ُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَحَدَثَ بِهَا عَيْبٌ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا أَوْ بَعْدَ مَا قَبَضَهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ بَاعَهَا بِهِ؟
قَالَ: إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُوضَعَ عَنْهُ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي بَاعَهَا وَهُوَ بِهَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَلِمَ وَقَدْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ بَعْد مَا اشْتَرَاهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا خِيَارٌ فَحَدَثَ بِهَا عَيْبٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهَا وَمَا نَقَصَ؟
قَالَ: لَا لِأَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي أَصَابَهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَوْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْبَائِعِ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِذَلِكَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ فِي الْخِيَارِ وَفِي الِاسْتِبْرَاءِ، فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ هَاهُنَا إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ الْبَائِعُ وَقَدْ كَانَ أَصَابَهَا عَيْبٌ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَأَصَابَهَا عِنْدَهُ بَعْدَمَا قَبَضَهَا وَخَرَجَتْ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ عَيْبٌ آخَرُ مُفْسِدٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَهَا وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْبَائِعُ؟ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ عَوَرًا قِيلَ مَا قِيمَةُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَهِيَ عَوْرَاءُ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَهُ الْبَائِعُ وَقِيمَتُهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَهُ الْبَائِعُ يَوْمَئِذٍ أَيْضًا فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُطْرَحُ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةُ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ الْبَائِعُ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَ إلَى الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ كَمْ يَنْقُصُ مِنْهَا يَوْمَ قَبَضَهَا فَيَرُدُّ ذَلِكَ مَعَهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا مِثْلُ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْخُذَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ وَإِلَّا فَارْدُدْ وَلَا شَيْءَ لَكَ، إنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْبَائِعُ وَقَدْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ آخَرُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالْعَيْبَيْنِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا آخُذُهَا وَأَرْجِعُ بِالْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَهُ لِي الْبَائِعُ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ مِنْ الْبَائِعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت بِئْرًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَانْخَسَفَتْ الْبِئْرُ فِي أَيَّامِ
الْخِيَارِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ، قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي فَالْمُصِيبَةُ مِنْ الْبَائِعِ.
[يَشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَتَلِدُ عِنْدَهُ أَوْ تُجْرَحُ أَوْ عَبْدًا فَيَقْتُلُ الْعَبْدُ رَجُلًا]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْخَادِمَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَتَلِدُ عِنْدَهُ أَوْ تُجْرَحُ أَوْ عَبْدًا فَيَقْتُلُ الْعَبْدُ رَجُلًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت جَارِيَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَوَلَدَتْ عِنْدِي أَوْ قُطِعَتْ يَدُهَا قَطَعَهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهَا وَلَا يَكُونُ عَلَيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ تَرُدُّهَا وَتَرُدُّ وَلَدَهَا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْكَ شَيْءٌ إنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا أَيْضًا تَرُدُّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ، وَيَتْبَعُ سَيِّدُهَا الْجَانِيَ إنْ كَانَ جَنَى عَلَيْهَا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا ذَلِكَ مِنْ السَّمَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ وَلَكَ أَنْ تَرُدَّهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَيْهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ؟ .
قَالَ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا إنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهَا بِهِ خَطَأٌ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهَا بِهِ عَمْدًا فَذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِالْخِيَارِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ أَوْ الْبَائِعِ إذَا بَاعَ فَاخْتَارَ الِاشْتِرَاءَ وَقَدْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنَّ الْوَلَدَ مَعَ الْأُمِّ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ شِئْتَ فَخُذْ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ دَعْ قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ عَبْدَهُ: عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أَيَّامًا سَمَّاهَا فَدَخَلَ الْعَبْدَ عَيْبٌ أَوْ مَاتَ إنَّ ضَمَانَ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ، قَالَ مَالِكٌ: وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا بَاعَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَوُهِبَ لِأَمَتِهِ مَالٌ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا إنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ ضَامِنًا لِلْأَمَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ: يَبِيعُ الْعَبْدَ وَلَهُ مَالٌ رَقِيقٌ أَوْ حَيَوَانٌ أَوْ عُرُوضٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَشْتَرِطُ الْمُشْتَرِي مَالَ الْعَبْدِ فَيَقْبِضُ مُشْتَرِي الْعَبْدِ رَقِيقَ الْعَبْدِ وَدَوَابَّهُ وَعُرُوضَهُ فَتَلِفَ الْمَالُ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَرُدُّ الْعَبْدَ.
قُلْتُ: فَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي أَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِيَّ أَنْ يَحْبِسَ مَالَ الْعَبْدِ وَيَقُولُ أَنَا أَخْتَارُ الْبَيْعَ وَأَدْفَعُ الثَّمَنَ؛ قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا مَاتَ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَصَابَ الْعَبْدَ عَوَرٌ أَوْ عَمًى أَوْ شَلَلٌ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ وَيَرُدَّ مَالَهُ عَلَى الْبَائِعِ
فَذَلِكَ لَهُ وَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ وَيَحْبِسَ مَالَهُ وَلَا يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ وَمَالُهُ وَيَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَ الْعَبْدَ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ مِنْ الْعُيُوبِ وَالْمَوْتِ مِنْ الْبَائِعِ، وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنَّ أَحَبَّ أَنْ يَقْبَلَ الْعَبْدَ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ وَالْعَقْلُ لِلْبَائِعِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ فَذَلِكَ لَهُ، فَلَمَّا قَالَ: لِي مَالِكٌ فِي عَقْلِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ: إنَّهَا مِنْ الْبَائِعِ عَلِمْتُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ إذَا اخْتَارَ الْبَيْعَ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ الْعَبْدَ بِعَيْبِهِ وَيَكُونُ الْعَقْلُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَالْوَلَدُ إذَا وَلَدَتْهُ الْأَمَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ مُخَالِفٌ لِهَذَا عِنْدِي أَرَاهُ لِلْمُبْتَاعِ إنْ رَضِيَ الْبَيْعَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْوَلَدُ لِلْبَائِعِ فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ وَقَبَضَ الْأُمَّ فَاجْتَمَعَا عَلَى أَنْ يَضُمَّ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ أَوْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ الْأُمَّ فَيَجْمَعَانِ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا نُقِضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْأُمِّ وَرُدَّتْ إلَى الْبَائِعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ أَيَّامًا فَقَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَعْطَى ثَوْبَيْنِ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا فَضَاعَا أَوْ أَحَدُهُمَا]
فِي رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا فَأَعْطَى ثَوْبَيْنِ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا فَضَاعَا أَوْ أَحَدُهُمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَيَّهمَا شَاءَ أَخَذَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَمَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ أَوْ ضَاعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَى الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ فَضَاعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَنَّ الضَّيَاعَ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي نِصْفِ ثَمَنِ الثَّوْبِ التَّالِفِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا ذَلِكَ وَلَوْ ضَاعَا جَمِيعًا لَمْ يَضْمَنْ إلَّا ثَمَنَ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ أَخَذَ وَاحِدًا عَلَى الضَّمَانِ وَآخَرَ عَلَى الْأَمَانَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ لِي أَشْهَبُ: إنْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي إنْ شِئْتَ أَخَذْتَهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَيَّهُمَا شَاءَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَمَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ أَوْ ضَاعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ فَضَاعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ، قَالَ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي نِصْفَ ثَمَنِ الثَّوْبِ التَّالِفِ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ إنْ
شَاءَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا أَيْضًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي الرَّجُلَ يَسْأَلُهُ الدِّينَارَ فَيُعْطِيهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا وَيَرُدُّ دِينَارَيْنِ فَيَأْتِي فَيَذْكُرُ أَنَّهُ تَلِفَ مِنْهُ دِينَارَانِ قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ شَرِيكًا سَحْنُون، وَمَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِتَلَفِهِمَا إلَّا بِقَوْلِهِ.
قُلْتُ: أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُ الْبَاقِيَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ أَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدًا مِنْهُمَا؟ قَالَ: أَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ وَإِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَقَدْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ؟
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت ثَوْبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَضَاعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَجِئْت بِالثَّوْبِ الْبَاقِي لِأَرُدَّهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ تَرُدُّهُ وَيُفَضُّ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبَيْنِ، فَمَا أَصَابَ الثَّوْبَ الَّذِي رَدَدْتَ مِنْ الثَّمَنِ رُدَّ عَلَيْكَ وَمَا أَصَابَ الثَّوْبَ الَّذِي هَلَكَ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ لِلْبَائِعِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ثُمَّ جِئْت لِأَرُدَّهُمَا فَضَاعَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ قَوْلُكَ وَلَا تُصَدَّقُ بِقَوْلِكَ إنَّهُمَا ضَاعَا، وَالثَّمَنُ لَازِمٌ لَكَ لِأَنَّ الثَّوْبَيْنِ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِمَا وَلَا تَكُونُ عَلَيْكَ الْقِيمَةُ لِأَنَّا إذَا ذَهَبْنَا أَنْ نَرُدّكَ إلَى الْقِيمَةِ وَكَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ لَمْ نَرُدّكَ إلَى أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ بِقَوْلِكَ وَلَمْ نُصَدِّقْكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ غَيَّبْتَهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يُعْطِهَا الْبَائِعُ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ آخُذَ أَيَّهمَا شِئْت بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَذَهَبْتُ بِهِمَا لِأَرُدَّهُمَا فَضَاعَا فِي يَدَيَّ أَوْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا فِي يَدَيَّ؟ قَالَ: إنْ ضَاعَا جَمِيعًا رَأَيْتُ عَلَيْكَ الثَّمَنَ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنْتَ فِي الْآخَرِ مُؤْتَمَنٌ.
[الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا]
فِي الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ يَكُونُ الْبَائِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خِيَارَ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، قَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ كَلَامٌ، فَإِذَا أَوْجَبَا الْبَيْعَ بِالْكَلَامِ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا قَدْ لَزِمَهُ.
قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ،
وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ ذَكَر إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبِيدٌ، عَنْ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ كَانَ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» .
قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّ الْبَائِعَيْنِ إذَا أَوْجَبَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ لَزِمَ وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَحَدُهُمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِطُ عَلَى الْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ، وَنَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ» .
قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا كُلِّفَ الْبَائِعُ الْيَمِينَ، وَلَقَالَ هَبْ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ الْمُبْتَاعُ أَلَيْسَ لِي أَنْ لَا أَقْبَلَ وَأَنْ يُفْسَخَ عَنِّي الْبَيْعُ، فَإِذَا صَادَقْتُهُ عَلَى الْبَيْعِ كَانَ لِي أَنْ لَا يَلْزَمَنِي، فَإِذَا خَالَفْتُهُ فَذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَلْزَمَنِي ابْنُ وَهْبٍ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مَنْ الرَّجُلِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُكَهَا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إنْ شِئْتَ فَأَعْطِ الْمُشْتَرِيَ بِمَا قَالَ وَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ بِاَللَّهِ مَا بِعْتَ سِلْعَتَكَ إلَّا بِمَا قُلْتَ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْتَهَا إلَّا بِمَا قُلْتَ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ وَوَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ قَالَ: إنْ حَلَفَا تَرَادَّا وَإِنْ نَكَلَا تَرَادَّا وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ.
[الْخِيَارُ فِي الصَّرْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَلْ يُجِيزُ مَالِكٌ الْخِيَارَ فِي الصَّرْفِ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَهَلْ يُجِيزُ مَالِكٌ الْخِيَارَ فِي التَّسْلِيفِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ أَجَلًا قَرِيبًا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَمْ يُقَدِّمْ رَأْسَ الْمَالِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبْطَلَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ خِيَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا أَوْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَا، وَقَدْ كَانَ الْخِيَارُ فِي السَّلَمِ أَجَلًا بَعِيدًا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَبْطَلَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ خِيَارَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَلَا يَصْلُحُ وَإِنْ أَبْطَلَ خِيَارَهُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ فِي الصَّرْفِ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ وَأَبْطَلَ خِيَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَسْتَقْبِلَا صَرْفًا جَدِيدًا لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَرَفْتُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا فِي الصَّرْفِ، وَهَذَا بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ فِي الصَّرْفِ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا حَوَالَةٍ وَلَا كَفَالَةٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا رَهْنٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ إلَّا الْمُنَاجَزَةُ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَبَيْنَ صَاحِبِهِ عَمَلٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدِّثُ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ إنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ، وَلَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ إلَّا هَاءَ وَهَلُمَّ، وَلَا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ إلَّا هَاءَ وَهَلُمَّ» ، وَأَنْ عُمَرَ قَالَ فِي الصَّرْفِ: وَإِنْ اسْتَظْهَرَكَ إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ.
[يَشْتَرِي السِّلْعَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَخْتَارُ إحْدَاهُمَا وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَخْتَارُ إحْدَاهُمَا وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَتَيْنِ عَلَى أَنِّي فِيهِمَا بِالْخِيَارِ آخُذُ إحْدَاهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَذَلِكَ لِي لَازِمٌ أَتَرَى هَذَا الْبَيْعَ لَازِمًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الثِّيَابِ وَالْكِبَاشِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْعُرُوضِ: يَشْتَرِي الرَّجُلُ السِّلْعَةَ بِكَذَا وَكَذَا يَخْتَارُهَا مِنْ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْجَوَارِي، وَالثَّمَنُ فِي مَسْأَلَتِكَ فِي السِّلَعِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي إحْدَاهُمَا وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: اخْتَرْ فِي أَيَّتِهِمَا شِئْتَ فَهِيَ لَكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ اخْتَرْ إنْ شِئْتَ هَذِهِ بِأَلْفَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ هَذِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا لَازِمَةٌ، فَهَذَا الَّذِي كَرِهَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَتَيْنِ هَذِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَهَذِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ أَخْتَارَ إحْدَاهُمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ هَذَا الْبَيْعُ إذَا كَانَ يَأْخُذُهُمَا عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا قَدْ وَجَبَتْ لَهُ إنْ شَاءَ الَّتِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَإِنْ شَاءَ الَّتِي بِأَلْفٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُمَا عَلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِمَا إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَالْبَائِعُ أَيْضًا، كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْعِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْضِيَ أَمْضَى، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا،
وَإِنْ أَخَذَهُمَا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ فِي إحْدَاهُمَا لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ فَسَخَ هَذِهِ فِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ فِي هَذِهِ، فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ الْخَطَرِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ أَرْخَصَ مِنْ صَاحِبَتِهَا فَهُوَ إنْ أَخْطَأَ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَ الْغَالِيَةَ كَانَ قَدْ غَبَنَهُ الْبَائِعُ وَإِنْ أَخَذَ الرَّخِيصَةَ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَبَنَ الْبَائِعَ وَهُوَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَإِنَّمَا مِثْلُهُمَا مِثْلُ سِلْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَهَا بِثَمَنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُحَوَّلَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ بِدِينَارٍ وَثَوْبٍ أَوْ ثَوْبٍ وَشَاةٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِمَا بَاعَ وَلِأَنَّهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يُجِيزُ مِثْلَ هَذَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هَذَا الثَّوْبُ بِسَبْعَةٍ وَهَذَا الثَّوْبُ بِخَمْسَةٍ، وَالْوَزْنُ وَاحِدٌ فَاخْتَرْ فِيهِمَا وَقَدْ وَجَبَ لَكَ أَحَدُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَتَفْسِيرُ حَلَالِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ أَخَذَ الَّذِي بِسَبْعَةٍ ثُمَّ رَدَّهُ وَأَخَذَ الَّذِي بِخَمْسَةٍ وَوَضَعَ دِرْهَمَيْنِ مِنْ السَّبْعَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَكَأَنَّهُ اشْتَرَى دِرْهَمَيْنِ مِنْ السَّبْعَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَالثَّوْبَ الَّذِي بِخَمْسَةٍ بِالثَّوْبِ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ بِسَبْعَةٍ ثُمَّ رَدَّهُ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ وَصَارَ الثَّوْبُ الَّذِي بِخَمْسَةٍ لَهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: وَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةَ الْوَزْنِ هَذِهِ نَقْصٌ وَهَذِهِ وَازِنَةٌ فَلَا يَصْلُحُ فِي رَأْيِي، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ أَخَذَ الثَّوْبَ الَّذِي بِخَمْسَةٍ قَائِمَةٍ ثُمَّ رَدَّهُ وَأَخَذَ الثَّوْبَ الَّذِي بِسَبْعَةٍ نَقْصٍ وَجَعَلَ مَكَانَ الْخَمْسَةِ الْقَائِمَةِ سَبْعَةً نَقْصًا فَلَا يَسْتَطِيعُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهُمَا جَمِيعًا نَقْصًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ قِصَاصٍ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الَّذِي يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِعَشْرَةٍ نَقْصٍ أَوْ بِسَبْعَةٍ وَازِنَةٍ كِلْتَاهُمَا نَقْدًا أَوْ يُوجِبُ عَلَيْهِ إحْدَى الثَّمَنَيْنِ قَالَا: لَا يَصْلُحُ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَهُ وَزَنَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ كَأَنَّهُ أَخَذَ بِالنَّقْصِ وَصَارَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ فَسَخَ مَا مَلَكَ فَسْخَهُ وَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا وَازِنَةً فَلَا يَصْلُحُ اشْتِرَاءُ أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ بِصَاحِبِهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ يُونُسُ: سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَا صِفَةُ الْبَيْعَتَيْنِ تُجِيزُهُمَا الصَّفْقَةُ الْوَاحِدَةُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ» فَقُلْتُ: مَا صِفَةُ ذَلِكَ فَقَالَ رَبِيعَةُ: يَمْلِكُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنَيْنِ عَاجِلٍ وَآجِلٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا كَالدِّينَارِ نَقْدًا وَالدِّينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بِالْآخَرِ فَهَذَا مِمَّا يُقَارِبُ الرِّبَا.
قَالَ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ: وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَكَ ثَوْبَهُ بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ
بِدِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ تَأْخُذُهُمَا بِأَيِّهِمَا شِئْتَ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ أَحَدُهُمَا فَهَذَا كَأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْكَ بِدِينَارٍ نَقْدًا فَأَجَزْتُهُ وَجَعَلْتُهُ بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ فَكَأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْكَ بِدِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَجَعَلْتَهُمَا بِدِينَارٍ نَقْدًا فَكُلُّ شَيْءٍ كُرِهَ لَكَ أَنْ تُعْطِيَ قَلِيلًا مِنْهُ بِكَثِيرٍ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَمْلِكَهُمَا بِذَلِكَ يُفْسَخُ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْكَ فَلَمْ يَصْلُحْ لَكَ أَنْ تَفْسَخَهُ فِي غَيْرِهِ وَتُؤَخِّرَهُ فَلَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَمْلِكَ ذَلِكَ لِلْخِيَارِ فِيهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ الثَّوْبَ بِالنَّقْدِ بِكَذَا وَكَذَا وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: الصَّفْقَتَانِ فِي الصَّفْقَةِ رِبًا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ أَبُو الزِّنَادِ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ رَبِيعَةَ فِي الْبَيْعَتَيْنِ بِالثَّمَنَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَنَهَى عَنْهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَشْرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشْرَ إلَى شَهْرٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ: وَكَرِهَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالْقَاسِمُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَنَافِعٌ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ اللَّيْثِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْبَيْعَتَانِ اللَّتَانِ لَا تَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِمَا ثُمَّ فَسَّرَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
[يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ كُلَّهَا كُلُّ إرْدَبٍّ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ شَاةٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ كُلَّهَا كُلُّ إرْدَبٍّ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ شَاةٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الطَّعَامَ مِنْ رَجُلٍ كُلُّ إرْدَبٍّ بِدِرْهَمٍ أَوْ هَذِهِ الثِّيَابَ كُلُّ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ هَذِهِ الْغَنَمَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَاخْتَرْتُ أَنْ آخُذَ بَعْضَهَا وَأَتْرُكَ بَعْضَهَا أَيَجُوزُ لِي هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تَأْخُذَ جَمِيعَهُ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْقَمْحَ الْمُصَبَّرَ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ: إنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُ وَيَدَعَ بَعْضَهُ.
[يَأْخُذُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَيَتْلَفُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ]
فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَيَتْلَفُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَخَذَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ إنْ رَضِيَهَا أَوْ عَلَى أَنْ يُرِيَهَا فَمَاتَتْ
قَبْلَ أَنْ يَرْضَاهَا أَوْ قَبْلَ أَنْ يُرِيَهَا أَوْ تَلِفَتْ أَيَكُونُ ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعُ أَمْ مِنْ الْمُشْتَرِي؟ قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ: ضَمَانُهَا أَبَدًا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَرْضَى الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ ذَلِكَ حَيَوَانًا أَوْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَتَلِفَتْ السِّلْعَةُ عِنْدِي قَبْلَ أَنْ أَخْتَارَ مِمَّنْ مُصِيبَتُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ حَيَوَانًا أَوْ أَرَضِينَ أَوْ دُورًا فَمُصِيبَتُهَا مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَيَوَانٍ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَهَلَكَتْ هَلَاكًا ظَاهِرًا فَمُصِيبَتُهَا مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ غَابَ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَعْلَمْ هَلَاكَهَا إلَّا بِقَوْلِهِ لَمْ يُصَدَّقْ.
قُلْتُ: فَمَا يَغْرَمُ؟
قَالَ: الثَّمَنُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ يَغْرَمُ الثَّمَنَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَقَبَضَ السِّلْعَةَ وَنَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ فَمَاتَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَتَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَوْتُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ وَانْتَقَدَ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا مَاتَتْ السِّلْعَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ وَلَا يَتِمُّ حَتَّى يَقَعَ الْخِيَارُ أَوْ يَرْضَى مَنْ جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْجَارِيَةَ وَيَكُونُ فِيهَا الْخِيَارُ شَهْرًا وَيَنْقُدُ عَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ فَإِنْ نَقَدَ الثَّمَنَ وَجَهِلَ ذَلِكَ وَكَانَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثُمَّ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ فَإِنَّهَا مِنْ الْبَائِعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَتْ السِّلْعَةُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ مِمَّنْ هِيَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مِنْ الْبَائِعِ قَبَضَ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْبِضْ نَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُبْتَاعَ فِيهَا بِالْخِيَارِ فَتُصَابُ السِّلْعَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ: هِيَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَنْفُذَ الْبَيْعُ، وَخِيَارُ الْبَائِعِ وَخِيَارُ الْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إنَّمَا كَانَتْ السِّلْعَةُ وَضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَهَا وَنَقَدَ ثَمَنَهَا أَوْ لَمْ يَنْقُدْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يَتِمَّ، وَلَا يَتِمُّ حَتَّى تَمْضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي بَاعَهَا بِاسْتِبْرَاءٍ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى تَحِيضَ، وَالْعَبْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ هُوَ مِنْ الْبَائِعِ أَبَدًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَقَدْ تَمَّ الْأَمْرُ فِيهِمَا لِمَا مَضَى فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ وَمِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَأَخْبَرَنِي أَشْهَبُ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ: أَنَّ حِبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ أَنَّهُ قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ الْعُهْدَةَ فِيمَا اشْتَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: إنِّي نَظَرْتُ فِي بُيُوعِكُمْ فَلَمْ أَجِدْ لَكُمْ شَيْئًا مِثْلَ الْعُهْدَةِ الَّتِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ الْعُهْدَةَ فِيمَا اشْتَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ قَضَى بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ابْنُ وَهْبٍ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ عَبْدًا فَوُعِكَ الْعَبْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَمَاتَ فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَشْهَبُ.
قَالَ مَالِكٌ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ وَعُهْدَةَ السُّنَّةُ وَيَأْمُرَانِ بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي جَارِيَةٍ جُعِلَتْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ حَتَّى تَحِيضَ فَمَاتَتْ أَنَّهَا مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَإِنْ كَانَتْ حَاضَتْ فَهِيَ مِنْ الْمُبْتَاعِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَكَيْفَ بِالْخِيَارِ الَّذِي لَهُ شَرْطُهُ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ.
[النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ دُورٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ عُرُوضٍ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ بَيَّاعَاتُ النَّاسِ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيَصْلُحُ فِيهِ النَّقْدُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ؟ فَقَالَ قَدْ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَاسِدَةً.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَالنَّقْدُ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ صَحِيحَةً وَيَكُونُ بَيْعًا جَائِزًا؟
قَالَ: نَعَمْ وَوَجْهُ فَسَادِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ لِقَوْلِ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ أَسْلِفْنِي خَمْسِينَ دِينَارًا ثَمَنُهَا وَأَنْتَ عَلَيَّ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِهَا مِنِّي دَارِي هَذِهِ أَوْ عَبْدِي أَوْ مَتَاعِي هَذَا، أَوْ مَا كَانَ فِيهِ الْبَيْعُ فَهُوَ لَكَ، فَإِنْ تَمَّ أَخَذَهُ وَصَارَ لَهُ سَلَفًا تَمَّ فِيهِ الْبَيْعُ، وَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ وَلَمْ يُجِزْهُ رَجَعَ فَأَخَذَ سَلَفَهُ مِنْ الْبَائِعِ فَانْتَفَعَ الْبَائِعُ بِالذَّهَبِ بَاطِلًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.
قُلْتُ: فَكُلُّ بَيْعٍ اشْتَرَاهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ فَأَصَابَ السِّلْعَةَ عَيْبٌ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ ثُمَّ انْقَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَقَبَضَهَا وَعَلِمَ بِالْعَيْبِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَرَضِيَهُ ثُمَّ حَالَتْ أَسْوَاقُ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ تَغَيَّرَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي بَدَنِهَا ثُمَّ أَصَابَهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ دَلَّسَهُ لَهُ الْبَائِعُ قَالَ: إنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَوَضَعَ عَنْهُ قَدْرَ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا هُوَ ثَمَنُهَا وَبَطَلَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا وَصَارَتْ قِيمَتُهَا لَهَا ثَمَنًا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ وَيَرُدُّ مَا أَصَابَهَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ يَحْبِسُهَا وَيَرْجِعُ بِالْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ مِنْ قِيمَتِهَا.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَغَرِمَ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا قُلْتُ: وَالْخِيَارُ لَهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لِي؟
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي حَدَثَ بِهَا فِي يَدَيْهِ عَيْبٌ آخَرُ أَوْ حَالَتْ فِي بَدَنِهَا وَجَبَتْ لَهُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَضَتْ أَيَّامُ خِيَارِهِ وَقَبَضَهَا ثُمَّ كَانَ بِالْخِيَارِ فِي رَدِّهَا وَأَنْ يَرُدَّ مَعَهَا مِنْ قِيمَتِهَا الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَفْت رَجُلًا فِي طَعَامٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: إنْ اشْتَرَطَ أَجَلَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُقَدِّمْ النَّقْدَ، وَإِنْ اشْتَرَطَ أَبْعَدَ لَمْ يَجُزْ قَدَّمَ النَّقْدَ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ.
قُلْتُ: لِمَ جَوَّزْتَهُ لَهُ إذَا لَمْ يُقَدِّمْ النَّقْدَ وَكَرِهْتَهُ إذَا قَدَّمَ عَلَى مَاذَا رَأَيْتَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا جَوَّزْتُ الْخِيَارَ فِيهِ إذَا لَمْ يُقَدِّمْ النَّقْدَ وَكَانَ أَجَلُ الْخِيَارِ قَرِيبًا لِأَنِّي أُجِيزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ رَأْسَ مَالِ السَّلَفِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَقْدَهُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَجَزْتُ الْخِيَارَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَكَرِهْتُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ نَقْدَهُ وَيَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ سَلَفٌ وَبَيْعٌ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ النَّقْدَ وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ فَكَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ إلَى أَجَلِ الْخِيَارِ عَلَى أَنْ جَعَلَاهَا بَعْدَ أَجَلِ الْخِيَارِ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ مَوْصُوفٍ فَصَارَتْ الدَّنَانِيرُ سَلَفًا وَصَارَتْ السِّلْعَةُ الْمَوْصُوفَةُ تَبَعًا لِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْخِيَارِ فَصَارَتْ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهْتَهُ إذَا كَانَ أَجَلُ الْخِيَارِ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ إذَا لَمْ يُقَدِّمْ رَأْسَ الْمَالِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَيْنًا بِدَيْنٍ.
وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَى شَهْرٍ وَإِنَّمَا يُجَوِّزُ مَالِكٌ الْخِيَارَ فِي الْبُيُوعِ عَلَى قَدْرِ اخْتِبَارِ النَّاسِ السِّلَعَ الَّتِي يَشْتَرُونَ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَدَّمَ رَأْسَ الْمَالِ وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ وَضَرَبَ لِلسَّلَفِ أَجَلًا بَعِيدًا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ هَذَا الْخِيَارَ إلَى هَذَا الْأَجَلِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: وَكُلُّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ خِيَارُهُ يَوْمًا وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ النَّقْدَ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
[الدَّعْوَى فِي بَيْعِ الْخِيَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت سِلْعَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَجِئْتُ بِهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ لِأَرُدَّهَا فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَتْ هَذِهِ سِلْعَتِي؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَى السِّلْعَةِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَغِبْتُ بِالْجَارِيَةِ ثُمَّ أَتَيْت بِهَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ لِأَرُدَّهَا فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَتْ هَذِهِ جَارِيَتِي الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ الْمُبْتَاعُ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ وَيَرُدُّهَا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ: يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الذَّهَبَ يَقْضِيهِ إيَّاهَا مِنْ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: خُذْهَا وَانْظُرْ إلَيْهَا وَقَلِّبْهَا فَيَأْخُذُهَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَأْتِي بِهَا لِيَرُدَّهَا فَيُنْكِرُ الدَّافِعُ وَيَقُولُ: لَيْسَتْ بِذَهَبِي؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْفُوعَةِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى حَيَوَانًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الدَّوَابَّ أَفْلَتَتْ مِنْهُ وَالرَّقِيقُ أَبِقُوا أَوْ مَاتُوا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَالْمَوْتُ إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يُجْهَلُ مَوْتُهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَكَشَفَ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا قَوْلُ عُدُولٍ فَإِنْ عُرِفَ فِي مَسْأَلَتِهِمْ كَذِبُهُ أَغْرَمَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْمِلُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ وَقُبِلَ قَوْلُهُ، وَقَدْ قَالَهُ مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَالْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ وَالِانْفِلَاتُ إنْ ادَّعَاهُ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ يُجْهَلُ لَمْ تَسْأَلْ الْبَيِّنَةَ عَنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا نَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَذِبِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ سِلْعَةٍ اشْتَرَيْتهَا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِيهَا مَنْ ثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ سِوَى الْحَيَوَانِ فَغِبْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ ادَّعَيْت أَنَّهَا تَلِفَتْ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي غَابَ عَلَيْهَا قَدْ هَلَكَتْ هَلَاكًا ظَاهِرًا يُعْرَفُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مَنْ الْمُشْتَرِي؟ قَالَ: يَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّهْنِ وَفِي الضِّيَاعِ وَفِي الْعَارِيَّةِ: مَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ مِمَّا تُثْبِتُهُ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّهُ هَلَكَ بِغَيْرِ ضَيْعَةٍ مِنْ الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْتَهِنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ وَهُوَ فِي الْبَحْرِ فِي الْمَرْكَبِ فَيَغْرَقُ وَلَهُ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ غَرِقَ أَوْ يَحْتَرِقُ مَنْزِلُهُ أَوْ يَلْقَاهُ اللُّصُوصُ وَمَعَهُ رِجَالٌ فَيَأْخُذُ اللُّصُوصُ السِّلْعَةَ مِنْهُ فَيَشْهَدُ شُهُودٌ عَلَى رُؤْيَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ حِينَ احْتَرَقَ أَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ حِينَ أَخَذَهُ اللُّصُوصُ فَهَذَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَاَلَّذِي أُعِيرَهُ أَوْ رَهْنَهُ مِنْهُ بَرِيءٌ وَلَا تَبَاعَةَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الَّذِي يَشْتَرِي عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَيَغِيبُ عَلَيْهِ هُوَ مِثْلُ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى حَيَوَانًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَقَبَضَ الْحَيَوَانَ وَغَابَ بِهَا ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي الَّذِي غَابَ عَلَى الْحَيَوَانِ أَنَّهَا هَلَكَتْ أَوْ أَبَقَتْ إنْ كَانَتْ رَقِيقًا؟ قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَوْتِ إنْ كَانَ مَعَ أَحَدٍ سُئِلَ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَفِيهَا أَهْلُهَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَإِنْ ادَّعَى انْفِلَاتًا أَوْ إبَاقًا أَوْ سَرِقَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَذِبِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَأَلُوا فِي الْقَرْيَةِ عَنْ مَوْتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَلَمْ يُصِيبُوا مَنْ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ؟
قَالَ: فَأَرَاهُ فِي هَذَا كَاذِبًا حِينَ لَمْ يَجِدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ هَلَاكَ مَا ادَّعَى وَهُوَ فِي الْقَرْيَةِ فَأَرَى عَلَيْهِ الْغُرْمَ.
[يَبِيعُ الْعَبْدَ وَبِهِ الْعَيْبُ وَلَا يُبَيِّنُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ فَيُعْلِمُهُ]
فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْعَبْدَ وَبِهِ الْعَيْبُ وَلَا يُبَيِّنُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ بِالْعَبْدِ عَيْبًا وَيَقُولُ: إنْ شِئْتَ فَخُذْ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ رَجُلًا سِلْعَةً وَبِهَا عَيْبٌ وَلَمْ أُبَيِّنْ لَهُ الْعَيْبَ ثُمَّ جِئْتَهُ بَعْدَمَا وَجَبَتْ الصَّفْقَةُ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَإِنْ شِئْت فَخُذْ وَإِنْ شِئْت فَدَعْ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ لَنَا: إنْ كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا يُعْرَفُ أَوْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْعَيْبِ ذَكَرَ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُخْبِرُ خَبَرًا لَيْسَ
بِظَاهِرٍ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ يَأْتِي بِهَا فَالْمُشْتَرِي عَلَى شِرَائِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَا قَالَ لَهُ الْبَائِعُ فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ الْعَيْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
[بَاع السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّام فَلَا يَرُدُّهَا حَتَّى تَمْضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ فَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا يَرُدُّهَا بَعْدَ مَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ أَتَى بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ أَوْ مِنْ الْغَدِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ رَأَيْتُ أَنْ يَرُدَّهَا وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ لَمْ أَرَ أَنْ يَرُدَّهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنِّي قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَشْتَرِي الثَّوْبَ أَوْ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْأَجَلِ وَلَمْ يَأْتِ بِالثَّوْبِ إلَى آخِرِ الْأَجَلِ لَزِمَ الْبَيْعُ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ وَنَهَى عَنْهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا: أَرَأَيْتَ إنْ مَرِضَ الْمُشْتَرِي أَوْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ أَكَانَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فَكَرِهَ هَذَا، فَهَذَا يَدُلُّكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ مُضِيِّ الْأَجَلِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنَّهُ: إنْ جَاءَ بِنُجُومِهِ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ وَإِلَّا فَلَا كِتَابَةَ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ مَحْوُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ بِيَدِ السَّيِّدِ لِمَا شَرَطَ وَيَتَلَوَّمُ لِلْمُكَاتَبِ وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ أَعْطَاهُ كَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَالْقَطَاعَةُ مِثْلُهُ يَتَلَوَّمُ لَهُ أَيْضًا وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ فَإِنْ جَاءَ بِهِ عَتَقَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا فَلَمْ أَقْبِضْ السِّلْعَةَ مِنْ الْبَائِعِ وَلَمْ أَخْتَرْ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ رَدَّهَا حَتَّى تَطَاوَلَ تَرْكِي إيَّاهَا فِي يَدَيَّ الْبَائِعِ ثُمَّ جِئْت بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ بِزَمَانٍ فَقُلْتُ: أَنَا أَخْتَارُ إجَازَةَ الْبَيْعِ، وَقَالَ الْبَائِعُ قَدْ تَرَكْتُهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَكَ وَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَارَ بِحَضْرَةِ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ بِقُرْبِ ذَلِكَ جَازَ خِيَارُهُ وَكَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ حَتَّى تَطَاوَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَيَعْرِفُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِبُعْدِ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَالسِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَبَضَ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرِي وَكَانَ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا وَلَمْ يَخْتَرْ
فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ الرَّدَّ وَلَا الْإِجَازَةَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ السِّلْعَةَ؟ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَالسِّلْعَةُ لَازِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا بِحَضْرَةِ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالسِّلْعَةُ لَازِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي هَذَا إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي السِّلْعَةِ حَيْثُ هِيَ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَانَتْ لَهُ وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالسِّلْعَةُ لَازِمَةٌ لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى السِّلْعَةِ حَيْثُ هِيَ فَإِذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ فَيَجْعَلُهَا لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.
[الْخِيَار إلَى غَيْرِ أَجَلٍ]
فِي الْخِيَارِ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ وَلَمْ أَجْعَلْ لِلْخِيَارِ وَقْتًا أَتَرَى هَذَا الْبَيْعَ فَاسِدًا أَوْ جَائِزًا؟ قَالَ: أَرَاهُ جَائِزًا وَأَجْعَلُ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ مِثْلَ مَا يَكُونُ لَهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ.
[يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي أَنْ يَخْتَارَ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسَةٍ]
فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي أَنْ يَخْتَارَ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسَةٍ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ مِنْهَا أَوْ خَمْسَةٍ؟ .
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ بَاعَ كِبَاشَهُ هَذِهِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ مِنْهَا أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ مِنْهَا أَرْبَعَ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسَةً؟ .
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ ثَمَرَةَ نَخْلٍ لَهُ وَاسْتَثْنَى مِنْ مِائَةِ نَخْلَةٍ عَشْرَ نَخَلَاتٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا بِأَعْيَانِهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْبَائِعُ أَنْ يَخْتَارَهَا؟ . قَالَ: أَرَى أَنْ يُعْطِيَ عُشْرَ مَكِيلَةِ ثَمَرِ الْحَائِطِ وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّمَرَةِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي لِهَذَا الْعُشْرِ وَلِهَذَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الثَّمَرَةِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ ثَمَرَةِ حَائِطِهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْتُهُ شَرِيكًا مَعَهُ.
[اشْتَرَى مِنْ حَائِطِهِ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا أَوْ مِنْ ثِيَابِهِ ثَوْبًا]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ مِنْ حَائِطِهِ ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا أَوْ مِنْ ثِيَابِهِ ثَوْبًا أَوْ مِنْ غَنَمِهِ شَاةً يَخْتَارُهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت مَنْ ثَمَرَةِ حَائِطِهِ هَذَا ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ اخْتَارَهُنَّ أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى أَرْبَعَ نَخَلَاتٍ بِأُصُولِهِنَّ عَلَى أَنْ يَخْتَارَهُنَّ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ؟ .
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ ثَمَرَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ ثَمَرَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ بَاعَ حَائِطَهُ كُلَّهُ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسَةً قَالَ: فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَإِنْ نَزَلَ لَمْ أَفْسَخْهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْكِبَاشِ.
قُلْتُ: وَالطَّعَامُ كُلُّهُ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ صُبَرًا مُخْتَلِفَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا آخُذُ مِنْكَ ثَوْبَيْنِ مَنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ وَهِيَ عِشْرُونَ ثَوْبًا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا آخُذُ أَحَدَهُمَا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَا ثَوْبَيْنِ أَوْ أَثْوَابًا كَثِيرَةً فَاشْتَرَى مِنْهَا ثَوْبًا يَخْتَارُهُ وَضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا أَيَّامًا قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْبَائِعِ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْبَائِعِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ضَاعَ الثَّوْبُ الْبَاقِي؟ .
قَالَ: هُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الثَّوْبَ بِبَيِّنَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَذَهَبَ فَقَطَعَ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا أَوْ بَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَحْرَقَهُ فَأَفْسَدَهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا أَيَلْزَمُهُ هَذَا الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ مَا أَحْدَثَ وَتَجْعَلُهُ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخَرِ مُؤْتَمَنٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا قَبْلَ هَذَا.
قُلْتُ: فَالْحَيَوَانُ كُلُّهَا إذَا أَخَذَهَا عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا وَاحِدَةً بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْغَنَمِ: إذَا اشْتَرَى شَاةً مَنْ جَمَاعَةِ غَنَمٍ يَخْتَارُهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَوْ عَدَدًا مُسَمًّى نَحْوَ الْعَشَرَةِ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ خَمْسِينَ ثَوْبًا مَنْ عِدْلٍ فِيهِ مِائَةُ ثَوْبٍ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْخَمْسِينَ ثَوْبًا مِنْ الْعِدْلِ؟ .
قَالَ: إذَا كَانَتْ الثِّيَابُ الَّتِي فِي الْعِدْلِ نَوْعًا وَاحِدًا مَوْصُوفَةً طُولُهَا وَعَرْضُهَا وَرُقْعَتُهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ هَرَوِيَّةً كُلُّهَا أَوْ مَرْوِيَّةً كُلُّهَا أَوْ فُسْطَاطِيَّةً كُلُّهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الثِّيَابُ الَّتِي فِي الْعِدْلِ فَكَانَتْ أَصْنَافًا مِنْ الثِّيَابِ اشْتَرَيْت خَمْسِينَ ثَوْبًا اخْتَارَهَا؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ صِنْفًا يَخْتَارُ مِنْهُ خَمْسِينَ ثَوْبًا أَوْ يَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: أَخْتَارُ مِنْ صِنْفِ كَذَا وَكَذَا ثَوْبًا وَمَنْ صِنْفِ كَذَا وَكَذَا ثَوْبًا حَتَّى يُفْرِدَ الْخَمْسِينَ ثَوْبًا وَيَذْكُرُ أَصْنَافَهَا كُلَّهَا.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَتْ الثِّيَابُ أَكْسِيَةَ خَزٍّ وَحَرِيرٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَخْتَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلِمَ يُجَوِّزُ مَالِكٌ هَذَا الْبَيْعَ إذَا اشْتَرَيْتُ عَلَى أَنْ أَخْتَارَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ عَلَى شَيْءٍ يَخْتَارُهُ بِعَيْنِهِ؟
قَالَ: إنَّمَا يُجَوِّزُهُ مَالِكٌ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ اشْتَرَى مِنْ مِائَةِ ضَائِنَةٍ خَمْسِينَ كَبْشًا يَخْتَارُهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُبَاعُ إذَا كَانَ كُلُّ مَا يُبَاعُ صِفَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنْ يَخْتَارَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ فِي بُيُوعِهِمْ مِنْهُ إلَّا الطَّعَامَ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ فِي شَجَرٍ وَلَا صُبُرٍ وَلَا فِي نَخْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُ كَانَ وَجَبَ لَهُ غَيْرُ الصِّنْفِ الَّذِي أَخَذَ مِنْ الطَّعَامِ فَتَرَكَهُ وَأَخَذَ هَذَا الَّذِي أَخَذَ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَا يَخْتَارُ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَخْتَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، فَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إذَا اخْتَلَفَتْ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِائَةَ شَاةٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مِنْهَا شَاةً أَيَّتَهنَّ شَاءَ أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ رَجُلٌ اشْتَرَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ شَاةً مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ شَاةً مِنْهَا أَيَّتَهَا شَاءَ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عِشْرِينَ شَاةً مِنْ مِائَةِ شَاةٍ أَوْ ثَلَاثِينَ شَاةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً عَلَى أَنْ يَخْتَارَهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْضًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ الْبَائِعُ هَذِهِ الْمِائَةَ كُلَّهَا إلَّا شَاةً وَاحِدَةً يَخْتَارُهَا الْبَائِعُ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا سِوَى ذَلِكَ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ يَقُولُ: أَخْتَارُ مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَبِيعُكَ وَاحِدَةً مِنْ شِرَارِهَا أَوْ عَشْرَةً مِنْ شِرَارِهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ وَلَا الْبَائِعُ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا؟
قَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالشَّاةِ الَّتِي اسْتَثْنَى شَرِيكًا لَهُ يَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ.
قُلْتُ: وَالثِّيَابُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتَ لِي فِي الْغَنَمِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الثِّيَابِ: إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ كَانَ شَرِيكًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْحَمِيرُ وَالدَّوَابُّ إذَا كَانَتْ صِنْفًا وَاحِدًا اشْتَرَاهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَاسْتَثْنَى مِنْهَا الْبَائِعُ وَاحِدًا أَوْ عَشْرًا أَوْ عِشْرِينَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ شَرِيكًا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْخِيَارَ؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي اشْتَرَطَ الْبَائِعُ جُلَّهَا عَلَى الْخِيَارِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُلُّهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ ثِيَابًا بِثَمَنٍ وَاشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا؟ .
قَالَ: إنْ كَانَ اشْتَرَطَ رَقَمًا بِعَيْنِهِ يَخْتَارُ مِنْهُ فَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي جُمْلَةِ الثِّيَابِ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ كَانَ الْبَيْعُ فِيهِ جَائِزًا وَإِنَّمَا أَبْقَى لَهُ الْبَائِعُ جُزْءًا وَاحِدًا فَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُبْتَاعُ الْخِيَارَ فَهُوَ شَرِيكٌ بِذَلِكَ الْجُزْءِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَخْتَارَ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ عَشْرَ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا؟ .
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا، أَلَا تَرَى إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُك السَّمْرَاءَ تِسْعَةَ آصُعٍ بِدِينَارٍ وَالْمَحْمُولَةَ عَشْرَةً بِدِينَارٍ أَيَّهمَا شِئْت فَخُذْ فَقَدْ وَجَبَ لَكَ إحْدَاهُمَا فَلَا تَقْرَبَنَّ ذَلِكَ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ يَفْسَخُ السَّمْرَاءَ فِي الْمَحْمُولَةِ وَالْمَحْمُولَةَ فِي السَّمْرَاءِ، وَفِيهِ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَذَا التَّمْرُ خَمْسَةَ عَشْرَ بِدِينَارٍ وَهَذِهِ الْحِنْطَةُ عَشْرَةٌ بِدِينَارٍ فَأَيُّهُمَا شِئْت فَخُذْ فَقَدْ وَجَبَ لَكَ إحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ فَلَا تَقْرَبْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَهُ بَيْعَتَيْنِ فَلَا يَصْلُحُ لَهُ فَسْخُ إحْدَاهُمَا بِصَاحِبَتِهَا قِبَل أَنْ يَسْتَوْفِيَ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ الْحِنْطَةَ ثُمَّ فَسَخَهَا ثُمَّ أَخَذَ مَكَانَهَا تَمْرًا وَالتَّمْرُ بِالْحِنْطَةِ بَيْعٌ مِثْلُ الْحِنْطَةِ بِالذَّهَبِ وَمِثْلُهَا بِالْوَرِقِ وَلَيْسَتْ تَقْضِي مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ بِهَا مَكَانَهَا إلَّا بَيْعًا بِبَيْعٍ وَيَدًا بِيَدٍ، وَإِذَا خَيَّرَهُ هَكَذَا بَيْنَ سَمْرَاءَ وَمَحْمُولَةٍ أَيَّهُمَا شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ إحْدَاهُمَا فَهُوَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعٌ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ إحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ فَفَسَخَ إحْدَاهُمَا فِي صَاحِبَتِهَا أَنَّهُ وَجَبَ لَهُ تِسْعَةُ آصُعٍ مِنْ السَّمْرَاءِ بِدِينَارٍ فَهُوَ يَدَعُ التِّسْعَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ مِنْ السَّمْرَاءِ بِعَشْرَةِ آصُعٍ مِنْ الْمَحْمُولَةِ أَوْ يَدَعُ الْعَشَرَةَ آصُعٍ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ مِنْ الْمَحْمُولَةِ بِتِسْعَةِ آصُعٍ مِنْ السَّمْرَاءِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ تِسْعَةً بِعَشْرَةٍ وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَهُوَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُبَاعَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ مَنْ نَخْلِهِ عَشْرَةَ أَعْذُقٍ وَيَبِيعَ ثَمَرَهَا عَلَى
أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَخْتَارُهَا فِي نَخْلَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَنْقُلُ تِلْكَ الْعَشَرَةَ إلَى غَيْرِهَا وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي حَالٍ فَيَأْخُذُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكُلُّ هَذَا قَالَهُ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَزِيدُ الْمَعْنَى وَالشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَخْتَارَ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ يُعْجِبُهُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَلَا يُعْجِبُنِي أَيْضًا الَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ فِي النَّخْلِ يَخْتَارُهَا الْبَائِعُ وَمَا رَأَيْتُهُ حِينَ كَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَلَقَدْ أَوْقَفَنِي فِيهَا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَنْظُرُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ لِي: مَا أَرَاهُ إلَّا مِثْلَ الْغَنَمِ يَبِيعُهَا الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهَا عَشْرَ شِيَاهٍ فَلَمْ يُعْجِبْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ الْغَنَمَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَا بَأْسَ بِهَا مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا خَيْرَ فِيهِ فَإِذَا وَقَعَ أَجَزْتُهُ لِمَا قَالَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ابْتِدَاءً وَلَا يَعْقِدُ فِيهِ بَيْعًا وَهُوَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْخِيَارَ أَجَزْتُ الْبَيْعَ وَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ كُلِّ نَخْلَةٍ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى إنْ كَانَتْ عَشْرَةً مِنْ مِائَةٍ جَعَلْتُ لَهُ عُشْرَ كُلٍّ نَخْلَةٍ عَلَى قَدْرِ طِيبِهَا وَرَدَاءَتِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ شَرِيكٌ مَعَهُ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ
[كِتَابُ الْمُرَابَحَةِ]
[مَا لَا يُحْسَبُ فِي الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يُحْسَبُ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْمُرَابَحَة