المدونةصفحات 479-510
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تَضْمِينِ الْحَائِكِ إذَا تَعَدَّى

صفحات 479-510
عن هذه الطبعة
عَلَم
مالك بن أنس
الكتاب
المدونة
المؤلف
مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْكِسْوَةَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِكِسْوَةٍ وَصَفَهَا أَوْ بِطَعَامٍ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْكِسْوَةِ أَوْ الطَّعَامِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ عُرُوضٌ بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعُرُوض مُعَجَّلَةً لَا تَكُونُ إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ إذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا لَا تُبَاعُ إلَى أَجَلٍ فَكَذَلِكَ لَا يَتَكَارَى بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُهَا صَاحِبُهَا إلَّا إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَتْ عُرُوضًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُؤَخَّرًا إذَا سَمَّى لَهُ أَجَلًا يُرِيدُ كَأَجَلِ السَّلَمِ.

[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ يَرْكَبُهَا شَهْرًا أَوْ يَطْحَنُ عَلَيْهَا]

فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ يَرْكَبُهَا شَهْرًا أَوْ يَطْحَنُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً شَهْرًا عَلَى أَنْ أَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِي مَتَى مَا شِئْتُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؟ قَالَ: إنْ تَكَارَاهَا شَهْرًا يَرْكَبُهَا فِي حَوَائِجِهِ كَمَا تَرْكَبُ النَّاسُ الدَّوَابَّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ شَهْرًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً أَطْحَنُ عَلَيْهَا شَهْرًا بِعَيْنِهِ قَمْحًا وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَطْحَنُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ الْقَمْحِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا يُشْبِهُ كِرَاءَ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ شَهْرًا يَرْكَبُهَا؛ لِأَنَّ وَجْهَ الطَّحِينِ مَعْرُوفٌ؟ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

[الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَوَابَّ كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً]

فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَوَابَّ كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَوَابَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ إرْدَبٍّ وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ؟ قَالَ: أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا وَيَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ بِقَدْرِ مَا تَقْوَى إذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ شَتَّى وَكَانَتْ الدَّوَابُّ يَخْتَلِفُ حِمْلُهَا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْرَى دَابَّتَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ.
قُلْتُ: وَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّوَابَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ رَبُّ الدَّوَابِّ وَاحِدًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ لِأُنَاسٍ شَتَّى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ: لَا.

[الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ]

مَا جَاءَ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً أُشَيِّعُ عَلَيْهَا رَجُلًا وَلَمْ أُسَمِّ مَوْضِعًا مِنْ الْمَوَاضِعِ؟ قَالَ: الْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ تُسَمِّيَ مَوْضِعًا مَعْرُوفًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ التَّشْيِيعُ أَمْرًا قَدْ عُرِفَ بِالْبَلَدِ كَيْفَ هُوَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّتَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَاحِدَةٌ إلَى بَرْقَةَ وَالْأُخْرَى إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَمْ أُسَمِّ الَّتِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَا الَّتِي إلَى بَرْقَةَ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ حَتَّى تُسَمِّيَ الَّتِي إلَى بَرْقَةَ وَاَلَّتِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى إنْ أَدْخَلَنِي مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَإِنْ أَدْخَلَنِي فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا الْكِرَاءُ فَاسِدٌ، إنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ فُسِخَ هَذَا الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ رَكِبَ يُرِيدُ سَفَرَهُ كُلَّهُ أُعْطِيَ كِرَاءً مِثْلَهُ عَلَى سُرْعَةِ السَّيْرِ وَإِبْطَائِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اكْتَرَى كِرَاءً فَاسِدًا فَاسْتَوْفَى الرُّكُوبَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الرُّكُوبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَحْمِلُ عَلَيْهَا أَيَكُونُ الْكِرَاءُ فَاسِدًا أَمْ يَكُونُ الْكِرَاءُ جَائِزًا وَأَحْمِلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِهَا؟ قَالَ: الْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا عَرَفُوا مَا يَحْمِلُونَ، فَإِذَا كَانُوا قَدْ عَرَفُوا الْحُمُولَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَهُمْ لَازِمٌ عَلَى مَا قَدْ عَرَفُوا مِنْ الْحُمُولَةِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ قَدْ سَمَّى طَعَامًا أَوْ بَزًّا أَوْ عِطْرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ تِلْكَ الدَّابَّةُ، وَإِنْ قَالَ: أَحْمِلُ عَلَيْهَا قَدْرَ حِمْلِ مِثْلِهَا مِمَّا شِئْتَ مِمَّا تَحْمِلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحُمُولَةِ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالدَّابَّةِ وَأَعْطَبُ لِظُهُورِهَا، وَمِنْهَا مَا لَا يَضُرُّ.
فَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَى دَابَّةً يَرْكَبُهَا شَهْرًا إلَى أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ، وَالْبُلْدَانُ مِنْهَا الْوَعِرَةُ الشَّدِيدَةُ وَمِنْهَا السَّهْلَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ، فَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ حَتَّى يَتَبَاعَدَ تَبَاعُدًا بَيِّنًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالْجُدُرِ وَمِنْهَا مَا لَا يَضُرُّ فَإِذَا اخْتَلَفَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ الْحُمُولَةِ مَا لَوْ سَمَّى لِنَقْبِهِ لِظَهْرِ الدَّابَّةِ لَمْ يَرْضَ رَبُّ الدَّابَّةِ فِيهِ بِدِينَارٍ وَاحِدٍ وَآخَرَ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ يَكُونُ كِرَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يُتَفَاحَشُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُكْرِي دَابَّتَهُ تُرْكَبُ يَوْمًا فِي الْحَضَرِ فَيَكُونُ غَيْرَ كِرَائِهَا تُرْكَبُ يَوْمًا

فِي السَّفَرِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ الْوَعِرَةُ قَلِيلَةَ الْكَلَأِ وَالْأُخْرَى سَهْلَةً كَثِيرَةَ الْكَلَأِ فَيَكُونُ الْكِرَاءُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفًا، وَأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْمَسْكَنِ بَاعُوا مِنْ مَنَافِعِ الدَّابَّةِ وَمَنَافِعِ الْمَسَاكِنِ مَا لَا يَدْرُونَ مَا بَاعُوا لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ أَكْرِيَةِ النَّاسِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَكْتَرِي لِيَحْمِلَ حِنْطَةً فَيَحْمِلَ مَكَانَهَا شَعِيرًا مِثْلَهُ أَوْ سِمْسِمًا فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا يَضْمَنُ إنْ عَطِبَتْ الرَّاحِلَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ شَطَوِيًّا فَحَمَلَ عَلَيْهَا بَغْدَادِيًّا أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ مَا يُشْبِهُهُ فِي نَحْوِهِ وَخِفَّتِهِ وَثِقْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ حَمَلَ رَصَاصًا أَوْ حِجَارَةً بِوَزْنِ ذَلِكَ فَعَطِبَتْ ضَمِنَهَا لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَخُذْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِثْلِ مَا يَتَكَارَى النَّاسُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ إبِلًا إلَى مَكَّةَ بِطَعَامٍ مَضْمُونٍ، وَلَمْ أَذْكُرْ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْقُدُهُ فِيهِ الطَّعَامَ وَلَمْ أَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا وَلَيْسَ لِلنَّاسِ عِنْدَهُمْ فِي الْكِرَاءِ سُنَّةٌ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَاهُ بِغُلَامٍ مَضْمُونٍ أَوْ بِثَوْبٍ مَضْمُونٍ وَلَيْسَ لَهُمْ سُنَّةٌ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ ذِي قَبْلٍ عَلَى أَمْرٍ حَلَالٍ فَيَنْفُذُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى قَوْمٌ مُشَاةٌ إبِلًا إلَى مَكَّةَ لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا أَزْوَادَهُمْ وَشَرَطُوا أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْإِبِلِ؟ قَالَ: هَذَا الْكِرَاءُ فَاسِدٌ.
قُلْتُ أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُبَلِّغَنِي مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا إلَى يَوْمِ كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ لَهُ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مِنْ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَرَرٌ لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ لَهُ الْكِرَاءُ أَمْ يَذْهَبَ رَأْسًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ.

[إلْزَامِ الْكِرَاءِ]

فِي إلْزَامِ الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَابَّةً تَكَارَوْهَا لِيَزِفُّوا عَلَيْهَا عَرُوسًا لَهُمْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَمْ يَزُفُّوهَا لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ أَيَضْمَنُونَ الْكِرَاءَ أَمْ لَا؟ قَالَ: عَلَيْهِمْ الْكِرَاءُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً أُشَيِّعُ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا قَبَضْتُ

الدَّابَّةَ أَوْ لَمْ أَقْبِضْهَا بَدَا لِفُلَانٍ فِي الْخُرُوجِ أَيَلْزَمُنِي الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَهُ لَازِمٌ، وَيُكْرِي الدَّابَّةَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ أَحَبَّ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ الَّتِي سَأَلَتْنِي عَنْهَا يَكُونُ الْكِرَاءُ عَلَيْهِ وَيَفْعَلُ فِي الدَّابَّةِ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: هَذِهِ الدَّابَّةُ فَاقْبِضْهَا وَارْكَبْهَا فَلَمْ أَقْبِضْهَا، وَلَمْ أَرْكَبْهَا حَتَّى مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ؟ قَالَ: إذَا أَمْكَنَهُ مِنْهَا فَلَمْ يَرْكَبْهَا فَقَدْ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ فَسَقَطَ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهُ أَوْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ أَوْ كَانَ اكْتَرَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَأَصَابَهُ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ مَاتَ أَيْضًا لَمْ يُفْسَخْ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ: اُكْرُوَا هَذَا الْكِرَاءَ الَّذِي وَجَبَ لَكُمْ وَاغْرَمُوا الْكِرَاءَ الَّذِي عَلَيْكُمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ فَلَمَّا كُنْتُ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ عَرَضَ لِي غَرِيمٌ فَحَبَسَنِي؟ قَالَ: الْكِرَاءُ لَكَ لَازِمٌ، وَيَقُولُ لَكَ: اكْرِ الدَّابَّةَ مِنْ مِثْلِكَ إلَى مَكَّةَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الدَّابَّةِ حُمُولَةٌ اكْتَرَيْتُهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَّةَ فَعَرَضَ لِي غَرِيمٌ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ فَأَرَادَ أَخْذَ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُكْرِي أَوْلَى بِالْمَتَاعِ الَّذِي مَعَهُ عَلَى حُمُولَتِهِ حَتَّى يُقْبِضَهُ حَقَّهُ وَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَكْرُوهُ فِي مِثْلِ مَا حَمَلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكْرَى إلَيْهِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي مَنْ الرَّجُلِ دَارِهِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ يَمُوتُ الَّذِي أَكْرَى وَيَبْقَى الْمُكْتَرِي؟ قَالَ: إنْ تُوُفِّيَ سَيِّدُ الْمَسْكَنِ فَأَرَادَ أَهْلُهُ إخْرَاجَ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعُوهُ فَلَا أَرَى أَنْ يُخْرِجُوهُمْ إلَّا بِرِضًا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ إنْ شَاءُوا بَاعُوا مَسْكَنَهُمْ وَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فَهُوَ فِيهِ عَلَى حَقِّهِ وَشَرْطِهِ فِي إجَارَتِهِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَإِنْ تُوُفِّيَ الْمُسْتَأْجِرُ سَكَنَ ذَلِكَ الْمَسْكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ فَأَرَى أَنْ يَكُونَ أَجْرُ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ فِيمَا تَرَكَ مِنْ الْمَالِ يُؤَدِّيهِ الْوَرَثَةُ بِحِصَصِهِمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسْكِنُ رَجُلًا عَشْرَ سِنِينَ أَوْ آجَرَهُ ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الدَّارِ؟ قَالَ: الدَّارُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوَرَثَةِ وَالسُّكْنَى إلَى حَدِّهَا.

[فَسْخِ الْكِرَاءِ]

مَا جَاءَ فِي فَسْخِ الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْرًا يَطْحَنُ لِي كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدْتُهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا وَاحِدًا؟ قَالَ: لَكَ أَنْ تَرُدَّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كُنْتُ قَدْ طَحَنْتُ عَلَيْهِ إرْدَبًّا أَوَّلَ يَوْمٍ كَمْ يَكُونُ لَهُ عَلَيَّ مِنْ الْكِرَاءِ؟ قَالَ: نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى طَحِينِ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَضُوضٌ أَوْ جَمُوحٌ أَوْ لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ أَوْ دَبِرَ تَحْتِي دَبْرَةً فَاحِشَةً يُؤْذِينِي رِيحُهَا أَيَكُونُ هَذَا مِمَّا يُفْسَخُ بِهِ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَنَا أَمْ لَا؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْعَضُوضِ وَالْجَمُوحِ وَاَلَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالرَّاكِبِ يُؤْذِيهِ فَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَهُ الْكِرَاءَ إنْ أَحَبَّ، وَالدَّبْرَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ إنْ كَانَتْ مُضِرَّةً بِالرَّاكِبِ تُؤْذِيهِ فَأَرَى أَنْ يُفَاسِخَهُ الْكِرَاءَ إنْ أَحَبَّ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ مِمَّا يُفْسَخُ بِهِ الْكِرَاءُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عُيُوبٌ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَلْزَمَهَا النَّاسُ فِي كِرَائِهِمْ إلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَمَرِضَ أَوْ دَابَّةً لِأَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَاعْتَلَّتْ أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا وَأُنَاقِضُهُ الْإِجَارَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ إنْ صَحَّ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِجَارَةِ عَمِلَ لَكَ مَا صَحَّ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ عَلَيْكَ كِرَاءُ مَا عَمِلَ لَكَ وَيَسْقُطُ عَنْكَ كِرَاءُ مَا مَرِضَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَالدَّابَّةُ عِنْدِي لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا اعْتَلَّتْ وَقَدْ تَكَارَاهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَلَيْهَا فَهِيَ، وَإِنْ صَحَّتْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ صَاحِبُهَا الَّذِي تَكَارَاهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّ الَّذِي اكْتَرَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ عَلَيْهَا، وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ، وَهِيَ وَإِنْ صَحَّتْ وَلَحِقَتْهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اكْتَرَى غَيْرَهَا، فَإِنْ لَزِمَهُ هَذَا أَيْضًا فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْخِدْمَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُكْتَرِي أَنَا أُقِيمُ عَلَى الدَّابَّةِ حَتَّى تُفِيقَ مِنْ عِلَّتِهَا ثُمَّ أَرْكَبَهَا وَقَالَ رَبُّهَا: لَا تُقِيمُ عَلَيْهَا وَأَنَا أُرِيدُ بَيْعَهَا إذَا صَارَتْ لَا تَحْمِلُ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ عَلَيْهَا وَالنَّفَقَةِ؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَ مَرَضًا يُرْجَى بَرْؤُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ الْأَمْرِ الْقَرِيبِ لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْرِي، فَهَذَا يُحْبَسُ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى دَابَّتِهِ حَتَّى يُنْظَرَ إلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ

وَيَتَطَاوَلُ أَمْرُهَا وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي إقَامَتِهِ عَلَيْهَا بِبِلَادٍ لَعَلَّ السَّفَرَ فِيهَا يُجْحِفُ بِالْمُكْرِي وَيَقْطَعُهُ عَنْ عِيَالِهِ فَلَا يَصْلُحُ الضَّرَرُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَيْهِمَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى أَيُّمَا رَجُلٍ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا فَهَلَكَ الْبَعِيرُ فَلَيْسَ لِلْمُتَكَارِي عَلَى الْمُكْرِي أَنْ يُقِيمَ لَهُ مَكَانَهُ غَيْرَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ ضَمَانٌ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَكَارَى وَشَرَطَ الْبَلَاغَ ثُمَّ قَصَّرَتْ الدَّابَّةُ اسْتَكْرَى عَلَيْهِ بِمَا قَامَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْبَلَاغَ فَمِنْ حَيْثُ قَصَّرَتْ الدَّابَّةُ حَسَبَ لِصَاحِبِهَا بِقَدْرِهِ.

[الْمُكْرِي يُرِيدُ أَنْ يُرْدِفَ خَلْفَ الْمُكْتَرِي أَوْ يَجْعَلَ مَتَاعًا]

فِي الْمُكْرِي يُرِيدُ أَنْ يُرْدِفَ خَلْفَ الْمُكْتَرِي أَوْ يَجْعَلَ مَتَاعًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَأَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يَحْمِلَ تَحْتِي مَتَاعًا أَوْ يَحْمِلَ مَعِي رَدِيفًا أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ يَتَكَارَاهَا فَتَصِيرُ الدَّابَّةُ كُلُّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَارَاهَا بِعَيْنِهَا، فَقَدْ اشْتَرَى رُكُوبَهَا، وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ يَتَكَارَاهَا الرَّجُلُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ لِلْمُكْتَرِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَحَمَلَ صَاحِبُهَا فِي مَتَاعِي مَتَاعًا لَهُ بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ أَيَكُونُ لِي كِرَاءُ مَا حَمَلَ فِي مَتَاعِي؟ قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاكَ الدَّابَّةَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَتَاعًا فِي مَتَاعِكَ فَلَكَ كِرَاءُ الْمَتَاعِ الَّذِي حَمَلَ فِي مَتَاعِكَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاكَ لِيَحْمِلَ لَكَ أَرْطَالًا مُسَمَّاةً فَحَمَلَ لَكَ تِلْكَ الْأَرْطَالَ الْمُسَمَّاةَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَكَ كِرَاءُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ أَكْرَاهُ لِيَحْمِلَهُ بِبَدَنِهِ أَوْ يَحْمِلَهُ وَيَحْمِلَ مَتَاعًا مَعَهُ ثُمَّ حَمَلَهُ هُوَ أَوْ حَمَلَهُ وَمَتَاعَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ الْمُكْرِي مَتَاعًا مَعَ مَتَاعِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ هُوَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ قَدْ وَفَّاهُ شَرْطَهُ وَقَدْ كَانَ لِلْمُتَكَارِي إذَا تَكَارَى الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا بِبَدَنِهِ أَنْ يَمْنَعَ رَبَّ الدَّابَّةِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.

[الْمُكْتَرِي يُكْرِي مِنْ غَيْرِهِ]

فِي الْمُكْتَرِي يُكْرِي مِنْ غَيْرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا غَيْرِي أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ

عَلَيْهِ إذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْخِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ غَيْرُ مَأْمُونٍ فَأَرَاهُ ضَامِنًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَعْطَبَتْ الدَّابَّةُ فَادَّعَى غَيْرُ الْمَأْمُونِ تَلَفَهَا وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، فَاَلَّذِي اكْتَرَاهَا ضَامِنٌ لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ لِقِيمَتِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي الثَّانِي ضَمَانٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ أَمْرٌ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ يُتَبَيَّنَ كَذِبُهُ.
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يُكْرِي مَنْ الرَّجُلِ عَلَى حُمُولَةٍ إلَى بَلَدٍ فَيُرِيدُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ وَهُوَ مِثْلُ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَالشِّدَّةِ وَالصُّعُوبَةِ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْمُكْرِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُكْرِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إلَّا أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ إقَالَةً صَحِيحَةً ثُمَّ يُكْرِي مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً لِأَرْكَبَهَا أَنَا نَفْسِي فَأَتَيْتُ بِمَنْ هُوَ مِثْلِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَيْهَا مَكَانِي أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يُكْرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ لِحَالِهِ وَحُسْنِ رُكُوبِهِ، فَأَنْتَ تَجِدُ آخَرَ لَعَلَّهُ أَخَفُّ مِنْهُ وَهُوَ أَخْرَقُ فِي الرُّكُوبِ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَكِنْ إنْ فَعَلَ فَحَمَلَ غَيْرَهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ نُظِرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الثِّقَلِ وَالْحَالِ وَالرُّكُوبِ لَمْ يَضْمَنْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ هَذَا الَّذِي اكْتَرَى الدَّابَّةَ أَيَكُونُ الْكِرَاءُ لَهُ لَازِمًا وَيَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَيَحْمِلُونَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَاك قَدْ أَجَزْت أَنْ يُحْمَلَ غَيْرُهُ فِي الْمَوْتِ؟ قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الدُّورِ وَالْحُمُولَةِ يُكْرِي تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: وَفِي الْحَيَاةِ أَيْضًا لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ الَّذِي يُعْرَفُ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي لَمْ يَكُنْ يَقِفُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ إنَّ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَخِفَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْكِتَابِ قَبْلَ هَذَا مَا يَجُوزُ مِنْ الرِّبْحِ فِي الْأَكْرِيَةِ أَكْرِيَةِ الدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَهُ وَأَجَازَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً لِأَرْكَبَهَا فَحَمَلْتُ مَعِي عَلَيْهَا رَدِيفًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْبَعِيرَ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا رَطْلًا فَزَادَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِمَّا يُعْطَبُ بِهَا إذَا زَادَهَا خُيِّرَ رَبُّ الدَّابَّةِ، فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَكِرَاءُ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ الْبَعِيرِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِ مَا حَمَلَ عَلَيْهَا فَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَكِرَاءُ مَا تَعَدَّى فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الرَّدِيفِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إنْ كَانَ رَدِيفًا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ فِي مِثْلِهِ إذَا أَرْدَفَ فَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ كِرَاءِ الْحَاجِّ يَتَكَارَى عَلَى خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ فَيَكُونُ فِي زَامِلَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْحَاجُّ كَغَيْرِهِمْ لَمْ يَزَلْ الْحَاجُّ يَكُونُ لَهُمْ الزِّيَادَاتُ مِنْ السَّفَرِ وَالْأَطْعِمَةِ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفُ الْمُتَكَارِي مَا حَمَلَ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُكْرِي هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ وَرَآهُ وَرَدَدْتُهَا عَلَيْهِ فَثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ مِصْرَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى رَجُلٍ أَلْقَاهُ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأُرْدِفُ خَلْفِي مَنْ يُمْسِكُ عَلَيَّ الدَّابَّةَ إذَا دَخَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَوْ لَمْ تَعْطَبْ أَيَكُونُ عَلَيَّ كِرَاءُ هَذَا الرَّدِيفِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَيَعْدِلُ عَنْ طَرِيقِهِ الْمِيلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ ضَامِنًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي أَرْدَفَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ فَأَرَاهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الضَّمَانِ يَكُونُ رَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرًا فِي الْكِرَاءِ أَوْ الضَّمَانِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْمِيلِ الَّذِي عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِهِ إذَا كَانَ الرَّدِيفُ يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الدَّابَّةَ إنَّمَا عَطِبَتْ مِنْ الرَّدِيفِ.

[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى فَيَحْبِسُهَا]

فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى فَيَحْبِسُهَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَحْبِسُهَا عَنْهُ: أَنَّهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا تَعَدَّى شَيْئًا يَسِيرًا لَمْ يَحْبِسْهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ دَابَّتِهِ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَأَتَى بِهَا عَلَى حَالِهَا، فَقُلْتُ: فَقِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ رَكِبَهَا؟ قَالَ: بَلْ قِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى دَابَّةً يَوْمًا فَحَبَسَهَا شَهْرًا مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ كِرَاءُ يَوْمٍ، وَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي التِّسْعِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا إنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَهَا فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَعْمَلَهَا أَوْ حَبْسِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ.
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهَا مِنْ بَعْدِ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ فَهِيَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى حِسَابِ مَا أَكْرَاهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ حِينَ انْقَضَتْ وَجِيبَتُهُ فَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ وَهُوَ مَعَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا كَأَنَّهُ رَاضٍ بِالْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ فَأَتَى بِالدَّابَّةِ عَلَى حَالِهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَكِرَاءَهَا لِلْيَوْمِ أَوْ الْأَكْثَرِ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا فِيمَا حَبَسَهَا إنْ كَانَ كِرَاءُ مِثْلِهَا فِيمَا حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ الْيَوْمِ كَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ مَا حَبَسَهَا عَلَى حِسَابِ كِرَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَكْرَاهَا أَقَلَّ كَانَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ عَمِلَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَعْمَلْ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ حَبَسَهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ كِرَائِهَا إلَّا كِرَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَكْرَاهَا.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ حَبَسَهَا الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاؤُهُ وَلَا يَضْمَنُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى عَلَيْهَا الْأَمْيَالَ: إنَّهُ يَرُدُّهَا وَلَا يَضْمَنُهَا وَيَكُونُ عَلَيْهَا كِرَاءُ تِلْكَ الْأَمْيَالِ إذَا رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا.

[التَّعَدِّي فِي الْكِرَاءِ]

مَا جَاءَ فِي التَّعَدِّي فِي الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ بَعِيرًا لِأَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمَلًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ زَامِلَةً؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الزَّامِلَةُ أَثْقَلَ مِنْ الْمَحْمَلِ أَوْ أَكْثَرَ كِرَاءً فَهُوَ ضَامِنٌ إنْ أَعْطَبَ الْبَعِيرُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا زَادَ فَرَبُّ الْبَعِيرِ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الزَّامِلَةُ دُونَ الْمَحْمَلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَكَارَى بَعِيرًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ حِمْلَ كَتَّانٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ حِمْلَ صُوفٍ فَعَطِبَ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ هُوَ أَجْفَى عَلَى الْبَعِيرِ وَأَتْعَبُ وَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْئَانِ وَزْنُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَتْعَبُ لِجَفَائِهِ أَوْ لِشِدَّةِ ضَمِّهِ عَلَى جَنْبَيْ الْبَعِيرِ مِثْلِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَمَلَ

عَلَيْهِ لَيْسَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَلَا تَعَبٌ عَلَى الَّذِي اشْتَرَطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ أَتْعَبَ وَأَضَرَّ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الضَّمَانِ، فَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ كِرَاءُ فَضْلِ ذَلِكَ الْحِمْلِ عَلَى تَعَبِهِ بِمَا يَسْوَى، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ بَعِيرِهِ يَوْمَ حَمَلَهُ وَلَا كِرَاءَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَكَارَيْتُ بَعِيرًا لِأَرْكَبَهُ أَنَا نَفْسِي فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ غَيْرِي؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَكَ أَوْ دُونَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْكَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ هُوَ يُكْرِيهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَحًى عَلَى أَنْ لَا أَطْحَنَ فِيهَا إلَّا الْحِنْطَةَ فَجَعَلْتُ أَطْحَنُ فِيهَا الشَّعِيرَ وَالْعَدَسَ وَالْفُولَ وَالْقُطْنِيَّةَ وَالذُّرَةَ وَالدُّخْنَ فَانْكَسَرَتْ الرَّحَى؟ قَالَ: إنْ كَانَ طَحِينُ الشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ وَمَا ذَكَرْتَ لَيْسَ بِأَضَرَّ مِنْ الْحِنْطَةِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ أَضَرُّ فَهُوَ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ رَأْيِي مِثْلُ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَكْتَرِي الْبَعِيرَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ بَزٍّ فَيَحْمِلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ دُهْنٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ الدُّهْنُ أَضَرَّ بِالْبَعِيرِ مِنْ الْبَزِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي إنْ عَطِبَ الْبَعِيرُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا شَعِيرًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ دُهْنًا؟ قَالَ: إذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مَا يَكُونُ مِثْلَ وَزْنِ الَّذِي اكْتَرَاهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا خِلَافَ الَّذِي سَمَّى مِثْلَ أَنْ يَتَكَارَاهَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا كَتَّانًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الْبَزِّ وَزْنَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ الْقُطْنِ وَزْنَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَضَرُّ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الَّذِي تَكَارَاهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ بِوَزْنِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ شَيْءٌ أَجْفَى عَلَى الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ أَوْ أَضْغَطُ لِظُهُورِهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَزْنُ وَاحِدًا مِثْلُ الرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوَامِلَ أَثْقَلُ مِنْ جُلِّ الْمَحَامِلِ فِي الْوَزْنِ، وَالزَّوَامِلُ أَرْفَقُ بِالْإِبِلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اخْتِلَافِ الْمَتَاعِ مَضَرَّةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا خِلَافَ مَا سَمَّى.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ قَفِيزًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ الْقَفِيزُ إنَّمَا فِيهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَفْدَحُ الدَّابَّةَ يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا تُعْطَبُ فِيهِ الدَّابَّةُ.

قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَجْرُ هَذَا الْقَفِيزِ الزَّائِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَكُونُ أُجْرَةً أَتَجْعَلُ أَجْرَهُ مِثْلَ قَفِيزٍ مِنْ الْأَقْفِزَةِ أَمْ أُجْرَةً مِثْلَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ؟ قَالَ: يَنْبَغِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ، وَلَا يَكُونَ مِثْلَ قَفِيزٍ مِنْ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا كَانَ تَكَارَى إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى عَلَيْهِ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ كِرَاءِ مَا تَعَدَّى، وَلَيْسَ عَلَى قَدْرِ مَا تَكَارَى عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَالْقَفِيزُ الزَّائِدُ وَالتَّعَدِّي سَوَاءٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا قَوْلَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِثْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَلَمَّا بَلَغْتُ بَرْقَةَ تَعَدَّيْتُ عَلَيْهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ رَدَدْتُهَا إلَى مِصْرَ مَا يَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: رَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْكِرَاءُ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمِثْلُ كِرَاءِ دَابَّتِهِ مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى بَرْقَةَ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ مِصْرَ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا الْكِرَاءُ الَّذِي سَمَّيَا بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُ مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا قِيمَةُ كِرَائِهَا، وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ كِرَاءِ دَابَّتِهِ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا بِبَرْقَةَ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي الْكِرَاءِ فِي ذَهَابِهِ بِدَابَّتِهِ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى مِصْرَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ - فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لَهُ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَ بَرْقَةَ إلَى مِصْرَ فِي رَجْعَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا رَضِيَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ دَابَّتِهِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَرْقَةَ إلَى مِصْرَ فِي رَجْعَتِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَدَّ الدَّابَّةَ عَلَى حَالِهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ رَدَّهَا وَهِيَ أَسْمَنُ وَأَحْسَنُ حَالًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الدَّابَّةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَأَخَذَ الْكِرَاءَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ.
قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ قَدْ تَغَيَّرَتْ فَسُوقُ هَذِهِ الدَّابَّةِ قَدْ تَغَيَّرَ وَقَدْ حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي عَنْ أَسْوَاقِهَا وَعَنْ مَنَافِعَ فِيهَا.
فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ دُهْنٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ رَصَاصٍ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الرَّصَاصُ هُوَ أَتْعَبُ عَلَيْهَا وَأَضَرُّ بِهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا فِيهِ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا غَيْرَ مَا اكْتَرَاهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الَّذِي تَكَارَاهَا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الرَّصَاصُ فِي الْوَزْنِ مِثْلَ وَزْنِ الدُّهْنِ وَلَيْسَ هُوَ أَكْثَرَ مِنْ مَضَرَّةِ الدُّهْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْرًا أَطْحَنُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبًّا فَطَحَنْتُ عَلَيْهِ إرْدَبَّيْنِ فَعَطِبَ الثَّوْرُ؟ قَالَ: رَبُّ الثَّوْرِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَ إرْدَبٍّ وَضَمَّنَ الطَّحَّانَ قِيمَةَ ثَوْرِهِ حِينَ رَبَطَهُ فِي طَحِينِ الْإِرْدَبِّ الثَّانِي، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَ الْإِرْدَبَّيْنِ جَمِيعًا وَلَا شَيْءَ عَلَى الطَّحَّانِ مِنْ قِيمَةِ الثَّوْرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَارَى دَابَّةً إلَى مَكَان مُسَمًّى ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْمَسِيرِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ، فَإِنْ تَعَدَّى الْمُكْتَرِي الْمَكَانَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ فَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَ دَابَّتَهُ الْمُكْتَرِي يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا ضَمَّنَهُ إيَّاهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا وَلَهُ الْكِرَاءُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ، وَإِنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مَا تَعَدَّى إلَى الْمُسْتَكْرِي وَيَأْخُذَ دَابَّتَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلَافِ لِمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ الدَّابَّةَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ اسْتَكْرَى دَابَّةً فَأَجَازَ بِهَا الشَّرْطَ أَيُضَمَّنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ ثُمَّ فَسَّرُوا بِنَحْوٍ مِنْ تَفْسِيرِ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَكِرَاءِ التَّعَدِّي وَضَمَانِ الدَّابَّةِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: زِدْتُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَكْرَيْتُ إلَيْهِ قَلِيلًا مِيلًا أَوْ أَدْنَى فَمَاتَتْ؟ قَالَ: تَغْرَمُ.
قُلْتُ: لِعَطَاءٍ فَزِدْتُ عَلَى الْحِمْلِ الَّذِي اشْتَرَطْتُ قَلِيلًا فَمَاتَتْ؟ قَالَ: تَغْرَمُ.
قُلْتُ: فَأَكْرَيْتُهُ مِنْ غَيْرِي بِغَيْرِ أَمْرِ سَيِّدِ الظَّهْرِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ شَرْطِي، وَلَمْ يَتَعَدَّ؟ قَالَ: لَا يَغْرَمُ، وَقَالَ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ

وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلِ فَضْلٍ وَفِقْهٍ وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ اسْتَكْرَى دَابَّةً إلَى بَلَدٍ ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ الْبَلَدَ إلَى بَلَدٍ سِوَاهُ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ إنْ سَلِمَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَدَّى كِرَاءَهَا وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى بِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فِي تَعَدِّيهِ بِهَا ضَمِنَهَا وَأَدَّى كِرَاءَهَا الَّذِي اسْتَكْرَاهَا بِهِ.

[الدَّعْوَى فِي الْكِرَاءِ]

مَا جَاءَ فِي الدَّعْوَى فِي الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَاخْتَلَفْنَا قَبْلَ الرُّكُوبِ أَنَا وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ فَقَالَ: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةٍ وَقُلْت أَنَا: إنَّمَا أَكْرَيْتُ مِنْكَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ نُقِدَ الْكِرَاءُ أَوْ لَمْ يُنْقَدْ إذَا كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ رَكِبَ رُكُوبًا دُونًا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ فِي رُجُوعِهِمَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا انْتَقَدَ وَكَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِثْلَ مَا لَوْ بَلَغَا إلَى بَرْقَةَ فَاخْتَلَفَا فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّقْدَ الْمَقْبُوضَ فُوِّتَ وَصَارَ الْقَابِضُ مُقِرًّا بِمَا عَلَيْهِ وَالْمُكْتَرِي مُدَّعٍ لِلْأَكْثَرِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ الَّتِي قَبَضْتُ مِنْكَ مِائَةَ إرْدَبٍّ إلَى سَنَةٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَا مِائَتَيْ إرْدَبٍّ إلَى سَنَةٍ وَكَانَ مَا قَالَ الْبَائِعُ يُشْبِهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَلَغْتُ بَرْقَةَ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: اكْتَرَيْتُكَ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقُلْتُ أَنَا: اكْتَرَيْتَنِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ نَقَدَ الْمُتَكَارِي الْكِرَاءَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْرِي إذَا كَانَ يُشْبِهُ قَوْلَهُ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ النَّاسِ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَعَ يَمِينِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ وَيُعْطَى رَبُّ الدَّابَّةِ قَدْرَ كِرَائِهِ إلَى بَرْقَةَ وَلَا يَكُونُ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُلْزِمَهُ الْكِرَاءَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ يَمِينِ رَبِّ الدَّابَّةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي لَمْ يُنْقَدْ، وَكَانَ يُشْبِهُ الْكِرَاءَ مَا قَالَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؟ قَالَ: يَتَحَالَفَانِ وَيُقْسَمُ الْكِرَاءُ عَلَى قَدْرِ الطَّرِيقِ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ مَا يُصِيبُ الطَّرِيقَ إلَى بَرْقَةَ وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّابَّةِ الْكِرَاءُ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ حَلَفَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفْنَا قَبْلَ الرُّكُوبِ بِمِصْرَ فَأَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ جَمِيعًا أَنَا وَرَبُّ الدَّابَّةِ أَوْ لَمَّا بَلَغْنَا بَرْقَةَ اخْتَلَفْنَا فَأَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ أَنَا وَرَبُّ الدَّابَّةِ؟ قَالَ: الْبَيِّنَةُ لِأَعْدَلِهِمَا إلَّا أَنْ تَتَكَافَأَ الْبَيِّنَةُ فِي الْعَدَالَةِ، فَإِنْ تَكَافَأَتْ فِي الْعَدَالَةِ قَبْلَ الرُّكُوبِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْكِرَاءِ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا تَحَالَفَا وَانْفَسَخَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْفَضْلِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَاخْتَلَفَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِخَمْسِينَ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِبَيِّنَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِلْفَضْلِ وَلِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي فَمَسْأَلَةُ الْكِرَاءِ تُشْبِهُ قَوْلَهُ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَنَقَدْتُهُ الْمِائَةَ أَوْ لَمْ أَنْقُدْهُ ثُمَّ رَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَقُلْتُ أَنَا: إنَّمَا تَكَارَيْتُهَا إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي قَدْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فِي الْمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْمَدِينَةِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا حِينَ دَفَعَهَا إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْيَمِينُ بِاَللَّهِ فِي الْمِائَةِ الْأُخْرَى الَّتِي ادَّعَاهَا رَبُّ الدَّابَّةِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمِائَةِ الزَّائِدَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا رَبُّ الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ شَيْئًا وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ الْبُيُوعِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهَا مِنْهُ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَيَا مِنْ ذَلِكَ فَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ؟ قَالَ: فَهُمَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَتَكَافَأْ الْبَيِّنَتَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَعْدَلِهِمَا بَيِّنَةً قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْقَدْ الْكِرَاءُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ فَاخْتَلَفَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهِ إلَّا إلَى الْمَدِينَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِي غُرْمِ الْكِرَاءِ فَتُقْسَمُ الْمِائَةُ عَلَى مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ فَمَا أَصَابَ مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَمَا أَصَابَ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ حُطَّ ذَلِكَ عَنْ الْمُكْتَرِي مَعَ أَيْمَانِهِمَا جَمِيعًا، وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا الْبَيِّنَةُ فَبِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا قَالَا جَمِيعًا يُشْبِهُ، وَإِنْ كَانَ مَا قَالَ الْمُكْرِي أَشْبَهَ وَلَا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُكْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا بَيِّنَةً أَجَزْتُ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَتْ عَدْلَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ لِفَضْلَةٍ أَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً فَأَقْضِي لِلْمُكْرِي بِالْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَأَقْضِي لِلْمُكْتَرِي بِالرُّكُوبِ إلَى مَكَّةَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ وَسَوَاءٌ انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِنَا، فَخُذْ هَذَا الْبَابَ وَنَحْوَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَمَلَ لِي الْمُكْرِي حُمُولَةً حَتَّى بَلَّغَهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي شَرَطْت عَلَيْهِ فَاخْتَلَفْنَا فَقَالَ رَبُّ الْمَتَاعِ: قَدْ أَدَّيْت إلَيْك الْكِرَاءَ وَقَالَ الْجَمَّالُ: لَمْ آخُذْ مِنْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ مَا دَامَ الْمَتَاعُ فِي يَدَيْهِ، وَإِذَا بَلَغَ بِهِ الْمَوْضِعَ فَأَسْلَمَهُ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ قَالَ: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَمْرٍ قَرِيبٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْتُ الْقَوْلَ قَوْلَهُ أَيْضًا وَعَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ وَإِلَّا حَلَفَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ كِرَاءَهُ وَغَرِمَ لَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ الْكِرَاءَ.
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ حَاجُّ مِصْرَ إذَا بَلَغُوا أَهْلِيهِمْ فَقَامَ الْجَمَّالُ مِنْ بَعْدِ قُدُومِهِمْ بِلَادَهُمْ بِالْأَمْرِ الْقَرِيبِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ فَقَالَ: لَمْ أَنْتَقِدْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَمَّالِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا تَطَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَمْ يَقُمْ الْجَمَّالُ بِحِدْثَانِ قُدُومِهِ وَلَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَأَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَالْحَاجِّ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجَمَّالِ بَيِّنَةٌ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْخَيَّاطُ وَالصَّانِعُ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ إلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ ثُمَّ يَأْتُونَ يَطْلُبُونَ حُقُوقَهُمْ فَقَالَ: هُمْ كَذَلِكَ إذَا قَامُوا بِحِدْثَانِ مَا دَفَعُوا الْمَتَاعَ إلَى أَهْلِهِ وَإِنْ قَبَضَهُ أَهْلُهُ وَتَطَاوَلَ فَأَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّ الْمَتَاعِ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ.

قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ إبِلًا مَنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ فَلَمَّا بَلَّغَهُ أَيْلَةَ اخْتَلَفَا فِي الْكِرَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ كِرَاءُ هَذَا الرَّجُلِ إلَى مَكَّةَ فِي رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونًا عَلَى الْجَمَّالِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ لَيْسَ فِي كِرَاءِ رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ قَابِضًا لِلرَّاحِلَةِ الَّتِي اكْتَرَى مِثْلَ مَا قَبَضَ مُتَكَارِي الدَّارِ فِي الدَّارِ الَّتِي اكْتَرَى وَالْمَضْمُونُ لَمْ يَقْبِضْ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا بِعَيْنِهِ، وَأَرَاهُمَا سَوَاءً عِنْدِي كَانَ فِي رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونًا فِي غَيْرِ رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ الْجَمَّالَ إذَا حَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إبِلِهِ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ لِلْجَمَّالِ أَنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ الْبَعِيرَ مِنْ تَحْتِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُكْتَرِي ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَفْلَسَ الْجَمَّالُ

كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَقَّ بِمَا تَحْتَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَمِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ لَهُ بَعِيرًا فَرَكِبَهُ فَكَانَ كِرَاؤُهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْبَعِيرِ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِلْجَمَّالِ أَنْ يَنْزِعَهُ إلَّا بِرِضَا الْمُكْتَرِي فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْكِرَاءَ الْمَضْمُونَ وَاَلَّذِي فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُكْتَرِي وَرَبُّ الْإِبِلِ فِي الْكِرَاءِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِمَا سَوَاءً بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ الرَّاحِلَةُ بِعَيْنِهَا مِثْلَ الْمَضْمُونِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ كِتَابًا مِنْ مِصْرَ يُبَلِّغُهُ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَلَقِيَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: ادْفَعْ إلَيَّ الْكِرَاءَ فَقَدْ بَلَّغْتُ لَكَ الْكِتَابَ فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ لَمْ تُبَلِّغْهُ أَيَكُونُ لَهُ الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: قَدْ ائْتَمَنْتَهُ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابِ، فَإِذَا قَالَ: قَدْ أَدَّيْتُهُ فِي مِثْلِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَرْجِعُ فَلَهُ كِرَاؤُهُ.
قُلْتُ: وَكَذَا الْحُمُولَةُ وَالطَّعَامُ وَالْبَزُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْمُكْرِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ حَقَّهُ وَبَلَّغَهُ إلَى غَايَتِهِ.

[نَقْدِ الْكِرَاءِ وَالْقَضَاءِ فِيهِ]

مَا جَاءَ فِي نَقْدِ الْكِرَاءِ وَالْقَضَاءِ فِيهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت إبِلًا إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَطَلَبَ الْكِرَاءَ مِنِّي الْمُكْرِي قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ لِي شَيْئًا أَوْ طَلَبَ الْكِرَاءَ مِنِّي بَعْد مَا مَشَى يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَقُلْتُ: لَا أَدْفَعُ إلَيْك حَتَّى أَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَكْرَيْتُ إلَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ مَعْرُوفٌ وَسُنَّةٌ فِي كِرَائِهِمْ وَنَقْدٌ يَتَنَاقَدُونَهُ بَيْنَهُمْ إذَا اكْتَرَوْا حَمَلُوا عَلَى عَمَلِ النَّاسِ، وَإِنَّ كِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ إنَّمَا نَقْدُهُمْ فِيهِ بَعْد مَا يَسْتَوْفِي الْمُكْتَرِي كِرَاءَهُ حَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ يُعَجِّلُونَ جَمِيعَهُ إذَا اكْتَرَوْا عَجَّلَ الْمُكْتَرِي كِرَاءَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ: إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ وَلَا سُنَّةٌ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا بِقَدْرِ مَا سَكَنَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ كِرَاءٌ لِلنَّاسِ مَعْرُوفٌ رَأَيْتُهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ رَجُلٍ إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَلَمَّا اكْتَرَيْتُ مِنْهُ عَجَّلْتُ لَهُ الْكِرَاءَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فِيمَا عَجَّلْتُ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا عَجَّلْتُ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ

قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى الرَّمْلَةِ فَلَمَّا وَرَدَ بَلَغَ الرَّمْلَةَ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَنْقُدْ الْكِرَاءَ فَقَالَ الْمُكْرِي: لِي نَقْدُ الرَّمْلَةِ وَقَالَ الْمُكْتَرِي: إنَّمَا لَكَ عَلَيَّ نَقْدُ مِصْرَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا عَلَيْهِ نَقْدُ مِصْرَ حَيْثُ وَقَعَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا.

[الَّذِي يُكْرِي بِدَنَانِيرَ فَيَنْقُدُهُ دَرَاهِمَ أَوْ بِطَعَامٍ فَيَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ]

فِي الَّذِي يُكْرِي بِدَنَانِيرَ فَيَنْقُدُهُ دَرَاهِمَ أَوْ بِطَعَامٍ فَيَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَنَقَدْتُهُ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ مِائَةَ دِينَارٍ مَكَانِي حِينَ أَكْرَيْتُ أَوْ خَمْسِينَ دِينَارًا مَكَانِي أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ بَعْدَ مَا رَكِبْتُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُكْرِي إلَى مَكَّةَ بِدَنَانِيرَ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ فِي تِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَرِقًا قَالَ: إنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْكِرَاءِ النَّقْدَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ بِمَكَّةَ فَعَجَّلْتُ لَهُ بَدَلَهَا دَنَانِيرَ السَّاعَةَ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا ذَهَبٌ بِوَرِقٍ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ بِدَنَانِيرَ نَقْدًا فَنَقَدْتُهُ بِهَا دَرَاهِمَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ عَطِبَتْ الرَّاحِلَةُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ بِمَ أَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: بِالدَّرَاهِمِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتُ إنَّمَا أَعْطَيْتُهُ بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ بِمَ أَرْجِعُ إلَيْهِ إذَا مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: بِالدَّنَانِيرِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ، وَرَأَيْتُ أَنَا الْكِرَاءَ مِثْلَ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا بِدَنَانِيرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ فِي الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: هَذَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ وَهَذَا وَذَلِكَ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَ لِي مِنْهَا دَرَاهِمَ نَقْدًا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، قَالَ: وَلَا يُعَجِّلُ مِنْ ذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ فِضَّةً نَقْدًا عِنْدَ مَالِكٍ

وَلَا مِنْ فِضَّةٍ إلَى أَجَلٍ ذَهَبًا نَقْدًا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ لَيْسَتْ يَدًا بِيَدٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت بَعِيرًا بِطَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ أَيَصْلُحُ أَنْ أَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْتَوْفِيَهُ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي بِعَيْنِهِ كَيْلًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِعَيْنِهِ مُصَبَّرًا جُزَافًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَأَمَّا الَّذِي إلَى أَجَلٍ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الْقَضَاءُ فِي الْكِرَاءِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ إبِلًا إلَى مَكَّةَ فَقُلْتُ لِلْجَمَّالِ: اُخْرُجْ بِي الْيَوْمَ، وَقَالَ الْجَمَّالُ: لَا أَخْرُجُ بِكَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ فِي الزَّمَانِ بَقِيَّةً؟ قَالَ: إذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ بَقِيَّةٌ فَلِلْجَمَّالِ أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى خُرُوجِ النَّاسِ فَإِذَا كَانَ خُرُوجُ النَّاسِ أُجْبِرَ الْجَمَّالُ عَلَى الْخُرُوجِ بِهِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت زَامِلَةً إلَى مَكَّةَ أَحْمِلُ عَلَيْهَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ فَانْتَقَصَتْ الزَّامِلَةُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي أَنْ يُتِمَّهَا وَأَبَى الْمُكْرِي ذَلِكَ أَوْ نَفِدَتْ الزَّامِلَةُ فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي أَنْ يُتِمَّهَا وَأَبَى الْمُكْرِي ذَلِكَ أَوْ قَالَ الْمُكْتَرِي لَا آكُلُ مِنْهَا وَلَا أُحَرِّكُهَا حَتَّى أَبْلَغَ مَكَّةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَحَالِ النَّاسِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ يَحْمِلُونَ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ سُنَّةٌ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا فَلَهُ حِمْلَانِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ مُنْتَهَى كِرَائِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً أَوْ بَعِيرًا مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ إلَى الْفُسْطَاطِ فَلَمَّا بَلَّغَنِي الْمُكْرِي أَوَّلَهَا قَالَ لِي: انْزِلْ: قُلْتُ: لَا أَنْزِلُ إلَّا فِي مَنْزِلِي، وَمَنْزِلِي أَقْصَى الْفُسْطَاطِ؟ قَالَ: لَهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ إلَى مَنْزِلِهِ وَلَا يُنْزِلَهُ فِي أَوَّلِ الْفُسْطَاطِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ، وَهُوَ وَجْهُ مَا يُعْرَفُ مِنْ الَّذِي يَتَكَارَى عَلَيْهِ النَّاسُ

[تَضْمِينِ الْأَكْرِيَاءِ مَا عَثَرَتْ بِهِ الدَّوَابُّ]

فِي تَضْمِينِ الْأَكْرِيَاءِ مَا عَثَرَتْ بِهِ الدَّوَابُّ وَغَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اسْتَأْجَرْت جَمَّالًا يَحْمِلُ لِي عَلَى إبِلِهِ أَوْ بَغَّالًا يَحْمِلُ لِي عَلَى بِغَالِهِ أَوْ حَمَّارًا يَحْمِلُ لِي عَلَى حَمِيرِهِ اسْتَأْجَرْته عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لِي دُهْنِي هَذَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَعَثَرَتْ الدَّوَابُّ فَسَقَطَتْ وَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ أَوْ كَانَ طَعَامًا فَذَهَبَ أَوْ انْقَطَعَتْ

الْحِبَالُ فَسَقَطَ الْمَتَاعُ فَفَسَدَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ لِلْكَرِيِّ وَلَا عَلَى رَبِّ الْبَعِيرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ غُرُّهُ مِنْ عِثَارِهَا أَوْ غُرُّهُ مِنْ الْحِبَالِ الَّتِي رَبَطَ بِهَا مَتَاعَهُ لِضَعْفِ الْحِبَالِ وَلِمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِهَذِهِ الْحِبَالِ أَنَّهَا لَا تُثَبِّتُ هَذَا الْمَتَاعَ إذَا رُبِطَ بِهَا فَهَذَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ هَكَذَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا تُضَمِّنُهُ إذَا عَثَرَتْ دَابَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَثُورًا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الدَّوَابِّ فَهُوَ هَدَرٌ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَجْمَاءَ جُبَارٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَعَرَهَا رَجُلٌ أَوْ فَعَلَ بِهَا رَجُلٌ شَيْئًا فَأَسْقَطَتْ مَا عَلَيْهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِهَا، فَيَكُونُ ضَمَانُهَا عَلَى الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْذَبَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ فَقَالَ لَهُ: لَمْ يَضَعْ مَتَاعِي وَلَمْ تَعْثِرْ الدَّابَّةُ وَلَكِنَّك غَيَّبْتَهُ أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا، وَقَدْ قَالَ الْمُكْرِي: قَدْ قُطِعَ عَلَيَّ الطَّرِيقُ فَذَهَبَ الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ وَعَثَرَتْ الدَّوَابُّ فَتَكَسَّرَتْ الْقَوَارِيرُ وَسُرِقَ مِنِّي الطَّعَامُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِي الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ إذَا قَالَ: سُرِقَ مِنِّي أَوْ قُطِعَ عَلَيَّ الطَّرِيقُ أَوْ ادَّعَى تَلَفَ الْمَتَاعِ وَالْعُرُوضِ صُدِّقَ، وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَحْمِلُ لَهُ شَيْئًا فَحَمَلَ لَهُ إنَاءً وَوِعَاءً فَخَرَّ مِنْهُ الْإِنَاءُ وَانْفَلَتَ مِنْهُ الْوِعَاءُ فَذَهَبَ مَا فِيهِ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ غُرْمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: الْجَمَّالُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا ضَيَّعَ.
وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي رَأْي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَضْمَنُوا الْأَكْرِيَاءَ مَا حَمَلُوا مِنْ الطَّعَامِ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يَضْمَنُوا الطَّعَامَ بِمَنْزِلَةِ الصِّنَاعَاتِ فَلَمْ يَسَعْهُمْ إلَّا أَنْ يُضَمِّنُوا الطَّعَامَ مَنْ حَمَلَهُ وَالطَّعَامُ فِيمَا بَلَغَنَا يَضْمَنُهُ مَنْ حَمَلَهُ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا غَيْرَهُ.
قَالَ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: وَذَلِكَ رَأْيِي، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَيْسَ الْبَزُّ وَالْمَالُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِثْلَ الطَّعَامِ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِضَمَانِهِ شَيْئًا يُونُسُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصْلُحُ الْكِرَاءُ بِالضَّمَانِ

وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَلِمَ كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الطَّعَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ، وَمَا فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَقَدْ غَابَ الْجَمَّالُ عَلَى جَمِيعِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الطَّعَامَ أَمْرٌ ضَمَّنَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الْأَكْرِيَاءَ وَلَمْ يَجِدُوا مِنْ ذَلِكَ بُدًّا، وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَهُوَ أَمْرٌ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَتَجْعَلُهُ أَمِينَهُ وَقَدْ أَعْطَاهُ رَبُّ الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ أَمِينُهُ، قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ دَفَعْتَهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَأَعْطَيْتَهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مُؤْتَمَنٌ إلَّا الصُّنَّاعَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْأَسْوَاقِ بِأَيْدِيهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْتَمَنُوا عَلَى مَا دُفِعَ إلَيْهِمْ، وَفِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إذَا تَكَارَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ عَلَى سَفِينَتِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى تَلَفِ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ أَنَّهُ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ هَذَا الَّذِي حَمَلَهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، وَلَوْ تَكَارَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ الْبَزَّ وَالْعُرُوضَ عَلَى إبِلِهِ أَوْ عَلَى سَفِينَتِهِ فَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَتَاعَ وَالْعُرُوضَ قَدْ ضَاعَ مِنِّي أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَهُوَ فِي الْمَتَاعِ وَالْعُرُوضِ مُؤْتَمَنٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى كَذِبِهِ، وَأَمَّا الطَّعَامُ وَالْإِدَامُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى هَلَاكِهِ سَحْنُونٌ، عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ السَّبْعَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَكُونُ كِرَاءً بِضَمَانٍ إلَّا أَنَّهُ مَنْ اشْتَرَطَ عَلَى كَرِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ بِمَتَاعِي عَلَى بَطْنِ وَادٍ وَلَا يَسْرِي بِلَيْلٍ وَلَا يَنْزِلُ أَرْضَ بَنِي فُلَانٍ مَعَ أَشْبَاهِ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ قَالُوا: فَمَنْ تَعَدَّى مَا شُرِطَ عَلَيْهِ فَتَلِفَ شَيْءٌ مِمَّا حَمَلَ فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْغَسَّالُ وَالْخَيَّاطُ وَالصَّوَّاغُ وَأَصْحَابُ الصِّنَاعَاتِ كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ؛ لِمَا دُفِعَ إلَيْهِمْ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلِ فِقْهٍ وَفَضْلٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي الِاسْتِكْرَاءِ بِالضَّمَانِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ -: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ فِي رَجُلٍ اسْتَكْرَى ظَهْرًا أَوْ سُفُنًا يَحْمِلُ لَهُ عَلَى أَنَّ عَلَى الَّذِي حَمَلَ لَهُ ضَمَانُ مَتَاعِهِ ذَلِكَ إنْ أُصِيبَ شَيْءٌ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ وَلَا تَبَاعَةَ عَلَى مَنْ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْطِ إنْ أُصِيبَ شَيْءٌ مِمَّا حَمَلَ إلَّا أَنْ

يَكُونَ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُكْرِي شَرْطًا فَخَالَفَهُ، فَإِنَّ عَلَى الْمُكْرِي إذَا تَعَدَّى الضَّمَانَ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ بِبَطْنِ وَادٍ، وَلَا يَسْرِيَ بِلَيْلٍ وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ، فَإِنْ تَعَدَّى فَأُصِيبَ الْمَتَاعُ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْرًا أَوْ دَابَّةً أَطْحَنُ عَلَيْهِمَا فَلَمَّا رَبَطْتُهُ فِي الْمِطْحَنَةِ كَسَرَ الْمِطْحَنَةَ وَأَفْسَدَ مَتَاعَ الرَّحَى أَيَضْمَنُ رَبُّ الثَّوْرِ وَالدَّابَّةِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْ الثَّوْرِ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يُكْرِي مِنْ الرَّجُلِ دَابَّتَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ رَبُوضٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْلِمْهُ أَوْ عَثُورٌ فَلَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَرَبَضَتْ أَوْ عَثَرَتْ فَانْكَسَرَ مَا عَلَيْهَا: إنَّهُ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْرُ وَالدَّابَّةُ فِي الرَّحَى.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ دُهْنًا يَحْمِلُهُ فَحَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ عَثُورٍ فَعَثَرَتْ فَسَقَطَ الدُّهْنُ فَتَكَسَّرَ فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ أَيْنَ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ وَقَدْ حَمَلَ الدُّهْنُ مِنْ مِصْرَ إلَى الْعَرِيشِ وَكَانَ كِرَاؤُهُ إلَى فِلَسْطِينَ فَانْكَسَرَ الدُّهْنُ بِالْعَرِيشِ وَقِيمَتُهُ هُنَاكَ بِالْعَرِيشِ ضِعْفُ قِيمَتَهُ بِالْفُسْطَاطِ كَيْفَ يُضَمِّنُهُ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ بِالْعَرِيشِ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ قِيمَتُهُ بِالْفُسْطَاطِ إنْ أَرَادَ لِأَنَّهُ لَمَّا حَمَلَهُ عَلَى مَا غَرَّهُ بِهِ صَارَ مُتَعَدِّيًا مِنْ حِينِ حَمَلَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ دَابَّتِي أَوْ نَفْسِي أَحْمِلُ دُهْنًا أَوْ طَعَامًا فَزَحَمَنِي النَّاسُ فَانْكَسَرَتْ الْآنِيَةُ الَّتِي فِيهَا الدُّهْنُ أَوْ الطَّعَامُ وَالْإِدَامُ فَفَسَدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ الضَّمَانُ؟ قَالَ: عَلَى الَّذِي زَحَمَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَحْمِلَانِ جَرَّتَيْنِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَرَّةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَاصْطَدَمَا فِي الطَّرِيقِ قَالَ: إنْ انْكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا وَسَلِمَتْ الْأُخْرَى ضَمِنَ الَّذِي سَلِمَ لِلَّذِي لَمْ يَسْلَمْ وَإِنْ انْكَسَرَتَا جَمِيعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْفَرَسَانِ يَصْطَدِمَانِ وَعَلَيْهِمَا رَاكِبَانِ فَيَمُوتَانِ جَمِيعًا وَيَمُوتُ الْفَرَسَانِ قَالَ: ضَمَانُ الْفَرَسَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبِهِ وَدِيَةُ الرَّجُلَيْنِ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ وَسَلِمَ الْآخَرُ كَانَ الْفَرَسُ فِي مَالِ السَّالِمِ وَدِيَةُ الْمَيِّتِ عَلَى عَاقِلَةِ السَّالِمِ مِنْهُمَا.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ فَالسَّفِينَتَانِ تَحْمِلُ إحْدَاهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا فَتَصْدِمُهَا فَتَكْسِرُهَا فَتَذْهَبُ وَيَغْرَقُ مَنْ فِيهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُشْبِهَانِ عِنْدِي الْفَرَسَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي عَمِلَتْ ذَلِكَ، وَالرِّيحُ تَغْلِبُ أَهْلَ السَّفِينَةِ أَنْ يَصْرِفُوهَا أَوْ يَعْدِلُوهَا فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ يُعْلَمُ أَنَّ النُّوتِيَّ لَوْ شَاءَ أَنْ يَصْرِفَهَا صَرَفَهَا فَإِنْ لَمْ يَصْرِفْهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ضَمِنَ.

قُلْتُ، فَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ فِي رَأْسِهِ اعْتِزَامٌ فَحَمَلَ فَارِسَهُ فَصُدِمَ أَيَكُونُ عَلَى فَارِسِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا صَدَمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْفَارِسَ إذَا جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ بِهِ أَمَّا إذَا أَذْعَرَهُ أَوْ خَافَ مِنْهُ فَجَمَحَ فَسَبَبُ جَمْحِهِ مِنْ قِبَلِ فَارِسِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ سَبَبِ فَارِسِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالدَّابَّةِ فَجَمَحَتْ فَإِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِالدَّابَّةِ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ، وَالسَّفِينَةُ لَا يُذْعِرُهَا شَيْءٌ وَلَا يُذْعِرُهَا مَنْ عَلَيْهَا وَلَكِنَّ الرِّيحَ تَغْلِبُ عَلَيْهَا، فَهَذَا الَّذِي فَرَّقَ بِهِ مَالِكٌ مَا بَيْنَ السَّفِينَةِ وَالدَّوَابِّ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ سَفِينَةً مِنْ رَجُلٍ لِيَحْمِلَ لِي طَعَامًا أَوْ مَتَاعًا إلَى مَوْضِعٍ مَنْ الْمَوَاضِعِ فَغَرِقَتْ السَّفِينَةُ وَغَرِقَ مَا فِيهَا بَعْدَ مَا بَلَغَ بِالْمَتَاعِ أَوْ الطَّعَامِ ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ أَوْ كَانَ تَكَارَى مِنْهُ إبِلًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ أَكْرَاهُ نَفْسَهُ يَحْمِلُ لَهُ ذَلِكَ الْمَتَاعَ فَحَمَلَهُ حَتَّى بَلَغَ ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ فَجَاءَ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ فَذَهَبَ الْمَتَاعُ وَالطَّعَامُ أَيَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا السَّفِينَةُ فَلَا كِرَاءَ لِصَاحِبِهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ ابْنُ نَافِعٍ لَهُ بِحِسَابِ مَا بَلَغَتْ السَّفِينَةُ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي: يَضْمَنُ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ: يَضْمَنُ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إذَا لَمْ يَجِئْ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ فَذَهَبَ بِهِ فَأَمَّا إذَا جَاءَ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ فَذَهَبَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَالْغَرَقُ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي السَّفِينَةِ: إنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكِرَاءِ؟ قَالَ: قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ وَثَبَتَ عَلَيْهِ.
قَالَ: كَأَنِّي أَرَاهُ إذَا أَكْرَاهُ السَّفِينَةَ إنَّمَا يُكْرِيهِ عَلَى الْبَلَاغِ وَأَمَّا الدَّوَابُّ وَالْإِبِلُ فَإِنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَلِفَ الطَّعَامُ أَوْ الْمَتَاعُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ كَانَ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ أَوْ بِمَتَاعٍ مِثْلِهِ أَوْ يُؤَاجِرُ لَهُ إبِلَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ الْكِرَاءُ لِلْأَجِيرِ كَامِلًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْكَرِيِّ صَاحِبُ الْمَتَاعِ وَلَا خَلِيفَةٌ لَهُ؟ قَالَ: يَرْجِعُ الْمُكْرِي إلَى عَامِلِ الْمَوْضِعِ فَيُكْرِي لَهُ الْإِبِلَ إنْ وَجَدَ لَهُ كِرَاءً، وَإِلَّا فَأَمَامُهُ فِيمَا يَتَقَدَّمُ يَطْلُبُ ذَلِكَ فَإِنْ وَجَدَ شَيْئًا وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ لِلْمُتَكَارِي لَازِمٌ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ.
وَإِنْ انْطَلَقَ بِإِبِلِهِ

فَارِغًا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى إلَى الْحَجِّ أَوْ الْمَرْأَةِ فَتَهْلَكُ أَوْ يَهْلَكُ فِي الطَّرِيقِ: فَإِنَّهُ يُكْرِي لِلْمَيِّتِ شُقَّةً وَيَطْلُبُ ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَكْرِي مِنْهُ أَكْرَى لَهُ وَإِلَّا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ لِرَبِّ الْإِبِلِ الْكِرَاءُ كُلُّهُ كَامِلًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَبُّ الطَّعَامِ مَعَ الْمُكَارِي فَأَصَابَ الطَّعَامَ تَلَفٌ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ غَيْرِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَى الْمُكَارِي شَيْءٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ رَبَّ الطَّعَامِ لَمْ يُخْلِهِ مَعَ طَعَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ وَلِأَنَّ طَعَامَهُ فِي يَدِهِ إذَا خَرَجَ مَعَ الْمُكَارِي فَمَا أَصَابَ الطَّعَامَ فَلَيْسَ عَلَى الْمُكَارِي شَيْءٌ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ مَعَ طَعَامِهِ فَنَقَصَ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَا شَيْءَ عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ عَلَى طَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مَتَاعٍ بِعَيْنِهِ فَتَلِفَ الْمَتَاعُ أَوْ أَصَابَ الطَّعَامَ أَمْرٌ مَنْ السَّمَاءِ ذَهَبَ بِهِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَكَارَيْتُ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ الْمَتَاعِ بِعَيْنِهِ فَأُصِيبَ أَيَنْقَطِعُ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَوْ يَكُونُ عَلَى رَبِّ الطَّعَامِ أَوْ الْمَتَاعِ بِعَيْنِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ أَوْ مَتَاعٍ مِثْلِ مَتَاعِهِ فَيَحْمِلُهُ لَهُ الْمُكَارِي إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ، وَإِنَّمَا تَكَارَاهُ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي تَلِفَ بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِرَبِّ الْمَتَاعِ أَوْ الطَّعَامِ هَلُمَّ مَتَاعًا مِثْلَ مَتَاعِكَ أَوْ طَعَامًا مِثْلَ طَعَامِكَ فَإِنْ أَتَى بِهِ قِيلَ لِلْجَمَّالِ: احْمِلْهُ، وَذَلِكَ لِلْجَمَّالِ لَازِمٌ؟ قَالَ: وَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْتِيَ رَبُّ الطَّعَامِ أَوْ الْمَتَاعِ بِمِثْلِ طَعَامِهِ أَوْ مَتَاعِهِ كَانَ الْكِرَاءُ كُلُّهُ عَلَيْهِ لَازِمًا وَلِرَبِّ الْمَتَاعِ أَنْ يُكْرِيَ الْإِبِلَ فَيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ حُمُولَتِهِ الَّتِي كَانَتْ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْجَمَّالِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتُ تَكَارَيْتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا كُنْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مِتُّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ يُكْرِي لِلْمَيِّتِ شِقَّ الْمَحْمَلِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: وَالْمَتَاعُ وَالنَّاسُ وَالطَّعَامُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ مِنْ مَدِّ النَّوَاتِيَّةِ أَوْ مِنْ حَرْفِهِمْ فِيهَا أَوْ مِنْ عِتْقِهِمْ عَلَيْهَا أَيَضْمَنُونَ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَتَعَدَّوْا فِيمَا صَنَعُوا وَإِنَّمَا صَنَعُوا مَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِّ وَالْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَضْمَنُوا، وَإِنْ صَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ تَعَدَّوْا فِي مَدٍّ أَوْ عِلَاجٍ فِي السَّفِينَةِ حَرَفُوا فِيهِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِي تِلْكَ السَّفِينَةِ فَغَرِقَتْ فِيهِ فَهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا ذَهَبَ فِي السَّفِينَةِ.

قُلْتُ: وَيَضْمَنُونَ مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ النَّاسِ وَالْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا ضَمِنُوا مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ الْمَتَاعِ ضَمِنُوا مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ النَّاسِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ أَجِيرٍ أَوْ رَاعٍ أَوْ صَانِعٍ يَعْمَلُ لَكَ عَمَلًا فِي مَنْزِلَكَ أَوْ بَيْطَارٍ أَوْ طَبِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْمَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَوْ جَمَّالٍ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ ضَامِنٌ لِمَا تَعَدَّوْا فَالسَّفِينَةُ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت إبِلًا إلَى مَكَّةَ مِنْ الشَّامِ تَحْمِلُ طَعَامًا بَعَثْتُ ذَلِكَ إلَى غُلَامِي أَوْ أَجِيرِي فَلَمَّا بَلَغَ مَكَّةَ أَصَابَ الطَّعَامَ قَدْ زَادَ أَوْ نَقَصَ؟ قَالَ: أَمَّا كُلُّ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ يَكُونُ مِنْ نُقْصَانِ الْكَيْلِ وَزِيَادَةِ الْكَيْلِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُكْرِي شَيْءٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ لِلنُّقْصَانِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَكُونُ مِنْ زِيَادَةِ الْكَيْلِ، وَقَالَ الْجَمَّالُ: لَيْسَ لِي مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ شَيْءٌ وَلَكِنَّكُمْ غَلِطْتُمْ فِي الْكَيْلِ فَزِدْتُمْ عَلَيَّ قَالَ: فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ رَبُّ الطَّعَامِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الزِّيَادَةَ وَيَغْرَمَ كِرَاءَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَإِنْ أَبَى وَقَالَ: لَمْ أَغْلَطْ لَمْ يُصَدَّقْ الْجَمَّالُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَلْزَمْهُ الزِّيَادَةُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ بِمَا اغْتَرَقَ الطَّعَامَ وَزِيَادَةٌ عَلَى ثَمَنِ الطَّعَامِ فَيَكُونُ حِمْلُ الْجَمَلِ مِنْ الطَّعَامِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَكِرَاؤُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَلَا يُصَدَّقُ الْجَمَّالُ عَلَى رَبِّ الطَّعَامِ فِي الْغَلَطِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الطَّعَامِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ وَيَغْرَمَ كِرَاءَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَادَ الطَّعَامُ زِيَادَةً يُعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ زِيَادَةِ الْكَيْلِ فَقَالَ رَبُّ الطَّعَامِ: أَنَا آخُذُ طَعَامِي وَزِيَادَةَ الْكَيْلِ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ كَيْلَ طَعَامِهِ وَلَا يَأْخُذَ زِيَادَةَ الْكَيْلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ الْكَيْلِ أَمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَكُلُّ زِيَادَةٍ تَكُونُ فِي زِيَادَةِ الْكَيْلِ يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ إنَّ ذَلِكَ لِرَبِّ الطَّعَامِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَدَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ وَالْخَيَّاطِينَ وَأَهْلَ الصِّنَاعَاتِ وَالْحَمَّالِينَ وَالْبَغَّالِينَ وَأَصْحَابَ السُّفُنِ أَلِهَؤُلَاءِ أَنْ يَمْنَعُوا مَا عَمِلُوا بِأَجْرٍ وَمَا حَمَلُوا بِكِرَاءٍ يَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى يَسْتَوْفُوا كِرَاءَهُمْ وَأَجْرَ عَمَلِهِمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفُوا كِرَاءَهُمْ وَأَجْرَ عَمَلِهِمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَبَسَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي سَأَلْتُكَ عَنْهَا هَؤُلَاءِ الْعَمَّالُونَ وَهَؤُلَاءِ الْحَمَّالُونَ وَالْبَغَّالُونَ وَأَصْحَابُ السُّفُنِ فَضَاعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا حَبَسُوهُ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ضَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَعْمَالِ مِثْلَ الصَّبَّاغِينَ وَالْخَيَّاطِينَ وَمَنْ ذَكَرْتُ مِنْهُمْ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ الضَّمَانُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَا أَخَذُوا عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَمْتِعَةَ عَلَى الضَّمَانِ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ فَيَبْرَءُونَ مِنْ الضَّمَانِ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا مَا عَمِلُوا إلَى أَرْبَابِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ.
وَأَمَّا الْأَمْتِعَةُ الَّتِي حَمَلُوهَا مِنْ الْبَزِّ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مَا خَلَا مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ إنْ ضَاعَ إلَّا أَنْ يَغِيبُوا عَلَيْهِ وَيَحُوزُوهُ عَنْ أَصْحَابِهِ فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ وَيَكُونُونَ ضَامِنِينَ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَغِيبُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَحُوزُوهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَيَكُونُ لَهُمْ الْأَجْرُ كَامِلًا إنْ كَانَ الْأَكْرِيَاءُ قَدْ بَلَغُوا غَايَتَهُ فَضَاعَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنْ كَانَ ضَاعَ فَالْأَكْرِيَاءُ لَهُ ضَامِنُونَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى التَّلَفِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ أَوْ يَكُونَ أَرْبَابُ الطَّعَامِ مَعَ الطَّعَامِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَيَكُونَ لَهُمْ أُجْرَةٌ كَامِلَةٌ إنْ كَانُوا قَدْ بَلَّغُوهُ غَايَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بَلَّغُوهُ غَايَتَهُ فَادَّعَى الْأَكْرِيَاءُ أَنَّهُ ضَاعَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُصَدَّقُوا، وَقِيلَ لَهُمْ: عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْتُوا بِطَعَامٍ مِثْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَرْبَابُ الطَّعَامِ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ قِيلَ لِأَرْبَابِ الطَّعَامِ هَلُمُّوا طَعَامًا مِثْلَهُ تَحْمِلُهُ لَكُمْ الْجِمَالُ إلَى مُنْتَهَى الْغَايَةِ وَعَلَيْكُمْ الْكِرَاءُ كَامِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا مَا كَانَ مِنْ السُّفُنِ عَلَى الْبَلَاغِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا غَرِقَتْ فَلَيْسَ لَهَا كِرَاءٌ وَجَعَلَ كِرَاءَ السُّفُنِ عَلَى الْبَلَاغِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا اُسْتُحْمِلَ فِي السُّوقِ مِمَّا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى عُنُقِهِ وَالْبِغَالُ الَّتِي تَحْمِلُ فَتَعْثِرُ الدَّابَّةُ وَيَعْثِرُ الرَّجُلُ فَيَسْقُطُ فَيَنْكَسِرُ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَحْمِلُهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيَعْثِرُ الْبَعِيرُ أَوْ يَأْتِي مِنْ سَبَبِ الدَّابَّةِ أَمْرٌ يَكُونُ ذَهَابُ مَا عَلَيْهَا مِنْ سَبَبِهَا فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ السُّفُنِ لَا كِرَاءَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَأَنَّهُمْ إنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى الْبَلَاغِ فَلَا كِرَاءَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَسَبِيلُهُمْ فِي الضَّمَانِ فِيمَا حَمَلُوا سَبِيلُ مَا حَمَلَ الْجَمَّالُونَ وَالْبَغَّالُونَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا مِثْلَ السُّفُنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ مِنْ سَبَبِ الْعِثَارِ مِنْ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَهُمْ عَلَى أَرْبَابِ الْمَتَاعِ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا الْغَايَةَ فَيَقْبِضُوا الْكِرَاءَ وَمَا عَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّةُ أَوْ غَيْرُهَا بِمَنْزِلَةِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ حَرِيقٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ عِدَا اللُّصُوصِ فَعَلَى أَرْبَابِ الْمَتَاعِ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِلَّا أَعْطَوْهُمْ الْكِرَاءَ تَامًّا، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَغُرَّ الْأَكْرِيَاءُ بِالْعِثَارِ فَإِنَّهُمْ إنْ غَرُّوا ضَمِنُوا.
وَكَانَ ابْنُ نَافِعٍ يَقُولُ فِي السُّفُنِ: لَهَا بِحِسَابِ مَا بَلَغَتْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي عَلَى رَوَايَا مِنْ زَيْتٍ تَحْمِلُ لَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ

فَيَعْثِرُ الْبَعِيرُ فَتَنْشَقُّ الرَّوَايَا فَيَذْهَبُ مَا فِيهَا أَلَهُ كِرَاءٌ فِيمَا حَمَلَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا كِرَاءَ لَهُ فِيمَا حَمَلَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غُرُّهُ مِنْ دَابَّتِهِ فَيَضْمَنُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى مَا سُرِقَ مِنْ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَصَبَهُ لُصُوصٌ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِهُ مَا عَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّةُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِ مَا تَكَارَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ يَحْمِلَهُ وَيَكُونَ لَهُ أَجْرُهُ كَامِلًا فَإِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ سَبَبِ الدَّابَّةِ إنَّمَا كَانَ مِنْ سَبَبِ مَا اسْتَحْمَلَهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُكْرِي غُرْمٌ وَلَيْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَرِيَّ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ وَوَضَعَ عَنْهُ ضَمَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ تَلَفَهُ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ غُرَّ مِنْ بَعْضِ مَا حَمَلَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ.
قُلْتُ: وَالطَّعَامُ وَالسَّمْنُ وَالدُّهْنُ وَالْقَوَارِيرُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ إنْ انْكَسَرَتْ مِنْ سَبَبِ الْبَعِيرِ أَهِيَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، قَالَ: وَمَا حَمَلَ فِي السُّفُنِ أَوْ عَلَى الدَّوَابِّ أَوْ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَوْ فِي الْمِصْرِ فَأَتَى تَلَفُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ مَا عَلَيْهِ حُمِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَلَا كِرَاءَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لِي صَبِيًّا صَغِيرًا مَمْلُوكًا إلَى مَوْضِعٍ مَنْ الْمَوَاضِعِ وَأَسْلَمْته إلَيْهِ فَسَاقَ الدَّابَّةَ فَعَثَرَتْ مَنْ سَوْقِهِ فَسَقَطَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاقَهَا سَوْقًا عَنِيفًا لَا يَكُونُ مِثْلَ سَوْقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْبَيْطَارِ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ فَتَعْطَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ بِهَا مَا يَفْعَلُ الْبَيْطَارُ وَطَرَحَهَا كَمَا يَطْرَحُ الْبَيْطَارُ الدَّوَابَّ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ضَمِنَ.

[تَضْمِينِ الْمُكْتَرِي]

مَا جَاءَ فِي تَضْمِينِ الْمُكْتَرِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَضَرَبْتُهَا فَأَعْنَتّهَا مَنْ ضَرْبِي أَوْ كَبَحْتهَا فَكَسَرْتُ لَحْيَيْهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّائِضِ يُرَوِّضُ فَيَضْرِبُ الدَّابَّةَ فَيَفْقَأُ عَيْنَهَا أَوْ يَكْسِرُ رِجْلَهَا: إنَّهُ ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي عِنْدِي إذَا ضَرَبَهَا فَأَعْنَتَهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ كَمَا يَضْرِبُ النَّاسُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ فِي الرَّائِضِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَيْضًا فِي الرَّاعِي: يَضْرِبُ الْكَبْشَ أَوْ يَرْمِيهِ فَيَفْقَأُ عَيْنَيْهِ أَوْ يُعَنِّتُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَ الرَّاعِي ضَمِنَ إذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَأَصَابَ الْغَنَمَ مِنْ صَنِيعِهِ عَيْبٌ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ صَنَعَ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعِيبَتْ الْغَنَمُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً فَكَبَحْتُهَا أَوْ ضَرَبْتُهَا فَعَطِبَتْ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ مِنْ هَذَا مَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ الرَّاعِي ضَمَانُ شَيْءٍ مِنْ رَعْيِهِ إنَّمَا هُوَ مَأْمُونٌ فِيمَا هَلَكَ أَوْ ضَلَّ يُؤْخَذُ يَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَضَاءِ عِنْدَنَا يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَجِيرٍ ضَمَانٌ فِي سَائِمَةٍ دُفِعَتْ إلَيْهِ يَرْعَاهَا إلَّا يَمِينُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَ أَوْ انْتَحَرَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ غُرْمٌ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَشُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ وَبُكَيْرٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِإِهْلَاكِهِ مُتَعَدِّيًا.

[الْكِرَاءِ مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ وَمَنْ مَكَّة إلَى مِصْرَ]

فِي الْكِرَاءِ مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى الرَّمْلَةِ وَمَنْ مَكَّةَ إلَى مِصْرَ أَوْ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ إلَى مِصْرَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ وَلَمْ أُسَمِّ كُورَةً مِنْ كُوَرِ الشَّامِ وَلَا مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ أَيَكُونُ الْكِرَاءُ فَاسِدًا أَمْ لَا؟ قَالَ: الْكِرَاءُ فَاسِدٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ إلَى مِصْرَ أَوْ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِصْرَ وَلَمْ أُسَمِّ الْفُسْطَاطَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَدَائِنِ مِصْرَ؟ قَالَ: هَذَا عَلَى كِرَاءِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ كِرَاءَ النَّاسِ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ إلَى مِصْرَ إنَّمَا هُوَ إلَى الْفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ مِصْرُ مِثْلَ الشَّامِ؛ لِأَنَّ الشَّامَ أَجْنَادٌ وَكُوَرٌ وَمِصْرَ إنَّمَا يَقَعُ كِرَاءُ النَّاسِ عَلَى الْفُسْطَاطِ، فَكِرَاءُ النَّاسِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِصْرَ إنَّمَا هُوَ إلَى الْفُسْطَاطِ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى مِنْ مِصْرَ إلَى فِلَسْطِينَ وَلَمْ يُسَمِّ أَيَّ مَدَائِنَ فِلَسْطِينَ أَيَكُونُ الْكِرَاءُ جَائِزًا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّمَا يَحْمِلُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ كِرَاءِ النَّاسِ فِيمَا يَعْرِفُونَ إنْ كَانَ كِرَاؤُهُمْ إنْ اكْتَرَوْا إلَى فِلَسْطِينَ مِنْ مِصْرَ إنَّمَا يَقَعُ كِرَاؤُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إلَى الرَّمْلَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ إلَى الرَّمْلَةِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ مَكَّةَ إلَى خُرَاسَانَ وَلَمْ أُسَمِّ كُورَةً مِنْ كُوَرِ خُرَاسَانَ وَلَا مَدِينَةً؟ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ كُوَرِ الشَّامِ؛ لِأَنَّ خُرَاسَانَ كُوَرٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ

[الْكِرَاء إلَى مَكَّةَ]

فِي الْكِرَاءِ إلَى مَكَّةَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت مَحْمَلًا لِأَحْمِلَ فِيهِ امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ جَارِيَتَيْنِ وَلَمْ أُرِهِ

الرِّجَالَ وَلَا النِّسَاءَ وَلَا الْجَوَارِيَ أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِرَجُلَيْنِ فَادِحَيْنِ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ فَادِحَتَيْنِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ كِرَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَاصٌّ، وَمَا كَانَ مِنْ كِرَاءِ الْعَامِّ فَذَلِكَ الْكِرَاءُ لَازِمٌ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ الْآنَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى مَحْمَلًا إلَى مَكَّةَ لَمْ يُرِهِ وَطَاءَ الْمَحْمَلِ؟ قَالَ: الْكِرَاءُ عَلَى هَذَا جَائِزٌ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ وَطَاءِ النَّاسِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ الْآنَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الزَّامِلَةُ إذَا لَمْ يُخْبِرْهُ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ إنَّمَا يَحْمِلُ عَلَى مَا يَحْمِلُ النَّاسُ فِي الزَّوَامِلِ، وَالْكِرَاءُ جَائِزٌ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ فِي الزَّوَامِلِ مِنْ الْأَرْطَالِ؟ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الزَّوَامِلَ قَدْ عُرِفَتْ عِنْدَ الْحَاجِّ، وَالتُّجَّارِ وَالنَّاسِ فَإِنَّمَا يُحْمَلَانِ عَلَى مَا يَعْرِفُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ الْمَعَالِيقَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَكُلُّ شَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ فِي الْكِرَاءِ، فَذَلِكَ لَازِمٌ لِلْكَرِيِّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطْت عَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يَحْمِلَ لِي مِنْ هَدَايَا مَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا يَحْمِلُ أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا وَأَرَى إنْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَدْ عُرِفَ وَجْهُهُ فَأَرَى أَنْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الْكِرَاءِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلْنَاهُ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَحْمِلُهُ الرَّجُلُ الثَّوْبَ أَوْ الثَّوْبَيْنِ فَيَحْمِلُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَا يُخْبَرُ الْجَمَّالُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، قَالَ: وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ مَضَى وَجَازَ فِي النَّاسِ سَحْنُونٌ، وَلَوْ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَسَمَّاهَا وَقَدَّرَهَا وَوَزْنَ مَا كَانَ مِنْهَا يُوزَنُ لَكَانَ أَحْسَنَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَتْ امْرَأَةٌ شِقَّ مَحْمَلٍ فَوَلَدَتْ فِي الطَّرِيقِ أَيُجْبَرُ الْجَمَّالُ عَلَى حِمْلِ وَلَدِهَا مَعَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَمَّالِ حِمْلُ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ فِي الْأَسْفَارِ وَهُنَّ فِي الْكِرَاءِ، فَمَا سَمِعْنَا أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ فِي الطَّرِيقِ فَحَال الْجَمَّالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا أَوْ حَمَلَ وَلَدَهَا الْمَوْلُودَ عَلَى بَعِيرٍ وَأُمَّهُ

عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ: وَهَذَا أَمْرٌ بَيْنَ الْجَمَّالِينَ مَعْرُوفٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ فِي الطَّرِيقِ فَوَلَدُهَا مَعَهَا يُحْمَلُ فِي مَحْمَلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْكِرَاءِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَى مَا قَدْ اسْتَجَازَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيُحْمَلُ الْخَاصُّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ عَلَى مَا اسْتَجَازَ جَمِيعُ النَّاسِ بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ شِقَّ مَحْمَلٍ إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَعَقَبَةَ الْأَجِيرِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي الْكِرَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.

[الْكَرِيِّ يَهْرُبُ]

مَا جَاءَ فِي الْكَرِيِّ يَهْرُبُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَانِي إبِلَهُ ثُمَّ هَرَبَ عَنِّي وَتَرَكَهَا فِي يَدَيَّ فَأَنْفَقْتُ عَلَيْهَا أَيَكُونُ لِي عَلَى الْمُكْرِي النَّفَقَةُ الَّتِي أَنْفَقْت عَلَيْهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، قَالَ مَالِكٌ: وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَكَارَى عَلَيْهَا مَنْ يُرَحِّلُهَا وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْكَرِيِّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ وَلَمْ آخُذْ مِنْهُ حَمِيلًا ثُمَّ هَرَبَ الْمُكَارِي فَأَتَيْتُ السُّلْطَانَ أَيَتَكَارَى لِي عَلَيْهِ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَفَأَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا تَكَارَيْتُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ أَوْ كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ عَلَى أَنْ أَرْكَبَ مِنْ يَوْمِي أَوْ مِنْ الْغَدِ فَفَرَّ الْمُكَارِي فَلَمْ أَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا وَجَدْتُهُ أَلْزَمَنِي بِالرُّكُوبِ وَطَلَبَ الْكِرَاءَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ كِرَاءٍ مَضْمُونٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ صَاحِبَهُ الْكِرَاءُ وَإِنْ فَرَّ عَنْهُ الْمُكْرِي وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُكْرِي إلَّا حُمُولَتُهُ، وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ لَازِمٌ لَهُ إلَّا كِرَاءَ الْحَاجِّ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ عَنْهُ وَيُرَدُّ كِرَاؤُهُ إنْ كَانَ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ إذَا ذَهَبَ إبَّانُهُ فَاتَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا كِرَاءُ الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ يَرْكَبُهَا مِنْ الْغَدِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَيَغِيبُ عَنْهُ الْمُكْرِي ثُمَّ يَأْتِيهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا رُكُوبُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الضَّرَرُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ رَأَى فَسْخَ الْكِرَاءِ فَسَخَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ تَعْتَلُّ أَيْضًا فِي الطَّرِيقِ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُكْتَرِي الْوُقُوفَ عَلَيْهَا لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْتِ أَصْحَابِهِ أَوْ لِمَا يَدْخُلُ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ فِي طُولِ مَقَامِهِ عَلَيْهَا وَلَعَلَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ عِلَّتِهَا فَيَكُونُ عُذْرًا يُفْسَخُ بِهِ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَنَا أَسْتَحْسِنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ تَكَارَاهَا إلَى بَلَدٍ وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَهَا مِنْ الْغَدِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رُكُوبُهَا، وَإِنْ أَخْلَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تَكَارَاهَا إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ أَحَبَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ تَكَارَاهَا أَيَّامًا بِعَيْنِهَا أَوْ شَهْرًا بِعَيْنِهِ نُقِصَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِيمَا غَابَ عَنْهُ الْكَرِيُّ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ الرَّجُلُ يَخْدُمُهُ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ شَهْرًا فَيَمْرَضُ أَوْ يَأْبِقُ ذَلِكَ الشَّهْرِ: فَلَيْسَ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ يَعْمَلُ لَهُ شَهْرًا آخَرَ، وَالْأَجِيرُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَكَذَلِكَ الرَّاحِلَةُ بِعَيْنِهَا إذَا اكْتَرَاهَا لِيَرْكَبَهَا شَهْرًا بِعَيْنِهِ إنَّمَا تَكَارَى رُكُوبَهَا ذَلِكَ الشَّهْرَ أَوْ طَحِينَهَا فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ لَمْ يَلْزَمْ الْكَرِيَّ الْكِرَاءُ الَّذِي بَعْدَ تِلْكَ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا مَضْمُونًا، وَالْمَضْمُونُ فِي هَذَا وَاَلَّذِي فِي الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا مُخْتَلِفٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَفَعْتُ إلَى السُّلْطَانِ أَمْرِي حِينَ هَرَبَ الْمُكْرِي أَيَكْتَرِي لِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَكْتَرِي لَكَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فِي كِرَاءِ مَكَّةَ وَغَيْرِ كِرَاءِ مَكَّةَ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ الْمُكْتَرِي فَرَفَعَ الْجَمَّالُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ أَيُكْرِي الْإِبِلَ عَلَى الْمُكْتَرِي إلَى مَكَّةَ كَانَ الْكِرَاءُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ الرَّفْعِ إلَى السُّلْطَانِ فِي الْهَرَبِ وَكِرَاءِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمَا فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[الْمُتَكَارِي يَهْرُبُ]

فِي الْمُتَكَارِي يَهْرُبُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَى رَجُلٌ إبِلَهُ إلَى مَكَّةَ فَهَرَبَ الْمُكْتَرِي مَاذَا يَصْنَعُ الْجَمَّالُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيُكْرِي الْإِبِلَ مِنْ الْمُتَكَارِي.
قُلْتُ: فَيَقْضِي السُّلْطَانُ لِلْجَمَّالِ مِنْ كِرَائِهِ هَذَا كِرَاءَهُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْهَارِبِ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السُّلْطَانُ كِرَاءً؟ قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى إبِلًا فَبَعَثَ بِهَا مَعَ الْجَمَّالِ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ مَتَاعَ كَذَا وَكَذَا مِنْ بَلَدِ كَذَا وَكَذَا إلَى بَلَدِ كَذَا وَكَذَا وَكَتَبَ إلَى وَكِيلِهِ مَعَ الْجَمَّالِ أَنْ يَدْفَعُ إلَى الْجَمَّالِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ الَّذِي اكْتَرَاهُ عَلَى حُمُولَتِهِ فَقَدِمَ الْجَمَّالُ تِلْكَ الْبَلْدَةَ فَلَمْ يَجِدْ الْوَكِيلَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَجِدْ الْوَكِيلَ تَلَوَّمَ لَهُ السُّلْطَانُ قَدْرَ مَا يَرَى مِمَّا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَمَّالِ، فَإِنْ جَاءَ الْوَكِيلُ فَدَفَعَ

إلَيْهِ الْمَتَاعَ فَحَمَلَهُ، وَإِلَّا اكْتَرَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْإِبِلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ الْمَتَاعَ وَيَكُونَ الْكِرَاءُ لِلْمُكْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السُّلْطَانُ كِرَاءً إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ خَلَّى عَنْ الْجَمَّالِ وَجَعَلَ الْكِرَاءَ لَهُ لَازِمًا كَامِلًا.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَكِيلِ الْمُكْتَرِي وَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى رَجَعَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ سُلْطَانٌ فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ كِرَاؤُهُ وَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ حُمُولَتُهُ وَيَرْجِعُ الثَّانِيَةَ يَحْمِلُ لَهُ حُمُولَتَهُ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ تَلَوَّمَ لَهُ وَطَلَبَ كِرَاءَهُ وَانْتَظَرَ وَأَشْهَدَ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا، وَلَمْ يَأْتِ الْوَكِيلُ، وَلَمْ يَجِدْ كِرَاءً رَجَعَ، وَكَانَ لَهُ الْكِرَاءُ عَلَى الْمُكْتَرِي كَامِلًا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى مِنْ الرَّجُلِ الظَّهْرَ وَيُوَاعِدُهُ يَلْقَاهُ بِهَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَيَأْتِي صَاحِبُ الظَّهْرِ بِظَهْرِهِ فَلَا يَجِدُ الْمُكْتَرِيَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَى إمَامِ الْبَلَدِ إلَّا أَنْ يَجِدَ كِرَاءً فَإِنْ انْصَرَفَ، وَلَمْ يُكْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ أَرَ لَهُ شَيْئًا إذَا كَانَ مَوْضِعًا فِيهِ الْكِرَاءُ مَوْجُودًا إلَى الْبَلَدِ الَّذِي أَكْرَى إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كِرَاءٌ مَوْجُودٌ أَوْ جَهِلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ أَرَ أَنْ يَبْطُلَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَيَكُونَ لَهُ الْكِرَاءُ

[الْإِقَالَةُ فِي الْكِرَاءِ]

ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَارَى ظَهْرًا عَلَى حُمُولَةٍ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ أَوْ إلَى الْحَجِّ فَنَقَدَهُ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ حَتَّى يَبْدُوَ لِلْمُكَارِي أَوْ لِلْمُتَكَارِي فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَنْ يُقِيلَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِزِيَادَةٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا لَمْ يَبْرَحَا وَلَمْ يَرْتَحِلَا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُدْهُ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ مِمَّنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ الْمُتَكَارِي وَيُفْسَخُ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ نَقَدَهُ وَتَفَرَّقَا فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ مِنْ الْمُكْتَرِي، وَلَا خَيْرَ فِيهَا مِنْ الْكَرِيِّ إنْ انْتَقَدَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ مِائَةً فِي عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَكَانَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْكِرَاءِ مُحَلَّلًا وَإِنْ سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ مَا يُتَّهَمُ فِي قَرْيَةٍ مَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَا إنَّمَا جَعَلَاهُ لِعِلَّتِهِ تَحْلِيلًا بَيْنَهُمَا وَذَرِيعَةً إلَى الرِّبَا، فَالتُّهْمَةُ بَيْنَهُمَا بِحَالِهَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا لِذَلِكَ لِبُعْدِ مَا سَارَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ قِبَلِ الْكَرِيِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَقَدَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُتَّهَمَانِ فِيهِ، وَإِنْ زَادَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ بِكَثِيرٍ وَلَا يُؤَخِّرُهُ، فَإِنْ دَخَلَهُ تَأْخِيرٌ كَانَ مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، قَالَ: وَإِنْ زَادَهُ الْمُكْتَرِي فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَا إنَّمَا سَارَا الشَّيْءَ الْقَلِيلَ فَزَادَهُ الْكَرِيُّ فَالتُّهْمَةُ بِحَالِهَا.

قَالَ: وَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْإِقَالَةِ فِي أَمْرِ الْكِرَاءِ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْبُيُوعِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: وَإِذَا أَقَالَهُ وَكَانَ قَدْ نَقَدَهُ مِائَةَ دِينَارٍ كِرَاءَهُ كُلَّهُ فَأَقَالَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ الْمُكْتَرِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمُكْرِي إلَى الْمُكْتَرِي الْمِائَةَ الدِّينَارِ الَّتِي أَخَذَهَا؟ قَالَ: فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُتَكَارِي الْعَشَرَةَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي يَزِيدُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا مِنْ الْمِائَةِ الدِّينَارِ الَّتِي يَأْخُذُهَا مُقَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ دَنَانِيرُ وَعُرُوضٌ بِدَنَانِيرَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ الْمُكْتَرِي رُكُوبَهُ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَا يَجُوزُ هَذَا، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمِائَةِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهَذَا لَا يَدْخُلُهُ الْبَيْعُ وَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أَقَالَهُ مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى أَنْ وَضَعَ الْمُكْتَرِي عَنْ الْكَرِيِّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ أَمْرِ الْكَرِيِّ وَالْمُتَكَارِي كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا تَفْسِيرَ إذَا زَادَ الْمُكْتَرِي الْكَرِيَّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ الَّتِي يَأْخُذُهَا فَإِنَّهُ رَأْيِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَزِيدُ الْكَرِيُّ الْمُتَكَارِيَ - إذَا غَابَ عَلَى النَّقْدِ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَلَا بَعْدَهُ - الْقَلِيلَ مِنْهُ وَلَا الْكَثِيرَ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.

[تَفْلِيسِ الْمُكْتَرِي]

مَا جَاءَ فِي تَفْلِيسِ الْمُكْتَرِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً عَلَى حُمُولَةٍ اكْتَرَيْتُهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَّةَ فَعَرَضَ لِي غَرِيمٌ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ فَأَرَادَ أَخْذَ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْكَرِيُّ أَوْلَى بِالْمَتَاعِ الَّذِي مَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ، وَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَكْرُوهُ فِي مِثْلِ مَا حَمَلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكْرَى إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: اضْرِبْ فِي هَذَا الْمَتَاعِ بِقَدْرِ كِرَائِكَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلْتَهُ إلَيْهِ وَقَالَ الْمُكْرِي: لَا وَلَكِنْ أَضْرِبُ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ إلَى مَكَّةَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ وَالْمُكْرِي أَوْلَى بِجَمِيعِ مَا حَمَلَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ كِرَائِهِ إلَى مَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ إلَّا مَنْهَلًا وَاحِدًا، وَإِنْ قَبَضَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْخَيَّاطُونَ وَالْقَصَّارُونَ وَالْحَدَّادُونَ وَالصَّاغَةُ وَأَهْلُ الْأَعْمَالِ بِأَيْدِيهِمْ إذَا قَبَضُوا الْمَتَاعَ فَفَلَّسَ رَبُّ ذَلِكَ الْمَتَاعِ، وَلَمْ يُعْطُوا فِيهِ شَيْئًا فَهُمْ أَوْلَى بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى يَقْبِضُوا مِنْهُ جَمِيعَ حُقُوقِهِمْ وَيَكُونَ الْعَمَلُ عَلَيْهِمْ

[كِتَابُ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ]

[الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّارَ وَفِيهَا النَّخْلُ فَيَشْتَرِطُ النَّخْلَ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ فِي

فصول الكتاب · 56 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المدونة · 674 صفحة
ِ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ
ُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةُِ مَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ
ٍ: سُجُودُ الْقُرْآنِ
الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجَنَائِزِِ بَابٌ فِي السُّحُورِ وَمَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِزَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِالرِّكَازِ
زَكَاةِ الْإِبِلِ
ُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَانِ وَالْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ
ِ الدَّعْوَةُ قَبْلَ الْقِتَالِ
طَلَاقُ السُّنَّةِ
ِ نِكَاحُ الشِّغَارِ
ُ الرَّجُلُ يَنْكِحُ النِّسْوَةَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ
ِ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الرَّضَاعِ
الرَّجُلُ يَمْلِكُ ذَا قَرَابَتِهِ الَّذِينَ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ
قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾
مَا جَاءَ فِي التَّدْبِيرِِ الْقَضَاءُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ
وَلَاءِ الْعَبْدِ يُعْتِقُهُ الرَّجُلُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ
ِ التَّأْخِيرُ وَالنَّظِرَةُ فِي الصَّرْفِ
ُ تَسْلِيفُ السِّلَعِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ
ُ إقَالَةُ الْمَرِيضِ
ُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
ِ مَا لَا يُحْسَبُ فِي الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يُحْسَبُ
تَضْمِينِ الْحَائِكِ إذَا تَعَدَّى
الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّارَ وَفِيهَا النَّخْلُ فَيَشْتَرِطُ النَّخْلَ
الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ سِنِينَ لِيَزْرَعَهَا فَيَغُورُ بِئْرُهَا أَوْ تَنْقَطِعُ عَيْنُهَا
ِ مَا جَاءَ فِي جَائِحَةِ الْمَقَاثِيِ فِي الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَالٍ
ِ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ
ِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ
ِ فِي حَبْسِ الْمِدْيَانِِ كِتَابُ التَّفْلِيسِِ فِي الرَّجُلِ يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِتَفْلِيسِهِِ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.ُ مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَِ مَاتَ الْمُحْتَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَرَادَ الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِحَقِّهِِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ
أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ،
ُ بَابُ تَشَافُعِ أَهْلِ الذِّمَّةِالشُّفْعَةُ فِي الْأَرْحَاءُِ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِمَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَاُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَيَمُوتُونَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْفِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُِ تَغْيِيرُ الْهِبَةِِ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِِ فِي الْحَبْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِِ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ فَلَا تُقْبَضُ مِنْهُ حَتَّى يَبِيعَهَاِ اسْتَوْدَعَ رَجُل مَالًا فَدُفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِِ مَا جَاءَ فِي حَرِيمِ الْآبَارِ وَالْمِيَاهِِ الْحُدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِِ فِي كَشْفِ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَاكِتَابُ الْأَشْرِبَةِ
ِ بَابُ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ
جارٍ التحميل