ُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مُورَثِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ أُسَمِّ مَا هُوَ أَخُمُسٌ أَمْ عُشْرٌ أَمْ رُبُعٌ أَمْ نِصْفٌ، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَصَدَّقَ بِمِيرَاثِهِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ وَهَبَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ مَا هُوَ أَثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا دَارَيْنِ وَنَحْنُ أَشْرَاكٌ كَثِيرٌ، فَبِعْتُ نَصِيبِي مَنْ هَذِهِ الدَّارِ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ بِنَصِيبِهِ مَنْ الدَّارِ الْأُخْرَى وَلَمْ أُسَمِّ عِنْدَ الْبَيْعِ مَا نَصِيبِي وَلَا سَمَّاهُ هُوَ لِي أَيْضًا، إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مَا هُوَ وَعَرَفَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثْت فِي دَارٍ سُدُسًا أَوْ رُبُعًا أَوْ خُمُسًا، فَبِعْتُ مُورَثِي مَنْ الدَّارِ مَنْ رَجُلٍ وَلَمْ أُسَمِّ عِنْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ أَنَّ ذَلِكَ خُمُسٌ وَلَا رُبُعٌ وَلَا سُدُسٌ، وَقَدْ عَرَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مَا مِيرَاثُ الْبَائِعِ مَنْ الدَّارِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي مَا مُورَثُ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَائِعُ مَا مُورَثُهُ مِنْ الدَّارِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَهِلَ أَحَدُهُمَا كَمْ ذَلِكَ مِنْ الدَّارِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ.
[مَا جَاءَ فِي التَّهَايُؤِ فِي الْقَسْمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ اقْتَسَمْنَاهَا عَلَى أَنْ أَخَذْت أَنَا الْغُرَفَ وَأَخَذَ هُوَ الْأَسَافِلَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ رَضُوا بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ بَيْتًا مَنْ الدَّارِ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرَيْنِ بَقِيَّةُ الدَّارِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
فِي الْقَسْمِ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْقُرْعَةِ بِالسِّهَامِ.
[مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ الْمَمَرِّ وَقِسْمَةِ الدَّارِ عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ عَلَى أَحَدِهِمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي قَاسَمْتُهُ فَأَخَذْتُ طَائِفَةً وَأَخَذَ هُوَ طَائِفَةً عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لِي، إلَّا أَنَّ لَهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَمَرَّ فَصَارَ الطَّرِيقُ لِي وَلَهُ الْمَمَرُّ فِيهِ، أَيَجُوزُ هَذَا الْقَسْمِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مَمَرَّهُ فِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَقَبَةِ الْبُنْيَانِ شَيْئًا، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمَا.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدَّارِ وَأَحَدُهُمَا يَجْهَلُ حَظَّهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارَيْنِ وَرِثَهُمَا رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا قَدْ عَرَفَ مُورَثَهُ مَنْ الدَّارَيْنِ وَالْآخَرُ يَجْهَلُ مُورَثَهُ مِنْهُمَا، فَرَضِيَا بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مُورَثَهُ مَنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ النِّصْفَ وَمِنْ الْأُخْرَى الثُّلُثَ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِهِ بِقِيمَتِهِمَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تُصَالَحُ عَلَى مُورَثِهَا مِنْ الدَّارِ وَلَا تَعْرِفُ مَا هُوَ، قَالَ مَالِكٌ: الصُّلْحُ بَاطِلٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ تَرَاضَيْنَا عَلَى أَنِّي جَعَلْت لَهُ طَائِفَةٍ مِنْ الدَّارِ، عَلَى أَنْ جَعَلَ لِي الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى، فَرَجَعَ أَحَدُنَا قَبْلَ أَنْ تُنْصَبَ الْحُدُودُ بَيْنَنَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمَا وَلَا يَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَقْرِحَةً مُتَبَايِنَةً بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى أَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ لَنَا فِي الْأَقْرِحَةَ كُلِّهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اجْمَعْ لَنَا نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَرِيبَةً مِنْ بَعْضٍ وَكَانَتْ فِي الْكَرْمِ سَوَاءً، قُسِّمَتْ كُلُّهَا وَجُمِعَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأَقْرِحَةُ مُخْتَلِفَةً وَكَانَتْ قَرِيبَةً، قُسِمَ كُلُّ قَرِيحٍ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَقْرِحَةُ فِي الْكَرْمِ سَوَاءً إلَّا أَنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ مُتَبَاعِدَةٌ مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، قُسِمَ كُلُّ قَرِيحٍ عَلَى حِدَةٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحَوَائِطَ وَالدُّورَ وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ.
قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَسَّمَ الْحَوَائِطُ وَتِلْكَ الدُّورُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ.
[قِسْمَةُ الْقُرَى]
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْقُرَى بَيْنَهُمْ وَرِثُوهَا أَوْ اشْتَرَوْهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اجْمَعْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ لَنَا فِي كُلِّ
قَرْيَةٍ مِنْهَا وَأَعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا نَصِيبَهُ مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ.
قَالَ: إنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَقَارِبَةً، وَهِيَ فِي رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا وَنَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ، جُمِعَتْ تِلْكَ الْقُرَى كُلُّهَا فِي الْقَسْمِ، فَقُسِّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَبَاعِدَةً مُتَبَايِنَةً مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَهِيَ فِي رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا سَوَاءٌ وَفِي حِرْصِ النَّاسِ عَلَيْهَا وَفِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَسَّمَ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى حِدَةٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّورِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ.
[قِسْمَةُ الدُّورِ بَيْنَ نَاسٍ شَتَّى]
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا الدُّورَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ حَظِّي فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اجْمَعْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ سَوَاءً فِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا وَفِي مَوْضِعِهَا، قُسِّمَتْ وَجُمِعَ لِكُلِّ إنْسَانٍ حَظُّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ مُتَفَاوِتَةً مُخْتَلِفًا نَفَاقُهَا عِنْدَ النَّاسِ وَمَوْضِعُهَا كَذَلِكَ، فَلَمْ يُجْمَعْ لِكُلِّ إنْسَانٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ الْقَاسِمُ كُلَّ دَارٍ مِنْهَا إذَا كَانَتْ صِفَتُهَا وَاحِدَةً فِي رَغْبَةِ النَّاسِ وَنَفَاقِهَا وَمَوْضِعِهَا، فَتُقْسَمُ هَذِهِ كُلُّهَا قَسْمًا وَاحِدًا وَيُنْظَرُ إلَى مَا اخْتَلَفَ مِنْ الدُّورِ فَيُقْسَمُ ذَلِكَ عَلَى حِدَةٍ، فَيُعْطَى كُلُّ إنْسَانٍ حَظَّهُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ، وَإِنْ اتَّفَقَتْ دَارَانِ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ جَمَعَهُمَا فِي الْقَسْمِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي قِسْمَةِ قَرْيَةٍ فِيهَا دُورٌ وَشَجَرٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَرِثْت أَنَا وَأَخٌ لِي قَرْيَةً مَنْ الْقُرَى فِيهَا دُورٌ وَشَجَرٌ وَأَرْضٌ بَيْضَاءُ فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ، كَيْفَ نُقَسِّمُ ذَلِكَ بَيْنَنَا؟
قَالَ: أَمَّا دُورُ الْقَرْيَةِ فَتُقَسَّمُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فَتُقَسَّمُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قَسْمِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ وَصَفْتَ لِي فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ إلَى مَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْكَرْمِ وَالنَّفَاقِ عِنْدَ النَّاسِ وَتَقَارُبِ مَوْضِعِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، جُمِعَ لَهُ هَذَا كُلُّهُ فَيُجْعَلُ نَصِيبُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَرْضُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا أُعْطِيَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا مِثْلُ الدُّورِ وَالنَّخْلِ.
قَالَ: وَمَا حَدُّ قُرْبِ الْأَرْضِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ؟
قَالَ: لَمْ يَحُدَّ لَنَا مَالِكٌ فِيهِ حَدًّا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى الْمِيلَ وَمَا أَشْبَهَهُ قَرِيبًا فِي الْحَوَائِطِ وَالْأَرَضِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ الَّتِي هِيَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَخَوَيْنِ، كَيْفَ يَقْسِمُهَا مَالِكٌ بَيْنَهُمَا وَهِيَ مِنْ
أَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ: تُفَّاحٌ وَرُمَّانٌ وَخَوْخٌ وَأُتْرُجٌّ وَأَنْوَاعُ الْفَاكِهَةِ مُخْتَلِطَةٌ فِي جِنَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَانَتْ الْأَجِنَّةُ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى إنْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُخْتَلِطَةً فِي حَائِطٍ وَاحِدٍ كَمَا وَصَفْتَ لِي قُسِمَ الْحَائِطُ، وَجُمِعَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ عَلَى الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجِنَّةُ، التُّفَّاحُ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ وَالرُّمَّانُ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ وَكُلُّ نَوْعٍ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، قُسِّمَ بَيْنَهُمْ كُلُّ جِنَانٍ عَلَى حِدَةٍ عَلَى الْقِيمَةِ وَأُعْطِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظُّهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي النَّخْلِ يَكُونُ فِي الْحَائِطِ مِنْهُ الْبَرْنِيُّ وَالصَّيْحَانِيُّ وَاللَّوْنُ وَالْجُعْرُورُ وَأَنْوَاعُ التَّمْرِ، رَأَيْتُهُ يُقَسَّمُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيُعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُجْمَعُ لَهُ حَظُّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْحَائِطِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يَصِيرُ فِي حَظِّ هَذَا مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ وَمَا يَصِيرُ فِي حَظِّ هَذَا مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ غَائِبٍ، أَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُ هَذِهِ الدَّارِ مَعَ الْغَائِبِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ وَاَلَّذِي كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ غَائِبٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ هَذَا عَنْهُ أَنَّ الدُّورَ لَا يُقْضَى عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا وَهُمْ غُيَّبٌ وَهُوَ رَأْيِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ تَطُولُ، فَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ مِثْلُ مَنْ يَغِيبُ إلَى الْأَنْدَلُسِ أَوْ طَنْجَةَ فَيُقْسَمُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ، فَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَيَقْضِيَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ وَرِثُوا هَذِهِ الدَّارَ عَنْ أَبِيهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْغَائِبَ الَّذِي هَذِهِ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي.
فَأَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مِثْلَ مَا يُسَافِرُ النَّاسُ وَيَقْدَمُونَ، كَتَبَ الْوَالِي إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَوْ يَقْدَمَ فَيُخَاصِمَهُمْ.
وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ طَلَبُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْغَائِبِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ لِبُعْدِ الْبِلَادِ، رَأَيْتُ أَنْ يَقْضِيَ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُقِيمُ الْقَاضِي وَكِيلًا لِهَذَا الْغَائِبِ يَقُومُ لَهُ بِحُجَّتِهِ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَا أَعْرِفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ لِلْغَائِبِ، وَلَكِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ لَهُ خَلِيفَةً.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ صَبِيًّا صَغِيرًا، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، هَلْ يَسْتَخْلِفُ الْقَاضِي لِهَذَا الصَّبِيِّ خَلِيفَةً؟
قَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ مَالِكًا وَلَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ لَهُ الْقَاضِي خَلِيفَةً وَلَا أَرَى ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ أَرْضٌ وَشَجَرٌ وَنَخْلٌ وَفِي الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ ثِمَارٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ وَالثِّمَارَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقَسَّمُ الثِّمَارُ مَعَ الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ
الزَّرْعُ لَا يُقَسَّمُ مَعَ الْأَرْضِ، وَلَكِنْ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَتُقَرُّ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ حَتَّى يَحِلَّ بَيْعُهُمَا، فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَبِيعُوا الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ ثُمَّ يَقْتَسِمُوا الثَّمَنَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُقَسَّمُ الزَّرْعُ فَدَادِينَ وَلَا مُزَارَعَةً وَلَا قَتًّا وَلَا يُقَسَّمُ إلَّا كَيْلًا، وَأَمَّا الثَّمَرُ مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِيهِ: إذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَاحْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى قِسْمَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَجُدُّوا كُلُّهُمْ فَلَا أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوهُ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْكُلُوهُ رُطَبًا كُلُّهُمْ أَوْ يَبِيعُوهُ رُطَبًا كُلُّهُمْ فَلَا أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يُثْمِرَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، وَاخْتَلَفَتْ حَوَائِجُهُمْ، أَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبِيعَ وَبَعْضُهُمْ أَنْ يُيَبِّسَ، رَأَيْتُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إذَا وَجَدُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْخَرْصَ.
قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْفَاكِهَةُ وَالرُّمَّانُ وَالْفِرْسِكُ وَمَا أَشْبَهَهُ؟
قَالَ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ وَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ الْخَرْصُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا مَضَى الْخَرْصُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِي قَسْمِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْبَقْلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْت بَقْلًا أَيَصْلُحُ لَنَا أَنْ نُقَسِّمَهُ؟
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ قَسْمَ الثِّمَارِ بِالْخَرْصِ وَقَالَ: هُوَ مِمَّا لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَجُوزُ فِيهِ الْخَرْصُ لَجَازَ فِي الثِّمَارِ، فَالْبَقْلُ أَبْعَدُ مِنْ الثِّمَارِ فِي الْخَرْصِ، فَلَا أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ حَتَّى يُجَدَّ وَيُبَاعَ فَيَقْتَسِمُونَ ثَمَنَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ جُلَّ الثِّمَارِ مِنْ التُّفَّاحِ وَالْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ وَالْأُتْرُجِّ وَالْمَوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ، لَا بَأْسَ بِهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِالْقُرْطِ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ.
فَلَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ لِي مَالِكٌ فِيمَا يُجَوِّزُ مِنْ الثِّمَارِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ أَنْ يُقَسَّمَ ذَلِكَ بِالْخَرْصِ، كَرِهْتُ أَنْ يُقَسَّمَ الْبَقْلُ الْقَائِمُ بِالْخَرْصِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْفَاكِهَةُ الْخَضْرَاءُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ فِي أَثْمَانِهَا فِي الزَّكَاةِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَلَا بَأْسَ فِي تَفَاضُلِهَا بَيْنَهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ.
قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ فَدَّانٍ كُرَّاثٍ بِفَدَّانَيْ كُرَّاثٍ أَوْ سَرِيسٍ أَوْ خَسٍّ أَوْ سِلْقٍ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يُجَدَّا مَكَانَهُمَا وَيَقْطَعَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ قَدْ طَابَتْ بِقَمْحٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ بِثَمَرَةٍ يَابِسَةٍ يَكْتَالُهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا، أَوْ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِثَمَرَةٍ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ سِوَى النَّخْلِ وَكُلٌّ قَدْ طَابَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجُدَّا مَا فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَدَّ أَحَدُهُمَا وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ الْآخَرُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِحِنْطَةٍ فَدَفَعَ الْحِنْطَةَ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ مَا فِي رُءُوسِ
النَّخْلِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ الْبَقْلُ عِنْدِي مِثْلُ هَذَا، وَاَلَّذِي أَخْبَرْتُكَ مِنْ الثِّمَارِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَمَائِهَا وَشَجَرِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَرِثُوا قَرْيَةً لَهَا مَاءٌ وَشَجَرٌ، وَرِثُوا أَرْضَهَا وَمَاءَهَا وَشَجَرَهَا وَشِرْبَهَا، لِأَحَدِهِمْ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ وَلِلْآخَرِ النِّصْفُ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا؟
قَالَ: تُقْسَمُ الْأَرْضُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي شِرْبِهِمْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُ، وَكُلُّ قَوْمٍ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي قَلْدٍ مِنْ الْأَقْلَادِ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَشُرَكَاؤُهُ دُنْيَةً أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ سَائِرِ شُرَكَائِهِ فِي الْمَاءِ.
قُلْتُ: وَالدِّنْيَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ هُمْ أَهْلُ وِرَاثَةٍ يَتَوَارَثُونَ دُونَ شُرَكَائِهِمْ؟
قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَدْ قُسِّمَتْ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَسِمُوا الْمَاءَ، فَبَاعَ رَجُلٌ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَبِعْ الْأَرْضَ، كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ نَخْلٍ بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوهَا وَلَهَا بِئْرٌ وَتَرَكُوا الْبِئْرَ عَلَى حَالِهَا يَسْقُونَ بِهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حَظَّهُ مِنْ الْأَرْضِ وَتَرَكَ حَظَّهُ مِنْ الْبِئْرِ لَمْ يَبِعْهُ مَعَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ إنْسَانٍ فَقَالَ شَرِيكُهُ فِي الْبِئْرِ أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: الْبِئْرُ الَّتِي لَا شُفْعَةَ فِيهَا مَا هِيَ؟
قَالَ: هِيَ هَذِهِ الَّتِي إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ وَتُرِكَتْ الْبِئْرُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، فَالْعُيُونُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُقْسَمْ النَّخْلُ، فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ إنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي نَخْلٍ يَسِيرٍ حَظُّهُ مِنْهَا يَسِيرٌ وَلَهُمْ نَبْعُ مَاءٍ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ رَجُلٍ وَهُوَ الْقَلِيلُ الْحَظِّ وَلَا يَبِيعَ النَّخْلَ.
قَالَ: أَرَى شُرَكَاءَهُ فِي الْمَاءِ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ]
ُ قُلْتُ: فَهَلْ تُقَسِّمُ الْوَرَثَةُ الزَّرْعَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مَكَانَهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ يُسْتَطَاعُ أَنْ يُعْدَلَ بَيْنَهُمَا بِالتَّحَرِّي فِي الْقَسْمِ جَازَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُقَسَّمُ عَلَى التَّحَرِّي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ فَحَصَدَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ حَتَّى صَارَ حَبًّا قَالَ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ عَلَى الَّذِي حَصَدَهُ قِيمَةُ مَا حَصَدَ مِنْ الزَّرْعِ، وَيَكُونُ هَذَا الزَّرْعُ الَّذِي اُسْتُحْصِدَ بَيْنَهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا حَبًّا وَيَقْتَسِمَانِ أَيْضًا الْقِيمَةَ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: فِي الْقَصَبِ وَالتِّبْنِ إذَا قُسِمَ عَلَى التَّحَرِّي فَذَلِكَ جَائِزٌ فَرَأَيْتُ قِسْمَةَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ عَلَى التَّحَرِّي جَائِزًا فِي رَأْيِي.
فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ حَتَّى يَصِيرَ حَبًّا فَقَدْ فَسَدَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ هَهُنَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَلَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مِنْ هَذَا الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ مُشْتَرِيهِ حَتَّى يَصِيرَ حَبًّا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، كَانَ أَيْضًا فِي الْقِسْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَسَمَاهُ عَلَى التَّحَرِّي عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ وَهُوَ بَقْلٌ ثُمَّ تَرَكَاهُ جَمِيعًا حَتَّى صَارَ حَبًّا، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ وَيَصِيرُ جَمِيعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ كَيْلًا، وَهَذَا رَأْيِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْبَلَحِ الْكَبِيرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَدْنَا أَنْ نَقْتَسِمَ بَلَحًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَرِثْنَاهُ أَوْ اشْتَرَيْنَاهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْبَلَحُ كَبِيرًا وَاخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْكُلَ الْبَلَحَ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَبِيعَ الْبَلَحَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَى الْخَرْصِ يُخْرَصُ بَيْنهمَا إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْبَلَحَ الْكِبَارَ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ.
قَالَ: وَلَا أَرَى أَنْ يُبَاعَ الْبَلَحُ إذَا كَانَ كَبِيرًا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ عَلَى الْخَرْصِ فِيمَا بَيْنَهُمَا إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ، وَجَعَلَ مَالِكٌ الْبَلَحَ الْكَبِيرَ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَلَحُ الْكَبِيرُ فِي الْقِسْمَةِ مِثْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ الْكَبِيرَ بِالْخَرْصِ وَخُرِصَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنْ يَجُدَّهُ أَحَدُهُمَا لِيَأْكُلَهُ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَبِيعَهُ، أَمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بَيْعَ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ؟
قَالَ: إذَا اقْتَسَمَاهُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَخُرِصَ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ مُخْتَلِفَةً وَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا الْقَسْمِ، وَإِنْ لَمْ يَجُدَّ الَّذِي حَاجَتُهُ إلَى الْأَكْلِ إلَّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى يُزْهِيَ وَقِسْمَتُهُمَا بِالْخَرْصِ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا قَبْضٌ.
وَالْخَرْصُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي حَاجَتُهُ إلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرُّطَبِ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِالْخَرْصِ، ثُمَّ يَجُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرُّطَبِ كُلَّ يَوْمٍ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْبَلَحُ الْكِبَارُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ الْكَبِيرَ بِالْخَرْصِ وَكَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى الْبَلَحِ مُخْتَلِفَةً، فَجَدَّ وَاحِدٌ وَتَرَكَ الْآخَرُ حِصَّتَهُ حَتَّى أَزْهَى، أَوْ تَرَكَا جَمِيعًا حِصَّتَهُمَا حَتَّى أَزْهَى النَّخْلُ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَوْ تَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً؟
قَالَ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا إنْ تَرَكَاهُ جَمِيعًا حَتَّى أَزْهَى أَوْ تَرَكَهُ أَحَدُهُمَا وَجَدَّ الْآخَرُ.
قُلْتُ: وَلِمَ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْتَاعَ نِصْفَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا صَارَ لَهُ مِنْ الْبَلَحِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَاعَ الْبَلَحُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَلَى
أَنْ يُتْرَكَ حَتَّى يُزْهِيَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا أَزْهَى وَحَاجَتُهُمَا إلَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مُخْتَلِفَةٌ فَتَرَكَاهُ حَتَّى أَثْمَرَ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا تُنْتَقَضُ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمْ فِيهِ يُتْمِرُ وَاحِدٌ وَيَجُدُّ آخَرُ وَيَبِيعُ آخَرُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ اشْتَرَى رُطَبًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى يُتْمِرَ، لَمْ يُنْتَقَضْ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ أَيْضًا عِنْدِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْت مِثْلَ تَمْرِ إفْرِيقِيَةَ، فَإِنَّهُمْ يَجُدُّونَهُ بُسْرًا إذَا بَدَا قَبْلَ أَنْ يُرَطَّبَ، ثُمَّ يَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَتَتَمَّرَ عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ وَفِي الْأَنَادِرِ، أَرَأَيْت إنْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا جَدَّاهُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اقْتَسَمَاهُ كَيْلًا.
قُلْتُ: وَلَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ لَيْسَ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَفَّ وَانْتَقَصَ لَا يُدْرَى أَيَكُونُ ذَلِكَ سَوَاءً أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرُّطَبَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا اقْتَسَمَاهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ نُقْصَانَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قُلْتُ: وَيُصْلَحُ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ إذَا اقْتَسَمَاهُ، ثُمَّ جَفَّ بَعْد ذَلِكَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصَارَ تَمْرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ أَيْضًا مَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ لِأَنَّهُ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ بَلَحًا صِغَارًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا اقْتَسَمَاهُ عَلَى التَّحَرِّي اجْتَهَدَا حَتَّى خَرَجَا مِنْ وَجْهِ الْمُخَاطَرَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا الْبَلَحُ الصَّغِيرُ عَلَفٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ بَقْلٌ مِنْ الْبُقُولِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اقْتَسَمَاهُ وَفَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ فَضَلَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِبَلَحِ نَخْلَةٍ بِبَلَحِ نَخْلَتَيْنِ، عَلَى أَنْ يَجُدَّاهُ مَكَانَهُمَا إذَا كَانَ الْبَلَحُ صَغِيرًا.
قُلْتُ: وَتَجُوزُ قِسْمَتُهُمَا هَذَا الْبَلَحَ وَحَاجَتُهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى الْبَلَحِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُشْبِهُ الرُّطَبَ بِالرُّطَبِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ وَالْعَلَفِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ فَلَمْ يَجُدَّاهُ حَتَّى صَارَ بَلَحًا كِبَارًا لَا يُشْبِهُ الرُّطَبَ، أَيُنْتَقَضُ الْقَسْمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَأَحَدُهُمَا قَدْ فَضَلَ صَاحِبَهُ فِي الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا اقْتَسَمَاهُ عَلَى تَفَاضُلٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى إنْ كَانَا اقْتَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى غَيْرِ تَفَاضُلٍ، وَكَانَ إذَا كَبِرَ يَتَفَاضَلُ فِي الْكَيْلِ، فَأَرَاهُ مَفْسُوخًا، وَإِلَّا لَمْ أَرَهُ مَفْسُوخًا إلَّا أَنْ يُزْهِيَ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّاهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ أَحَدُهُمَا أَوْ يَكُونَا قَدْ جَدَّا، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ بَقِيَ لَهُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ شَيْءٌ لَمْ يَجُدَّهُ حَتَّى أَزْهَى.
قَالَ: وَإِذَا أَكَلَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ فِي الْقَسْمِ، وَأَكَلَ الْآخَرُ نِصْفَ مَا صَارَ لَهُ فِي الْقَسْمِ، أَيُنْتَقَضُ الْقَسْمُ فِي نِصْفِ مَا أَكَلَ الَّذِي أَكَلَ جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ قِيمَةِ مَا صَارَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ هَذَا الَّذِي أَزْهَى فِيمَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا؟
قَالَ: وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ إذَا اقْتَسَمَاهُ بَقْلًا عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ فَتَرَكَاهُ حَتَّى أَفْرَكَ أَوْ تُرِكَ بَعْضُهُ
حَتَّى أَفْرَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ حِينَ يَقُولُ: يَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَخْرُصُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ مُخْتَلِفَةً، وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْعِنَبِ أَيْضًا.
لِمَ قَالَهُ؟ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً؟
قَالَ: لِأَنَّ الْخَرْصَ عِنْدَ مَالِكٍ كَيْلٌ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ الرُّطَبِ لَمْ يَقْتَسِمَاهُ إلَّا كَيْلًا؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إلَى هَذَا الرُّطَبِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى أَنْ يَبِيعَا ذَلِكَ جَمِيعًا، قِيلَ لَهُمَا بِيعَا ثُمَّ اقْتَسِمَا الثَّمَنَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنْ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِالْخَرْصِ، وَيُجْعَلُ الْخَرْصُ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، فَلَا يَكُونُ الْخَرْصُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ وَاحِدَةً، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَقْتَسِمَانِهِ إلَّا بِالصَّاعِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْعَبِيدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبِيدَ، هَلْ يُقْتَسَمُونَ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ.
[مَا جَاءَ فِي قَسْمِ اللَّبَنِ فِي الضُّرُوعِ وَالصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ]
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ اللَّبَنُ فِي ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ، مِثْلُ غَنَمٍ بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي نَقْتَسِمُهَا لِلْحَلْبِ يَحْلِبُ وَأَحْلِبُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْقَسْمَ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فَضَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَكَانَ إنْ هَلَكَتْ الْغَنَمُ الَّتِي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا رَجُلٌ تَرَكَ فَضْلًا لِصَاحِبِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمُقَاسَمَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْقَسْمِ لِأَنَّهُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُقَسَّمُ الصُّوفُ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَا يَجُزَّانِهِ بِحَضْرَتِهِمَا وَإِلَى أَيَّامٍ قَرِيبَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ.
[فِي قِسْمَةِ الْجِذْعِ وَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالثِّيَابِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجِذْعَ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى قِسْمَتِهِ إلَى أَنْ يُقْطَعَ بَيْنَهُمَا وَأَبَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ؟ فَقَالَ: لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْجِذْعُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْبَابُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْمِصْرَاعَانِ وَالْخُفَّانِ وَالنَّعْلَانِ، هِيَ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْمُلَفَّقَةُ مِنْ الْعِرْقِيِّ وَالْمَرْوِيِّ وَالْمُلَفَّقِ هُوَ عِنْدَكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّاعِدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ؟
قَالَ: لَا تُقْسَمُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّحَا، هَلْ تُقَسَّمُ آخُذُ أَنَا حَجَرًا وَصَاحِبِي حَجَرًا؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ تُقَسَّمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْفَصُّ وَالْيَاقُوتَةُ وَاللُّؤْلُؤَةُ وَالْخَاتَمُ؟
قَالَ: نَعَمْ، هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ لَا يُقْسَمُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، إذَا اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَيْءٌ كَثِيرٌ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، أَتَجْمَعُهُ كُلَّهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ فَتَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ، أَمْ تَجْعَلُ كُلَّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ بَيْنَهُمْ؟
قَالَ: بَلْ يُجْعَلُ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَتَاعَ إذَا كَانَ خَزًّا أَوْ حَرِيرًا أَوْ دِيبَاجًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، أَيَجْمَعُهُ فِي الْقَسْمِ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا كَثِيرًا يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ عَلَى حِدَةٍ؟
قَالَ: هَذِهِ الثِّيَابُ كُلُّهَا تُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ لَا يَحْمِلُ أَنْ يُقْسَمَ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْمَتَاعِ فِرَاءٌ؟
قَالَ: الْفِرَاءُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهَا بُسُطٌ وَوَسَائِدُ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُجْمَعَ هَذَا مَعَ الْبَزِّ وَالثِّيَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَتَاعٌ سِوَى الْبَزِّ.
قَالَ: وَالْبَزُّ أَيْضًا إذَا كَانَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ مَا يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ عَلَى حِدَتِهِ قَسْمُهُ عَلَى حِدَةٍ.
قَالَ: وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْغِرَارَتَيْنِ، أَيُقْسَمَانِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا إنْ قُسِّمَ لَمْ أَقْسِمْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيهِ فَسَادٌ قَسَمْتُهُ مِثْلُ النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَبْلَ، هَلْ يُقَسَّمُ إذَا أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا؟
قَالَ: لَا يُقَسَّمُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْخُرْجُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمِحْمَلَ، هَلْ يُقَسَّمُ إذَا أَبَى أَحَدُهُمَا ذَلِكَ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِيهِ إلَى الْمَضَرَّةِ وَنُقْصَانِ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانُ الثَّمَنِ وَمَضَرَّةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يُقَسَّمُ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا.
[فِي قِسْمَةِ الْجُبْنَةِ وَالطَّعَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجُبْنَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
تُقَسَّمُ وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَنْقَسِمُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الطَّعَامِ: إنَّهُ يُقَسَّمُ، فَأَرَى هَذِهِ الْجُبْنَةَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ.
[فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالْعُيُونِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْمًا وَرِثُوا أَرَضِينَ وَعُيُونًا كَثِيرَةً، فَأَرَادُوا قِسْمَةَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ
نَجْمَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا نَصِيبَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَنْ الْعُيُونِ وَالْأَرَضِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَعْطِنِي نَصِيبِي مَنْ كُلِّ عَيْنٍ وَمَنْ كُلِّ أَرْضٍ؟
قَالَ: إذَا اسْتَوَتْ الْعُيُونُ فِي سَقْيِهَا الْأَرْضَ وَاسْتَوَتْ الْأَرْضُ فِي الْكَرْمِ، وَكَانَتْ قَرِيبًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَا يَكُونَ اخْتِلَافًا بَيِّنًا شَدِيدًا، قَسَّمْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعُيُونُ فِي سَقْيِهَا الْأَرْضَ وَغَزْرِهَا وَاخْتَلَفَتْ الْأَرْضُ فِي كَرْمِهَا، قَسَّمْتُ كُلَّ أَرْضٍ وَعُيُونَهَا عَلَى حِدَةٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عِنْدَ مَالِكٍ.
[فِي بَيْعِ النَّخْلِ بِالنَّخْلِ وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ]
ِ قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ نَخْلًا لِي فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ وَهُوَ طَلْعٌ بَعْدُ، بِنَخْلٍ لِرَجُلٍ فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ أَوْ هُوَ طَلْعٌ بَعْدُ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجِنَانَيْنِ أَوْ الْحَائِطَيْنِ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا جِنَانَهُ أَوْ حَائِطَهُ مِنْ النَّخْلِ بِجِنَانِ صَاحِبِهِ أَوْ بِحَائِطِ صَاحِبِهِ مِنْ النَّخْلِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ فِي إحْدَاهُمَا ثَمَرَةٌ وَالْأُخْرَى لَيْسَ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ ثَمَرَةُ الْحَائِطَيْنِ بَلَحًا أَوْ طَلْعًا أَوْ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إذَا اشْتَرَطَا الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ.
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ وَفِيهِ الثَّمَرُ لَمْ يُؤَبَّرْ بَعْدُ، بِقَمْحٍ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ، فَإِذَا اشْتَرَطَا الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَايَعَا الْأَصْلَيْنِ بِغَيْرِ ثَمَرَتِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَتْ ثَمَرَتُهُمَا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ كَانَتْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا.
وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهُمَا لَمْ تُؤَبَّرْ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَتَبَايَعَاهُمَا عَلَى حَالٍ، لَا إنْ كَانَتْ ثَمَرَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَائِطَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إنْ كَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ فَهُوَ بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ فَهُوَ الثَّمَرُ بِالثَّمَرِ إلَى أَجَلٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ حَائِطًا وَفِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فَيَسْتَثْنِي ثَمَرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبَايِعَ صَاحِبَهُ حَائِطَهُ بِحَائِطِهِ وَيَحْبِسَ ثَمَرَتَهُ، لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةُ أَحَدِهِمَا قَدْ أُبِّرَتْ وَثَمَرَةُ الْآخَرِ لَمْ تُؤَبَّرْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ إحْدَاهُمَا بِصَاحِبَتِهَا إذَا كَانَتْ الَّتِي قَدْ أُبِّرَتْ لِصَاحِبِهَا، فَإِنْ اسْتَثْنَاهَا صَاحِبُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ فَلَا يَحِلُّ.
قُلْتُ: فَأَصْلُ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ هَذَا، أَنَّ النَّخْلَ إذَا كَانَ فِيهَا طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ أَوْ بُسْرٌ أَوْ رُطَبٌ أَوْ تَمْرٌ، لَمْ يَصْلُحْ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ النَّخْلُ بِمَا فِي رُءُوسِهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَيَجُوزُ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالْعُرُوضِ كُلِّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَجُدَّا مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَيَتَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَيَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بِالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الثَّمَرِ مَعَ الشَّجَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَهُوَ طَلْعٌ بَعْدُ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا أَوْ الشَّجَرَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا؟
قَالَ: يُقَسَّمُ النَّخْلُ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُقَسَّمُ مَا فِي رُءُوسِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَا نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا مِنْ الرُّطَبِ بَيْنَنَا، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ حَاجَتُنَا إلَى الرُّطَبِ؟
قَالَ: يُقَسَّمُ إذًا بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، تُقَسَّمُ الْأَرْضُ عَلَى الْقِيمَةِ وَمَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالْخَرْصِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقْيُ نَخْلَةٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهَا لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ مَنْ بَاعَ ثَمَرًا كَانَ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ سَقْيُ الثَّمَرَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَمَرِي فِي حَائِطِكَ كَانَ عَلَيْكَ سَقْيُ الْأَصْلِ، فَيُجْمَعُ مِنْ الْأَصْلِ لِكُلِّ رَجُلٍ حَقُّهُ فِي مَوْضِعٍ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِي الثَّمَرَةِ حَيْثُ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ لَهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْنَا نَخْلًا فِيهَا بَلَحٌ أَوْ طَلْعٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَالْبَلَحَ؟
قَالَ: أَمَّا الْبَلَحُ وَالطَّلْعُ فَلَا يُقَسَّمُ عَلَى حَالٍ إلَّا أَنْ يَجُدَّاهُ أَوْ يُقَسِّمَا الرِّقَابَ بَيْنَهُمَا وَيَتْرُكَا الْبَلَحَ وَالطَّلْعَ حَتَّى يَطِيبَ، ثُمَّ إنْ أَرَادَا أَنْ يُقَسِّمَاهُ إذَا طَابَ اقْتَسَمَاهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَلَحِ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَسِمَا الْبَلَحَ فِي النَّخْلِ؟
قَالَ أَرَأَيْتَ الزَّرْعَ، أَيَصْلُحُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ مَعَ الْأَرْضِ إذَا وَرِثَا الزَّرْعَ وَالْأَرْضَ جَمِيعًا؟
قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَالْأَرْضُ وَالزَّرْعُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ وَالْبَلَحِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَزْهَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَسَّمَهُ مَالِكٌ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ.
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّرْعَ إذَا حُصِدَ وَصَارَ حَبًّا قَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا بِالْكَيْلِ، وَالْخَرْصُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ فِيهِ خَرْصٌ وَالنَّخْلُ فِيهَا الْخَرْصُ، فَإِذَا طَابَ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ غَيْرَ النَّخْلِ، هَلْ يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ مَا فِي رُءُوسِهَا إذَا طَابَ وَقَدْ وَرِثْنَاهَا وَمَا فِي رُءُوسِهَا؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ إلَّا الْعِنَبُ وَالنَّخْلُ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّمَارِ إلَّا فِيهِمَا جَمِيعًا، فَجَعَلَ مَالِكٌ الْخَرْصَ فِيهِمَا إذَا طَابَ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ، وَإِنْ لَمْ يَطِبْ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ فَلَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ إنْ أَرَادَا ذَلِكَ أَنْ يَجُدَّاهُ ثُمَّ يُقَسِّمَانِهِ كَيْلًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ وَرَثَةً وَتَرَكَ دَيْنًا عَلَى رِجَالٍ شَتَّى وَتَرَكَ عُرُوضًا لَيْسَتْ بِدَيْنٍ، فَاقْتَسَمَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ يَتَّبِعَ الْغُرَمَاءَ، وَأَخَذَ الْآخَرُ الْعُرُوضَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ حُضُورًا وَجُمِعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي
الْبُيُوعِ، أَنَّهُ قَالَ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ دَيْنًا عَلَى غَرِيمٍ غَائِبٍ إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: هَلْ تُقَسَّمُ الدُّيُونُ عَلَى الرِّجَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقْتَسِمُونَ مَا كَانَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَلَا يُقَسِّمُ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ ذِمَّةً بِذِمَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَبَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: الذِّمَّةُ بِالذِّمَّةِ مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ثُمَّ يَدَّعِي أَحَدُهُمَا الْغَلَطَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اقْتَسَمَ أَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ الْغَلَطَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ؟
قَالَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ إذَا ادَّعَى الْغَلَطَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ، أَوْ يَتَفَاحَشُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ غَلَطٌ لَا يُشَكُّ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الثَّوْبَ مُرَابَحَةً، ثُمَّ يَأْتِي الْبَائِعُ فَيَدَّعِي وَهْمًا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَأْتِيَ مِنْ رَقْمِ الثَّوْبِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْغَلَطِ، فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى الْغَلَطَ فِي قَسْمِ الْمِيرَاثِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ الْغَلَطَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، أَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَادَّعَى الْغَلَطَ يَقُولُ أَخْطَأْتُ، أَوْ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَيَقُولُ أَخْطَأْتُ إنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَمْرٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ ثَوْبَهُ ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ الْغَلَطَ فِي قَسْمِ الْمَوَارِيثِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ ذَلِكَ، أَيُحَلِّفُهُمْ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمْنَا أَثْوَابًا وَرِثْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا أَرْبَعَةً وَأَخَذَ صَاحِبِي سِتَّةً، ثُمَّ ادَّعَيْت أَنَّ ثَوْبًا مِنْهَا لِي فِي قِسْمَتِي وَأَنْكَرَ صَاحِبِي ذَلِكَ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ بَيْنَنَا أَمْ تُحَلِّفُهُ وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً؟
قَالَ: أُحَلِّفُهُ وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً.
قُلْتُ: وَلِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي ادَّعَى الثَّوْبَ الَّذِي فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، قَدْ أَقَرَّ بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ يَدَّعِي ثَوْبًا مِمَّا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ، وَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ تُشْبِهُ مَا يَتَقَاسَمُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَحَلَفَ شَرِيكُهُ عَلَى الثَّوْبِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَ الْقَوْلَ قَوْلَ مَنْ فِي يَدَيْهِ الثَّوْبُ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَنْتَ تَقُولُ لَوْ أَنِّي بِعْتُ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ مِنْ رَجُلٍ، فَلَمَّا قَبَضَهَا جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ إنَّمَا بِعْتُكَ تِسْعَةَ أَثْوَابٍ وَغَلِطْتُ بِالْعَاشِرِ فَدَفَعْتُهُ إلَيْكَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ اشْتَرَيْتُ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا، وَالْأَثْوَابُ قَائِمَةٌ بِأَعْيَانِهَا أَنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، فَالْقِسْمَةُ لِمَ لَا تَجْعَلُهَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لَا تَكُونُ الْقِسْمَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إذَا قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ لَهُ وَحَازَهُ، لَمْ يَجُزْ قَوْلُ شَرِيكِهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا يَجُوزُ لَمْ يَشَأْ رَجُلٌ قَعَدَ بَعْدَمَا تَقَاسَمَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إلَّا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَالْبَيْعُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ نِصْفَهَا أَوْ رُبُعَهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ وَكَذَلِكَ فِي الثِّيَابِ.
وَالْقِسْمَةُ إذَا تَحَاوَزَا فَالْقَوْلُ فِي الَّذِي حَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
قَوْلُهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي ادَّعَيْتُهُ، أَقَمْتُ أَنَا الْبَيِّنَةَ صَارَ لِي فِي الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ صَاحِبِي أَيْضًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، لِمَنْ يَكُونُ؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ فِي يَدَيْهِ الثَّوْبُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: وَالْغَنَمُ بِمَنْزِلَةِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ الثِّيَابِ إذَا اقْتَسَمَاهَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
[مَا جَاءَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَقْتَسِمَانِ الدَّارَ فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا بَيْتًا بَعْدَ الْقَسْمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا فَاخْتَلَفْنَا فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْبَيْتُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنَّا فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ الْقِسْمَةُ كُلُّهَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ قَدْ حَازَ ذَلِكَ الْبَيْتَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَبَى الْيَمِينَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا جُعِلَ الْبَيْتُ لِصَاحِبِهِ الْآخَرِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الْبَيْتُ إذَا أَبَى صَاحِبُهُ الْيَمِينَ إلَّا بَعْدَمَا يَحْلِفُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ مَالًا وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، فَيُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ احْلِفْ وَابْرَأْ فَيَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ، أَيُقْضَى بِالْمَالِ عَلَيْهِ أَمْ يَقُولُ السُّلْطَانُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ، وَإِلَّا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذَا يُشْبِهُ مَا أَخْبَرْتُكَ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَيْتِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فِي الْقِسْمَةِ.
[مَا جَاءَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي حَدِّ الْقِسْمَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْحَدِّ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الدَّارِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا الْحَدُّ مِنْ هَهُنَا وَدَفَعَ عَنْ جَانِبِهِ إلَى جَانِبِ صَاحِبِهِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ بَلْ الْحَدُّ مِنْ هَهُنَا وَدَفَعَ عَنْ جَانِبِهِ إلَى جَانِبِ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: إنْ كَانَا قَسَمَا الْبُيُوتَ عَلَى حِدَةٍ وَالسَّاحَةَ عَلَى حِدَةٍ، تَحَالَفَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَفُسِخَتْ الْقِسْمَةُ فِي السَّاحَةِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تُفْسَخْ الْقِسْمَةُ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحَدِّ وَفِي السَّاحَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ.
وَإِنْ كَانَا قَسَمَا فِي الْبُيُوتِ وَالسَّاحَةِ قَسْمًا وَاحِدًا، تَرَاضَيَا بِذَلِكَ فُسِخَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَا فِيهَا.
[فِي قِسْمَةِ الْوَصِيِّ مَالَ الصِّغَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، هَلْ يُقَسِّمُ مَالَ الصِّغَارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا لَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ إلَّا صِبْيَانًا صِغَارًا، وَأَوْصَى بِهِمْ وَبِتَرِكَتِهِ إلَى هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقَسِّمَ الْوَصِيُّ مَالَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَلَا يُقَسِّمُ مَالَ الصِّغَارِ بَيْنَهُمْ إذَا كَانُوا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ، إلَّا السُّلْطَانُ إنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَصَاغِرِ أَحَدٌ إلَّا الْقَاضِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَوْصَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ وَتَرَكَ صِبْيَانًا صِغَارًا وَأَوْلَادًا كِبَارًا، أَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَرَثَةَ الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ بِغَيْرِ أَمْرِ قَاضٍ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ، وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ حَلَفَتْ لَتُقَاسِمَنَّ إخْوَتَهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يُقَاسِمُوهَا.
فَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَبْعَثَ مَنْ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالْإِصَابَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي هَؤُلَاءِ الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ فَوَقَعَتْ سُهْمَانُ الْأَصَاغِرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَذَ الْكِبَارُ حَظَّهُمْ وَبَقِيَ حَظُّ الْأَصَاغِرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ فَهَلْ يُجْمَعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُجْمَعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَيَكُونُ سَهْمُ كُلِّ صَغِيرٍ مِنْهُمْ حَيْثُ وَقَعَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُجْمَعُ حَظُّ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قِسْمَةَ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، أَتَجُوزُ عَلَى هَذَا الْغَائِبِ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَا يُقَسِّمُ لِهَذَا الْغَائِبِ إلَّا السُّلْطَانُ.
وَإِنْ قَسَّمَ لِهَذَا الْغَائِبِ الْوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: هَلْ يَبِيعُ الْوَصِيُّ الْعَقَارَ عَلَى الْيَتَامَى أَمْ لَا؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ يُجَاوِرُهُ فَيُعْطِيَهُ الثَّمَنَ الْكَثِيرَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ، وَقَدْ أَضْعَفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ لَيْسَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يَحْمِلُ الْيَتِيمَ فِي نَفَقَةِ الْيَتِيمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ رَأَيْتُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْيَتِيمِ إنْ كَبِرَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَصِيبَ الْغَائِبِ إذَا قَاسَمَ السُّلْطَانُ لَهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِنَصِيبِهِ وَفِي يَدِ مَنْ يَتْرُكُهُ؟ قَالَ: يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ لِلْغَائِبِ، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْوَصِيِّ يَنْظُرُ بِالدَّيْنِ وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ قَالَ: إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ فِي حَظِّ الْكِبَارِ شَيْءٌ أَنْ يَقُولَ: يُتْرَكُ نَصِيبُ هَذَا الْكَبِيرِ الْغَائِبِ فِي يَدِي حَتَّى يَقْدَمَ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لِلْغَائِبِ السُّلْطَانُ.
[فِي الْمُسْلِمِ إذَا أَوْصَى إلَى الذِّمِّيِّ وَقَسَمَهُ مَجْرَى الْمَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسْلِمَ إذَا أَوْصَى إلَى ذِمِّيٍّ، أَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ أَوْصَى إلَى مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ وَالْمُوصَى إلَيْهِ مَسْخُوطٌ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ،
فَهَذَا مِمَّنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ.
قُلْتُ: هَلْ يُقَسَّمُ مَجْرَى الْمَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَقُولُ يُقَسَّمُ مَجْرَى مَاءٍ، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا جَوَّزَهُ، وَمَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ مَجْرَى الْمَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا أَرْضًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَرْضِ صَاحِبِهِ، وَبَعْضُهُمْ إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى هَذَا يَبْقَى لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى أَرْضِهِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَا أَرَى هَذَا مِنْ قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ.
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ مَا يُشْبِهُ هَذَا.
[الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ النَّخْلَةُ فِي أَرْضِ رَجُلٍ أُقْلِعَتْ فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي نَخْلَةً فِي أَرْضِ رَجُلٍ قَلَعَهَا الرِّيحُ أَوْ قَلَعْتُهَا أَنَا نَفْسِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَغْرِسَ مَكَانَهَا نَخْلَةً أُخْرَى؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَسَأَلَهُ عَنْهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ فَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا زَيْتُونَةً أَوْ جَوْزَةً، أَوْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ أَصْلِ تِلْكَ النَّخْلَةِ نَخْلَتَيْنِ أَوْ شَجَرَتَيْنِ مِنْ سِوَى النَّخِيلِ، أَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ نَخْلَتِهِ، مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِثْلُ نَخْلَتِهِ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَصْلِ تِلْكَ النَّخْلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ انْتِشَارًا وَأَضَرَّ بِالْأَرْضِ مِنْ نَخْلَتِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ نَخْلَتِهِ مِثْلَهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَخْلَةً فِي أَرْضِ رَجُلٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَجُدَّهَا، فَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ لَا أَتْرُكُك تَتَّخِذَ فِي أَرْضِي، طَرِيقًا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى نَخْلَتِهِ لِيَجُدَّهَا أَوْ لِيُصْلِحَهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْ زَرَعَ أَرْضَهُ كُلَّهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرِقَ زَرْعَهُ إلَى نَخْلَتِهِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ الْمَمَرَّ إلَى نَخْلَتِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَضُرَّ صَاحِبُ النَّخْلَةِ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الْمَمَرِّ إلَى نَخْلَتِهِ، إنَّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ وَيَسْلُكَ إلَى نَخْلَتِهِ هُوَ وَمَنْ يَجُدُّ لَهُ وَيَجْمَعُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ نَفَرًا مِنْ النَّاسِ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ زَرْعَهُ فِيمَا يَتَوَاطَئُونَ بِهِ مِنْ الذَّهَابِ إلَى نَخْلَتِهِ وَالرُّجُوعِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ فِي وَسَطِ أَرْضِ الرَّجُلِ، فَزَرَعَ الرَّجُلُ مَا حَوْلَ أَرْضِ صَاحِبِهِ مِنْ أَرْضِهِ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْوُسْطَى أَنْ يَخْرِقَ زَرْعَ هَذَا الرَّجُلِ إلَى أَرْضِهِ بِبَقَرِهِ وَمَاشِيَتِهِ لِيَرْعَى الْخِصْبَ الَّذِي فِي أَرْضِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ مَضَرَّةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَلَكَ بِمَاشِيَتِهِ فِي زَرْعِ هَذَا إلَى أَرْضِهِ أَفْسَدَ عَلَيْهِ زَرْعَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى لَهُ أَنْ يَدْخُلَ يَحْتَشَّ خِصْبَ أَرْضِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَهْرًا لِي يَمُرُّ فِي أَرْضِ قَوْمٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغْرِسُوا حَافَّتَيْ النَّهْرِ مَنْ أَرْضِهِمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: فَإِنْ غَرَسُوا وَاحْتَاجَ صَاحِبُ النَّهْرِ إلَى أَنْ يُلْقِيَ طِينَهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ طِينَهُ فِي حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي أَرْضِ هَذَا الرَّجُلِ وَأَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى شَجَرِهِ؟
قَالَ: إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ، مُنِعَ مِنْ أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى طَرْحِهِ إلَّا عَلَى الشَّجَرِ لِكَثْرَةِ الطِّينِ وَكَثْرَةِ الشَّجَرِ بِحَافَّتَيْ النَّهْرِ، وَلَا يَكْفِيهِ إلْقَاءُ الطِّينِ فِيمَا بَيْنَ الشَّجَرِ؛ رَأَيْتُ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى الشَّجَرِ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ.
وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْأَنْهَارُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يُلْقَى طِينُهَا عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ.
قَالَ: وَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ سُنَّةٌ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَلَى سُنَّتِهِمْ عِنْدَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ تَرَكَ دُورًا وَرَقِيقًا، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ غَائِبٌ، فَاقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَالَ الْمَيِّتِ جَهِلُوا أَنَّ الدَّيْنَ يَخْرُجُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ الْمِيرَاثِ، أَوْ جَهِلُوا أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ اقْتَسَمُوا ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ اقْتَسَمُوا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ الْقِسْمَةُ حَتَّى يُخْرَجَ الدَّيْنُ إذَا أُدْرِكَ مَالُ الْمَيِّتِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَدَارًا وَدَيْنًا.
قَالَ: أَرَى أَنْ يُبَاعَ مِنْ الدَّارِ قَدْرُ الدَّيْنِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الدَّيْنَ مِنْ عِنْدِهِمْ الْوَرَثَةُ، فَتَكُونُ الدَّارُ دَارَهُمْ لَا تُبَاعُ عَلَيْهِمْ وَيَقْتَسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَرَثَةَ الَّذِينَ جَهِلُوا أَنَّ الدَّيْنَ يَخْرُجُ قَبْلَ الْمِيرَاثِ، أَوْ جَهِلُوا أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا، إنْ كَانُوا قَدْ اقْتَسَمُوا الْمِيرَاثَ فَأَتْلَفَ بَعْضُهُمْ مَا صَارَ لَهُ وَبَقِيَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ الَّذِي أَخَذَ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَقَدِمَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، كَيْفَ يَأْخُذُ دَيْنَهُ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ الَّذِي أَدْرَكَ فِي يَدِ هَذَا الْوَارِثِ الَّذِي لَمْ يُتْلِفْ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِلْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ مَا أَدْرَكَ فِي يَدَ هَذَا الْوَارِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ الَّذِي فِي يَدِ هَذَا الْوَارِثِ، فَلْيَأْخُذْ مِقْدَارَ دَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُطْرَحُ هَذَا الدَّيْنُ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ.
وَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ مِمَّا بَقِيَ فِي يَدِ هَذَا الَّذِي أَخَذَ الْغَرِيمُ مِنْهُ مَا أَخَذَ وَمَا أَتْلَفَ الْوَرَثَةُ مِمَّا أَخَذُوا، فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ مَالَ الْمَيِّتِ.
فَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فِي يَدِ هَذَا، فَيَكُونُ لَهُ وَيَتْبَعُ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ تَمَامِ حَقِّهِ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّيْنِ إنْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ، وَيَضْمَنُ الْوَرَثَةُ مَا أَكَلُوا أَوْ اسْتَهْلَكُوا مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَاتِ أَصَابَتْهَا الْجَوَائِحُ مِنْ السَّمَاءِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ جَعَلَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْمَالَ مَالَ الْمَيِّتِ عَلَى حَالِهِ، وَجَعَلَ الْقِسْمَةَ بَاطِلَةً لَمَّا قَالَ مَا أَصَابَتْ الْجَوَائِحُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا مَاتَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، فَضَمَانُهُ مِنْ
جَمِيعِهِمْ؛ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَنَى عَلَيْهِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ الدَّيْنُ ثُمَّ لَحِقَ الدَّيْنُ؟
قَالَ: يَتَّبِعُونَ جَمِيعًا صَاحِبَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِجَمِيعِهِمْ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَكَانَتْ الْقِسْمَةُ فِيهِ بَاطِلَةً، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَا بَاعُوا مِمَّا قَبَضُوا مِنْ قِسْمَتِهِمْ مِمَّا لَمْ يُحَابُوا فِيهِ، فَإِنَّمَا يُؤَدُّونَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعُوا بِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ قِيمَةُ تِلْكَ السِّلَعِ يَوْمَ قَبَضُوهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَعْطَى الْقَاضِي أَهْلَ الْمِيرَاثِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَتَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ كَفِيلًا بِمَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ فِي هَذَا الْمَالِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ كَفِيلًا، وَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ بِلَا كَفِيلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمَ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضَ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اقْتَسَمُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي وَهُمْ رِجَالٌ.
[فِي الْوَارِثِ يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا رَجُلًا فَاقْتَسَمُوا مِيرَاثَهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ مَعَهُمْ، وَقَدْ أَتْلَفَ بَعْضُهُمْ مَا أَخَذَ مَنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ وَفِي يَدَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْضُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتْبَعُ هَذَا الْوَارِثُ الَّذِي قَدِمَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ جَمِيعَهُمْ، وَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى هَذَا الَّذِي بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مَالُ الْمَيِّتِ إلَّا مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ مِيرَاثِهِ إذَا فَضَضْتُ مِيرَاثَهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ هَذَا الَّذِي لَمْ يُتْلِفْ مَا فِي يَدَيْهِ مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَّبِعُ فِيهِ الْوَرَثَةَ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، أَمْلِيَاءَ كَانُوا أَوْ عُدَمَاءَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ قَدِمَ قَوْمٌ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، وَقَدْ أَعْدَمَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَخَذُوا دَيْنَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا فَأَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَتْبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِمْ إذَا فُضَّ دَيْنُهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَضَوْا دَيْنَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَاصَّةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَأْخُذُوا مَا وَجَدُوا فِي يَدِ هَذَا الْغَرِيمِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يُتْلَفْ مَا اُقْتُضِيَ مِنْ دَيْنِهِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا مِقْدَارَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتْبَعُونَ بَقِيَّةَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا يَصِيرُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا اُقْتُضِيَ مِنْ حَقِّهِ.
وَكَذَلِكَ أَبَدًا إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَالِ الْمَيِّتِ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ، وَيُنْظَرُ إلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ وَدَيْنِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنَهُمْ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ مَالُ الْمَيِّتِ بِالْحِصَصِ.
فَمَا صَارَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى الْمَيِّتِ الدَّيْنَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا
أُولَئِكَ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ اقْتَضَوْا دَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِهَؤُلَاءِ، وَلَا يَتْبَعُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا بِمَا أَخَذَ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى حَقِّهِ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، فَيَقْسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَيَتْبَعُونَ الْعَدِيمَ وَالْمَلِيَّ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي أَخَذُوا حِينَ وَقَعَتْ الْمُحَاصَّةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا دَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا وَوَرَثَةً، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَأَخَذَ الْغُرَمَاءُ دَيْنَهُمْ وَاقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ، ثُمَّ أَتَى قَوْمٌ فَأَحْيَوْا عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَقَدْ أَتْلَفَ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ مَا قَبَضُوا مَنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَأُعْدِمُوا أَيَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَتْبَعُوا هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ أَخَذُوا حَقَّهُمْ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَالْحَقُّ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ الْأَوَّلُونَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يَسْتَهْلِكُوهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْغُرَمَاءَ الْأَوَّلِينَ إذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الدَّيْنِ فِيهِ وَفَاءٌ لِهَذَا الدَّيْنِ الَّذِي أَحْيَا هَؤُلَاءِ الْآخَرُونَ، لِأَنَّ دَيْنَهُمْ يُجْعَلُ فِيمَا أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ، وَلَا يُجْعَلُ دَيْنُهُمْ فِيمَا اقْتَضَى الْغُرَمَاءُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ هَهُنَا فَضْلُ مَالٍ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ أَنْ يَتْبَعُوا الْوَرَثَةَ عُدَمَاءَ كَانُوا أَوْ أَمْلِيَاءَ وَلَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيمَا أَخَذَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الدَّيْنِ وَفَاءٌ بِهَذَا الدَّيْنِ الَّذِي أَحْيَا هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءُ، رَجَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ بِمَا زَادَ مِنْ دَيْنِهِمْ عَلَى الَّذِي أَخَذَتْ الْوَرَثَةُ، فَيُحَاصُّونَ الْغُرَمَاءَ بِمَا يَصِيرُ لَهُمْ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى هَذَا الْغَرِيمِ كَمْ كَانَ يُدْرِكُ أَنْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فِي مُحَاصَّتِهِمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ وَفِيمَا فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ، فَيُنْظَرُ إلَى عَدَدِ الَّذِي كَانَ يُصِيبُهُ فِي مُحَاصَّتِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الَّذِي بِيَدِ الْوَرَثَةِ فَيُقَاصُّ بِهِ، فَيَتْبَعُهُمْ بِهِ وَيَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، يَضْرِبُ بِذَلِكَ فِي نَصِيبِهِمْ وَلَا يُحَاصُّ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ فِيمَا أَخَذُوا، وَلَكِنْ يُحَاصُّ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ لِهَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ اقْتَضَوْا حُقُوقَهُمْ مَا قَبَضُوا دُونَ الْغُرَمَاءِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ أَحْيَوْا الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا كَانَ وَرَثَتُهُ قَدْ أَتْلَفُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ فِيمَا بَقِيَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ وَفَاءٌ بِدُيُونِ الْآخَرِينَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلْغُرَمَاءِ الْآخَرِينَ: لَيْسَ مَغِيبُكُمْ إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِدَيْنِكُمْ مِمَّا يُمْنَعُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْحُضُورُ مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْبِضُوا دُيُونَهُمْ، إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِكُمْ دُونَكُمْ، جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكُمْ لِأَنَّهُ كَانَ حُكْمٌ فَلَا يُرَدُّ إذَا وَقَعَ.
[فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ اقْتَسَمُوا مَالَ الْمَيِّتِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ بِدَيْنٍ عَلَى
الْمَيِّتِ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ: أَنَا أَحْلِفُ وَآخُذُ حَقِّي؟
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يُبْطِلَ الْقِسْمَةَ بِإِقْرَارِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ، وَلَا يَتَّهِمُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الْقِسْمَةَ بِإِقْرَارِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَدِمَ فِي الْقِسْمَةِ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، يُرِيدُ بِهِ إبْطَالَ الْقِسْمَةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ مَنْفَعَةً كَبِيرَةً؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُقَالَ لِلْوَرَثَةِ إذَا حَلَفَ هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ إنْ شِئْتُمْ فَادْفَعُوا إلَيْهِ مَا اسْتَحَقَّ بِإِقْرَارِ هَذَا مَعَ يَمِينِهِ أَنْتُمْ وَهَذَا الْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ وَتَنْفُذُ قِسْمَتُكُمْ، وَإِلَّا أَبْطَلْنَا الْقِسْمَةَ وَأَعْطَيْنَا هَذَا دَيْنَهُ ثُمَّ قَسَمْنَا مَا بَقِيَ بَيْنَكُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْوَرَثَةُ: نَحْنُ نُخْرِجُ مَا يُصِيبُنَا مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَقَالَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ: لَا أُخْرِجُ أَنَا دَيْنَهُ، وَلَكِنْ اُنْقُضُوا الْقِسْمَةَ وَبِيعُوا حَتَّى تُوَفُّوهُ حَقَّهُ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَخْرِجُوا هَذَا الَّذِي يَصِيرُ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّ هَذَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قِيلَ لِهَذَا الَّذِي أَقَرَّ: أَعْطِ حِصَّتَكَ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْكَ مَا أَخَذْتَ مِنْ مِيرَاثِكَ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَحَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوا حَتَّى يَأْخُذَهَا هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ حَقُّهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ.
[فِي الْوَصِيَّةِ تَلْحَقُ الْمَيِّتَ بَعْدَ الْقِسْمَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا دُورًا وَرَقِيقًا وَأَرَضِينَ وَحَيَوَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، أَوْ أَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثٌ مَعَهُمْ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَعُرُوضًا، فَإِنَّمَا لِهَذَا الْمُوصَى لَهُ وَلِهَذَا الْوَارِثِ الَّذِي لَحِقَ، أَنْ يَتْبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ مِنْ حَقِّهِ إذَا كَانَ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَى هَذَا الْمُوصَى لَهُ أَوْ إلَى هَذَا الْوَارِثِ حَقَّهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ، وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ، فَإِنْ كَانُوا اقْتَسَمُوا كُلَّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَجْمَعُوا الدُّورَ فِي الْقَسْمِ، فَأُعْطِيَ كُلُّ إنْسَانٍ حَقَّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالْأَرَضُونَ كَذَلِكَ اقْتَسَمُوهَا وَالْأَجِنَّةُ كَذَلِكَ اقْتَسَمُوهَا، فَأَرَى أَنْ تُنْتَقَضَ الْقِسْمَةُ حَتَّى يُجْمَعَ لَهُ حَقُّهُ فِي كُلِّ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ جِنَانٍ كَمَا يُجْمَعُ لَهُمْ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْرَ نَصِيبِهِ، فَيَتَفَرَّقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ ضَرَرًا بِهِ بَيِّنًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمُوا الدُّورَ، فَلَمْ يُقْطَعْ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ نَصِيبُهُ فِي كُلِّ دَارٍ، وَلَكِنْ جُمِعَ لَهُ فَإِنَّهُ أَيْضًا لَا يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ حَقَّهُ فَيَتَفَرَّقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ الثَّانِيَةَ فَيَجْمَعُونَ نَصِيبَهُ كَمَا جُمِعَ لَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ دُورًا أَوْ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا وَلَمْ يَتْرُكْ دَرَاهِمَ وَلَا دَنَانِيرَ، فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ بَعْدَمَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ يُقَالَ لِلْوَرَثَةِ: اصْطَلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَأَخْرِجُوا وَصِيَّةَ هَذَا الرَّجُلِ وَأَقِرُّوا قِسْمَتَكُمْ بِحَالِهَا إنْ أَحْبَبْتُمْ، فَإِنْ
أَبَوْا رُدَّتْ الْقِسْمَةُ وَبِيعَ مِنْ مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ مِقْدَارُ وَصِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ.
وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْوَرَثَةَ هَهُنَا بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُؤَدُّوا الدَّيْنَ الَّذِي لَحِقَ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا رَدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَبَاعُوا مِنْهُ مِقْدَارَ دَيْنِ هَذَا الْمَيِّتِ وَاقْتَسَمُوا مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا مَالُ الْمَيِّتِ الَّذِي وَرِثْنَاهُ فَأَخْرِجُوا مِنْهُ الدَّيْنَ وَلَا نُخْرِجُ نَحْنُ الدَّيْنَ مِنْ أَمْوَالِنَا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ حَظَّهُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ نَحْنُ نُخْرِجُ الدَّيْنَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَقَالَ أَحَدُهُمْ لَا أُخْرِجُ الدَّيْنَ مِنْ مَالِي وَلَكِنْ رُدُّوا الْقِسْمَةَ وَبِيعُوا فَأَوْفُوا الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ اقْتَسِمُوا مَا بَقِيَ فِيمَا بَيْنَنَا.
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ هَذَا الَّذِي أَبَى، وَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ وَيَدْفَعُونَ إلَى هَذَا الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إذَا أَبَى صَاحِبُهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مَا فِي يَدَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا لَحِقَ دَخَلَ فِي جَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُمْ مَا قَالُوا لَقُلْنَا لِهَذَا لِذِي أَبَى: بِعْ مَا فِي يَدَيْكَ وَأَوْفِ الْغُرَمَاءَ أَوْ هَذَا الْمُوصَى لَهُ حِصَّتَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الَّذِي لَحِقَهُ يَغْتَرِقُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَعَلَّ قِسْمَتَهُمْ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى التَّغَابُنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ أَتَتْ جَائِحَةٌ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ فَأَتْلَفَتْهُ، ثُمَّ لَحِقَ الدَّيْنُ أَوْ الْوَصِيَّةُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ شَيْءٌ.
فَهَذَا الَّذِي يَدُلُّكَ عَلَى إبْطَالِ الْقِسْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا أَبَى هَذَا الْوَاحِدُ وَقَالَ لَا أُخْرِجُ حِصَّتِي، وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِحِصَّتِهِمْ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَبَى لَوْ تَلِفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِمَّا كَانَ أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بِجَائِحَةٍ أَتَتْ مِنْ السَّمَاءِ، لَمْ يَضْمَنْ فَلَا تَتِمُّ الْوَصِيَّةُ وَلَا يَتِمُّ الدَّيْنُ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا بِعَيْنِهِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ وَقَدْ اقْتَسَمَتْ الْوَرَثَةُ، أُخِذَ الدَّيْنُ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَمَا تَلِفَ بِأَمْرٍ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ مَا تَلِفَ فِي يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ هَذَا، عَلِمْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَحِقَ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ فِي مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ، وَقَدْ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الدُّورَ وَالرَّقِيقَ وَجَمِيعَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَامَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ وَنَبِيعُ فَنُوَفِّي هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ أَوْ وَصِيَّتَهُ، وَالْوَصِيَّةُ دَرَاهِمُ أَوْ كَيْلٌ مِنْ الطَّعَامِ.
فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: لَا أَنْقُضُ الْقِسْمَةَ وَلَكِنْ أَنَا أُوَفِّي هَذَا الرَّجُلَ دَيْنَهُ أَوْ وَصِيَّتَهُ مِنْ مَالِي، وَلَا أَتْبَعُكُمْ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُغْتَبِطٌ بِحَظِّهِ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَوْ أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَلَا تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ.
[فِي قَسْمِ الْقَاضِي الْعَقَارَ عَلَى الْغَائِبِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ بَيْنَ أَبِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مَنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَرِثَاهَا، فَغَابَ الرَّجُلُ وَهَلَكَ وَالِدِي فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَيُقَسِّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَتْ شَرِكَةُ أَبِي مَعَ هَذَا الْغَائِبِ مِنْ
شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقِسْمَةُ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَيُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ.
قَالَ: وَاَلَّذِي قَالَ مَالِكٌ فِي الْغَائِبِ يُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْقَسْمِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ شَرِيكُ أَبِيهِمْ حَاضِرًا وَبَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ غُيَّبًا، أَيَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: يَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا دُورًا وَرَقِيقًا، فَرَفَعُوا أَمَرَهُمْ إلَى صَاحِبِ الشَّرْطِ وَفِي وَرَثَةِ الْمَيِّتِ قَوْمٌ غُيَّبٌ فَيَسْمَعُ مَنْ بَيِّنَتِهِمْ فَقَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي وَلَا أَرَيّ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ الْمُفْتَرِقَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الشَّجَرُ الْمُفْتَرِقَةُ، هَهُنَا شَجَرَةٌ وَهَهُنَا شَجَرَةٌ، وَرِثُوهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوهَا، كَيْفَ يَقْتَسِمُوا هَذِهِ الشَّجَرَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمْ إنْ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ عَلَى حِدَةٍ وَالشَّجَرَ عَلَى حِدَةٍ، لَصَارَ لِهَذَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ هَذَا وَلِهَذَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ هَذَا.
فَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الشَّجَرُ لِمَنْ تَصِيرُ لَهُ الْأَرْضُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا دُورًا وَرَقِيقًا وَعُرُوضًا وَحَيَوَانًا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا بِالسِّهَامِ، فَجَعَلُوا الْبَقَرَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالْحَيَوَانَ وَالرَّقِيقَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالدُّورَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالْعُرُوضَ حَظًّا وَاحِدًا، عَلَى أَنْ يَضْرِبُوا بِالسِّهَامِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ خَطَرٌ، وَإِنَّمَا تُقَسَّمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ يُقَسَّمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، الْبَقَرُ عَلَى حِدَةٍ وَالْغَنَمُ عَلَى حِدَةٍ وَالْعُرُوضُ عَلَى حِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ سِهَامٍ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمِيرَاثُ عَبْدًا وَاحِدًا أَوْ دَابَّةً وَاحِدَةً أَوْ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ سِرَاجًا أَوْ طَسْتًا أَوْ ثَوْرًا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ هَذَا لَا يَنْقَسِمُ وَلَكِنْ يُبَاعُ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ عَلَى حِدَةٍ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ، فَيَكُونَ لَهُمْ مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا بِالسِّهَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ.
[مَا يُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ مِنْ الْبَزِّ وَالْمَاشِيَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ بَزًّا فِيهِ الْخَزُّ وَالْحَرِيرُ وَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالْأَكْسِيَةُ
وَالْجِبَابُ، أَتَجْعَلُ هَذَا كُلَّهُ فِي الْقَسْمِ نَوْعًا وَاحِدًا أَمْ يُقَسَّمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْبَزُّ كُلُّهُ فِي الْقِسْمَةِ فَيُجْعَلَ نَوْعًا وَاحِدًا فَيُقْسَمَ عَلَى الْقِيمَةِ مِثْلُ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ عِنْدَ مَالِكٍ نَوْعٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِمْ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْهَرِمُ وَالْجَارِيَةُ الْفَارِهَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ فِي الْأَثْمَانِ، بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ أَوْ أَشَدَّ.
فَقَدْ جَعَلَهُ مَالِكٌ نَوْعًا وَاحِدًا، وَالْبَزُّ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
وَالرَّجُلُ يَهْلَكُ وَيَتْرُكُ قُمُصًا وَأَرْدِيَةً وَجِبَابًا وَسَرَاوِيلَاتٍ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَقُولُ يُجْعَلُ السَّرَاوِيلَاتُ قَسْمًا عَلَى حِدَةٍ وَالْجِبَابُ قَسْمًا عَلَى حِدَةٍ، وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ يُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ لَوْ كَانَتْ مِنْ صُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرُ مِنْ صُنُوفِ الْبَقَرِ، وَجَمَعْتُهَا كُلَّهَا فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي فِي الرَّقِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْبَرَاذِينَ وَالْخَيْلَ، أَتَجْمَعُ هَذَا كُلَّهُ فِي الْقِسْمَةِ؟ قَالَ: لَا يُجْمَعُ هَذَا فِي الْقِسْمَةِ بِالسِّهَامِ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ، الْبِغَالُ عَلَى حِدَةٍ وَالْحَمِيرُ عَلَى حِدَةٍ وَالْخَيْلُ وَالْبَرَاذِينُ صِنْفٌ وَاحِدٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحُلِيِّ وَالْجَوْهَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ أَخَاهَا وَزَوْجَهَا، وَتَرَكَتْ حُلِيًّا كَثِيرًا وَمَتَاعًا مَنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ مُخْتَلِفًا، كَيْفَ يَقْتَسِمُهُ الزَّوْجُ وَالْأَخُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَمَّا الْحُلِيُّ فَلَا يُقَسَّمُ إلَّا وَزْنًا، وَأَمَّا مَتَاعُ جَسَدِهَا أَوْ مَتَاعُ بَيْتِهَا فَبِالْقِيمَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُلِيَّ إذَا كَانَ فِيهِ الْجَوْهَرُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَكَانَ قِيمَةُ مَا فِيهِ مَنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ الثُّلُثَيْنِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثُّلُثَ فَأَدْنَى، أَيَصْلُحُ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟ وَالسُّيُوفُ الْمُحَلَّاةٍ الَّتِي وَرِثْنَاهَا فِيهَا مِنْ الْحُلِيِّ الثُّلُثُ فَأَدْنَى، وَقِيمَةُ النُّصُولِ الثُّلُثَانِ فَصَاعِدًا، أَيَصْلُحُ أَنْ تُقَسَّمَ السُّيُوفُ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِسْمَةِ فِي هَذَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ الثُّلُثُ فَأَدْنَى فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْفِضَّةِ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا فِي السَّيْفِ أَوْ أَكْثَرَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ بِهَذَا السَّيْفِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا بِسَيْفَيْنِ، فِضَّتُهُمَا أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ فِضَّةُ أَحَدِهِمَا أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ وَالْآخَرِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَتَبَايَعَا بِالسَّيْفَيْنِ يَدًا بِيَدٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي فِضَّةِ كُلِّ سَيْفٍ مِنْ تِلْكَ السُّيُوفِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَا خَيْرَ فِي الْقِسْمَةِ فِيهِ بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي السُّيُوفِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ فَأَرَدْنَا أَنْ نَقْتَسِمَهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْتَسِمَانِ
الْأَرْضَ إلَّا عَلَى حِدَةٍ وَيُتْرَكُ الزَّرْعُ لَا يُقَسَّمُ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَسِمَا الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا، وَقَدْ جَوَّزَ بَيْعَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ الزَّرْعُ لِلْبَيْعِ، فَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَهُ، فَلِمَ لَا يُجَوِّزُ الْقِسْمَةَ فِيهِ؟
قَالَ: إنَّمَا جَوَّزَ بَيْعَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ كَانَ الزَّرْعُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ قِيمَةِ الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يُجَوِّزْ بَيْعَ ذَلِكَ بِالطَّعَامِ.
وَهَذَانِ إذَا اقْتَسَمَا ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ، إنْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ بِنِصْفِ مَا صَارَ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ، فَصَارَ بَيْعُ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بِالْأَرْضِ وَالزَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا رَجُلًا فَقَسَّمَ الْقَاسِمُ بَيْنَهُمْ الرَّقِيقَ وَالْإِبِلَ وَالدُّورَ وَالْعُرُوضَ، فَجَعَلَ السِّهَامَ عَلَى عَدَدِ الْفَرَائِضِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ وَالْوَرَثَةُ عَشَرَةُ رِجَالٍ، فَقَالَ بَعْضٌ مِمَّنْ بَقِيَ لَا نُجِيزُ الْقِسْمَةَ، أَوْ قَالُوا مَا عَدَلْتَ فِي هَذَا الْقَسْمِ فَارْدُدْهُ، أَوْ قَالُوا دَعْ هَذَا السَّهْمَ الَّذِي خَرَجَ لِصَاحِبِهِ وَاخْلِطْ هَذَا الَّذِي بَقِيَ فَاقْسِمْهُ بَيْنَنَا فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ فِيهِ؟
قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الَّذِينَ أَبَوْا وَقَالُوا اُرْدُدْ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَدَلَ فِي الْقِسْمَةِ أَمْضَاهُ بَيْنَهُمْ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ بَعَثَ رَجُلًا يُقَسِّمُ بَيْنَ وَرَثَةٍ مَا وَرِثُوا مِنْ دُورٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَاسِمَ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ أَوْ غَلِطَ رَدَّ الْقِسْمَةَ.
قَالَ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ قَسْمَ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ ثَوْبًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى الْآخَرُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَسَّمُ وَيُقَالُ لَهُمَا: تَقَاوَمَاهُ فِيمَا بَيْنَكُمَا أَوْ بِيعَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَاوَمَاهُ وَأَرَادَا بَيْعَهُ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَلَى ثَمَنٍ، فَإِنْ شَاءَ الَّذِي كَرِهَ الْبَيْعَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا بِيعَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَرِثَا دُورًا أَوْ عُرُوضًا، أَوْ اشْتَرَيَا ذَلِكَ فَقَسَّمَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا قَالَ: لَا أَرْضَى هَذَا، أَوْ كَانُوا جَمِيعًا فَلَمَّا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ قَالَ: لَا أَرْضَى هَذَا، لِأَنِّي لَمْ أَظُنَّ أَنَّ هَذَا يَخْرُجُ لِي، هَلْ تَرَى هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ، أَمْ يَلْزَمُهُ السَّهْمُ الَّذِي خَرَجَ لَهُ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ هَذَا وَأَنْتَ لَا تُجِيزُ هَذَا فِي الْبُيُوعِ وَتَجْعَلُهُ مُخَاطَرَةً لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ أَتَى بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَقْرَعَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي، فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ، فَلِمَ جَوَّزَهُ فِي الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْقُرْعَةِ لَيْسَتْ مِنْ الْبُيُوعِ، وَالْقِسْمَةُ تُفَارِقُ الْبُيُوعَ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَفِي الْقِسْمَةِ قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ شُرَكَاءُ، وَفِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا لِلْبَائِعِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّا وَرِثْنَا كَرْمًا وَنَخْلًا وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنَّا الْكَرْمَ وَالنَّخْلَ، فَتَرَاضَيْنَا أَنَا وَصَاحِبِي عَلَى أَنْ أَعْطَيْته الْكَرْمَ وَأَخَذْت النَّخْلَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، أَوْ يَكُونَانِ قَدْ عَرَفَا الصِّفَةَ فَيَقْتَسِمَانِ عَلَى الصِّفَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا بِالصِّفَةِ عَلَى مَا أَحَبَّا مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ عَرَفَ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ، أَوْ عَرَفَ صِفَةَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ الْآخَرُ ذَلِكَ؟
قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَرَ وَلَمْ يَعْرِفْ الصِّفَةَ لَا يَدْرِي مَا يَأْخُذُ وَلَا مَا يُعْطِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ رَأَيَا ذَلِكَ أَوْ وُصِفَ لَهُمَا، فَيَجُوزُ عَلَى مَا تَرَاضَيَا مِنْ ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْخِيَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّا اقْتَسَمْنَا دُورًا وَرَقِيقًا وَعُرُوضًا عَلَى أَنَّ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ تِلْكَ السِّلَعُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَعَلْتُ الْخِيَارَ لِهَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْخِيَارِ فِي الرَّدِّ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْقِسْمَةُ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَحْدَثَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ الْخِيَارَ شَيْئًا، أَوْ فِي الدَّارِ أَوْ هَدَمَ فِيهَا بِنَاءً أَوْ سَامَ بِهَا، أَتَلْزَمُهُ الْقِسْمَةُ وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ، فَصَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا صَنَعَ هَذَا فِي الْقِسْمَةِ.
[فِي قِسْمَةِ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَهِبَتِهِ مَالَهُ]
ُ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى الصَّغِيرِ الدُّورَ أَوْ الْعَقَارَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّ أَبِيهِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعُرُوض وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا صَغِيرًا فِي حِجْرِ أَبِيهِ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ مُورَثًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ مُورَثًا، فَقَاسَمَ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحَابَى، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَقَدْ حَابَى الْأَبُ شُرَكَاءَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هِبَةُ الْأَبِ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِمَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أُدْرِكَتْ هَذِهِ الْمُحَابَاةُ وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ وَهَذِهِ الْهِبَةُ بِعَيْنِهَا رُدَّتْ، وَإِنْ فَاتَتْ ضَمِنَ ذَلِكَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي مَالِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ
إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا، فَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ الْأَبُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ الْمُحَابَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُ مِمَّا فَعَلَهُ الْأَبُ فِي مَالِ ابْنِهِ، إنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَالْمُحَابَى وَالْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ أَتْلَفَ تِلْكَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْمُحَابَاةَ بِعَيْنِهَا وَهُوَ مَلِيٌّ، أَيَكُونُ لِلْأَبِ إذَا غَرِمَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ، أَوْ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَةَ مَا أَتْلَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ عَدِيمًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ تِلْكَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْمُحَابَاةَ، فَأَرَادَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ أَنْ يَتْبَعَاهُ بِقِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ وَلَا لِلْأَبِ أَنْ يَتْبَعَا الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا الْمُحَابَى وَلَا الْمَوْهُوبَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلِابْنِ عَلَى الْأَبِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا عَدِيمَيْنِ الْأَبُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ؟
قَالَ: يَتْبَعُ الصَّبِيُّ أَيَّهُمَا أَيْسَرَ أَوَّلًا الْأَبُ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَ أَوَّلَهُمَا يُسْرًا بِقِيمَةِ مَالِهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَبُ اتَّبَعَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا تَصَدَّقَ الْأَبُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الِابْنِ وَالِابْنُ صَغِيرٌ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا لَمْ يَجُزْ وَرُدَّ، فَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ وَلِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَهُ إذَا أَيْسَرَ، أَوْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ.
قَالَ: يَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ إلَّا أَنْ يُوسِرَ الْأَبُ أَوَّلًا، فَيَقُولَ الِابْنُ أَنَا أَتْبَعُ الْأَجْنَبِيَّ وَلَا أَتْبَعُ أَبِي، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلِابْنِ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَيَتْرُكَ الْأَبَ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَبُ غُلَامًا لِابْنِهِ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ جَازَ إنْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَرُدَّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ وَيَنْكِحَ الْحَرَائِرَ وَتَجُوزَ شَهَادَتُهُ، فَلَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ وَيَتَّبِعُ الْأَبَ بِقِيمَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَيْسَرَ الْأَبُ أَوَّلَهُمَا فَغَرِمَ ذَلِكَ لِلِابْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا: فَإِنْ أَيْسَرَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَغَرِمَ ذَلِكَ لِلِابْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْأَبَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْأَبَ بِذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي وَصِيِّ الْأُمِّ وَمُقَاسَمَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدًا صَغِيرًا يَتِيمًا لَا وَصِيَّ لَهُ، فَأَوْصَتْ الْأُمُّ بِالصَّبِيِّ وَبِمَالِهَا إلَى رَجُلٍ وَلَهَا وَرَثَةٌ سِوَى الصَّبِيِّ فَقَاسَمَ وَصِيُّ الْأُمِّ لِهَذَا الصَّبِيِّ الَّذِي أَوْصَتْ بِهِ الْأُمُّ إلَيْهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ مِنْ وَصِيَّةِ الْأُمِّ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِمَّا صَنَعَ وَصِيُّ الْأُمِّ، وَلَيْسَ وَصِيُّ الْأُمِّ بِوَصِيٍّ، وَهُوَ
كَرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ مِنْ صَنِيعِهِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُتْرَكُ مَالُ الْمَرْأَةِ فِي يَدَيْهِ وَقَدْ أَوْصَتْ إلَيْهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الَّذِي تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ تَافِهًا يَسِيرًا جَازَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَتْ وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ بِمَالِهَا.
فَقَالَ مَالِكٌ: كَمْ تَرَكَتْ؟ قَالُوا لَهُ: خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّينَ.
قَالَ: هَذَا يَسِيرٌ وَجَوَّزَهُ فِي الْيَسِيرِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَتْ امْرَأَةٌ وَأَوْصَتْ بِثُلُثِهَا أَنْ يَنْفُذَ، وَأَوْصَتْ بِذَلِكَ إلَى رَجُلٍ أَنْ يُنْفِذَهُ؟
قَالَ: فَهُوَ وَصِيٌّ فِي ثُلُثِهَا وَذَلِكَ إلَيْهِ، تَكُونُ وَصِيَّتُهَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي ثُلُثِهَا وَيُنْفِذُهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَرَكَتْ أُخْتَهَا وَأَخَاهَا صَغِيرَيْنِ، وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ بِهِمَا وَبِمَالِهَا وَلَا وَارِثَ لَهَا غَيْرُهُمَا؟
قَالَ: أَرَى وَصِيَّتَهَا غَيْرَ جَائِزَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهَا الَّذِي تَرَكَتْ قَلِيلًا مِثْلَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إلَى الْمِلْكِ خَاصَّةً وَلَا يَكُونُ لَهُمَا وَصِيًّا بِذَلِكَ فِي إنْكَاحِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَالْمُصَالَحَةِ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَ أَخٍ لَهُ صَغِيرًا وَهُوَ وَارِثُهُ وَمَعَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ أَيْضًا كَبِيرٌ، فَأَوْصَى الْعَمُّ بِهَذَا الصَّبِيِّ إلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ وَصِيَّهُ، وَتَجُوزُ مُقَاسَمَتُهُ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ أَوْ كَانَ الْجَدُّ أَبَا الْأَبِ أَوْ كَانَ أَخًا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَهَلَكَ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْ وَصِيَّةِ هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْوَصِيَّةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ وَلَا صَنِيعُهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَكَذَلِكَ وَصِيُّهُ أَيْضًا لَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ نَفْسِهِ.
قُلْتُ: أَفَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ مِثْلَ مَا أَجَازَ مَالِكٌ وَصِيَّةَ الْأُمِّ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ لِهَذَا فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
قُلْتُ: وَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الْأُمِّ؟
قَالَ: إنَّمَا اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ كَغَيْرِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ وَالِدَةٌ وَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا وَهُوَ مَالُهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَالِهِ الَّذِي يُوصِي بِهِ لِغَيْرِهِ وَمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنَّهُ اسْتِحْسَانٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُمَّ تَعْتَصِرُ مَا وَهَبَتْ لِابْنِهَا أَوْ ابْنَتِهَا وَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَالْجَدُّ وَالْأَخُ لَا يَعْتَصِرَانِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ أَيْضًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَمَا يُصْنَعُ بِهَذَا الْمَالِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إلَى هَذَا الْوَصِيِّ الَّذِي لَا يُجِيزُ وَصِيَّتَهُ؟
قَالَ: ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ عِنْدَ مَالِكٍ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَيَنْظُرُ فِيهِ لِلصِّغَارِ وَيُجَوِّزُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْغَائِبِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْكَافِرِ عَلَى ابْنَتِهِ الْبَالِغِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَافِرَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى ابْنَتِهِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ فِي حِجْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ إذَا أَسْلَمَتْ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ، رَأَيْتُ أَنْ لَا تَجُوزَ عَلَيْهَا قِسْمَتُهُ.
[فِي قِسْمَةِ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ عَلَى الْكِبَارِ الْغُيَّبِ وَمُقَاسَمَةِ الْأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا]
قُلْتُ فَالْوَصِيُّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى الْغُيَّبِ الْكِبَارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الْوَصِيِّ يُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ وَفِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَيُؤَخِّرُ ذَلِكَ عَنْ الْغَرِيمِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ.
قَالَ لِي مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصِّغَارِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْكِبَارِ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ عَلَى الْكِبَارِ، رَأَيْنَا أَنْ لَا تَجُوزَ مُقَاسَمَتُهُ عَلَى الْغُيَّبِ إذَا كَانُوا كِبَارًا.
قُلْتُ: فَالْأَبُ يُقَاسِمُ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ غَائِبًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلْأُمِّ أَنْ تُقَاسِمَ عَلَى ابْنِهَا الصَّغِيرِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْ مُقَاسَمَةِ الْأُمِّ عَلَى الصَّغِيرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ وَصِيَّةً.
[فِي قِسْمَةِ وَصِيِّ اللَّقِيطِ لِلَّقِيطِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لَقِيطًا فِي حِجْرِ رَجُلٍ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ، أَيَجُوزُ لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي اللَّقِيطُ فِي حِجْرِهِ أَنْ يُقَاسِمَ لِهَذَا اللَّقِيطِ؟ قَالَ: أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ ابْنَ أَخٍ لَهُ أَوْ ابْنَ أُخْتِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ لَا مَالَ لَهُ فَاحْتَسَبَ فِيهِ فَأَوْصَى لَهُ بِمَالٍ فَقَامَ فِيهِ وَقَاسَمَ لَهُ وَبَاعَ لَهُ لَمْ أَرَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى أَخٍ لَهُ يَمُوتُ، فَيَثِبُ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ فَيَقْبِضُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافَةٍ مِنْ السُّلْطَانِ، فَيَبِيعُ مِنْهُ وَيَشْتَرِي، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ.
[مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ الرَّجُلِ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فَمَاتَتْ أُمُّهَا، فَوَرِثَتْ الصَّبِيَّةُ مَالًا، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَنَا أَقْبِضُ مِيرَاثَهَا وَأُقَاسِمُ لَهَا، وَقَالَ الْأَبُ: أَنَا أَقْبِضُ مِيرَاثَهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَبُ أَحَقُّ بِمِيرَاثِ الصَّبِيَّةِ مَا لَمْ تَدْخُلْ بَيْتَهَا وَيُؤْنَسْ مِنْهَا الرُّشْدُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ جَارِيَةً قَدْ بَلَغَ مِثْلُهَا وَلَهَا عِنْدَ الْوَصِيِّ مَالٌ، لَمْ تَأْخُذْ مَالَهَا وَإِنْ دَخَلَتْ مَنْزِلَهَا حَتَّى يُرْضَى حَالُهَا، فَلَمَّا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ؛ كَانَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ أَحَقَّ بِقَبْضِ مِيرَاثِهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجُ أَيْضًا لَا حَقَّ لَهُ فِي قَبْضِ مَالِ امْرَأَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ وَلَمْ يُؤْنِسْ مِنْهَا الرُّشْدَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا مَالَهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ إلَيْهَا مَالَهَا إذَا آنَسَ مِنْهَا الرُّشْدَ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَقْبِضُ مَالَ امْرَأَتِهِ وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ النَّاظِرَانِ لَهَا وَالْحَائِزَانِ عَلَيْهَا وَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَتْ مَنْزِلَهَا مَا لَمْ يُرْضَ حَالُهَا وَيُجَزْ أَمْرُهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ قَضَاءٌ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا وَلَا بَعْدَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصَّبِيَّةَ، إنْ كَانَ هَلَكَ وَالِدُهَا وَلَمْ يُوصِ، ثُمَّ هَلَكَتْ أُمُّهَا وَقَدْ تَرَكَتْ مَعَ
هَذِهِ الصَّبِيَّةِ وَرَثَةً، فَأَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُقَاسِمَ لِامْرَأَتِهِ وَلَيْسَ لَهَا وَصِيٌّ وَلَا أَبٌ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي.
[كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي]
[مَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَا]