ُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَانِ وَالْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حَيْثُ أَحَبَّ مِنْ الْبُلْدَانِ إذَا كَانَ الْهَدْيُ الَّذِي يُشْتَرَى يَبْلُغُ مِنْ حَيْثُ يُشْتَرَى.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَقَرِي هَذِهِ وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَةَ فَبَاعَهَا وَبَعَثَ بِثَمَنِهَا، أَيُجْزِئُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا بَعِيرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا إبِلًا فَيُهْدِيَهَا، لِأَنِّي لَمَّا أَجَزْت الْبَيْعَ لِبُعْدِ الْبَلَدِ صَارَتْ الْبَقَرُ كَأَنَّهَا دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ، فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ بَعِيرًا وَإِنْ قَصَّرَ عَنْ الْبَعِيرِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ غَنَمًا، قَالَ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ غَنَمًا إلَّا أَنْ يُقَصِّرَ الثَّمَنَ عَنْ الْبَعِيرِ وَالْبَقَرِ.
قُلْت: فَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ غَنَمِي هَذِهِ أَوْ بَقَرِي هَذِهِ فَحَنِثَ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ يَبْلُغُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ مِنْهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهَا بِأَعْيَانِهَا هَدْيًا وَلَا يَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي مَكَانَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَحَنِثَ، أَوْ قَالَ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ سَمَّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ جَمِيعَ مَالِهِ، فَقَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِعَبْدِي هَذَا وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، أَوْ قَالَ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ قَالَ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلْيَجْعَلْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قُلْت: أَيَبْعَثُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ يَبِيعُهُ وَيَبْعَثُ بِثَمَنِهِ؟
قَالَ: بَلْ يَبِيعُهُ فَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى مَنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وَجَدَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ، قُلْت: فَإِنْ حَنِثَ وَيَمِينُهُ بِتَصَدُّقِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَيَبِيعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ سُرُوجًا أَوْ أَدَاةً مِنْ أَدَاةِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُسَمِّيهَا بِأَعْيَانِهَا، أَيَبِيعُهَا أَمْ يَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلْ يَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَعْيَانِهَا إنْ وَجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا إذَا كَانَ سِلَاحًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ أَدَاةَ الْحَرْبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْجِهَادُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَا مَنْ يُبْلِغُهُ لَهُ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ وَيَبْعَثَ بِثَمَنِهِ فَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قُلْت: أَفَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ يُعْطِيه دَرَاهِمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مِثْلِهِ مِنْ الْأَدَاةِ وَالْكُرَاعِ.
قُلْت: مَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْبَقَرِ إذَا جَعَلَهَا هَدْيًا جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِأَثْمَانِهَا الْإِبِلَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ إنَّمَا هِيَ كُلُّهَا لِلْأَكْلِ، وَهَذِهِ إذَا كَانَتْ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا فَإِنَّمَا هِيَ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَ لِلْأَكْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي مِثْلِهِ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِصَدَقَةِ هَذِهِ الْخَيْلِ وَهَذَا السِّلَاحِ وَهَذِهِ الْأَدَاةِ، بَاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ بَاعَهُ وَأَهْدَى ثَمَنَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّمَا سَبِيلُ اللَّهِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي مَوَاضِعِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ؟ قَالَ مَالِكٌ: سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجِهَادِ، قَالَ
مَالِكٌ فَلْيُعْطِ فِي السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَفَيُعْطِي فِي جُدَّةَ؟
قَالَ: لَا وَلَمْ يَرَ جُدَّةَ مِثْلَ سَوَاحِلِ الرُّومِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ كَانَ بِجُدَّةِ أَيُّ خَوْفٍ؟ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً وَلَمْ يَرَ جُدَّةَ مِنْ السَّوَاحِلِ الَّتِي هِيَ مَرَابِطُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِالْهَدْيِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَيْمَانُ سَوَاءٌ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانَ سَمَّى وَأَتَى فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إنْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي الْهَدْيِ، وَإِنْ كَانَ فِي صَدَقَةٍ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ.
قُلْت: فَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَأَنَا أُهْدِي عَبْدِي هَذَا أَوْ أُهْدِي جَمِيعَ مَالِي فَحَنِثَ، مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُهْدِيَ عَبْدَهُ الَّذِي سَمَّى وَثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الصَّدَقَةِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعِيرًا فَيَنْحَرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعِيرًا فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ يَجِدُ الْإِبِلَ فَاشْتَرَى بَقَرَةً فَنَحْرَهَا وَقَدْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْإِبِلَ اشْتَرَى الْبَقَرَ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ أَقْرَبُ شَيْءٍ مِنْ الْبُدْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي إنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً أَيْ إذَا قَصَرَتْ النَّفَقَةُ فَلَمْ تَبْلُغْ نَفَقَتُهُ بَدَنَةً وَسِعَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِنْ الْبَقَرِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نَفَقَتُهُ الْبَقَرَ اشْتَرَى الْغَنَمَ، قَالَ: وَلَا يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَقَرَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلُغَ نَفَقَتُهُ بَدَنَةً لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ إنْ بَلَغَتْ نَفَقَتُهُ فَهُوَ يَجِدُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَقَطِيعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ أَيْضًا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةٌ، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ أَيُجْزِئُهُ الصِّيَامُ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ الصِّيَامَ فِيمَا نَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَصُومَ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ الصِّيَامَ فَعَشَرَةُ أَيَّامٍ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَنْذِرُ عِتْقَ رَقَبَةٍ إنْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا، أَتَرَى أَنْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: مَا الصِّيَامُ عِنْدِي يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَصُومَ، فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا أَعْتَقَ فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى عَلَيْهِ فِي هَذَا شَيْئًا لَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَلَا يُخْرِجُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالرِّتَاجُ عِنْدِي هُوَ الْبَابُ فَأَنَا أَرَاهُ خَفِيفًا وَلَا أَرَى فِيهِ شَيْئًا قَالَ: قَالَهُ لَنَا غَيْرَ مَرَّةٍ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي طِيبِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ، أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ الْكَعْبَةَ أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا.
وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ مَالِي فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي طِيبِ الْكَعْبَةِ أَنْ يُهْدِيَ ثُلُثَ مَالِهِ فَيُدْفَعُ إلَى الْحَجَبَةِ وَأَمَّا إذَا قَالَ مَالِي فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ
فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى بِمَالِ هَذَا وَلَا يُنْقَضُ الْبَابُ فَيُجْعَلُ مَالُ هَذَا فِيهِ.
قَالَ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: رِتَاجُ الْكَعْبَةِ هُوَ الْبَابُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ مَالِي فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَطِيمَ لَا يُبْنَى فَتُجْعَلُ نَفَقَةٌ هَذَا فِي بُنْيَانِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَطِيمَ فِيمَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ، قَالَ وَأَخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ الْحَجَبَةِ.
قَالَ: وَمَنْ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا وَكَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فَإِنَّهُ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرُدَّ حُمْلَانَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عُنُقِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَا يَبْعَثُ بِهِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ الْهَدَايَا، مَنْ الثِّيَابِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْعُرُوضِ، أَتُدْفَعُ إلَى الْحَجَبَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ هُوَ هَدْيٌ قَالَ: يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ لَا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ هَدْيٌ وَلَا شَاةٌ، رَأَيْت أَنْ يُدْفَعَ إلَى خُزَّانِ الْكَعْبَةِ يَجْعَلُونَهُ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ شَأْنِ الْكَعْبَةِ.
وَلَقَدْ سَمِعْت مَالِكًا، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِكُوا مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخِزَانَةِ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَكَأَنَّهُ رَأَى هَذِهِ وِلَايَةً مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْظَمَ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً أَيْنَ يَنْحَرُهَا؟
قَالَ: بِمَكَّةَ.
قُلْت: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ؟
قَالَ: يَنْحَرُهُ أَيْضًا بِمَكَّةَ، قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ جَزُورًا أَيْنَ يَنْحَرُهُ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَيْنَ يَنْحَرُهُ؟
قَالَ: يَنْحَرُهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَ لِي مَالِكٌ وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا فَلَا يَنْحَرُهُ إلَّا بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ الْجَزُورُ بِعَيْنِهِ أَمْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ذَلِكَ سَوَاءٌ، قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: فَإِنْ نَذَرَهُ لِمَسَاكِينِ الْبَصْرَةِ أَوْ مِصْرَ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِ أَهْلِ مِصْرَ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ نَذَرَهُ لِمَسَاكِينِ الْبَصْرَةِ وَمِصْرَ، فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهَا وَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ عِنْدَهُ إذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَسُوقَهُ إلَى مِصْرَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَسُوقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ يَؤُمُّ الْبَيْتَ مَتَى يُقَلِّدُهُ وَيُشْعِرُهُ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ مِصْرَ يَشْتَرِي بَدَنَةً بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَهَا وَيُشْعِرَهَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ؟
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إذَا كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ إلَّا عِنْدَمَا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا لَا يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُقَلِّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَعَثَ بِهَدْيِ تَطَوُّعٍ مَعَ رَجُلٍ حَرَامٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَحُجَّ فَحَجَّ وَخَرَجَ فَأَدْرَكَ هَدْيَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى إنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ رَأَيْت أَنْ
يُوقِفَهُ حَتَّى يَحِلَّ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْآذَانِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدْيِ؟ قَالَ: كَانَ يُوَسِّعُ فِيهَا إذَا كَانَ الَّذِي بِأُذُنِهَا قَطْعًا قَلِيلًا مِثْلَ السِّمَةِ فِي الْأُذُنِ، قُلْت: وَكَذَلِكَ الشِّقُّ فِي الْأُذُنِ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يُوَسِّعُ إذَا كَانَ فِي الْأُذُنِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِثْلَ السِّمَةِ وَنَحْوِهَا، قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْأُذُنِ شَيْئًا كَثِيرًا؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يُجِزْهَا إذَا كَانَتْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ أَوْ قَدْ ذَهَبَ مِنْ الْأُذُنِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ يُوَسِّعُ فِيمَا ذَكَرْت لَك مِنْ السِّمَةِ أَوْ مَا هُوَ مِثْلُ السُّمْعَةِ.
قُلْت: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْخَصِيِّ أَيُهْدَى؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَكَذَلِكَ الضَّحَايَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عَيْنِهِ أَيَجُوزُ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدْيِ وَالْبُدْنِ وَالنُّسُكِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ وَسَّعَ فِي الْكَوْكَبِ يَكُونُ فِي الْعَيْنِ إذَا كَانَ يُبْصِرُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى النَّاظِرِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْمَرِيضَ أَيَجُوزُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا أَمْ لَا؟ قَالَ: الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: «الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا» . وَقَالَ: لَا تَجُوزُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَلَا الْبَيِّنُ عَرَجُهَا وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَأْخُذُ مَالِكٌ فِي الْعَرْجَاءِ وَالْمَرِيضَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ سَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقُ أَوْ ضَلَّ أَعَلَيْهِ الْبَدَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: لَا، قُلْت: فَإِنْ أَصَابَهُ بَعْدَمَا ذَهَبَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَيَنْحَرُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ أُضْحِيَّةً ضَلَّتْ مِنْهُ فَأَصَابَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَيَنْحَرُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَحَّى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهَا يَوْمَ النَّحْرِ إذَا كَانَ قَدْ ضَحَّى بِبَدَلِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قُلْت: فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَمَا ذَهَبَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَيَذْبَحُهَا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ، قُلْت: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَدْيِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ يُشْعَرُ وَيُقَلَّدُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالضَّحَايَا لَا تُشْعَرُ وَلَا تُقَلَّدُ وَهُوَ إنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَالْهَدْيُ وَالْبُدْنُ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فَضَلَّ فِي الطَّرِيقِ فَأَبْدَلَهُ فَنَحَرَ الْبَدَلَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ أَصَابَ الْهَدْيَ الَّذِي ضَلَّ مِنْهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ، أَيَنْحَرُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَنْحَرُهُ أَيْضًا، قُلْت: وَلِمَ يَنْحَرُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَقَدْ أَخْرَجَ بَدَلَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَوْجَبَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي مَالِهِ.
قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَى هَدْيًا تَطَوُّعًا فَلَمَّا قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ أَصَابَ بِهِ عَوَرًا أَوْ عَمًى كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي بِهِ هَدْيًا وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ فَيَجْعَلُهُ فِي هَدْيٍ آخَرَ إنْ بَلَغَ مَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيًا، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت هَذَا الْهَدْيَ الَّذِي قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ وَهُوَ أَعْمَى عَنْ أَمْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ، لِمَ أَوْجَبَهُ مَالِكٌ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَهُ؟
قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ عِنْدِي لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا وَبِهِ طِيبٌ فَأَعْتَقَهُ عَنْ أَمْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَعْمَى مِمَّا
لَا يَجُوزُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِمَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّاءِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى رَقَبَةٍ أُخْرَى، وَلَا تُجْزِئُهُ الرَّقَبَةُ الْأُولَى الَّتِي كَانَ بِهَا الْعَيْبُ عَنْ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرَى الرَّقَبَةَ الْأُولَى رَقِيقًا بَعْدَ عِتْقِهَا وَإِنْ لَمْ تُجْزِهِ عَنْ الَّذِي أَعْتَقَهَا عَنْهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا تَجُوزُ بِهِ الرَّقَبَةُ، جَعَلَ مَا يَسْتَرْجِعُ لِذَلِكَ الْعَيْبِ فِي رَقَبَةٍ أَوْ فِي قُطَاعَةِ مُكَاتَبٍ يَتِمُّ بِهِ عِتْقُهُ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ، فَالْبَدَنَةُ إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّهَا تَطَوُّعًا كَانَتْ أَوْ وَاجِبَةً وَهِيَ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا وَيَسْتَعِينُ بِمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي ثَمَنِ بَدَنَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، قُلْت: وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَتُهُ هَذِهِ الَّتِي أَصَابَ بِهَا الْعَيْبَ تَطَوُّعًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَدَلُهَا وَجَعَلَ مَا أَخَذَ مِنْ بَائِعِهِ لِعَيْبِهَا الَّذِي أَصَابَهُ بِهَا فِي هَدْيٍ آخَرَ؟ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيًا آخَرَ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ جَنَى عَلَى هَذَا الْهَدْيِ رَجُلٌ فَفَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ أَصَابَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ لَهُ أَرْشٌ فَأَخَذه صَاحِبُهُ مَا يَصْنَعُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي رَجَعَ بِعَيْبٍ أَصَابَهُ فِي الْهَدْيِ بَعْدَمَا قَلَّدَهُ.
قُلْت: وَالضَّحَايَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا صَاحِبُهَا لِجِنَايَتِهَا أَرْشًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَا إنْ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا حِينَ اشْتَرَاهَا أَصَابَهَا عَمْيَاءَ أَوْ عَوْرَاءَ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: الضَّحَايَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الْهَدْيِ الضَّحَايَا إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا فَاشْتَرَى بِهِ بَدَلَهَا، قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ جَنَى عَلَى هَذِهِ الضَّحَايَا جَانٍ أَخَذَ صَاحِبُهَا مِنْهُ عَقْلَ مَا جَنَى، وَأَبْدَلَ هَذِهِ الضَّحِيَّةَ وَاشْتَرَى غَيْرَهَا وَلَا يَذْبَحُ هَذِهِ الَّتِي دَخَلَهَا بِالْعَيْبِ.
[كِتَابُ الْحَجِّ الثَّالِثِ]
ِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت كُلَّ هَدْيٍ قَلَّدَهُ رَجُلٌ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ هَدْيِ الْقِرَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوْ التَّطَوُّعِ، إذَا قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ ثُمَّ عَطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ عَمِيَ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ، فَحَمَلَهُ صَاحِبُهُ أَوْ سَاقَهُ حَتَّى أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ فَنَحَرَهُ بِمِنًى؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ، قُلْت: فَلَوْ سَاقَهُ إلَى مِنًى وَقَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَيُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمِنًى أَوْ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الْحِلِّ ثَانِيَةً فَيُدْخِلُهُ الْحَرَمَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ قَدْ أَدْخَلَهُ مِنْ الْحِلِّ يُخْرِجُهُ إلَى الْحِلِّ ثَانِيَةً، وَلَكِنْ يَسُوقُهُ إلَى مَكَّةَ فَيَنْحَرُهُ بِمَكَّةَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ هَدْيٍ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَمَحِلُّهُ مَكَّةُ لَيْسَ لَهُ مَحِلٌّ دُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنًى لَهُ بِمَحِلٍّ، قُلْت: فَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَذَا الْهَدْيِ فَسَاقَهُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فَعَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَهَذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ نَوَاهَا أُضْحِيَّةً لِنَفْسِهِ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا أَهْلَ بَيْتِهِ، أَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْرِكَهُمْ أَوَّلًا، قَالَ: وَالْهَدْيُ عِنْدَ مَالِكٍ مُخَالِفٌ لِلضَّحَايَا.
قُلْت: أَرَأَيْت الْبَقَرَةَ أَوْ النَّاقَةَ أَوْ الشَّاةَ إذَا نَتَجَتْ وَهِيَ هَدْيٌ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِوَلَدِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَحْمِلُ وَلَدَهَا مَعَهَا إلَى مَكَّةَ، قُلْت: أَعْلَيْهَا أَمْ عَلَى غَيْرِهَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ لَهُ مَحْمَلٌ يَحْمِلْهُ عَلَى غَيْرِهَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحْمَلٌ غَيْرَ أُمِّهِ حَمَلَهُ عَلَى أُمِّهِ، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أُمِّهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا كَيْفَ يَصْنَعُ بِوَلَدِهَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ يَتَكَلَّفَ حَمْلَهُ.
قُلْت: فَهَلْ يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ شَيْءٌ مَنْ الْأَشْيَاءِ وَلَا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ فِيهِ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ قَدْ
جَاءَ عَنْ بَعْضِ مَنْ مَضَى فِيهِ رُخْصَةٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ رَيِّ فَصِيلِهَا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ بُعِثَ بِهَدْيٍ تَطَوُّعًا، وَأَمَرْت الَّذِي بُعِثَ بِهِ مَعَهُ إنْ هُوَ عَطِبَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ، فَعَطِبَ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَيَضْمَنُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي لَا أَرَى عَلَى هَذَا ضَمَانًا وَأَرَاهُ قَدْ أَجْزَأَ صَاحِبَهُ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ وَإِنَّمَا هَذَا كَأَنَّهُ رَجُلٌ عَطِبَ هَدْيُهُ تَطَوُّعًا فَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ، فَأَتَى رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَلَا أَرَى عَلَى الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ شَيْئًا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْآخَرَ قَدْ خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ احْتَاجَ إلَى ظَهْرِ هَدْيِهِ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا احْتَاجَ إلَى ظَهْرِ الْهَدْيِ رَكِبَهُ، قُلْت: فَإِنْ رَكِبَهُ أَيَنْزِلُ إذَا اسْتَرَاحَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى عَلَيْهِ النُّزُولَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْحَك» فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهَا فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهَا رَكِبَهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا أَطْعَمَ الْأَغْنِيَاءَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ الْفِدْيَةِ أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُون عَلَيْهِ الْبَدَلُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ أَعْطَى زَكَاتَهُ الْأَغْنِيَاءَ وَهُوَ يَعْرِفُهُمْ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا، قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَلَكِنِّي أَرَى إذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَأَعْطَى مِنْهُ الْأَغْنِيَاءَ فَلَا أَرَى ذَلِكَ مُجْزِئًا عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ وَالْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ، وَلَا يَضَعُ عَنْهُ خَطَؤُهُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَا يُشْبِهُهُ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ كُنَّا رُفَقَاءَ وَقَدْ سُقْنَا كُلُّنَا الْهَدْيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَدْ سَاقَ هَدْيَهُ وَقَلَّدَهُ، فَلَمَّا كَانَ النَّحْرُ وَقَعَ الْخَطَأُ بَيْنَنَا فَنَحَرَ هَدْيِي صَاحِبِي وَنَحَرْت هَدْيَهُ أَيُجْزِئُ عَنَّا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُ عِنْدِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْهَدْيَ إذَا أُشْعِرَ وَقُلِّدَ فَمَنْ نَحَرَهُ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَهُوَ مُجْزِئٌ عَنْ صَاحِبِهِ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ ضَحَايَا فَأَخْطَئُوا فَنَحَرَ هَذَا أُضْحِيَّةً هَذَا وَنَحَرَ هَذَا أُضْحِيَّةَ هَذَا أَيُجْزِئُ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، قُلْت: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الضَّحَايَا وَالْهَدْيِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ إذَا أُشْعِرَ وَقُلِّدَ لَمْ يَرْجِعْ لِصَاحِبِهِ فِي حَالٍ، وَالضَّحَايَا لِصَاحِبِهَا أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.
[كَيْفَ يُنْحَرُ الْهَدْيُ]
ُ قُلْت: كَيْفَ يُنْحَرُ الْهَدْيُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: قِيَامًا، قُلْت: أَمَعْقُولَةٌ أَمْ مَصْفُوفَةٌ يَدَيْهَا؟
قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: الشَّأْنُ أَنْ يَنْحَرَ قِيَامًا وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ ذَلِكَ السَّاعَةَ فِي الْمَعْقُولَةِ إنْ امْتَنَعَتْ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تُنْحَرَ مَعْقُولَةً إنْ امْتَنَعَتْ.
قُلْت: أَفَتُنْحَرُ الْإِبِلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَالْبَقَرُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَا أَتُنْحَرُ أَمْ
تُذْبَحُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُذْبَحُ قُلْت: أَيَأْمُرُ بِهَا بَعْدَ أَنْ تُذْبَحَ أَنْ تُنْحَرَ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ إذَا نَحَرَهَا لَا يَأْمُرُ مَالِكٌ بِذَبْحِهَا بَعْدَ نَحْرِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَأْمُرُ بِذَبْحِهَا بَعْدَ نَحْرِهَا.
[إذَا ذَبَحَ الضَّحِيَّةَ أَوْ الْهَدْيَ غَيْرُ صَاحِبِهِ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ]
ٌّ قُلْت: فَهَلْ يَكْرَهُ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ غَيْرُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلَّا هُوَ بِنَفْسِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ بِنَفْسِهِ، قُلْت: فَالضَّحَايَا أَيْضًا كَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِنْ ذَبَحَ غَيْرِي هَدْيِي أَوْ أُضْحِيَّتِي أَجْزَأَنِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَهَلْ كَانَ يَكْرَهُ مَالِكٌ أَنْ يَذْبَحَ النُّسُكَ وَالضَّحَايَا وَالْهَدْيَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَإِنْ ذَبَحَهَا نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ أَجْزَأَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُبْدِلَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الضَّحَايَا.
وَالْهَدْيُ عِنْدِي مِثْلُهُ.
قُلْت: فَإِنْ ذَبَحَ يَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَسَمَّى اللَّهَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ بِمِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَّ الرَّمْيُ فَلَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ وَلَكِنْ لَا يَنْحَرُ حَتَّى يَرْمِيَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ رَمَى بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ نَحَرَ هَدْيَهُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ نَحَرَ لَمْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ قُلْت: فَمَنْ سِوَى أَهْلِ مِنًى هَلْ يُجْزِئُهُمْ أَنْ يَنْحَرُوا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَنَحْرِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُجْزِئُهُمْ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَنَحْرِ الْإِمَامِ.
قُلْت: وَأَهْلُ الْبَوَادِي كَيْفَ يَصْنَعُونَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إمَامٌ وَلَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ جَمَاعَةً؟
قَالَ: يَتَحَرَّوْنَ أَقْرَبَ أَئِمَّةِ الْقُرَى إلَيْهِمْ فَيَنْحَرُونَ بَعْدَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْمَوْسِمَ مِنْهُمْ مَتَى يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُمْ مِثْلُ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي ضَحَايَاهُمْ إذَا لَمْ يَشْهَدُوا الْمَوْسِمَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ هَدْيٌ وَمَا لَيْسَ فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ أَضَاحِيُّ.
قُلْت: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَعِيرًا أَوْ لَمْ يُوقِفْهُ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ إلَى الْحِلِّ فَيُدْخِلُهُ الْحَرَمَ وَيَنْوِي بِهِ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِمَا اشْتَرَى أَنْ يُضَحِّيَ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ وَتَكُونُ أُضْحِيَّةً تُذْبَحُ إذَا ذَبَحَ النَّاسُ ضَحَايَاهُمْ فِي الْآفَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا ضَحْوَةً وَلَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ، لِأَنَّ أَهْلَ مِنًى لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَضَاحِيُّ فِي رَأْيِي
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ أَوْقَفَ هَدْيَهُ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَحَرَهُ بِمَكَّةَ جَاهِلًا وَتَرَكَ مِنًى مُتَعَمِّدًا، أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَكُونُ
قَدْ أَسَاءَ أَمْ لَا يُجْزِئُهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إذَا أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ فَلَمْ يَنْحَرْهُ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى ضَلَّ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ، وَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ هَذَا وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ.
قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الَّذِي سَمِعْت مِنْهُ: إنَّهُ أَصَابَ الْهَدْيَ الَّذِي ضَلَّ مِنْهُ أَيَّامَ مِنًى بَعْدَ مَا أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ، أَصَابَهُ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى أَنَّهُ يَنْحَرُهُ بِمَكَّةَ وَيُجْزِئُ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْت مِنْهُ، وَأَرَى فِي مَسْأَلَتِك أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ إذَا نَحَرَهُ بِمَكَّةَ.
قُلْت: هَلْ بِمَكَّةَ أَوْ بِعَرَفَاتٍ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جُمُعَةٌ أَمْ هَلْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَنَا فِي أَهْلِ مَكَّةَ: إذَا وَافَقَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ، وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَقَامَ بِهَا مِنْ الْحَاجِّ مِمَّنْ قَدْ أَقَامَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَجْمَعَ عَلَى مَقَامِهَا، أَنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا إذَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِنًى.
[مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ]
ُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلَا يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَلَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ، قَالَ: وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
[مَا نُحِرَ قَبْلَ الْفَجْرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت مَا كَانَ مِنْ هَدْيٍ سَاقَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ لَيْلَةَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَيُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الْهَدْيُ لِمُتْعَةٍ أَوْ لِقِرَانٍ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَوْ لِجَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ مِنْ فِدْيَةٍ أَوْ مِنْ نَذْرٍ أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ إذَا نَحَرَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هَدْيُ الْمُتْعَةِ فِي هَذَا وَهَدْيُ الْقِرَانِ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْهَدَايَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْهَدَايَا كُلُّهَا إذَا نَحَرَهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ لَمْ تُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَهَا فِي حَجِّهِ فَلَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ هُوَ قَلَّدَ نُسُكَ الْأَذَى فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ إلَّا بِمِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْحَرَ حَتَّى يَرْمِيَ وَلَكِنْ إنْ نَحَرَهُ بَعْدَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَجْزَأَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْهَدَايَا هَلْ تُذْبَحُ إلَى أَيَّامِ النَّحْرِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُذْبَحُ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا إلَّا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ نَهَارًا وَلَا تُذْبَحُ لَيْلًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَأَوَّلَ مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] قَالَ: فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْأَيَّامَ فِي هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّيَالِيَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ ذَبَحَ الضَّحِيَّةَ بِاللَّيْلِ فِي لَيَالِي أَيَّامِ الذَّبْحِ أَعَادَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَلَّدَ هَدْيَهُ فَضَلَّ مِنْهُ وَقَدْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ فَأَصَابَهُ رَجُلٌ وَهُوَ ضَالٌّ فَأَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ فَأَصَابَهُ رَبُّهُ الَّذِي قَلَّدَهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ أَمْ لَا؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ فِي رَأْيِي، قُلْت: وَلَمْ يُجْزِئُهُ وَهُوَ لَمْ يُوقِفْهُ؟ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا يُوقِفُ التُّجَّارُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَمَّنْ اشْتَرَاهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَوْقَفَ التُّجَّارُ فَلَيْسَ مِثْلَ هَذَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يَرْجِعُ فِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ، وَمَا أَوْقَفَ التُّجَّارُ إنْ لَمْ يُصِيبُوا مَنْ يَشْتَرِيهِ رَدُّوهُ فَبَاعُوهُ وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَيْسَ تَوْقِيفُ التُّجَّارِ هَذَا مِمَّا يُوجِبُهُ هَدْيًا وَهَذَا قَدْ وَجَبَ هَدْيًا فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ هَدْيَهُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ هَدْيِ قِرَانٍ أَوْ فَوْتِ حَجٍّ أَوْ نُسُكٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، أَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ مَسَاكِينَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُطْعِمُ مَسَاكِينَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قُلْت: فَإِنْ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهَا مَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَرَى إنْ أَطْعَمَ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ فِدْيَةٍ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ فِي رَأْيِي، وَإِنْ كَانَ أَطْعَمَ مِنْ هَدْيٍ غَيْرِ هَذَيْنِ فَهُوَ خَفِيفٌ عِنْدِي، وَلَا أَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءَ وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْمَكْسُورَ الْقَرْنِ هَلْ يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ قَدْ بَرَأَ، وَإِذَا كَانَ الْقَرْنُ يُدْمِي فَلَا يَصْلُحُ.
قُلْت: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ هَلْ يَجُوزُ الْمَجْرُوحُ وَالدَّبَرُ فِي الْهَدْيِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ الدَّبَرُ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ وَذَلِكَ فِي الدَّبَرَةِ الْكَبِيرَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى الْمَجْرُوحَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ إذَا كَانَ جُرْحًا كَبِيرًا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَخْطَئُوا فِي ضَحَايَاهُمْ فَذَبَحَ هَؤُلَاءِ ضَحَايَا هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ضَحَايَا هَؤُلَاءِ، أَنَّهُ يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ أُضْحِيَّتَهُ الَّتِي ذَبَحَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
قَالَ: وَلَا يُجْزِئُهُمْ مِنْ الضَّحَايَا وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَشْتَرُوا ضَحَايَا فَيُضَحُّوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّجُلِ هَدْيٌ فَأَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ وَيُؤَخِّرَ الْهَدْيَ، وَاذَا كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ وَيُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ، وَإِنَّمَا يُحْرِمُ عِنْدَمَا يُقَلِّدُهُ وَيُشْعِرُهُ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ وَيَجِدُ دَرَاهِمَ أَهُوَ مِمَّنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ لِبْسُ الْخُفَّيْنِ وَيَقْطَعُهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَقُلْنَا لَهُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدَ نَعْلَيْنِ فَسَامَ صَاحِبُهُمَا بِهِمَا ثَمَنًا كَثِيرًا؟ قَالَ: أَمَّا مَا يُشْبِهُ ثَمَنَ النِّعَالِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا فَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَأَمَّا مَا يَتَفَاحَشُ مِنْ الثَّمَنِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُسَامَ بِالنَّعْلَيْنِ الثَّمَنُ الْكَثِيرُ، فَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَنَسِيَ رَكْعَتِي الطَّوَافِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَضَى جَمِيعَ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ؟ قَالَ: إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ، رَأَيْت أَنْ يَرْجِعَ فَيَطُوفَ وَيَرْكَعَ رَكْعَتِي الطَّوَافِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ بَعْدَ
رَجْعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَ الثِّيَابَ وَتَطَيَّبَ، وَإِنْ كَانَ فِي حَجٍّ وَكَانَتْ الرَّكْعَتَانِ هُمَا لِلطَّوَافِ الَّذِي طَافَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ الَّذِي وَصَلَ بِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ قَرِيبًا رَجَعَ فَطَافَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَسَعَى وَأَهْدَى، وَإِنْ كَانَتَا فِي الطَّوَافِ الْآخَرِ وَكَانَ قَرِيبًا رَجَعَ فَطَافَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ وُضُوءُهُ قَدْ اُنْتُقِضَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ بَلَدَهُ وَتَبَاعَدَ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الطَّوَافَيْنِ كَانَتَا وَأَهْدَى وَأَجْزَأَتَا عَنْهُ رَكْعَتَاهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إذَا دَخَلَ مُرَاهِقًا فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ، فَلَمَّا زَارَ الْبَيْتَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَنَسِيَ الرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَتِي الطَّوَافِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَمَا خَرَجَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بِمَكَّةَ؟
قَالَ: يَرْجِعُ فَيَطُوفُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قُلْت: وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ إنَّمَا تَرَكَهُمَا مِنْ طَوَافٍ هُوَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَذَلِكَ الْأَوَّلُ إنَّمَا تَرَكَهُمَا مِنْ طَوَافٍ هُوَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ، فَذَلِكَ الَّذِي جَعَلَ مَالِكٌ فِيهِ دَمًا وَهَذَا رَجُلٌ مُرَاهِقٌ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلطَّوَافِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ مُرَاهِقًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِمَا أَخَّرَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الطَّوَافِ الَّذِي بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إذَا لَمْ يَذْكُرْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَوْ مِنْ الطَّوَافِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، دَخَلَ مُرَاهِقًا وَلَمْ يَكُنْ طَافَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْبَيْتِ فَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَمَا بَلَغَ بِلَادَهُ أَوْ تَبَاعَدَ مِنْ مَكَّةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي وَيَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ ذَكَرَهُمَا، وَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا وَمَحِلُّ هَذَا الدَّمِ مَكَّةُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إذَا وَقَّفْت هَدْيًا بِعَرَفَةَ فَضَلَّ مِنِّي فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ بِمِنًى لِأَنَّهُ يَرَاهُ هَدْيًا، أَيُجْزِئُ عَنِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا أَصَبْته وَقَدْ نَحَرَهُ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُهُ إذَا نَحَرَهُ الَّذِي نَحَرَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رَآهُ هَدْيًا، قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت الْعَبْدَ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ فَأَصَابَ النِّسَاءَ وَتَطَيَّبَ وَأَصَابَ الصَّيْدَ وَأَمَاطَ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ أَوْ الْفِدْيَةُ أَوْ الْهَدْيُ لِمَا أَصَابَ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ أَمْ عَلَيْهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْعَبْدِ الْفِدْيَةُ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَذَى مِمَّا احْتَاجَ فِيهِ الْعَبْدُ إلَى الدَّوَاءِ أَوْ إمَاطَةِ الْأَذَى، قَالَ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَوْ يَنْسُكَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ صَامَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى لِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ الصِّيَامَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدُ مِنْ الصَّيْدِ خَطَأً لَمْ يَعْمِدْ لَهُ، أَوْ فَوَاتِ حَجٍّ أَصَابَهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ لَهُ عَامِدًا، أَوْ كُلَّ مَا أَصَابَهُ خَطَأً مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَدْيُ، أَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصِّيَامِ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَهْدِ عَنْهُ سَيِّدُهُ أَوْ يُطْعِمْ عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِالْحَجِّ وَلِأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ خَطَأً لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الصِّيَامِ إلَّا أَنْ يُهْدِيَ أَوْ يُطْعِمَ
عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ الْهَدْيُ عَمْدًا أَوْ الْفِدْيَةُ عَمْدًا، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَفْتَدِيَ بِالنُّسُكِ وَبِالصَّدَقَةِ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الصِّيَامِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِهِ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا بِهِ فِي عَمَلِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَمْنَعَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ظَاهَرَ مَنْ امْرَأَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَى امْرَأَتِهِ سَبِيلٌ حَتَّى يُكَفِّرَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إلَّا بِرِضَا سَيِّدِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِهِ فِي عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الظِّهَارَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى سَيِّدِهِ مَا يَضُرُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ الصِّيَامَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا بِهِ فِي عَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الظِّهَارِ مِثْلَ الَّذِي قُلْت لَك.
قُلْت: فَاَلَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أَوْ وَطِئَ النِّسَاءَ أَوْ صَنَعَ فِي حَجِّهِ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الدَّمَ أَوْ الْإِطْعَامَ أَوْ الصِّيَامَ، إنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ الظِّهَارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ، أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيَحِلَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَحِلَّهُ بَعْدَمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ كَبُرَ فَيَئِسَ أَنْ يَبْلُغَ مَكَّةَ لِكِبَرِهِ وَضَعْفِهِ، أَلَهُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدًا عَنْ نَفْسِهِ ضَرُورَةً كَانَ هَذَا الشَّيْخُ أَوْ غَيْرَ ضَرُورَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّهُ وَلَا أَرَى أَنْ يَفْعَلَ.
[بَابٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ]
ِّ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ صَرُورَةٌ فَلَمْ يُوصِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، أَيَحُجُّ عَنْهُ أَحَدٌ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ عَنْهُ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ أَوْ يَعْتِقُ عَنْهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ صَرُورَةٌ أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ أَمْ قَدْ حَجَّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ أُنْفِذَ ذَلِكَ وَيَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأُحِبُّ لَهُ إذَا أَوْصَى أَنْ يَنْفُذَ مَا أَوْصَى بِهِ، وَلَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ إلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ وَكَذَلِكَ سَمِعْت أَنَا مِنْهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ جَهِلُوا فَاسْتَأْجَرُوا مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَجْزَأَ عَنْهُ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى هَذَا الْمَيِّتُ فَقَالَ يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِثُلُثِي، وَفُلَانٌ ذَلِكَ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ وَارِثًا دَفَعَ إلَيْهِ قَدْرَ كَرَائِهِ وَنَفَقَتِهِ وَرَدَّ مَا بَقِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ دَفَعَ الثُّلُثَ إلَيْهِ فَحَجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ الْحَجِّ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، قُلْت: لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ لِهَذَا الرَّجُلِ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَجِّ؟
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُدْفَعُ إلَيْهِ النَّفَقَةُ لِيَحُجَّ عَنْ الرَّجُلِ فَيَفْضُلُ عَنْ حَجِّهِ مِنْ النَّفَقَةِ فَضْلٌ لِمَنْ تَرَاهُ؟
قَالَ مَالِك: إنْ اسْتَأْجَرَهُ اسْتِئْجَارًا.
فَلَهُ مَا فَضَلَ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَى عَلَى الْبَلَاغِ رَدَّ مَا فَضَلَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَسِّرْ لِي مَا الْإِجَارَةُ وَمَا الْبَلَاغُ؟ فَقَالَ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ فُلَانٍ فَهَذِهِ
إجَارَةٌ لَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذِهِ دَنَانِيرُ تَحُجُّ بِهَا عَنْ فُلَانٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا مَا نَقَصَ عَلَى الْبَلَاغِ، أَوْ يُقَالُ لَهُ خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَحُجَّ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ فَهَذِهِ عَلَى الْبَلَاغِ لَيْسَتْ إجَارَةً، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالنَّاسُ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَأْخُذُونَ إنْ أَخَذُوا عَلَى الْبَلَاغِ فَهُوَ عَلَى الْبَلَاغِ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَنَّهُمْ ضَمِنُوا الْحَجَّ فَقَدْ ضَمِنُوا الْحَجَّ
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ دُفِعَ إلَيْهِ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ مِنْ بَعْضِ الْآفَاقِ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْ مَكَّةَ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اُشْتُرِطَ عَلَى الَّذِي يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ أَنْ يَحُجَّ فِي أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ أَوْ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَأَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ضَامِنًا وَيَرْجِعُ ثَانِيَةً فَيَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهَا فَقَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ثَانِيَةً وَهُوَ ضَامِنٌ، قُلْت: فَإِنْ قَرَنَ وَقَدْ أَخَذَ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَاهُ ضَامِنًا لِلْمَالِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ نَفَقَتَهُمْ وَأَشْرَكَ فِي عَمَلِهِمْ غَيْرَ مَا أَمَرُوهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي رَجُلٍ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ مَيِّتٍ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَ مَنْ الْمَنَاسِكِ شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُجْزِئَ الْحَجَّةُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ هَذَا الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ لَوْ كَانَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأْته، فَكَذَلِكَ إذَا حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا دَفَعُوا وَصِيَّةَ هَذَا الْمَيِّتِ إلَى عَبْدٍ لِيَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ أَيُجْزِئُ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ؟
قَالَ: لَا وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لَا حَجَّ لَهُ فَمِنْ ثَمَّ رَأَيْت أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْ هَذَا الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ.
قُلْت: فَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ عِنْدَك فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ لَا يَحُجُّونَ عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَمَنْ يَضْمَنُ هَذِهِ النَّفَقَةَ الَّتِي حَجَّ بِهَا هَذَا الْعَبْدُ عَنْ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِمْ الْمَالَ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ هَلَكَ رَجُلٌ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَنْفَذَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ رَقَبَةَ الْمَيِّتِ، هَلْ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ الْمَالَ وَكَيْفَ بِمَا قَدْ بِيعَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَأَصَابَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حُرًّا عِنْدَ النَّاسِ يَوْمَ بِيعَ مَالُهُ فَلَا يَضْمَنُ لَهُ الْوَصِيُّ شَيْئًا وَلَا الَّذِي حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَيَأْخُذُ مَا أَدْرَكَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَمَا أَصَابَ مِمَّا قَدْ بَاعُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعَ هُوَ عَلَى مَنْ بَاعَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ فَيَقْبِضَ مِنْهُ ثَمَنَ مَا بَاعَ مِنْ مَالِ عَبْدِهِ، قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي رَجُلٍ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ فَبَاعُوا رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ وَتَزَوَّجَتْ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ أَتَى الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: إنْ كَانُوا شَهِدُوا بِزُورٍ رُدَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَأَخَذَ رَقِيقَهُ حَيْثُ وَجَدَهُمْ أَوْ الثَّمَنَ الَّذِي بِهِ بِيعُوا إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانُوا
شُبِّهَ عَلَيْهِمْ وَكَانُوا عُدُولًا رُدَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَمَا وُجِدَ مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ رَقِيقِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ وَقَدْ بِيعَ أَخَذَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى مَنْ ابْتَاعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى مَنْ ابْتَاعَهُ، وَمَا تَحَوَّلَ عَنْ حَالِهِ فَفَاتَ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً وُطِئَتْ فَحَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ أَسْتَقَتْ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ وَإِنَّمَا لَهُ الثَّمَنُ عَلَى مَنْ بَاعَ الْجَارِيَةَ، فَأَرَى أَنْ يَفْعَلَ فِي الْعَبْدِ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى التَّدْبِيرَ وَالْعِتْقَ وَالْكِتَابَةَ فَوْتًا فِيمَا قَالَ لِي مَالِكٌ، وَالصَّغِيرُ إذَا كَبُرَ أَيْضًا فَوْتًا فِيمَا قَالَ لِي مَالِكٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا فَهَذِهِ قَدْ تَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا، وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ تَغْيِيرَ بَدَنِهَا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَكَيْفَ تَتَبَيَّنُ شُهُودَ الزُّورِ هَهُنَا مِنْ غَيْرِ شُهُودِ الزُّورِ وَكَيْفَ نَعْرِفُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: إذَا أَتَوْا بِأَمْرٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا شَهِدُوا بِحَقٍّ، مِثْلَ مَا لَوْ حَضَرُوا مَعْرَكَةً فَصُرِعَ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ طُعِنَ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ صُعِقَ بِهِ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَخَرَجُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَهُمْ أَوْ أَشْهَدَهُمْ قَوْمٌ عَلَى مَوْتِهِ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الزُّورَ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَمَّا الزُّورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَهُوَ إذَا لَمْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ يُشْبِهُ وَعُرِفَ كَذِبُهُمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدُوا بِزُورٍ رُدَّ إلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى إذَا كَانُوا شُهُودَ زُورٍ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ مَا أُعْتِقَ مِنْ رَقِيقِهِ وَمَا دُبِّرَ وَمَا كُوتِبَ وَمَا كَبُرَ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَقِيمَةُ وَلَدِهَا أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ: وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي وَلَدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي يُبَاعُ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ زُورٍ: إنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا أَيْضًا إذَا شَهِدُوا عَلَى سَيِّدِهَا بِزُورٍ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا فَبَاعُوهَا فِي السُّوقِ، وَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ الْمَسْرُوقَةِ إنَّ صَاحِبَهَا يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلِهِ إلَيَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ يَحْكُمُ فِيهِمْ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلَا قِيمَةَ لَهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْبَلَاغِ وَلَمْ يُؤَاجِرْ نَفْسَهُ فَأَصَابَهُ أَذًى فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ تَكُونُ هَذِهِ الْفِدْيَةُ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِدْيَةُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامَ مِنًى فَرُمِيَ عَنْهُ الْجِمَارُ فِي أَيَّامِ مِنًى، عَلَى مَنْ يَكُونُ هَذَا الْهَدْيُ أَفِي مَالِ الْمَيِّتِ أَمْ فِي مَالِ هَذَا الَّذِي حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ هَذَا الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ فَهُوَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ مِثْلُ الْفِدْيَةِ وَمَا ذَكَرْت مِنْ الْإِغْمَاءِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، قَالَ وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَعَمَّدُهُ فَهُوَ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ إنَّمَا أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْبَلَاغِ، وَإِنْ كَانَ أَجِيرًا فَكُلُّ شَيْءٍ أَصَابَهُ فَهُوَ فِي مَالِهِ مِنْ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ هَذَا الرَّجُلُ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ عَلَى الْبَلَاغِ أَوْ عَلَى الْإِجَارَةِ فَصَدَّهُ عَدُوٌّ عَنْ الْبَيْتِ؟ قَالَ إنْ كَانَ أَخَذَهُ عَلَى الْبَلَاغِ رَدَّ مَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَتِهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ عَلَى
الْإِجَارَةِ رَدَّ الْمَالَ وَكَانَ لَهُ مِنْ إجَارَتِهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صُدَّ عَنْهُ، قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ لِيَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُحَاسَبَ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّرِيقِ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ فَأُحْصِرَ بِمَرَضٍ وَقَدْ كَانَ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْبَلَاغِ أَوْ عَلَى الْإِجَارَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا إذَا أَخَذَهُ عَلَى الْبَلَاغِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ مَا أَقَامَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الذَّهَابِ وَإِنْ أَقَامَ إلَى حَجٍّ قَابِلٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَى حَجٍّ قَابِلٍ وَقَوِيَ عَلَى الذَّهَابِ إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ نَفَقَتُهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إنْ سَقَطَتْ مِنْهُ النَّفَقَةُ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى إنْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ فَإِنَّهُ حَيْثُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ يَرْجِعُ وَلَا يَمْضِي وَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ مَا أَنْفَقَ فِي رَجْعَتِهِ، وَإِنْ مَضَى وَلَمْ يَرْجِعْ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ نَفَقَتُهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الذَّهَابِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي ذَهَابِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْهُ النَّفَقَةُ فَلْيَمْضِ وَلْيُنْفِقْ فِي ذَهَابِهِ وَرَجْعَتِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّجُوعَ، قَالَ: وَهَذَا إذَا أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْبَلَاغِ فَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ لَهُمْ، قَالَ وَإِذَا أَخَذَهُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَسَقَطَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْحَجِّ أَحْرَمَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَقَالَ حُجُّوا عَنِّي بِهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَدَفَعُوهَا إلَى رَجُلٍ عَلَى الْبَلَاغِ فَفَضَلَتْ مِنْهَا عِشْرُونَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَرُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ مَا فَضَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ اشْتَرُوا غُلَامَ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْتِقُوهُ عَنِّي فَاشْتَرَوْهُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُرَدُّ مَا بَقِيَ إلَى الْوَرَثَةِ فَعَلَى هَذَا رَأَيْت أَمْرَ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ قَالَ أَعْطُوا فُلَانًا أَرْبَعِينَ دِينَارًا يَحُجُّ بِهَا عَنِّي فَاسْتَأْجَرُوهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَحَجَّ وَفَضَلَتْ عَشَرَةٌ؟
قَالَ: أَرَى أَيْضًا أَنْ تَرُدَّ الْعَشَرَةُ مِيرَاثًا بَيْنَ الْوَرَثَةِ، لِأَنِّي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى لَهُ غُلَامُ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيُعْتَقُ عَنْهُ فَتَشْتَرِيه الْوَرَثَةُ بِثَمَانِينَ لِمَنْ تَرَى الْعِشْرِينَ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى الْوَرَثَةِ فَيَقْسِمُونَهَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، فَرَأَيْت أَنَا الْحَجَّ إذَا قَالَ ادْفَعُوهَا إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ عَلَى هَذَا، وَسَمِعْت مَالِكًا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَارًا يَتَكَارَى بِهَا فِي الْمَدِينَةِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ لَهُ، فَتَكَارَى بِعَشَرَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ بِالْأَرْبَعَةِ؟
قَالَ: يَرُدُّهَا إلَى مَنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَرَهَا لِلَّذِي حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَسِّعُ أَنْ يَعْتَمِرَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إذَا كَانَ يُوَسِّعُ فِي الْحَجِّ؟
قَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَهُوَ رَأْيِي إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ، أَيَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ أَمْ النِّيَّةُ تُجْزِئُهُ؟ قَالَ: النِّيَّةُ تُجْزِئُهُ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَصَابَ صَيْدًا فِي
حَجِّهِ، لَقَالَ: اُحْكُمُوا عَلَيَّ بِجَزَائِهِ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِجَزَائِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْجَزَاءَ إلَى حَجٍّ قَابِلٍ أَوْ إلَى بَعْدِ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ أَوْ حَتَّى يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي عُمْرَةٍ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ هَدْيَهُ هَذَا مَتَى شَاءَ، إنْ شَاءَ أَهْدَاهُ وَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ شَاءَ أَهْدَاهُ وَهُوَ حَرَامٌ، وَلَكِنْ إنْ قَلَّدَهُ وَهُوَ فِي الْحَجِّ لَمْ يَنْحَرْهُ إلَّا بِمِنًى، وَإِنْ قَلَّدَهُ وَهُوَ مُعْتَمِرٌ أَوْ بَعَثَ بِهِ نُحِرَ بِمَكَّةَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَوْصَى فَقَالَ حُجُّوا عَنِّي حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ نَسَمَةٍ بِعَيْنِهَا وَأَوْصَى أَنْ يَشْتَرُوا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَيُعْتَقُ عَنْهُ وَأَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ فَبَتَلَهُ، وَدَبَّرَ عَبْدًا وَأَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ وَأَوْصَى بِكِتَابَةِ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ وَأَوْصَى بِزَكَاةٍ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَقَرَّ بِدُيُونِ النَّاسِ فِي مَرَضِهِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: الدُّيُونُ مَبْدَأَةً كَانَتْ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ لَهُ أَوْ لِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ ثُمَّ الْعِتْقُ بَتْلًا وَالْمُدَبَّرُ جَمِيعًا مَعًا لَا يَبْدَأُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، قَالَ مَالِكٌ: ثُمَّ النَّسَمَةُ بِعَيْنِهَا وَاَلَّذِي أَوْصَى أَنْ تُشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِهَا جَمِيعُهَا لَا يَبْدَأُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، قَالَ: ثُمَّ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ الْحَجُّ، قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الدُّيُونُ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ وَأَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ رَجَعَتْ مِيرَاثًا، إلَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهَا قَبْلَ الْوَصَايَا ثُمَّ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً فِي وَصِيَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي أَيُعْطَى مِنْ الثُّلُثِ شَيْئًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يُعْطَى مِنْ الثُّلُثِ قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ إنْ حَجَّ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ ثُمَّ يَقْعُدَ وَلَا يَحُجُّ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَحُجَّ أُخِذَ مِنْهُ وَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ تَحُجُّ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ كَانَ يُجِيزُهُ مَالِكٌ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى لَهُ بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِأَنْ يُمْشَى عَنْهُ، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَمْشِيَ عَنْهُ وَأَنْ يُهْدِيَ هَدْيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهَدْيٌ وَاحِدٌ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ امْرَأَةٍ أَوْصَتْ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهَا إنْ حَمَلَ ذَلِكَ ثُلُثَهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ الثُّلُثَ أَعْتَقَ بِهِ رَقَبَةً إنْ وَجَدُوهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَحَمَلَ الثُّلُثَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهَا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً وَلَا يَحُجُّ عَنْهَا.
قُلْت: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَى عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ بِأَنْ يَحُجَّا عَنْ الْمَيِّت فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ، وَأَرَى إنْ دَفَعُوا ذَلِكَ إلَى عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ ضَمِنُوا ذَلِكَ فِي رَأْيِي إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ظَنُّوا أَنَّهُ حُرٌّ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ هَذَا الْعَبْدُ بِعَيْنِهِ أَوْ هَذَا الصَّبِيُّ بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهِمَا فَيَحُجَّانِ عَنْ الرَّجُلِ إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ أَوْ أَذِنَ الْوَالِدُ لِلْوَلَدِ، وَلَا تَرُدُّ وَصِيَّتُهُ مِيرَاثًا لِأَنَّ الْحَجَّ بِرٌّ وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ، لِأَنَّ حَجَّةَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ تَطَوُّعٌ فَالْمَيِّتُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَرُورَةً فَأَوْصَى بِحَجِّهِ تَطَوُّعًا أُنْفِذَتْ وَلَمْ تُرَدَّ وَصِيَّتُهُ إلَى الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
قُلْت: أَرَأَيْت الصَّبِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَأَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَنْ
يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ أَيَجُوزُ لَهُ إذْنُهُ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَيْعَةً أَوْ مَشَقَّةً مِنْ السَّفَرِ فَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنَّمَا قُلْته لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ.
وَلَوْ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى إلَيْهِ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَكَانَ قَوِيًّا عَلَى الذَّهَابِ، وَكَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَلِيُّ؟
قَالَ: يُوقَفُ الْمَالُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ حَجَّ بِهِ الصَّبِيُّ وَإِلَّا رَجَعَ مِيرَاثًا، قُلْت: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ هَذَا الصَّبِيُّ عَلِمْنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ التَّطَوُّعَ وَلَمْ يُرِدْ الْفَرِيضَةَ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ صَرُورَةً وَقَصَدَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ فَأَبَى فُلَانٌ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ؟
قَالَ: يُعْطَى ذَلِكَ غَيْرَهُ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ التَّطَوُّعُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْفَرِيضَةِ، قَالَ: وَهَذَا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةٍ تَطَوُّعًا أَنْ يَحُجَّ بِهَا عَنْهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ فَأَبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رُدَّتْ إلَى الْوَرَثَةِ.
قَالَ: وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ قَصَدَ قَصْدَ مِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ ثُلُثِي فَمَاتَ الْمِسْكِينُ قَبْلَ الْمُوصِي أَوْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَرْجِعُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ، أَوْ قَالَ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ فَأَعْتِقُوهُ عَنِّي فِي غَيْرِ عِتْقٍ عَلَيْهِ وَاجِبٍ فَأَبَى أَهْلُهُ أَنْ يَبِيعُوهُ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَرْجِعُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت امْرَأَةً أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهِيَ صَرُورَةٌ، ثُمَّ إنَّ زَوْجَهَا حَلَّلَهَا ثُمَّ أَذِنَ لَهَا مِنْ عَامِهَا فَحَجَّتْ أَتُجْزِئُهَا حَجَّتُهَا الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا مِنْ الَّتِي حَلَّلَهَا زَوْجُهَا مِنْهَا وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: أَرْجُو ذَلِكَ وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْت: فَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ يُحْرِمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِمَا فَيُحَلِّلُهُمَا السَّيِّدُ ثُمَّ يَعْتِقَانِ، فَيَحُجَّانِ عَنْ الَّذِي حَلَّلَهُمَا السَّيِّدُ وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، أَتُجْزِئُهُمَا هَذِهِ الْحَجَّةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: لَا، قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي لِأَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي عَبْدٍ نَذَرَ إنْ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ، أَنَّ عَلَيْهِ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي حَجٍّ، قَالَ: يَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ النَّذْرُ بَعْدَهَا فَهَذَا حِينَ أَحْرَمَ فَقَدْ نَذَرَهَا فَلَا تُجْزِئُهُ حَجَّتُهُ حِينَ أُعْتِقَ عَنْهُمَا.
قُلْت: أَرَأَيْت السَّيِّدَ يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ أَوْ الزَّوْجَ لِزَوْجَتِهِ بِالْإِحْرَامِ فَأَرَادَ أَنْ يُحِلَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَلَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: وَإِنْ خَاصَمُوهُ قَضَى لَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحِلَّهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ أَيَجُوزُ بَيْعُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ إيَّاهُمَا، وَلَيْسَ لِلَّذِي اشْتَرَاهُمَا أَنْ يُحِلَّهُمَا وَيَكُونَانِ عَلَى إحْرَامِهِمَا، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِحْرَامِهِمَا أَتَرَاهُ عَيْبًا يَرُدُّهُمَا بِهِ إنْ أَحَبَّ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ عَيْبًا يَرُدُّهُمَا بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَهُ بِإِحْرَامِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ
أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَحَلَّلَهُ مِنْ إحْرَامِهِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَحُجَّ قَضَاءً عَنْ حَجَّتِهِ الَّتِي حَلَّلَهُ مِنْهَا بَعْدَمَا مَضَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، أَتُجْزِئُهُ مِنْ الَّتِي حَلَّلَهُ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، قُلْت: وَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ الصِّيَامُ أَوْ الْهَدْيُ أَوْ الطَّعَامُ لِمَوْضِعِ مَا حَلَّلَهُ السَّيِّدُ مِنْ إحْرَامِهِ؟ قَالَ: إنْ أَهْدَى عَنْهُ السَّيِّدُ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا صَامَ هُوَ وَأَجْزَأَهُ قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُهِلُّ بِحَجَّةٍ فَتَفُوتُهُ أَيُهِلُّ مِنْهَا حِينَ فَاتَتْهُ بِالْعُمْرَةِ إهْلَالًا مُسْتَقْبِلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: يَمْضِي عَلَى إهْلَالِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُهِلُّ بِالْعُمْرَةِ إهْلَالًا مُسْتَقْبِلًا وَلَكِنْ يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الْعُمْرَةِ وَهُوَ عَلَى إهْلَالِهِ الْأَوَّلِ وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ فَاتَهُ فَصَارَ عَمَلُهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِثْلَ عَمَلِ الْعُمْرَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا حَجَّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَجَامَعَ بَعْدَمَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَطَيَّبَ وَأَصَابَ الصَّيْدَ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مَا عَلَى الصَّحِيحِ الْحَجِّ، إلَّا أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا دَمَ الْفَوَاتِ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ وَمَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ فِيهَا فَلْيُهْرِقْهُ مَتَى مَا شَاءَ، وَالْهَدْيُ عَنْ جِمَاعِهِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ أَوْ بَعْدَ أَنْ فَاتَهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ إذَا وَطِئَ بَعْدَ أَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَكَانَ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ إذَا وَطِئَ وَهُوَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ، لِأَنَّ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ قَدْ صَارَ إلَى عُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِوَطْئِهِ وَهَدْيٌ لِمَا فَاتَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ فَيَفُوتُهُ الْحَجُّ، أَلَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَى قَابِلٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَلَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْضِيَ لِوَجْهِهِ فَيَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ ذَلِكَ وَلَا يَنْتَظِرَ قَابِلًا، قَالَ: وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى إحْرَامِهِ وَلْيَمْضِ إلَى الْبَيْتِ فَلْيَطُفْ بِهِ وَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلِيَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ، فَإِذَا كَانَ قَابِلًا فَلْيَقْضِ الْحَجَّ الَّذِي فَاتَهُ وَلْيُهْرِقْ دَمًا، قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ بَعْدَمَا دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى حَجَّ بِإِحْرَامِهِ ذَلِكَ قَابِلًا، يُجْزِئُهُ مَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَفَاتَتْهُ فَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى إذَا كَانَ مَنْ قَابِلٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَلَّ مِنْهَا، حَجَّ مَنْ عَامِهِ أَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا أَرَى لِأَحَدٍ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنْ يَفْسَخَ حَجَّتَهُ فِي عُمْرَةٍ فَإِنْ فَعَلَ رَأَيْته مُتَمَتِّعًا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا ثُمَّ حَلَّلَهَا، وَالْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ حَلَّلَهُ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ حَجَّ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَعْتَقَهُ عَنْ الَّتِي حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: لَا تُجْزِئُهُ، وَإِذَا حَجَّتْ الْمَرْأَةُ إذَا أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ الْحَجَّةِ الَّتِي حَلَّلَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا؟ قَالَ: تُجْزِئُهَا
هَذِهِ الْحَجَّةُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، قَالَ: لِأَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَ فَرَضَتْ الْحَجَّ فَحَلَّلَهَا زَوْجُهَا مِنْهَا إنْ كَانَتْ فَرِيضَةً فَهَذِهِ تُجْزِئُهَا مِنْ تِلْكَ، وَهَذِهِ قَضَاءُ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ وَهِيَ تُجْزِئُهَا مِنْ الْفَرِيضَةِ الَّتِي عَلَيْهَا، قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ حِينَ حَلَّلَهَا زَوْجُهَا إنَّمَا حَلَّلَهَا مِنْ تَطَوُّعٍ، فَهَذِهِ قَضَاءٌ عَنْ ذَلِكَ التَّطَوُّعِ الَّذِي حَلَّلَهَا زَوْجُهَا مِنْهُ.
قَالَ: وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِثْلَ هَذِهِ حِينَ أُعْتِقَ، لِأَنَّ الْعَبْدَ حِينَ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ إنَّمَا حَلَّلَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ أُعْتِقَ ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يَنْوِي بِهِ عَنْ الْحَجَّةِ الَّتِي أَحَلَّهُ مِنْهَا سَيِّدُهُ، وَحَجَّةِ الْفَرِيضَةِ فَلَا تُجْزِئُهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ تَطَوُّعٍ وَوَاجِبٍ وَتَكُونُ حَجَّةُ هَذَا الْعَبْدِ الَّتِي حَجَّهَا بَعْدَ عِتْقِهِ إذَا نَوَى بِهَا عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ الَّتِي حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَيَحْنَثُ وَهُوَ ضَرُورَةٌ فَيَمْشِي فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ يَنْوِي بِذَلِكَ نَذْرًا، وَحَجَّةَ الْفَرِيضَةِ لَمْ تُجِزْهُ مِنْ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَأَجْزَأَتْهُ مِنْ نَذْرِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ فَمَسْأَلَةُ الْعَبْدِ عِنْدِي مِثْلُ هَذَا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ مِيقَاتٍ مَنْ الْمَوَاقِيتِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَتَى وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَالَ: إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت مَنْ أَتَى وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، أَيَرْمُلُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى فِي الْمَسِيلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْمُلُ وَإِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ.
قُلْت: أَفَكَانَ مَالِكٌ يُخَفِّفُ وَيُوَسِّعُ لِهَذَا الَّذِي اعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ أَنْ لَا يَرْمُلَ وَأَنْ لَا يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟
قَالَ: كَانَ يَسْتَحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَرْمُلَا وَأَنْ يَسْعَيَا وَيَأْمُرُهُمَا بِذَلِكَ، وَلَمْ أَرَهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ كَمَا يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ مِنْ الْمَوَاقِيتِ، وَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَانَ يُوجِبُهُ عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت طَوَافَ الصَّدْرِ إنْ تَرَكَهُ رَجُلٌ، هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ طَعَامٌ أَوْ دَمٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ؟
قَالَ: لَا إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَلَوْ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ ثُمَّ اشْتَرَى وَبَاعَ بَعْدَمَا طَافَ أَيَعُودُ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ أَمْ لَا؟
قَالَ: سَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ ثُمَّ يَخْرُجُ مَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِيَشْتَرِيَ بَعْضَ جِهَازِهِ أَوْ طَعَامِهِ، يُقِيمُ فِي ذَلِكَ سَاعَةً يَدُورُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ فِي هَذَا عَوْدَةً إلَى الْبَيْتِ، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: فَلَوْ أَنَّ كَرِيَّهُمْ أَرَادَ بِهِمْ الْخُرُوجَ فِي يَوْمٍ فَبَرَزَ بِهِمْ إلَى ذِي طُوًى فَطَافُوا طَوَافَ الْوَدَاعِ، ثُمَّ أَقَامَ كَرِيُّهُمْ بِذِي طُوًى يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَبَاتَ بِهَا، أَكُنْت تَرَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا فَيَطُوفُوا طَوَافَ الْوَدَاعِ؟
قَالَ: لَا وَلْيَخْرُجُوا.
قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: أَرَأَيْت إذْ هُمْ
بِذِي طُوًى بَعْدَمَا خَرَجُوا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَمْ يُتِمُّونَ وَقَدْ رَحَلُوا مِنْ مَكَّةَ إلَى ذِي طُوًى وَهُمْ عَلَى رَحِيلٍ مِنْ ذِي طُوًى إلَى بِلَادِهِمْ؟ قَالَ: يُتِمُّونَ بِذِي طُوًى حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا إلَى بِلَادِهِمْ، لِأَنَّ ذَا طُوًى عِنْدِي مِنْ مَكَّةَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَنَا أَرَى أَنْ يَعُودَ فَيَطُوفَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت طَوَافَ الصَّدْرِ أَهُوَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَطُفْ طَوَافَ الْوَدَاعِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا رَجَعَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ يَمْضِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَهَلْ قَالَ لَكُمْ مَالِكٌ إنَّهُ يَعُودُ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ إنْ هُوَ تَرَكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ؟
قَالَ: لَمْ يَجِدْ لَنَا مَالِكٌ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَرَى إنْ كَانَ لَا يَخْشَى فَوَاتَ أَصْحَابِهِ وَلَا مَنْعًا مِنْ كَرِيِّهِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ فَأَرَى أَنْ يَعُودَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهِ الْكِرَى أَوْ أَنْ يَفُوتَهُ أَصْحَابُهُ فَأَرَى أَنْ يَمْضِيَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي امْرَأَةٍ طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ حَاضَتْ، أَتَخْرُجُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَطُفْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ حَاضَتْ أَتَخْرُجُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا تَخْرُجُ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْبِسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا أَقْصَى مَا كَانَ يُمْسِكُ النِّسَاءُ الدَّمَ، ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثٍ وَلَا يَحْبِسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَفِي النُّفَسَاءِ أَيْضًا يَحْبِسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا أَكْثَرَ مَا يُمْسِكُ النِّسَاءُ دَمَ النِّفَاسِ مِنْ غَيْرِ سَقَمٍ، ثُمَّ لَا يَحْبِسُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَمْ تَطُفْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيَكُونُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ إذَا حَجُّوا طَوَافُ الْوَدَاعِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَا أَرَى عَلَيْهِمْ طَوَافَ الْوَدَاعِ.
قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَفْرُغُ مِنْ حَجِّهِ فَيُرِيدُ الْعُمْرَةَ مَنْ التَّنْعِيمِ أَوْ مِنْ الْجِعْرَانَةِ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ هُوَ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ مِثْلَ الْجُحْفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاقِيتِ لِيَعْتَمِرَ مِنْهَا، فَأَرَى عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ حَاجًّا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَوْطِنَهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ؟ قَالَ: لَا وَهَذَا سَبِيلُهُ سَبِيلُ أَهْلِ مَكَّةَ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِ مَرِّ الظَّهْرَانِ أَيَكُونُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ أَمْ لَا إذَا خَرَجَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ، أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ، قَالَ: فَأَرَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ.
قُلْت: وَأَهْلُ عَرَفَاتٍ عِنْدَك بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَهُوَ رَأْيِي، وَلَيْسَ مَنْ يَخْرُجُ
مِنْ مَكَّةَ إلَى مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ إنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ ثُمَّ يَعُودُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعُمْرَةَ هَلْ فِيهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا أَقَامَ ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ، أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ فَهَذَا مِثْلُهُ، فَإِنْ خَرَجَ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُجْزِئُهُ طَوَافُهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ قُلْت: وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَفَسَخَهُ فِي عُمْرَةٍ أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ طَوَافُ الصَّدْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إذَا أَقَامَ هَذَا أَيُفْسِدُ حَجَّهُ بِمَكَّةَ، لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ صَارَ إلَى عَمَلِ عُمْرَةٍ فَإِنْ خَرَجَ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الدَّمُ، قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَكِنْ لَا أَرَى عَلَيْهِ الدَّمَ قُلْت: فَإِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ جَامَعَ فَفَسَدَ عَلَيْهِ حَجُّهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ إنَّمَا أَسْقَطْت عَنْهُ الدَّمَ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ هَذِهِ الْحَجَّةِ، قُلْت: وَاَلَّذِي جَامَعَ أَيْضًا عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّتِهِ، قَالَ: لَا يُشْبِهُ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ الَّذِي جَامَعَ فِي تَرْكِهِ الْمِيقَاتَ، لِأَنَّ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ كَانَ عَمَلُهُ فِي الْحَجِّ فَلَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ كَانَ عَمَلُهُ عَمَلَ عُمْرَةٍ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ الدَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْحَجِّ الَّذِي أَحْرَمَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ الدَّمُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، فَلَمَّا حَالَ عَمَلُهُ إلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَأَمَّا الَّذِي جَامَعَ فِي حَجِّهِ فَهُوَ عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ إحْرَامِهِ، فَلِذَلِكَ ثَبَتَ الدَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى إحْرَامٍ آخَرَ مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ أَوْ بَدَنَتَهُ ثُمَّ بَاعَهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ رَدَّ وَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِيهِ، فَإِنْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَكَانَهُ بَدَنَةً بِثَمَنِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بِثَمَنِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بَدَنَةً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ ثَمَنِهِ وَإِنْ أَصَابَ بَدَنَةً بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَلَّ عَلَى صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ أَشَارَ أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، هَلْ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ عَبْدَهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ جَزَاءُ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ، وَعَلَى الَّذِي قَتَلَهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا الْجَزَاءُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرَمِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إنْ أَفْسَدَ الْمُحْرِمُ وَكْرَ الطَّيْرِ أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَكْرِ فِرَاخٌ أَوْ بَيْضٌ، قُلْت: فَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: فَإِنْ كَانَ فِي الْوَكْرِ فِرَاخٌ أَوْ بَيْضٌ فَأَفْسَدَ الْوَكْرَ؟ قَالَ: أَرَى عَلَيْهِ فِي الْبَيْضِ مَا يَكُونُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْفِرَاخِ، وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمَّا أَفْسَدَ الْوَكْرَ فَقَدْ عَرَّضَ الْفِرَاخَ
وَالْبَيْضَ لِلْهَلَاكِ، قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَأَشْلَاهُ رَجُلٌ آخَرُ فَأَخَذَ الصَّيْدَ، أَيَكُونُ عَلَى الْمُشْلِي شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنْ إنْ انْشَلَى الْكَلْبُ فَأَشْلَاهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَشْلَاهُ، فَأَرَى عَلَى الَّذِي أَشْلَاهُ الْجَزَاءَ أَيْضًا، قُلْت: فَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى ذِئْبٍ فِي الْحَرَمِ فَأَخَذَ صَيْدًا أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَرَّرَ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ قُرْبَ الْحَرَمِ فَأَخَذَهُ فِي الْحَرَمِ كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، قَالَ: وَأَرَى مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحَرَمِ عَلَى ذِئْبٍ فَأَخَذَ صَيْدًا، فَسَبِيلُهُ مَنْ غَرَّرَ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا أَمْسَكَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ أَمْسَكَهُ لَهُ حَتَّى قَتَلَهُ أَوْ أَمْسَكَهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُمْسِكَهُ لِلْقَتْلِ فَقَتَلَهُ الْقَاتِلُ؟ قَالَ: إنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْقَتْلَ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَهُ فَعَدَا عَلَيْهِ حَرَامٌ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الْقَاتِلِ جَزَاؤُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَعَلَى الَّذِي أَمْسَكَهُ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ مِنْ سَبَبِهِ وَإِنْ أَمْسَكَهُ لِأَحَدٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَتَلَهُ حَرَامًا فَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا جَزَاءَانِ، قَالَ: وَإِنْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْحَلَالِ جَزَاءٌ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ الْعَظِيمَ.
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
[الدَّعْوَةُ قَبْلَ الْقِتَالِ]