أو بني بنيه لا من بني بناته.
وقال بعض العراقيين: إذا قال عشرة من بني وكلهم إناث؛ فذلك باطل، ولا أمان إلا له؛ لأن البنات لا يقال لهن بنون.
سَحنون: هذا لو كان المستأمن يعرف كلام العرب ومعانيه، فأما العجم؛ فلا، ولو قال: في عشرة من إخوتي لم يجخل بنوهم في لغة أحد، ويدخل الأخوات في لغة العجم لا العرب، وكذا الأعمام والعمات وبنوهم والأخوال.
ولو قال الإمام لفارس: أنت آمن في عشرة فرسان إن فتحت الباب ففتحه؛ فهو آمن مع تسعة.
وفي قوله الآخر: مع عشرة، ولو قال: من الرجولة؛ لم يكن بد من عشرة سواه.

الجزء: 3 - الصفحة: 64

ولو قال لرجل: أنت آمن في عشرة من الرجالة؛ فعلى القولين.
ولو قال: من الفرسان؛ فعشرة سواه، ولا يدخل بنات البنات، ولا الذكور في لفظ بناتي، ولو لم يكن له؛ فلا أمان لا أن يسمي مايعرفون به كقوله: لي بنات بنات ماتت أمهم، فأمنوني في بناتي؛ فهن كبناته، أو تكون لغتهم لا تفصل بين بنات البنات، وبنات البنين، ولو قال: من موالي، وله موال من فوق وأسفل؛ صدق فيما نوى، فإن لم تكن له نية، فالأسفلون، فإن لم يكونوا؛ فالأعلون.
ولو قال: على قريبي زيد بن عمرو، وله قريبان كذلك ابن عم وابن خال؛ فهو ما نوى، فإن لم ينو؛ خير فيهما.
ولو قال: في عشرة من عبيدي، وله ذكور وإناث؛ فله تعيين العشرة منهما، أو من أحدهما، ولو لم يكن له إلا الإناث؛ بطل الأمان فيهن، وكذا العتق في ذلك، لأنه لا يقال للإماء إذا انفردن عبيد، وكذا الإخوة والأخوات، والبنون والبنات.
ولو قال بدل عبيدي، موالي؛ صدق على الصنفين الذكور والإناث، وعلى من انفرد منهما، لأن لفظ موالي يقع على الإناث.
سَحنون: لو رضي الطاغية بحكم عشرة أنزلهم من الحصن؛ ليوافقونا على الأمان، فعقده العشرة لأنفسهم مع أهليهم وأموالهم فقط، ومضوا وفتحوا الحصن، ودخل المسلمون؛ فلا أمان لغيرهم، لتقدم رضى الطاغية بعقدهم، وكذا لو كذب العشرة لهم فقالوا: عقدناه لكم، وهم مصدقون في أموالهم وعيالهم مالم يأتوا بمستنكر.
قُلتُ: إنما سياق حال الطاغية رضاه بعموم مايعقده العشرة في حال أمان يشمله لا فيما يختص بغيره.
ولو بعث الإمام مع العشرة مسلماً يشهد إخباره إياهم بصلحه مع العشرة فقط، فقالوا: إنما أخبرنا العشرة تأميننا، فصدقهم العشرة، وقال المسلم: كذبوا إنما أخبروا بأمان أنفسهم فقط، ففي سقوط شهادته؛ لأنه واحد، وقبولها لإرساله الإمام أول قولي سَحنون وثانيهما، وعلى الأول لو كان اثنين؛ جازت شادتهما، ولو كان لهما في الغنيمة حظ.
قال: إلا أن يعظم قدره، فيسقط، أو أرسله الطاغية لمقاضاة، فقاضوا على أمر،

الجزء: 3 - الصفحة: 65

فقال: إنما أرسلتهم على غيره فأكذبوا؛ صدقوا إلا أن يقيم بينه إسلام بما قال، فيرد عقدهم، ولو نزلوا على تعريف الطاغية ليرضى فقالوا: رضي فأنكر؛ لم يصدقوا عليه ولو أسلموا، وكذا لو أخبروا الطاغية بخلاف ما عقدوا فرضي؛ لم يلزمه ما عقدوا، وإن فات في حصنه نهب، رد أو قيمته، ولو رضي المسلمون بما أخبروا به الطاغية ورضيه، فبدا له لما كذبهم، فرجع سَحنون عن لزوم ذلك الطاغية، ويرد لحال أمنه.
قال: كمأمور ببيع سلعة بما رأى الآمر باعها بخمسة عشر فأخر ربها فرضي، ثم ظهر أنه باعها بثلاثة عشر، فلم يرضى، فقال المبتاع: أؤدي خمسة عشر، وأبى البائع؛ فله ذلك، ولو اختلف في أسر وتأمين قبل قول مدعيه، فيقبل أو يرد لمأمنه إلا مع قرينه الأسر، فيصدق مدعيه.
سَحنون: إن خرج للعسكر من بلد الحرب علجٌ مع مسلم ادعى أنه أسيره، وقال العلج: جئت مستأمناً أو أمنني؛ صدق حتى يرد لمأمنه، ولو جاء معه مقهوراً ككونه في وثاقه كمجيئه، وفي عنقه حبل يقوده به، صدق المسلم، ولو جاء مع عدد كثير قالوا: أسيرنا؛ صدقوا؛ لأنه في كثرتهم كمقهور، ولو أنهم مائة شهد أحدهم له؛ لم يصدق إلا بشهادة عدلين، ولو خرج عبد مسلم كان أبق لبلد الحرب، ومعه عبيد استألفهم فأنكروا وقالوا: نحن أحرار جئنا للإسلام؛ صدقوا إن لم يكونوا في وثاقه، وللإمام تأمينهم أو ردهم لمأمنهم، وإن كانوا في وثاقه؛ فهم له عبيد، لو قالوا: إنما أوثقنا ببلد الإسلام حين خفنا، فإن استدل على قولهم؛ صدقوا وإلا فلا.
قُلتُ: مثله سمع يحيى ابن القاسم.
قال ابن رُشْد: إن لم يكونوا في وثاق صدقوا اتفاقاً، ولو ارسل مسلم أسيره على أن يأتيه بابنه أو زوجته فداءً له، فأتاه بهم، فقالوا: خرجنا معه بعهد، وقال: بل سرقتهم، ففي قبول قوله أو قولهم سماع أَصْيَغ ابن القاسم وقول محمد، ونقل الشيخ وابن رُشْد عن ابن ميسر: اختيار الأول وتعليه بأن تقدم خروجه ليأتي بهم قرينة توجب قبول قوله.
ابن رُشْد: لو أتى بهم دون تقدم سبب؛ لم يقبل قوله اتفاقاً.
سَحنون: صح النهي عن إنزال العدو على حكم الله عز وجل فإن جهل الإمام،

الجزء: 3 - الصفحة: 66

فأنزلهم عليه، ردوا لمأمنهم إ لا أن يسلموا، فلا يعرض لهم في مال ولا غيره.
محمد: يعرض عليهم قبل ردهم الإسلام، فإن أبوا؛ فالجزية.
سَحنون: إن قربت دارهم، ولينزلهم الإمام على حكمه لا على حكم غيره ولو طلبوه.
قُلتُ: إن قلت: الأظهر إن كان غيره أهلاً لذلك؛ فله إنزالهم على حكمه لصحة تحكيمية صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في بني قريظة.
قُلتُ: إنما كان ذلك تطييباً منه صلى الله عليه وسلم لنفوس الأوس لما طلبوا منه (صلى الله عليه وسلم) تخليتهم لهم؛ لأنهم مواليهم، وماكان إنزالهم إلا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم سحنون: فإن أنزلهم على حكم غيره؛ فإن كان مسلماً عدلاً، نفذ حكمه مطلقاً، ولو بردهم لمأمنهم، ولو لم يقبل ذلك؛ ردوا لمأمنهم فإن قبل بعد رده وحكم بسببهم لم ينفذ وردوا لمأمنهم، فإن كان فاسقاً؛ تعقب الإمام حكمه إن رآه الإمام حسناً أمضاه وإلا حكم بما يراه نظراً، ولا يردهم لمأمنهم.
ولو حكموا عبداً أو ذميّاً أو امرأة أو صبياً عاقلاً عالمين بهم، لم يجز وحكم الإمام ولو نزلوا على حكم لله، وحكم فلان، فحكم بالقتل والسيء لم ينفذ، وهو كنز ولهم على حكم الله فقط.
ولو نزلوا على حكم رجلين، فمات أحدهما، وحكم الآخر بالقتل والسيء لم ينفذ وردوا لمأمنهم، ولو اختلفا في الحكم، ردوا لمأمنهم.

باب المهادنة

المهادنة: وهي الصلح؛ عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فيخرج الأمان والاستئمان، وشرطها أن يتولاها الإمام لا غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 67

سَحنون: تكره من السرايا والإمام، لما فيه من توهين الجهاد إلا لضرورة، فإن نزل لغيرها مضى، ونقله المازري غير معزو، وكأن المذهب بلفظ: لا يجوز دون زيادة إن نزل لغيرها، مضى فظاهره النقص، ولاسيما على قول ابن رُشد: المكروه من صنف الجائز.
وللشيخ عن سَحنون: لو وادعهم الإمام على مال، ثم بان له أنه ضرر بالمسلمين لم ينبذ إليهم حتى يرد ما أخذ منهم، وكذا إن بان ذلك لمن بعده، ولايحبس من المال بقدر ما مضى من الأجل.
الشيح عن محمد: كره علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالاً كل عام، ولقد طلب الطاغة ذلك إلى عبد الله بن هارون على أن يعطوه مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء، فقالوا له الثغور اليوم عامرة فيها أهل البصائر، أكثرهم فيها نازعون من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرقوا، وخلت الثغور للعدو، والذي يصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف؛ فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم.
محمد: إنما هادون رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة لقلة المسلمين حينئذ.
ابن حبيب عن ابن الماجشون، إن رجى الإمام فتح الحصن؛ لم يتبع صلح أهله على مال إن كان على إياس؛ فلا بأس.
قال: لا بأس بصلحهم على غير شيء كصلح الحديبية.

الجزء: 3 - الصفحة: 68

سَحنون: وليس للإمام نقض الصلح لغير بيان خطا به فيه، ولو رد ما أخذه إلا برضى من عاقده.
المازري: ولا يهادن العدو بإعطائه مالاً، لن عكس كمصلحة شرع أخذ الجزية منهم إلا لضرورة التخلص منه خوف استيلائه على المسلمين، وقد شاور صلى الله عليه وسلم لما أحاطت القبائل سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار لما خاف أن تكون الأنصار ملت القتال فقالا: إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا، وإن كان رأياً، فما أكلوا منها في الجاهلية ثمرة إلا بشراء أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام، فلما رأى صلى الله عليه وسلم عزمهم على القتال ترك ذلك فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزاً؛ ماشارو فيه صلى الله عليه وسلم.
ابن زرقون عن الأوزاعي: كان يؤدي عبد الملك بن مروان إلى الطاغية كل يوم ألف دينار، والى قوم آخرين كل يوم جمعة ألف دينار، وذلك زمن ابن الزبير، وفعله معاوية أيام صفين.
المازري: ومدة المعادنة على حسب نظر الإمام.
أبو عمر عن سحنون لايبعد في المدة لما قد يحدث من قوة الإسلام.
ابن شاس: استحب الشيخ أبو عمر ألا تكون المدة أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز.
المازري: لو تضمنت المهادنة أن يرد إليهم من جاءنا منهم مسلماً، وفي لهم بذلك في الرجال، لرده صفي الرجال، لرده (صلى الله عليه وسلم) أبا جندل وأبا بصير جين جاءا مسلمين، وطلب كفار قريش ردهما، ولا يوفى في ذلك برد النساء لقوله تعالى (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)] الممتحنة: 10 [ ابن شاس: لا يحل شرط ذلك في رجال ولا نساء، فإن وقع؛ لم يحل ردهما.
فُلتُ: ومثله لابن العربي.

الجزء: 3 - الصفحة: 69

قال: وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك خاص بن لما علم في ذلك الحكمة وحسن العاقبة.
ابن سحنون عنه: ومهادنة الإمام الطاغية بعد محاصرته إياه أو قبل؛ يوجب عمومها في جميع عمالتهما إلا أن يخصصاها.
قال: ولو صالحت سرية حصناً بعد حصاره، لصعوبة مدة بقائها بدار الحرب أو أربعة أشهر؛ لم يجز لسرية أخرى دخلت قتاله تلك المدة إن ثبت ذلك بعدلين، فإن قاتلته؛ ردت عليه ما أحذت منه، وديات قتلاهم على عواقل أهل السرية، ولو عرف كل قاتل ففي كون الدية على عاقلته فقط، أو على عواقل كل السرية قولا أشهب ومالك بناء على اعتبار فعل القاتل فقط أو عليه مع من قوي به.
والمؤقت صلحه بخروجها إن خرج أميرها ومن به منعتها حل قتاله لغيرها، ولو قتلت التي صالحت قبل خروجها أو من به منعتها؛ فصلح الحصن باق لقدرة بقائها لو لم تقتل، ولو قتل من ليس به منعتها، فهو باق لخروجها، ولو صالحتهم هذه السن عم صلحها سائر المسلمين، والسنة على حساب المسلمين، إنما لهم مابقي منها لآخر ذي الحجة، ولو لم يبق منها إلا شهر، ولو ادعوا أن الصلح على حسابهم قبل قولهم، لأنهم هم طلبوه، ولا تكون السنة من يوم الصلح لقولهم هذه السنة.
قُلتُ: تقدم في النذر خلاف هذا، وللخمي فيه اختيار تقدم.
قال سحنون: ولو قالوا على سنة عدت من أولها، قال: ولو أمنته سنة على ألا نقاتله، ولا تغير عليه، فهو أمانة منها فقط، ولو صالحتهم على مال، ولم توقت وقتاً؛ فهو أمان منها، ومن غيرها إلى خروجها إن جاءت سرية أخرى؛ لم يجز لها قتاله إلا أن ينبذ أهل الحصن عهده مطلقاً، أو بأخذ مال من هذه، فإن نبذته على هذا؛ فغنمته السرية لم يجز لها أخذ ما أعطته من الغنيمة، ولو عرفته بعينه.
قال: ولو أرسل إليهم الإمام من بلد الإسلام من صالحهم؛ فهو على التأييد بخلاف عقد السرية.
قُلتُ: لأن حكم الإمام عام، وحكم أمير السرية خاص بغزاته.
قال: ولو بعث الإمام ثلاث سرايا من ثلاث ثغور، فبعث أهل حصن لإحداها

الجزء: 3 - الصفحة: 70

مالاً على أن يؤمنوهم حتى يرجعوا من غزاتهم، فللآخرين قتاله ومنعه غيرنا.
ابن سحنون: لكل سرية حكمها كانفرادها بغنيمتها.
قال: ووافقنا على أنه لو كان بعد وقوف السرية عليه؛ كان خاصاً بها.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم له أولاً.
عن سحنون: لو كان الخليفة في إحداها، والبعث له عم أمانه سائر عساكره

باب الجزية المعنوية

الجزية المعنوية: مالزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه.
وقول ابن رُشد مايؤخذ من كافر على تأمينه غير منعكس بها بعد لزومها قبل أخذها، وغير مطر بما أخذ من مال على مجرد تأمين للحاق بدار الحرب، وحكمها الجواز المعروض للترجيح بالمصلحة وقد تتعينعند الإجابة إليها قبل القدرة وشرطا كونها لمن بمحل مقدور عليه؟ ابن رشد هي نوعان:

الجزء: 3 - الصفحة: 71

عنوية وهي التي توضع على المغلوب على بلده المقر فيها لعمارتها.
قٌلتٌ يريد: وكذا من أتانا ليستقر بها تحت حكمنا، وتضرب على أهل الكتاب اتفاقا، وفي غيرهم طرق.
ابن رشد: تضرب عليهم وعلى منجوس العجم لا على كفار قريش، ولا مرتد اتفاقاً فيها، وفي منعها في ق ريش لمنع إذلالهم بها لمكانهم منه (صلى الله عليه وسلم) أو لاسلامهم كلهم يوم الفتح، فكل كافر قرشي مرتد قولا بعضهم والقرويين، وفي كون مشركي العرب كأهل الكتاب وكفريش قولا ملك وابن وهب مع ابن حبيب قائلاً: إكراماًلهم، فعليه تؤخذ ممن ليس مجوسياً ولا عربياً.
وقيل: للتغليظ عليهم؛ لأنهم غير أهل المتاب، ولا مسنون بهم سنتهم.
قال: فعليه لا تؤخذ منهم.
ابن زرقون عن الباجي هن ابن وهب: تقبل من كل عجمي لا من العرب إلا من كتابي.
خلف أنكر سحنون قول ابن وهب: لا تقل من العرب.
اللخمي: في قبولها من عبدة الأوثان والمجوس، ثالثها: إلا مجوس العرب لمالك مع ابن القاسم قائلاً: تقبل من كل الأمم وابن الماجشون وابن وهب والأول أحسن.
ابن بشير: في أخذها من غير أهل الكتاب من عبدة الأوثان والمجوس الثلاثة، ففسر غير أهل الكتاب بهما، وظاهر تقبلهما: قريش كغيرها.
أبو عمر: لا خلاف في أخذا المجوس، وفي أخذها من مشركي العربوعبدة الأوثان والنيران غير المجوس قولا مالك وابن وهب.
قُلتُ: فالحاصل ثلاثة.
اللخمي: ونقل الباجي عن ابن وهب، وخامسها: إلا من قريش، وتقدم قولا ابن القاسم مع مالك وابن وهب في استرقاق العرب: إن سبوا، والأول نص جهادها وأخذ الثاني من عيوبها على ذكر حر مخالط لهم، لرواية ابن حبيب لا على واهب لا يقتل.
ابن حارث: اتفاقاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 72

وفي سقوطها عمن كانت عليه بترهبة نقلا ابن رشد عن ابن القاسم مع زاه قول مالك ورواية الأخوين.
قلت: إنما عزا ابن حارث الأشهب.
وفي ضربها على معتق ثالثها، على معتق كافر، ورابعها: التوقف فيه للصقلي عن ابن حبيب وأشهب ولها رواية محمد.
قلت: عزا ابن حارث الثاني لرواية أشهب.
ابن رشد إنما هذا الخلاف فيمن أعتق ببلد تلإسلام، وأما ببلد الحرب، فهي عليه بكل حال.
وقدرها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق.
الباجي عن محمد عن مالك: أرى اسقاط ما فرضه عمر مع ذلك من أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام؛ لأنه لم يوف لهم، وهذا يدل أنها لازمة مع الوفاء، ونقله اللخمي بصيغة، لما أحدث عليهم من الجور.
قال: ولا أرى أن توضع عنهم اليوم بالمغرب، لأنه لا جور عليهم.
قلت: هل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه؟ الشيخ عن سحنون: لا يؤخذ من أهل الذمة إلا عن طيب أنفسهم إلا الضيافة التي وضعها عمر.
قلت: ظاهره: إلزامهم الضيافة؟ وفيها: أبو خذ نصارى بني تغلب الصدقة مضافة؟ قال: ما سمعته ولو كان لعلمته.
التونسي: أراد أن يسمي مايؤخذ منهم صدقة لا جزية، ويضاعفون ذلك لتزول عنهم ذلة ضرب الجزية.
ابن رشد: كان عمر يفعله.
وفي أخذها من الفقير طرق: اللخمي: فيه قولا ابن السم وابن الماجشون، وهو أحسن، ووجهة ابن بشير بالقياس على الزكاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 73

ابن رشد: لا ينقص عن الفقير إن قوي عليها.
وروى ابن الجلاب: لا جزية على فقير.
ابن رشد: من ضعف عنها.
ظاهر قول ابن القاسم سقوطها.
وقيل: لا قدر ما يحمل ابن القصار: ولا حد له.
وقيل: أقلها ريعها.
وعوا الصقلي الثاني لمحمد وأصبغ، وهو نقل الجلاب عن المذهب.
خلف عن أصبغ: يجفف عن من ضعف، فإن لم يجد طرح عنه، وإن احتاج أنفق عليه، وقاله عمر بن عبد العزيز.
قلت: إنما عزا الصقلي الاتفاق عليهم لعمر بن عبد العزيز.
زاد: ويسلقون من بيت المال.
ابن رشد: لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها، وظاهر المذهب والمدونة تؤخر العام، وهو القياس كالزكاة، ومثله للباجي.
قال ابن شاس: قال القاضي أبو الوليد: من اجتمعت عليه جوية سنين إن كان فر منها، أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسرة؛ لم تؤخذ منه، ولم يكن في ذمته ما عجز عنه منها إذ الفقير لا جزية له.
قلت: إنما ذكر عن ابن القصار قال: من اجتمعت عليه جزية سنين.
قال الشافعي: لا تتداخل.
أبو حنيفة: تتداخل، فتؤخذ منه واحدة.
ابن القصار: إن فر منها، فالأول وإلا لم يبق في ذمتهما عجز عنه في ماضي السنين.
الباجي: هذا بناء على سقوطها عن الفقير، ولا تثبت لمدعيها إلآ ببينة، أو دليل لسماع سحنون ابن القاسم: إن أخذ يهودي بتجر مقبلين من أرض الشرك قالوا: نحن من جزيرة ملك الأندلس إن ثبن قولهم؛ تركوا وإلا فهم فيء، فإن ثبت وادعوا على

الجزء: 3 - الصفحة: 74

أخذهم أخذ المال؛ لم يجلفوا إن كانوا صالحين مأمومين.
ابن رشد: إنما كانوا فيئاً إن عجزوا عن البينة لدعواتهم مالا يشبه؛ لإقبالهم من بلاد الشرك، ولو ادعوا مايشبه لم يستباحوا، وأسقط اليمين عن المأمومين، لأنها دعوة عداء.
قلت: إن لم تؤخذ من ذمي سنة حتى أسلك؛ سقطت عنه لقول مالك: لو أسلم من هو دون ثلاث سنين على مال، فأعطوه سنة، قم أسلموا وضع عنهم مابقي.
مالك: من أسلم من أهل العنوة، وأنا بعد، فهو له، قاله مالك.
قلت: في كون أهل العنوة المقربين بأرضهم لعمارتها أحراراً أو عبيداً، مأذوناً لهم في المتجر.
سماع عيسى ابن القاسم: لا يحل لمسلم النزر إلى شعور نسائهم؛ لأنهن أحرار، ودية من قتل منهن خمسمائة دينار مع سماعه يحيى: ميراث من مات منهم لقرابته.
وقول ابن حبيب: من أسلم؛ فما له له.
وسماع سحنون ابن القاسم: من أسلم منهم؛ أخذ ماله، وبيعهم جائز، لأنهم مأذون لهم في المتجر لاهبتهم ولا صدقتهم، وأتقي تزويج نسائهم ولا أحرمه.
ابن رشد: قول محمد ما أفادوه بعد الفتح؛ فهو لهم غير مقيس؛ لأن إقرارهم إن كان عتقاً، فما بأيديهم، وإلا لم يكن إسلامهم عتقا، فلا تكون أموالهم لهم، ووجهة أنه جعل مابأيديهم كأرضهم، وهو خلاف قول ابن القاسم: من اشترى جارية من الخمس معها لم يستثنه عند الشراء، ولا يشبه كونه من قيابها ولباسها، فهو لجماعة المسلمين، فجعله للمبتاع بالاستثناء دليل أنه للعبد مالم ينتزع.
وقوله: دية من قتل منهن خمسمائة؛ يريد بحساب خمسمائة لأنها دية رجالهم ودية نسائهم نصفها، ولازم قول ابن حبيب جواز هبتهم وصدقتهم، وهو ظاهر صدقتها وهبتها، وأن لا يمنعوا من الوصية بجميع أموالهم إذا كان لهم وارث من أهليهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 75

باب الجزية الصلحية

الجزية الصلحية: ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه.
قلت: سمع عبد الملك ابن وهب: يجب كف قتال من أجاب إليها حيث يجري عليه حكم الإسلام.
ابن رشد: في قوله ابن حبيب وغيره: لا حد لها؛ نظ، والصحيح لاحد لأقل من يلزم أخل الحرب؛ لأنهم مالكوا أمرهم، ولأقل مايلزم الإمام قبوله، ويحرم به عليه فتنالهم حد هو قدر العنوية، وله قبول أقل منه، ولو كانوا أغنياء، فإن كانت مجملة عليهم، فمال كل منهم له يورث عنه.
وفي كون أرضه كذلك أو موقوفه للجزية، لاتباع ولا تورث ولا يملكها بإسلامه قولا ابن القاسم وابن حبيب، فإن كانت مفرقة على رقابهم، فالأول اتفاقاً وإن كانت على الرقاب والأرض مثل: (على كل رأس كذا)، و (على كل زيتونة كذا)(على كل مبذر قفيز كذا) فمن أسلم؛ فله أرضه اتفاقاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 76

وفي منع بيعها قبل إسلامه رواية ابن نافع فيها، وغيرها، وعليه في كون جزيتها على البائع أو على المشتري، ويسقط بإسلام البائع قولا ابن القاسم وأشهب فيها مع غيرها، فإن صولحوا على جزية مبهمة القدر، وجبت له الذمة، ولهم قدر العنوية.
قال: وزمن وجوبها ن وقعت مبهمة كالعنوية.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أخذها لأول الحول الحوا؛ لأنها عوض عن تأمينهم وقد حصل لهم فوجب أخذ عوضه كسائر المعاوضات ولظاهر قوله عز وجل: } حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ {[التوبة: 29]، والأعطاء الأخذ لا لوجوب، وبالقياس على قول مالك يؤخذ من تجار الحربيين ماصولحوا عليه وإن لم يبيعوا.
ابن رشد: يرد الأول بأن التأمين أمر معلق باستمرار الزمان، قابل لعدم التمام بالنقض، فكان كمنفعة سكنى، فلا يجب عوضه إلا بتمام مدته.
والثاني: بأن المراد بالإعطاء اللزوم، وإلا لزم تعجيل العام الثاني، أو حمل اللفظ على قبض بعض، وإيجاب بعض، ولا يصلح ذلك في عقل عاقل.
والثالث: بأن عوض المأخوذ منهم تمكينهم من البيع لا البيع.
قلت: حاصل دليل رد الثاني امتناع حمل اللفظ على معنيين حقيقة أو مجازاً في أحدهما.
ابن رشد: ذو الجزية ولم يصلح أهل ذمة يحكم فيهم بحكم الإسلام، ويباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويؤخذ ما بأيديهم من أحرار المسلمين.
وسماع يحيى ابن القاسم: من صولح على الجزية؛ لهم كل مابأيديهم للمسلمين من مال وأسير ورقيق، ولا ينبغي للإمام نزع شيء من ذلك، وكذا من صولح على هدنة، وقع على غير تحصل إنما ذلك فيمن صولح على هجنة، لأنهم غير أهل ذمة لعدم جري حكم الإسلام عليهم، والصحيح سماع سحنون ابن القاسم: يباع عليهم عبيدهم المسلمون، ويؤخذ ما بأيديهم من أحرار المسلمين بقيتهم من بيت المال.
قلت: لابن حارث: اتفقوا على أنه إن هودن أهل حصن لغير مدة، فألفي بأيديهم أسرى مسلمين،؛ انتزعوا منهم، وأعطوا فداءهم، ولو كان الصلح لمدة يسيرة، فقال سحنون: لا يعرض لهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 77

قال سحنون: وعلى قول عبد الملك: اليسيرة كالكثيرة.
قلت: تقييده الصلح بيسير المدة يمنع حمله على صلح الجزية، فالحاصل في نزع أسرى المسلمين من أل صلح الجزية، العهد، ثالثهما: من أهل الصلح ولو طلب حربي نزل بعد المقام بضرب الجزية عليه، ففي قبوله وتخيير الامام في ذلك طريقان: الشيخ: روى محمد: إن دخل إلينا بأمان حربي؛ فهو حر، وله المقام إن أسلم أو رضي بالجزية وإلا رجع، ونحوه قول اللخمي إثر ذكره أحكام الجزية ما نصه: كل هذا فيمن استبقي من أهل العنوة أو حربي قدم ليقيم ويكون ذمة.
ابن بشير: لو قدم حربي، فأراد أن يقيم على ضرب الجزية، فذلك إلى رأي الإمام وقول ابن عبد السلام بعد ذكره قول ابن الحاجب: (نظر السلطان) في هذا الفرع وشبهه، نظراً؛ لأن أهل الحرب إذا بذلوا الجزية بشرطها؛ حرم قتالهم، وهذا ينبغي أن يكون للإمام نظر يقتضي أن ماقاله ابن الحاجب هو المذهب وليس كذلك، لا اعرف من قاله إلا ابن بشير خلاف ما تقدم للشيخ واللخمي.
أسوة في أهل الذمة بالوفاء لهم بحكم الإسلام الشيخ عن سحنون: تواترت الأحاديث بالنهي عن ظلمهم، ولا يتشبهون بالمسلمين في زيهم، ويؤدبون على ترك الزنانير.
ابن الحبيب: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يختم في رقاب رجال أهل الجزية بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا.
وروي «إذا لقيتموهم بطريق، فألجؤهم إلى أضيقها».
وقال عمر: «سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ولا تبذؤوهم بالسلام».
ابن شاس: يمنعون ركوب الخيل والبغال النفيسة لا الحمير، ولا يركبون السروج، بل على الأكف عرضا.
وسمع ابن القاسم: أيكنون؟ قال: أكره أن يرفع بهم، ورخص فيه قبل ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 78

ابن القاسم: أرجو خفته.
قال غيره: وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان: "انزل أبا وهب".
قلت: لأنه كان من المؤلفة قلوبهم لاذمياً.
ابن حبيب: كتب عمر أن يقاموا من أسواقنا، وقاله مالك.
ويمنع الذميون الساكنون مع المسلمين إظها الخمر والخنزير، وحملهما إليهم من قرية إلى قرية، وتكسر إن ظهرنا عليها، ويضرب فاعل ذلك، ويؤدب السكران منهم، وإن أظنهروا صلبانهم في أعيادهم واستسقائهم؛ كسرت وأدبوا، وققاله مطرف وأصبغ.
زاد ابن شاس: ولا يرفعوا اصوات نواقيسهم، ولا صوتهم بالقراءة في حضرة المسلمين.
ولا يقر كافر، ولو بجزية في جزيرة العرب لاجلاء عمر منها كل كافر.
وروي الباجي: لا يمنعون منها مسافرين لدخولهم إياها أيام عمر بجلبهم الطعام من الشام إلى المدينة، وضرب لهم عمر ثلاثة أيام يستوفون، وينظرون في حوائجهم.
وفي إخراج عبيدهم كالأحرار نقلا اللخمي عن عيسى بن دينار وابن مزين.
وفي منتهى الجزيرة اختلاف.
اللخمي عن مالك: مكة والمدينة واليمن أرض العرب، وعزاه ابن شاس لرواية عيسى بن دينار.
اللخمي: وقال الطبري عن معمر بن المثنى: هي مابين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، والعرض مابين رمل يبرين إلى منقطع السماوة.
وقال الأصمعي: هي مابين أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا.
الطبري: الصواب أنها مما يلي العراق وما جزر عنه بحر البصرة من الأرض من حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن طولاً، وما جزر هذا البحر بحر البصرة من جدة

الجزء: 3 - الصفحة: 79

إلى أدنى أرض الشام، وإنما قيل لها: جزيرة لانقطاع ما كان فاءضا عليها من ماء البحر عنها، والجزء في كلام العرب القطع، ومنه سمي الجزار.
الباخي: قال مالك: قيل لها: جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها.
الباجي: يجلى الكفار منها، وإن لم يكن غدر منهم.
وأما في غيرها فسمع ابن القاسم: من كانت له عهود من كافر، وبان غدرهم أجلوا، وعندي أن ذلك إذا خيف منهم الميل لمجاورهم من حربي، فينتقلون إلى حيث يؤمن ذلك منهم.
والمذهب أخذ الذمي فيما قدم به غير افقه بالعشر.
ابن حارث وابت زرقون، وخصه ابن عبد الحكم بمكة والمدينة.
وفيها مع المواوية: تجه بانتقاله في أفقه لغو: في تعشير ما قدم به افقه من غيره نقل اللخميث روايتي المجموعة وابن عبد الحكم.
ابن سحنون عنه: لو باع مااشتراه من حيث أخذ منه العشر ببلد آخر غير بلده؛ أخذ عشرة، ومقتضى الروايات أن أفقه محل أخذ حزيته وعمالاته.
وفيها الشام والمدينة أفقان.
الشيخ: سمع القرينان، ماجلب من تيماء إلى المدينة عشر لا من وادي القرى إليها.
ابن عبدوس: روى ابن وهب: أن تجر عراقي بصري للكوفة لم يؤخذ بشيء، والشام والعراق ومصر آفاق.
ابن رشد والحجاز واليمن والأمدلس كلها أفق واحد.
الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن أوطن مصري الشام، ثم قدم مصر بتجر؛ فلا شبء عليه، لأنها بلده التي صالح عليها، وفيما قدم به الشام العشر.
أصبغ: هذا إن لم تحول جزيته حيث انتقل، فإن حولت إليه، صارت كبلده.
وفي أخذه بعشر ما قدم به أو عوضه، ولو قدم بعين نقلا الشيخ عن ابن حبيب مع روايته عن مالك والمدنيين وابن القاسم.
قلت هو نصها والمشهور، وما عليهما لو رجع بما له بعينه، ففي أخذه به روايتان، ولو

الجزء: 3 - الصفحة: 80

قدم بإماء، ففي منعه منهن حتى يؤدي القولان.
وفيها: وعبده مثله فيما قدم به، وتكرر قدومه كأوله، وقليل ماله ككثيره.
ابن سحنون عنه: ماروي عن مالك في الكتابي بأعراض المدينة، يزرع إن كان يؤخذ منه الجزية، فلا شيء عليه، وإلا فعليه العشر إن بلغ خمسة أو ست رواية سوء لم نجزها، وعلى المشهور لو اشترى بعين قدم بها سلعاً؛ ففي أخذ عشر ثمنها أو عشرها أو غ\عشر قيمتها رابعها: لم لم تنقسم وخامسها: إن لم تنقسم أخذ تسع قيمتها لنقل الكافي واللخمي مع التونسي قائلاً: إن اخذ منه عن عشر السلع دراهم أخذ منه عشر السلع الواجبة عشرا ونصها وتأويلها.
الشيخ: وبعض شيوخ عبد الحق، وبعض شيوخ الصقلي قائلاً: هو الحق الذي لا شك فيه، لأن لنا عشر عين السلع، فإعطاؤه قيمته شراء منه سلعة ثانية؛ فلنا عشرها ويلزم فيه مالزم فيها إلى مالا نهاية له حتى يدق لما لا يعلمه إلا الله تعالى.
فيؤخذ منه التسع أول مرة.
قلت: تقريره، لو اشترى بكل ما قدم به عشرة أثواب لايستقل منها ثوب للعشر فيجب فيها فلإمام ثوب قيمة لا عيناً، فيدفع الذمي قيمته، فيضطر لبيعه منها ثوا يدفع لنا ثمنه ضرورة فرض شرائه إياها بكل ما قدم به، فتبقى بيده منها تسعة، فيطلب بعشر الثوب الذي وجب أخذه منه وابتاعه، فيضطر لبيع عشر ثوب آخر منها، ليدفع ثمنه عنه، فيبقى بيده منها سالماً بثمانية، وبيد الإمام من العشرة ثوب قيمة لا عيناً، والثوب الذي وجب عشرة يجب في عشره ما وجب فيه، وكذا في عشر عشرة حتى يدق لماذكر، فيخلص منه للذمي ثمانية أجزاء، وللإمام جزء، فمجموع الثياب انقسم قسمين، الأول: خلص منه للذمي ثمانية أجزاء وللإمام جزء، والقسم الثاني: وجب منه لهما كذلك، فوجب قسمه مرة واحدة على ثماني وواحد وهو المعنة بكونه اتساقاً.
ابن بشير: الزم التسع بما ذكر خيال بعيد، وتقويم العشر كشرائه سلعة بها عشر عليه إلا أن يؤدي قيمته من مال آخر قدم به فلقوله وجه.
قلت: لا وجه له، لأن حكم المال الآخر حكم الأول، وقد قال: إن ذلك في المال الأول خيال، فكذا في الثاني، وهذا هو الحق.

الجزء: 3 - الصفحة: 81

وقول ابن عبد السلام: منهم من أنكر الإلزام يرى أنه يلزم في التسع مالزم من اعشر لا أعرف قائله، ولا وجه للزوجة في التسع، إلا على بعد، وهو جعل وجوب التسع المذكر كالعشر، وليس كذلك، لأن وجوبه بالنص القاصر عليهن ووجوب التسع بالانتقال المذكور المتوصل به إلى أخذ العشر من كل ما اشتراه، وبالوصول للتسع يسقط طلب العشر من كل ما اشتراه.
الباجيك من قال بالقيمة مطلقاً قال: ولو كان مكبلاً أو موزوناً.
التونسي: لا عشر في عين مصنوع قدم به يصنعه بيده، لأنه شيء لم يشتره قلت: عزاه الشيخ لمحمد، وما صنعه بأجر.
قال التونسي: بشركة الإمام في المصنوع بعشر قيمة الصنعة إن لم يدفع قيمة عشرها عيناً.
اللخمي: إن قدم بما استأجر عى صنعه مكن من صنع تسعة أعشاره، وكلف الإمام الأجير بصنع مثل تسع مصنوع الذمي، فإن غفل حتى صنع جمعية أخذ بقيمة صنعة تسعة وعشر ذلك العشر.
قلت: لا وجه لمنعه صنع كل ماله وتكليفه صنع مثل تسع مصنوعة قضاء بالمثلعن ذوات القيم.
وقول ابن عبد السلام: أجازوا هنا القضاء بالمثل في ذوات القيم، لأن أخذ عشر سل اشتراها بما قدم به على المشهور قضاء بالمثل في ذوات القيم وهم؛ لأنه أخذ لعين ما وجب لاعوضه.
وقول اللخمي: الحق على قول ابن القاسم تكيفه صنع مثل عشر مصنوعة وهم، بل مثل تسعة؛ لأن الواجب لنا مثل تسع مايبقى بيده بعد أخذنا منه، وهو عشر مجموع ماقدم به، ومثل عشر مابيده أثل من ذلك؛ لأنه جزء من أجد عشر جزءاً مما قدم به.
قلت: للشيخ عن محمد: فيما قدم به من غزل استأجر على حياكته أو فضة استأجر على صوغها، أو ضربها عشر الأجرة.
قال محمد: وقال أشهب وابن القاسم: لا شي عليه، وله في الحربي خلافه.
الشيخ: في المجموعة: روى ابن نافع: إن تجروا بخمر ومايحرم؛ تركوا حتى

الجزء: 3 - الصفحة: 82

يبيعوه فيؤخذ عشر ثمنه، فإن خيفت خيانتهم؛ جعل معهم أمين.
ابن نافع: هذا إن جلبوه لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
ابن بشير: لا يجوز النزول بمثل هذا، ولا الوفاء لهم به ويهراق الخمرن وتعرقب الخنازير، فإن نزلوا على أن يقروا على ذلك، وهم بقرب نزولهم.
قيل لهم: ارجعوا، وإلا فعلنا ذلك.
وإن طال مكثهم، فعل ذلك وإن كرهوا.
وفي تعشير ثمن المنافع كالأعيان قولان للمشهور مع الشيخ عن ابن نافع، ورواية ابن عبدوس مع التونسي عن أشهب قائلاً: لأنها غلة.
فقال التونسي: انظر قد يقول أيضاً: لو قدم بغنم، فباع لبنها وزبدها وصوفها، لم يكن عليه في ثمنها شيء.
قلت: يرد بأن هذه أعيان قائمة، ولذلك في حكم الغصب اعتبار، وعلى الأول في تعشير كراء إ بله في غير أفقه منه إلى أفقه لا العكس أو العكس، ثالثها: يعشر مناسب مسافة غير أفقه من الكراء فيهما لابن القاسم وابن حبيب.
ونقل اللخمي: مخرجا على الأولين: ما أسلم به بغير أفقه، ليأخذه في أفقه وعكسه، ونحوه للتونسي.
وقول ابن عبد السلام: لم يقل أحد بأهذ عشر كرائه دوابه في بلادنا إذا كان ابتداء ابغاية وانتهاءها فيهان يرد بنقل الشيخ ما نصه في المجموعة، روي عن مالك في النصراني بكري إبله في بلد الإسلام: لا يؤخذ منه شيء.
قال ابن نافع: يؤخذ منه عشر الكراء كسلعة باعها، وبأنه إذا أخذ منه في كرائه من بلدنا إلى بلده، فأحرى من بلدنا إلى بعض نواحيه؛ لكن لو تكرر كراؤه دواب معينة كذلك، ففي سقوط تعشير ثاني كرائه نظر، والأظهر جريه على أصلي القولين في سقوط زكاة غلة أصل تجر ووجوبها.

ابن عبدوس وابن سحنون عنه: لو استحق ماشتراه أو رد بعيب؛ رد له عشرة.
قلت: يجري رده بعيب على كونه بيعا عند مثبته.
وفي سقوط عشر ما استغرفه دين مسلم ببينه نقل ابن عبدوس عن أشهب، وقول

الجزء: 3 - الصفحة: 83

التونسي، ولو كان لذمي عشر اتفاقاً.
قلت: ظاهره: لو أدان من مسلم ديناً، فابتاع به شيئاً عشر، وهو ظاهر على أصل ابن القاسم لا ابن حبيب.
وفي أخذ الذمي يقدم مكة أو المدينة بحنظة، أو زيت بنصف ع شره، أو به سماع القرينين مع رواية الجلاب، وأول روايتي ابن نافع، ونقل ابن رشد مع الشيخ أخراهما، وابي عمر رواية ابن عبد الحكم، وصرح ابن نافع بعدم أخذه بها.
وتعليل مالك أخذ عمر رضي الله عنه نصفه بالمدينة للحاجة إلى جلبهم، واليوم أغنى الله عنهم، ولفظ الموطأ في الكافي واللخمي: في الحنظة والويت، وفي الجلاب والشعير ولفظ الشماع، في الطعام، فاستثنى ابن رشد منه القطنية، ولفظ الرسالة: الطعام دون استثناء، ولفظ السماع والكافي: مكة والمدينة.
زاد في الرسالة: خاصة ولفظ الجلاب: وقراهما.
ولفظ ابن رشد: وأعراضهما.
قلت: ولفظ المدونة: كثانية ابن نافع

باب الاستيمان

والاستيمان: هو المعاهدة: تأمين حربي ينزل لأمر ينصرف بانقضائه.
وفيه إن نزل بمال طريقان: اللخمي: في أخذ عشره، أو مايراه الإمام، ثالثهما: إن نزل دون اتفاق لمالك وابن

الجزء: 3 - الصفحة: 84

القاسم وأشهب.
اللخمي: يريد: فإن فات ببيع، وهو أحسن إن لم تكن عادة، فإن لم يفت ولا عادة فما تراضوا عليه، وإن قل وأن نزل على دنانير، لم يمنع وطء إمائه، وعلى مقاسمتهم يمنع حتى تقسم، وإلا ففي كونه كالأول أو الثاني قولان لابن القاسم ومالك، واتفقا على منع رد ماله حتى يعشر.
وقال أشهب: له رده دون تعشير مالم يشترط عليه أولاً.
الصقلي عن محمد عن ابن القاسم: فيما يؤخذ منه كأشهب.
وعن اصبغ: إن عرف بالنزول قبل ذلك على العشر، ولم يقل له شيء حتى باه بم يزد عليه.
ابن رشد: في وجوب أخذ ماصولح عليه بنفس قدومهن أو حتى يبيع قولا ابن نافع مع ابن القاسم ومالك وأشهب مع ابن وهب، وعليهما منه رد ماله دون أخذ، ووطئه ماءة قبله، فعلى الأول أن نزل على مقدر نصاً أو عادة أو دونه، لزم ماقدر أو العشر اتفاقاً، وخلاف روايتي ابن القاسم وعلي فيها إنما هو في جواز إنزالهم على أقل من العشر، أو دون اتفاق، فيجب العشر ومنعه، وعلى الثاني إن أنزلوا دون اتفاق ولا عادة، ولم يبع، فكما لم ينزل، وإن باع تعين العشر.
وفيها: لابن القاسم وابن نافع: على الحربي فيما نزل به ما صولح عليه.
وروى علي: عليه العشر قلت: هذا خلاف تفسير ابن رشد، وذكره قول ابن القاسم رواية.
وللشيخ عن ابن عبدوس عن ابن نافع: لا يؤخذ منه شيء حتى يبيع، فيؤخذ عشر ثمنه، وعن ابن سحنون عنه عن ابن القاسم: لابأس أن يجزئ الحربي رقيقه عشرةعشرة وعلى أن يختار الإمام من كل عشرة رأساً.
سمع القرينان: قيل لمالك: الرومي إذا قدم جعل رفيقه عشرات يبتدئ في عشرة باختيار الرأس، ثم يختار الأمير من التسعة الباقية رأساً، وفي العشرة الثانية يبتدئ بالخيار الأمير ثم الرومي، وفي العشرة الثلاثة كالأولى، وفي الرابعة كالثانية إلى آخره، وأنهم أحكموا ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 85

قال: أحكموه إحكام سوء.
ابن رشد: لأنه غرر بين لا يجوز، والواجب قسم القرعة.
الشيخ: عن ابن عبدوس عن ابن القاسم: إن نزل على العشر؛ لم يكن للإمام مقاسمتهم رقيقاً، ولا غيرها حتى يبيع إلا أن يريد الرجوع بذلك لبلده أو بلد آخر، بخلاف الذمي له الرجوع بذلك دون أخذ منه، وفي أخذه بعشر ما قدم به غير مصنوع استأجر على حياكته أو صوغه أو ضربه أو عشرة معمولاً، ثالثها: لا شيء عليه فيه، للشيخ عن محمد، وعنه عن ابن القاسم وعن أشهب.
الصقلي: روى محمد وابن عبدوس: إن رجع بما قدم أخذ منه عشره، ثم إن نزل بلداً آخر؛ لم يؤخذ منه شيء.
قلت: نقله العتبي عن أصبغ.
ابن رشد: يريد: بلداً آخر من ذلك الأفق، ولو كا في أفق آخر أخذ منه العشر إن اشترى أو باع على قول ابن وهب، وعلى قول ابن القاسم: وإن لم يبع.
الشيخ والصقلي عن أصبغ: يمنع الدوران في السواحل للبيع خوف التكشف على عورة، ولا ينزل إلا حيث تؤمن غرته، ويمنع المشي بغير الأسواق والطريق الواضحة لحوائجه.
محمد عن ابن القاسم: لا ينبغي للإمام إنزالهم على شرطهم ألا عهدة عليهم فيما يبيعون، فإن جهل وأنزلهم عليه؛ وفي لهم وأنذر الناس بذلك، فمن اشترى منهم غير عالم بذلك؛ فلا رد له بعيب خفيف، او خفي كبيع المفلس، وما كان عن تدليس أو عيب ظاهر؛ فله الرد عليه وعلى الإمام.
وسمع عيسى: رجوع ابن القاسم عن قوله في حربي أمن على النزول، وقد كان سرق في أمان نزول سابق عن انصرافه منه عبيداً وأحراراً ينزعون منه كدين كان أدانه من مسلم في أمانه السابق إلى قوله: لا ينزعون.
ابن رشد: على وله الأول: لا ينبغي إنزالهم على عدم نزعهم، فإن فعل وهو عاجز عن حربهم إن ردهم؛ ففي الوفاء لهم بشرطهم ونقضه ثالثها: يخيرهم الإمام بين ردهم أو نزعهم منهم، وعلى الثاني يخيرهم الإمام لقول ابن القاسم ذلك في الذمي.

الجزء: 3 - الصفحة: 86

وسمع أصبغ ان وهب: لو أدان عند نزولهمن مسلم ديناً إلى أن رجع قابلاً، فشرط عند نزوله قابلاً أن لا يعدى عليه غريمه؛ لا ينبغي إنزاله على ذلك، فإن أنزل عليه؛ أعدى القاضي غريمه عليه، وقال له: إن شئت بع أو ارجع.
ابن رشد: لا ينبغي أن يختلف في عدم الوفاء له بذلك الشرط؛ لشرطه إسقاط ما أوجبه على نفسه؛ إنما الخلاف فيما هرب به من ذمي غلبه، ثم نزل على أن لا يعدى عليه، ولو أسلم رقيق من نزل بأمان، ففي تمكينه من الرجوع بهم بعد أخذ عشرهم نقلاً ابن رشد مشهور قول ابن القاسم، وهو سماعه عيسى، وسماعه يحيى، مع قول ابن حبيب، ونقله عن أصحاب مالك قائلاً: لم يتابع ابن القاسم أحد من أصحاب مالك، وحكى هذين القولين أيضاً فيما بيده من أسير مسلم مفسراً الثاني ببيع من أسلم من عبيده عليه وإعطائه قيمة الأسير المسلم، وعزا في سماع يحيى قول مالك لابن حبيب قائلاً: هو إجماع قول مالك وأصحابه.
ولابن سحنون عن مالك خلافه.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولو شرط عند نزوله عدم التعرض له فيهما بذلك؛ لم يوف له شرطه.
قال: وقاله ابن الماجشون ورواه.
وللشيخ في ترجمة الرهائن عن الموازية: لا يعرض لمن نزل بأمان، وبيده مسلم فيه وله بيعه، فإن باعه من مسلم؛ صار حراً، واتبعه مبتاعه بالثمن، وقاله أصبغ ومحمد.
الشيخ عن ابن حبيب: روى الأخوان: لو قدم بأسير طلب به فداء قريب له بيد مسلم؛ جبره الإمام على أن يأخذ فيه قيمته، ويفدي به المسلم، ولو تشطط الحربيفي الأسير بقريب من القيمة أعطيه وإلا فالقيمة.
ابن سحنون عن عبد الملك: لا يزاد على قيمته إلا الشيء القريب.
ابن سحنون: لو قدم بأسير؛ ليفدي به زوجته وولده، فوجدهما قد أسلما او دبرا أو عتقا إلى أجل؛ فقال مالك وابن القاسم: له رده، وقال غيرهما: يجبر على أخذه منه بالقيمة؛ ومعنى القيمة في هذه المسائل فداء مثله ليس العربي والقرشي كالأسود والمولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 87

قلت له: قد فديت الأسارى الذين كانوا بسردانية على قيمتهم عبيداً.
قال: لأنهم غير معروفين عندي من ذوي القدر.
اللخمي: لو قدم بمسلمين أحرار وعبيد؛ ففي تمكينه من الرجوع بهم ثالثهما: بالذكور لا الإناث لابن القاسم وعبد الملك قائلاً: يعطي في كل مسلم أوفر قيمة، وابن سحنون عن ابن القاسم، وسمع يحيى ابن القاسم: إن ظهر فيمن قدم من أهل الحرب لصلح عبد لمسلم كان أبق إليهم؛ رد إليهم دون ربه.
ابن رشد: إن كان كافراً، وفي بيع المسلم عليه خلاف تقدم.
وسمع سحنون رواية ابن القاسم: إن أسلم رسول أهل الحرب؛ رد إليهم.
ابن رشد: وقال ابن حبيب: لا يرد إليهم ولو شرطوه، وثالثهما: إلا أن يشترطوه.
الشيخ عن ابن حبيب: إن نزل بأمان أريق ما معه من خمر، وقتل ما معه من خنازير، وغيبت جيفته، وإن طلب النزول على بقاء ذلك؛ لم ينزل عليه، فإن جهل الإمام وشرط له ذلك، فإن عثر على ذلك بحدثانه قبل أن يبيعوا؛ قيل لهم: إما نزلتم على إراقة الخمر وقتل الخنازير وإلا فانصرفوا، وإن لم يعر على ذلك حتى باعوا بعض متاعهم، وطال لبثهم؛ جبروا على إراقة الخمر وقتل الخنازير، ولا عهد فيما خالف الكتاب والسنة.
قلت: ظاهره: منعهم بيع ذلك، ولو من ذمي، وتقدم لابن نافع خلافه، فيتقرر بهما قول ابن الحاجب: لا يمكنون من بيع خمر لمسلم، والمشهور تمكينهم لغيره، ولو ظهر كون من نزل لعقد هدنة مرتداً أو عبداً لمسلم أو ذمي، ففي رده لمأمنه واستتابته، ورده لربه ثالثها: إن اشترط الأمان، وإن كان كما ظهر.
لابن رشد عن سماع يحيى ابن القاسم مع أحد قولي أشهب وابن حبيب مع روايته عن الأخوين وابن عبد الحكم وأصبغ وأحد قولي أشهب، ورواية عن ابن القاسم مع دليل قول سحنون.
قلت: حكاها الشيخ عن سحنون عن ابن القاسم جواباً لأهل الأندلس، وله عن ابن حبيب: إن ظهر على رسول دين، أو حق لمسلم؛ حكم عيه بحكم الإسلام، وكذا فيما أحدث من زنى أو شرب خمر، أو فاحشة كمستأمن.

الجزء: 3 - الصفحة: 88

الشيخ: يريد ابن حبيب في غير قول ابن القاسم.
وفي كتاب ابن سحنون: يترك الرسول في حاجته بقدر قضائها، فإن أبطأ أمر الأمير بإخراجه، ولا يبيع شيئاً إلى أجل، فإن فعل وقرب أجله؛ أمهل إليه، وإن بعد كالسنة؛ لم يترك، إن شاء وكل أو قدم إذا حل أجله، ولا يدخل إلا بأمان، فإن دخل دونه؛ لم يح؛ لأن له شبهة، ولا يمنع الدخول إلا أن يقتضيه الإمام ويدفعه له.
سحنون: لو رأي رسول عورة في عسكر المسلمين؛ لم يكن للإمام حبسه بعد قضاء أمره حتى يصلحها، ثم قال: إن قرب إصلاحها حبسه إليه، وقال ابنه: يحبسه إليه وإن طال، ولا يقبل يمينه أنه لا يخبر بها، وحبسه بجعل من يحرسه معه دون قيد إلا أن يحضر المسلمين قتال يخاف فيه منه فليقيده، فإن زال القتال؛ أزيل عنه، ولو نقله الإمام من محل بلوغه إلى غيره لقتال نزل؛ فعليه بعد انقضائه نفقة تبليغه إلى المحل الذي نقله منه يعطيها الإمام من تلك الغنيمة؛ لأن حبسه مصلحة لذلك الجيش، ولو أراد الرسول المقام، ورفض ما أرسل إليه؛ لم يمكن من ذلك.
ابن سحنون عنه: لا ينزع من رسول سلاحه التي قدم بها، ولم ينزع صلى الله عليه وسلم من عمير بن وهب إذ قدم بسيفه.
قال: ولا يغار على العدو ورسوله عندنا إن كان ذلك أماناً عندهم وإلا أغير أغير عليه، ولو كان رسولنا عندهم أغير عليهم إن أمن عليه، ومن نزل بنا رهناً في فداء، فخاس راهنه، ففي رقه لمرتهنه مطلقاً، أو إن كان بالغاً، ثالثها: يباع بعد الاستيناء، ويوقف فضل ثمنه على ما رهن فيه لراهنه.
للشيخ عن سحنون، وعن سماع يحيى ابن القاسم، وعن سماع أصبغ ابن القاسم.
سحنون: ولو رهنه على إعطاء الفدية مع إقامة الراهن والرهن على الجزية، فخاس الراهن؛ لم يرق الرهن بحال، والفدية في ذمة الرهن الكبير لا الصغير.
قلت: هذا خلاف إرقاقه الصغار كالكبير، لا يقال: لا ذمة للصغير؛ لأنها له بدليل تعلق عدائه بهما، وإن لم يكن له مال، وعزا الشيخ سماع أصبغ لابن القاسم، وهو في

الجزء: 3 - الصفحة: 89

العتبية لأشهب، ووقع ذكره يف سماع أصبغ ابن القاسم.
ابن رشد: ناقض كثير من أهل النظر سماع يحيى بسماع أصبغ، وإجازتها شراءنا أولاد أهل الحرب من آبائهم الذين لا عهد لهم؛ لأن ما جاز بيعه؛ جاز رهنه، وليس كذلك، والفرق أن الحربي حاكم على ولده في بلده، فمضى حكمه عليه، والأسير لا حكم له فيه، فاعتبر رضى الرهننفسه، ولا رضى لصغير.
قلت: هذا جواب معارضتهم بها، فما جواب معارضتهم بسماع أصبغ، وعزا الشيخ لابن حبيب الثاني قائلاً: إن بان أن الراهن مات، أو منع المجيء أطلق رهنه، وإن كان كبيراً.
قال: وقال الأخوان وأصبغ: إن كان الولد في عهد أو هدنة؛ فإنه يسترق، كان كبيراً أو صغيراً، خاس الأب أو لم يخس، مات أو منع؛ لأن هذا شأن الرهن.
قلت: يريد: أنه رهن في الوفاء بالعهد أو الهدنة.
الشيخ: سمع عيسى: لو نزل بنا من طلب فداء زوجته بأربعة أسارى معينين يأتي بهم، فأتى بثلاثة، وقال: عجزت عن الرابع؛ أعطي زوجته أو رد عليه الثلاثة.
عيسى: بل يعطي زوجته.
الشيخ: وقاله أصبغ وأبو زيد.
قال أبو زيد: وكذا لو لم يأت إلا بواحد.
محمد: إن ظن أن ذلك منه خديعة، فإن طمع أنه لا يترك زوجته؛ لم يعطها إلا بذلك أو بما هو أفضل.
ابن رشد: قول ابن القاسم: ليس هو على ظاهره من التخيير، ومعاه: أنه لا بد من أحد الأمرين، فغن لم يصح أحدهما؛ لزم ااثني، وقول عيسى مبين ذلك؛ لأن قوله في أوله: أحب إلى رد امرأته؛ ليس على ظاهره، ومعناه: الوجوب لقوله أخيراً: ولا ينبغي لهم غير ذلك، وهذا إن لم ينبرم العهد بينهم، وبين الرومي على المعاوضة بذلك، ولو انبرم على ذلك؛ وجب إذا تحقق عجزه عن الرابع أخذه امرأته، وغرم يمة ربعها؛ كالاستحقاق فيمن باع أمة بأربعة أعبد، فاستحق أحدها بعد عتق الأمة، وإن لم يتحقق عجزه؛ حبست زوجته حتى يأتي بالرابع على أصولهم في أن من حق البائع أن يمسك

الجزء: 3 - الصفحة: 90

سلعته حتى يستوفي كل ثمنها.
قلت: هذا نص منه على تبدئة المشتري بدفع الثمن، ولو نقض ذو رهن في صلح صلحه.
ورأي الإمام فسخه كان الرهن فيئاً، وفي جواز قتله إن كان كبيراً عاقلاً، ولو كان شيخاً أو راهباً.
ثالثهما: ان شرط قتله لذلك حين رهنه للشيخ عن سحنون قائلاً: إن كان صغيراً يوم الرهن، وبالغاً يوم النقض؛ لم يقتل، ونقل ابنه عن بعض أصحابنا وعبد الملك، ويف جواز إحداث ذوي الذمة الكنائس ببلد العنوة المقر بها أهلها، وفيما اختطه المسلمون فسكنوه معهم وتركها إن كانت ثالثها: تترك ولا تحدث للخميعنغير ابن القاسم وعن ابن الماجشون قائلاً: ولو كانوا منعزلين عن بلاد المسلمين، وابن القاسم قائلاً: إلا أن يكونوا أعطوا ذلك، ويجوز لهم بأرض الصلح إن لم يكن بها معهم مسلمون، وإلا ففي جوازه قولاً ابن القاسم وابن الماجشون قائلاً: ولو شرط لهم ذلك، ويمنعون من رم قديمها إلا أن يكون شرطاً، فيوفى ويمنعون الزيادة ظاهرة أو باطنة.
وقول الطرطوشي: يمنعون من إعلاء بنائهم على بناء المسلمين.
وفي المساواة قولان، ولو اشتروا عالياً أقر؛ إنما نقله عن الشافعية كالمصوب له.
وسمع أصبغ ابن القاسم: لا يجوز لمسلم شراء ما باعه الأسقف من الديارات المحبسة على إصلاح الكنيسة لخراجهم أو لرم الكنيسة، ولايجوز فيما حبسوه على وجه التقرب إلا ما يجوز للمسلمين.
أصبغ: لا يحكم حكم المسلمين في منع بيعها ولا رده ولا الأمر به، ولا إنفاذ حبسه ولا جوازه.
ابن رشد: لم يجز ابن القاسم في هذه الرواية بيع ذلك لما ذكر، وأجازه في سماعه عيسى؛ والوجه أنه إن أراد من حبسها إبقاءها لصرف غلتها فيما ذكر، وأراد الأسقف بيعها لما ذكر، ورضيا بحكم الإسلام، واختار حكم الإسلام الحكم بينهم أن يحكم ببقائها، وهو معنى قول ابن القاسم: لا يجوز في أحباسهم إلا ما يجوز في أحباس المسلمين؛ لأن المحبس لو أراد أن يرجع فيما حبس لما جاز له لا يصح أن يكون ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 91

القاسم أراده، كما تأول عليه الأصبغ؛ لأن الحبس على الكنيسة معصية.
ولو مات مستأمن ففي ذفع ماله وديته إن قتل لوارثه أو لحكامهم، ثالثها: إن ثبت تعين وارثه بينه مسلمين فالأول، وإلا فإلى طاغيتهم، ورابعها: ماله ولارثه، وديته حكامهم، لقياس ابن القاسم فيها على قول مالك في ديته قائلاً: لكنه قال: ويعتق قاتله رقبة.
مع الشيخ عن الموازية والصقلي عن سحنون، مع البراذعي عن غير ابن القاسم، ونص المدونة عن سحنون، والشيخ عن ابن حبيب مع نقله عن مالك وابن القاسم وأصبغ، والصقلي عن الشيخ عن سحنون.
أبو عمران: قوله: غير ابن القاسم وفاق له؛ لأن بحكامهم يعرف وارثه، وظاهر قول غيره أنه خلاف، وفسر الصقيل المذهب بقول سحنون: إن استأمن على المقام أو طال مقامه عندنا، أو كان شأن المستأمنين المقام، أو لم يعرف حالهم، ولا ذكر رجوعاً لبلده؛ فميراثه للمسلمين.
قلت: زاد في النوادر عنه: إن قدم بذرية على الرجوع، أو كان شأنهم، فمات ردت ذريته وماله لبلده وإلا فلا.
ابن بشير: إن استأمن على دوام إقامته؛ فميراثه للمسلمين إن لم يكن معه وارث، وإن استأمن على رجوعه بانقضاء أربه؛ فماله لأهل الكفر، وفي رده لوارثه أو لحكامهم قولان، ولعله خلاف في حال إن استقل لنا حقيقة توريثهم دفع لوارثه وإلا فلحكامهم، وإن استأمن مطلقاً، فإن كان لأمثالهم عادة في الإقامة أو الرجوع؛ حكم بها وإلا ففي الحكم بمقتضى الرجوع أو الإقامة قولان.
عبد الحق عن محمد: ودية المستأمن خمسمائة دينار.
قال: إنما ذكرته؛ لن لإسماعيل في ديته غير ذلك، والصواب الأول.
ابن حبيب: إن غنم جيش وارثه قبل قبضه إرثه؛ فهو فيء له.
الصقلي عن محمد عن ابن القاسم وأصبغ: حكم ماله عندنا في موته ببلده كموته عندنا، وماله في موته بعد أسره لمن أسره، وعزاه ابن عبدوس.
لعبد الملك أيضاً: ومن له عليه دين في كونه أحق بماله يذكر في الغنيمة إن شاء الله

الجزء: 3 - الصفحة: 92

تعالى، ولو قتل في المعركة، ففي كونه لوارثه أو فيئاً؛ لا يخمس نقلاً الشيخ عن محمد وابن حبيب، مع نقله عن ابن القاسم وأصبغ.
قلت: الأول سماع يحيى ابن القاسم.
ابن الحاجب: لو ترك وديعة؛ فهي له، فإن قتل أو أسر، فثالثها: إن قتل كانت فئاً، ورابعها: عكسه.
ابن عبد السلام: الأول أنه فيء قتل أو أسر، والثاني لوارثه في الوجهين، والثالث فيء في القتل وميراث في الأسر، والرابع عكسه.
قلت: لا أعرف في أسره خلافاً أنه لمن أسره زتفسيره كونه لوارثه في الأسر لا يعقل؛ لأنه إن أراد أنه لوارثه بعد موته أسيراً فغير صحيح؛ لأنه عبد مات، وكل عبد مات؛ فماله لمالكه لا لوارثه، وإن أراد قبل موته فأبعد، والثالث كذلك، وتفسيرها ابن هارون بقوله: الأول أنها له إن أسر، ولوارثه إن قتل، والثاني فيء فيهما، والثالث: له إن أسر وفيء إن قتل، والرابع عكسه صواب.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن بيع مستأمن غنم بعد رجوعه لأرضه كان ترك بأرض الإسلام وديعة؛ فهي فيء للمسلمين بأخذهم إياه، ومال العبد لبائعه إن لم يشترطه مبتاعه، وكذا إن قتل بعد أسره، ولو تل في المعركة دون أسر؛ فهي لوارثه.
ابن رشد: معنى قوله: (هي فيء)؛ أنها غنيمة تخمس، ويجري فيها السهام، اله ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون وأصبغ وابن القاسم، وهو بين قائم من قوله في الكتاب.
وحمل فضب قول ابن القاسم على ظاهره: أنه لا يخمس، وهو بعيد في المعنى، وإن قتل مستأمن مسلماً أوذمياً عمداً؛ قتل به.
وفي كون الدية في خطئه على عاقلته متى قدر عليها، أو في ماله إن كان ملياً وذمته إن كان عديماً نقلاً الشيخ عن الموازية مع أشهب قائلاً: إن عجز عن عاقلته؛ فعليه قدر مصابه منها معهم.
وسحنون قائلاً: لأن العواقل ثلاث عشيرة الجاني وأهلي جزية النصراني وبيت المال لمن لا عشيرة له؛ لأنها وارثه، والمستأمن ليس كذلك، وعزاه الصقلي لابن القاسم

الجزء: 3 - الصفحة: 93

قائلاً: يمنع الرجوع لبلده قبل دفعها، وفي حده لقذفه، وقطعه لسرقة من مسلم أو ذمي، وقطع من سرق منه نقلاً الشيخ عن ابن القاسم مع عبد الملك وأشهب قائلاً: يؤدب في القذف.
محمد: إن نزل مستأمن بأهله وولده؛ جاز شراء صغار بنيه منه لا زوجته ولا كبير ابنه ولا ابنته التي وليت نفسها إلا برضاهما؛ لأن نزولهم معه بالأمان نزول واحد.
قلت: ظاهر قولها: إن نزل بنا من لا عهد له ببلده، فلنا أن نشتري منهم الأبناء والآباء والنساء وأمهات الأولاد، وليس نزولهم على التجارة ببلدنا بعهد، ثم ينصرفون؛ كالعهد الجاري لهم ببلدهم؛ بل هو كدخولنا لهم بتجارة بعهد فلنا شراؤهم منهم هنالك حلافه.
وفي الموازية: المعاهد سنتين أو ثلاثاً في ولده وزوجته كمستأمن نزل بهم.
قلت: ظاهره: جواز شراء ولده الصغير لا الكبير ولا الزوجة.
وظاهر قولها: لو صالحنا قوم على مائة رأس كل عام؛ لم ينبغ أن نأخذ منهم أبناءهم ونساءهم؛ إذ لهم من العهد ما لآبائهم إلا أن يكون الصلح لسنة أو سنتين، فيجوز أخذهم منهم خلافه.
زاد الصقلي عقب لفظها، وأباه أشهب، وعزاه اللخمي لكتاب ابن حبيب.
وفي الموازية معها: من صالحنا لغير أمد؛ لم يجز لمن قدم منهم بيع أولادهم لدخولهم في الصلح.
التونسي: إنما جاز في عهدهم سنتين أخذ صغارهم لاختصاصه بكبارهم، وعدم بلوغ صغارهم إياه، ويدخلون في العهد البعيد؛ لبلوغهم قبل انقضائه، ولو كانوا لا يبلغون قبله؛ جاز أخذهم، وفي أخذ نسائهم إشكال إلا أن يكون العهد؛ إنما هو للرجال، كما لو صالحنا بطريق على أن يفعل ببلده ما أراد؛ لجاز أخذ ما أعطانا من أهل مملكته.
الشيخ عن محمد عن أشهب: إن نزلت كافرة بأمان قالت لها: زوج أولاً؛ فلها توزويج مسلم بعد ثلاث حيض من آخر وطئة تصدق فيهم، فإن قدم زوجها قبل تمامها؛ كان أحق بها ما لم تسلم إلا أن يسلم قبل تمامها.

الجزء: 3 - الصفحة: 94

قلت: ظاهرها قبل تمامها من آخر وطئة لا من يوم أسلمت.
ابن حبيب عن أصبغ: لا يتزوجها مسلم بذلك إلا أن تنزل على دوام الإقامة.
قلت: جعل أشهب تزويجها التزاماً لدوامها.
وفي كتاب ابن سحنون: لو نتزوج مسلم، أو من أسلم بدار الحرب حربية، خرج بها؛ فهي حرة ذمية لا رجعة له لأرضها.
قلت: على قول أصبغ: لها الرجوع إن خرجت من عصمته؛ لعدم جعله زواجها بأرضنا التزاماً لدوام الإقامة فيه، ولو قال: أخرجتها كرهاً، وأنكرت؛ لم يسترقها إلا ببينة مسلمين، ولا نكاح بينهما لإقراره أنها ملكه، وللإمام إقرارها على الذمة أو ردها.

باب ما ملك من مال كافر

ما ملك من مال الكافر غنيمة ومختص وفيء، وقول ابن الحاجب: الأموال غنيمة وفيء يبطل بالمختص.
فالغنيمة ما كان بقتال أو بحيث يقاتل عليه، ولازمه تخميسه، فما أخذ بقتال الأحرار الذكور البالغين واضح.

الجزء: 3 - الصفحة: 95

وروى محمد وغيره: ما أخذ من حيث يقاتل عليه، كما بقرب قراهم، كما قوتل عليه.
اللخمي: ما انجلى عنه أهله بعد نزول الجيش في كونه غنيمة له، أو فيئاً لا شيء له فيه قولان، بناءً على اعتار سببية نزول الجش، أو عدم ممانعة العدو.
قال: وقيل: خروج الجيش فيء.
قلت: وبعده وقبل نزوله يتعارض فيه مفهوماً نقله.
قال: ويختلف في خراج أرضهم، وما أخذ عن مصالحتهم بعد النزول، وقبل الخروج إليهم كما أجلوا عنه فيهما.
وما يؤدونه كل عام كخراج أرضهم، وفي تخميس ما غنمه العبيد بإيجاف من أرض الإسلام قولان.
قال: ويختلف في تخميس أنصبائهم، وإن كانوا مع جيش بتقويهم بهم؛ حصلت

الجزء: 3 - الصفحة: 96

الغنيمة.
قلت: أنصابؤهم؛ إنما هي بعد القسم، والقسم بعد التخميس، فلو خمست؛ خمست مرتين.
قال: ويختلف في تخميس ما انفرد النساء والصبيان بغنيمة قتالهم.
قلت: سمع عيسى ابن القاسم: لا يخمس ما خرج به عبد أبق لدار الحرب من رقيق استألفهم أو تاجراً، ومن أسلم بدار الحرب، وتقدم الخلاف فيما خرج به الأسير.
وسمع يحيى ابن القاسم: يخمس ما أصاب العبد المتلصص من قرى العدو لا الآبق لأرض العدو، ويخرج منها بشيء؛ لأن الخمس إنما هو فيما تعمد بخروج لإصابته، وأوجف عليه بخيل أو ركاب.
ابن رشد: في تخميس ما غنمه العبد قولاً ابن القاسم، وأصبغ مع سحنون بناءً على دخوله في خطاب: ﴿واعلموا﴾ كالحر أولاً.
ابن رشد: قول ابن لبابة: العنوة قسمان؛ ما كان منها بقتال خمس، وما كان منها دونه فهو فيء لا يخمس كالصلح؛ بعيد.
وما لحربي غنم من مال أو وديعة بأرض الإسلام غنيمة في تخميسه خلاف ما تقدم.
وسمع عيسى وأصبغ ابن القاسم: غرماؤه أحق به ممن غنمه، وهو أحق منهم مبا أوجف عليه بخيل أو ركاب.
ابن رشد: لأن غرماءه إنما عاملوه على ماله الذي ببلد الإسلام لا على الذي ببلد الحرب، ولا يعارض بقولها في التفليس: من ارتد وهرب بماله فغنم؛ غرماؤه أحق بماله؛ لأنهم عليه عاملوه، فلم يسقط حقهم بهروبه، ولو هرب دون مال، واكتسب بدار الحرب مالاً؛ فلا حق لهم فيه.
ولو هرب المستأمن بالمال الذي داينوه به، وعلم أنه بعينه كانوا أحق به ممن غنمه، وبقية مال المرتد لمن غنمه لا للمسلمين كمال المرتد؛ لأنه مال مسلم مجهول وجد في المغانم.
أصبغ: قيل لأشهب: ما أصابه المسلمون من عدو خرج على المسلمين، فهزمه الله

الجزء: 3 - الصفحة: 97

دون قتال، هل يخمس، أو هو فيء، أو لكل إنسان ما أخذه؟.
قال: هذا لا يكون، ولو كان؛ لكان غنيمة يخمس ويقسم.
ابن رشد: أبعد انهزامهم دون هازم لهم، وهو ممكن كموت رئيسهم، فيتشتت أمرهم، ويرون سواداً يظنونه جيش إسلام، فيفرون متفرقين ملقين أمتعتهم وأموالهم، فما أصيب منهم فيء لا يخمس، ولو نزلوا بثغر مسلمين، فانهزموا دون قتال؛ لتداعي المسلمين عليهم؛ فغنموهم لخمسوا، وكان سلئرهم لأهل المكان الذي تداعى في النفير إليهم؛ لأنهم بهم انهزموا، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح.
والمختص بآخذه: ما أخذ من مال حربي غير مؤمن دون علمه، وكرهاً دون صلح، ولا قتال مسلم ولا قصده بخروج إليه مطلقاً على رأي، أو بزيادة من أحرار الذكور البالغين على رأي، كما هرب به أسير، أو تاجر، أو من أسلم بدار الحرب، أو ما غنمه الذميون، وفيما غنمه العبيد والنساء والصبيان خلاف تقدم؛ فلا يدخل الركاز.

باب الفيء

**** ما سواهما منه، فيها: خراج الأرضين والجزية، وما افتتح من أرض بصلح، وخمس غنيمة أو ركاز فيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 98

الشيخ: زاد ابن حبيب: وما صولح عليه أهل الحرب، وما أخذ من تجرهم، وتجر الذميين.
قلت: وعزاه في باب آخر لمحمد عن ابن القاسم.
ابن بشير: في قسم الفيء على التسوية أو التفضيل، ثالث أقوال المذهب: تخيير الإمام فيهما.
وفيها: أيسوي بين الناس فيه؟ قال: قال مالك: يفضل بعضهم على بعض، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا، وأهل كل بلدة افتتحوها عنوة أو صلحاً أحق به إلا أن تنزل بقوم حاجة، فينقل إليهم منها بعد إعطاء أهلها ما يغنيهم على وجه النظر.
قال ابن حبيب: مال الله الذي جعله رزقاً لعباده مالان: زكاة لأصناف معينة، وفيء ساوى فيه بين الغني والفقير.
قلت: يريد: في مجرد الأخذ لا في معيته أي باعتبار الزمن.
قال: وقاله مالك وأصحابه.
روى مطرف: يعطي الإمام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر ما يرى من كثرة المال وقلته، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة صلى الله عليه وسلم كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي القربى.

الجزء: 3 - الصفحة: 100

ابن حبيب: سيرة أئمة العدل في الفيء وشبهه؛ أن يبدأ بسد خلل البلد الذي جبي منه أو أفيء منه وسد حصونه، والزيادة في كراعه وسلاحه، ويقطع منه رزق عماله وقضاته ومؤذنيه، ولمن ولي شيئاً من مصالح المسلمين، ثم يخرج عطاء المقاتلة، ثم للعيال والذرية.
قُلتُ: ظاهره: تبدئة العمال على المقاتلة، ويأتي لابن عبد الحكم عكسه، وهو الصواب.
قال ابن حبيب: ثم سائر المسلمين، ويبدأ الفقير على الغني، فما فضل رفعه لبيت المال يقسمه، فيبدأ فيه بمثل ما بدأ به في البلد الذي أخذ فيه، وإن لم يعم الفقراء والأغنياء آثر الفقير إلا أن تنزل ببلد شدة، وليس عندهم ما يذهبها، فليعطف عليهم من غيرها بقدر ما يراه، وإن اتسع المال أبقى منه في بيت المال لما يعرو من نوائبهم، وبناء المساجد والقناطر، وفك أسير، وغزو وقضاء دين، وموته في عقل جرح، وتزويج عازب، وإعانة حاج.
اللخمي: إن كان المال من أرض صلح؛ لم يصرف في إصلاح ذلك البلد؛ لأنه ملك لأهل الكفر، وإن كان بين أظهرهم مسلمون فقراء أعطوا منه.
ابن عبد الحَكم: يبدأ في الفيء الذي يصير في بيت المال بإعطاء المقاتلين من جميع البلدان يعد فيهم من بلغ خمسة عشر سنة ما يحتاجون في العام، ويفاضل بينهم على قدر الثغر وبعده، ثم النساء والذرية والزمناء بقوام عامهم.
التونسي: قول ابن عبد الحَكم: يقسم بين الغني والفقير بالسوية؛ كإرث بين وارثين غني وفقير ليس بينا.
الشيخ عن ابن حبيب: والأعراب والبوادي كالذرية، وما فضل عم به المسلمين، فقيرهم وغنيهم، الرجال والنساء والذرية، وإن قل آثر الفقراء بعد أن يقيم منه ما يحتاج من مصالح المسلمين.
وفيها: لمالك: يبدأ في الفيء بالفقراء، فما بقي كان بين الناس بالسوية إلا أن يرى الإمام حبسه لنوائب الإسلام.
ابن القاسم: وعربيهم ومولاهم سواء؛ لأن مالكاً حدث أن عمر خطب، فقال:

الجزء: 3 - الصفحة: 101

إني عملت عملاً، وعمل صاحبي عملاً، وإن بقيت لقابل لألحقن أسفل الناس بأعلامهم، ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه، ولو كان راعياً أو راعية بعدن، فأعجب مالكاً هذا الحديث.
ابن حبيب: إن أصاب الأعراب سنةُ؛ فلا بأس أن يغنيهم منه، وفعله عمر -رضي الله عنه-.
ابن حبيب: روى مالك عن ابن شهاب: كان صلى الله عليه وسلم يأخذ مما أفاء الله عليه نفقته ونفقة أهله سنة، ويسلم ما بقي للمسلمين.
وعن ابن شهاب: قدم أبو عبيدة عليه صلى الله عليه وسلم بجزية مجوس البحرين، قتادة: وهو ثمانون ألفاً.
ابن حبيب: وهو أكثر مال قدم به عليه صلى الله عليه وسلم.
قال قتادة: فصبه على حصير ففرقه، فما حرم منه سائلاً، وجاء العباس فقال: خذ، فجعل يحثي في حجره حتى عجز عن حمله، وقال: هذا خير مما أخذ منا.
الشيخ: رأيت في غير كتاب ابن حبيب: فاستعان بمن يعينه على القيام، فنهاهم صلى الله عليه وسلم حتى نقص منه حتى قوي على النهوض به.
ابن حبيب: سأله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام أن يعطيه من فتح فيء فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فقال: "خير لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً.
قال: ولا منك يا رسول الله.
قال: ولا مني"، وكان عمر يعرض عليه العطاء فلا يأخذه.
قُلتُ: فيها كان عمر يدعو حكيم بن حزام ليعطيه عطاءً، فيأبى ذلك حكيم ويقول: تركته على عهد من هو خير منك؛ يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول عمر: أشهدكم عليه.
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء فيقول عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذه فتمول به أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 102

سائل؛ فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك".
قال سالم: فمن أجل ذلك كان عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه.
ابن حبيب: لما ولي أبو بكر قال: من كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد فليأتني، فقال جابر بن عبد الله: قال لي صلى الله عليه وسلم: "إن جاءني من مال اليمن أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وحفن بيده"، فلما جاء مال اليمن أعطاه أبو بكر، فحفن له ملء يديه، ثم قال له: عدها، فوجدها خمسمائة فزاده ألفاً، وقدم عليه جملان من مال اليمامة، فما أمسى حتى فرقه جمع المهاجرين والأنصار وأبناء السبيل والمساكين، فيحثي بيديه من المال في ثوب أحدهم حتى فرغ، وكان يساوي بين الناس في القسم.
قال غير ابن حبيب: ولم يكن يكثر في أيامه.
ابن حبيب: لما ولى أبو بكر حضر السوق فقيل له: بالناس إلى نظرك حاجة.
قال: فمن يسعى على عيالي.
قيل: خذ من بيت المال، وفرضوا له درهمين كل يوم، ثم وضع ماله في بيت المال، ومات ولم يستوعبه.
وفي رواية: قالت عائشة: فربح المسلمون على أبي، ولم يربحوا على أحد بعده.
قال: وفضل عمر بين الناس في العطاء.
يحيى بن سعيد: بلغت المغانم يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف، بعث سعد بن أبي وقاص خمسها إلى عمر فاستكثره، فصب في المسجد، وغطاه بالمسوح والأنطاع، وبات عليه علي بن أبي طالب، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أرقم خازن عمر على مال المسلمين، فلما أصبح عمر دعا بالناس، ثم كشف عنه، فإذا فيه حلي وجوهر وتيجان، فلما أصابتها الشمس التهبت، فحمد الله عمر والمسلمون حمداً كثيراً، وفرح المسلمون، واشتد بكاء عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف:

الجزء: 3 - الصفحة: 103

يا أمير المؤمنين ليس هذا حين بكاء.
قُلتُ: زاد في الرواية: إنما هو يوم شكر.
ابن حبيب معها: وقال عمر: والله ما فتح هذا على قوم إلا قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، ووقعت العداوة بينهم.
قُلتُ: لعله تفرس نتيجة وهذه، أو أخذه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أبو عبيدة بجزية مجوس البحرين: "والله ما أخاف عليكم الفقر، ولكني أخاف عليكم الغنى أن تبسط لكم الدنيا كما انبسطت لمن كان قبلكم، فتنافسوا فيها، فتهلككم كما أهلكتهم".
قال ابن حبيب: وكان في المال تاج كسرى وسواراه وفروه، فدعا عمر سراقة بن جعشم، وكان طويلاً طويل الشعر، فألبسه فرو كسرى، ووضع تاجه على رأسه وسواريه في يديه، ثم قال: اللهم لك الحمد أنت سلبت هذا كسرى وألبسته سراقة، اللهم منعت هذا نبيك إكراماً له، وفتحته علي لتسألني عنه، اللهم قني شره، واجعلني أنفقه في حقه، وأمر سراقة، فنبذ ذلك في المال، فما برح حتى لم يبق منه شيء.
قال مالك: كان عمر رضي الله عنه: لا يأتيه مال إلا أظهره، ولا رسول إلا أنزله، وكان يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك والورس.
قال حذيفة: لم يزل أمركم ينمو صعداً ما كان عليكم خياركم، وكان عمر يستجيد الحلل الرفيعة بخمسمائة إلى ألفين يكسوها الصحابة، ويلبس الخشن المرقع، فخرج الحسن والحسين إلى المسجد وعمر جالس ولم يلبساها، فقال: لم لا تلبسانها؟ فقالا: كبرت علينا يا أمير، فاغتم وأسرع بكتاب إلى عامل اليمن يستحثه في حلتين على قدرهما، فبعث بهما، فكساهما ذلك، وجعل عطاءهما مثر عطاء أبيهما.
ابن حبيب: الحلة رداء ومئزر، ورداء وجبة، لا ثوب واحد.
قال: ولما كثر المال دون للعطاء ديواناً فاضل فيه بين الناس، أمر شباب قريش

الجزء: 3 - الصفحة: 104

بتدوينه، فكتبوا بني هاشم، ثم الصديق وقومه، ثم عمر وقومه، فلما نظره قال: ابدؤوا بقرابته صلى الله عليه وسلم، ثم بالأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله، وابدؤوا من الأنصار بسعد بن معاذ، والأقرب فالأقرب منه، فقال العباس: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين، فقال له: يا أبا الفضل: لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه الذي وضعه الله به كنا كغيرنا من العرب، إنما تقدمنا بمكاننا منه، فإن لم نعرف لأهل القرابة منه قرابتهم لم تعرف لنا قرابتنا، وقال لأهل مشورته: أشيروا علي، أريد أن أفاضل بين الناس، فقالوا: اذكر ما تريد، فإن كان حسناً تابعناك، وإلا أعلمناك برأينا.
قال: أبدأ بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فأفرض لكل واحدة اثني عشر ألف درهم إلا صفية وجويرية أفرض لكل واحدة منهما شطر ذلك، ولكل رجل من آله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً، ولكل رجل من المهاجرين صلبية وحلفاً ومولىً خمسة آلاف، وأنا رجل منهم في الفرض، وأفرض لأهل بدر من قريش وغيرهم صلبية وحلفاً ومولى مثل ذلك.
قُلتُ: كل قرشي بدري مهاجر؛ فيكون له عطاءان، وأفرض للأنصار صلبية وحلفاً ومولى لكل رجل أربعة آلاف، ثم أفرض للناس بقدر منازلهم في الإسلام أجعل أكثرهم حظاً أكثرهم قرآناً وعلماً، وأحسنهم حالاً، فلم ينكروا من رأيه شيئاً، وفرض لصهيب خمسة آلاف، ولسلمان أربعة آلاف، ولابنه عبد الله ثلاث آلاف، ولأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقال ابنه: ليس أسامة أقدم مني إسلاماً، ولا شهد ما شهدت، فقال عمر: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه أحب إليه من أبيك، وفرض لأبناء شهداء بدر وأحد ثلاثة آلاف لكل رجل، ولكل من مهاجرة الفتح ألفين، ثم فرض للقبائل على قدر منازلهم في الإسلام حتى فرض لربيعة العراق ثلاثمائة لعربيهم، ومائتين وخمسين لمولاهم؛ لأن عربهم سبقوا إلى الإسلام.
قال: فقالت ربيعة: جعلتنا أوضع العرب فريضة.
قال: كنتم آخر العرب إسلاماً، وأسلمتم في داركم، ولم تهاجروا، وفرض للمنفوس مائة درهم في السنة، وفرض للعيال لكل ذكر وأنثى جريبتين من بر في كل شهر، وقسطين من زيت، وقسطين من خل، ومائة درهم كل سنة.
ابن حبيب: الجريب: قفيز بالقرطبي.

الجزء: 3 - الصفحة: 105

قُلتُ: فيها: لابن القاسم: قال مالك: مر عمر رضي الله عنه ليلة، فسمع صبياً يبكي، فقال لأهله: ما لكم لا ترضعونه، فقالوا: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم ففطمناه، فولى عمر قائلاً: كدت والله أن أقتله، ففرض للمنفوس من يومئذ مائة درهم.
ابن القاسم: ويبدأ بالمنفوس الفقير والده.
قال: وذكر مالك أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر زمن الرمادة وبلغني أنها كانت ست سنين: واغوثاه ثلاثاً، فكتب له عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالسعير عليها الدقيق في العباء، فكان عمر يدفع البعير بحمله لأهل البيت يقول: كلوا دقيقة، والتحفوا العباء، وانحروا البعير، فائتدموا بشحمه، وكلوا لحمه.
ابن حبيب: لما ولي عمر لم يكفه الدرهمان، فزادوه درهمين، فلما فرض للعيال فرض لعياله، وترك الأربعة دراهم، وكان يكتسي من بيت المال، ويأخذ عطاءه مع أصحابه، ثم ترك ذلك، وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحصر ما أخذ من بيت المال، فوجد أربعة وثمانين ألفاً، فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها من صلب ماله، فإن لم يفِ؛ فليستعن ببني عدي، فباع من ماله بعده بمثل ذلك، وأتى به عثمان فقال: قبلناها منك ووصلناك بها.
قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر، وولي عثمان.
قال الحسن: فأقام للناس كما فعل عمر، فكان العطاء داراً والعدو منفي، وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً أن يسل عليه سيفاً.
قال ابن سيرين: كثر المال أيامه حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم.
قال ابن حبيب: وكان على منهاج من قبله في النفقة من ماله قصداً وتنزهاً.
قال: وولي علي رضي الله عنه فسار في قسم المال بالعراق سيرة عمر غير أنه لم يفاضل بين الناس.
قال: وأخبره صاحب بيت ماله بأنه امتلأ من صفراء وبيضاء، ففتحه، ثم قسمه بين الناس وأمر بكنسه، وتنزه أن ينفق من مال الله شيئاً، وقال: قال صلى الله عليه وسلم: "ليس لخليفة

الجزء: 3 - الصفحة: 106

من مال الله إلا قطعتان قطعة يأكل منها وأهله وقطعة للمسلمين"، فترك على القطعة التي له ولأهله، وكان يستنفق من عطائه الذي كان يأخذ مع المسلمين، واشترى قميصاً بثلاثة دراهم وهو خليفة فلبسه وقطع من الكم ما فضل عن أصابعه، وقال الحسن -رضي الله عنه-: ما ترك إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً.

باب في النفل

النفل: ما يعطي الإمام من خمس الغنيمة مستحقها لمصلحة، وهو جزئي وكلي؛ فالأول ما يثبت بإعطائه بالفعل.
الشيخ عن محمد: لا ينفل الإمام إلا لوجه كالشجاع، أو من اختص لفعل ليزيد إقداماً، ويفعل غيره مثله.
ابن القاسم: له أن ينفل بعض أهل السرية بعد الغنيمة من خمسها لما يراه من شجاعة رجل وشبهه، فأما وحالهم سواء؛ فلا.
اللخمي: هو لاجتهاد الإمام إن رآه، وتساوى فعل أهل السرية أو الجيش أو تقارب نفل جميعهم، وسوى بينهم وإلا فلا، ولا ينفل بعضهم؛ لأنه خروج عن العدل

الجزء: 3 - الصفحة: 107

ومفسدة لقلوبهم، وإن اختلف فعلهم منهم من أبلى أو حفر في موضع، أو جاء برأي كان فيه فتح نفله دون غيره، وإن فعل ذلك عدد نفل جميعهم أو تركهم، فإن اختلف فعلهم؛ جاز أن يفضل بعضهم على بعض، ولا بأس أن يرضخ لغيرهم تطييباً لقلوبهم.
ويستحب كون النفل بما يظهر كالفرس والثوب والعمامة والسيف؛ لأنه أعظم في النفوس من العين ولو كثرت.
وفيها مع الموطأ: يجوز أول المغنم وآخره.
الشيخ: قال سَحنون: ولا ينفل من الأرض شيئاً.
والثاني: ما ثبت بقوله: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه؛ لأن المذهب عدم استحقاق سلب القتيل قاتله بقتله؛ بل يقول الإمام ذلك لمصلحة بعد الغنيمة، وفي تخميسه روايتا أبي عمر.
الشيخ عن سَحنون: إن قال الإمام: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه لم يكن من أصل الغنيمة؛ بل يكون من الخمس.
عياض: في تخميسه وتخيير الإمام في تخميسه قول مالك، ورواية ابن خويز -منداد، واختارها إسماعيل القاضي.
وفيها: قيل: من قتل قتيلاً أيكون له سلبه؟.
قال: قال مالك: لم يبلغني أنه كان إلا يوم حنين، قاله -صلى الله عليه وسلم- بعدما برد القتال، ولا يجوز إلا من الخمس بعد الغنيمة.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لأمير الجيش والصائفة التنفيل لا لأمير السرية.
اللخمي: لا يعطي الإمام السلب لغير قاتل، فإن كان القتل من عدد نفلهم

الجزء: 3 - الصفحة: 108

أسلابهم إن شاء، وإن اختلف بأسهم؛ جاز تنفيله أشدهم بأساً سلب قتيله، ولا ينفل غيره، ولا يجوز تنفيل أضعفهم بأساً دون غيره.
ويجوز أن يزيد أحدهم على سلب قتيله إن كان أشد بأساً، وقتيله أقل سلباً، والآخر أقل بأساً، وأكثر سلباً.
ويجوز أن يعطي أحدهم جميع سلب قتيله والآخر بعضه، وقد يكون أحد القتلى لا شجاعة عنده وسلبه كثير، فيعطي منه ما يرى أنه سداد لمثله، والآخر له شدة وبأس، ولا يزيد أحدهم ما يحط من سلب الآخر؛ لأنه فساد لقلوبهم.

باب في السلب

والسلب: قال ابن حبيب: كل ثوب عليه، وفرسه الذي هو عليه، أو كان يمسكه لوجه قتال عليه لا ما تجنب، أو كان منفلتاً عنه.
قال هو وسَحنون: ومنه سلاحه.
سَحنون: وفرسه وسرجه ولجامه، وخاتمه ودرعه، وبيضته وسيفه ومنطقته بما لذلك من حلية وساعداه وساقاه وراناه.
اللخمي: والفاتخه والخاتم.
سَحنون: لا ما في منطقته من نفقة، ولا ما في كمه وتكته.
اللخمي عن سَحنون: ولا الطوق والسواران والقرطان والتاج ولو كان عليه.
ابن حبيب: منه سواراه.
اللخمي: فعليه التاج منه وقرطاه.
ابن بشير: يفرق بأن لبس السوارين أكثر من لبس التاج، وعبر عن قول سَحنون بالمشهور، وفي كون الصليب منه نقلا الشيخ عن الوليد وسَحنون.

الجزء: 3 - الصفحة: 109

الباجي: تحقيق مذهب سَحنون أن لباسه المعتاد، وما يستعين به على الحرب من فرس وسلاح منه.
زاد ابن حبيب: ما كان عليه من الحلي والنفقة المعتادة.
سَحنون: لو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض، ثم قاتل المسلم فقتله؛ فليس له إلا ما عليه، ولو جعل فرسه بيده أو ربطه بمنطقته؛ فهو من سلبه.
وفيها: كره مالك قول الإمام: من قاتل بموضع كذا، أو من جاء برأس كافر؛ فله كذا، ولسرية ما غنمتم؛ فلكم نصفه.
محمد عن ابن القاسم: لأنه يفسد النيات.
زاد اللخمي: ويؤدي إلى التحامل على الهلاك.
وقال عمر رضي الله عنه: لا تقدموا جماجم المسلمين للحصون، بقاء مسلم أحب إلي من فتح حصن.
محمد عن ابن القاسم: لا أرى لمن خرج عليه أن يأخذ منه شيئاً.
أَصْبَغ: ما أرى أخذه حراماً.
ابن حبيب: النفل قبل الغنيمة كرهه العلماء، واستخفه بعضهم إن احتاج إليه الإمام؛ كخشية كثرة عدو، وفعله أبو عبيدة يوم اليرموك لما دهمه كثرة العدو حتى قاتل نساء من قريش.
سَحنون: قول الإمام ذلك أول القتال ينهى عنه، فإن نزل مضى.
قُلتُ: ويستحق سلبه بقتله قبل كمال الاستيلاء عليه؛ ولذا قال سَحنون: من أتى بعد ذلك بأسير للإمام فقتله لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يقتله، وكذا لو بارزه، فصرعه، فأتى به الإمام فقتله، ولو جر كافراً لعسكر المسلمين أو صفهم، فإن قتله قبل استيلائه عليه؛ فله سلبه وإلا فلا، وكذا لو حمل حربي على صف المسلمين فقتله مسلم.
قُلتُ: ويثبت حكمه لمن صدق عليه لفظ الإمام حتى نفسه.
سَحنون: إن قاله الإمام، ثم قتل قتيلاً؛ فله سلبه ولو في مبارزة، فلو قال: منكم؛ لم يندرج، ولو خص نفسه لم يثبت له، ولو قال بعد ذلك: منكم، ولو عمم بعد ذلك اندرج، فلو قتل قتيلاً قبل تعميمه، وآخر بعده استحق الثاني فقط، ولو قال: إن قتلت

الجزء: 3 - الصفحة: 110

قتيلاً فلي سلبه، ومن قتل منكم قتيلاً؛ فله سلبه، فقتل الأمر قتيلين، وقتل غيره قتيلين؛ فللأمير سلب قتيله الأول لا الثاني، ولغيره سلباً قتيليه؛ لأن الأمير إنما خص نفسه بقتيل واحد.
الشيخ: مقالته هذه في نفسه، وغيره في فور واحد، والأولى فيهما في وقتين، ولو قتل قتيلين متعاقبين من قال له الإمام: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه؛ فله سلب الأول فقط، فإن جهل؛ فقيل: له نصفهما، وقيل: أقلهما، ولو قال: من قتل منكم قتيلاً؛ فله سلبه، فلمن قتل منهم قتيلين، أو ثلاثة سلبهم، ولو قال لعشرة هو أحدهم: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه، أو زاد: منا؛ فله إن قتل ثلاثة سلبهم كغيره من العشرة.
قُلتُ: إن كان من ضمه إليه ممن لا يتهم في شهادته، له وإقرار له بدين في مرض أو ذوي خصوصيَّة لا يشاركهم فيها غيرهم.
قال: ولو قال: يا فلان إن قتلت قتيلاً؛ فلك سلبه، فقتل اثنين معاً.
فقيل: له نصف سلبهما، وقيل: أكثرهما، وكذا إن أصبت أسيراً، فأصاب اثنين؛ فله نصف كل منهما، إن قلت: أيتخرج من قوله في قتلهما على التعاقب، واختلاطهما أن له أقلهما.
قُلتُ: لا، للفرق باحتمال سقوط الأكثر في الاختلاط، والتعاقب باحتمال تأخره فيسقط، وامتناع سقوطه في المعية لمساواته الأقل في موجب استحقاقه، فوجب تخييره فيهما، فيختار الأكثر كمبتاع ثوبين متقاربين على اختيار أحدهما، والشركة في موجب السلب توجبها فيه.
سَحنون: من أنفذ مقتل علج، وأجهز عليه غيره، فسلبه للأول، ولو جرحه، ولم ينفذ مقتله فبينهما.
قُلتُ: لا يتخرج في الأولى كونه للثاني من رواية قتل من أجهز على من أنفذ غيره مقتله دون من أنفذها لصيرورته بالإنفاذ أسيراً، ولا سلب في قتل أسير؛ بل قد يتخرج عليها حرمانهما معاً.
وقوله: إن لم ينفذ الأول مقتله، فبينهما إن أراد، ولم ينفذ الثاني مقتله فواضح، وإلا فالأظهر للثاني، هو نصه في ترجمة أخرى: إن احتز الثاني رأسه، وجرحه الأول، ولم ينفذ

الجزء: 3 - الصفحة: 111

مقتله فللثاني، ولو تداعى قتله جارحه، ومحتز رأسه، وقد ذهب جسده فبينهما؛ لاحتمال دعواهما، وأهل الشام يرونه للجارح، وإن لم ينفذ مقتله، وغيرهم يراه لمحتز رأسه لتيقن موته به.
قال: ولو عانق مبارزه، فقتله غيره، فإن كان العلج لا يتخلص من معانقه، فسلبه له وإلا فللقاتل.
قُلتُ: الأظهر إن كانت المبارزة بينهما فقط أو بين عدد لعدد والقاتل ليس منه؛ فلا شيء له لتعديه، ولا سيما على قول ابن القاسم أنه يريه حسبما مر، وإلا فالأظهر بينهما.
قال: ولو جر مبارزه بعد صرعه إياه للعسكر فمات، فإن أنفذ مقتله؛ فله سلبه وإلا فلا، ولو قتل اثنان، فأكثر قتيلاً، فسلبه بينهم على السوية، ولو كان إنما قال: من قتل قتيلاً وحده؛ فلا شيء لهم.
ابن سَحنون: لو قال لعشرة: إن قتلتم هؤلاء؛ فلكم أسلابهم، لم يختص منهم القاتل بسلب قتيله؛ بل كل أسلابهم بينهم بالسوية، ولو قتل منهم تسعةٌ تسعة أعلاج وقتل عاشرهم عاشر المسلمين، فالأسلاب للقاتلين فقط، ولوبقي عاشر المسلمين شركهم.
قُلتُ: فيلزم لو مات بعض القاتلين؛ لم يكن لوارثه شيء، وإلا فلا شيء للحي العاشر المعين.
وقُلتُ: وسلب الأجير والتاجر والعبد والمرتد والذمي يلحق بأرض الحرب، والمريض، وأقطع اليد لقاتلهم، وإن لم يقاتلوا، والمرأة والصبي كذلك إن ثبت قتالهما، ولا شيء لقاتل الشيخ الفاني من سلبه إلا عند من يجيز قتله، ولا في الراهب، ولا في المسلم المكره على القتال، إلا أن يكون سلبه لحربي أعاره فهو لقاتله، ولا شيء له من سلب من لم يقاتل من صبي وامرأة وشيخ فان، ولو كان سلبهم عارية لحربي؛ لأنه قصد قتل من لا يحوز قتله.
وسلب القتيل المستحق سلبه إن ثبت أنه غصبه من مسلم، أو استعاره من مباح ماله فلقاتله، وإلا فلربه كمسلم تاجر أو رسول، فإن كان لمن أسلم بدار الحرب؛ فلقاتله عل قول ابن القاسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 112

ولو قاتلنا الخوارج مع أهل حرب أعانوهم؛ لم يستحق قاتل خارجي سلبه إلا أن يكون عارية من حربي، ولو كان من سلب الحربيين من خوارج أخذهم الحربيون بعد دخولهم عسكرهم بأمان؛ لم يكن لآخذه؛ لأنه مال مستأمن لا يقسم ويوقف لأهله.
وسلب القتيل ما لم يملك يعده لقاتله.
سَحنون: ومن رمى علجاً في صف الكفار فقتله، ولم يقربه أحد حتى انهزموا؛ فسلبه لقاتله، ولو أخذوه ثم هزموا فأخذ، فإن أخذه وارثه أو وصيه أو ملكهم؛ ففيء لا لقاتله، وإن أخذه غيرهم سارق أو مختلس؛ فلقاتله.
قُلتُ: إن ثبت استحقاقه بمجرد قتله؛ وجب له ولو أخذه وارثه، وإلا فلا ولو أخذه غيره؛ لأنه أخذ مال كافر لا مال مسلم.
قال: ولو جهل آخذه، فما وجد عليه- لقاتله، وما نزع عنه ففيء، ولو وجدت دابته بعد سير العسكر بمرحلتين؛ فلقاتله، وبعد طول ففيء، والقتل الموجب لما رتب عليه إن ثبت بشاهدين فواضح، وإلا فإن كان، قال الإمام: من قتل قتيلاً له عليه بينة؛ لم يثبت دونها.
الباجي: ولا بشاهد ويمين؛ لأن المثبت القتل لا المال، ولا يثبت قتل يمين وإن لم يقل ببينة؛ ففي لزومها نقل الشيخ في باب قول الإمام ذلك قبل القتال قال سَحنون أيضاً: من جاء بسلب وقال: قتلت صاحبه لم يأخذه إلا ببينة على قتله، وكذا إن جاء برأس، واختلف قوله في الرأس، وقول الباجي: احتجاج بعض أصحابنا بخبر أبي قتادة يدل على ثبوته بخبر الواحد قائلاً: ختلاف قول سَحنون في الرأس هو قوله أولاً له سلبه، والآخر لا يأخذ إلا ببينة، الفرق بين الرأس والسلب أن الرأس غالباً لا يكون إلا بيد من قتله.
أبوعمر: قول الشيخ: حديث أبي قتادة يدل على أنه حكم فيما مضى لا أمر لازم في المستقبل؛ لأنه أعطاه السلب بشهادة واحد دون يمين؛ يرد بأنه إنما أعطاه؛ لأنه أقر له به من حازه لنفسه في القتال، وكان بيده مالاً من ماله.
ابن زرقون: كيف يكون مالاً له، وهو لم يدعه لنفسه، ولا أتى بشبهة تصدق دعواه.

الجزء: 3 - الصفحة: 113

قُلتُ: ظاهر قول الشيخ في نقل أبي عمر يدل أنه في المستقبل لا يثبت بشاهد واحد.
الشيخ: لو رأى قوم رجلاً يحز رأساً، فقال: أنا قتلته؛ فله سلبه بيمينه في أول قولي سَحنون، ولو رأوه جاء من مكان بعيد لا يقتله من مثله، فاحتز رأسه؛ فلا شيء له من سلبه في قوليه معاً.
ومسمى السلب تقدم، ولفظ غيره في الشرط أو جزائه يعتبر ظاهره في عرف قائله، وفيه فروع.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لو قال الإمام بعد انهزام العدو: من جاء برأس، فله كذا، فأخذوا يقتلون، ويأتون بالرؤوس، فقال الإمام: رؤوس السبي لا رؤوس الرجال؛ لم يقبل قوله حتى يبينه، أو يكون عرف يقتضيه.
قُلتُ: لأنه في الأول حقيقة، وفي الثاني مجاز إطلاق الجزء على الكل.
قال: ولو كان لفظه: من جاء برأس؛ فله نصفه، أو رأس من رأسين، أو كان قوله الأول بعد تفرق جيش العدو، وكف المسلمين عن القتال قبل قوله، ولو عرف بطريقٌ بالنكاية في نصب رأسه، وهن على الكفار، فقال الإمام: من جاء به؛ فله كذا؛ فإن كان بحيث يخاف أن يقاتل عليه؛ كرهناه كراهة شديدة، فمن جاء به؛ فله جعله.
قُلتُ: وتقدم كراهة حمل الرؤوس.
ولفظ الذهب والفضة في قوله: من أصاب ذهباً أو فضة؛ فله كذا؛ يشمل مسماهما مسكوكاً وغيره، وكل محلى به تبعاً لحليته من سيف ومصحف وثوب لا ما هو تبع له، ويشمل خاتم ذلك، ولو عظم فصه؛ لأنه يضاف للذهب أو الفضة مطلقاً، والثوب المنسوج بالذهب إن قل ألغي ذهبه، وإلا اعتبر ونزع منه، والضبة منه أو من فضة بقصعة أو مائدة إن كانت زينة اعتبرت، فنزعت وإلا ألغيت، وأنف الكافر من ذهب معتبر لا ما ربط به أسنانه.
ويشمل مسمى الحلي مرصعة، وتاج المرأة وغيرها، والخاتم والسلك المنظوم والقرط المنظوم، وان لم يكن فيه ذهب.
ويشمل السيف جفنه وحليته التافهة لا الكثيرة إلا أن يعلم الإمام أن سيوف ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 114

العدو كذلك، ولا يشمل الحديد المصنوع غيره ولا غيره المصنوع.
قُلتُ: إن كان ببلد معدنه مثله وإلا شملهما لا نصب السيوف والسكاكين.
ومبهمه الأظهر إلا أن يكون تبعاً.
قال: ويشمل ركوب السرج لا مساميرها ولا مسامير السفن.
ويشمل البز ثياب الكتان والقطن، والثوب ثوب الديباج، والكساء الذي يلبس لا ما للنوم، ولا عمامة ولا قلنسوة، ولا الفرش ولا البسط، ويدخل هذا في المتاع لا الآنية، ويدخل في ثوب البز بطانة جبة منه، ووجهها من غيره، فيستحق مبلغ قيمة بطانتها منها.
ويشمل لفظ جبة حرير كل الجبة وجهها حرير فقط لا التي بطانتها حرير، ولا يشمل الصوف، ولا الشعر جلودهما ولا ثيابهما ولا غزلهما.
ويشمل الفرو الفرو بما ظهر به من حرير أو خز.
وما أراد الإمام قتله من رجال لا يتعلق به النفل، وإن استحياهم؛ تعلق بهم.
ولو قال: من جاء بشيء، فله منه طائفة، أو بعضه أو جزء، أونصيب؛ أعطي منه بقدر اجتهاده، وكذا فله شرك، ولا بأس ببلوغ النصف على غير قول ابن القاسم.
قُلتُ: مقتضى قول غيره لزومه لا استحبابه فضلاً عن جوازه.
وفي أخذه من ثاني سلمها نظرٌ يأتي إن شاء الله.
قال: وفيه فيمن جاء بشيء مثل سهم أحد القوم، وهم رجال فقط، أو فرسان فقط: مثل ما يجب لأحدهم، وإلا ففي استحقاقه سهماً من قسمه على عددهم بالسوية، أو نصف سهم راجل، ونصف سهم فارس قولان من قولي ابن القاسم وغيره في الوصيَّة بمثل نصيب أحد ورثته وفيهم رجال ونساء، ومن لم يبلغ ما جاء به ما جعل له؛ لم يزد عليه إلا لوجه يقصد.
قال فيه: لو قال: من جاء بمائة؛ فله مائتان، أومن جاء بعرض؛ فهو له وكذا، أو من جاء بوصيفة؛ فهي له وكذا، بطل الزائد، وقول هذا خطأ.
ولو قال: من جاء بأسير؛ فهو له، وكذا فخطأ، وإن نزل كان له الزائد؛ لأن فيه تحريضاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 115

وفعل من فعل غير ما شرط فعله غير مستلزم له لغو فيه، لو قال: من قتل بطريقاً؛ فله سلبه فقتل غيره، أو من قتل صعلوكاً؛ فله سلبه، فقتل بطريقاً؛ فلا شيء له.
قُلتُ: لأن .. شوكة البطريق أشد، وسلبه أكثر، فلو اتفق كون سلبه كصعلوك؛ كان له، وفيه: لو قال: من قتل شيخاً، فقتل شاباً؛ فله إلا أن يخص الشيخ لكيده، وفي العكس لا شيء له.
ولو قال: من جاء بأسير؛ فلا شيء لمن جاء بوصيف أو وصيفة، وفي العكس له إلا أن يريد تكثير السبي.
ولو قال: برضيع؛ فلا شيء لمن جاء بوصيف، وفي العكس له.
ولو قال: بوصيف، فجاء بوصيفة؛ فله إن بلغت قيمته وإلا فلا.
وفي من جاء بعشرة من الغنم، فله شاة، فجاء بعشرة من البقر؛ فله جعله.
وفي من جاء بثياب كذا إن جاء بثياب غيرها تبلغ قيمتها؛ فله وإلا فلا.
وفي من جاء بفرس أو برذون، فجاء ببغل أو حمار؛ لا شيء له.
وفي من جاء ببرذون، فجاء بفرس له لا العكس.
وفي من جاء بفرس، فله مائة درهم، فجاء بفرس لم يغنم غيره؛ له ذلك من خمسه إن بلغه.
ابن سَحنون عنه: والنفل قبل الغنيمة لا يبطل بموت الإمام أو عزله، وثبت عليه بعد قوله: (يبطل) ما لم يقبض.
ولو نفل سرية الربع بعد الخمس؛ لم يبطل بقدوم والٍ غيره حتى يلحقوا بالعسكر، فيبطل إلا أن يحدثه الثاني، ولومات أميرهم، واستخلف غيره؛ فالحكم باق إلا أن يبطله المستخلف.
ولو قال باعث الأول: إن مات فلان ففلان بعده؛ بطل تنفيل الأول بموته، ولو أشهد منفل السرية بعد أن فصلت أنه أبطل ذلك نظراً؛ بطل إلا أن يكون بعد أن غنمت.
ابن سَحنون عنه: لا يدخل في قول الإمام: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه بعد القتال أو

الجزء: 3 - الصفحة: 116

قبله ذمي ولا امرأة إلا أن ينفذه لهما الإمام لقولة أهل الشام، وعلى قول أشهب يرضخ للذمي من الخمس يدخل؛ لأن السلب نفل.
ولو قال: من قتل كافراً من المسلمين؛ لم يدخل اتفاقاً، وشرط استحقاق التنفيل لأمر يفعل سماع بعض من يصدق عليه قول الإمام لنقل ابن سَحنون عنه: من لم يسمع قول الإمام: (من قتل قتيلاً؛ فله سلبه) كمن سمعه، ولو لم يسمعه أحد؛ فلغو.
ولو جعل لسرية نفلاً ذكره؛ فهو كذلك، وإن لم يعلمه جميعهم، ولو لم يسمعه أحدهم منهم؛ بطل، ولو دخل عسكر ثان لم يسمعوا ما جعل للأول؛ فلهم مثله إن كان أمر العسكرين واحداً.
ولو بعث الإمام سريتين على جزأين مختلفين بقدر صعوبة المواضع، وعين لكل سريه قوماً؛ فلا شيء لمن انتقل لغير موضعه، ولو قال: يخرج في كل سرية من شاء، فلمن دخل في غير سريته النفل مثل أصحابه، ولو ضل من السرية رجل، فترك الأمير من ينتظره، ثم رجع إليه غانماً؛ فلا نفل للضال فيما غنم دونه بخلاف القسم له من الغنيمة، ولمنتظر الضال من النفل ما لأصحابه، ولو غنم الضال اختص بنفله فيه، وضمت غنيمته لغنيمة الجيش، ولا يترك الأمر للضال منتظراً إلا بمحل آمن.
ابن سَحنون: لو ضل رجل من سرية؛ نفلت الربع بعد الخمس لأخرى نفلت الثلث بعده، ورجل من هذه الأولى، فقياس قول سَحنون يصير نفل الضال، وسهمه مع التي ضل إليها وعلى نفلهم.
وقال غيره من أصحابنا: بل يضم الضال نفله من التي ضل إليها إلى التي ضل عنها، فيأخذ نفله معهم كما يأخذون.
سَحنون: لو افترقت سرية من عسكر نفلت قدر فرقتين، فرجعت كل واحدة بغنيمة أو إحداهما؛ فلكل واحدة نفلها وغنيمتها دون الأخرى إن استقلت كل واحدة عن الأخرى، وإن افتقرت كل واحدة للأخرى، فكسرية واحدة.
قُلتُ: قوله: لكل واحدة قيمتها دون الأخرى إن أراد حيث يعرض استقلال كل سرية أو إحداهما بغنيمتها عن الجيش حسبما يأتي إن شاء الله فواضح وإلا فمشكل؛ لأن ضم غنيمتيهما للجيش يوجب مساواتها له، ومساوي المساوي لشيء مساوٍ له.

الجزء: 3 - الصفحة: 117

ابن سَحنون عنه: قول الأمير للسرية: ما غنمتم لكم دون تخميس مردود؛ لأن القول به شاذ.
ابنه: إن مضى به من صدر الأئمة مثل ما مضى في نفل جزء من الخمس مضى.
قالا: وأصحابنا يكرهون أن يبعث سرية، ثم ينفلها جميع الخمس؛ لأنه لم يعمل به سلف، وأما بعضه فجائز، والنفل الراجل فيه والفارس سواء.
محمد: لأنه إعطاء لما ينالهم والراجل أشد عذراً وتعباً، ولو بين في النفل قسمه بينهما كالغنيمة؛ لزم.
والغنيمة أرضاً في عدم قسمها طريقان: الباجي: توقف لنوائب المسلمين، قاله مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وعزاه الشيخ لرواية محمد، وسماع ابن القاسم.
اللخمي: ما عجز المسلمون عن سكناه مطلقاً هدم وحرق، وما عجز عنه إلا بتمليك ساكنه أقطع لذوي النجدة؛ ليكونوا في نحر العدو مخرجاً من رأس الغنيمة، وما كان قريباً مرغوباً فيه في وقفه للنوائب، وقسمه كالأموال، ثالثها: يخير الإمام فيهما بالأصلح، لها ولبعض الناس، وللمبسوط مع بعض رواياتها، وهي أحسن، وعزا ابن بشر الثلاثة للمذهب معبراً عن الأول بالمشهور.
وفيها: قال: لا علم لي بجزية الأرض كيف كان يصنع فيها؟ إلا أن عمر لم يقسم الأرض بين فاتحيها، وأرى لو نزل هذا بأحد أن يسأل أهل تلك البلدة، وأهل العلم والأمانة كيف كان الأمر فيه؟ فإن وجد علماً يشفيه، وإلا اجتهد في ذلك هو، ومن حضره من المسلمين.
ابن رُشْد: أي لم يثبت عنده قدر ما وضع عمر على الأرض من الخراج؛ لأنه إنما توقف في قدر ذلك، وقيل: إنما توقف هل عليها خراج أو لا خراج عليهم؟ وتترك لهم إعانة على الجزية.
وقيل: إذا توقف في خراجها هل يصرف مصرف الفيء أو الصدقة؟ قاله الداودي.
وحكي عن ابن القاسم: أن الذي ينحو إليه مالك أن مصرفه مصرف الفيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 118

قُلتُ: وعزا ابن محرز الثاني لابن شبلون قال: وقال: إنما شك هل يوظف عليها شيء لا يزاد عليه ولا ينقص أو هو بحسب الاجتهاد؟.
وقال غيرهما: يحتمل الأمرين.
وثالثاً: وهو هل يقسم خراجها على فاتحيها فقط أو عليهم وعلى غيرهم؟ وهو دليل قول سَحنون عقب مسألة الفيء والخراج قد أعلمتك ما قال في العنوة.
الباجي: قول مالك: إن مكة عنوة لا صلح لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
وقوله يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"؛ وفائدة الخلاف هل يجوز للإمام المن بكل الغنيمة مالاً ورجالاً وأرضاً اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم في مكة؟.
وقال أبو عبيدة: ذلك خاص بمكة؛ لأنها إنما أحلت ساعة من نهار وبعدها رجعت لحرمتها، فحرمت غنيمتها فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو عمر: قول أبي عبيدة ضعيف، ثم قال: ما حاصله أنه صلى الله عليه وسلم دخلها مؤمناً من لم يقاتل، آمراً بقتال من يقاتل، فمن اعتبر أمره صلى الله عليه وسلم بالقتال جعلها عنوة، ومن اعتبر كون الواقع في فتحها عدم القتال لسابق التأمين بالشرط المذكور جعلها صلحاً.
وكره مالك كراء بيوت مكة، وقال: كان عمر ينزع أبواب أهل مكة، ثم قال أبو عمر: تبايع أهل مكة لدورهم قديماً وحديثاً أظهر من أن يحتاج فيه لذكر.
قُلتُ: فيها: لمالك: لا يفض كراء الأرض سنين على كل سنة بالسوية؛ بل بقدر نفاقها كل سنة.
قال ابن القاسم: لأن المتكاريين عرفاً ذلك، والناس مثل دور مكة في نفاقها أيام الموسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 119

اللخمي: لم يختلف قول مالك وأصحابه أن فتح مكة عنوة وأنها لم تقسم، واختلف هل من بها على أهلها أو أقرت للمسلمين؟.
واختلف في كراء دورها وبيعها؛ فمنعها مالك مرة، وذكر أبو جعفر عنه أنه كرههما، فإن وقعا؛ لم يفسخا، وظاهر قول ابن القاسم فيها الجواز وذكر لفظه فيها.
وفي كون خيبر عنوة أو إلا حصني الوطيح والسلالم نقلاً ابن رُشْد عن ابن عبد البر مع ابن إسحاق، ومالك مع ابن شهاب.
السهيلي عن أبي عبيدة: قسم صلى الله عليه وسلم خيبر أثلاثاً إلا السلالم والوطيح والكتيبة تركها لنوائب المسلمين.
وسمع ابن القاسم: فتحت مصر عنوة.
ابن رُشْد: قال الليث: نحن أعلم بأرضنا إنما كانت صلحاً.
قُلتُ: في التجارة لأرض الحرب منها: لا يجوز شراء أرض مصر، ولا تقطع لأحد.
وإفريقيَّة: قال المازري: شك سَحنون فيها فكان يرى نفسه فيما بيده من سوادها عامل مساقاة.
قُلتُ: في الجعل والإجارة منها لابن القاسم: ما سكنه المسلمون عند افتتاحهم، واختطوه كالفسطاط والبصرة وإفريقيَّة والكوفة، وشبه ذلك من مدن الشام ليس لأهل الذمة إحداث كنيسة فيها إلا أن يكون لهم شيء أعطوه؛ لأن تلك المدائن صارت لأهل الإسلام مالاً يبيعون ويرثون.
قُلتُ: فصوب بعض شيوخنا أخذ بعض أصحاب بعض شُيُوخه منه كون إفريقيَّة عنوة، وهو ظاهر تاريخ الرقيق وابن سعيد وغيرهما.
قُلتُ: ولا يناقض قول تجارتها: لا تباع أرض مصر قول إجارتها: يبيعون ويرثون؛ لأن هذا فيما اختط للسكنى، والاختطاط لها يوجب الملك.
وقوله: في أرض مصر في بياضها وسوادها.
الباجي: أكثر أرض الأندلس عنوة، ومنها صلح كتدمير وغيرها، وقاله ابن حبيب.

الجزء: 3 - الصفحة: 120

ومستحق القسم من الغنيمة ذو الإسلام والحرية، والذكورية والبلوغ، والعقل والصحة، وحضور الموقعة والخروج للقتال غير زمن اتفاقاً.
وفي العبد والذمي طرق: اللخمي: في الإسهام لأهل الذمة يكونون في جملة الجيش، ثالثها: إن كان الجيش بحيث لو انفرد عنهم لم يقدر على الغنيمة؛ لقول ابن حبيب: إن نفر الذميون مع صوائفنا ترك لهم ما صار لهم دون تخميس.
وسماع ابن القاسم قائلاً: لا يستعان بالعبيد والذميين مع قول أشهب: ما غنمه عبيد وذميون خرجوا من عسكر لأهله دونهم.
وسَحنون: قلت: ظاهر أول لفظ اللخمي عدم اشتراط قتالهم في الإسهام، ومقتضى قولي قائله اشتراطه، وبه فسر ابن بشير القولين، وحكى المازري الثلاثة، وعزا الثاني للمعروف من المذهب.
وقال عقب ذكره الأول: أشار بعض الأشياخ إلى أن محمل ذلك على أن الإمام أذن لهم في القتال.
قال: وأشار بعض الأشياخ إلى تخريج هذا الخلاف في العبيد.
قُلتُ: حكى ابن العربي الأقوال الثلاثة في العبيد نصاً.
ابن حارث: لا يسهم لأهل الذمة اتفاقاً، وفي وجوب إعطائهم من الخمس شيئاً إن لم يرض الغانمون برضخ لهم من الأربعة الأخماس قولا أشهب وابن القاسم.
قُلتُ: الذي للشيخ عن كتاب ابن سَحنون: للإمام أن يرضخ لهم من الخمس لا وجوبه، وتذكر ما مر في فصل الاستعانة بالكافرين.
ابن رُشْد: لا يسهم للعبيد اتفاقاً.
وفي الإسهام للصبي المطيق للقتال طرق: ابن رُشْد: لا يسهم له اتفاقاً.
ابن حارث: إن لم يقاتل؛ لم يسهم له اتفاقاً، وإلا فقولان لها، ولسماع ابن القاسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 121

قُلتُ: لم أجده فيه.
اللخمي: في ترك الإسهام له، ولو قاتل وثبوته إن راهق، وبلغ مبلغ القتال، ثالثها: إن قاتل، ورابعها: إن أنبت وبلغ خمس عشرة سنة أسهم له ولو لم يقاتل لها، ولرواية محمد، وله، ولابن حبيب، وأرى أن يسهم له إن قوي على القتال، وحضر الصف، وأخذ أهبة الحرب وإن لم يقاتل.
قُلتُ: عزا الشيخ الأول أيضاً لآخر قولي سَحنون، والثاني لأولهما، والرابع لابن وَهْب.
وفي ... طرق: ابن رُشْد: لا يسهم لها اتفاقاً.
الباجي: هذا قول جمهور أصحابنا.
وقال ابن حبيب: إن قاتلت قتال الرجال؛ أسهم لها.
قُلتُ: ونقله عنه الشيخ واللخمي وصوبه، واختار أن يسهم لها إن كانت ذات شدة ونصبت للحرب ولو لم تقاتل.
وعزو المازري الثاني للتخريج على قول ابن حبيب: تقتل المرأة الكافرة إن قاتلت؛ يقتضي أنه غير منصوص له، وليس كذلك لما مر.
التونسي: لا خلاف في تخميس ركازٍ وجده صبي أو امرأة.
وفي تخميس ما غنمه نساء بقتالهن وحدهن أو صبيان بقتالهم وحدهم نظر.
المازري: أشار غيره إلى إجرائه على العبيد فيما انفردوا به.
وسمع يحيى ابن القاسم: ما أصابه العبد المتلصص مع حرِّ خمس، ثم قسم بينهما.
قُلتُ: لم قسم بينهما، والعبد لا يقسم له من الغنيمة؟.
قال: لأن الغزو والتلصص واحد.
وقال أَصْبَغ وسَحنون: لا يخمس، ما أصابه العبد المتلصص كالذمي.
ابن رُشْد: لم يكن للعبيد والنصارى في المغنم حق مع الأحرار المسلمين في عسكرهم؛ لأنهم في حيز التبع، فإن لم يكونوا تبعاً؛ فلهم حقهم كالعبد والنصراني مع أربعة أحرار مسلمين.

الجزء: 3 - الصفحة: 122

الشيخ عن كتاب ابن سَحنون: من جن بعد الغنيمة؛ أسهم له فيما تقدم لا المستقبل، ولا يسهم لمطبق، ويسهم للمصاب الأهوج، ومثله يقاتل.
الباجي: المطبق الذي لا يتأتى منه قتال؛ لا يسهم له، ومن معه ما يمكن به القتال؛ أسهم له.
وفي المرض طرق: الباجي: إن منع القدرة على القتال حالاً ومالاً؛ منع الإسهام وإلا فلا.
اللخمي: اختلف فيمن خرج مريضاً، وأرى ألا شيء له إلا أن يقتدى برأيه: (رب رأي أنفع من قتال)، ومن مرض بعد القتال؛ أسهم له، ويختلف إن مرض بعد الإدراب قبل القتال، فرده الإمام.
قُلتُ: نقل الشيخ وظاهره عن محمد: من مرض بعد الإدراب وقبل القتال، فرده الإمام لبلد الإسلام؛ أسهم له على قول ابن القاسم.
الصقلي: روى ابن سَحنون: يسهم للمريض، ما كل من حضر يقاتل، وقاله سَحنون.
وروى القرينان: لا يسهم له.
وفي كتاب محمد: من دخل دار الحرب، فلم يبلغ العسكر حتى مرض، فخلفوه بالطريق لعله يعيش فيلحقهم، فغنموا ورجعوا؛ فله سهمه، وكذا إن كان يلحقه ببلد الإسلام قبل أن يدرب القتال في بلد الحرب؛ أسهم له.
ابن بشير: إن مرض بعد شهود القتال والإشراف على الغنيمة؛ أسهم له، وإلا فثالثها: إن مرض بعد ابتداء القتال، ورابعها: بعد الدخول في حد أرض الحرب.
قُلتُ: فيها: لمالك: من خرج غازياً، فلم يزل مريضاً حتى غنموا؛ أسهم له.
وفي الموازيَّة: يقسم للزمنى.
اللخمي: ويختلف في الأعمى.
قال سَحنون: يسهم له؛ لأنه يبري النبل، ويكثر الجيش ويدبر، والصواب ألا يسهم له، وإن كان يبري السهم؛ فهو من الخدمة.
سَحنون: يسهم لأقطع اليدين والأعرج والمقعد.

الجزء: 3 - الصفحة: 123

والصواب ألا يسهم لأقطع اليدين، ويسهم لأقطع اليسرى، وللأعرج إن حضر القتال ما لم يجبن عن حضوره لعرجه إلا أن يقاتل فارساً، ويسهم للمقعد إن كان فارساً يقدر على الكر والفر وإلا فلا.
قُلتُ: ظاهره: أن شرط كونه فارساً من عنده، وهو نص نقل الشيخ عن سَحنون قال: يسهم له، وهو يقاتل فارساً.
وزاد عنه: يسهم للمجذوم لا المفلوج يابس الشق.
وعلى المعروف في منع الإسهام قال اللخمي: فيها: لا يرضخ للنساء والصبيان والعبيد، وقال ابن حبيب: يرضخ لهم، وهو أحسن، لحديث ابن عباس: (لم يكن صلى الله عليه وسلم يسهم للعبد والمرأة إلا أن يحذيا من المغانم)، وكذلك كل من للجيش فيه منفعة.
ونص المازري على أن الإرضاخ إنا هو من الخمس.
وفي النوادر عن ابن حبيب: كان صلى الله عليه وسلم يحذي النساء والصبيان والعبيد من الغنيمة.
وروى ابن وَهْب وابن القاسم: ما علمته.
وفي كتاب ابن سَحنون: عن مالك: لا يسهم للمرأة والعبد وإن قاتلا، وإن قاتلا وأحذيا، ولو حذاهم من الخمس؛ فلا بأس به، وله عن أشهب: يرضخ لأهل الذمة إن قاتلوا من الخمس، وكذا العبيد.
ابن سَحنون: لو لم يأذن للعبد سيده في القتال؛ لم يرضخ له في قول أشهب، وينبغي في قياس قوله: أن يرضخ له، كما لو آجر نفسه بغير إذن سيده؛ لكان له أجره.
قُلتُ: إن أراد بقوله: لم يرضخ له في قول أشهب؛ أي: في نص قوله فواضح، وإن أراد في القياس عليه ناقضه قوله ثانياً: (وينبغي في قياس قوله).
إلا أن يريد بالقياس الأول على قوله في الجهاد، وبالقياس الثاني على قوله في الإجارة، ويرد القياس الثاني بأن الإرضاخ لمصلحة عود المرضخ له لمثل ما صدر منه من القتال، وهي منتفية إن كان

الجزء: 3 - الصفحة: 124

قتاله بغير إذن سيده؛ لأنه منه عداء، وهي حاصلة إن كان بإذنه، والأجرة في الإجارة عوض عمله وقد حصل.
وفي الإسهام لمن ضل عن الجيش فيما غنمه الجيش بعده قولها مع الصقلي عن ابن نافع، وله مع اللخمي عن روايته، وتخصيص اللخمي قولها بالضال بأرض العدو يتعقب بأن نصها: (قلت: إن غزا المسلمون أرض العدو فضل منهم رجل؛ ورجع إليهم بعد أن غنموا.
قال: أخبرتك بقول مالك في الذين ردتهم الريح، وهم ببلاد المسلمين أن لهم سهمهم في الغنيمة".
قُلتُ: وكذا نقل الشيخ عن محمد عن أَصْبَغ عن ابن القاسم: سواء ضل بأرض العدو أو أرض الإسلام.
ابن بشير: في القسم له، ثالثها: إن ضل بأرض الحرب.
الشيخ عن أشهب: من ضل من سرية لأخرى من غير عسكرها قبل القتال، ثم قاتل معها؛ فله سهمه معهم يرده لغنيمة سريته التي ضل منها، وذكر ابن سَحنون عن أشهب: لا شيء للضال مما غنمه جيشه الذي ضل عنه بعده، ويختص حكمه بالتي ضل إليها.
وقال التونسي: أما حظه فيما غنمه جيشه الذي ضل منه بعده فصواب؛ لأنه غلب على الكون معهم، وفي رد ما أخذ بعد مع السرية الثانية نظرٌ؛ لأنه لم يتقو بهم فيما غنمه مع السرية الثانية.
قُلتُ: ما صوبه ملزوم لرده ما أخذ مع الأخرى، وإلا كان محكوماً له بأنه منها، ليس منها هذا خلف، ولو ردت الربح بعض السفن لأرض الإسلام، ففي الإسهام لأهلها مما غنمه النافدون قولان لها مع الشيخ عن كتاب ابن سَحنون عن مالك قائلاً: ولو كان المردود سلطانهم، وعن أول قولي سَحنون.
محمد: ولو تكسرت بعض السفن، فأقام أهلها لإصلاحها بأرض الإسلام، فخافوا بعد إصلاحهم أن يلحقوا بأصحابهم؛ فلا شيء لهم فيما غنموه، فإن أسهموهم فلا رجوع عليهم لفوته بإنفاقهم، ولو كان ذلك بعد دخول أرض العدو شركوهم

الجزء: 3 - الصفحة: 125

فيما غنموا.
وفي القسم للتاجر بشهوده القتال، أو إن قاتل نقل اللخمي عن محمد والمدَوَّنة قال: وقال ابن القُصَّار: إن خرج للجهاد والتجر قسم له، ولو لم يحضر القتال وإلا فلا إلا أن يشهد القتال.
وفي الأجير طرق.
اللخمي: إن كان في رحله؛ لم يقسم له وإلا ففيها يقسم له إن حضر القتال.
وروى أشهب: لا قسم له ولو قاتل.
ابن القُصَّار: إن خرج للجهاد والإجارة دون خدمة كالخياط قسم له، ولو لم يحضر القتال وإلا فلا.
وقال سَحنون: لا يقسم لأجير الخدمة إلا أن يقاتل، فيسقط من أجره قدر ترك عمله.
المازري: في القسم للأجير ثلاثة.
قيل: لايقسم له.
محمد: يقسم له إن شهد القتال.
وفيها: إن قاتل.
الصقلي عن كتاب ابن مزين: إن قاتل أسهم له، وفيما غنم قبل قتاله، ولو كان القتال مراراً شهد منها مرة فقط قسم له في جميع تلك الغنيمة.
ابن نافع: لا يقسم له إلا أن يحضر أكثر ذلك.
يحيى: هذه أحسن، وإن قاتل مرة قسم له من غنيمتها فقط.
وسمع القرينان: لا يقسم لأعوان استؤجروا لعمل البحر من قذف، وغيره من أعمال السفن أو لعمل البر من تسوية الطرق، وقطع الشجر، وإصلاح ما فيه ضرر على المسلمين ولو قاتلوا قتالاً عظيماً.
ابن رُشْد: هذا خلاف ما في المدَوَّنة والواضحة.
وقال بعض أهل النظر: ليس خلافهما، ومعنى السماع في الإجارة العامة، وما في المدَوَّنة، وغيرها في الخاصة، وليس بصحيح؛ لأن العامة أقرب إلى القسم من الخاصة.

الجزء: 3 - الصفحة: 126

ابن محرز: لا خيار لمؤاجر الأجير الغانم في أخذ حظه بدلاً عن مناب ما عطل من عمله؛ كقولهم فيمن آجر أجيراً لخدمة مدة آجر نفسه في بعضها لمجانسة ما آجر نفسه فيه لما استحق من عمله ومباينة عمل الجهاد الخدمة؛ ولذا لو كانت المؤاجرة امرأة، فتزوجت لم يكن لمؤاجرها أجر صداقها؛ لأن عوضه لم يملكه المؤاجر، ولو غصبت ذات زوج لم يكن لزوجها أخد صداقها من الغاصب لها على الغاصب؛ لأن زوجها لم يملك وطئها بالغصب.
محمد: لو بعث الأمير قوماً من الجيش قبل وصوله بلد العدو لمصلحة الجيش من حشد أو إقامة أسواق، ونحوه قسم لهم فيما غنم في غيبتهم.
سَحنون: ورواه ابن نافع.
وعن مالك: لا شيء لمن بعثه الإمام في بعض مصالح المسلمين فيما غنم بعده، وبالأول أقول، وإن رد الإمام قوماً لضعف الناس وأثقالهم وما وقف من دوابهم فكل من رده لمصلحة المسلمين إن كان أدرب قسم له وإلا فلا، وكان قال: لا أعرف الإدراب، ولم يقله من أصحابنا غير عبد الملك، وأنكر ذكره عن المغيرة، وكل من رده لمصلحة قسم له، ولا أعرف رد الإمام المرضى والخيل، ولكن، يرد الرجل للجبن وغيره.
وسمع يحيى ابن القاسم في أهل مركب بعثوا بعد نزولهم جزيرة للروم رجلاً لناحية منها؛ ليخبرهم ما فيها من سفن المسلمين، فأبطأ فأقلعوا فغنموا، وكان الرجل دخل بعض سفن المسلمين إن قعد عنهم تاركاً لهم؛ فلا شيء له معهم وإلا؛ فله حظه معهم.
وغنيمة من استند لغيره دونه بينهما: الشيخ: روى محمد: كل سرية خرجت من عسكر فصل عن بلد الإسلام للغزو ما غنمت بينها وبين كل الجيش، ولو أخرجها من بلد الإسلام اختصت بما غنمت، ولو قدم والي الجيش سرية من بلد الإسلام، ثم أتبعها ببقية عسكره، فغنمت قبل لحوقه بها، ففي كون غنيمتها شركة بينهما شركة مطلقاً، أو إن غنمت بعد فصول الجيش من أرض الإسلام، وإلا اختصت بها نقلا الشيخ عن محمد عن عبد الملك، ومحمد مع نقله عن

الجزء: 3 - الصفحة: 127

أشهب ومالك قائلاً: ولو كان بعثه لها ليتبعها.
وفي الموازيَّة: لو قسم عسكر غنيمته، فتسرعت طائفة منه للرجوع، فلقيهم عدو أخذهم، ثم غنم بقية الجيش لم تدخل فيها المتسرعة من بقي منها، ولا من قتل، ولو غنمت آخذي المتسرعة رد ما أخذ لها على حيها ووارث من مات منها.
وما غنمته من غير ذلك بينهم، وبين أحياء المتسرعة، ولو كانوا أسرى في الحديد، وكذا الأسرى منهم والزمنى.
ابن سَحنون عن عبد الملك: لو بعث الوالي سرية ردءاً لأخرى، فقدمت فغنيمة الأولى- ولو قبل بعث الثانية- بينهما، وكذا ما غنمته الثانية وحدها.
سَحنون: لا تدخل الثانية فيما غنمته الأولى قبل خروجها مستغنية عنها.
عبد الملك: ولو بعث الثانية لغير الأولى اختصت كل واحدة بما غنمت، ولو غنمت إحداهما فقط، ثم اجتمع العدو عليهما معاً، فكانت نجاتهما باجتماعهما؛ ففي كون ما غنمته إحداهما بينهما، أو لها فقط قولا عبد الملك وسَحنون قائلاً: لو أخذ العدو غنيمة إحداهما، ثم اجتمعتا فاستنقذتاها منه؛ ردت لغانمتها كمال مسلم غنم.
ابن سَحنون عنه مع بعض أصحابه: إن مات أمير جيش بأرض العدو، فانقسم طائفتين، قدمت كل طائفة أميراً، وانحازت عن الأخرى؛ فما غنمته إحداهما بينهما.
محمد: قياس قول سَحنون إلا أن تتباعد كل واحدة عن الأخرى بحيث لا يمكن تعاونهما ولم يجتمعا إلا بدار الإسلام؛ فلكل واحدة ما غنمته إحداهما دون الأخرى.
ابن سَحنون عنه: لو ارتدت طائفة من عسكر بدار الحرب، واعتزلوا باقي المسلمين؛ ثم غنم باقي المسلمين، وغنم المرتدون، ثم رجعوا للإسلام؛ لم يدخل المرتدون فيما غنمه المسلمون أدباً لهم، ودخل المسلمون فيما غنمه المرتدون، ولو قتلوا على ردتهم، وحظ المرتدين لهم إن أسلموا وإلا فللمسلمين.
وسمع يحيى ابن القاسم في أمير سرية عرض له نهر بأرض العدو، فأجازه ببعض من معه، وتخلف الآخرون معتذرين عن طاعته بشدة خطره، فرجع بغنيمة، ووجد المتخلفين بمكانهم لا قسم لهم إن ثبت تخلفهم بإقرارهم، أو ببينة من غير الغانمين، ولا يقبل عليهم قول الأمير.

الجزء: 3 - الصفحة: 128

ابن رُشْد: ظاهره حرمانهم بتخلفهم، ولو كان جوازه خطراً.
وقال سَحنون: إن كان قسم لهم لعذرهم، وأخطأ الذين أجازوا، وعندي إن كان في وقوف المتخلفين بمكانهم وجه منفعة للغانمين مثل أن يكون النهر قرب بلد العدو بحيث يظن العدو جوازهم أجمعين؛ قسم لهم معهم وإلا فلا، ولا تقبل شهادة الغانمين على من أنكر أنه لم يجزه؛ أنه لم يجزه اتفاقاً إلا أن يكون ما يجب له من ذلك يسيراً، فيجري على الخلاف في شهادة العدل لغيره بما يجر به لنفسه ما لا يتهم على مثله لقلته.
وسمع أشهب إجازتها.
وفي رد قول الإمام عليهم، وقبوله إن كان عدلاً هذا السماع، وقول سَحنون وهو بعيد؛ لأنه إن حكم عليهم حكم بعلمه ولنفسه، وإن رفع الأمر لغيره وجب كونه كغيره، ووجهه أنه جعله كحكم القاضي بعلمه بما أقر به الخصم في محله.
قُلتُ: فأين إلغاء مانع كونه يحكم لنفسه؟.
سَحنون: إن بعث الإمام سريتين نفل إحداهما الربع قبل الخمس قسم ما غنمتا على عددهم، فإن كانت المنفلة مائتين والأخرى مائة أخذت المنفلة نفلها من الثلثين؛ وهو الربع قبل الخمس، وخمس ما بقي، وقسم بين العسكر والسريتين، ولو دخل جيش أرض العدو، ثم دخله متطوعون دون أمر الإمام؛ فلهم حكم الجيش فيما يغنمه، وأخطأوا في خروجهم دون إذن الإمام إن كان غير مضيع، ولو اجتمع جيشان بأرض العدو، فإن كان كل جيش غنياً عن الآخر؛ اختص كل بما غنم، وإلا فما غنماه أو أحدهما فبينهما.
ابن سَحنون عنه: ما غنمه أهل بلد من عدو دخلها عليهم بين أهلها من قاتل ومن لم يقاتل، وفيه الخمس، ولو خرج الناس في أثره بعضهم بعد بعض فما غنم الأولون بعد خروج الآخرين بينهم أجمعين.
وفي كون ما غنموه قبل خروجهم كذلك أو للأولين فقط قولا عبد الملك وأشهب، وهو أحب إلي لقول مالك في الروم تغير قرب المصيصة فيقال: يا خيل الله اركبي، فيخرج أهل النشاط، فما غنموه أدنى أرض الروم لهم دون من لم يخرج.
وسمع يحيى ابن القاسم في عدو أغار على ثغر، فخرج في طلبه خيل المسلمين

الجزء: 3 - الصفحة: 129

متلاحقين ما غنمه أولهم بين جميعهم من قاتل أو لا، ومن خرج أو لا؟ إن كانوا من مسالح نصبت للرباط أهلها، مقيمون للذب عن من وراءهم، أو كانوا من أهل حصن في رأس الثغر.
وإن كانوا من قرى مسكونة بعيالٍ فجأهم العدو، فركبوا في طلبه؛ قسم ما أصابوا بين كل من طلب القتال، ولو لم يدركه لا لمن لم يخرج.
ابن رُشْد: هذه مسألة حسنة ذكرها ابن سَحنون لأبيه فأعجبته.
ابن حبيب: عن أصحاب مالك: إن أغار عدو على بعض الثغور، فتداعى عليه المسلمون خمس ما غنموه منه؛ لأنه كالإيجاف، وباقي الغنيمة لأهل المكان الذين كانت فيهم الغارة، ولو تفرقوا في القرى، فأهل كل قرية أولى بما أصابوا، وفيه الخمس، إلا أن تكون قرى متقاربة يتلاحق تناصرهم، فهم فيه شركاء.
وفي الموازيَّة: لأشهب مثله.
سَحنون: إنما يقسم لمن خرج، وبرز للعدو لا لمن لم يبرز إلا أن يكون من أقام في القرى للخوف عليها، وعدة لمن خرج.
قال: ولو أغار العدو على مدينة على عشرة أميال منها، فخرجوا منها متفاوتين، فغنموا لم يدخل في ذلك إلا من برز من المدينة، وإن لم يبصرهم العدو لا لمن خرج بعد الوقعة، ولو كانت المدينة حرساً كالمنستير والحصون التي على ساحلنا، ومثل بعض مواضع بالأندلس، فالغنيمة لمن برز، ومن لم يبرز؛ لأن هذه المواضع كجيش مجتمع.
وليحيى عن ابن القاسم مثله، ولسَحنون عن أشهب مثل هذه، وقال: لا شيء لمن لم يبرز، ولم يذكر إن كان ثغراً أو محرساً.
سَحنون: لو حبس الإمام حين خرج الناس من المدينة طائفة لحفظها؛ كان لهم حقهم في الغنيمة؛ لأنهم حبسهم لمصلحة المسلمين.
قال: ولو أن أهل طرطوس حين خرجت مراكبهم حبس الإمام من كل مركب نفراً لحفظ المدينة لم يدخلوا فيما يغنمه الخارجون؛ لأن هؤلاء لم ينزل بهم عدو؛ بل هم خرجوا إليه، وأولئك نزل بهم العدو، فهم متظاهرون عليه.
وفي الموازيَّة: لو أتت مراكب الروم بلد الإسلام، فخرج إليهم مراكب المسلمين،

الجزء: 3 - الصفحة: 130

فقاتلوهم بالبحر بمرسى المدينة؛ فالغنيمة لمن قاتل بالبحر دون أهل البر، ولو نازلوهم في البر، فقاتلوهم فيه وفي البحر؛ فالغنيمة بين من حضر الحرب بالبر والبحر.
وفي كتاب ابن سحنون: لو دخل العدو بعض مدننا، فقاتله أهلها على بابها، فما غنموه لهم دون من لم يخرج، ولو تأهبوا بالسلاح، فخرج بعضهم، والآخرون خلفهم متأهبون؛ فالغنيمة بين من حضر القتال، ولو لم يقاتل، فله سهمه، وكذا إن انتهى الزحام لبابه، وهو واقف متسلح في داره، أو ركب فرسه قد فتح بابه أو أغلقه؛ فله سهمه؛ لأن إغلاقه بابه خوف تقحم الجميع عليه، ومن لم يتأهب للقتال لا سهم له، ولمن على السور يرمي بنبل، أو حجر، أو يحرض ويرهب سهمه.
ولو نزل العدو على أميال من المدينة، فخرجوا إليه، فلمن أمره الأمير أن يقف على بابها حفظاً من العدو سهمه، وأجاب سحنون شجرة عن سفن أخذت جفناً تركوه مع بعضهم؛ لتعذر سيرهم به، وانصرف سائرهم للغزو على أن يجتمعوتا بمرسى معين، يقيم به من سبقه عشرين يوماً، ثم ينصرف لبلد الإسلام، فغنم المنصرفون، ثم سبقوا إلى محل الموعد، وانصرفوا بعد المدة المذكورة لبلد الإسلام أتى الآخرون وقد غنموا بأن ما غنماه أو أحدهما بينهما؛ لثبوت شركتهم لنصرة بعضهم بعضاً، ويقسم لم مات بعد أن قتل قتال الغنمية قبلها اتفاقاً.
ابن رشد: في استحقاق القسم منها بمجرد الإدراب، وفي كل ما يغنم إلى قفول الجيش، ولو مات قبل لقاء العدو، أو بشهود القتال في كل ما غنم بعده مطلقاً، أو فيما غنم بقربه، رابعها: فيما غنم به فقط لابن الماجشون، وسماع يحيى ابن القاسم، وسماعه عيسى، ويشبه كون الرابع مذهبها.
قلت: فيها: لمالك: إن مات قبل لقاء العدو قبل وأن يغنموا لم يسهم لمن مات قبل الغنمية، وإن مات بعد أن قاتل، وغنموا بعده أسهم له، وعزاه الشيخ لسحنون وابن حارث لسماع يحيى ابن القاسم، ونقل الشيخ عن ابن حبيب عن أصحاب مالك: يقسم لمن مات بعد رؤية الحصن أو الجيش قبل قتاله فيما غنم فيه.
وبقربه يشبه أن يكون خامساً.

الجزء: 3 - الصفحة: 131

وزاد عن ابن حبيب: أجمع أصحاب مالك إلا ابن الماجشون أنه لا يقسم لمن مات قبل القتال، فعزو ابن زرقون قول ابن الماجشون لسماع يحيى ابن القسم خلافه، وخلاف نقل ابن رشد وابن حارث.
وللشيخ عن رواية عيسى عن ابن القاسم: إن تتابع القتال دون انقطاع؛ فله سهمه في كل ذلك، وقد يقاتل عشرة أيام، وهذا قريب.
قلت: لم أجد في العتبية: عشرة أيام.
وللشيخ عن سحنون: من مات بعد قيام صفوفنا وصفوف العدو، وقبل المناشبة لم يسهم له.
ابن حارث لابنه عنه: لا حق لمن مات بعد القتال الأول، فيما غنم بقتال ثان.
قلت له: قد روي عن ابن القاسم: إن كان القتال متتابعاً وجب سهم الميت في كل ما غنم.
قال: لا أعرفه عنه إلا أن يكون من هزم ثانياً هم من ثالثا؛ كالعسكر تنهزم طلائعه، ثم ميمنته، ثم ميسرته ثم قلبه، فسهم من مات خلال ذلك واجب، وللشيخ عنه: إن نزل المسلمون بحصن فيه حصون بعضها في بعض، ففتح الحصن الأول، ثم مات رجل أو قتل، ثم فتح حصنين بعده أو ثلاثة في يوم أو أيام؛ لم يسهم له إلا في غنيمة الحصن الأول، ثم قال عنه: لو كان للمدينة أرباض ولها أسوار، فأخذ الناس في قتال المدينة، ففتح الربض الأول، فصار العدو في الثاني، فأخذ الناس في قتاله في الثاني، وانتهب الربض الأول، فتمادوا حتى فتحوا الثاني، وانتقل العدو للثالث، وتمادى الناس في قتاله في غير فور واحد حتى فتحوا المدينة، فلمن مات أو قتل بعد أن أخذوا في قتال المدينة سهمه في جميع ذلك.
قلت: قوله: هذا خلاف ظاهر قوله: في الحصن فيه حصون.
وللشيح عن كتاب ابن سحنون: من جن بعد الغنيمة سيهم له فيما مضى له المستقبل.
محمد عن أشهب: إن ظفر بعدو بيده أسرى مسلمون أسهم لهم معهم في كل ما غنموا.

الجزء: 3 - الصفحة: 132

التونسي: جعل أشهب الذين أسروا شركاء في ذلك؛ لأن أصل خروجهم بالإيجاف، فصاروا كمن منع الحرب، كما لو أسر العدو رجلاً أصل دخوله بالإيجاف فأخذناه؛ فله سهمه.
قلت: إن كان الأسير من جيش أخذناه فواضح، وإلا فالأظهر عدم القسم له كلقاء جيش بعد أن غنم، وكل منهما غني عن الآخر لنقل الشيخ عن سحنون: إن هرب أسرى من عدو لجيش بعد أن غنم، فلقيه عدو، فإن نجا الجيش بمعونة الأساري؛ فالغنيمة بينهم وإلا فاللجيش فقط، وله عن سحنون في أبواب قسم الخيل: من أسر في قتال غنم بعده، وفي قتال غيره أسهم له من غنيمة قتاله فقط.
سحنون: الردة كالموت، وما يورث عن الميت يورث عن المرتد ويرجع له بتوبته.
وقسم الغنمية حظ الفارس: منها ثلاثة أمثال الراجل للخبر والعمل، وعللوه بكلفة نفسه وفرسه وخادمه.
الشيخ عن سحنون: ينبغي للإمام كتب أهل الجيش للغنيمة إذا دنا من العدو وقبل السير إليه.
قلت: به يحفظ حظ من يموت في القتال.
ونقل ابن عبد السلام عن بعض المؤلفين عن ابن وهب: للفارس ضعف ما للراجل كأبي حنيفة لا أعرفه؛ بل نقل ابن رشد المذهب قائلاً: اتفاقاً، ونقل الشيخ عن ابن وهب إسناده حديث حجة المذهب، وأكثر ابن المنذر من ذكر أحاديث حجة المذهب، وعزو القول بها للفقهاء والمحدثين، وقال: لا أعلم من خالف في ذلك إلا النعمان، وخالفه أصحابه، فبقي قوله مهجوراً مخالفاً للأخبار، وذكر المازري نحوه، والشأن في نقل الغريب تعيين قائله، ولعله التبس عليه ذلك بقول ابن وهب في الإسهام لفرسين، وفي القبس لابن العربي: يسهم لكل فرس سهم واحد عند أكثر العلماء.

الجزء: 3 - الصفحة: 133

وقيل: سهمان للفرس، والأول أصح، وله في عارضته حديث ابن عمر رد على أبي حنيفة، ومن اغتر من علمائنا فقال: لا تفضلوا البهيمة على الآدمي.
الشيخ: روى ابن وهب: من غزا على حمال أو بغل أيأخذ فرسا أعطي في السبيل؟ قال: الحمار ضعيف، والبغل أقوى، ولا يأخذ الفرس إلا أن يعلم من نفسه القوة على التقدم إلى الأسنة.
وفيها: الرهيص كصحيح، وما مات قبل لقاء العدو لغو، وبعده يقسم له.
الباجي عن مالك: يسهم لما يدرب به رهيصا.
قلت: ولابن حارث في الإسهام للرهيص حيث اللقاء قولاً أشهب مع سحنون، ونقل ابنه رواية ابن نافع.
الباجي: في الإسهام للفرس المريض قولاً مالك والقرينين.
قلت: عزاه اللخمي لروايتهما، ولابن عبد الحكم قائلاً بخلاف المريض؛ لأنه فيه الشمورة، ونقل ابن حارث فيه ما في الرهيص.
الباجي: لا يسهم لما أدرب به كسيراً، ويسهم لما كسر بعد حضوره القتال، وفي الإسهام لما كسر قبله بعد الإدراب قولاً أصبغ مع أشهب، ومقتضى قول ابن الماجشون ومقتضى قول محمد.
الشيخ عن سحنون: ما أدرب به مما لا يقاتل عليه لكبر أو صغر لغو، وينبغي للإمام أن لا يجيزه، فإن صار الصغير يقاتل عليه أسهم له من يومئذ.
ابن حبيب: الصغير الذي لا مركب فيه، ولا حمل لغو، وإن كان فيه بعض قوة

الجزء: 3 - الصفحة: 134

أسهم له.
قلت: إنما عزاه اللخمي لسحنون في كتاب ابنه وضعفه بأنه أضعف البرذون، ويرد بأن ضعف الصغير قريب الزوال، وقد يظن رائيه قوته، وفي القسم للفرس الثاني نقل الباجي عن سحنون عن ابن وهب مع الشيخ عن ابن سحنون، وابن حبيب عن ابن وهب وأبي عمر عن ابن الجهم، والمشهور، والثالث لغوه اتفاقاً.
الصقلي والشيخ: عن ابن حبيب: المعتبر في كون الفارس فارساً كونه كذلك عند مشاهدة القتال، ولو أوجف راجلاً عند مالك وابن الماجشون قائلاً: من ركب فرسا في لحمة القتال، فسهم الفرس لصاحبه لا له إلا أن يكون من خيل العدو؛ فلا سهم له.
وفيها: لابن القاسم: منع موت الفرس الإسهام، وعدم منعه كالآدمي، وكون الفرس لفارسه بحيث يقاتل عليه.
فيها: إن حملوا الخيل معهم في السفن، فلقوا العدو، فغنموا؛ فللفارس ثلاثة أسهم.
اللخمي: القياس عدم الإسهام لخيل السفن من غنيمتها؛ لأنها لم تقد للبحر، ولم تبلغ محل قتالها، وسمع أصبغ ابن القاسم: يسهم لخيل غزاة قاتلوا على أرجلهم، وخيلهم في رحالهم لاستغنائهم عنها.
ابن رشد: اتفاقاً.
سحنون: من أدرب راكباً حماراً أو رجلاً وهو يقود فرسه؛ أسهم له.
الشيخ عن سحنون: من خرج بفرسه للقتال، ثم أمر غلامه برد فرسه؛ فهو راجل، ولو رده العبد، ولم يخرج من معركة القتال حتى انهزم الكفار؛ فلربه سهم فارس في قول أشهب وسحنون.
الباجي: لو حضر رجل ثان قتالاً على فرس بعد أول ثم غنم؛ فسهمه للأول إن اتحد المقاتل، واتصل قتاله عادة.
سحنون: لمن حضر قتالاً على فرس يوماً، وحضره مبتاعه منه اليوم الثاني، ومبتاع ثان اليوم الثالث، ولم يغنم إلا فيه؛ فسهمه للأول؛ لأنه قتال واحد، وكذا لو كان بدل المبتاع وارث، ولو قاتل عليه الثاني في قتال مبتدأ؛ فسهمه له لا للأول.

الجزء: 3 - الصفحة: 135

اللخمي: يختلف إن باعه الأول بعد الإدراب قبل القتال، ثم قاتل عليه الثاني في كون سهمه له أو للأول.
وفيها: لابن القاسم قائلاً: لم أسمعه من مالك ذو البغل والحمار والبعير راجل.
ابن العربي: وذو الفيل.
وفي البراذين ثلاثة.
في الموطأ: كالخيل.
ابن حبيب: إن أشبهتها في الكر والفر.
وفيها: إن أجازها الإمام.
ابن حبيب: هي الخيل العظام.
الباجي: يريد الجافية الخلقة الغليظة الأعضاء، والعراب أضمر وأرق أعضاء.
ابن سيده: البرذون معروف، والأنثى برذونة.
وفي الموطأ: هجين الخيل منها.
ولم يذكر ابن بشر في البرذون غيرقول ابن حبيب، ثم قال: وكذلك الهجين وما في معناه، ونحوه قول الجلاب: الهجن، والراذين كالخيل إن أجازها الإمام.
ابن حبيب: الهجين ما أبوه عربي، وأمه من البراذين.
المازري: فسر غير ابن حبيب البراذين بما كان أبوه وأمه نبطين، فإن كانت الأم نبطية، والأب عربياً، كان الفرس هجيناً، وإن كان بالعكس؛ كان الفرس معرباً، ومنهم من عكس هذا.
الشيخ عن سحنون: أجمع أصحابنا أنه لا يرضخ لذي حمار أو بغل أو برذون؛ لم يجزه الوالي.
الباجي: روى ابن عبد الحكم: إناث الخيل كذكورها، وفي كتاب ابن سحنون: إن أدرب رجلان بفرس لهما، فسهماه لمن قاتل عليه منهما، وعليه للآخر نصف أجرته لصاحبه إن عرف ذلك، وإلا اقتسما الجميع وتحالا، ولو ركبه أحدهما كل الطريق، وقاتل عليه الآخر؛ فسهماه له وعليه نصف أجرته، وله نصف أجر ركوبه في الطريق.
المازري: إن قاتلا عليه؛ فلكل منهما بقدر ما حضر من القتال عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 136

الشيخ: لو انفلت فرس من ربه بأرض العدو، فقاتل عليه غيره، فغنم، ففي كون سهمه لربه، أو لمن قاتل عليه نقل محمد عن أصبغ مع ابن سحنون عن ابن القاسم وسحنون قائلاً: إلا أن ينفلت بعد شهود ربه عليه القتال؛ فهما له، ولا أجر للمتعدي.
التونسي: من غصب منه فرسه؛ فالصواب أن له سهمين، وقال أشهب: هما للغاصب، وعليه إجارة الفرس.
اللخمي: من غصب فرساً من أرض الإسلام فسهماه له، ولو غصب قبل أن يقاتل عليه؛ ففي كونه كذلك أو لربه نقلا محمد قولي ابن القاسم، والقولان جاريان على القولين في المتعدى عليه، وعلى القول بأن من غصب داراً، فأغلقها أو عبداً، فأوقفه يغرم غلتهما، فسهما المغصوب لربه مطلقاً، ومن غصب فرساً لذي فرسين، فسهماه لغاصبه، وعليه أجره، وكذا من غصب فرساً من الغنيمة.
قلت: ومن ثم خص ابن بشير الخلاف بغصب فرس الغازي، ولم يفرق بين كونه من أرض الإسلام أو الحرب.
ابن سحنون عن ابن القاسم: لو شد القوم على دوابهم للقتال، فعدا رجل على فرس آخر؛ فسهماه لربه.
زاد محمد: وكذا لو تعدى عليه قبل القتال.
سحنون: بل سهماه للمتعدي، وعليه أجر مثله إلا أن يأخذه بعد انتشاب القتال؛ فلربه.
ابن القاسم: لو عدا عليه بأرض الإسلام، أو بأرض العدو قبل حضور القتال؛ فسهماه للمتعدي ويضمنه.
سحنون: هو كذلك في السهمين، وأما الضمان؛ فإن رده بحاله لم يضمنه وعليه أجره، وإن تغير أو عطب؛ فلربه تضمينه قيمته، أو أخذ أجره فيما استعمله فيه، وقاله أشهب.
قلت: كلام ابن القاسم أصوب؛ لشموله ما لو رده بعد طول دون تغير، والمنصوص في المدونة في هذا ضمانه، والمسألة تشبه مسألة غصب الفرس للصيد عليه، أو التعدي عليه لذلك، وتقدم فيه بحث في الفرق بين التعدي والغصب مع أن المازري

الجزء: 3 - الصفحة: 137

هنا لم يعبر عن المسألة إلا بالغضب، وأجرى الخلاف على الخلاف في رد غلات المغصوب، وخلط اللخمي الغصب بالتعدي حيث أجرى الغصب عليه، ولفظ ابن القاسم في التعدي لا الغصب.
المازري: لو قاتل عبد على فرس سيده، فإن أسندنا السهمين للفرس؛ كانا لربه، وإن أسندناهما للفارس؛ فالعبد لا يسهم له، ولا نص فيها، وفيها نظر.
قلت: لعل النظر كون القسم للفرس مشروطاً بكون فارسه من أهل القسم أولا؟ وقوله: إن أسندنا السهمين للفرس كانا لربه؛ ظاهره سواء كان ربه غازياً أو لا؟ ومقتضى ما تقدم إن لم يكن غازياً لم يستحقهما.
اللخمي: المعار قبل القتال في كون سهميه للمعار، أو للمعير أحد قولي ابن القاسم مع مالك، وثانيهما: ولو أعاره بعد القتال عليه؛ فللمعير.
الشيخ عن سحنون: سهما الفرس المعار للمعار، أعاره قبل الإدراب أو بعده، ولو أعاره في حومة القتال، فإن كان أوله قبل بيان الظفر؛ فهما للمعار، وإن كان في آخره بعد بيانه؛ فهما لربه، ثم رجع فقال: هما لمن ناشب عليه القتال أوله.
قلت: الفرق بين المرجوع عنه وإليه أنه إن ناشب عليه ربه، ثم أعاره في أول القتال قبل بيان الظفر؛ فسهماه له على المرجوع إليه، وللمعار على المرجوع عنه.
وسمع القرينان في الوالي يعير بأرض الحرب فرساً من خيله سهماه للغازي، وكذا لو اشتراه أو اكتراه أو تعدى عليه، أو وجده غائراً في حومة القتال فقاتل عليه، وكذا لو أعاره إياه على أن سهمي الفرس بينهما، أو على أنهما لصاحب الفرس على أن عليه فيه أجره مثله، ومن ليس له إلآ فرس واحد، فتعدى عليه من قاتل عليه، وصاحبه حاضر، أو وجده في القتال غائراً؛ فسهماه لصاحبه بخلاف الاشتراء والعارية والكراء والتعدي إذا لم يكن ربه حاضراً، هذا على قول ابن القاسم، وروابته: أن السهم إنما يستحق بالقتال لا الإيجاف، وعلى قول ابن الماجشون: أنه يستحق بالإيجاف لا يكون لمن قاتل على فرس سهماه في شيء من هذه الوجوه إلا أن يوجف عليه، أو يصير بيده بحدثان

الجزء: 3 - الصفحة: 138

الإيجاف قبل مشاهدة القتال حتى يتمكن في كينونته له وفي يده.
الشيخ عن سحنون: سهما الفرس المحبس للمحبس عليه.

باب الغلول شرعاً

الغول: ابن العربي: هو الخيانة بأخذ الشيء للغير على الاختفاء.
أبو عمر عن يعقوب: يقال في المغنم: غل يغل بالضم والكسر إذا خان.
الجوهري عن أبي عبيدة: الغلول من المغنم فقط، لاذ من الخيانة ولا الحقد؛ لأنه يقال في الخيانة: أغل، وفي الحقد: غل؛ ثلاثياً يغل بالكسر، ومن الغلول يغل بالضم.
قلت: هو عرفاً أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها، فهو أخص منه لغة.
الأكثر: حرام إجماعاً.
ابن العربي: كبيرة.
عياض: لا خلاف أنه من الكبائر.
الشيخ: روى محمد: من ظهر عليه قبل أن يتوب؛ أدب وتصدق بما غل إن افترق الجيش، وإن لم يفترق؛ رد في المغنم، وأنكر مالك حرق رجله.
قلت: هو نص قذفها.
ابن حبيب: يعاقب عقوبة شديدة.
سحنون عن معن: لا بأس أن يصلي عليه.
الشيخ عن أصبغ: لا يحرم سهمه، وهو في التلقين على أنه المذهب.
وسمع ابن القاسم جواب مالك عن عقوبته: إن تاب ورد ما غل: ما سمعت فيه

الجزء: 3 - الصفحة: 139

بشيء، ولو عوقب؛ لكان لها أهلاً.
ابن القاسم: لا يؤدب.
سحنون: كالمرتد، ومن رجع عن شهادته عند الحاكم.
ابن رشد: معنى قولي ابن القاسم وسحنون: إن تاب قبل القسم، ورد ما غل في المغنم كمن رجع عن شهادته قبل الحكم، وقول مالك مثل ما في سرقتها فيمن رجع عن شهادته قبل الحكم، وادعى وهما وتشبيهاً، ولم يبن صدقه، ومن تاب بعد القسم، وافتراق الجيش؛ أدب عند جميعهم على قولهم في الشاهد يرجع بعد الحكم؛ لأن افتراق الجيش كنفوذ الحكم؛ بل هو أشد؛ لقدرته على الغرم للمحكوم عليه ما أتلف عليه، وعجزه عن ذلك في الجيش.
ابن حبيب: إن تنصل منه عند الموت، فإن كان أمراً قريباً، ولم يفترق الجيش؛ فهو من رأس ماله، وإن طال؛ فمن ثلثه.
والمباح الانتفاع به منها الطعام مطلقاً.
عياض: أجمع علماء المسلمين على إجازة أكل الطعام منها بأرض العدو بقدر الحاجة، وجمهورهم على عدم شرط إذن الإمام، وحكاية الزهري شرطه؛ لم يوافق عليه.
وفيها: الطعام والعلف والبقر والغنم بأرض الحرب جائز أكله، وأخذه للانتفاع بد دون الإمام.
الشيخ عن ابن حبيب: من السنة عدم قسم المطعم والمشرب، ومن أصابه؛ أحق به إلا أن يواسي به، أو يفضل عن حاجته، وله النفقة منه إلى منصرفه دون إذن الإمام، ولو نهاهم عنه، ثم اضطروا إليه؛ جاز لهم أكله، ولو أخذ الناس منه حاجتهم، وضم الإمام باقيه للمغنم؛ جاز لمن احتاج أكل ذلك.
ولا بأس بأكل طعام العدو قبل دعوته فيمن يدعى منهم.
وروى اللخمي لمن احتاج إلى طعام أخذه بعد جمعه الإمام دون إذنه.
ابن حبيب: لا بأس بما لت من السويق بسمنهم وعسلهم، وأكل جبنهم لا جبن المجوس، والمذهب نص القاضي تخصيص الإباحة بأهل الجيش، وقاله اللخمي بلفظ المقاتلين.

الجزء: 3 - الصفحة: 140

الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: والفلفل والدارصيني يحتاجه لطعامه كالطعام.
وفي كون ذبح الماشية للأكل كالطعام طريقان: المازري والباجي: عن المذهب كالطعام، ورواه اللخمي، وتقدم نصها في الغنم والبقر.
محمد عن ابن القاسم: لهم أن يضحوا بالغنم، ولو أحرزت في الغنيمة، ولمن احتاج للحم أخذه من الغنم والبقر دون إذن، ويطرح الجلد في الغنيمة، فإنه لم يكن له ثمن؛ صنع به ما شاء.
وله عن ابن حبيب: إذا لم يقدروا على البقر ونحوها إلا بالعقر؛ فلهم ذلك، ويأكلون ما لم يبلغ العقر مقتله.
ابن بشير: في لحوق الماشية بالطعام قولان.
قلت: لا أعرف الثاني لأقدم منه.
الباجي: في كون ما ينتفع به ببقاء عينه كالفرس والسلاح والثوب كالطعام قول ابن القاسم وروايتا على وابن وهب.
اللخمي: قال مالك مرة: له أخذ الفرس يقاتل عليه، ويركبه حتى يقفل إلى أهله أو يرده للغنيمة، وألحق به ابن القاسم السيف والثوب.
وروى على وابن وهب منعه في الثلاثة، وأرى جوازه في الفرس والسيف للقتال بهما، ويردهما بانقضائه، ولا يقفل بهما، وإن كان القسم قبل القفول؛ كان عدم تأخيره أبين، وسهما الفرس له، وعليه أجر مثله، ولا ينتفع بالثوب بحال إلا أن يقوم عليه ليحاسب به.
قلت: في قوله: وعليه أجر مثله مع إجازته له أخذ نظر، وكذا في قوله في الثوب: إلا أن يقوم عليه ليحاسب به إن أراد كون التقويم دون إذن الإمام.
وفي رواية علي وابن وهب فيها: لو جاز ذلك؛ لجاز أخذ العين يشتري بها ذلك، ورده عبد الحق بأنه بغير العين مع بقاء عينها، وفي العين بعد إتلافها.
وفيها: لابن القاسم: لا شيء على مستقرض طعام ممن أصابه ببلد الحرب لمقرضه.
اللخمي: لو كان الطعام قدر حاجته أياماً، فأقرضه بعضه؛ ليأخذه وقت حاجته؛

الجزء: 3 - الصفحة: 141

فله ذلك، وعلى المعروف لو رده مستقرضه لتوهمه لزومه من طعام يملكه، ففي رجوعه به شرط قيامه أو مطلقا نقلا عبد الحق عن الجاري بمجالس بلده قياسا على قولها: من أثاب من صدقته؛ لظن لزومه، وبعض القرويين مفرقاً بأن رد الطعام بالجبر لمكان شرطه، وفي الصدقة طوعاً لعدمه، وصوب الصقلي الأول.
عبد الحق: ولو رده من طعام أهل الحرب؛ فلا رجوع له فيه مطلقاً، وفي جواز بدل القمح بالشعير بين أهل الجيش متفاضلاً نقلا اللخمي عن سحنون وابن أبي الغمر.
المازري: لو كان أحدهما من غير أهل الجيش؛ منع الربا.
وفيها: لا بأس بمنع من بيده قمح أو لحم أو عسل ما بيده آخر؛ صح بيده منها ما ليس بيد الأول حتى يعطيه ذلك مبادلة.
اللخمي: كره ابن حبيب بيع طعام ليشتري به طعاماً، ورأى الثمن مغنماً.
وقال سحنون عن بعض أصحابه: من باعه ليصرف ثمنه في كسوة أو سلاح، ولا شيء عنده؛ لا بأس عليه، كما لو أخذه من المغنم، فإن بلغ بلده؛ تصدق به، وإن كان ليتماثل ثمنه وله قدر؛ فهو مغنم.
الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن باع غاز طعاما من غير عاز بطعام أو علف؛ فلا بأس به.
وروى أشهب كراهته، ولا وجه لها.
وقيل لأشهب: أيدفع منه لمن يحجمه؟.
قال: لا أحبه بشرط.
وفي كتاب ابن سحنون: من أجر عبداً بطعام من الفيء؛ غرم قيمته، وجعلها في الفيء.
وسمع سحنون قول ابن القاسم وروايته: من باع طعاماً ممن يأكله ببلد الحرب، ثم علم بعد خروجه؛ رد للمغنم لا على المشتري، وإن رأى الإمام بيع الطعام لغنى الناس عنه ببلد الحرب وحاجتهم له ببلد الإسلام؛ فلا بأس به.
ابن رشد: لا خلاف في ذلك؛ لأن شرط إباحة الطعام الحاجة إليه.
وفيها: ما فضل من طعام بعد خروجه من بلد الحرب يتصدق بكثيره، ولا بأس

الجزء: 3 - الصفحة: 142

بأكله ليسيره.
اللخمي والباجي: إنما يتصدق به إن افترق الجيش وإلا رده للقسم.
ابن بشير: هو كمال مجهول مالكه يتصدق به على المشهور، ولو أوصى به بعد موته، فإن قرب أمره أو علم سببه؛ فمن رأس ماله وإلا فمن ثلثه.
قلت: لا أعرفه إلا في الغلول كما مر لابن حبيب، ويشبه زكاة العين والفطر.
ونقل الصقلي والبرادعي مسألة المدونة بلفظ: إذ خرج لبلده ومعه منه فضله.
وزاد الصقلي عن محمد: يتصدق منه حتى يبقى اليسير، فيكون له أكله مع أهله، ولهذا الأصل اعتبار في كثير نقص كيل ما بيع على التصديق وزيادته، وحط بعض الثمن في المرابحة، وحظ القليل المعتاد مما بلغ الثلث في الحوائح ونحو ذلك.
وسمع القرينان: من خرج بقربة أو عسل من بلد الحرب إلى بلده؛ لا بأس بأكله إن قل.
ابن رشد: هذا كقوله فيها.
العتبي عن أصبغ: من لت بأرض اتلحرب سويقه بإدام من المغنم، أو صبغ ثوبه منه، فخرج به لأرض الإسلام؛ لا شيء عليه فيما قل، وما كثر؛ كان شريكاً بقيمة ثوبه أو سويقه.
ابن رشد: هذا بين؛ لأن الصبغ واللتات غير قائمة في المرابحة والعيوب، والاستحقاق والسرقة، وغير ذلك، وفي مساواته بيسبر الصبغ بالإدام نظر؛ لأن له الخروج بيسير الإدام لا بما له من الصبغ ثمن، ولو قل لقوله صلى الله عليه وسلم: "شراك أو شراكان من نار".
وفيها: لا أرى بأسا لمت احتاج لجلود منالمغنم يأخذها يجعل منها نعالاً أو خفافاً

الجزء: 3 - الصفحة: 143

أو حزماً أو أكفاً.
وسمع ابن القاسم: جلود ما ذبحه الغزاة بأرض الحرب تطرح في المقاسم إن كان لها ثمن، وإلا فلا بأس أن يأخذوها.
ابن رشد: يريد: وإن لم يحتاجوا إليها على ما قاله أول الرسم، وإن كان لها ثمن؛ لم يجز لهم أخذها إن لم يحتاجوا لها؛ لأنه غلول، وإن احتاجه لها لشد قتب ونحوه فمنعه ابن نافع.
وروى ابن القاسم في المدينة: لا بأس بأخذهم إياه، ومثله في الواضحة، وهو ظاهر المدونة.
وسمع القرينان: لا بأس بأخذ الغازي ما احتاج إليه من غرارة وجلد وشيح.
قيل: إن أحدهم أتى بكبة خيط اشتراها بدانق طرحها في المغانم، ثم قال: هذا رياء.
ابن رشد: ما لم له من ذلك ثمن؛ فله أخذه إن احتاج إليه على ما في المدونة خلاف قول ابن نافع.
وفيها: ما نحته بأرض الحرب من سرج أو سهم، أو مشجب وشبه؛ فهو له ولا يخمس.
القاسم وسالم: وكذا ثمن ما صاده من طير وسمك وفخار صنعه.
وسمع القرينان: شجر شأنها بأرض الحرب خفيف إن جيء بها لرب المقاسم لا يقبلها، وتبلغ بأرض الإسلام ثمناً كثيراً؛ لا بأس بأخذها.
ابن رشد: اتفاقاً.
قلت: ذكرها المازري في القسم المختلف فيه.
ابن رشد: وما صنعه بأرض الحرب من سرج وسهام وما لا ثمن له إن قل؛ فلصانعه اتفاقاً، وإن كثر؛ ففي كونه كذلك أو فيئا، ثالثها: له أجر عمله، وباقيه فيء لأحد قوليها وسماع سحنون ابن القاسم وثاني قوليها.
قلت: عزا ابن حارث الأول لإحدى روايتي ابن نافع والشيخ لابن حبيب قائلاً

الجزء: 3 - الصفحة: 144

منه ما صيد من طير ووحش وحوت، لا الصقور ولا البزاة، وما يصاد به مما يعظم قدره.
وعزا ابن حارث الثاني لإحدى روايتي ابن نافع والثالث لابن الماجشون وأصبغ، وعزاه الشيخ لمحمد عن ابن القاسم قائلاً: وليس عليه قيمة الخشب؛ ليكون له السرج والتوابيت والرماح؛ لأن أجر عمله أقل والثمن أكثر، ولم يعزه التونسي، وقال: هذا على قول عبد الملك: من غصب خشبة، فعملها تابوتاً؛ لرب الخشبة أخذ التابوت حسن، وعلى قول ابن القاسم: يكون له قيمة المصنوع.
قلت: يجاب بأن الغازي غير غاصب، فصنعته واردة على غير مضمون له، فقوي بقاء ملك المصنوع على ما كان عليه قبل الصنعة، والغاصب ضامن، فوردت صنعته على مضمون له، فقوي سبب فوته ودخوله في ملك صانعه.
ابن رشد: وما له ثمن من مباح أرض العدو غير محوز لبيوتهم كالمسن والدواء من الشجر والطير التي يصاد بها إذا صيدت في كونه، كما لا ثمن له أو كطعام غنيمة قولا ابن عبد الحكم مع ابن وهب وابن حبيب مع نقله عن مالك وأصحابه، وسماع عيسى ابن القاسم.
وعبر الباجي عن قول ابن حبيب بأنه فيء.
ابن رشد: فلو صنع؛ فعلى الأول كالقسم الأول، وعلى الثاني في كونه فيئا، وإلا قدر قيمة عمله قولان.
وسمع ابن القاسم: أخذ العصا والدواء من أرض العدو لا بأس به، والرخام والمسن فيه شك؛ لأنه لم يصل ذلك الموضع إلا بالجيش فلا أحبه.
ابن رشد: تفرقته بين ما ينبت وما لا ينبت على ما فسر به ابن القاسم قوله في المبسوطة قول ثالث لا يعضده أصل، ولا بأس بأخذ ما لا ثمن له من ذلك اتفاقاً.
الشيخ عن ابن سحنون عنه: لا بأس بقبول أمير المؤمنين ما أهدى له أمير الروم وتكون له خاصة.
وقال الأوزاعي: هي للمسلمين، ويكافئ بمثلها من بيت المال.
سحنون: لا مكافأة عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 145

الشيخ عن ابن حبيب: إن غزا الأمير الأعظم أو أقام، فما أهدى له أهل الحرب أو بعضهم أو طاغيتهم لجميع المسلمين، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بما أهدي له خاص به، ولذا لما أهدت امرأة ملك الروم إلى زوجة عمررضي الله عنه جوهراً مكافأة لها في ربعه طيب أهدتها إليها أخذ عمر الجوهر، فرده للمسلمين، وأعطى زوجته ثمن الطيب.
الشيخ عن سحنون: وأمير الطائفة في قبول الهدية واختصاصه بها؛ كأمير المؤمنين إن كان الروم في منعه وقوة، وإلا فهي رشوة لا يحل قبولها.
الشيخ: عنه وعن أشهب ومحمد عن ابن القاسم: لا يقبلها أمير جيش من مسلم، أو ذمي تحت سلطانه، ويقبلها ممن ليس تحته من مسلم أو ذمي أو حربي، وهي له خاصة، وقال ابن حبيب.
وزاد: قال أهل العلم: لا يقبلها ممن في عمله من مسلم أو ذمي إلا من صديق ملاطف مستغن عنه.
وروى ابن نافع في السرية: ترجع بالفاكهة، فيهدي أهلها للإمام منها لا بأس باليسير منه، وتركه أمثل.
قلت: لعله؛ لأنهم لا يسوغ لهم إلا أكل اليسير والكثير يرد غنيمة، أو يتصدق به حسبما مر.
وسمع عيسى ابن القاسم: هدية العدو للإمام بأرض الحرب لجماعة الجيش؛ لأنها إنما تأتيه على وجه الخوف إلا أن يعلم أنها لقرابة أو مكافأة، فيختص بها، وأما الرجل من الجيش تأتيه الهدية؛ فهي له خاصة.
ابن رشد: لم يفرق بين إتيانها الإمام من الطاغية أو من حربي غيره، وذلك مفترق، إن أتته من الطاغية؛ فليست له اتفاقاً، وفي كونها غنيمة للجيش تخمس أو قيئاً لكل المسلمين؛ لا تخمس قولان لظاهر هذا السماع، والآتي على ما حكى ابن حبيب فيما أخذه والي الجيش صلحاً من الحصون ينزل عليها.
وإن أتته من حربي غيره، فروى أشهب: هي له خاصة إن كان الحربي لا يخاف منه، ولو أتته من طاغية أو غيره قبل أن يدرب في بلاد الحرب، فحكى الداودي أنها له خاصة، والصحيح المشهور المعلوم أنها فيء لجميع المسلمين، وما قبله صلى الله عليه وسلم من هدايا

الجزء: 3 - الصفحة: 146

عظماء الكفار ككسرى، والمقوقس صاحب مصر، ومالك ذي يزن والنجاشي وغيره خاص به؛ لأنها كانت تأتيه إجلالاً له لحرمته وهيبة النبوة، ورد صلى الله عليه وسلم على عياض بن حمار هديته وقال: "إنا لا نقبل زبد الكفار".
قيل: لأنه كان من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، فهم من العرب كالمجوس في العجم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، وغيره ممن قبل هديته كانوا أهل كتاب.
وقيل: كان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم﴾ الآية [الحشر:6]، وأما الرجل من الجيش تأتيه الهدية بأرض الحرب من بعض قرابته وشبه ذلك؛ فهي له اتفاقاً.
الشيخ عن محمد عن مالك وأصحابه: تقسم الغنيمة ببلد الحرب إذا بلغ مجمع عسكرهم وواليهم، ولا ينتظر القفول.
محمد: وليس ذلك للسرية قبل أن تصل لعسكرها.
وقال عبد الملك: وحده إلا أن يخضى من ذلك من السرية ضيعة بيدارهم الانصراف؛ فلواليها أن يبيع؛ ليحوط من اشترى متاعه، ويمضي البيع على من غاب من الجيش.
قلت: كذا ذكر الشيخ والباجي واللخمي انفراد عبد الملك بهذا، وإذا كان الأمر كما ذكر؛ فلا أظنه يخالفه فيه غيره.
الشيخ عن ابن حبيب: السنة قسم الغنيمة ببلد الحرب كفعله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده.

الجزء: 3 - الصفحة: 147

وينبغي أن يؤذن الناس بذلك ويواعدهم لمكان يأمن فيه من كرة العدو.
وفيها: الشأن قسم الغنائم ببلد الحرب كفعله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، وهم أولى برخصها، واستشكل بملزومية رخصها قلى كمية الإسهام، وملزومية عكسها عكسه.
وأجيب بتقرر ذلك في الخمس دون ملزوميته قلة الإسهام.
وفي الموازية: يقسم الإمام كل صنف على خمسة أسهم بالقيمة، ثم يسهم عليها، فيكتب في سهم منها الخمس أو لله أو لرسوله.
قال أبو عمر: فعله صلى الله عليه وسلم والأئمة، فيبيع الإمام للناس أربعة أخماسهم، وله بيع الجميع قبل القسم، ويخرج الخمس من الثمن.
قلت: إنما يتم تعليل مالك فيها ببيع الجميع حسبما مر.
ابن سحنون عنه: ينبغي بيع الإمام عروض الغنيمة بالعين ثم تقسم، فإن لم يجد من يشتري العروض قسمها أخماساً، ثم على الغانمين.
ابن حبيب: قال أهل العلم: ما أمكن قسمه قسمه إن شاء، وما لم يمكن قسم ثمنه مع ما غنم من ذهب أو فضة، وله بيع الجميع، وقسم ثمنه، ولا يبيع إلا نقداً إلا أن يكون ضرراً.
الباجي: في كون قسم الغنيمة ببيعها، وقسم ثمنها، أو بتخيير الإمام في ذلك، وقسم إعيانها قولا سحنون- قائلاً: إلا أن يجد للعروض مشترياً فيقسمها- ومحمد.
قلت: الأول ظاهرها.
ابن حبيب: وبيعها الإمام بيع براءة إلا من قام قبل القسم، وافتراق الجيش؛ فلا بأس أن يقبله الإمام ويبيعه ببيان.
الشيخ: هذا استحسان غير لازم للإمام؛ لأنه عند أصحابنا بيع براءة.
قلت: في عتقها الأول: في بيع ما أعتقه مدين لدينه بيع السلطان بالمدينة على خيار

الجزء: 3 - الصفحة: 148

ثلاثة أيام إن وجد من يبيعه وإلا أنفذه.
وصفة قسمها قال محمد: يقسم الوصفاء خمسة أقسام، ثم النساء المتقاربات كذلك، ثم الرجال كذلك.
اللخمي: يجوز قسمها على ما في المدونة في العبيد في الخير والثياب والأمتعة.
وقول محمد: فجعل الوصفاء بانفرادهم، والنساء كذلك حسن مع الكثرة.
وقيل: تجمع العبيد الذكور والإناث والصغار والكبار والمتاع في قسم واحد ابتداءً.
وقيل: إن لم يحمل كل صنف القسم، وما غنم مما ملكه كافر من مال مسلم يأخذه منه كرهاً إن حضر ربه قبل قسمه أخذه مجاناً.
ابن حارث: اتفاقاً، وإن عرف وغاب فطرق.
الشيخ عن سحنون: يوقف له، ولو كان بالصين.
محمد: إن كان خيراً لبه؛ بعثه بكراء، ونفقة فعله الإمام، وإلا وقف له ثمنه، ولزمه بيعه؛ لأنه بيع نظر.
اللخمي: إن لم يكن له حمل نقل إليه، وإلا فإن أتى أجر حمله على أكثره، أو لم يوجد من يحمله بعث له بثمنه، وإلا اكترى له عليه.
ابن بشير: في بيعه وبعثه في الروايات إشارة إلى خلاف فيه، وليس كذلك؛ بل ينظر الإمام لربه بالأصلح.
الباجي: روى ابن وهب فيما غاب ربه: إن عجز عن تسليمه له قسم.
اللخمي: لو علم البلد الذي أخذ منه؛ فظاهر قول مالك وابن القاسم قسمه.
البرقي: وعبيد إن وجد عليه: هذا لفلان بن فلان ككتان مصر وقف حتى يكشف عنه ببلده، فإن لم يعلم ربه؛ قسم ولو عرفه واحد من العسكر؛ لم يقسم.
قلت: عزا الشيخ الأول لسحنون، ولم يحك غيره، ولو جهل عين ربه؛ ففي قسمه ووقفه رجاء أن يعرف كاللقطة، فإن لم يعرف؛ قسم ثالثها حتى يأتي ربه لها.
وللخمي عن محمد والباجي عن القاضي، ولم ينقل أحدهما ما نقل الآخر، ونقلهما المازري، وعزا الثاني للمدونة، وعبر عن الثالث بوقفه كاللقطة مطلقاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 149

وفي أخذه ربه إن حضر بموجب الاستحقاق طرق، مقتضى نقل اللخمي عن المذهب ومحمد: بعثه لربه الغائب عدم يمينه.
المازري: كالاستحقاق في إثبات ملكه ويمينه.
ابن بشير: في وقفه عليه وأخذه إياه بمجرد دعواه مع يمينه قولاً ابن شعبان، والتخريج على ملك الغنيمة بالقسم لا بملكه قبله.
وفيها: ما أدركه مسلم أو ذمي من ماله قبل قسمه أخذه بغير شيء، وهذا يبين لك الحق في قول ابن عبد السلام: عبارة ابن الحاجب: وإذا ثبت أن في الغنيمة مال مسلم أو ذمي مخالفة لعبارة أهل المذهب: إن عرف ربه؛ لأن لفظ الثبوت إنما يستعمل فيما هو سبب للاستحقاق كالبينة ولفظ المعرفة، والاعتراف فيما دون ذلك.
وسمع أبو زيد ابن القاسم في عبد نصراني أبق من ربه النصراني لأرض الحرب، فأسلم بها، ثم غنمه المسلمون: هو حر لا يقسم.
ابن رشد: هذا خلاف أصل المذهب في مساواة مال المسلم الذمي، ولو باع الإمام ما عرف ربه؛ فعبارتان.
الشيخ: إن باعه جهلاً أو عمداً؛ ففي أخذه مجاناً أو بثمنه قولا ابن القاسم وسحنون محتجاً بأنه قضاء بمختلف فيه، وهو قول الأوزاعي.
ابن محرز: إن باعه جهلاً أو تأولاً؛ ففي أخذه ربه مجاناً أو بثمنه نقل ابن محرز عن بعض أصحابنا وابنه محتجاً بما تقدم، وتعقبه ابن محرز بأن حكم الحاكم جهلاً أو قصداً للباطل يوجب نقضه، وإن وافق قول قائل؛ لأن حكمه كذلك باطل إجماعاً.
الصقلي عن أشهب: ما علم ربه، وقدر على إيصاله له دون كبير مؤنة كعبد وسيف، فباعوه لأنفسهم؛ له أخذه مجاناً.
وعن ابن حبيب: ما بيع وربه معروف لغيبته؛ أخذه مجاناً، وما أدركه ربه مما بيع أو قسم لجهله؛ ففي أولوية ربه به بعوضه وفوته معروف المذهب، ونقل ابن زرقون رواية أبي القاسم الجوهري، وعلى الأول قال الباجي: ما قسم دون بيع؛ أخذه ربه بقيمته.
قلت: يوم القسم، ووجه معروف المذهب بأن بيعه الإمام، وقسم ثمنه ليس إبطالاً لحق ربه، ولو حكم بإبطاله؛ ففي منع ربه أخذه قولاً سحنون وابن القاسم.

الجزء: 3 - الصفحة: 150

أبو عمر: ما تغير بنقص أو زيادة كباق بحاله؛ لأنه مستحق بسبب قديم كالشفعة.
وفيها مع غيرها: مال الذمي في ذلك كالمسلم.
العتبي عن أصبغ: لو هرب عبد من مغنم، فغنمه جيش آخر؛ رد للأول مجاناً، ولا يخمس مرتين إلا أن ينفلت قرب أخذه قبل استحكام الغنيمة؛ كانفلاته من رباط وانسلاله مختفياً.
ابن سحنون عن ابن القاسم: لو لقي العدو مسلماً، فخافهم فصالحهم على سلاحه ودابته، ثم غنم ذلك؛ فهو لغانمه لملك الحربي إياه.
الشيخ: رآه فداءً.
سحنون: وكذا لو صالح أهل حصن عدواً على تسليمه، وتسليم الكراع والسلاح، فأخذوه وبعدوا به إلى بلدهم ثم غنم.
ولو غنمت سرية غنيمة عدو غنيمة سرية قبل قسمها؛ فطريقان.
الشيخ: في كون الغانمة أخيراً أحق بها، أو الأولى نقلاً سحنون مصوباً الثاني قائلاً: لو كان بعد قسمها الأولى؛ فهي أحق اتفاقاً.
ابن حارث: في كون الآخرة أحق بها أو الأولى ثالثها: إن لم تكن وصلت الأولى بها لمأمنها، ورابعها: إن كان العدو الذي غنمها من الأولى هو من غنمتها منه، أو غيره ومذهبه؛ ردها لأربابها لأول قولي سحنون، وثانيهما أول قولي ابنه وثانيهما.
قلت: بناءً على ملك الغنيمة بمجرد الحوز أو مع القسم، وما أهداه ربه لعدو أو باعه منه، ثم غنم؛ لم يرد له.
ابن بشير: ولو غصب ثمنه.
والفرس يوجد في مغنم في فخذه حبس: في قسمه وتركه حبساً نقل الشيخ عن العتبي عن أصبغ مع سحنون وعن ابنه قائلاً: وكذا لو لم يكن في فخذه إلا فيه؛ فهو حبس إن استوقن أنه من خيل الإسلام.
ابن حبيب: وسلاح المسلمين يوجد في المغنم؛ كمتاع يوجد فيه فما عرفه ربه أخذه ومنع بيعه؛ لأن برميه صار كالحبس، وصوب سحنون قول يحيى: ما أدركه من دنانير ودراهم، وتبر له أخذه، وقسمه فوت، لأنه إنما يعطى مثله.

الجزء: 3 - الصفحة: 151

ولو تعدد بيع ما ربه أحق به بثمنه فطرق: ابن محرز والشيخ: في أخذه بأي ثمن شاء، أو بالأول قولاً سحنون وابن القاسم، وإليه رجع سحنون، وفرق بينه وبين الشفعة بأنه لو سلم البيع الأول في الشفعة لم يمنع أخذه بالثاني، ولو سلم البيع الأول فيما غنم منعه.
اللخمي: قولان، ويتخرج فوته بالبيع الثاني على فوته به فيما اشتراه مسلم من حربي ببلده من مال مسلم.
قلت: قد يرد بأنه ابتيع ممن لو أسلم عليه؛ لم يؤخذ منه بحال بخلاف ما غنم، ثم رأيت لعبد الحق: فرق بعض القرويين بأن ما بيع في المقاسم أخذ من العدو قهراً، فكان أقوى في رده لربه بخلاف ما أخذ منه طوعاً، ونحوه لابن بشير.
ابن رشد: في قصر حق ربه على فضل ما بين الثمنين، وأخذه بالثمن الأخير، أو بأي ثمن شاء، رابعها: بالثمن الأول للتخريج من قوله.
فيها فيمن قدم بعد مسلم اشتراه من حربي بدار الحرب وقول الغير فيه، ولابن القاسم مع ابن الماجشون، وأحد قولي سحنون وسماعه ابن القاسم، وسمعه سحنون لو تعدد بيعه، ثم سبي ثانية، فوقع في سهم رجل: فالمسبي منه أخيراً أحق به بما وقع به في سهم من هو بيده، فإن تركه؛ فللمسبي منه أولاً أخذه بذلك لا بما وقع به في القسم الأول؛ لأن الملك الثاني أحق به من الأول.
ابن رشد: في أكثر بدل: (إن تركه): (إن أخذه)، وكذا نقله التونسي، ووجهته بأنه إن أراد أن ما فداه به الثاني لغو، كما لو فداه ممن جنى عنده، ويأخذه الأول بما أخرج هذا فيه في القسم الأول؛ فله وجه.
ابن رشد: وهذا لا يستقيم على نص المسألة؛ فهو غلط في الرواية، والصواب لفظ: إن تركه.
قلت: نقله الشيخ بلفظ الأكثر ولم يتعقبه، ونقله الصقلي به وتعقبه بقوله: إذا كان للأول أخذه من الثاني؛ فلا معنى لقوله: الثاني أحق به؛ بل صار الأول أحق به.
ابن رشد: وقيل: الأول أحق به، وعليه، ففي أخذه بالأكثر مما وقع به في القسمين يبدأ فيه ما أخذ به في القسم الثاني، فما فضل كان لما أخذ به في القسم الأول، أو بما وقع

الجزء: 3 - الصفحة: 152

به في القسمين معاً قولا سحنون ومحمد.
الشيخ عن الموازية: لو ابتاعه رجل من المغنم بمائة، فسبي، فغنم، فابتاعه آخر بخمسين؛ لم يأخذه ربه إلا بمائة لمبتاعه الأول، وخمسين لمبتاعه الثاني، فإن تركه؛ فلمبتاعه الأول أخذه بخمسين، فإن تركه للثاني؛ فلربه أخذه منه بخمسين، ولو أخذه المبتاع الأول من الثاني بخمسين؛ لم يأخذه منه ربه إلا بمائة وخمسين، ويستشكل أخذه ربه من المبتاع الأول بعد تركه؛ لأنه كشفعة تركها.
ويجاب بان تركه أولاً لرجائه تركه المبتاع الأول، فيأخذه بخمسين فقط، فصار كشفعة تركت لثمن بان أنه أقل، وله عن كتاب ابن سحنون عن أشهب: لو ابتاعه رجل من المغنم بمائة، فسبي، فغنم، فابتاعه آخر بخمسين، فغنم، فابتاعه ثالث بعشرة؛ فلربه أخذه بمائة يبدأ فيها الأخير ثم الثاني، فيبقى منها للأول أربعون، ولو كان على العكس؛ أخذها الأخير، وسقط ما قبله، ولو أسلمه ربه؛ فالأخير أحق به.
ابن رشد: لو جنى عند ربه، فسبي، فغنم، ففي أخذه ربه بالأكثر مما وقع به في المقاسم والأرش أو بهما التخريج على قولي سحنون ومحمد.
قلت: للشيخ عن كتابه: لو كان جنى قبل سبيه جنايتين على رجلين؛ لم يأخذه ربه إلا بالأرش، وبما وقع به في المغانم، فإن تركه؛ فلمبتاعه فداؤه بالأرش.
وقيل: المجني عليهما أحق به بدفع ما وقع به في المغانم يغرمانه على قدر محاصتهما فيه بأرشيهما، وليس لأحدهما أخذ مصابه منه بما ينوبه، وله أخذ جميعه إن سلم صاحبه منابه، ولو فداه أحدهما دون علم صاحبه؛ فله الدخول عليه فيه، ولو لم يعترفه ربه حتى فدياه؛ فهل أخذه بما فدياه وأرشيهما أو مصابة أحدهما فقط بما ينوبه من ذلك.
الشيخ عن سحنون: لو وقع في مغنم مأذون له مدين جان؛ فلربه أخذه بأكثر ما وقع به في القسم والأرش نفع يبدأ به ما وقع به.
الشيخ: تقدم لابن القاسم غيره.
وعن يحيى: ديته وجنايته خطأ لا يلحقانه وجنايته عمداً لا تبطل.
سحنون: تفرقته بين الجنايتين تناقض، والدين لا يسقط من ذمته.
قال: ووقوع العبد الرهن في المغانم كجنايته، إن فداه ربه؛ بقي رهناً، وإلا

الجزء: 3 - الصفحة: 153

فللراهن فداؤه يقدم فيه بفدائه على ما هو رهن فيه.
أو الولد: الشيخ عن سحنون والباجي واللخمي عن المذهب: إن عرفت في مغنم؛ لم تقسم.
اللخمي: إن قسمت بعد معرفة أنها أم ولد؛ أخذها ربها مجاناً، وقبله.
قال الباجي: في الموطإ: يفديها الإمام.
وقال ابن القاسم وغيره من أصحابنا: يفديها ربها جبراً، وعزاه اللخمي لها.
ابن بشير: بناءً على تغليب حكم الحرية أو الرق، وعلى خطأ الإمام في القسم هل يوجب غرمه أم لا؟.
وفي فدائه بثمنها إن ابتيعت في مغنم، أو من حربي، أو بالأقل منه، أو من قيمتها قولها مع الشيخ عن محمد، وسحنون، وأصبغ، وابن وهب، وابن القاسم، ورواياته، وأشهب مع المغيرة، وعبد الملك قائلاً: من هي بيده أحق بما في يد ربها من غرمائه، ولو كان عديماً؛ اتبع بما يجب عند قائله فيها وفي غيرها.
قلت: للشيخ في آخر فصل المدبر عن محمد عن ابن القاسم: يأخذها ربها بقيمتها، ولم يفسرها بالثمن وتبعه الصقلي.
اللخمي: روى ابن وهب وأشهب: إن أعتقها مشتريها؛ أخذت منه مجاناً.
سحنون: هذا إن أعتقها عالماً أنها أم ولود، وإلا فكما لم يعتقها، ولو أولدها أخذها ربها بالثمن، وقاصه بقيمة ولدها على أنه ولد أم ولد.
الشيخ عن سحنون: لو تكرر سبيها وشراؤها؛ فربها أولى بها بأكثر أثمانها يبدأ فيه مبتاعها أخيراً.
قلت: في قوله: أولى بها؛ نظر، والصواب: فعليه فداؤها.
سحنون: والشيخ في آخر فصل المدبر: عن ابن سحنون: قلت: روي عن أشهب: إن أسلم عليها حربي؛ ردت على ربها.
قال: لا أعرفه لأحد من أصحابنا، وهو غلط عنه، ولو أسلم عليها حربي؛ أخذها ربها بقيمتها.
ولو مات ربها قبل أن يعلم بها؛ عتقت، ولم تتبع بشيء بخلاف الجناية.

الجزء: 3 - الصفحة: 154

قالوا: لأنها فعلها، ولا يرد بما لو أبقت للعدو؛ لأن سبب الغرم وقوعها في المغنم، والمعتبر السبب المباشر.
وقول ابن بشير: (لو مات ربها قبل الفداء فهل تتبع بشيء أم لا؟؛ لأنها تخرج بموت سيدها حرة)، يقتضي أن في ذلك خلافاً، ولو ماتت بيد من صارت له؛ فلا شيء له كالجناية، ومن وطئ أمة، فسبيت، فغنمت ومعها ولد ألحقته به، فإن لم يدع استبراءها؛ صارت له أم ولد، ويجبر على فكاكها إن ثبت أنها ولدته، وربما بان لي أنها مصدقة فيه، ولا قيمة عليه فيه كحر وقع في مغنم، وإنما يلزمه إذا فدي به من العدو، وما فدى به.
قلت: كذا ذكره الشيخ ولم يتعقبه، والمعروف أن الأب لا يلزمه ما فدى به ابنه، والصغير لا يلزمه غير ما جنى، وليس فداؤه بجناية.
سحنون: وإن ادعى استبراءً لم يلحقه، وهي أمة غنمت.
وفي كون ولدها فيئاً لا تباع دونه أو كعبد له غنم قولا أشهب وابن القاسم مع غيره، ولو وطئها، ثم سبيت، فوطئها علج أسلم عليها، فإن وطئها بعد ما فيه استبراؤها فالولد له، وإن وطئها في طهر وولدته لما يشبه أنه منهما دعي له القافة إن ألحقته بربها، فكها ممن أسلم عليها، وإن ألحقته به؛ فهي أم ولده، وإن أشركتهما فيه، فقال ابن القاسم: يوالي إذا كبر من شاء منهما.
وابن الماجشون: يدعى له قائف أبداً حتى يخصه بأحدهما.
المعتق لأجل: الشيخ عن سحنون واللخمي عن المذهب: إن عرف ربه وقف له، وإلا جعلت خدمته في المغنم، فإن جاء ربه؛ خير في فدائها وإسلامها لمشتريها.
اللخمي: إن استخدمه مشتريه للأجل؛ خرج حراً، ولا شيء لربه، وإن أتى بعد نصف خدمته؛ هير في الباقي، ولو بيعت رقبته، ثم علم به؛ فلربه فداؤه، فإن تركه؛ صار حق مشتريه في خدمته يحاسب بها في ثمنه، ويخرج حراً، ومثله للشيخ عن كتاب ابن سحنون، ولو حل أجله قبل استيفائه؛ ففي اتباعه مبتاعه بثمنه، نقل الشيخ روايتي محمد وأبي زيد عن ابن القاسم، وإليها رجع مع الصقلي عن محمد.
وقال اللخمي: يختلف في اتباعه؛ كحر بيع في المغنم، ولو استوفاه قبل أجله؛

الجزء: 3 - الصفحة: 155

فللصقلي مع الشيخ عن سحنون: رجع لربه.
اللخمي: يختلف فيه.
ابن الحاجب: إن قسم، فأسلمه ربه؛ كان إسلاماً لخدمته فقط إلى أجله فقط.
وقيل: إلا أن يستوفي ثمنه قبله، فيرد لربه، فإن بقي شيء؛ ففي اتباع العبد به قولان فقبله ابن هارون.
وقول ابن عبد السلام: نقله أخذ جميع خدمته، ولو زادت على ما وقع به في القسم، ونقله اتباعه بما بقي من ثمنه إن خرج حراً خلاف نقل الأشياخ تخصيص هذين القولين بما اشترى من العدو دون ما وقع في القسم يرد بأن الأول حكاه اللخمي فيما بيع بلفظ يختلف حسبما مر، والقول الثاني فيه حكاه الشيخ، واللخمي، والصقلي، ونقله عن الأشياخ.
وذكر القولين فيما اشترى من العدو لا أعرفه؛ بل نقل الخمي: لو فداه رجل من العدو، وأسلمه ربه، وانقضى الأجل؛ اتبع بباقي فدائه قولاً واحداً؛ لأن الحر هنا يتبع بما فدي به.
سحنون: ولو أعتقه من وقع في سهمه؛ ففي لغوه مطلقاً، أو إن كان ما أخذه به أقل من خدمته.
نقل ابن سحنون عن بعض أصحابنا وأبيه.
الصقلي مع الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن أعتقه مشتريه من مغنم نقض عتقه، وأخذه ربه بقيمته، وإن كان عديماً اتبع به ديناً.
أصبغ: ليس له نقضه، ولو فداه رجل من حربي؛ خير ربه، فإن تركه؛ صار حق فاديه في خدمته، فإن حل أجله عتق، وفي اتباعه بكل ما فداه به، أو بما بقي منه بعد الخدمة نقلا الصقلي عن سحنون ومحمد، وعليهما لو استوفى فداءه منها قبل أجله، ففي كون باقيها له أو لربه قولاهما.
سحنون: ولا يتبعه ربه بما به فداه أو خدمته.
الشيخ عن ابن سحنون عنه: من فدى معتقة لأجل فأولدها، فإن فداها ربها قاصه في فدائها بقيمة ولدها على أنه ولد أم ولد.

الجزء: 3 - الصفحة: 156

الصقلي: كذا وقع في النوادر على أنه ولد أم ولد، وصوابه: ولو معتقة لأجل.
سحنون: وإن أسلمها؛ فعلى الواطئ قيمة ولده، وكذا لو أولدها من أخذها في قسم، ولو أسلم عليها حربي ملك خدمته، ولا خيار لربه، ولو أسلم على معتقة لأجل، وأولدها غرم قيمة ولدها على أنه معتق لأجلها.
قلت: هذا منه نص في صحة تعقب الصقلي قوله على أنه ولد أم ولد.
ابن سحنون: قلت له: كيف يغرم قيمة ولدها، وقد ملك منها ما كان يملك ربها قال: لم يملكها ملكاً تاماً.
سحنون: ولو قتلت؛ فقيمتها لمن أسلم عليها.
قلت: هذا يوجب تمام ملكه إياها.
قال: وولدها من غيره مثلها في الخدمة.
المدبر يقع في المغنم: في تدبيرها: إن عرف ربه؛ رد له.
الشيخ عن سحنون: إن جهل جعلت خدمته في القسم، وفي كتاب آخر: توقف خدمته لافتراق الجيش، وإنما تتم الشهادة فيه بقولهم: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده دبره، ولم نسألهم عن اسم ربه، أو سموه ونسيناه.
قلت: وكذا في أم الولد والمعتق لأجل.
الصقلي عن الشيخ: يريد سحنون بجعل خدمته في القسم: أنه يؤاجر بقدر قيمة رقبته تجعل في القسم، أو يتصدق بها إن افترق الجيش، فإن تمت خدمة إجارته؛ صار خراجه لقطة.
وفيها: إن قسم لجهل تدبيره؛ فلربه أخذه بالثمن، فيعود لحال تدبيره، فإن تركه؛ قدم من صار له فيما أخذه فيه.
وقول اللخمي: المشهور بقاء تدبيره، ولابن القاسم: أنه رق لمشتريه بخلاف نقل ابن حارث الاتفاق على بقاء حكم تدبيره، ونقله عن محمد: إن أسلم ربه، فخدمته حياة ربه خلاف نقل ابن حارث الاتفاق على رجوعه لربه إن استوفى مشتريه من خدمته ما يجب له، فإن عتق كله أو محمل الثلث منه لموت ربه.
ففي اتباعه بباقي ما أخذ به قولا ابن القاسم وغيره فيها مع الصقلي عن محمد عن

الجزء: 3 - الصفحة: 157

ابن الماجشون: وما رق منه لمن هو بيده لا حق لوارث مدبره فيه بخلاف الجناية، ففرق الصقلي بما حاصله أن المشتري دخل على ملك رقبته، فوجب ملكه ما صح ملكه فيها، وفي الجناية لم يتعلق حق المجني عليه إلا بالخدمة دون قصد دخول على ملك الرقبة، فلم يتعلق بها إلا أن يسلمها وارثها.
ثم قال: يحتمل كون تفرقته اختلاف قول: ولو اشترى من بلد الحرب، وأسلمه ربه؛ ففي اتباع ما عتق منه بجميع ثمنه أو بباقيه عما اختدمه فيه نقلا الصقلي عن ابن سحنون عن ابن الماجشون ومحمد عنه.
سحنون: لو أسلم حربي عليه ملك كل خدمته، وما رق منه بموت ربه، ولو بدين استغرق كل ماله، ولا يتبع ما عتق منه بشيء.
ولو حملت مدبرة ممن أسلم عليها، أو ابتاعها من حربي، أو مغنم؛ صارت له أم ولد، وبطل تدبيرها، ولو دبرها من ابتاعها من حربي، فإن فداها ربها؛ بقيت مدبرة له وبطل الثاني، وإن تركها له؛ بقيت تخدم مبتاعها، فإن مات الأول وحملها ثلثه عتقت، وتبعها الثاني بكل ما فداها به؛ لا يسقط عنها بعتقها في ثلثه، ولو لم يقبضه؛ لأنه حكم تم، ولو استغرق تركة الأول دين عليه؛ بقيت مدبرة على الثاني، إن عتقت في ثلثه تبعها وارثه بكل ما فداها به، وإن عتق بعضها تبع وارثه ما عتق منه بحصته، ولو عتق نصفها في ثلث الأول؛ تبعه الثاني بنصف الثاني، وبقي نصفها مدبراً له يعتق في ثلثه، ويتبع ببقية الفداء.
الصقلي: قوله: يتبع بكل الفداء على روايته عن ابن الماجشون، وعلى رواية محمد عنه إنما يتبع بما بقي بعد محاسبته بما أخذ في قيمتها.
سحنون: لو دبرها من صارت في سهمه؛ بطل تدبيره، ولو أسلمها ربها؛ لأنه إنما أسلم خدمتها تحسك في ثمنها.
الشيخ عن ابن سحنون: يلزم عبد الملك إجازة تدبيره إياها؛ لأنه يرى خدمتها له إن تركها ربها مدة حياته.
سحنون: ولو أسلم عليها حربي، ثم دبرها؛ جاز واختدمها دون ربها، فإن مات دون ربها؛ عتقت في ثلثه، ولم تتبع بشيء كحر أسلم عليه، وإن حمل بعضها؛ فباقيها

الجزء: 3 - الصفحة: 158

مدبر على الثاني يعتق في ثلثه، ولا يتبع بشيء، وإن استغرق دينه تركته؛ بيع لغرمائهن ولو مات من أسلم عليها أولاً؛ عتقت في ثلثه، ولم تتبع بشيء، وله ولاؤها، وإن أحاط دينه بتركته؛ بقيت بيد وارثه لموت الأول، فتعتق في ثلثه، وما عجز عنه ثلثه؛ رق لوارث من أسلم عليها.
محمد عن ابن القاسم: لو أعتقها مبتاعها من مغنم؛ نفذ عتقه.
ابن سحنون عنه: لو جنى، ثم أسر، فغنم، فوقع في سهم رجل؛ فلربه أخذ خدمته بالأكثر مما وقع به في القسم والجناية، ثم يفعل ما ذكرنا في العبد، فإن تركه؛ فللمجني عليه أخذه بما وقع به في القسم يختدمه به أولاً، ثم به بالجناية، فإن استوفاهما؛ عاد لربه، وإن مات ربه؛ تبعه المجني عليه في عتق كله في ثلث ربه بباقي ذلك، وفي عتق بعضه بمنابه من ذلك، ورق له باقيه، فإن تركه المجني عليه؛ اختدمه من صار في سهمه بما صار عنه فيه، فإن استوفاه؛ عاد للمجني عليه يختدمه في جنايته إن استوفاها عاد لربه، وإن مات ربه قبل استيفائه مع ما وقع به في سهمه تبعه في عتق كله بباقيه، والمجني عليه بالجناية.
وفي عتق بعضه بمنابه منهما، ورق باقيه لمن هو بيده، ولو استوفى من وقع في سهمه ما وقع به فيه، ومات ربه بعد أخذه المجني عليه تبعه في عتق كله بباقي الجناية، وفي عتق بعضه بمنابه منها ورق له باقيه، ولا خيار لوارث ربه فيما رق منه في الجميع.
والمكاتب: فيها: إن غنم؛ رد لربه، ولو كان ذمياً، غاب أو حضر، وإن جهل؛ بيعت كتابته يؤديها لمن صارت له؛ ليخرج حراً وولاؤه لربه، وإن عجز؛ رق لمن صارت له.
زاد ابن سحنون: والشهادة بأنه مكاتب كما مر في المدبر، وشهادة السماع فيه لغو.
الصقلي: لو أتى ربه بعد قبض مبتاع كتابته بعضها، ففي كون حقه في أخذ باقيها بالجزء المسمى للخارج من تسمية قيمته من قيمتها، لا من تسمية عدده من عدد كتابته من ثمنها، أو في أخذه مع ما قبض منها بكل ثمنها؛ لأنها كعرض بيع قولا بعض فقهائنا، وبعض أصحابنا عائباً الأول، ورجحه الصقلي بأن مبتاعها أدى مالاً عاجلاً في مؤجل لرجاء ربح فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 159

ولو مات عن مال؛ ففي أخذ ربه فضله عن صمنها، أو ثمن الكتابة معجلة لمبتاعها، نقل الصقلي عن بعض أصحابنا قوله: محتجاً بأنه لو لم يترك شيئاً خاب مبتاعها، ومن عليه التوى له النماء.
قلت: وقد قال مالك: لو مات مكاتب بيعت كتابته قبل أدائها؛ فماله لمبتاعها؛ لأنه لو عجز رق له، فلو قيل في المبيع في مغنم: لم أعبه؛ لأنه لو عجز رق له، وقد مات؛ فلا يكون ربه أحق به.
قلت: يفرق بما أوجب خيار ربه في أخذه دون ما باعه ربه، ولو بيع في مغنم أو ابتيع من عدو، ثم قل ربه؛ ففي البداية بتخييره في فدائه بذلك؛ ليبقى مكاتبه، وفي إسلامه؛ فيلزم المكاتب أداء ذلك؛ ليبقى مكاتبه وإلا عجز، والبداية بإلزام المكاتب ذلك وإلا عجز، ثم خير ربه في إسلامه عبداً، أو فدائه بذلك كالجناية، ثالثها: يخير ربه في فدائه بذلك، وإسلامه لمبتاعه مكاتباً إن عجز؛ رق له وإلا عتق، ورابعها: إن ابتيع من حربي وسلمه ربه، فإن ودى المكاتب ثمنه لمبتاعه؛ رجع مكاتباً لربه، وإلا رق لمبتاعه، وإن اشترى من مغنم، وسلمه ربه؛ بقي على كتابته يؤديها لمبتاعه إن عجز رق له، لابن يحنون عن أول قوليه، وثانيهما مع ابن القاسم: وقولٍ وجده له ابنه قرأه عليه فخطأه، وللصقلي عن رواية محمد.
الشيخ عن ابن حبيب: أجمع مالك والمغيرة: إن فدى أو بيع في قسم فكما لو جنى.
سحنون: إن أسلم حربي عليه؛ فله كتابته ورقبته إن عجز، وإلا فولاؤه لربه، ولو كان معه مكاتب آخر بيد ربه؛ خير ربه، ومن أسلم عليه على بيع أحدهما كتابة من بيده من الآخر ليصيرا في أداء واحد، أو بيعهما من مبتاع، وأخذ يقسم ثمنها بقدر قيمته، وقوتهما على الأداء إن عجزا رقا، وإلا فولاؤهما لربهما.
والموصى بخدمته مدة ثم هو لآخر: قال سحنون: إن بيع في مغنم؛ فللمخدم أخذه بالثمن، إن تمت خدمته؛ بقي له إن لم يفده منه الآخر بالثمن.
ابنه: لو سبى عبد حبس في ثمنه، فغنم، فصار في سهم بمائة؛ فلبائعه أخذه بها، ولمبتاعه أخذه بثمنه الأول فقط؛ لأنه لو مات؛ ضمنه بائعه، فإن تركه؛ فلمبتاعه أخذه بأكثر ثمنيه يبدأ فيه آخرهما، فإن تركه؛ فلا شيء عليه لبائعه كموته.

الجزء: 3 - الصفحة: 160

قال: هذا على قول سحنون وبعض أصحاب مالك.
قال سحنون: وعلى قول ابن القاسم: إن ضمانه من مبتاعه يغرم ثمنه الأول وهو في فدائه بالخيار.
وفيها: قلت: إن صارت جارية في سهم رجل يعلم أنها لرجل مسلم أيطؤها في قول مالك؟.
قال: لم أسمعه، وسمعته قال: من أصاب جاريةً أو غلاماً في مغنم، ثم علم أنه لرجل مسلم إن علم؛ رده له؛ يريد: يخيره فيه، فهذا يدل على أنه لا يطؤها.
وفيها: فإن ابتاعها من حربي بدار الحرب أو الإسلام؛ لم أحب له أن يطأها.
ابن محرز: يجيء على منع وطئها حتى يعرضها منع مشتري ما فيه شفعة الإحداث فيه حتى يعلم الشفيع إن جهل شراءه.
ابن بشير: في منعه قولا المتأخرين بناءً على صحة القياس على الجارية، واعتبار الفرق بتأكد حرمة الفروج.
ابن عبد السلام: في كلامه قصور؛ لأن مسألة المدونة عامة في الجارية والعبد والعرض؛ ولذا قال ابن الحاجب: من صارت إليه جارية أو غيرها، وعلم أنها لمسلم معين؛ لم تحل له حتى يخير صاحبها.
وفيها مع ابن سحنون عن ابن القاسم وغيره: من وقعت في سهمه أمة، فأعتقها أو أولدها؛ فقد فاتت.
وقال أشهب: لربها أخذها كمستحقة، ورجع عنه ابن القاسم للأول.
الشيخ عن محمد عنه: الأول بزياده الكتابة والتدبير كالعتق.
اللخمي: العتق لأجل كناجز.
ابن بشير: إجراؤه عليه بعيد لتأخره.
قلت: قول ابن القاسم في الكتابة والتدبير يرده ومقتضى قوليهما.
وقول ابن عبد السلام: انظر لو كاتبه أو دبره؛ عدم وقوفهم على قول ابن القاسم في الكتابة والتدبير.

الجزء: 3 - الصفحة: 161

والمسلم والذمي يباعان في الغنيمة خطأ لصمتهما فيهما طرق: ابن رشد: إن عذرا لجهل؛ لم يتبعا اتفاقاً، وإن صمتا عالمين أن الرق يلزمهما ففي غرمهما ثمنهما إن فات القسم، وعدم من يرجع عليه سماع عيسى ابن القاسم ذلك في الكبير والكبيرة، ولسحنون مع رواية يحيى ومحمد قائلاً: ولو كانا ذميين، ولم يقل أحد من أصحابنا بغرمهما إلا أشهب.
ابن رشد: مثله سماع عيسى ابن القاسم في الرجل والمرأة يباعان مقرين بالملك يتبعان بثمنهما ديناً إن مات بائعهما أو فلس، بناءً على التضمين بالغرور بالقول ونفيه، ولسماع عيسى هذا التزم الموثقون في بيع البائع من الرقيق إقرارهما بالرق لبائعهما ليتبعا ثمنهما إن استحقا بحرية ثبت عليهما بها في موت البائع أو فلسه وهو ضعيف؛ إذ لا فائدة له على رواية يحيى، وقولي محمج وسحنون.
قلت: ليس شرط الفائدة كونها في متفق عليه، ولا سيما إن كان حصولها بقول مشهور.
ابن بشير: إن جهل أمر مسلم، أو ذمي بيع في مغنم؛ ففي عدم اتباعه بثمنه ثالثها: إن كان ذا جهل وغفلة بحيث يعذر في سكوته.
اللخمي: ثالثها: إن كان صغيراً أو كبيراً قليل الفطنة أو عجمياً يظن أن ذلك رق له، لسحنون عن أشهب، ومحمد عن أحد قولي ابن القاسم مع مالك وسحنون، وثاني قولي ابن القاسم: وهذا إن افترق الجيش، وكانوا لا يعرفون؛ لكثرتهم، وإلا تبعهم المشتري، أو من وقع ذلك في سهمه.
وعن ابن القاسم: ينبغي للإمام- إن لم يعرفوا- أن يغرم لمن وقع في سهمه من الخمس أو بيت المال.
وقال سحنون: لا يعطى من خمس ولا بيت مال.
قلت: لابن محرز عنه: إن كان الغانمون نحو عشرة؛ رجع عليهم، ثم قال اللخمي: لا يختلف ألا يرجع على الصبي، وأرى غرم الإمام خمس الثمن من خمس الغنيمة، ومن بيت المال إن فات.
ابن مسلمة: على الإمام غرم الثمن من الفيء أو الخمس.

الجزء: 3 - الصفحة: 162

ابن محرز: هذا على أن ما أخطأ فيه الإمام من مال لا يغرمه، وفيه اختلاف.
قال: وما أخذه ربه من مبتاعه من مغنم عهدته عليه كالشفيع على المبتاع، وفيه عهدة الثلاث والسنة، ولا مواضعة عليه في الأمة إن أخذها ربها منه قبل مدة الاستبراء، وهي حينئذ كذات الزوج والمعتدة والمغتصبة.
وسمع ابن القاسم معها لرب ما ابتاعه مسلم من حربي بأرضه أخذه.
ابن رشد: اتفاقاً.
ابن القاسم: يريد بثمنه: وهو مصدق فيه إن لم يستنكر بحيث يستدل على كذبه فيأخذه بقيمته.
ابن رشد: تفسيره: إن لم يدع ربه معرفة ثمنه صدق فيما يشبه دون يمين، وفيما لا يشبه بها، وما لا يشك في كذبه بقيمته يوم اشتراه حيث اشتراه، وإن جهلت به فبأقرب محل له، وإن ادعاه؛ صدق المبتاع بيمينه إن أشبه، وإلا فربه إن أشبه، وإلا فبقيمته، ومن نكل؛ صدق عليه الآخر وإن لم يشبه، وكل هذا بناءً على ما في اختلاف الشفيع والمبتاع في ثمن الشقص.
وفيها: ما كافأ به مسلم حربياً على ما وهبه له من مال مسلم كثمنه.
عبد الحق عن بعض القرويين: إن كان الثمن، أو المكافآت عرضاً يكال أو يوزن؛ أخذه ربه بمثله بدار الحرب إن أمكن؛ كسلفه إلا أن يتراضيا على ما يجوز.
الصقلي عن بعض شيوخنا: فإن تعذر؛ فقيمته ببلد الحرب.
ابن بشير: في رجوع من فدى ما بيد لص بفدائه على ربه خلاف معروف.
قلت: كثير عروض هذه النازلة بإقليمنا، والأظهر إن فداه بحيث يرجى لربه خلاصه من اللص بأمرٍ ما من حرمه ربه أو قوته، أو إغاثة تمنع اللص خلاصه حرمان فاديه.
وفي رهنها: إن أخذ السلطان خراج أرض بيدك رهناً؛ لم ترجع به على راهنها إلا أن يكون خراجاً حقاً، فمقتضى إطلاقها سواء كان بها غله يخشى أخذها السلطان أم لا؟ حرمانه، ومقتضى قول لقطتها: من أتى بآبق شأنه طلب الأباق؛ فله جعل مثله أخذه الأقل من فدائه، أو فداء مثله، والأعيان أقوى من المنافع في الرجوع بها، وأجر

الجزء: 3 - الصفحة: 163

خلاصه تقدم في فداء الحر.
ابن عبد السلام: إن دفع الفداء من عنده؛ فلا أجر له في خلاصه؛ لأنه سلف وإجارة، وإن كان من غيره؛ ففيه نظر.
قلت: يعارض قوله: لأنه سلف وإجارة نقل اللخمي: للآتي بآبق شأنه طلب الأباق على قول مالك جعله على أن نفقته على العبد داخلة في الجعل، أو على أنها خارجة عنه، ويعضد قوله نقل الشيخ في آخر ترجمة سيرة الإمام.
قال بعض أصحابنا: وظاهره من قول سحنون ما نصه: من أنفق على ضالة إن كان ممن يطلب الضوال؛ فله جعل مثله، ولا نفقة له ولربها تركها، وإن كان ممن لا يطلبها؛ فله النفقة دون جعل، ولربها تركها، وكذا الآبق والوديعة ينفق عليهما.
وفيها: لرب ما خرج به مسلم وهبه له حربي بداره دون مكافأة؛ أخذه مجاناً.
قلت: فلو باعه مبتاعه، ومن وهبه قال: لم أسمعه، وأرى نفوذ بيعه، والثمن الذي بيع به لربه إن أحب بعد دفعه الثمن الذي ابتاعه به المشتري، ويرجع على الموهوب له بالثمن.
وقال غيره: ينقض البيع، ويرد لربه بعد دفعه الثمن، ويرجع به على الموهوب له، وذكر الصقلي المسألة بلفظ: (وقال ابن نافع) بدل (وقال غيره).
وفي قصر خلاف ابن القاسم وغيره على الهبة، واتفاقهما في البيع على نفوذه وعمومه فيهما نقل عبد الحق عن بعض شيوخه مع أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران وإشارته إلى التخريج على قول ابن نافع بنقض عتق الموهوب له العبد بثواب.
التونسي: في نقض عتق الموهوب له دون ثواب نظر.
وما قدم به مستأمن من مال مسلم، ففي كراهة شرائه غيره، واستحبابه قولا ابن القاسم فيها قائلاً: ليس لربه أخذه ممن ابتاعه أو وهبه ولو كان ذمياً.
واللخمي مع محمد، وإسماعيل- ناقلاً اللخمي عنه-: لم يحك ابن القاسم هذه المسألة عن مالك، والذي يشبه على مذهبه أن له أخذه في البيع بالثمن وفي الهبة مجاناً.
قلت: الفرق بينه وبين ما ابتيع منه بأرضه ثبوت حرمة ماله بتأمينه ونفيها عنه ببلده.

الجزء: 3 - الصفحة: 164

الشيخ عن سحنون: لو قدم بمكاتب أو مدبر لمسلم؛ فله كتابته وخدمته دون ربه إن ودى كتابته عتق، وولاؤه لربه كما حمله ثلث رب المدبر منه، وإلا رق للمستأمن كما عجز عنه ثلث رب المدبر منه، وما أسلم عليه حربي إن كان متمولاً؛ فله اتفاقاً، وإن كان ذمياً؛ فابن القاسم كذلك.
أشهب: حر لا يرق، وإن كان حراً مسلماً فطريقان: اللخمي: ينزع منه مجاناً.
ابن رشد: في مسألة من سماع سحنون اتفاقاً.
ابن بشير: هذا هو المشهور المعروف.
وفي زاهي ابن شعبان: يكون له رقاً.
قلت: لم أجده في الزاهي، ولا حكاه المازري ولا التونسي، وظاهر كلامه لم يعرف فيه خلافاً.
وفي النوادر عن محمد: لم يختلف أنه ينزع منه دون عوض.
وقول ابن عبد السلام: حكي عن أحمد بن خالد مثل قول ابن شعبان لا أعرفه، إنما أعرف ما يقتضيه في سماع يحيى ابن القاسم وهو قوله: كل من صولح من عدو على هدية أو أداء جزية؛ فله كل ما بأيديهم من أحرار المسلمين أسرى لا ينبغي للإمام نزعهم منهم إلا بفداء عن طيب نفس.
قلت: فإذا أقرهم بيد الصلحي على أداء الجزية، فأحرى من أسلم؛ لكن ابن رشد قال: هذه من المسائل الواقعة على غير تحصيل؛ لأن المصالح على الجزية ذمي يجري عليه حكم الإسلام، يباع عليه من أسلم من رقيقه، فأحرى أحرار المسلمين، والصحيح سماعه.
سحنون: خروجهم أحراراً بقيمتهم من بيت المال.
وما قدم به مستأمن من مال كان سرقه في أمان سابق؛ تقدم في نزول الحربي بأمان.
ونقل ابن الحاجب: إن قدم به سارقه؛ نزع منه، وإن قدم به غيره؛ ترك له، لا أعرفه، فإن قلت: ذكره الصقلي عنه من كتاب ابن سحنون.
قلت: إنما ذكره الشيخ عنه فيما أبق إليهم من عبيدنا، فذهبوا بهم، أو غلبوا عليهم

الجزء: 3 - الصفحة: 165

لا فيما سرقوه, ولم يذكر ابن رشد وابن حارث فيما سرقوه غير القولين فقط.
وهدم السبي النكاح؛ في النكاح إن شاء الله, ولو أسلم حربي, ثم غنم ماله وولده بأرضه, ففي كون ماله كمال مسلم وتبعية ولده له طرق: الشيخ: زوجته فيء بقي بأرضه أو خرج لنا.
وفي كون ماله وولده كذلك, وكون ماله وتبعيته ولده له نقلا ابن سحنون عن ابن القاسم مع روايته وأشهب مع أبيه قائل: إن قاتل كبير ولده؛ فمرتد يقتل إن لم يتب.
اللخمي: إن خرج وترك ماله وولده فثالثها: ماله فيء وولده تابع له, ورابعها: إن أحرز أهل الحرب ماله, وضموه لملكهم.
لمالك وسحنون فيها عن بعض الرواة قائلا: إن أدركت ربه قبل القسم؛ أخذه مجانا وبعده بثمنه, وأبي الفرج محتجا بأنه لو نكح مسلم بدار الحرب؛ كان ولده مسلما, وابن حارث.
اللخمي: وولده من وطء قبل إسلامه تبع له, ومهر زوجته فيء كزوجته اتفاقا فيهما.
وذكر التونسي القولين الأولين, وقال: لو غنم قبل خروجه؛ انبغى بقاء ماله, وولده لبقاء يده عليهما, وإذا كانت زوجته فيئا؛ يفسخ نكاحه لملكه جزءا منها, وعلى قول ابن القاسم: (لو سرق من الغنيمة؛ يقطع) لم يفسخ.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن سبي مسلمات وولدا بدار الحرب ولدا تنصر, ثم غنم؛ ففيء لا يستتاب.
ابن رشد: غلب فيه حكم الدار لا حكم أبويه كقولها: من أسلم بدار الحرب, فغنم ماله وولده بها؛ هما فيء خلاف قول سحنون وبعض الرواة.
فيها: ماله له وولده تبع له, وثالثها: ما حمل عليه التونسي قول ابن القاسم وروايته فيها: إن خرج الأب؛ فماله وولده فيء, وإلا فله وتبع له.
ابن بشير: إن خرج لنا؛ ففي كون ولده فيئا ثالثها: الكبار فقط, ويجبرون على الإسلام اتفاقا.
قلت: الفيء والجبر على الإسلام متنافيان؛ لأن لازم الفيء أصالة كفره, ولازم

الجزء: 3 - الصفحة: 166

الجبر أصالة إسلامه.
قال: وفي ماله ثالثها: رابع اللخمي.
ولو بقي بدار الحرب؛ ففي كونه كما لو خرج, وبقاء ملكه على ماله, وتبعية ولده الصغير له قولا المتأخرين.
قلت: في نوازل ابن الحاج: تخريجه مع غيره مال المسلم المقيم بدار الحرب, ورجح فيه ابن الحاج قول أشهب وسحنون, ثم فرق بأن مال من أسلم كان مباحا قبل إسلامه بخلاف مال المسلم.
قلت: هي نص سماع يحيى ابن القاسم في مسلم أقام ببرشنونة يصيب بغارته دماء المسلمين وأموالهم أنه محارب لا يحل ماله لأحد.
ابن رشد: هذا خلاف ظاهرها فيمن أسلم بدار الحرب وأقام بها, فغنم ماله.
ولو سبيت حرة, فغنمت بما ولدت في سبيها, ففي كونه حرا معها أو فيئا ثالثها: الصغار.
للشيخ عن ابن حبيب مع رواية مطرف, وقول ابن وهب واللخمي عن سحنون عن أشهب, ورواية أبي زيد بزيادة: الكبير والصغير بعد بلوغه يجبران على الإسلام كمرتد, ومحمد عن أشهب وابن القاسم.
وخرج اللخمي الأول في الصغير على كون ولد الكافر من مسلمة على دينها, وفي الكبير عليه مع قول مالك: ما ولد لنصرانية من مسلم غفل عنه حتى بلغ كافرا مرتدا يستتاب؛ خلاف قول ابن عبد الحكم: يقر على دينه, والثاني على كونه على دين الأب.
وفيها: إن بلغ ولدها وقاتل ففيء, فقال الشيخ: إن لم يقاتل؛ لم يكن فيئا.
ابن شبلون: فيء, ولو لم يقاتل, والذمية تغنم كذلك ترد لذمتها.
وفي كون صغير ولدها فيئا, وتبعيته لها نقل اللخمي رواية أبي زيد مع الصقلي عن أشهب وابن الماجشون وابن القاسم.
فيها: وكبير ولدها فيء قلت: في تخريجه على قولي الشيخ وابن شبلون نظر.
وقوله ابن عبد السلام: حكي بعض الشيوخ: أن كبير ولدها تبع لها, لا أعرفه؛ بل

الجزء: 3 - الصفحة: 167

نقل ابن بشير وابن حارث: الاتفاق على أنه فيء.
ولو كانت أمه, ففي كون ولدها لربها أو فيئا ثالثها: إن كان بتزويج.
لابن القاسم فيها وابن الماجشون وأشهب.
وعبد الحربي يسلم دونه فيها إن خرج لنا؛ فهو حر.
اللخمي: اتفاقا.
ولو خرج بعد نزول جيشنا بهم.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولا ولاء لربه عليه.
ولا يرجع إليه إن أسلم: ابن حبيب: لو دخلنا عليه غالبين, فقال ابن القاسم: حر كخروجه لنا.
أصبغ: رق غنيمة.
ويرجعان لقول واحد: إن نزع لنا حين دخولنا؛ فحر, وإن نزع لنا بعد أن غنم؛ فرق لنا, وحملهما اللخمي على الخلاف, وعزا الثاني لابن حبيب وصوبه, ولم يذكر التونسي غير الأول.
قال: وفيه نظر, والأشبه أنه ملك للجيش لبقاء ملك ربه؛ إذا لم يغنم العبد نفسه.
قلت: الأول قولها بزيادة: (ولا يرجع لربه إن أسلم).
ولو لم يخرج, ولم ندخل عليه؛ ففي كونه حرا أو رقا لربه قولا أشهب وابن القاسم فيها محتجا بثبوت عتق أبي بكر بلالا, والدار دار كفر, وعليهما لغو تصرف ربه فيه ببيع أو تبرع ولو بعتق وأعماله.
وفيها: إن خرج مسلما وترك ربه مسلما؛ فرق له.
قلت: هذا على قول ابن القاسم مطلقا, وعلى قول أشهب: إن سبق إسلام ربه إسلامه.
قال سحنون في سماعه ابن القاسم: قال أشهب: إن قدم لنا عبد حربي أقام عندنا على كفره, ثم قدم ربه؛ فلا سبيل له عليه, ولو أسلم.
ابن رشد: لأن المذهب أن العبد حر بخروجه لنا كافرًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 168

وفي الموازية: إن خرج ربه قبل إسلام العبد؛ رجع له ولاؤه, وإلا لم يرجع, وتعقبه التونسي بأنه إن عتق بأنه غنم نفسه؛ لم يرجع ولاؤه بحال, وإن عتق على ربه؛ رجع إليه, ولو قدم بعد إسلامه؛ لأنه عتق, وهو وربه كافران.
ابن رشد: وجهه أنه إنما عتق بخروجه ربه مراعاة لقول أبي حنيفة: إن خرج كافرا؛ فهو غنيمة للمسلمين.
قلت: إذا كان رقا للمسلمين امتنع تصور رجوع ولائه لربه, فكيف يصلح استنتاج رجوع ولائه لربه منه, والأظهر حمل قول محمد: وإلا لم يرجع إليه, أي ما دام ربه كافرا.
ونقض الذمي ذمته دون ظلم يوجب قتاله كحربي, وفي استرقاقه إن اسر ورده لذمته قولا ابن القاسم وأشهب فيها بناء على ملزومية عقد ذمته حريته بقيد وفائه أو مطلقا, وأطلق الأكثر الخلاف.
وقال ابن بشير: إن عقدت ذمته بقيد مسالمته؛ رق, وعلى حريته كيفما كانت حاله؛ لم يرق, وإن أبهمت؛ فالقولان.
ولما ذكر الشيخ عن محمد قول أشهب قال عنه ما نصه: ويقتل قاتلهم, ويجرح جارحهم, ووقف ابن القاسم في القصاص ممن قتل منهم.
وقال ابن ميسر: لا يؤخذ منهم بما قتل في صف ولا غيره.
قلت: يريد: لا يتعلق به قتل القصاص, ويتعلق به حكم قتل الأسير المخير فيه بينه وبين الأربعة الباقية.
وفي شرط كون الإمام عدلا في استباحة قتالهم وسبيهم؛ لنقضهم دون ظلم قولان لمفهوم نقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن خرجوا قضا للعهد ومنعا للجزية, ولم يظلموا, فإن كان الإمام عدلا؛ قوتلوا, وكانوا فيئا مع نقله عن الواضحة: إن كان الإمام غير عدل, أو نقضوا لظلم عرف؛ لم يقاتلوا, فإن قوتلوا وظفر بهم؛ لم يستباحوا, وردوا لذمتهم, ولو وصلوا لدار الحرب, وظاهر قولها: ونقضه لظلم المعروف لا يرفع ذمته.
الداودي: يرفعها؛ لأنه لم يعاهد على أنه يظلم من ظلمه, وصوبه اللخمي بأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 169

رضي بطرح ما عقد له.
قلت: ظلمه يصيره مكرها, ورضا المكره لغو, وقوله: لأنه لم يعاهد على أن يظلم من ظلمه معارض بأنه لم يعاهد على أن يظلم.
الشيخ عن ابن حبيب: روى ابن القاسم: إن خرجوا لظلم؛ لم يقاتلوا, ولو قتلوا المسلمين في دفاعهم.
وسمع عيسى ابن القاسم: وقال الأخوان وابن عبد الحكم وابن نافع وابن وهب: هذا إن احتجروا في دارهم, فإن خرجوا لفساد بأرض المسلمين؛ جوهدوا وصاروا فيئا.
قال الأخوان: وإن أشكل كون نقضهم لظلم؛ لم يستباحوا.
وسمع عيسى ابن القاسم: نزع رجالهم ومحاربتهم نقض يستحلون به, ونساؤهم وذريتهم إن حملوها معهم, ولو بقيت ذريتهم بين أظهر المسلمين؛ لم يستباحوا.
وفي كون الشيوخ والزمني كذلك نقل ابن رشد عن ابن حبيب مع أصبغ وابن الماجشون وسماع عيسى ابن القاسم.
ابن رشد: إن علم أنهم مكرهون؛ لم يختلف فيهم, إنما الخلاف إذا جهل إكراههم وادعوه, واحتجاج ابن الماجشون ومحمد بسبيه صلى الله عليه وسلم قريظة وغيرهم يرد بأن بني قريظة لم يكونوا ذمة تحت جزية؛ بل أهل مهادنة باقين بأرضهم؛ ولذا لم يحتج به ابن القاسم في المدونة؛ بل قال: مضت في ذلك سنة من الماضين.
قلت: ويوجب النقض كالخروج المذكور فعل يذل المسلم.
الشيخ عن ابن حبيب: أمر عمر بصلب نصراني نخس بغلا سقطت عنه مسلمة انكشفت عورتها حيث سقطت, وقال: إنما عاهدناهم على بذل الجزية عن يد وهم صاغرون, وأهدر دم يهودي قتله ابن امرأة دهس ناقة سقطت عنها فانكشفت, وقتل نصرانيا اغتصب مسلمة.
ابن حبيب: وصداقها في ماله, والولد مسلم لا أب له, ولو أسلم غاصبها؛ لم يقتل؛ لأن قتله للنقض لا للزنا, وقاله أصبغ.
اللخمي: وطؤه الحرة المسلمة إن كان زنا طوعا منه.
ففي كونه نقضا قولا ربيعة

الجزء: 3 - الصفحة: 170

ومالك, وإن كان بنكاح؛ فغير نقض مطلقا.
وقال ابن نافع: إن غرها فنقض, ويضرب عنقه, ووطؤه الأمة المسلمة بملك أو زنا غير نقض إن طاوعته وإلا فقال محمد: لا يقتل, وفيه خلاف, هذا أحب إلي؛ إذا لا يقتل حر بعيد.
اللخمي: هذا غلط؛ لأنه لم يقتل بها, ولا فرق بين الحرة والأمة, والطوع والغصب, إن عوهد على إن فعل شيئا منذلك نقض نقض, وإن كان على أن يعاقب فغير نقض.
قلت: فأين حكم الإيهام, وكيف يساوي الإكراه الطوع, وفيه من الجرأة ما ليس في الطوع, وللفرق بينهما كان مهر الحرة, وما نقص الأمة.
واستباح عمر أهل حصن لجأ إليه مسلمون شاتون منعوهم منه, فمات بعضهم لمبيتهم دونه.
قال الأخوان في أهل بلد صولحوا على الجزية, فاستباح واليها نساءهم, وباع أولادهم, فقتلوه ونقضوا العهد, ومنعوا بلدهم: لا ينبغي قتالهم ولا سبيهم.
الشيخ عن ابن سحنون: إن هرب علوج من بلدنا منهم مسلمون, وأحرار ذمتنا لعدو نزل بنا لإعانته, فظفرنا بهم لم يقتلوا, ويتحيل في حبسهم, وإن لم يقدر على حبسهم إلا بإثخانهم جراحا؛ لم يجرحوا إلا في محاربة.
وقال يحيى بن يحيى: إن هرب إليهم أهل الذمة دون ظلم؛ استحلوا.
ابن القاسم: لو أخذ الذمي بعد شخوصه لأرض الحرب دون إذن؛ فهو على ذمته.
قلت: قول يحيى وقول ابن القاسم هو سماعه ابن القاسم.
ابن رشد: إن أخذوا قبل وصولهم أرض الحرب؛ فهم على ذمتهم إلا أن يقاتلوا ويمتنعوا, سمعه منه عيسى.
الشيخ عن ابن سحنون عن ابن القاسم: إن غلب عدو على بلد الإسلام به ذميون, فكانوا يغيرون على بلد الإسلام مع العدو, فظفر بهم, فادعوا إكراه العدو إياهم على ذلك؛ قتل قاتلهم, وأطيل سجن غير القاتل, فإن حد لهم حد في الرحيل عن العدو, فجازوه, وغاروا مع العدو على الإسلام, فظفر بهم, فادعوا إكراهه إياهم, إن

الجزء: 3 - الصفحة: 171

تبين ما قالوا؛ لم يستحلوا.
قلت: مثله في سماع يحيى ابن القاسم.
ابن رشد: هم أهل ذمة لم يبن نقضهم؛ لأنهم بمكانهم, وسقط عنهم حكم الحرابة بشبهة دعواهم الإكراه.
وقوله: يقتل قاتلهم؛ يريد: قصاصا يجوز فيه العفو, ولو ثبت إكراههم؛ لم يسجن من لم يقتل منهم, وحكم فعلهم بعد ضرب الأجل كحكمه قبله.
وسمع يحيى ابن القاسم في أهل ذمة هربوا لدار الحرب, فأخذوا بها, فقالوا: إنما هربنا لظلم من جاورنا من العرب إيانا إن علم ظلم مجاوريهم ردوا لذمتهم عن قدر واليهم على منع من جاورهم ظلمهم, وإلا تركهم يسيرون حيث شاءوا.
أصبغ: إن أشكل أمرهم؛ لم يستحلوا.
ابن رشد: قوله تفسير لقول ابن القاسم.
وفيها: حرابة أهل الذمة كحرابة المسلمين.
اللخمي عن ابن مسلمة: يقتل؛ لأنه نقض ومال من لا عهد له, وإن قطع لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي ذمته, وذمة ولده باقية, وتعقب التونسي قولها بأن أخذ المال, وقتل النفس حرابة لا نقض بما تقدم من غصبه المسلمة نفسها.
قلت: في غصبه المسلمة نفسها من جرأته على الإسلام ما ليس في القتل, وغصب المال, وبقوة تحريم فرج المسلمة عليه لعمومه في تقدير يفرض بخلاف المال يحل له بالطوع, والمسلم يقتل بحرابته إياه, ولو ارتد جمع؛ منعوا أنفسهم, فأخذوا ففي الحكم فيهم بحكم الحربيين أو المرتدين نقلا ابن حبيب عن أصبغ, وابن القاسم مع ابن الماجشون, وأجراهما على فعل أبي بكر في أهل الردة بالسبي, وفعل عمر فيهم حكم المرتدين برد النساء والصغار من الرق لعشائرهم قائلا: لعمري إنه أمر خالف فيه عمر أبا بكر.
ابن رشد: الذي قضى فيهم أبو بكر بالسباء هم الذين نقض فيهم عمر القضية, وهو خلاف قولهم: إن القاضي لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده, فتدبر ذلك.
ابن عبد السلام: لا نسلم أنه خالف أبا بكر, إنما فعل ذلك تطييباً لنفوس

الجزء: 3 - الصفحة: 172

المسلمين بمشقة رؤية أحدهم ابنته, وزوجته مملوكة, وذكر أنه فعله بعوض, وفعل أبي بكر أجمع عليه الصحابة.
قلت: رده قول ابن رشد بقوله: لا نسلم أنه خالف أبا بكر؛ يرد بأنه منع لأمر ظاهر ثبوته دون دليل على منعه.
وقوله: تطييبا للنفوس؛ لا يصح كونه دليلا عليه؛ لأن نقض حكم الحاكم العالم العدل لا يسوغه تطييب النفوس.
وقوله: أجمع عليه الصحابة؛ خلاف ما ذكر ابن عباس من الخلاف في ذلك حسبما يأتي إن شاء الله تعالى.
والجواب الحقيقي: أن الحكم بالسبي في قوم لا يناقضه الحكم فيهم بالمن عليهم؛ لأنه لا منافاة بينهما, ولأن المن مسبب عن السبي, والمسبب يغاير سببه ولا يناقضه؛ ولذا كان الإمام في حكمه بالسبي في قوم, ثم بالمن عليهم ليس بمناقض في حكميه.
فحينئذ أقول: الصادر من عمر إنما هو من عليهم لما رآه من المصلحة, لا سيما وقد أسلموا كلهم, لا نقض لحكم أبي بكر؛ إذ لا تغاير بين حكمتيهما إلا مغايرة حكم حاكم بالسبي لحكمة بالمن, ولا تناقض بينهما, وكل هذا بناء على تلقي ما حكاه ابن حبيب عن عمر بالقبول حسبما تلقاه الشيخ وابن رشد, وفي ذلك عندي نظر لما ذكره الشيخ الراوية العدل: أبو الربيع ابن سالم قال في اكتفائه في ردة أهل دبا وأزد عمان: أن حذيفة بن اليمان قدم بسبيهم المدينة, وهم ثلاثمائة مقاتل وأربعمائة من النساء وذرية اختلف فيهم المسلمون.
قال زيد بن أسلم عن أبيه: أوثقهم أبو بكر بدار رمله بنت الحارث؛ يريد: قتل المقاتلة, فقال له عمر: يا خليفة رسول الله قوم مؤمنون إنما شحوا بأموالهم وقالوا: والله ما رجعنا عن الإسلام؛ فلم يدعهم أبو بكر بهذا القول, فتوفي أبو بكر وهم موثقون, فلما ولي عمر سرحهم, وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب.
قال أبو الربيع: وذكر ابن عباس: أن رأي المهاجرين فيهم حين استشارهم أبو بكر القتل أو الفداء بأغلى الفداء, ورأى عمر ألا قتل عليهم ولا فداء, فبقوا موثقين حتى ولي عمر فأرسلهم دون فداء

الجزء: 3 - الصفحة: 173

قلت: فإذا ثبت هذا؛ فلا إشكال؛ لأن أبا بكر لم ينفذ فيهم الحكم, وعلى تنفيذه فالجواب ما قدمناه, والله أعلم بالصواب.
وسمع عيسى ابن القاسم, ورواه عنه سحنون: إن أسر من تنصر بأرض الحرب, وأصاب دماء المسلمين وأموالهم, فأسلم؛ سقط عنه ما أصابه بعد تنصره إلا ما أصابه قبله.
العتبي: وقال يحيى عنه: يقتل قتل الحرابة.
ابن رشد: رواية عيسى على أنه أسلم, ورواية يحيى على أنه لم يسلم فليستا بخلاف, وإنما يسقط عنه ما أصاب منهما في تنصره بإسلامه بعد أخذه إذا صحت ردته بكونه على بصيرة من كفره في زعمه لا أنه فعله مجونا وفسقا, وإن أخذ على ردته قتل, ولم يستتب استتابة المرتد اتفاقا فيهما, فلا يفترق حكم ما أصاب المرتد ببلد الحرب أو الإسلام إن لم يسلم, إنما يفترقان إن أسلم.
وقتال الخوارج إن بانوا ودعوا لبدعتهم؛ قال الصقلي عن ابن سحنون: فرض.
الشيخ عن سحنون: سن على رضي الله عنه قتالهم, ولم يكفرهم؛ إذ لم يسبهم, ولم يستبح أموالهم, ولهم حكم المسلمين في أمهات أولادهم ومدبريهم وعددهم ووصاياهم, ورد أموالهم لأربابها إن عرفوا؛ وإلا تصدق بها إن أيس منهم, ولا قود عليهم ولا قصاص ولا حد ولا صداق في استباحة فرج.
ولا حد ولا صداق في استباحة فرج.
الصقلي وبعض أصحابه: إن سبوا حرة أو أمة فأولدوها؛ لحق الولد بأبيه؛ إذ لا حد عليه في وطئه لتأويله, وولد الأمة كولد مستحقة.
وفيها لمالك: إن خرجوا فأصابوا الدماء والأموال, ثم تابوا وضعت عنهم كحد الحرابة الدماء, وما استهلكوا من مال, ولو كانوا أملياء, ويؤخذ منه ما وجد بأيديهم من مال بعينه, ويؤخذون لحقوق الناس.
وقتال أهل العصبية: فيها: قال مالك فيمن كان بالشام من أهل العصبية يدعوهم الإمام إلى الرجوع ومناصفة الحق بينهم, فإن أبوا؛ قوتلوا.
الصقلي: صوب شيخنا القاضي أبو الحسن قول ابن سحنون: يجب قتال أهل

الجزء: 3 - الصفحة: 174

العصبية إن كان الإمام عدلاً، وقتال من قام عليه، وإن كان غير عدل، فإن خرج عليه عدل؛ وجب الخروج معه؛ ليظهر دين الله، وإلا وسعك الوقوف إلا أن يريد نفسك ومالك، فادفعه عنهما، ولا يجوز لك دفعه عن الظالم.
مالك: إن قام والٍ على والٍ لإزالة ما بيده، فإن كان مثل عمر بن عبد العزيز؛ وجب الدفع عنه وإلا فلا، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما.
وقال فيمن بايعه الناس بالإمارة فقام آخر وتبعه بعضهم: قال: روى معاوية قتل الثاني، وهذا إن كان الأول عدلاً، وإلا فلا بيعة له تلزم، ولابد من إمام بر أو فاجر.
ابن سحنون: بلغني أنه كان يقال: لا تكرهوا الفتنة؛ فإنها حصاد المنافقين.
قلت: يرده أو يخصصه أحاديث الاستعاذة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وظاهر ما تقدم منع إعانة غير العدل مطلقاً.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل، وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، فإن تعذر قدم المتعرض للأبضاع على المتعرض للدماء، وكذا يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر.
قال: فإن قيل: أيجوز القتال مع أحد هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة تصرفه، وهو معصية؟ قلنا: نعم دفعاً لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه.
قلت: ونحوه خروج فقهاء القيروان الممسي، وغيره مع أبي زيد الخارجي على الثالث من بني عبيد؛ وهو إسماعيل لكفره، وفسق أبي زيد والكفر أشد.
المسابقة بين الخيل والإبل دون جعل للسابق أو به من غير مسابق، أو منه لسابق غيره؛ جائز.
ابن رشد: اتفاقاً، وعليه إن سبق مخرجه؛ فهو لتاليه وهو المصلي.
الشيخ عن كتاب ابن مزين: والعاشر يسمى السكيت، وما بينهما لا يسمى إلا

الجزء: 3 - الصفحة: 175

باسم العدد.
قلت: ذكر غير واحد من اللغويين لسائرها أسماء؛ منه ما أنشدني شيخنا أبو عبد الله بن الحباب لأمير المؤمنين أبي زكريا يحيى والد ملوك إفريقية من الموحدين في بعض شعراء حضرته حيث مدحه كل منهم بقصيدة: ألا إن مضمار القريض لممتد ... به شعراء السبق أربعة لد فأما المجلي فهو شاعر جمة ... أتى أولاً والناس كلهم بعد وأما المصلي فهو حبر قضاعة ... بآدابه تزهو الخلافة والمجد وأما المسلي فالمعاوي إنه أتى ... ثالثاً لكن يلين ويشتد وبعدهما الكومي أقبل تالياً ... وكم جاء سباقاً مسومه النهد ثم علماً لساس ما عنهم غنى ... وهم شعراء الملك ما منهم بد وجمعها بعضهم في بيتين: أتاني المجلي والمصلي وبعده الـ ... مسلي وتال بعده عاطف يسري ومرتاحها ثم الحظي ومؤمل ... وجاء اللطيم والسكيت له يجري فإن اتحد من سابق مع مخرجه كان طعمة لمن حضره.
ويجعل من واحد فقط، على أخذه من سبق، ولو كان مخرجه في إجازته، ومنعه، ثالثها: يكره.
للشيخ عن أصبغ مع ابن وهب والصقلي وابن رشد عن أحد قولي مالك، وللشيخ عن ابن القاسم مع الصقلي وابن رشد عن أحد قولي مالك، والشيخ عن رواية أصبغ، ولم يحك عياض غير الأولين عن مالك قائلاً: قال بكل منهما بعض أصحابه.
وبجعل من كل مسابق على أخذ السابق مع جعله جعل غيره ولا محلل، وهو من يخرج شيئاً لا يجوز.
ابن رشد: اتفاقاً، ومعه على أن من سبق أخذ الجميع المحلل، أو ذو جعل طريقان:

الجزء: 3 - الصفحة: 176

ابن رشد: أجازه ابن المسيب، ومنعه مالك، كان مع اثنين محلل، أو مع جماعة جماعة للغرر والمقامرة إلا أنه كلما قل المحلل؛ كثر الغرر والعكس العكس.
قلت: وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: كراهة مالك المحلل على منعه رجوع جعل مخرجه له بسبقه في المسابقة بجعل من واحد فقط، وعلى قوله الآخر: هو جائز، وبه أقول كابن المسيب وابن شهاب.
عياض: مشهور قول مالك منعه، وقال مرة: كابن المسيب.
قلت: ظاهر نص لا تخريج، خلاف قول ابن عبد الحكم أنه تخريج.
قال: وشرط المحلل عدم أمن سبقه، وفيه زيادة في الرمي، ولا بأس بالمسابقة بين فرس وجمل، ولو شرط على أحدهما حمل شيء خفيف أو ثقيل، وليس على الآخر إلا راكبه، ولا يحمل على الخيل لإجرائها إلا محتلم ضابط، وكره مالك حمل الصبيان عليها، ولا بأس أن يتراهنا على أن يضمرا فرسيهما مدة معينة، ولو مضت فقال أحدهما: لم يتم إضمار فرسي؛ فلراهنه جبره على المسابقة إلا أن يعتل فرسه علة بينة، ولو قال: أزيدك ديناراً على أن تزيد في مدة الإضمار، أو في مبدأ غاية الجري أو منتهاها، فإن تراهنا دون شرط ولأهل ذلك الموضع سنة في ذلك حملا عليها، ولأهل مصر سنة عرفت في مبدأ جري القارح والرباع والثني والحولي، وفي الغاية التي يجلس بها الوالي، أو من يقيمه لذلك، ولا بأس أن يجعلا سرادقاً أو خطاً من دخله أولاً أو جازه أولاً؛ فهو السابق، ولا بأس أن يخرج واحد خمسة وآخر عشرة إن كان بينهما محلل.
قلت: زاد في فصل الرمي: أو يخرج أحدهما بقرة، والآخر شاة، ومنعه بعضهم، ولا أرى على أنه إن سبقه؛ ودى عنه فلان ديناراً؛ لأنه لم يخرج شيئاً يؤديه إن سبق ويحوزه إن سبق.
قلت: في منعه نظر، وظاهر ما تقدم لابن رشد جوازه.
قال ابن عبد الحكم: فإن سابقه على أن يضمن عنه لغريمه ديناراً إن سبقه؛ لم يجز إن كان على أن يرجع به عليه؛ لأنه ضمان بجعل وإلا جاز، ولو سقط بعض أهل الرهان عن فرسه ببعض المسافة، أو ألقاه فرسه بها، أو راغ عن الطريق، أو انكسر فرسه، فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 177

كان معه أكثر من واحد؛ فالرهان بين من بقي، وإلا فأهل الخيل أنه مسبوق خوف التحيل بذلك لحل الرهان، والأحسن إن كان العائق بتضييع من الفارس أو سبب سابق؛ فهو مسبوق كتضييع سوطه، وقطع لجامه، وكون فرسه حروناً، أو نفوراً كما لو نفر من السرادق؛ فلم يدخله حتى دخل الآخر، فالسابق الداخل، ولو عدا عليه من أخذ سوطه، أو أزاله عن الطريق؛ لم يكن مسبوقاً، ولا بأس أن يقدم أحدهما الآخر بقدر من المسافة على أن يجريا معاً، أو إذا بلغ المؤخر المقدم، ولو تراهنا بثنيين، فأدخل أحدهما رباعياً أو قارحاً؛ لم يعد سبقه سبقاً، ولو أدخل بدل الرباعي جذعاً أو ثنياً أو حولياً أو هجيناً بدل عرابي كان سبقه سبقاً.
قلت: هذا يدل على صحة التراهن بغير معين، والظاهر في المعين لزوم عينه، وظاهر قول أبي عمر أجاز العلماء السبق في غير الرهان على الأقدام، ولا يجوز في الرهان إلا في الخف والحافر والنضل، ثم قال: شرط الرهان تقارب الخيل في السبق وإلا فهو قمار والمحلل لغو، وكذا المضمرة مع غيرها، والعراب مع غيرها خلاف ما تقدم في إدخال الهجين بدل العرابي، وخلاف قوله في الرمي: لا بأس بمراماة من يجهل رميه؛ كالفرس يجهل جريه.
قال: وروى: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل".
ابن سيده: الرثم والرثمة: بياض في طرف أنف الفرس، وقيل: هو كل بياض قل أو كثر إذا أصاب الجحفلة العليا إلى أن يبلغ المرسن، وقيل: هو البياض في الأنف.
قال: وجحفلة الدابة ما تتناول به العلف.
قال: والمرسن: الأنف.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: "كان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل".
زاد في رواية عبد الرزاق: والشكال: ما في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى

الجزء: 3 - الصفحة: 178

أو يده اليمنى ورجله اليسرى.
أبو عبيدة: هو محجل الثلاث قوائم، ومطلق الواحدة أو مطلق الثلاث محجل الواحدة.
ابن عبد الحكم: صح تفسير القوة بالرمي، وليس على المتناضلين، وصف سهم أو وتر برقة أو طول أو مقابليهما، ولمن شاء بدل ما شاء بغيره، وقوس بأخرى من جنسها لا عربية بغير عربية، ويجوز تعاقدهما على فارسية وعربية، ثم لكل منهما بدل قوسه بأي صنف شاء من القسي، ولا أحب شرط ألا يراميه بقوس معينة بخلاف الفرس؛ لأن الفرس هو المسابق، وفي الرمي الرجل لا القوس، ولا بأس أن يسابق رجل رجلين أو أكثر الواحد المسبق أو المسبق، أو عدد عدداً، أو اتفق الرماة أن المسبق أولى بالبداية بالرمي يسهمه، ثم يرميان سهماً سهماً حتى يتم الرشق، ثم يبدأ المسبق كذلك في الرشق الثاني حتى يفرغ الرمي، فإن كانا حزبين؛ بدأ المسبق ثم آخر من الحزب الآخر، ثم كذلك، فإن قال أحد الحزبين: يقوم اثنان ثم اثنان، وقال الآخر: بل واحد ثم واحد، فإن كان شرط عمل عليه، وإلا فالخيار للمسبق، ولا يقيم أكثر من اثنين إلا بشرط أو تراض خوف الاختلاط، وللبادئ ومن بعده أن يقوم من المقام حيث شاء، وللمسبق أن يبدأ من أي وجهي الغرض شاء، استقبل الريح أو استدبرها، وإن شرطوا ألا يرموا إلا من وجه واحد أو مع الريح أو عليها؛ جاز، ولمن شاء منهم رميه قائماً، أو قاعداً ما لم يشترط قيام، وتحوله من مكان لآخر ما لم يضيق على غيره، ويمنع الرمي من فوق الغرض إلا برضى من معه، وإذا رمى حزب؛ فعليه إخلاء الغرض للحزب الآخر، والرهان فيه كما مر في السباق.
الصقلي عن محمد: يجوز كون السبق عتقاً عن الناضل والمنضول، أو عملاً للناضل معروفاً، أو يتصدق بالسبق، أو يبني به الغرض، أو يشتري به حصراً

الجزء: 3 - الصفحة: 179

يجلسون عليها.
زاد الشيخ عن محمد: ويجوز كونه لأجل معلوم لا مجهول، وكونه عرضاً موصوفاً، أو سكنى مدة معلومة، أو عفواً عن جرح عمداً وخطئاً، ويمنع بالغرر، ومن وجب له؛ جاز أن يحال به، أو يؤخره برهن أو حميل، وحاص به الغرماء.
الصقلي عن محمد: لا بأس أن يتراهن حزب، وحزب واحد واحد، واثنان اثنان، أو أكثر، ويدخلا بينهما محللاً واحداً.
زاد الشيخ: وشرطه كونه يخاف أن ينضلهما، ويجوز كونه أدناهما إن رمى معهما من الغرض أمناه، وإن رمى من نصفه وهما منه؛ لم يأمناه إن رمى من نصفه، وإن لم يأمناه، ورميهما من النصف، وهو من الغرض؛ جاز، ويجوز رمي أحدهما معه من النصف والآخر من الغرض، ولا يجوز أن يقول: نسبقكم على أن تسبقونا سبقاً آخر.
قلت: يريد: نخرج نحن سبقاً على أنه إذا استحق أخرجتم أنتم سبقاً آخر، والظاهر إن لم يكن محلل؛ حرم، وإلا اختلف فيه.
وبعد الغرض ما رضياه: وكان غرض عقبة بن عامر أربعمائة ذراع، وإن لم يسميا ذرعه؛ حملا على العرف؛ وهو مائتا ذراع.
ويجوز أن يتناضلا على أن يرمي أحدهما من الغرض إلى الغرض، والآخر من نصفه، أو من أبعد منه بقدر معلوم.
ويجوز شرط إن تعلق الجلد في الهدف، أو يجعل على الأرض تعمده الأعواد.
الجوهري: الهدف: كل مرتفع من بناء أو غيره، ومنه سمي الغرض هدفاً.
قال محمد: ويجوز شرط الرمي في جلد كبير يوماً، وفي صغير يوماً، وجعل البعد كغرض؛ فيكون الناضل الأبعد سهماً، والتساوي لغو.
والإصابة حصول السهم في الجلد دائراً به، وما أصابه، وسقط أو خرقه، ولم يدر به لغو، وما تعلق به، وخيف سقوطه، فإن كان أول الوجه، فإن سقط برمي ما بعده ألغي وإلا اعتبر، وإن تعلق بالجلد وانكسر، ولم يسقط حسب، وإن أصاب الجلد راجعاً على الأرض ألغي، ولو تعلق به، وما أصاب برده الريح للجلد حسب، وما صرفته عنه الريح ألغي، وما أصاب موضع الجلد لإسقاطه الريح ألغي؛ إذ لعله لو ثبت الجلد لم

الجزء: 3 - الصفحة: 180

يثبت فيه السهم، وإذا أزالته الريح عن محله من الغرض وأصابه حسب، وألغاه الشافعي.
قلت: الأظهر إن رماه بعد نقله الريح حسب وإلا فلا.
قال: وما أصابه بفوقه، فثبت في الجلد؛ ألغي، وما أصاب العراء، فكان ملصقاً بالجلد، والجلد دائر به؛ حسب وإلا فلا، وكذلك ما دخل من العروة في الجلد، ولو انقطع وتره، وهو يرمي، فإن جاوز نصف الغرض؛ كان كسهم أخطأه، وإن لم يجاوزه؛ فله أن يرمي بآخر مكانه.
ومنهم من قال: إن جاوزت الثلاثين؛ قالوا: كما لو انقطع، فأصاب الغرض؛ حسب له فكذا إن أخطأ لم يحسب.
قلت: كذا في الروايات لم يحسب.
والصواب: حسب.
قال: وأحسب أنه إن علم أنه من قطع الوتر لا من خطأ الرامي؛ لم يحسب عليه وإلا حسب، ومن عاقه الرمي لفساد بعض آلته؛ انتظره مناضله لتلافيه على ما عرف دون طول، فلو انقطع وتره ومعه آخر يبعد من وتره في الغلظ والرقة؛ لم يلزمه الرمي به إلا أن يقاربه، وكذا السهم، ولو سلم أحدهما للآخر أنه نضله، فإن كان قبل رمي ما يتبين في مثله أنه منضول؛ فليس على مناضله قبول ذلك، وكأنه كره أن يسمى منضولاً، وإن كان بعد تبين كونه منضولاً؛ جاز إن قبله الآخر.
ويمنع شرط أن من ترك الرمي اختياراً؛ فهو منضول، ويرتفع لزوم الرمي بالغروب، ولو كان في أثناء وجه، ولو رميا بعد الغروب؛ لزم تمام الرشق، والمطر وعاصف الريح يرفعه.
ويجوز نصبهما أميناً يحكم بالإصابة والخطأ، والخصل في النضال الخطر الذي يخاطر عليه، قاله الجوهري.
وأنشد للكميت مادحاً بعضهم قال: سبقت إلى الخيرات كل مناضل ... وأحرزت بالعشر الولاء خصالها

الجزء: 3 - الصفحة: 181

قال: ويجوز أن يرميا إلى خصل مائة أو أقل أو أكثر.
قلت: معناه: تحديد استحقاق الخطر بكون الإصابة في عدد من الرمي.
قال محمد: والمسبق إن زاد في الخصل ما يريد به الفرار منع، وإلا ففي جوازه مطلقاً، أو بقيد كونه مثله، فأقل قولا الرماة، والأحسن المنع إلا برضاهم.
ويجوز الانتقال في أثناء الخصل من غرض لآخر بتراضيهم، وإن قال أحدهما لصاحبه: أقلني ولك كذا بعد أن نضله أو قبل رميهما؛ لم يجز.
قلت: وكذا إن أسبق رجل رجلاً ديناراً، فقال المسبق لصاحبه: أزيدك ديناراً على أن يرمي معي بذلك فلان، أو قال المسبق: أحط عنك نصف دينار على أن يرمي معي بذلك فلان، وكل ذلك دون زيادة ونقص جائز.
ولو أسبقه على الرمي في يوم معين، فزاد أحدهما الآخر على أن يؤخر الرمي ليوم آخر؛ فلا بأس.
وفي ثبوت النضل لأحدهما على الآخر بإصابته دونه، أو بفضل إصابته في تمام رمي وجه واحد، وإن كان قبل تمام عدد الخصل نقل محمد عن عمل الرماة مع حكايته للشافعي، والقياس عند محمد، ولو نضل أحدهما الآخر لتمام عدد الخصل قبل تمام الرشق؛ ففي لغو إصابته من أصاب في تمامه، واعتبارها قولا محمد والرواة.
ويجوز أن يتناضلا على أن يفضل أحدهما بإصابته في عشرة، والآخر في خمسة، ويجوز أن يرميا إلى خصل عدد معين على أن يحسب لأحدهما ما أصاب به من سهم بسهمين، والآخر بسهم واحد، وعليه لا يكون في عدده فرد؛ لأنه لا يكاد يحسب لصاحب خمسة إلا بثلاثة هي ستة، فيذهب له واحد باطلاً.
والافتخار والانتماء للقبيلة حين ظن الإصابة بالرمي جائز، وبذكر الله أحب إلى، كقوله: أنا الفلاني؛ لأنه إغراء لغيره.
روي أنه صلى الله عليه وسلم رمى فقال: "أنا ابن العواتك"، ورمى ابن عمر بين الهدفين وقال: أنا

الجزء: 3 - الصفحة: 182

بها أنا بها، وقال مكحول: أنا الغلام الهذلي.
قلتُ: وهو في حين الحرب أوضح، منه قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين نزل عن بغلته واستنصر: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، ومنه حديث مسلم عن سلمة بن الأكوع: خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال محمد: والشهادة في السباق كغيره، وإن شهدا أنه أسبق فلاناً ديناراً، فحكم عليه أن يراميه، ثم رجعا، فإن نضل المسبق صاحبه؛ لم يغرما شيئاً لعدم غرمه، وإن نضله صاحبه غرما له سبقه، وإن شهدا أنه أسبقه إلى خصل مائة، وقال هو إلى خمسين، فقضي عليه، فنضل المسبق فيما بعد الخمسين، فإن كان المسبق قد نضل بعدها أو قبلها؛ لم يغرما شيئاً لعدم غرم المسبق وإلا غرما.
ولو شهدا أنهما تناضلا بقوس عربية على مدعي فارسية، فرجعا، وقد غرم المشهود عليه غرما له، ولو شهد على الرمي في يوم كذا على من ادعاه في غيره رجع، وقد غرر المشهود عليه؛ لم يغرما، وإن اختلفا في كون السبق ديناراً أو نصفه قبل الفراغ من الرمي، ففي تحالفهما وتفاسخهما مطلقاً، أو ما لم يمعنا في الرمي، فيكون القول قول المسبق قولا أشهب وابن القاسم، وبعده القول قوله مع يمينه ما لم يأت بما يبين به كذبه، ولو قال قبل الرمي: أسبقتك على أن ترمي بعشرة في كل رشق، وقال الآخر: بخمسة؛ تحالفا وتفاسخا، وبعده المعتبر ما رميا عليه، والقول باختلافهما في الغرض قول مسبق، ولو قيل: يتحالفان ويتفاسخان كان مذهباً، والأول أحب إلي، ولو قال:

الجزء: 3 - الصفحة: 183

أسبقتك على أن الخصل إلى مائة، وقال الآخر: إلى خمسين؛ تحالفا وتفاسخا، ولو اختلفا فيمن جعلاه أميناً على الحكم بالإصابة؛ قدم الحاكم بينهما أميناً عارفاً.
قلت: ظاهره: ولو حكم بأحد المختلف فيهما، ومن أبي الرمي بعد تعاقدهما على سبق من أحدهما؛ أجبر عليه.
انتهى.
قال الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي القرطبي المشتهر بابن مناصف في أرجوزته المسماة بالمذهبة التي قالها في نظم الصفات من الحلى والشيات، وختمها بذكر أسماء السوابق قال: وقد رأينا من تمام القول ... فيما اعتمدنا من نعوت الخيل أن نختم التأليف في التبويب ... بسبق الخيل على الترتيب وهبئة الحلبة في المضمار ... وفوتها في درك الأخطار وما الذي يجوز خصل السبق ... منها إذا جاء كسهم الرشق منسوبة جملتها للعرب ... وبعضها قيل لأهل الأدب وهاكها مسرودة مفسره ... مشتقة أسماؤها ميسره بحسب ... على ما يمكن ... في الغرض الذي به يبين ... التي هناك تعرف ... جماعة الخيل التي تأليف من حلب القوم وأيضاً أحلبوا ... كل بمعنى اجتمعوا وحزبوا وموضع الجري هو المضمار ... ثم المدى غاية ما يسار والخصل ما يجعل للسوابق ... عند المدى من خطر المسابق وكان من فعلهم فيما مضى ... أن يجعل الشيء الذي قد عرضا على رؤوس قصب الرماح ... في طرف الغاية للإفصاح ومنه قالوا في الذي قد كملا ... حاز فلان قصب السبق علا

الجزء: 3 - الصفحة: 184

وجملة المخصوص عند العرب ... من سبق الخيل لوضع اللقب عشرة محفوظة الأسماء ... موقوفة النقل على الفراء أولها سبقا هو المجلي ... ينقض مثل النجم أو كالنبل اشتق من جلا بمعنى أظهرا ... ما كان من أمر الرهان مضمرا وقد يقال أيضاً المبرز ... والسابق الكل بهن ينبز والفرس الثاني هو المصلي ... لأنه يليه دون فصل فهو كأن رأسه تراه ... عند صلا الأول من أخراه وثالث الخيل هو المسلي ... من السلو في اشتقاق الفعل كأنما صاحبه به سلا ... إذ جاء بعد السابقين أولا وبعده الرابع وهو التالي ... لتلوه الثالث في الإعجال فنسبوا الرابع للمسلي ... كنسبة التالي من المجلي ثم يليه الخامس المرتاح ... كأنه من كده يرتاح إذ كان يخشى أن يكون بعد ... لكونه في السبق منه بعد وبعده السادس وهو العاطف ... عطفاً على المرتاح يعني الواصف لأنه قد فاته ما قبل ... فانضاف للمرتاح أيضاً يتلو فنسبوه منه في التولي ... كنسبة التالي من المسلي والسابع الذي هو الخطي ... وأصله من خطوة معني لأنه يحظى وإن تأخرا ... بسبق ما خلفه مؤخرا والثامن الذي هو المؤمل ... ليس وراءه لسبق أمل فهو مؤمل الثلاث الباقية ... بأن يفوز من ملام اللاحية

الجزء: 3 - الصفحة: 185

والتاسع اللطيم فهو يحرم ... حظ الجياد قبله ويلطم لأنه لم يترك المؤمل ... لتوه خطأ عليه يعمل والعاشر السكيت ليس بنظر ... وما أتى من بعده لا يذكر وأصله ووزنه فعيل من ... السكوت إذ عداه القول لأنه ماذا عسى تراه ... يقول واللطيم في أولاه ويؤثر لسكيت والسكيت ... كلاهما فيه وقد وفيت

الجزء: 3 - الصفحة: 186

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل