ِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُون فِي عِيَالِهِ وَلَا فِي مُؤْنَتِهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا رَدَدْتُ شَهَادَتَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِجَرِّهِ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي حَالِهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ» أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيزَ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ وَلَا الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا الْخَصْمِ وَلَا دَافِعِ الْمَغْرَمِ.
[فِي شَهَادَةِ السُّؤَالِ]
ِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ الْأَمْوَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ السَّلَفُ الَّذِينَ مَضَوْا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْقَانِعِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ مَضَى لَمْ يَكُنْ يُجِيزُ شَهَادَةَ السَّائِلِ.
[فِي شَهَادَةِ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ وَالشَّاعِرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي وَالشَّاعِرِ وَالنَّائِحَةِ أَتُقْبَلُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشَّاعِرِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ يَهْجُوهُمْ إذَا لَمْ يُعْطُوهُ، وَيَمْدَحُهُمْ إذَا أَعْطَوْهُ، فَلَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَهْجُو أَحَدًا، وَهُوَ مِمَّنْ إذَا أُعْطِي شَيْئًا أَخَذَهُ، وَلَيْسَ يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَهْجُ؛ فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.
وَأَمَّا النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّيَةُ وَالْمُغَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ.
[فِي شَهَادَةِ اللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ الْمُدْمِنِ عَلَيْهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.
قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُلْعَبَ بِالشِّطْرَنْجِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَرَاهَا أَشَدَّ مِنْ النَّرْدِ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَأَخْبَرَنِي بِمَا أَخْبَرْتُكَ.
[فِي شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدِي شَهِدَ لِي عَلَى شَهَادَةٍ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ أَعْتَقْته فَشَهِدَ لِي بِهَا، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا.
فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لِلَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ، إذَا كَانَ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهَا شَيْئًا.
[فِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ وَالرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ، فَعَبْدُهُ بِمَنْزِلَتِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَمَةً شَهِدَ لَهَا بِالْعِتْقِ زَوْجُهَا وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا.
قَالَ: فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ، أَنَّ سَيِّدَهَا أَعْتَقَهَا، لَكَانَ أَحْرَى أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا أَسْفَلَ.
[فِي شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالنَّصْرَانِيِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةٍ وَهُوَ صَغِيرٌ فَرَدَّهَا الْقَاضِي، أَوْ الْعَبْدَ أَوْ النَّصْرَانِيَّ إذَا شَهِدُوا فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ، فَكَبُرَ الصَّبِيُّ وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ
ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا بَعْدَ أَنْ رُدَّتْ؟ قَالَ: فَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ.
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ قَضَى فِي شَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُشْرِكِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ إذَا شَهِدَ بِهَا الْمَمْلُوكُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَالصَّغِيرُ بَعْدَ كِبَرِهِ، وَالْمُشْرِكُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهِيَ مَرْدُودَةٌ أَبَدًا.
وَقَالَهُ أَبُو الزِّنَادِ وَمَكْحُولٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ مِثْلَهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ فِي الْمُشْرِكِ مِثْلَ قَوْلِ عُثْمَانَ.
[فِي شَهَادَةِ ذَوِي الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ لِي أَبِي أَوْ ابْنِي، أَنَّ فُلَانًا هَذَا الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيَّ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ وَلَا شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ.
قُلْتُ: تَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي شَهَادَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ لِجَدِّهِمْ، أَوْ شَهَادَةِ الْجَدِّ لِوَلَدِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ.
قُلْتُ: فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِمُكَاتَبِهِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلَا أَرَاهَا جَائِزَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، أَوْ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ.
قُلْتُ: أَفَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأُمِّ لِابْنِهَا، أَوْ الِابْنِ لِأُمِّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَلَا الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ، فَتَرَكَتْ شَهَادَةَ مَنْ يُتَّهَمُ إذَا كَانَتْ مِنْ قَرَابَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُتَّهَمْ إلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَيْنِ وَالْأَخِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: هَؤُلَاءِ دَافِعُوا مَغْرَمٍ، فَلَمْ يَكُنْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمْ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ.
وَقَدْ قَالَ فِي الشَّهَادَاتِ: وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْهَا لِذَوِي الْقَرَابَاتِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ ذَلِكَ يَرْجِعُ كُلُّهُ إلَى جَرِّ الْمَرْءِ إلَى نَفْسِهِ وَدَفْعِهِ عَنْهَا، أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ وَلَدٌ لِوَالِدٍ وَلَا وَالِدٌ لِوَلَدٍ وَلَا زَوْجٌ لِامْرَأَتِهِ وَلَا امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا.
مِنْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِالْمَالِ وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالتَّعْدِيلِ، وَجُرْحَتُهُ عَنْهُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ دَفْعِهِ عَنْهُ وَدَفْعِهِ عَنْهُ جَرٌّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِ أَنَّ الْمَرْءَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنْهُ كَأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَجُرُّ إلَيْهَا، وَالدَّفْعُ عَنْهَا جَرٌّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَرَّ إلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَدَفْعُهُ عَنْهُمْ جَرٌّ إلَيْهِمْ وَجَرُّهُ إلَيْهِمْ لِمَوْضِعِهِمْ مِنْهُ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ.
[فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ وَالْأَخِ وَالشَّرِيكِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوْلَاهُ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُمَوِّنُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِشَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ : قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنَ قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إذَا كَانَ عَدْلًا.
وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: مَا أَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنْ شَهَادَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؟ فَقَالَ: الْأَخُ لِأَخِيهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَلَا الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا.
فَأَمَّا الْأَخُ إذَا كَانَ غِنَاهُ لَهُ غِنًى إنْ أَفَادَ شَيْئًا أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، فَإِنِّي لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا مِنْهُ لَا تَنَالُهُ صِلَتُهُ وَلَا فَائِدَتُهُ.
قَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا بَأْسَ بِحَالِهِ رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً.
فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ ذَا الْوُدِّ لِلرَّجُلِ، الْمُصَافِي لَهُ يَصِلُهُ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَلَا صِلَتُهُ فَأَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً.
[فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيِّ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُسْلِمُوا.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمٌ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ كَافِرٍ، إلَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
[فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَجُوزُ
شَهَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَاتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ، وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَالْمَجُوسِيِّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.
[فِي شَهَادَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِهْلَالِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوِلَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ: شَهَادَةُ رِجَالِهِمْ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَةُ نِسَائِهِمْ.
وَقَدْ رَدَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ.
[شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الِاسْتِهْلَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الِاسْتِهْلَالَ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي الِاسْتِهْلَالِ جَائِزَةٌ.
قُلْتُ: كَمْ يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ مَنْ النِّسَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِهْلَالَ سُنَّةٌ، وَمِمَّا يَكُونُ أَنَّهُ لَا تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ النِّفَاسِ إلَّا النِّسَاءَ.
وَقَدْ رَأَى النَّاسُ أَنْ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ وَكَمُلَ جَسَدُهُ إلَّا الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى كَمَا يَبْقَى الْجَسَدُ، فَيُرَى وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ.
فَشَهَادَةُ مَنْ حَضَرَ النِّفَاسَ مِنْ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ.
[شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ.
لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مَنْ الْأَشْيَاءِ.
قُلْتُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوِلَادَةَ، أَيُجِيزُ مَالِكٌ فِيهَا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَنْظُرُ إلَى الرِّجَالُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: امْرَأَتَانِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِيمَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَكَيْفَ بِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ
وَاحِدَةٍ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ عَنْ رَضَاعِ امْرَأَةٍ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: فَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ.
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيِّ عَنْ حُلَّامِ الْعَبْسِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَقَالَا: إنْ تَتَنَزَّهَ عَنْهَا فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَأَمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا أَحَدٌ عَلَيْكَ فَلَا.
[فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَحَسُنَتْ حَالُهُ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ إخْوَانِنَا أَنَّهُ قِيلَ لِمَالِكٍ فِي الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ يَقْذِفُ فَيُجْلَدُ فِيمَا قَذَفَ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَدَالَتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا ازْدَادَ دَرَجَةً إلَى دَرَجَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَنَا هَهُنَا رَجُلًا صَالِحًا عَدْلًا، فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ وَارْتَفَعَ وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَارْتَفَعَ إلَيْهِ فَوْقَ مَا كَانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَهَادَةَ مَنْ تَابَ مِنْ الَّذِينَ جَلَدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَشُرَيْحًا وَعَطَاءً قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ مَعَ آخَرَ مَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَتَابَ الثَّلَاثَةَ، فَتَابَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ، فَجَازَتْ شَهَادَةُ اللَّذَيْنِ تَابَا وَلَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ أَبِي بَكْرَةَ.
[الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ]
ِ قُلْتُ: أَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ وَالْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْفِرْيَةِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهِ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَتَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَشَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ عَدَدٍ كَثِيرٍ.
[شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ]
ِ قُلْتُ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا شَاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ هَذَا الشَّاهِدِ عَلَى شَهَادَةِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ الَّذِي أَشْهَدَهُ؟ قَالَ: لَا يَحْلِفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ تَامٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ بَعْضُ شَهَادَةٍ فَلَا يَحْلِفُ مَعَهَا الْمُدَّعِي.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْمَالِ، وَإِنْ حَلَّفَهُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الشَّاهِدِ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ تَجُوزُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، فَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الشَّاهِدُ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ يَمِينَانِ؟ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ وَلَا يَكُونُ يَمِينَيْنِ.
[فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
قَالَ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كُنَّ عِشْرِينَ امْرَأَةً، عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَلَا رَجُلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ النِّسَاءِ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى مَالٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّاهِدَتَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ هُمَا لَا يَجُوزَانِ إلَّا وَمَعَهُمَا رَجُلٌ.
وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَمَا كَثُرَ مِنْهُنَّ سَوَاءٌ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدَةٍ، لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ، إلَّا أَنْ يَشْهَدْنَ هُنَّ أَنْفُسُهُنَّ عَلَى حَقٍّ، فَيَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الشَّهَادَةِ.
سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كِبَارُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةٍ وَلَا عَلَى وَكَالَةٍ فِي مَالٍ، وَهُوَ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَدْلٌ مِنْ الْقَوْلِ.
وَلَا تَجُوزُ تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُزْكِينَ النِّسَاءَ وَلَا الرِّجَالَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ التَّزْكِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ عَلَى مَالٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
[شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ
مَالٌ، وَشَهَادَتُهُنَّ فِي الْمَالِ جَائِزَةٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْخَطَأِ إذَا بَقِيَ الْبَدَنُ قَائِمًا، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَتِيلًا.
فَأَمَّا أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً وَقُلْنَ رَأَيْنَا فُلَانًا قَتِيلًا قَتَلَهُ فُلَانٌ خَطَأً، وَقَدْ دُفِنَ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ إنَّمَا جَازَتْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَبْقَى وَإِنَّ الْبَدَنَ يَبْقَى فَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَإِذَا بَقِيَ بَدَنُ الصَّبِيِّ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَبْقَى وَالْبَدَنَ يَبْقَى فَيُرَى.
ابْنُ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ قَائِمًا.
وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْقَتْلِ، إذَا رُئِيَ الْبَدَنُ وَشَهِدَ الْعُدُولُ أَنَّهُمْ رَأَوْا بَدَنَ الصَّبِيِّ.
[شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَنْسَابِ وَالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ عِنْدِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْعَفْوِ مِنْ الدَّمِ.
قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ فِي دَمِ الْعَمْدِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ،
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِي الْمَوَارِيثِ وَفِي الْأَمْوَالِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْأَنْسَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَالِ فِي الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالنَّسَبُ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ شَهَادَتِهِنَّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، هَلْ تَجُوزُ عَلَى الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا عَلَى النَّسَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَتْ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ عَلَى السَّمَاعِ وَلَا عَلَى غَيْرِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ وَلَا فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الدَّعْوَى وَلَا فِي النَّسَبِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ.
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ.
سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَذَكَرَهُ أَيْضًا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ إلَّا أَنَّ عُقَيْلًا لَمْ يَذْكُرْ الْخَلِيفَتَيْنِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الْقَتْلِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ بِأَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ فِي الْقَتْلِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعَتَاقَةِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَا فِي الْعَتَاقَةِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ، إلَّا فِي الدَّيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الدَّيْنِ، أَوْ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا هُنَّ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ أَشَدِّ الْحُدُودِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْفُرْقَةِ وَالنِّكَاحِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقُ مِنْ الْحُدُودِ.
[شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ]
ٍ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غُلَامَيْنِ لَمْ يَبْلُغَا الْحُلُمَ اقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ الْمَيِّتُ: فُلَانٌ قَتَلَنِي وَشَهِدَ عَلَى لِسَانِهِ وَاعْتَرَفَ الْقَاتِلُ الْحَيُّ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَتَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ وَيَقْسِمُ عَلَيْهِ، أَوْ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ الْحَيِّ لِصَاحِبِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُكَ هَذَا إلَّا بِالشُّهُودِ وَلَا يَنْفَعُكَ قَوْلُ الْمَيِّتِ وَلَا إقْرَارَ الْحَيِّ.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، لَا يَكُونُ فِي هَذَا قَسَامَةٌ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا، أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ أَوْ يُخَبَّبُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي الْجِرَاحَاتِ وَالْقَتْلِ إذَا شَهِدَ فِيهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَ ذَلِكَ صِبْيَانٌ كُلُّهُمْ.
وَلَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ أَيْضًا مَنْ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصَّبِيَّانِ الْكَبِيرَانِ، كَانُوا شَهِدُوا لَهُ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ عَلَى كَبِيرٍ، وَلَيْسَ فِي الصِّبْيَانِ قَسَامَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ كَبِيرٌ صَبِيًّا فَشَهِدَ رَجُلٌ عَلَى قَتْلِهِ، فَتَكُونَ الْقَسَامَةُ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ.
سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، مِنْهُمْ أَشْهَبُ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ.
سَحْنُونٌ وَقَدْ قَالَ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَخْزُومِيُّ: إنَّ الْإِنَاثَ يَجُزْنَ، وَإِنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْقَتْلِ جَائِزَةٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُ، فِي الصَّبِيِّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ صِبْيَانٌ أَنَّهُ ضَرَبَ صَبِيًّا أَوْ جَرَحَهُ، فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، أَوْ يَتَرَاخَى ذَلِكَ الْجُرْحُ فَيَمُوتُ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ يُقْسِمُونَ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَهَذَا الصَّوَابُ وَاَلَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْحًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنَ قُسَيْطٍ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ
وَرَبِيعَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا أَوْ يَنْقَلِبُوا إلَى أَهْلِهِمْ أَوْ يَخْتَلِفُوا، أَوْ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ قَوْلِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَجِيزُونَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ لَا يُجِيزُهَا عَلَى الرِّجَالِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إنَّهَا السُّنَّةُ.
وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.
[شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ الْوَارِثَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ إذَا شَهِدَا بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ وَاحِدٌ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ.
فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا.
لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حَظِّهِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
[شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ وَالْوَارِثَيْنِ بِوَصِيٍّ ثَالِثٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ، فَشَهِدَ الْوَصِيَّانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَنَّهُ أَوْصَى إلَى فُلَانٍ أَيْضًا مَعَنَا، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تَجُوزُ.
سَحْنُونٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَجُوزُ إنْ ادَّعَى ذَلِكَ الْوَصِيُّ الثَّالِثُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيمَا أَدْخَلَاهُ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مَنْفَعَةً لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ مِثْلُ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إلَى فُلَان؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ عَلَى نَسَبٍ يَلْحَقَانِهِ بِأَبِيهِمَا، أَوْ بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ بِمَالٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِمَا جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَارِثَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقٍ وَمَعَهُمَا أَخَوَاتٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَا مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ الْوَلَاءِ إلَيْهِمَا فِي دَنَاءَةِ الرَّقِيقِ وَضِعَتِهِمْ؛ جَازَ ذَلِكَ وَعَتَقَ الرَّقِيقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِمْ، وَيُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَاءِ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ دُونَ أَخَوَاتِهِمَا، أَوْ امْرَأَةِ أَبِيهِمَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ النِّسَاءُ لِلْوَصِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ هَذَا الْمَيِّتُ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي شَهَادَتِهِنَّ عِتْقٌ وَإِيضَاعُ النِّسَاءِ، فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لَيْسَ بِجَائِزَةٍ،
وَأَنَّ الْوَصِيَّ الَّذِي يُثْبِتُ، أَوْ الْوَكِيلَ لَيْسَ بِمَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا إذَا أَثْبَتَا وَاسْتَحَقَّا مِنْ الْمَالِ شَيْئًا، يَكُونُ لَهُمَا بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُمَا لَا يَحْلِفَانِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ لَهُمَا وَأَنَّ الَّذِي يَحْلِفُ غَيْرَهُمَا وَهُوَ صَاحِبُ الْمَالِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْأَمْوَالِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَالَ بِشَهَادَتَيْنِ.
[فِي شَهَادَةِ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِلْوَارِثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ عُدُولًا، وَكَانَ لَا تَجُرُّ شَهَادَتُهُ شَيْئًا يَأْخُذُهُ، فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الْوَصِيُّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ مَنْ النَّاسِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ النَّاظِرُ لَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا قَالَ: إذَا كَانُوا كِبَارًا وَكَانُوا عُدُولًا يَلُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقْبِضُ لَهُمْ الْوَصِيُّ شَيْئًا، إنَّمَا يَقْبِضُونَ هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَتْ حَالَتُهُمْ مَرْضِيَّةً.
[فِي الْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا وَكَذَا، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ جَائِزَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُنَّ حَلَفَ مَعَهُنَّ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ.
قَالَ: وَامْرَأَتَانِ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، يَحْلِفُ مَعَهُنَّ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ.
قُلْتُ: وَيَحْلِفُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ لِعَبْدٍ أَوْ لِامْرَأَةٍ أَوْ لِصَبِيٍّ، أَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ؟
قَالَ: أَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فَنَعَمْ، يَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَحْلِفُ حَتَّى يَكْبُرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ وَاحِدٌ أَوْ كَبِيرَانِ، أَيَحْلِفَانِ؟
قَالَ: مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ حَقِّهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَصَاغِرُ شَيْئًا.
وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ كُلُّ مَنْ حَلَفَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ الْأَكَابِرُ عَنْ الْيَمِينِ، وَبَلَغَ الصِّغَارُ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا حَقَّهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ إذَا شَهِدَ لَهُ امْرَأَتَانِ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أَيَحْلِفُ الذِّمِّيُّ مَعَ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ جَائِزَةٌ فِي الدَّيْنِ يُسْتَحْلَفُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ.
[شَهَادَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى السَّرِقَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى سَرِقَةٍ، أَتُضَمِّنُهُ الْمَالَ وَلَا تَقْطَعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَلَا يُقْطَعَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُ الْعَبْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ يَأْتِي سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ: أَنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدًا وَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدَ وَلَا يَقْتُلُهُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَأَرَى فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ وَحْدَهُ عَلَى الرَّجُلِ بِالسَّرِقَةِ، أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَحْلِفُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ وَلَا يَقْطَعُ.
وَكُلُّ جُرْحٍ لَا يَكُونُ فِيهِ قِصَاصٌ فَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ، فَلِذَلِكَ جَازَتْ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، مِثْلُ جُرْحِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَمِثْلِهِمَا، مِمَّا لَا قَوَدَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مَخُوفٌ وَمُتْلَفٌ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ جُرْحٍ فِيهِ قِصَاصٌ، فَشَهَادَةُ الرَّجُلِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ يُقْتَصُّ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَكُونُ فِي الْجِرَاحِ وَفِي النَّفْسِ الْقَسَامَةُ.
فَلَمَّا كَانَتْ النَّفْسُ تُقْتَلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ الْقَسَامَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَّ الْمَجْرُوحُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ فِي الْجِرَاحِ قَسَامَةٌ.
ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَقَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الْجِرَاحِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ.
[الشَّاهِدَانِ يَخْتَلِفَانِ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا عَلَى مِائَةٍ وَالْآخَرُ عَلَى خَمْسِينَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا عَلَى مِائَةٍ وَآخَرَ عَلَى خَمْسِينَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ الَّذِي يَشْهَدُ لَكَ بِمِائَةٍ وَتَسْتَحِقُّ الْمِائَةَ فَذَلِكَ لَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ وَأَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ الْخَمْسِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَذَلِكَ لَكَ.
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ كُلُّهُمْ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحَقِّ، فَشَهِدَ هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَهِدَ هَذَا بِخَمْسِينَ، أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَى الَّذِي هُوَ أَدْنَى.
[فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِرَجُلٍ مَعَهُمَا بِمَالٍ فِي وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا تَكَفَّلَ لِأَبِيهِمَا وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدِي؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كُلَّهَا بَاطِلٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَلِأَنَّ فِيهَا جَرًّا إلَى أَبِيهِمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ لَهُمَا وَلِفُلَانٍ مَعَهُمَا عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِفُلَانٍ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ إذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ:
لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَصِيَّةِ.
لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى وَصِيَّةٍ قَدْ أُوصِيَ لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْئًا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ؛ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدَّ بَعْضُهَا بِالتُّهْمَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةِ رَجُلٍ وَفِيهَا عِتْقٌ وَوَصَايَا لِقَوْمٍ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِي الْعِتْقِ وَحْدَهُ لِلشُّبْهَةِ، وَجَازَتْ فِي الْوَصَايَا لِلْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ.
وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا شَهِدَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي كِتَابِ ذِكْرِ حَقٍّ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَهَذَا الَّذِي تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَحَلَفْتهمْ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِيهَا الْعِتْقُ وَالثُّلُثُ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ؟
قَالَ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِتْقِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ، فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا، وَأَوْصَى لِلشَّاهِدِ مِنْهَا بِوَصِيَّةٍ، وَأَوْصَى إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا كَانَ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَمْرًا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهِ، رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ، أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ هَذِهِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُتَّهَمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي بَعْضٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا مُتَّهَمًا رُدَّتْ كُلُّهَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْأَصْلِ اخْتِلَافٌ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَسَأَذْكُرُهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رَجُلٍ شَهِدَ فِي وَصِيَّةِ رَجُلٍ، وَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ الْوَصِيَّةِ، قَالَ: إنْ كَانَ وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ شَاهِدٌ فِي الْوَصِيَّةِ غَيْرُهُ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ يَشْهَدُ لَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَأَلْتُ عَنْهَا مَالِكًا فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لَهُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوصِي لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رِجَالٍ كَانُوا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، كَانُوا فِي سَفَرٍ فَتُوُفِّيَ أَحَدُهُمْ.
فَأَوْصَى الْقَوْمَ بِوَصَايَا مَنْ مَالِهِ لَيْسَ لَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ لَهُمْ إلَّا بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ، فَقَالَ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ حَقٌّ، أَوْ يُشْهِدُوا غَيْرَهُمْ.
ابْنُ وَهْبٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ كَانَ طَالِبُ الْحَقِّ غَيْرَهُ، وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ وَلِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِ جَرًّا إلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَجَاءَ رَجُلَانِ قَدْ شَهِدَا عَلَى الْوَصِيَّةِ.
فَشَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا فَيَثْبُتُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَهَادَةِ صَاحِبِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَفِي هَذَا بَيَانٌ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ.
[الرَّجُلُ فِي يَدَيْهِ مَالٌ فَيَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ تَصَدَّقَ بِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَقْرَرْت أَنَّ فُلَانًا دَفَعَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّهَا لِفُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ؟
قَالَ: يَحْلِفُ هَذَا الَّذِي زُعِمَتْ أَنَّهَا لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَكَ هَذَا إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُكَ لَهُ؛ لِأَنَّكَ تُقِرُّ بِشَيْءٍ يَبْقَى فِي يَدَيْكَ فَتُتَّهَمُ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ فِي الشَّيْءِ قَدْ جَعَلَ عَلَى يَدَيْهِ الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ: أَنَّ فُلَانًا الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْهِ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ، وَرَبُّ الْمَالِ يُنْكِرُ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ حَاضِرًا، فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ أَرَ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَبْقَى فِي يَدَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَائِبًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْغَيْبَةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ فِيهَا بِالْمَالِ.
[فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْقِتَالِ وَالْقَذْفِ وَالطَّلَاقِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَقُولُ رَأَيْت فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا، أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا يَقْذِفُ فُلَانًا أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا طَلَّقَ فُلَانَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْهُ إلَّا أَنَّهُ مَرَّ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَيَشْهَدُ بِهَا وَإِنَّمَا مَرَّ فَسَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ بِهَا وَلَمْ يَشْهَدْهُ؟
قَالَ: لَا يَشْهَدُ بِهَا، وَلَكِنْ إنْ مَرَّ رَجُلٌ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، أَوْ سَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَاهُ قَالَ: وَيَأْتِي مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّل فَإِنَّمَا سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَتَكَلَّمَانِ فِي الشَّيْءِ وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، فَيَدْعُوهُ بَعْضُهُمَا إلَى الشَّهَادَةِ، أَتَرَى أَنْ يَشْهَدَ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَمِعَ لَعَلَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَهُ كَلَامٌ يُبْطِلُهُ أَوْ بَعْدَهُ.
ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ قَالَ إنَّ السَّمَاعَ شَهَادَةٌ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إذَا قَالَ سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا أَخَذْتُهُ لَهُ مِنْهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا لَمْ أَقْبَلْهُ، وَبِهِ يَأْخُذُ سُفْيَانُ، وَكَانَ رَأْيُ سُفْيَانَ أَنَّ السَّمَاعَ شَهَادَةٌ.
[فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى فُلَانٍ هَذَا، لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى السَّمَاعِ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْلَاهُ، أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا ذَلِكَ مِنْ الْبَيِّنَةِ.
فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَعْجَلُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُثْبِتَ إنْ جَاءَ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَإِلَّا قَضَى لَهُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ: وَقَالَ لَنَا
مَالِكٌ: وَقَدْ نَزَلَ هَذَا بِبَلَدِنَا وَقُضِيَ بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا قَوْمٌ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْمَالِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَلَا يَجُرُّ بِذَلِكَ الْوَلَاءَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى السَّمَاعِ، أَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، أَوْ أَرَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
[الشَّاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْوَلَاءِ وَلَا يَشْهَدَانِ عَلَى الْعِتْقِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى هَذَا الرَّجُلِ، لَا يَعْلَمَانِ لِلْمَيِّتِ وَارِثًا غَيْرَ مَوْلَاهُ هَذَا، وَلَا يَشْهَدَانِ عَلَى عِتْقِهِ إيَّاهُ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَلَاءِ، حَتَّى يَشْهَدَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَعْتَقَ الْمَيِّتَ، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَبَا هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ لِلْمَيِّتِ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ، أَوْ يَشْهَدَا عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ.
فَأَمَّا أَنْ يَقُولَا هُوَ مَوْلَاهُ وَلَا يَشْهَدَا عَلَى عِتْقِهِ إيَّاهُ وَلَا عَلَى إقْرَارِهِ وَلَا عَلَى شَهَادَةِ أَحَدٍ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
[شَهَادَةِ ابْنَيْ الْعَمِّ لِابْنِ عَمِّهِمَا فِي الْوَلَاءِ]
فِي شَهَادَةِ ابْنَيْ الْعَمِّ لِابْنِ عَمِّهِمَا فِي الْوَلَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ بَنُو أَعْمَامِي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ، أَنَّهُ مَوْلَى أَبِي وَأَنَّ أَبِي أَعْتَقَهُ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ ابْنَيْ عَمٍّ شَهِدَا عَلَى عِتْقٍ لِابْنِ عَمِّهِمَا، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَا مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَى قَرَابَتِهِمَا أَنْ يَجُرَّا بِذَلِكَ الْوَلَاءَ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَا مِنْ الْأَبَاعِدِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يَجُرَّا بِذَلِكَ وَلَاءَ مَوَالِيهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا يَوْمًا مَا، وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَفِي مَسْأَلَتِكَ، إنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ مَالٌ يَرِثُهُ وَقَدْ مَاتَ مَوْلَاهُ وَلَا وَلَدَ لِمَوْلَاهُ وَلَا مَوَالِيَ، فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ بِشَهَادَتِهِمَا إلَى أَنْفُسِهِمَا شَيْئًا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى الْمَيِّتِ وَلَدٌ وَمَوَالٍ، يَجُرُّونَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ إلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا يُتَّهَمُونَ عَلَيْهِ لِقُعُودِهِمْ لِمَنْ يَشْهَدُوا لَهُ، لَمْ أَرَ شَهَادَتَهُمَا تَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ.
[شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْمَوَارِيثِ]
فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْمَوَارِيثِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى السَّمَاعِ، شَهِدَ أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ مَوْلَى فُلَانٍ، لَا يَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يَسْتَحِقَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ
شَيْئًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَحْبَاسُ يَكُونُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهَا قَدْ مَاتُوا، وَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ، فَتَنْفُذُ فِي الْحَبْسِ وَتَمْضِي.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْحَبْسِ أَحْيَاءً.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عِنْدَنَا أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا عَلَى السَّمَاعِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَنَزَلْتُ وَأَنَا عِنْدَ مَالِكٍ فَقَضَى بِهَا.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا شَهِدُوا عَلَى السَّمَاعِ فَقَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ حَبْسٌ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى قَوْمٍ أَشْهَدُوهُمْ وَلَا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: بَلَغَنَا ذَلِكَ أَنَّهَا حَبْسٌ.
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ: وَاَلَّذِي سَأَلْنَا عَنْهُ مَالِكًا إنَّمَا سَأَلْنَاهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ شَهَادَةِ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا بَلَغَنَا أَنَّهَا حَبْسٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَةً عَلَى شَهَادَةِ قَوْمٍ عُدُولٍ أَشْهَدُوهُمْ، لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُمْ سَمَاعًا وَكَانَتْ شَهَادَةً.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ دَارٍ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَعْرِفُونَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ وَلَدِهِ يَهْلِكُ، وَلَا تَرِثُ امْرَأَتُهُ مِنْ الدَّارِ وَتَهْلِكُ ابْنَتُهُ وَلَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فَلَا يَرِثُ وَلَدُهَا وَلَا زَوْجُهَا مِنْ الدَّارِ شَيْئًا، وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ بِعَيْنِهِ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّهَا حَبْسٌ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى الَّذِي كَانَ مِنْ تَرْكِ الْمَوَارِيثِ فِي نِسَائِهِمْ وَوَلَدِ بَنَاتِهِمْ وَأَزْوَاجِ الْبَنَاتِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا حَبْسًا ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى السَّمَاعِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الشَّيْءِ مِمَّا وَصَفْتَ لِي مِمَّا ذَكَرْتَ مِنْ الْمَوَارِيثِ، أَيَكُونُ حَبْسًا أَمْ لَا؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ فِي الْأَحْبَاسِ، مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَحْبَاسِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهَا قَدْ حِيزَتْ عَنْ نِسَائِهِمْ وَعَمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْحَبْسِ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السَّمَاعِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ؛ جَازَتْ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي ذَلِكَ.
[شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الدُّورِ الْمُتَقَادِمِ حِيَازَتُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ قَدْ أُنْسِئَ لَهُ فِي الْعُمْرِ، أَقَامَ فِيهَا خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ فَادَّعَاهَا وَأَثْبَتَ الْأَصْلَ، فَقَالَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ اشْتَرَيْتُهَا مِنْ قَوْمٍ قَدْ انْقَرَضُوا وَانْقَرَضَتْ الْبَيِّنَةُ، وَجَاءَ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا جَاءَ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ اشْتَرَى، وَلَمْ يَقُلْ لِي مَالِكٌ مَنْ صَاحِبِهَا الَّذِي ادَّعَاهَا كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِاَلَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ وَجْهُ السَّمَاعِ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَاَلَّذِي حَمَلْنَا عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ شِرَاءٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْمُدَّعِي الَّذِي يَدَّعِي الدَّارَ بِسَبَبِهِمْ، أَوْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ قَطْعٌ لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي، بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ فِيمَا فَسَّرَ لَنَا مَالِكٌ.
قَالَ: وَمَعْنَى
قَوْلِ مَالِكٍ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعٍ يَكُونُ فِيهِ قَطْعًا لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي، إنَّمَا هُوَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّا سَمِعْنَا أَنَّ هَذَا الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ أَوْ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ جَدِّهِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي هَذَا الْمُدَّعِي أَنَّهُ وَرِثَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ قِبَلِهِ.
قَالَ: نَعَمْ، أَوْ اشْتَرَى مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْ جَدِّ هَذَا الْمُدَّعِي، وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: هَهُنَا دُورٌ تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا بِالْمَدِينَةِ، قَدْ تَدَاوَلَهَا قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ فِي الِاشْتِرَاءِ وَهِيَ الْيَوْمَ لِغَيْرِ أَهْلِهَا.
فَإِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَالسَّمَاعُ جَائِزٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ قَاطِعَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ أَمْرًا قَوِيًّا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ، أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ.
[فِي الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ فِي الدَّارِ الْقَرِيبَةِ حِيَازَتُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى رَجُلٌ، فَادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَالَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ: أَنَا آتِي بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، أَنَّ أَبِي اشْتَرَاهَا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِي تَقَارُبِ مِثْلَ هَذَا عَلَى السَّمَاعِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَنْفَعَ السَّمَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَا تَنْفَعُهُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَقْطَعُ عَلَى الشِّرَاءِ.
وَإِنَّمَا تَكُونُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ جَائِزَةً، فِيمَا كَثُرَ مِنْ السِّنِينَ وَتَطَاوَلَ مِنْ الزَّمَنِ.
وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ لِقَوْمٍ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ أَسْلَفَهُ مَالًا وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ وَالِدَهُمْ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا حَدِيثًا مِنْ الزَّمَانِ وَالسِّنِينَ، لَمْ يَتَطَاوَلْ ذَلِكَ، لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ قَدْ قَضَيْتُ إلَّا بَيِّنَةً قَاطِعَةً عَلَى الْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ، أُحْلِفَ الْمُقِرُّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ أَيْضًا عَلَى تَطَاوُلِ الزَّمَانِ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَمَا قَرُبَ مِنْ الزَّمَانِ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْغَائِبِ بِقَاطِعَةٍ،؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ شَيْءٌ دُونَهُ، فَتَكُونُ الْحِيَازَةُ دُونَهُ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يُقِرُّ بِالدَّيْنِ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: لَوْ كَانَ إقْرَارُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ، مِثْلَ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: جَزَى اللَّهُ فُلَانًا خَيْرًا قَدْ جِئْتُهُ مَرَّةً فَأَسْلَفَنِي وَقَضَيْتُهُ، فَاَللَّهُ يَجْزِيهِ خَيْرًا عَلَى نَشْرِ الْجَمِيلِ وَالشُّكْرِ لَهُ، لَمْ أَرَ أَنْ يَلْزَمَهُ فِي هَذَا شَيْءٌ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ وَقَرُبَ زَمَانُ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ.
[فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى رَجُلٍ بِالْكَفَالَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا، عَلَى أَنَّ فُلَانًا تَكَفَّلَ لِي بِمَالِيِّ عَلَى فُلَانٍ،
أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدَيَّ وَأَسْتَحِقُّ الْكَفَالَةَ قِبَلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
سَحْنُونٌ: لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إنَّمَا هِيَ مِثْلُ الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ.
[فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَقَمْت أَنَا عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ، فَحَلَفْتُ مَعَ شَاهِدِي، أَيَثْبُتُ حَقِّي كَمَا يَثْبُتُ حَقُّ صَاحِبِ الشَّاهِدَيْنِ، وَنَتَخَلَّصُ فِي مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ بِمِقْدَارِ دَيْنِي وَمِقْدَارِ دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الرَّجُلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَرُدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَنْكُلُ]
فِي الرَّجُلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَرُدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَنْكُلُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ لِي، وَأَبَيْت أَنْ أَحْلِفَ وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟
قَالَ: يَغْرَمُ.
قُلْتُ: وَتُغَرِّمُهُ وَلَا تَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيَّ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ وَرَدَدْتَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ غَرِمَ وَلَمْ تَرْجِعْ الْيَمِينُ عَلَيْكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلَّذِي لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ مَعَ الشَّاهِدِ لِلْمُدَّعِي وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا غَرِمَ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الَّذِي لَا شَاهِدَ لَهُ، إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا بِغَيْرِ شَاهِدٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةً، ادَّعَيْت عَلَيْهِ حَقًّا مَنْ الْحُقُوقِ فَاسْتَحْلَفْتُهُ؟
قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ بَرِئَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَقَالَ: أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَقْضِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ.
وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِلطَّالِبِ بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ، حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الطَّالِبَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ:
وَقَالَ لِي ابْنُ حَازِمٍ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا، أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الطَّالِبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَنَكَلَ الْمُدَّعِي أَيْضًا عَنْ الْيَمِينِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ حَقَّهُ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنَّ شُرَيْحًا رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالشَّعْبِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.
[فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ ثُمَّ تَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا، فَاسْتَحْلَفْتُهُ ثُمَّ حَلَفَ فَأَصَبْتُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ حَقِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيِّنَتِهِ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهُ فَلَا حَقَّ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ غَيْبًا بِبَلَدٍ آخَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ فَاسْتَحْلَفَهُ، ثُمَّ قَدَّمْتُ بَيِّنَةً، أَيُقْضَى لَهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَتُرَدُّ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ الَّذِي حَلَفَ بِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى إذَا كَانَ عَارِفًا بِبَيِّنَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ، فَرَضِيَ بِالْيَمِينِ مِنْ الْمَطْلُوبِ تَارِكًا لِبَيِّنَتِهِ، لَمْ أَرَ لَهُ حَقًّا وَإِنْ قَدَّمْتُ لَهُ بَيِّنَةً.
قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ تَارِكًا لِبَيِّنَتِهِ؟ أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ فَأَحْلِفْهُ لِي، فَإِنْ حَلَفَ وَقَدَّمْت بَيِّنَتِي فَأَنَا عَلَى حَقِّي وَلَسْت بِتَارِكٍ حَقِّي لِبَيِّنَتِي؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَخَافَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنْ يَذْهَبَ أَوْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ يُحَلِّفَهُ لَهُ وَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ إذَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِبِلَادٍ قَرِيبَةٍ، فَلَا أَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً، الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرِّبْ بَيِّنَتَكَ وَإِلَّا فَاسْتَحْلِفْهُ عَلَى تَرْكِ الْبَيِّنَةِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: إذَا حَلَّفْتُهُ فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الْكَفَالَةَ لَا خُلْطَةَ بَيْنَهُمَا أَتَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ بِكَفَالَةٍ، وَلَا خُلْطَةَ بَيْنَهُمَا، أَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ ابْتَاعَا مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً، فَقَضَى أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْحَقِّ حِصَّتَهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْآخَرَ، فَقَالَ لَهُ: اقْضِنِي مَا عَلَيْكَ وَأَرَادَ سَفَرًا فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَى مَعَهُ السِّلْعَةَ، ثُمَّ مَضَى الرَّجُلُ إلَى سَفَرِهِ، ثُمَّ لَقِيَ الطَّالِبُ صَاحِبَهُ الَّذِي اشْتَرَى مَعَ الذَّاهِبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إلَيَّ مَا دَفَعَ إلَيْكَ فُلَانٌ فَقَالَ مَا
دَفَعَ إلَيَّ شَيْئًا؟
قَالَ: فَاحْلِفْ لِي فَأَتَوْا إلَى مَالِكٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ: لَا أَرَى هَذَا خُلْطَةً وَلَا أَرَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ.
قَالَ: وَأَرَى عَلَيْهِ الْكَفَالَةَ عِنْدِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ دَيْنًا، أَوْ اسْتِهْلَاكَ مَتَاعٍ أَوْ غَصْبًا، أَيَأْخُذُ لِي السُّلْطَانُ مِنْهُ كَفِيلًا أَوْ يُحْلِفُهُ لِي؟
قَالَ: إنَّمَا يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي هَذَا إلَى الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ بِمُخَالَطَةٍ فِي دَيْنٍ أَوْ تُهْمَةٍ فِيمَا ادَّعَى قِبَلَهُ، نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ.
فَإِمَّا أَحَلَفَهُ وَإِمَّا أَخَذَ لَهُ كَفِيلًا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ.
وَأَمَّا فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَإِلَّا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ السُّلْطَانُ.
قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَهَا بِأَنَّهُ، إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ جُلِدَتْ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَكُنْ يُحَلِّفُ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ خُلْطَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ السَّبْعَةِ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نُعَلِّقُ الْيَمِينَ إلَّا أَنْ تَكُونَ خُلْطَةٌ.
وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ دَابَّةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَجُلٍ، ادَّعَى أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ دَابَّتَهُ وَأَنْكَرَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَتُحَلِّفُهُ؟
قَالَ: لِهَذَا وُجُوهٌ: إنْ كَانَ رَبُّ الدَّابَّةِ مُكَارِيًا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِنْ النَّاسِ، رَأَيْتُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ.
وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِمُكَارٍ وَلَا مِثْلُهُ يُكْرِي، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُكَارِيَ ادَّعَى أَنَّهُ أَكْرَى دَابَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَا يَمِينَ لِلْمُكَارِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَا يَشَاءُ رَجُلٌ فِيهَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ رَجُلًا بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا اسْتَحْلَفَهُ.
[كِتَابُ الدَّعْوَى]
[فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَتُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلًا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الدَّعْوَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي طَلَاقَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَتُقِيمُ عَلَيْهِ امْرَأَتَيْنِ، أَيَحْلِفُ لَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ أَيْ فِي الْحُقُوقِ رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ وَإِلَّا لَمْ يَحْلِفْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الطَّلَاقِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ.
قُلْتُ: فَاَلَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الطَّلَاقِ، أَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَحْلِفَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَتَتْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، أَتُطَلَّقُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ.
فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟
قَالَ: فَأَرَى أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَرَدَدْنَاهَا عَلَيْهِ فِي أَنْ يُمْضِيَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ فَأَبَى.
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا طَالَ ذَلِكَ مِنْ سِجْنِهِ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ رَأْيِي وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ أَنْ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، أَحْلَفَ الزَّوْجَ أَوْ السَّيِّدَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَبَيَا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا سُجِنَا حَتَّى يَحْلِفَا.
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ: إنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَنَا: يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَنَا أَرَى إنْ طَالَ حَبْسُهُ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَيَدِينَ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا يُطَلِّقُ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: أَتَيْنَا إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ نِسْوَةٌ وَرَجُلٌ فِي طَلَاقٍ، فَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمْ وَاسْتَحْلَفَهُ مَا طَلَّقَ.
[فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَلَا تُقِيمُ شَاهِدًا أَتَحْلِفُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَقَالَتْ اسْتَحْلِفْهُ لِي؟ قَالَ: قَالَ
مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَاهِدٌ أَتُخَلِّيهَا وَإِيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَيَحْلِفُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَالِدِي أَوْ وَلَدِي فَأَنْكَرَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَا عَلَيْهِ يَمِينٌ.
[الرَّجُلِ يَدَّعِي نِكَاحًا وَلَا يُقِيمُ شَاهِدًا أَتَحْلِفُ الْمَرْأَةُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى الرَّجُلُ قِبَلَ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ، أَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَإِنْ أَبَتْ الْيَمِينَ جَعَلَتْهُ زَوْجَهَا؟ لَا إبَاءَهَا الْيَمِينَ مِمَّا يُوجِبُ لَهُ النِّكَاحَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا أَبَى مَالِكٌ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ قِبَلَهُ طَلَاقًا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ عِنْدِي إذَا ادَّعَى قِبَلَهَا نِكَاحًا، لَمْ أَرَ لَهُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الزَّوْجُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، أَيَسْتَحْلِفُهَا لَهُ مَالِكٌ وَيَحْبِسُهَا كَمَا صَنَعَ بِالزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تُحْبَسَ وَلَا أَرَى إبَاءَهَا الْيَمِينَ وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَنَّهُ يُوجِبُ لَهُ النِّكَاحَ عَلَيْهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فِي الْعَبْدِ يَدَّعِي أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَيُقِيمُ شَاهِدًا أَيَحْلِفُ لَهُ أَوْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ، أَتُحَلِّفُهُ لَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِشَاهِدٍ.
قَالَ: وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَمْ يَشَأْ عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا أَوْقَفَتْ زَوْجَهَا وَأَوْقَفَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ كُلَّ يَوْمٍ فَأَحْلَفَهُ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ فِي الطَّلَاقِ، أَتَرَى أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ؟
قَالَ: إنْ كَانَتَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، رَأَيْتَ أَنْ يَحْلِفَ.
يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَا مِنْ أُمَّهَاتِهَا أَوْ بَنَاتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا أَوْ جَدَّاتِهَا، أَوْ مِمَّنْ هُنَّ مِنْهَا بِظِنَّةٍ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعِتْقِ؟
قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ مَا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الطَّلَاقِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا ادَّعَى أَنَّ مَوْلَاهُ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ، أَيَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينَ إذَا أَنْكَرَ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْعَتَاقَةَ عِنْدَ مَالِكٍ لَمْ يَسْتَحْلِفْ لَهُ السَّيِّدَ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ.
[فِي الْأَمَةِ تَدَّعِي أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَيُنْكِرُ السَّيِّدُ أَيَحْلِفُ لَهَا أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَتْ أَمَةٌ لِسَيِّدِهَا: قَدْ وَلَدْت مِنْكَ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَتُحَلِّفُهُ لَهَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أُحَلِّفُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُحَلِّفْهُ فِي الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ، ثُمَّ تُقِيمَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَهَذِهِ إذَا أَقَامَتْهُ صَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا إنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ السَّيِّدُ اسْتِبْرَاءً بَعْدَ الْوَطْءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ؟
قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ السَّيِّدُ كَمَا يَحْلِفُ فِي الْعَتَاقِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ، وَأَقَامَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً عَلَى الْوِلَادَةِ، أَيَحْلِفُ السَّيِّدُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ امْرَأَتَيْنِ ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَهِيَ إذَا أَقَامَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً عَلَى الْوِلَادَةِ رَأَيْتُ الْيَمِينَ عَلَى السَّيِّدِ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَبْدًا أَنَّهُ لَهُ وَيُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ، أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ؟
قَالَ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا، أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي وَيَكُونُ عَبْدِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ فِي كُتُبِهِ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْعَبْدَ، فَيَأْتِي الرَّجُلُ بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ بِحَقٍّ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي أَعْتَقَهُ: أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ يَحْلِفُ وَيُثْبِتُ حَقَّهُ، وَيَرُدُّ عِتْقَ الْعَبْدِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هَكَذَا، رَأَيْتُهُ يَسْتَرِقُّهُ بِالْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّقِّ.
[شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يُزَوِّجَاهُ وَهُوَ يُنْكِرُ التَّزْوِيجَ وَيُقِرُّ بِالْوَكَالَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ، أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يُزَوِّجَاهُ فُلَانَةَ وَأَنَّهُمَا قَدْ زَوَّجَاهُ فُلَانَةَ، وَهُوَ يَجْحَدُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يَبْتَاعَا لَهُ بَيْعًا، وَأَنَّهُمَا قَدْ فَعَلَا وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: قَدْ أَمَرْتُهُمَا أَنْ يَبْتَاعَا لِي عَبْدَ فُلَانٍ وَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا، وَقَالَا: قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ ابْتَعْنَاهُ لَكَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ ابْتَاعَا لَهُ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا.
[الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَالْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ جَمِيعًا يُنْكِرَانِ]
فِي الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَالْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ جَمِيعًا يُنْكِرَانِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا، وَالْعَبْدُ يُنْكِرُ وَالسَّيِّدُ يُنْكِرُ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرِقَّ نَفْسَهُ.
[شَهِدَا عَلَى رَجُل بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَرِدّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا فَاشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا]
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ، أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا عَنْهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ حِينَ اشْتَرَاهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَيَدَّعِي بَيِّنَةً قَرِيبَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ، فَيُقَدِّمُهُ إلَى الْقَاضِي وَيَقُولُ بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ أَجِيئُك بِهَا غَدًا أَوْ الْعَشِيَّةَ، أَيَحْبِسُ السُّلْطَانُ هَذَا أَمْ لَا يَحْبِسُهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْقَفَهُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ؛ إذْ رَأَى السُّلْطَانُ لِذَلِكَ وَجْهًا وَكَانَ أَمْرًا قَرِيبًا، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الطَّالِبُ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَيَحْبِسُهُ لَهُ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ كَفِيلًا.
وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَفِيمَا يَكُونُ فِي الْأَبَدَانِ، لَا يُؤْخَذُ بِهِ كَفِيلٌ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَبْدًا قَدْ مَاتَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَقَدْ مَاتَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ عَبْدِي، أَيُقْضَى لِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَاتَ فِي يَدِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْعَبْدَ الْغَائِبَ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَكُونُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَيُسَافِرُ الْعَبْدُ أَوْ يَغِيبُ، فَيَدَّعِيهِ رَجُلٌ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ أَنَّهُ عَبْدُهُ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ غَائِبٌ، وَكَيْفَ هَذَا فِي الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ إذَا وَصَفُوهُ وَعَرَفُوهُ، وَيَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ.
[فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الْإِقْرَارِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ جَحَدَ، كَانَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، وَهَذَا مُخَالِفٌ عِنْدِي لِلدَّمِ الْخَطَأِ أَوْ الْعَمْدِ وَهُوَ رَأْيِي.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَضَى بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَتَانِي جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَأْمُرنِي بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَقْضِيَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَيَرَوْنَ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَكُونُ الْيَمِينُ فِي الْفِرْيَةِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي الْعَتَاقِ، وَلَا فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ.
[ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَوْ لَا يُقِيمُ شَاهِدًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ عَبْدًا، فَأَقَمْتُ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَ بِالْعَبْدِ كَفِيلًا حَتَّى آتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا، دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ إذَا وَضَعَ قِيمَتَهُ، ذَهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعِ بَيِّنَتِهِ إنْ أَرَادَ وَأُخِذَ مِنْ يَدَيْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا، وَادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: ادْفَعُوا الْعَبْدَ إلَيَّ حَتَّى أَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَتِي وَأَنَا أَضَعُ قِيمَتَهُ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ إنْ أَتَى بِشَاهِدٍ أَوْ سَمَاعٍ، رَأَيْتُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ بَعْدَ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ، وَيَذْهَبُ بِالْعَبْدِ حَيْثُ يُشْهِدُ عَلَيْهِ بَيِّنَتَهُ قَالَ: قُلْتُ عِنْدَ مَنْ تَشْهَدُ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ؟
قَالَ: عِنْدَ السُّلْطَانِ الَّذِي يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ اعْتَرَضُوا أَمْوَالَ النَّاسِ وَرَقِيقَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَوْ أَتَى بِسَمَاعِ قَوْمٍ يَشْهَدُونَ، أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا أَنَّهُ قَدْ سُرِقَ لَهُ مِثْلَ مَا يَدَّعِي، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ إذَا وَضَعَ قِيمَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً قَاطِعَةً، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِسَمَاعٍ وَلَا بِشَهَادَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَوْقِفُوا الْعَبْدَ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي؟
قَالَ: لَا، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلْقَاضِي: إنَّ بَيِّنَتِي حُضُورٌ أَوْ سَمَاعٌ، يَثْبُتُ لَهُ بِهِ دَعْوَى.
فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُوَكَّلُ بِالْعَبْدِ وَيُوقِفُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِمَا يُثْبِتُ بِهِ دَعْوَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ أَتَى عَلَى ذَلِكَ بِرَجُلٍ أَوْ سَمَاعٍ، ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ الْعَبْدُ حَتَّى
يَأْتِيَ بِبَيِّنَتِهِ، فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَفِي إيقَافِهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، اسْتَحْلَفَ السُّلْطَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ كَفِيلًا.
وَإِنْ ادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا عَلَى حَقِّهِ، رَأَيْتُ أَنْ يُوقِفَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَمْسَةِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَهَذَا التَّحْدِيدُ فِي الْوَقْفِ لَيْسَ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ يُوقَفُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا حِينَ قَالَ: يُدْفَعُ إلَيْهِ، رَأَيْتُ الْوَقْفَ لَهُ إذَا قَالَ الطَّالِبُ: أَنَا آتِي بِبَيِّنَتِي، إذَا كَانَ قَدْ أَثْبَتَ بِسَمَاعٍ قَدْ سَمِعُوا، أَوْ جَاءَ بِشَاهِدٍ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَوْقَفْته، فَعَلَى مَنْ النَّفَقَةُ، أَعَلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَمْ عَلَى الطَّالِبِ؟
قَالَ: عَلَى الَّذِي يُقْضَى لَهُ بِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنَّمَا تُوقَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ؛ لِأَنَّهَا تَحُولُ وَتَزُولُ.
وَإِنَّمَا يُشْهِدُ عَلَى عَيْنِهَا وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ مَا اُدُّعِيَ بِعَيْنِهِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دُورًا أَوْ أَرَضِينَ أَوْ نَخْلًا أَوْ فَاكِهَةً، أَوْ مَا يَكُونُ لَهُ الْغَلَّةُ، لِمَنْ الْغَلَّةُ الَّتِي تُغْتَلُّ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَلْ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ؟
قَالَ: الْغَلَّةُ لِلَّذِي كَانَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يُقْضَى بِهَا لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْمَطْلُوبِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مُشْتَرِيًا، أَوْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ مُشْتَرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا الْوَقْفُ فِيمَا يَزُولُ، فَأَمَّا الرِّبَاعُ الَّتِي لَا تَزُولُ وَلَا تَحُولُ، فَلَيْسَتْ تُوقَفُ مِثْلَ مَا يَزُولُ، وَلَكِنْ تُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعَ مِنْ الْأَحْدَاثِ فِيهَا.
سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِمَا يُثْبِتُ الْمُدَّعِي، وَقَفْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى يُقْضَى بِهَا أَوْ لَا يُقْضَى بِهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ شَيْئًا مُسْتَهْلَكًا، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الطَّالِبَ: هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مُخَالَطَةٍ أَوْ حَقٍّ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ ظِنَّةٍ.
فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ أَنْ يَسْأَلَهُ: أَحُضُورٌ هُمْ أَمْ غُيَّبٌ؟ فَإِنْ قَالَ: هُمْ حُضُورٌ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالظِّنَّةِ؛ رَأَيْتُ أَنْ يُوَكَّلَ بِالرَّجُلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّطْخَ، فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ أَتَاهُ بِهِمْ وَغَيْبَةُ شُهُودِهِ عَلَى الْحَقِّ غَيْبَةٌ تَبْعُدُ رَأَيْتُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ كَفِيلًا.
فَإِنْ ادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا عَلَى حَقِّهِ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَالسَّبْعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ.
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: خُذْ لِي مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمَالِ، أَوْ بِالْعَقَارِ إنْ قَضَيْتَ لِي بِهِ عَلَيْهِ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا بِذَلِكَ الْمَالِ، إنَّمَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ، وَيُوقِفُ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى حُضُورِهِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِعَيْنِهِ، فَلِذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا كَمَا يَأْخُذُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ الشُّهُودُ إلَى حُضُورِهِ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى الْمُدَّعِي مَا لَا يَبْقَى وَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، مِثْلَ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ وَاللَّحْمِ، وَأَقَامَ لَطْخًا لَمْ يُوجِبْ بِهِ إيقَافَهُ أَوْ بَيِّنَةً، وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ، فَاحْتَاجَ إلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ، فَقَالَ الْجَاحِدُ لِلْقَاضِي وَهُوَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي وَهُوَ
الْمُدَّعِي: أَنَا أَخَافُ فَسَادَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُولَاهُ لَهُ إنْ تَرَكَ حَتَّى يُزَكِّيَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَأَثْبَتَ لَطْخًا وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُؤَجِّلُ لِلْمُدَّعِي بِإِحْضَارِ شَاهِدِهِ إذَا قَالَ عِنْدِي شَاهِدٌ.
وَلَا أَحْلِفُ أَوْ بَيِّنَةٌ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَى، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَإِلَّا خَلَّى مَا بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، إنْ كَانَ هُوَ الْبَائِعُ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ، وَكَانَ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي تَعْدِيلِهِمَا وَخَافَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ، أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، وَوَضَعَ الثَّمَنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ، قَضَى لِلْمُشْتَرِي بِاَلَّذِي بِيعَتْ بِهِ السِّلْعَةُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِيَ، وَأَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الشُّهُودُ فَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ، كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا زَادَ ثَمَنُ الْمُشْتَرِي الَّذِي جَحَدْتَهُ الْبَيْعَ عَنْ ثَمَنِ سِلْعَتِكَ الَّتِي بِعْتَ، فَإِنْ لَمْ تُزَكَّ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ أَخَذَ الْقَاضِي الثَّمَنَ، فَدَفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْقَاضِي إنَّمَا كَانَ نَظَرًا مِنْهُ، فَطَابَ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ لِمَنْ قَضَى لَهُ بِهِ، وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ كَانَ تَلَفُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ.
[الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ بِالْقَبْضِ وَالِاقْتِضَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا بَعَثْتُ بِهِ مَعَهُ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ: قَدْ دَفَعْته إلَيْهِ وَكَذَّبَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ الْمَالُ، أَوْ بَعَثْتُ بِهِ مَعَهُ صَدَقَةً أَوْ هِبَةً إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ وَكَذَّبَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الرَّسُولِ الْبَيِّنَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَإِلَّا غُرِّمَ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت وَكَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ فِي هَذَا الْوَجْهِ إذَا قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ.
قُلْتُ: وَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ أَمْرٌ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا إذَا بَعَثَ بِالْمَالِ إلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ صَدَقَةً لَهُمْ أَوْ هِبَةً لَهُمْ، فَهَذَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ وَإِلَّا غُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يُتْلِفَ مَالَهُ، وَفِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَدْ أُمِرَ بِتَفْرِيقِهَا، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ.
فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الدَّيْنَ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْمَأْمُورُ: قَدْ دَفَعْت ذَلِكَ الدَّيْنَ إلَى الَّذِي أَمَرْتنِي بِهِ، وَكَذَّبَهُ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ؟
قَالَ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ الْمَالُ وَقَالَ: قَدْ قَبَضْتُ وَهَلَكَ مِنِّي، لَمْ يُصَدَّقْ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا غُرِّمَ الْمَالَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَقْبِضُ لِي مَا لِي عَلَى
فُلَانٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ قَبَضْتُهُ وَضَاعَ مِنِّي، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْته؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا غُرِّمَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْتُ رَجُلًا يَقْبِضُ لِي مَالِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ قَبَضْتُ الْمَالَ، أَوْ قَالَ: قَدْ بَرِئَ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ أَيَبْرَأُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَوْلِ الْوَكِيلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ أَوْ يَأْتِي الْوَكِيلُ بِالْمَالِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا يَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، أَوْ وَصِيًّا فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يُصَدَّقُ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ لَهُ مَالًا عَلَى أَحَدٍ فَقَطْ.
[فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَيُقِيمَانِ جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ، ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، لِمَنْ هِيَ؟
قَالَ: لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ وَهِيَ دَارٌ، فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِي، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَتَكَافَأَتْ بَيِّنَتِي وَبَيِّنَتُهُ؟
قَالَ: لَا تُؤْخَذُ الدَّارُ مِنْ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَيْنِ قَدْ أَكَذَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَاحِبَتَهَا وَجَرَّحَتْهَا فَسَقَطَتَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا تَجْرِيحًا، وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ صَارَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يَأْتِيَا بِشَيْءٍ وَيُقِرَّانِ عَلَى دَعْوَهُمَا.
[فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُقِيمَانِ الْبَيِّنَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سِلْعَةً فِي يَدَيَّ، ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَيْت أَنَا أَنَّهَا لِي وَهِيَ فِي يَدَيَّ، وَأَقَمْت الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: هِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي الشَّيْءَ وَيَأْتِي غَيْرُهُ يَدَّعِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَأْتِي هَذَا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا بِبَيِّنَةٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى أَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ قَلُّوا فَيَقْضِي بِالْحَقِّ لِصَاحِبِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً، وَكَانَ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ مِمَّا يَرَى الْإِمَامُ وَمَنَعَهُمْ إيَّاهُ، مَنَعَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِبَيِّنَةٍ أَعْدَلَ مِنْهَا.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّهُ، وَيَرَى أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا، قَسَّمَهُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، كَالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَهَادَةٌ.
وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَيَا شَيْئًا قَدْ اخْتَارَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَهُوَ لَهُ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَوْمِ يَتَنَازَعُونَ عَفْوًا مِنْ الْأَرْضِ، فَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِبَيِّنَةٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الثِّقَةِ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَحْلِفُ أَصْحَابُهَا مَعَ شَهَادَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَكَافِيًا وَتَكَاثُرًا لَمْ أَرَهَا شَهَادَةً، وَكَانَتْ الْأَرْضُ كَغَيْرِهَا مِنْ عَفْوِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تُسْتَحَقَّ بِأَثْبَتَ مِنْ هَذَا.
قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى تُسْتَحَقَّ بِأَثْبَتَ مِنْ هَذَا؟
قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ هِيَ أَعْدَلُ مِنْ الْأُولَى.
[فِي التَّكَافُؤِ فِي الْبَيِّنَةِ هَلْ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ التَّكَافُؤَ فِي الْبَيِّنَةِ، أَهُوَ فِي الْعَدَدِ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَدَالَةِ وَلَيْسَ فِي الْعَدَدِ.
قُلْتُ: فَرَجُلَانِ عَدْلَانِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَمِائَةُ رَجُلٍ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا كَانَتْ عَدَالَةُ الرَّجُلَيْنِ وَعَدَالَةُ الْمِائَةِ سَوَاءً؟
قَالَ: نَعَمْ.
وَحَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الثَّعْلَبِيِّ قَالَ: «اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَانِ فِي بَعِيرٍ، فَجَاءَ هَذَا بِشَاهِدَيْنِ وَجَاءَ هَذَا بِشَاهِدَيْنِ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا.» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: إنَّهُ إذَا كَانَ الشُّهَدَاءُ فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءً لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَضْلٌ، اُسْتُحْلِفَا جَمِيعًا عَلَى مَا ادَّعَيَا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنَّمَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رَجُلَيْنِ أَتَيَا جَمِيعًا يُمْسِكَانِ بِرَأْسِ دَابَّةٍ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا فَرَسًا فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةَ ذَوِي عَدْلٍ عَلَى أَنَّهَا فَرَسُهُ، فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ.
[فِي تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دُورٍ فِي يَدَيَّ، أَوْ عُرُوضٍ أَوْ عَبِيدٍ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ الْأَشْيَاءِ، أَنَّهَا لَهُ.
وَأَقَمْت أَنَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِي.
مَنْ أَوْلَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَاَلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْلَى بِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يَنْظُرُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ إلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ، إنَّمَا لِعَدَالَةٍ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُدُولًا، وَهُمْ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا اثْنَيْنِ وَالْآخَرِ مِائَةً، فَكَانَ هَذَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَهَؤُلَاءِ الْمِائَةُ سَوَاءً، فَقَدْ تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَهِيَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ مِائَةَ شَاهِدٍ، وَكَانَتْ الْمَرْأَتَانِ وَالرَّجُلُ فِي الْعَدَالَةِ مِثْلَ الْمِائَةِ الرَّجُلِ، أَلَيْسَ قَدْ تَكَافَأَتَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَالْبَيِّنَتَانِ قَدْ تَكَافَأَتَا عِنْدِي إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ
فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى دَارٍ فِي يَدِ رَجُلٍ أَنِّي اشْتَرَيْتهَا مَنْ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَنِيهَا، وَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ، لِمَنْ يُقْضَى بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، فَاَلَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَوْلَى بِهَا.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ، أَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَوْلَى.
أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَهَا، أَنْ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، كَانَ رَبُّ الدَّارِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَوْلَى بِهَا؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَوْلَى بِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مَنْ فُلَانٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَ بَاعَهَا، وَكَانَا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا أَيْضًا عَلَى الَّذِي بَاعَهَا، وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الدَّارُ هِيَ دَارِي وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: يُقْضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ قَدْ حَازَهَا وَهَذَا حَاضِرٌ فَهَذَا يَكُونُ قَطْعًا لِحُجَّةِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ قَدْ حَازَهَا هَذَا الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِمَحْضَرٍ مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْحِيَازَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَقَمْنَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، أَنَا وَاَلَّذِي الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ، لِمَنْ تَكُونُ؟
قَالَ: لِلَّذِي الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّسْجَ، أَهُوَ مِثْلَ النِّتَاجِ عِنْدَ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَمَةً لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنَّا، أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنِّي وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَنْ مِلْكِي.
وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟
قَالَ: أَقْضِي بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ عُدُولًا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، فَهِيَ لِصَاحِبِ النِّتَاجِ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَيُقِيمُ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْعَشَرَةِ الْأَشْهُرِ أَعْدَلُ مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِ السَّنَةِ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ صَاحِبِ السَّنَةِ عُدُولٌ أَيْضًا، فَتَكُونُ لِصَاحِبِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ فِي يَدَيْ صَاحِبِ الْوَقْتِ الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ يَحُوزُهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْحُقُوقُ مِنْ الْوَطْءِ لَهَا وَالِاسْتِخْدَامِ وَالِادِّعَاءِ لَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ، فَيَنْقَطِعُ حَقُّهُ مِنْهَا بِالْحِيَازَةِ عَلَيْهِ.
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَتْ نُتِجَتْ عِنْدَهُ دَابَّةٌ فِيمَا يَقُولُ، فَجَاءَ مُدَّعٍ فَادَّعَاهَا فَأَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا دَابَّتُهُ نُتِجَتْ عِنْدَهُ، وَشَاهِدَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ.
وَجَاءَ الَّذِي ادَّعَاهَا بِأَرْبَعِ شُهَدَاءَ أَوْ أَكْثَرَ، فَشَهِدُوا أَنَّهَا دَابَّتُهُ نُتِجَتْ عِنْدَهُ وَهُمْ عُدُولٌ؟ قَالَ يَحْيَى: يَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ لِحِيَازَتِهِ إيَّاهَا مَعَ شَاهِدَيْهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ وَطَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ: أَنَّ الدَّابَّةَ لِلَّذِي هِيَ عِنْدَهُ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: النِّتَاجُ أَحَقُّ مِنْ الْعَرَّافِ، فَأَمَّا شُرَيْحٌ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مُغِيرَةَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي فَرَسٍ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ الْفَرَسَ لِفُلَانٍ نُتِجَ عِنْدَهُ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ الْفَرَسَ لِفُلَانٍ نُتِجَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَقَمْت أَنَا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدِي، وَأَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ، أَيُقَسَّمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتَا، وَلَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمَا قَسَّمَهَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِهِمَا حُجَّةٌ قَدْ اسْتَنْفَذَ الْإِمَامُ حُجَّتَهُمَا وَلَمْ تَبْقَ لَهُمَا حُجَّةٌ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى زَرْعًا فِي أَرْضٍ، وَادَّعَى الْآخَرُ ذَلِكَ الزَّرْعَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، وَرَبُّ الْأَرْضِ لَا يَدَّعِي الزَّرْعَ لِمَنْ تَجْعَلُ هَذَا الزَّرْعَ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مِثْلِ هَذَا، أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالزَّرْعِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَسْأَلُهُمَا يَزِيدَاهُ بَيِّنَةً قَالَ: وَاَلَّذِي سَمِعْتُ عَنْهُ: أَنَّ كُلَّ مَا تَكَافَأَتْ فِيهِ الْبَيِّنَتَانِ وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِثْلَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ تُرِكَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِأَعْدَلَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَانُ ذَلِكَ وَلَا يَأْتِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ، غَيْرَ مَا أَتَيَا بِهِ أَوَّلًا، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ، مِثْلُ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ، فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ قَلِيلًا، لَعَلَّهُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ وَخِيفَ عَلَيْهِ، قَسَّمْتُهُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الزَّرْعِ.
وَرَأْيِي فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ، فَيُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ وَوَقْفَهُ يَصِيرُ إلَى ضَرَرٍ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ يَدَّعِي الزَّرْعَ، أَيَتْرُكُ الزَّرْعَ فِي يَدَيْ رَبِّ الْأَرْضِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا لَيْسَتْ فِي يَدَيَّ ادَّعَيْت أَنَّهَا دَارِي فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، أَيُقْضَى بِهَا بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ وَهَلْ يُخْرِجُهَا مِنْ يَدَيَّ هَذَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُقْضَى بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ وَلَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَكَافَأَتْ بَيِّنَتُهُمَا، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْضِي بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَآمُرُهُمَا أَنْ يَزِيدَا بَيِّنَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَقَالَ الْكَافِرُ: بَلْ مَاتَ أَبِي كَافِرًا، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ وَكَيْفَ؟ إنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى
دَعْوَاهُمَا وَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ؟
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَا يُعْرَفُ لِمَنْ هُوَ يَدَّعِيهِ رَجُلَانِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا.
فَأَرَى هَذَا كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ مُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: أَوَلَيْسَ هَذَا قَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ وَالِدَهُ مُسْلِمٌ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ لَا يُجْعَلُ الْمِيرَاثُ لِهَذَا الْمُسْلِمِ؟
قَالَ: لَيْسَتْ الصَّلَاةُ شَهَادَةً.
قَالَ: وَأَمَّا الْمَالُ فَأُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَعُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ حَتَّى يُقِيمَ الْمُسْلِمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ نَصْرَانِيٌّ يَعْرِفُ النَّاسُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ الْمَالُ لِلْمُسْلِمِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَعْوَى النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُسْلِمِ زَادَتْ حِينَ زَعَمَتْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.
[فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى دَارٍ أَنَّهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، يَحُوزُهَا وَيَمْنَعُهَا وَيُكْرِيهَا وَيَهْدِمُ وَيَبْنِي، وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، أَيَجْعَلُ مَالِكٌ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحِيَازَةِ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَيَجْعَلُ مَالِكٌ الْحِيَازَةَ إذَا شَهِدُوا لَهُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ حَاضِرًا يَرَاهُ يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيُكْرِي فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا سُئِلَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ قَدْ سَمِعُوا أَنَّ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ قَدْ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، إذَا كَانَ أَمْرًا قَدْ تَقَادَمَ فَأَرَاهَا لَهُ، دُونَ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ هَهُنَا دُورًا قَدْ عُرِفَتْ لِمَنْ أَوَّلُهَا قَدْ بِيعَتْ، وَتَدَاوَلَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَحِيزَتْ مُنْذُ زَمَانٍ فَلَوْ سُئِلَ أَهْلُهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ، لَمْ يَجِدُوا إلَّا السَّمَاعَ.
فَإِذَا كَانَ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، فَأَتَى بِالسَّمَاعِ مَعَ الْحِيَازَةِ فَأَرَاهَا لَهُ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالسَّمَاعِ وَلَا بِالشَّهَادَةِ، وَكَانَ الَّذِي يَطْلُبُ الدَّارَ غَائِبًا، فَقَدِمَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ رَأَيْتَهَا لَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا إذَا حَازَهَا الْمُشْتَرِي دُونَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلَّذِي يَدَّعِيهَا.
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْحِيَازَةِ عَشْرَ سِنِينَ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مَالِكًا يَحُدُّ فِيهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَ الْآخَرِ فِيمَا يُكْرَى وَيُهْدَمُ وَيُبْنَى وَيُسْكَنُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّوَابَّ وَالثِّيَابَ وَالْعُرُوضَ كُلَّهَا، وَالْحَيَوَانَ كُلَّهُ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّهَا إذَا حَازَهَا رَجُلٌ بِمَحْضَرٍ مِنْ رَجُلٍ، فَادَّعَاهَا الَّذِي حِيزَتْ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ؟ وَهَلْ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِثْلَ مَا يَقُولُ فِي الدُّورِ وَالْحِيَازَةِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّورِ،
إذَا كَانَتْ الثِّيَابُ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ، وَالدَّوَابُّ تُكْرَى وَتُرْكَبُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا وَمَالُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَمَضَتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَ الْمَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بِحِيَازَتِهِ إيَّاهُ عَشْرَ سِنِينَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، أَوْ صَنَعَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ
[مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ عِنْدَنَا مَيِّتٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ وَتُعْطِي هَذَا الْمِيرَاثَ أَمْ لَا تُعْطِيهِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا؟ وَهَلْ تَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ قَالَ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا: أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ ابْنُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَأَرَى أَنْ تَبْطُلَ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلُ وَيَنْظُرُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنْ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي وَجَدِّي وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي أَيَقْضِي لِي بِهَا السُّلْطَانُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا شَيْئًا، وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ.
وَجُلُّ الدُّورِ تُعْرَفُ لِمَنْ كَانَ أَوَّلُهَا، ثُمَّ قَدْ تَدَاوَلَهَا أَقْوَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَهُمْ إنْ شَهِدُوا يَشْهَدُونَ وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِمَا كَانَ فِيهَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، إذَا شَهِدُوا أَنَّ هَذَا وَارِثُ جَدِّهِ أَوْ وَارِثُ أَبِيهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا وَارِثُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ مَعَ وَرَثَةٍ آخَرِينَ؟
قَالَ: لَا يُعْطَى هَذَا إلَّا حَظَّهُ.
قُلْتُ: فَحُظُوظُ إخْوَتِهِ، أَتُؤْخَذُ مَنْ يَدِ هَذَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، فَيَضَعُهَا السُّلْطَانُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يُعْطَى لِهَذَا مِنْهَا إلَّا بِمِقْدَارِ حَظِّهِ وَمَا اسْتَحَقَّ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتْرُكُ السُّلْطَانُ مَا سِوَى ذَلِكَ فِي يَدَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِ الْمَطْلُوبِ وَيُوقَفُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ جَدِّي، وَأَنَّ هَذَا الْمَوْلَى مَوْلَى جَدِّي، وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ، لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّ جَدِّي مَاتَ فَوَرِثَهُ أَبِي وَأَنَّ أَبِي مَاتَ فَوَرِثْتُهُ أَنَا؟
قَالَ: سَأَلَ مَالِكًا بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَسَمِعْتُهُ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ جَدِّهِ، وَيَكُونُ فِيهَا رَجُلٌ قَدْ حَازَهَا مُنْذُ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا إنْ كَانَ الرَّجُلُ الْمُدَّعِي حَاضِرًا، فَلَا أَرَى لَهُ فِيهَا حَقًّا لِأَجْلِ حِيَازَتِهِ إيَّاهَا، إذَا كَانَ قَدْ حَازَهَا سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي غَائِبًا وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ حَتَّى صَارَتْ
لَهُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَسْأَلَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَيْنَ صَارَتْ لَهُ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى شِرَاءٍ أَوْ سَمَاعٍ عَلَى الِاشْتِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَى مُعَايَنَةِ الشِّرَاءِ وَلَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى الْبَتَاتِ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ، فَأَرَى الشَّهَادَةَ جَائِزَةً لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ بِالسَّمَاعِ بِالِاشْتِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةٌ تَقْطَعُ عَلَى الْبَيْعِ.
قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ هَهُنَا دُورًا تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا قَدْ بِيعَتْ، وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ إلَّا بِالسَّمَاعِ ثُمَّ قَالَ لَنَا: تِلْكَ مِنْهَا هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي أَنَا فِيهَا، قَدْ بَاعَهَا أَهْلُهَا وَلَيْسَ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ إلَّا بِالسَّمَاعِ فَإِذَا أَتَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِأَصْلِ الشِّرَاءِ، أَوْ بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى سَمَاعِ الِاشْتِرَاءِ فَذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، لَا بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا بِقَوْمٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الشِّرَاءِ أَتَجْعَلُهَا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِجَدِّهِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَكُونُ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِجَدِّهِ إذَا كَانَ غَائِبًا.
قُلْتُ: وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْ جَدِّ هَذَا الْمُدَّعِي، قَالَ: إذَا تَقَادَمَ ذَلِكَ؛ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى السَّمَاعِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَيًّا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِي وَيَتَقَادَمُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ لِشِرَائِهِ هَذَا أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْ خَمْسُونَ سَنَةً أَوْ سِتُّونَ سَنَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهِ، إلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لِي مَالِكٌ، إنَّمَا هُوَ فِي الشِّرَاءِ الَّذِي يَتَقَادَمُ.
قَالَ: وَأَمَّا فِي الْوَلَاءِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: أَقْضِي بِالسَّمَاعِ إذَا شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ مَوْلَاهُ بِالْمَالِ، وَلَا أَقْضِي لَهُ بِالْوَلَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ دَارُ أَبِيهِ، وَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ لَا نَعْرِفُ كَمْ الْوَرَثَةُ، أَيُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدَّارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ قَالَ الِابْنُ إنَّمَا أَنَا وَأَخِي لَيْسَ مَعَنَا وَارِثٌ غَيْرُنَا، أَوْ قَالَ: أَنَا وَحْدِي الْوَارِثُ لَيْسَ مَعِي وَارِثٌ غَيْرِي، أَيُصَدَّقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَلَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ لَهُ السُّلْطَانُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِدَّةِ الْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارِ جَدِّي، وَلَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّ جَدِّي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِأَبِي، وَأَنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا بِالْبَلْدَةِ الَّتِي الدَّارُ فِيهَا، وَقَدْ حِيزَتْ دُونَهُ السِّنِينَ يَرَاهُمْ يَسْكُنُونَ، وَيَحُوزُونَ بِمَا تُحَازُ بِهِ الدُّورُ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ الَّتِي الدَّارُ بِهَا، وَإِنَّمَا قَدِمَ مِنْ بِلَادٍ أُخَرَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ أَوْ دَارُ جَدِّهِ وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ، وَسُئِلَ مَنْ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ، أَوْ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ بِهِ إلَيْهِ، أَوْ سَمَاعٍ مِنْ جِيرَانِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ أَنَّ جَدَّهُ أَوْ وَالِدَهُ كَانَ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ هُوَ بِنَفْسِهِ إذَا طَالَ الزَّمَانُ فَقَالُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَهَهُنَا دُورٌ تُعْرَفُ لِمَنْ أَوَّلُهَا وَقَدْ تَقَادَمَ الزَّمَانُ، وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ سَمَاعٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا قَدْ اشْتَرَى هَذِهِ
الدَّارَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ يَعْنِي الْمَوَارِيثَ لَمْ يُسْأَلْ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ عَنْ شَيْءٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِبَيِّنَةٍ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟ .
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ.
[فِي إيقَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَرْضِ عَنْ الْعَمَلِ فِيهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدَيْ وَرَثَتِهَا عَنْ أَبِي فَأَقَامَ ابْنُ عَمِّي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُ جَدِّهِ وَطَلَبَ مُوَرِّثَهُ؟
قَالَ: هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي أَرْضٍ احْتَفَرَ رَجُلٌ فِيهَا عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوَى، فَاخْتَصَمُوا إلَى صَاحِبِ الْمِيَاهِ فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَى صَاحِبُ الْعَيْنِ الَّذِي كَانَ عَمِلَهَا فَشَكَا ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا وَأَرَاهُ قَدْ أَصَابَ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ تِلْكَ الْأَرْضِ: اُتْرُكْ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيَهْدِمْ عَمَلِي.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ تُوقَفَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَإِلَّا بَنَيْتَ.
قُلْتُ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَبِغَيْرِ شَيْءٍ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَرْضُ؟
قَالَ: لَا تُوقَفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي وَجْهٌ.
[ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً غَيْرَ قَاطِعَةٍ فَأَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَهَبَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْشَبَ الْخُصُومَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَقْطَعْ بَعْدُ.
فَأَرَادَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ أَوْ يَهَبَهَا، أَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِلَّذِي أَوْقَعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَلِلَّذِي أَنْشَبَ مِنْ الْخُصُومَةِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يَقْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ مِمَّا يُبْطِلُ حُجَّةَ هَذَا، وَلَا تَبْطُلُ بَيِّنَتُهُ الَّتِي أَوْقَعَ.
فَهَذَا رَدُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْوَقْفِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ غَرَرٌ وَخَطَرٌ.
[فِي الرَّجُلِ تَقُومُ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَتَاعِهِ أَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْت عَبْدًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدِي، أَيُحَلِّفُنِي الْقَاضِي بِاَللَّهِ أَنِّي مَا بِعْتُ وَلَا وَهَبْت، وَلَا خَرَجَ مِنْ يَدَيَّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا
يَخْرُجُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ شَيْءٍ ادَّعَيْته فِي يَدِ رَجُلٍ، عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ نَاضًّا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِي، أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا خَرَجَ هَذَا الشَّيْءُ مِنْ يَدَيْهِ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا بِوَجْهٍ مِمَّا يُسْقِطُ مِلْكَهُ عَنْهُ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ الثَّوْبَ أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْهُ وَيُقِيمُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ: أَنَّهَا شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا شَهِدُوا بِهَذَا اسْتَوْجَبَ مَا ادَّعَى.
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ شُهُودًا شَهِدُوا عَلَى الْبَتَاتِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟
قَالَ مَالِكٌ: هَؤُلَاءِ شَهِدُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ الْغَمُوسُ.
قَالَ: وَأَرَاهُمْ قَدْ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الْإِمَامُ الَّذِي شَهِدُوا لَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلْكِهِ، فَأَرَى كُلَّ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِثْلَ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْرِفُ دَابَّتَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، أَيَلْزَمُ الَّذِي اعْتَرَفَهَا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَتَّةِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَتَّةِ فَأَرَاهُمْ شُهُودَ زُورٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيَحْلِفُ رَبُّ الدَّابَّةِ إذَا قُضِيَ لَهُ بِهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَلَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَّةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَعَرْتهَا أَوْ اسْتَوْدَعْتهَا، أَيَكُونُ هَذَا خُرُوجًا مِنْ مِلْكِهِ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا خُرُوجًا مِنْ مِلْكِهِ، وَيَأْخُذُ دَابَّتُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِي هَذَا، أَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ دَابَّتَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي الْقَضِيَّةَ هَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي أَوْ جَدِّي، أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعُ أَبِي، مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرِي، فَقَضَى لِي بِهِ الْقَاضِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّ الْكَفِيلَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْقَاضِي فِي هَذَا، إنَّمَا هُوَ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إذَا اسْتَحَقُّوا حُقُوقَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكُفَلَاءَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ يُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ.
[فِي الِاسْتِحْلَافِ عَلَى الْبَتَاتِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَاقْتَضَيْتُ الثَّمَنَ وَجَحَدْته الِاقْتِضَاءَ فَادَّعَيْتُ قِبَلَهُ الثَّمَنَ وَأَرَدْت أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنِّي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ لَكَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ
الْيَمِينُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا بِكَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يُوَرِّكَ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِكَ يُرِيدُ أَنْ يُوَرِّكَ قَالَ: الْإِلْغَازُ فِيمَا نَوَى
[الشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَجْحَدُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ، ادَّعَى أَحَدُهُمَا قِبَلَ رَجُلٍ دَيْنًا مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَجَحَدَهُ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْتَحْلَفُ: أَنَا أَحْلِفُ لَكَ عَلَى حِصَّتِكَ وَلَا أَحْلِفُ لَكَ عَلَى حِصَّةِ صَاحِبِكَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ مُوَكَّلٌ بِالْقَبْضِ، مُفَوَّضٌ إلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَيَقْبِضَ الثَّمَنَ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ حَلَفَ لِهَذَا، ثُمَّ أَتَى صَاحِبُهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَيْضًا عَلَى حِصَّتِهِ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ لِشَرِيكِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَالِي أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلْت وَكِيلًا بِقَبْضِ مَا لِي عَلَى فُلَانٍ، فَجَحَدَ فُلَانٌ الْمَالَ، فَقَدَّمَهُ وَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ؛ لِأَنَّ وَكِيلِي قَدْ اسْتَحْلَفَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[اسْتِحْلَافُ مُدَّعِي الْحَقِّ إذَا اُدُّعِيَ قِبَلَهُ الْقَضَاءُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَحْلِفْهُ لِي مَعَ شَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ.
[فِي اسْتِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، كَيْفَ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ أَيُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَمْ يَزِيدُ عَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ خَصْمَانِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُدَّعِي: أَقِمْ بَيِّنَتَكَ عَلَى حَقِّكَ.
فَقَالَ لَيْسَتْ لِي بَيِّنَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْآخَرِ: احْلِفْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ» .
قُلْتُ: فَأَيْنَ
يَحْلِفُ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَهُ؟ وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ، أَيْنَ يَسْتَحْلِفُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُمَا يُسْتَحْلَفَانِ فِيهِ هَذَانِ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ.
فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَعِنْدَ الْمِنْبَرِ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا مَسَاجِدُ الْآفَاقِ فَلَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مَوَاضِعَ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَأَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَالِفَ هَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْقِبْلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ لَمْ يَزَلْ يُعْمَلُ بِهِ مُنْذُ بَدَا الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنْ يُجْلَبَ إلَيْهِ إلَى الْمَوْسِمِ الَّذِي قَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبْلُكَ عَلَى غَارِبِكَ.
فَكُلُّ عَظِيمٍ مِنْ الْأَمْرِ يُحْلَفُ فِي أَعْظَمِ الْمُوَاضِعِ.
وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ، فَرَتَّبَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاتَّقَاهَا فَافْتَدَى مِنْهَا وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُوَافِقَ قَدَرًا وَبَلَاءً فَيُقَالُ: بِيَمِينِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ اتَّقَاهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، حِينَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَجَعَلَ يَحْلِفُ مَكَانَهُ.
سَحْنُونٌ: وَلَوْ أَنَّ زَيْدًا كَانَ الْحَلْفُ عِنْدَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ الْبَاطِلِ لَقَالَهَا لِمَرْوَانَ.
قَالَ مَالِكٌ: أَتَرَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ.
قَالَ: فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الصِّكَاكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوهَا فَبَعَثَ مَرْوَانُ حَرَسًا يَرُدُّونَهَا؟ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ عَلَى زَيْدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ مَرْوَانُ، لَقَالَ لَهُ مَا هَذَا عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ لَهُ أَشَدَّ مِنْ هَذَا.
وَلَقَدْ اجْتَبَذَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ بِرِدَائِهِ فِي صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ، وَلَقَدْ قِيلَ لَهُ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ سَارِقًا فِي ثَمَرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَقَالَ لَهُ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا أَكْثَرَ» . فَخَلَّى عَنْ السَّارِقِ، فَمَا كَانُوا لِيَتْرُكُوا حَقًّا يَحْضُرُونَهُ إلَّا قَالُوا بِهِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ الْعَظِيمَ مِنْ الْأَمْرِ مِثْلَ اللِّعَانِ أَنَّهُ يَكُونُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَشُهْرَةِ الْيَمِينِ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالطَّائِفِ، أَنْ يَحْبِسَ الْجَارِيَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَيْهَا ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ فَفَعَلَ فَاعْتَرَفَتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ؟
[فِي اسْتِحْلَافِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ فِي الْمَسْجِدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَوَاتِقَ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرَ الْعَوَاتِقِ، وَالْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ، أَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ؟ قَالَ: إنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ النِّسَاءِ أَيْنَ
يَحْلِفْنَ؟
قَالَ: أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ فِيهِ إلَى الْمَسَاجِدِ.
فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ أُخْرِجَتْ بِالنَّهَارِ فَأُحْلِفَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ أُخْرِجَتْ لَيْلًا فَأُحْلِفَتْ فِيهِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا بَالَ لَهُ، أُحْلِفَتْ فِي بَيْتِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ، أَرْسَلَ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يَسْتَحْلِفُهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ.
فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَسُنَّتُهُنَّ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ.
قَالَ: إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَائِرِ، مِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ.
قُلْتُ: هَلْ يُجْزِئُ فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُسْتَحْلَفُ فِي بَيْتِهَا رَسُولٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهَا؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُجْزِئَ.
[فِي اسْتِحْلَافِ الصِّبْيَانِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْت الصِّبْيَانَ، هَلْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ فِي شَيْءٍ مَنْ الْأَشْيَاءِ يَحْلِفُوا إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَحْلِفُونَ إذَا كَانَ لَهُمْ شَاهِدٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ الصِّبْيَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَبْلُغُوا.
[اسْتِحْلَافِ الْوَرَثَةِ عَلَى ذِكْرِ حَقِّ أَبِيهِمْ إذَا ادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ]
َ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَيَتْرُكُ أَوْلَادًا صِغَارًا فَيُوجَدُ لِلْمَيِّتِ ذِكْرُ حَقٍّ فِيهِ شُهُودٌ فَيَدَّعِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ.
قَالَ: قُلْنَا لِمَالِكٍ: أَفَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَدْ بَلَغَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ، أُحْلِفَ وَإِلَّا، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ هَذَا الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ، فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ وَلَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ حَقِّهِ أَنْ لَوْ حَلَفَ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ.
[اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس]
فِي اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ قُلْتُ: هَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مَالِكٌ، أَنَّ النَّصْرَانِيَّ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ يَحْلِفَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمَا فِي دَعْوَهُمَا، وَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ أَوْ فِي لِعَانِهِمْ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى؟
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَطْ.
قُلْتُ: وَالْيَهُودُ، هَلْ سَمِعْتَهُ يَقُولُ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؟
قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ الْمَجُوسُ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يَحْلِفُوا بِاَللَّهِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ.
قُلْتُ: أَيْنَ يَحْلِفُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنَائِسِهِمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ
ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَهَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ النَّصَارَى بِغَيْرِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، أَحْلَفَ يَهُودِيًّا بِاَللَّهِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ لَغَلُظَ عَلَيْهِ.
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ، كَانَ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ وَكَانَ يَضَعُ عَلَى رَأْسِهِ الْإِنْجِيلَ فِي الْمَذْبَحِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ وَضَعَ الْإِنْجِيلَ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْمَذْبَحِ، وَلَكِنَّهُ نَزْعَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِمْ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ بِاَللَّهِ، وَيَقُولُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] سُورَةَ الْمَائِدَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] سُورَةَ الْأَنْعَامِ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ خَاصَمَ إلَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَحَلَّفَهُ بِاَللَّهِ حَيْثُ يَكْرَهُ.
[فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَقْبَلُ تَزْكِيَةَ وَاحِدٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ، وَمَا تُطْلَبُ مِنْهُمْ التَّزْكِيَةُ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
قُلْتُ: وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زُكُّوا فِي السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ، أَيُكْتَفَى بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا زَكَّاهُ رَجُلَانِ أَجْزَأَهُ.
[فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَ، بِمَ يُجَرَّحُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يُجَرَّحُ إنْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا أَوْ صَاحِبُ قِيَانٍ أَوْ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَنَحْوِ هَذَا، وَلَا يُجَرِّحُهُ إلَّا اثْنَانِ عَدْلَانِ.
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ يُونُسُ: وَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنْ صِفَةِ الَّذِي لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْخَصْمِ الَّذِي يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَالظَّنِينِ وَالْمَغْمُوصِ عَلَيْهِ فِي خَلَائِقِهِ وَشَكْلِهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ الْعُدُولِ فِي سِيرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى عَمَلٍ يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُهُ وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ لَا يَبْقَى فِيهِ عَلَيْهِ.
[فِي شَهَادَةِ الزُّورِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا أَخَذَ شَاهِدَ زُورٍ كَيْفَ يَصْنَعُ فِيهِ وَمَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: