المدونةُ مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ُ مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
مالك بن أنس
الكتاب
المدونة
المؤلف
مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ رَجُلٌ بِوَجْهِ رَجُلٍ، أَيَكُونُ هَذَا كَفِيلًا بِالْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَرِمَ الْمَالَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لَهُ بِوَجْهٍ إلَى أَجَلٍ، فَمَضَى الْأَجَلُ وَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ، أَيَغْرَمُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَلَوَّمُ لَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنْ أَتَى بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَغَابَ لَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ سَافَرَ سَفَرًا بَعِيدًا غُرِّمَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا - الْيَوْمُ وَمَا أَشْبَهَهُ - لُوِّمَ لَهُ كَمَا يُتَلَوَّمُ فِي الْحَاضِرِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا غُرِّمَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ آتِ بِهِ فَغَرِمْتُ الْمَالَ، ثُمَّ وَجَدْته بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَيْتُ بِهِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَخَذَ مِنِّي الْمَالَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ تَتَبَّعْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ الَّذِي تَحَمَّلْتُ لَهُ بِمَا غَرِمْتُ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَأَتَيْتُ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ عَلَيَّ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ بِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت بِنَفْسِهِ كَفِيلًا إلَى غَدٍ، ثُمَّ أَتَى بِهِ مِنْ الْغَدِ، أَيَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ فِي رَأْيِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» .

[فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ لَا يَغْرَمُ الْمَالَ]

َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بِوَجْهِهِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ لَمْ آتِ بِهِ وَإِلَّا فَعَلَيَّ طَلَبُهُ حَتَّى آتِيَ بِهِ فَأَمَّا الْمَالُ فَلَا أَضْمَنُهُ.
أَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ إنْ مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ كَمَا اشْتَرَطَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ لَمْ أُوَافِهِ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ الْمَالِ، وَلَكِنَّنِي حَمِيلٌ لَهُ بِوَجْهِهِ أَطْلُبُهُ حَتَّى آتِيهِ بِهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَلَى شَرْطِهِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا طَلَبُ وَجْهِهِ هُوَ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ مَا ذَكَرْتُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا تَحَمَّلَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ أَوْ بِالْحَقِّ أَوْ بِعَيْنِهِ، فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَ بِالرَّجُلِ أَوْ بِالْعَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمَالِ، فَجَاءَ بِالرَّجُلِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ جَمِيعِ حَمَالَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ أُغْرِمَ الْحَمِيلُ كَمَا يُغَرَّمُ مَنْ تَحَمَّلَ بِالْمَالِ.
فَالْحَمَالَةُ بِنَفْسِ الرَّجُلِ وَبِالْمَالِ سَوَاءٌ، إذَا لَمْ يَأْتِ بِالرَّجُلِ، وَحَمِيلُ الْمَالِ لَا يُبَرِّئُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّجُلِ.
وَمَنْ اشْتَرَطَ فِي الْحَمَالَةِ بِالْوَجْهِ أَنِّي لَسْتُ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ، أَجَاءَ بِالرَّجُلِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ لَهُ لَمْ يُؤَكِّدْ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنِّي لَسْتُ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالرَّجُلِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ، فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ وَتَرَكَهُ وَهُوَ يُمْكِنُهُ حَتَّى غَابَ، فَيَكُونُ قَدْ غَرِمَ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخَذَ لِيَجْمَعَهُ عَلَى صَاحِبِهِ - وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شُرُوطِ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ تَحَمَّلَ بِعَيْنِ الرَّجُلِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ إلَيْهِ، فَطَلَبَهُ مِنْهُ الْمَحْمُولُ لَهُ، وَرَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ حَتَّى أَتَى بِهِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَمِنْ عَيْنِ الرَّجُلِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ مَا رَآهُ السُّلْطَانُ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْمَالُ وَمَضَى الْحُكْمُ، وَإِنْ حَبَسَ الْغَرِيمُ الْمَحْمُولَ بِعَيْنِهِ فِي الْحَبْسِ، وَقَدْ كَفَلَ بِهِ رَجُلٌ فَأَخَذَ بِهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، فَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ فِي السِّجْنِ، فَيُحْبَسُ لَهُ فِي حَقِّهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ انْقَضَى مَا سُجِنَ فِيهِ فَهُوَ يُحْبَسُ لَهُ فِي حَقِّهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ حُكْمٍ وَسُلْطَانٍ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ.
وَإِنْ دَفَعَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسُهُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ سُلْطَانًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا سُلْطَانَ فِيهِ، أَوْ فِي حَالِ فِتْنَةٍ أَوْ فِي مَفَازَةٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ الْغَرِيمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ حَيْثُ تَمْضِي الْأَحْكَامُ وَيَكُونُ السُّلْطَانُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَفَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي السِّجْنِ، أَوْ حَيْثُ تَجُوزُ الْأَحْكَامُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ نَفْسُهُ قَدْ ذَهَبَتْ وَإِنَّمَا تَحَمَّلَ بِهِ مَا كَانَ حَيًّا وَإِنْ كَانَ أُخِذَ الْحَمِيلُ بِالْغَرِيمِ - وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ - فَحُكِمَ عَلَى الْحَمِيلِ وَأُغْرِمَ الْمَالَ، ثُمَّ طَلَعَتْ لِلْحَمِيلِ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْغَرِيمَ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ أَنْ

يُحْكَمَ عَلَى الْحَمِيلِ، ارْتَجَعَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ حِينَ أَخَذَ بِهِ الْحَمِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ نَفْسُهُ قَدْ ذَهَبَتْ.
وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ مَا كَانَ حَيًّا.
وَلَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ أَمْكَنَ الطَّالِبَ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشْهَدَ أَنِّي قَدْ دَفَعْت نَفْسِي إلَيْك مَنْ حَمَالَةِ فُلَانٍ بِي، وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُبَرِّئُهُ ذَلِكَ، وَكَانَ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْحَمِيلِ، وَلَا يَبْرَأُ الْحَمِيلُ حَتَّى يَدْفَعَهُ هُوَ نَفْسُهُ أَوْ وَكِيلُهُ.
وَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْحَمِيلُ أَوْ وَكِيلُ الْحَمِيلِ، فَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَمِيلُ غَارِمٌ» وَقَالَ أَيْضًا: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَالزَّعِيمُ هُوَ الْحَمِيلُ.
فَإِذَا قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَكَ، أَوْ حَمِيلٌ لَكَ، أَوْ قَبِيلٌ لَكَ، أَوْ زَعِيمٌ لَكَ، أَوْ هُوَ لَكَ عِنْدِي، أَوْ هُوَ لَكَ عَلَيَّ، أَوْ هُوَ لَكَ إلَيَّ، أَوْ هُوَ لَكَ قِبَلِي، فَهَذَا كُلُّهُ ضَامِنٌ لَازِمٌ.
وَالضَّمَانُ حَمَالَةٌ وَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا يُرِيدُ الْحَقَّ فَهُوَ لَازِمٌ.
وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الرَّجُلَ فَهُوَ لَازِمٌ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا.

[ادَّعَى حَقًّا قِبَلَ رَجُلٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ.
فَقَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ: أَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِوَجْهِهِ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ آتِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ فَلَمْ يَجِئْ بِهِ بَعْدَ الْغَدِ؟ قَالَ: يُقَالُ لِهَذَا الطَّالِبِ: أَثْبِتْ حَقَّكَ وَأَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ.
وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْكَفِيلِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.

[ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ فَيَقُولُ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ]

َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَ.
ثُمَّ قَالَ: أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّك غَدًا فَالْحَقُّ الَّذِي تَدَّعِي هُوَ لَكَ قِبَلِي؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَأَرَى هَذَا مُخَاطَرَةً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

[فِي رَجُلٍ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى رَجُلٍ فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ أَنَا لَكَ حَمِيلٌ بِهَا ثُمَّ يُنْكِرُهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا لَكَ بِهَا كَفِيلٌ، فَجَاءَ فُلَانٌ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ جَحَدَهُ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ . قَالَ: لَا

[تَحَمَّلَ الرَّجُلُ بِحَقٍّ عَنْ صَبِيٍّ فَدَفَعَهُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الصَّبِيِّ]

ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ يَدَّعِي رَجُلٌ قِبَلَهُ حَقًّا، فَيَتَكَفَّلُ بِهِ رَجُلٌ فَيَقْضِي بِذَلِكَ الْحَقِّ عَلَى الصَّبِيِّ فَأَخَذَهُ الطَّالِبُ مَنْ الْكَفِيلِ، أَيَكُونُ لِلْحَمِيلِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الصَّبِيِّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّى عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمَرَهُ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْمَالُ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ كُلِّهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا أَفْسَدَ مَتَاعًا لِرَجُلٍ، فَأَلْزَمَهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَأَدَّى عَنْهُ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الصَّبِيِّ وَبِغَيْرِ أَمْرِ الْوَلِيِّ، فَأَرَادَ أَنْ يَتْبَعَ بِذَلِكَ الصَّبِيَّ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ أَوْ كَسَرَ أَوْ اخْتَلَسَ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيْهِ.

[الْقَضَاءُ وَالدَّعْوَى فِي الْكَفَالَةِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَنْ قِبَلِ كَفَالَةٍ، وَأَلْفًا مَنْ قِبَلِ قَرْضٍ، فَدَفَعَ إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: الْأَلْفُ الَّتِي دَفَعْتهَا إلَيْك مِنْ قِبَلِ الْقَرْضِ وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ هِيَ مِنْ الْكَفَالَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكُ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ نِصْفُهَا مِنْ الْكَفَالَةِ وَنِصْفُهَا مِنْ الْقَرْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُقْتَضِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَدْ ائْتَمَنَهُ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَوَثَّقَ مِمَّا دَفَعَ وَيَتَبَرَّأَ مِمَّا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَيْضًا، لَا قَوْلَ لِوَرَثَةِ الَّذِي قَضَى مَعَ الْمُقْتَضِي إلَّا مِثْلُ الَّذِي كَانَ لِلَّذِي وَرِثَهُمْ.
قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الدَّافِعُ فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَالَ؟ فَقَالَ: وَرَثَتُهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِ، يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَ الْقَرْضِ وَالْكَفَالَةِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَرَثَةِ شَيْئًا.

[فِي أَخْذ الْحَمِيلِ بِالْحَقِّ وَالْمُتَحَمِّلُ بِهِ مَلِيءٌ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ]

ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَحَمَّلْتَ بِرَجُلٍ أَوْ مَالِ عَلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ

يَأْخُذَنِي بِالْحَقِّ الَّذِي تَحَمَّلْتُ، وَصَاحِبِي الَّذِي تَحَمَّلْتُ بِهِ مَلِيءٌ بِاَلَّذِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
فَإِنْ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْحَمِيلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِدْيَانًا وَصَاحِبُ، الْحَقِّ يَخَافُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ حَاصَّهُ الْغُرَمَاءُ، أَوْ غَائِبًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ وَيَدَعَهُ.
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ: إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ وَإِنْ شَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَلِيًّا غَائِبًا وَالْحَمِيلُ حَاضِرٌ، أَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَمِيلَ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَلِيءٌ إلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَمْوَالٌ حَاضِرَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ أَمْوَالُهُ فِي دَيْنِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَثْبِيتِ ذَلِكَ وَفِي النَّظَرِ فِيهِ بُعْدٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَمِيلِ وَبِمِثْلِ هَذَا آخُذُ وَمَا أَشْبَهَهُ.

[فِي الْحَمِيلِ أَوْ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ يَمُوتُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِمَالِهِ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، فَمَاتَ الْكَفِيلُ أَوْ الْمَكْفُولُ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ كَانَ لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ مَالِ الْكَفِيلِ، وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْكَفِيلِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَيْئًا حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ الْمَالِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، كَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِالْحَقِّ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ الْكَفَالَةِ، وَعَلَى الْكَفِيلِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، أَيَكُونُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَالَ مَالِكٌ مَا أَخْبَرْتُكَ وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ.

[فِي الْمُتَحَمِّلِ بِهِ يَمُوتُ قَبْلَ أَجَلِ الْحَقِّ وَالْمُتَحَمِّلُ لَهُ وَارِثُهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت عَنْ رَجُلٍ بِمَالٍ، أَوْ أَحَالَهُ عَلَيَّ رَجُلٌ بِمَالٍ، فَمَاتَ الْمَطْلُوبُ الْغَرِيمُ وَالطَّالِبُ وَارِثُهُ؟ قَالَ: إنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ، وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَجَعَ الطَّالِبُ عَلَى الْكَفِيلِ، يَرْجِعُ الْكَفِيلُ فِي مَالِ الْمَطْلُوبِ الْهَالِكِ وَالطَّالِبُ وَارِثُهُ، فَقَدْ صَارَ لَهُ الْمَالُ فَصَارَ ذَلِكَ قِصَاصًا

وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَحَالَ الطَّالِبَ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى هَذَا الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ، فَهِيَ حَوَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِحَمَالَةٍ، وَلِلطَّالِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى هَذَا الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.

[فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لَهُمَا بِحَقٍّ فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَيَقْدَمُ هَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت لِرَجُلَيْنِ بِحَقٍّ لَهُمَا، فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَحَضَرَ الْآخَرُ، فَأَخَذَ مِنِّي الْحَاضِرُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَقَدِمَ الْغَائِبُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِحِصَّتِهِ عَلَى الَّذِي أَخَذَ حِصَّتَهُ فِيمَا أَخَذَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الدَّيْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي صَكٍّ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتَضِي أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مَنْ الدَّيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، قَالَ مَالِكٌ: يُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِيمَا اقْتَضَى إذَا كَانَ ذِكْرُ الْحَقِّ وَاحِدًا، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، وَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ فِي اقْتِضَائِهِ، أَوْ يُوَكِّلَ فَأَبَى فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ، أَوْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ السُّلْطَانُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُوَكِّلَ فَلَا يَفْعَلُ، فَيَخْرُجَ عَلَى ذَلِكَ فَيَسْتَقْضِي، فَهَذَا لَا يَرْجِعُ مَعَهُ فِيهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قُلْتُ: وَلَوْ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ - وَالشَّرِيكُ الْآخَرُ غَائِبٌ - فَقَضَى السُّلْطَانُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ فَأَخَذَهُ، وَقَبِلَ الْغَرِيمُ وَفَاءً بِحَقِّ صَاحِبِهِ، فَأُعْدِمَ الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَطَلَبَ شَرِيكَهُ بِنِصْفِ مَا اقْتَضَى؟ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ: وَلَوْ قَامَ الْحَاضِرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ فَقَطْ، أَخَذَ الْحَاضِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنُوبُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ، فَإِنْ جَهِلَ السُّلْطَانُ فَقَضَى لَهُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ طَالَبَ الْحَاضِرَ بِنِصْفِ مَا اقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّفْلِيسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بِيعَ مَالُهُ وَخُلِعَ مَالُهُ كُلُّهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا مِقْدَارُ حَقِّ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَقَضَى لَهُ بِمَا يَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ، أَوْ قَضَى لَهُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، فَهُوَ سَوَاءٌ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ طَالَبَ شَرِيكَهُ بِمَا يَنُوبُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّفْلِيسِ.

[فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لِلرَّجُلِ بِمَا قَضَى لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُخَاصِم رَجُلًا فِي طَلَبِ حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ مَاذَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ الَّذِي تُخَاصِمُهُ، فَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ فَاسْتَحَقَّ قِبَلَهُ مَالًا، أَيَكُونُ هَذَا الْكَفِيلُ ضَامِنًا لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَبَرَّعَ بِكَفَالَةٍ فَإِنَّهَا لَهُ لَازِمَةٌ، وَهَذَا لَهُ لَازِمٌ فِي مَسْأَلَتِك قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ

يَدَّعِي قِبَلَ أَخِيهِ حَقًّا، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: وَمَا تَصْنَعُ بِأَخِي احْلِفْ أَنَّ حَقَّكَ لَحَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا قُلْتُ لَكَ قَوْلًا وَلَا أَفْعَلُ وَلَا أَضْمَنُ، إنَّمَا تَبَرَّعْتُ بِهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى رُجُوعِهِ هَذَا، فَإِذَا حَلَفَ ضَمِنَ حَقَّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي ضَامِنٌ بِمَا يُقْضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ جَمِيعًا، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ مَا لَكَ وَلِأَخِي، احْلِفْ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي تَدَّعِي قِبَلَهُ حَقٌّ وَأَنَا أَغْرَمُ لَكَ ذَلِكَ، فَرَضِيَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، فَنَزَعَ الَّذِي قَالَ احْلِفْ وَأَنَا أَضْمَنُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ يَنْفَعُهُ نُزُوعُهُ، وَيَحْلِفُ هَذَا وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَيَغْرَمُهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ، وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ جَمِيعًا أَوْ حَاضِرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَلْزَمُ الْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ حَمَالَةٌ وَهِيَ لَازِمَةٌ كَالدَّيْنِ، فَهَذَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ وَهَذَا رَأْيِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ مَاتَ الضَّامِنُ؛ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ

[فِي الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ لِرَجُلٍ بِحَمَالَةٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ غَائِبٌ عَنْهُمَا مَنْ غَيْرِ أَنْ يُخَاطِبَهُ أَحَدٌ: اشْهَدُوا أَنِّي كَفِيلٌ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ، أَيَلْزَمُهُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَرَاهُ لَازِمًا لَهُ.

[الرَّجُلِ يَتَحَمَّلُ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ قِبَلَهُ شَيْئًا ثُمَّ يُسْتَحَقُّ بَعْدَ مَوْتِهِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: مَا زَادَ لَكَ قِبَلَ فُلَانٍ فَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ، فَمَاتَ الَّذِي قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ هَذَا قِبَلَ فُلَانٍ شَيْئًا، ثُمَّ اسْتَحَقَّ قِبَلَهُ الْحَقَّ بَعْدَ مَوْتِ الَّذِي قَالَ أَنَا كَفِيلٌ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا أَنَّ هَذَا رَأْيِي

[فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ دَايِنْ فُلَانًا فَمَا ذَابَ لَكَ قِبَلَهُ فَأَنَا بِهِ حَمِيلٌ]

ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ: بَايِعْ فُلَانًا فَمَا بَايَعْتَهُ بِهِ مَنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ، أَيَلْزَمُنِي هَذَا الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُكَ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا بَايَعَهُ بِهِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ مَا كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يُدَايِنَ بِمِثْلِهِ الْمَحْمُولُ عَنْهُ وَيُبَايِعَ بِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ دَايِنْ فُلَانًا وَأَنَا لَكَ حَمِيلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ قَبْلَ الْمُدَايَنَةِ]

ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: دَايِنْ فُلَانًا فَمَا دَايَنْتَهُ بِهِ مَنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَلَمْ يُدَايِنْهُ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي قَالَ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ لِلْحَقِّ الَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَى أَخِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَحْلِفْ فَإِنِّي لَا أَضْمَنُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا لَا يَنْفَعُهُ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ قَدْ لَزِمَهُ.
قَالَ: وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ.

[الرَّجُلَيْنِ يَتَحَمَّلَانِ يَغِيب أَحَدهمَا وَالْمُتَحَمَّل بِهِ فَيُؤَدِّي الْحَاضِر الْمَال]

فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَحَمَّلَانِ بِالْحَمَالَةِ يَغِيبُ أَحَدُهُمَا وَالْمُتَحَمَّلُ بِهِ فَيُؤَدِّي الْحَاضِرُ الْمَالَ ثُمَّ يُعْدَمُ الْمُتَحَمَّلُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَيُرِيدُ الْحَمِيلُ أَنْ يَتْبَعَ صَاحِبَهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ وَصَاحِبُ الْحَقِّ مَلِيءٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَفِيلَيْنِ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ ضَامِنٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَغَابَ الَّذِي تَكَفَّلَ عَنْهُ وَغَابَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ، فَلَزِمَ الْكَفِيلَ الْحَاضِرَ وَأَدَّى الْمَالَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَالْكَفِيلُ الْآخَرُ وَكِلَاهُمَا مَلِيءٌ، فَأَرَادَ الْكَفِيلُ أَنْ يَتْبَعَ الْكَفِيلَ الْآخَرَ بِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مَلِيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلِمَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ: إذَا كَانَ مَلِيًّا، لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِالْمَالِ؟ قَالَ: لَا يُشْبِهُ الْكَفِيلَيْنِ هَهُنَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَيْنِ إذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ أَوْ عَلَى الْكَفِيلِ الَّذِي تَكَفَّلَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَدَّى صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: وَهَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

[الْقَوْم يَتَحَمَّلُونَ بِالْحمَالَةِ فَيَعْدَم الْمَطْلُوب فَيُرِيد طَالِب الْحَقّ أَنْ يَأْخُذ مِنْ وجد مِنْ الْحُمَلَاء بِجَمِيعِ الْحَقّ]

ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لِي ثَلَاثَةُ رِجَالٍ بِمَالٍ لِي عَلَى فُلَانٍ، فَأَعْدَمَ فُلَانٌ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَلَاءِ الثَّلَاثَةِ بِجَمِيعِ حَقِّي فِي قَوْلِ

مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْخُذُ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَلَاءِ إلَّا بِثُلُثِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ كُفَلَاءُ ثَلَاثَةٌ قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ حِينَ تَكَفَّلُوا لَهُ: إنَّ بَعْضَهُمْ كَفِيلٌ عَنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَعَلَهُمْ كُفَلَاءَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، أَخَذَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَرِمَ الْمَالَ أَحَدُ الْكُفَلَاءِ، ثُمَّ لَقِيَ الَّذِي غَرِمَ ذَلِكَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، أَبِالنِّصْفِ أَمْ بِالثُّلُثِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ حِينَ تَكَفَّلُوا لَهُ، شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَيَّكُمْ شِئْتُ أَنْ آخُذَهُ بِحَقِّي أَخَذْتُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كُفَلَاءَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَأَخَذَ مَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ، أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَفَّلُوا لِلْغَارِمِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّرْطُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَيَّهُمْ شَاءَ أَخَذَ بِحَقِّهِ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ لِرَجُلٍ بِحَقِّهِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْحَقِّ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَحَمَّلُوا بِذَلِكَ الْحَقِّ.
وَبَعْضُهُمْ أَيْضًا حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ.
فَإِنْ كَانُوا هَكَذَا، أَخَذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ حَمِيلًا عَنْ بَعْضٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ إلَّا بِثُلُثِ الْمَالِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ بِالْحَقِّ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الَّذِي أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَ مَعَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا اشْتَرَطُوا عِنْدَ الْحَمَالَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ، وَاشْتَرَطَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ بِالْجَمِيعِ فَأَخَذَ بِذَلِكَ أَحَدَهُمْ، فَإِنَّهُ هَهُنَا يَرْجِعُ مِنْهُمْ مَنْ غَرِمَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِثُلُثَيْ مَا غَرِمَ، إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْحَمَالَةِ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْض.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ حَضَرُوا وَكُلُّهُمْ مَيَاسِيرُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا ثُلُثَ الْحَقِّ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحَمِيلِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مُوسِرًا لَمْ يُؤْخَذْ الْحَمِيلُ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا أُخِذَ الْحَمِيلُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْحُمَلَاءِ مُعْدِمًا وَبَعْضُهُمْ مُوسِرًا أَخَذَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ حَقَّهُ مِنْ الَّذِي وَجَدَهُ مَلِيًّا مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَمَالَةِ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ بِالْجَمِيعِ وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مَيَاسِيرَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْجَائِزِ عِنْدَهُمْ، أَنَّ الرَّجُلَ يَكْتُبُ حَقَّهُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ، فَيَشْتَرِطُ أَنَّ حَيَّكُمَا عَنْ مَيِّتِكُمَا، وَمَلِيَّكُمَا عَنْ مُعْدِمِكُمَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحَمَالَةِ يَتَحَمَّلُ بِهَا أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ.
قَالَ: ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى سِتَّةِ رِجَالٍ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ بِجَمِيعِ

الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَأَيَّهُمْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ؛ أَخَذَ.
قَالَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: وَلَا بَرَاءَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يُوفِيَ جَمِيعَ هَذَا الْمَالِ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ سَوَاءٌ كُلُّهُ.
وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ بِجَمِيعِ الْحَقِّ فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، أَوْ لَقِيَهُمْ جَمِيعًا، كَانُوا مَيَاسِيرَ كُلَّهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ، فَأَيَّهُمْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِحَقِّهِ أَخَذَهُ، فَإِنَّهُ إنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَلَهُ أَخْذُهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ، وَإِنْ لَقِيَهُمْ جَمِيعًا - وَهُمْ مَيَاسِيرُ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْحَمِيلَ لَا يُؤْخَذُ بِاَلَّذِي عَلَى الْمِدْيَانِ، إذَا كَانَ الْمِدْيَانُ حَاضِرًا مَلِيًّا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ الْمِدْيَانُ عَدِيمًا أَوْ غَائِبًا أَوْ يَكُونُ مِدْيَانًا أَوْ مُلِدًّا ظَالِمًا.
فَإِنْ لَقِيَ الْغَرِيمُ وَاحِدًا مِنْ السِّتَّةِ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ كُلَّهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَالَ كُلَّهُ أَحَدَ السِّتَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِائَةً أَدَّاهَا عَنْهُ خَاصَّةً، وَيَأْخُذُ مِنْهُ مِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حَمِيلَانِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ مِائَةً لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَخَذَ مِنْ هَذَا الَّذِي لَقِيَ مِائَةً أَدَّاهَا عَنْهُ وَبَقِيَتْ أَرْبَعُمِائَةٍ أَدَّاهَا عَنْ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعُ عَلَى هَذَا بِنِصْفِ الْأَرْبَعِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَمِيلَانِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ مِائَتَيْنِ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْغُرْمِ، فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا قَضَاهَا عَنْهُ خَاصَّةً مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ أَدَّى عَنْ الثَّلَاثَةِ بِالْحَمَالَةِ خَمْسِينَ وَمِائَةً، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا، فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، خَمْسِينَ عَنْهُ خَاصَّةً أَدَّاهَا عَنْهُ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ عَنْهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا لَقِيَ الرَّابِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَالُ الثَّالِثَ مِنْ الْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ وَبِنِصْفِ مَا أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ لَقِيَ الرَّابِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْآخَرَ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ، الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّابِعِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ.
وَذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا.
وَيُنْظَرُ مَا بَقِيَ مِمَّا أَدَّاهُ بِالْحَمَالَةِ عَنْهُ، فَإِذَا هِيَ خَمْسُونَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ أَدَّى الرَّابِعُ بِالْحَمَالَةِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الَّذِي أَدَّى خَمْسِينَ وَمِائَةً بِسَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنِصْفٍ، حَتَّى يَعْتَدِلَا بِمَا أَدَّيَا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ أَدَّى مِائَةً وَاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفًا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ، إذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يُؤَدِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ مِائَةٌ، فَخُذْ هَذَا الْبَابَ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ.
وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ السِّتَّةَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ.
تَحَمَّلَ بِهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
عَلَى أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حَمِيلَانِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، أَوْ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ عَنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ

كُلَّ اثْنَيْنِ ضَامِنَانِ عَنْ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ.
فَإِنْ لَقِيَ رَبُّ الْمَالِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُمَا الْجَمِيعَ: ثَلَثَمِائَةٍ ثَلَثَمِائَةٍ، وَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ بِثَلَثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ: مِائَةٌ مِنْهَا عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ، وَخَمْسُونَ وَمِائَتَانِ عَنْ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّهُ كَفِيلٌ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ.
فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ رَجُلًا مِنْ السِّتَّةِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ يَأْخُذُهُ بِنِصْفِ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَدَّى عَنْ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ الْأَوَّلَ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ مِائَةً لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَدَّى خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ.
فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ عَنْ أَصْلِ دَيْنِهِ، ثُمَّ يُشَارِكُهُ فِيمَا بَقِيَ مِمَّا أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ مِائَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ حَمِيلَانِ بِجَمِيعِ الْمَالِ.
وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ سِتَّةِ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ضَمِنُوهَا لِصَاحِبِهَا، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ لِنِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ.
فَإِذَا لَقِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمْ؛ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ، وَبِنِصْفِ مَا عَلَى أَصْحَابِهِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
فَإِنْ لَقِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُ، ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثُمَّ إنْ لَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ؛ أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ أَدَّاهَا عَنْهُ، وَبِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِمَّا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَقِيَ الْمُؤَدِّي الثَّانِي أَحَدًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَدَّاهَا عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِنِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِائَةِ حَتَّى يَسْتَوُوا فِي الْغُرْمِ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، وَذَلِكَ نِصْفَ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا، وَكَذَلِكَ مَنْ لَقَوْا مِنْ أَصْحَابِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا.
قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّمِائَةِ عَلَى سِتَّةِ رِجَال.
عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَلَاثَةٍ حِمْلًا عَنْ ثَلَاثَةٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَلَاثَةٍ حُمَلَاءُ عَنْ صَاحِبِهِمْ، أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، أَوْ عَنْ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِثُلُثِ الْمَالِ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ.
فَإِنْ لَقِيَ ثَلَاثَةً أَخَذَهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ لَقِيَ وَاحِدًا أَخَذَهُ بِمِائَةٍ وَبِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ.
وَإِنْ لَقِيَ اثْنَيْنِ؛ أَخَذَ مِنْهُمَا مِائَتَيْنِ: مَا عَلَيْهِمَا خَاصَّةً وَثُلُثَيْ مَا بَقِيَ مِمَّا تَحَمَّلَا بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخَذُهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ.
فَإِنْ لَقِيَ الثَّلَاثَةَ أَخَذَهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ لَقِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ خَاصَّةً بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مِائَتَيْنِ: مِائَةً مِنْهُمَا عَلَيْهِ خَاصَّةً وَمِائَةً أَدَّاهَا عَنْ الثَّلَاثَةِ، أَدَّى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهَا، فَيَأْخُذُ مِنْهُ ثُلُثَ الْمِائَةِ الَّتِي أَدَّى عَنْهُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبَقِيَ مَا أَدَّى عَنْ الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا حَتَّى يَسْتَوُوا فِي الْغُرْمِ عَنْ الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ثُمَّ لَقِيَ الثَّالِثَ الَّذِي أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ مَا أَخَذَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا مَعَهُ الْمَالَ، جَمِيعَ مَا أَدَّيَا جَمِيعًا عَنْ الثَّلَاثَةِ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الثَّالِثِ شَيْئًا،

عَلَى الَّذِي أَخَذْنَا بِالْفَضْلِ، حَتَّى يَكُونَا فِي الْغُرْمِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ اقْتَسَمَا ذَلِكَ، ثُمَّ لَقِيَا الْبَاقِي الَّذِي أَدَّى مَعَهُمْ الْمَالَ، تَرَاجَعُوا الْفَضْلَ أَيْضًا حَتَّى يَصِيرَ مَا أُخِذَ مِنْ الثَّالِثِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ لَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ، فَأَخَذَهُ بِشَيْءٍ عَلَى حِسَابِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُشَارِكَ فِيهِ مَنْ لَقِيَ مِنْ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا مَعَهُ الْمَالَ، حَتَّى يَكُونَ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ هَكَذَا يَفْعَلُ فِيهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّمِائَةِ عَلَى سِتَّةٍ، فَضَمِنُوهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ عَنْ خَمْسَةٍ، أَوْ عَنْ وَاحِدٍ، أَوْ عَنْ جَمِيعِهِمْ؛ فَهَذَا أَصْلٌ وَاحِدٌ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ السِّتِّمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْحَمَالَةِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَلَا يَضُرُّهُ قَالَ عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ عَنْ أَقَلَّ أَوْ عَنْ أَكْثَرَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا.

[فِي الْغَرِيمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ بَعْدَ حَمِيلٍ]

ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا بِتِلْكَ الْأَلْفِ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ بِتِلْكَ الْأَلْفِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ أَيَّهمَا شِئْت بِجَمِيعِ الْأَلْفِ إذَا أَعْدَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى ذَلِكَ لَهُ.
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْكَفِيلَيْنِ إذَا تَكَفَّلَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ بَعْضُهُمَا كَفِيلًا عَنْ بَعْضٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ لَقِيَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّ الْحَمِيلَيْنِ شَاءَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَمَّلَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا تَحَمَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ أَوَلَا تَرَى أَنَّ أَخْذَهُ الْحَمِيلَ الثَّانِيَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إبْرَاءٌ لِلْحَمِيلِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَنْ فُلَانٍ كَفِيلًا بِمَالٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ، أَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ فِي الْأَوَّلِ، أَوْ تَسْقُطُ كُلُّهَا أَوْ يَسْقُطُ نِصْفُهَا؟ قَالَ: لَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَهُمَا جَمِيعًا كَفِيلَانِ: كُلُّ وَاحِدٍ بِالْجَمِيعِ.

[بَابٌ فِي الْحَمِيلِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَمِيلُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ لِي رَجُلٌ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ، فَأَخَذْتُ مَنْ الْكَفِيلِ كَفِيلًا آخَرَ، أَيَلْزَمُ كَفِيلَ الْكَفِيلِ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَلْزَمُهُ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ بِنَفْسِ رَجُلٍ، وَتَحَمَّلَ آخَرُ بِنَفْسِ الْحَمِيلِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَمَّلَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ بِنَفْسِ رَجُلٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِصَاحِبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ.

وَمَنْ جَاءَ بِهِ مِنْهُمْ فَقَدْ بَرِئُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَمَالَةَ وَكَالَةٌ وَإِنْ كَانُوا تَحَمَّلُوا بِوَجْهِهِ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءَ بِبَعْضٍ.
فَإِنْ جَاءَ بِهِ أَحَدُهُمْ؛ بَرِئَ هُوَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَبْرَأْ صَاحِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُمَا.
وَإِذَا تَحَمَّلَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَتَى بِهِ أَحَدُهُمْ، فَيَكُونُ إذَا جَاءَ بِهِ كَأَنَّ كُلَّهُمْ أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَكِيلٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ.
سَحْنُونٌ: فَخُذْ هَذَا الْبَابَ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ.

[الْغَرِيمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَمِيلُ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرَ طَالِبُ الْحَقِّ الْغَرِيمَ]

َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ وَقَدْ أَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرْت الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، أَيَكُونُ هَذَا تَأْخِيرًا عَنْ الْكَفِيلِ أَيْضًا، وَكَيْفَ إنْ أَخَّرْت الْكَفِيلَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا أُخِّرَ الْغَرِيمُ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِلْكَفِيلِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أُخِّرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ فَقَالَ الْحَمِيلُ: لَا أَرْضَى، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ وَيَذْهَبَ مَالُهُ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَيَكُونُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ صَاحِبُ الْحَقِّ - وَلَا حَمَالَةَ عَلَى الْحَمِيلِ - فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْحَمِيلُ.
وَإِنْ سَكَتَ الْحَمِيلُ - وَقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ - فَالْحَمَالَةُ لَهُ لَازِمَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ حَتَّى يَحُلَّ أَجَلُ مَا أَخَّرَهُ إلَيْهِ، حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِاَللَّهِ مَا أَخَّرَهُ، لِيُبَرِّئَ الْحَمِيلَ مِنْ حَمَالَتِهِ وَكَانَتْ حَمَالَتُهُ عَلَيْهِ لَازِمَةٌ.
وَأَمَّا إذَا أُخِّرَ الْكَفِيلُ، فَإِنِّي أَرَاهُ تَأْخِيرًا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ: مَا كَانَ مِنِّي ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلْحَقِّ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي إلَّا لِلْحَمِيلِ.
فَإِنْ حَلَفَ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ عَنْ الْحَمِيلِ حَمَالَتَهُ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ صَاحِبَ الْحَقِّ إذَا قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ وَضْعَ الْحَمَالَةِ وَاتِّبَاعَ غَرِيمِي، فَالتَّأْخِيرُ بِمَنْزِلَتِهِ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا أَخَّرَ الْغَرِيمُ وَهُوَ مَلِيءٌ مُوسِرٌ - تَأْخِيرًا بَيِّنًا - فَالْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ عَنْ الْحَمِيلِ.
فَإِنْ أَخَّرَهُ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَلَا حُجَّةَ لِلْكَفِيلِ، وَلَهُ الْقِيَامُ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَهُ أَنْ يَقِفَ عَنْهُ.

[بَابٌ فِي الْحَمِيلِ يَدْفَعُ عَنْ حَمَالَتِهِ غَيْرَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ عَنْ الْغَرِيمِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ هَاشِمِيَّةٍ، فَرَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دِمَشْقِيَّةٍ فَقَضَيْتُ ذَلِكَ، بِمَ أَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِي الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دِمَشْقِيَّةٍ؛ لِأَنَّكَ كَذَا أَدَّيْتَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي تَكَفَّلْت عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَغَابَ وَلِزَمَنِي الَّذِي تَكَفَّلْت لَهُ فَأَعْطَيْتُهُ بِالْأَلْفِ الدِّرْهَمِ، دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضًا مِنْ

الْعُرُوضِ أَوْ طَعَامًا، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، بِمَ أَرْجِعُ؟ قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ مَا دَفَعَ الْكَفِيلُ إلَيْهِ إنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا فَمَكِيلَتُهُ.
وَإِنْ أَحَبَّ الْأَلْفَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ هُوَ دَفَعَ الذَّهَبَ مِنْ الْوَرِقِ الَّتِي تَحَمَّلَ بِهَا، فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ الَّذِي دَفَعَ الذَّهَبَ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ ذَهَبَهُ، وَيَكُونُ الْوَرِقُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَعَلَى الْكَفِيلِ كَمَا هِيَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَأْمُورُ إذَا دَفَعَ دَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ خِلَافُ هَذَا، وَلَا يُشْبِهُ الْكَفِيلُ، وَهُوَ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَكَفَّلَ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْكَفِيلُ لِلَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: ادْفَعْ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَأَنَا أَدْفَعُ الْأَلْفَ عَنْكَ.
فَدَفَعَ الثَّوْبَ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ لَزِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ فَغَرِمَ الْمَالَ، بِمَ يَرْجِعُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ عَلَى الْكَفِيلِ، أَبِالثَّوْبِ أَمْ بِالْأَلْفِ؟ قَالَ: يَرْجِعُ بِالْأَلْفِ.
قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَاعَهُ الثَّوْبَ بِأَلْفٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا وَهَذَا رَأْيِي.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ وَالْكَفِيلِ بِالدَّفْعِ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِنْهُ عَنْ مَالِكٍ: إذَا دَفَعُوا دَنَانِيرَ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عُرُوضٍ، فَالْآمِرُ وَالْغَرِيمُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ دَفَعَ مَا دَفَعَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ مَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْهُ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَضَوْا عَنْهُ.
سَحْنُونٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ التَّنَازُعُ فِيهِ كَثِيرٌ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ كَفِيلًا تَكَفَّلَ لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى رَجُلٍ، فَأَبْرَأْتُ الْكَفِيلَ مَنْ خَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ الْخَمْسِينَ الدِّينَارَ، بِمَ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ قَالَ: بِمَا أَدَّى وَهِيَ الْخَمْسُونَ الدِّينَارَ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَرِّئْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ مِنْهَا، إنَّمَا أَبْرَأَ الْكَفِيلَ مِنْ الْكَفَالَةِ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ وَلَمْ يُبَرِّئْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، فَلَهُمَا جَمِيعًا أَيْ لِلْكَفِيلِ وَلِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَرْجِعَا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِينَ خَمْسِينَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ كَفِيلَيْنِ تَكَفَّلَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ادْفَعْ إلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا أَدْفَعُ الْأَلْفَ كُلَّهَا عَنِّي وَعَنْكَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ الْحَقُّ - وَصَاحِبُ الْحَقِّ حَاضِرٌ - وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا مِنْهُ فَيَدْفَعُهَا مَكَانَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اعْتَبَرَهَا سَلَفًا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ غَائِبًا، أَوْ لَمْ يَحِلَّ الْحَقُّ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا رَأْيِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ ذَلِكَ لِقُرْبِ دَفْعِهِ عَنْهُ، ثُمَّ إنْ الَّذِي

قَبَضَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ صَالَحَ الْغَرِيمَ عَلَى خَمْسِينَ؛ فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا خَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَيَتْبَعَانِ الْغَرِيمَ بِخَمْسِينَ يَتْبَعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ.
وَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وَيَتْبَعَانِ الْغَرِيمَ بِخَمْسِينَ: يَتْبَعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ.
وَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مَنْ صَاحِبِهِ عَلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَرْجِعُ الَّذِي أَعْطَى الْمِائَةَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَيَتَّبِعَانِ الْغَرِيمَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ يَتَّبِعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ.
فَإِنْ صَالَحَ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَرِيمِ عَلَى مِائَتَيْنِ أَوْ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا مَا قَبَضَ مِنْ الْكَفِيلِ، وَيَتَّبِعَانِ الْغَرِيمَ إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِمِائَتَيْنِ بِمِائَةٍ مِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ بِخَمْسِمِائَةٍ اتَّبَعَاهُ بِمَا أَدَّيَا عَنْهُ: أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، فَإِنْ أُعْدِمَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْكَفِيلِ الَّذِي أَدَّى أَرْبَعَمِائَةٍ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ صَالَحَهُ بِالْمِائَةِ، بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَيَتْبَعَانِ جَمِيعًا الْغَرِيمَ بِمَا أَدَّيَا عَنْهُ.

[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ أَوْ السِّلْعَةَ وَيَتَحَمَّلُ لَهُ رَجُلٌ بِمَا أَدْرَكَهُ فِيهَا مِنْ دَرَكٍ]

ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى، جَارِيَةً فَتَكَفَّلْتُ لَهُ بِمَا أَدْرَكَهُ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ دَرَكٍ، أَتَكُونُ هَذِهِ كَفَالَةً؟ وَأَكُونُ ضَامِنًا لِمَا أَدْرَكَهُ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ دَرْكٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا وَأَعْطَيْته بِهَا كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرَكٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَ مِنْ دَرَكٍ فَقَالَ: مَا أَدْرَكَكَ فِيهَا مِنْ دَرَكٍ فَعَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ الثَّمَنَ، فَالْكَفَالَةُ فِي هَذَا جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَعْطَاهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَهُ فِيهَا دَرْكُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَالْكَفَالَةُ فِي هَذِهِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ.
قَالَ: وَالْكَفَالَةُ لَا تَلْزَمُ أَيْضًا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ وَهُوَ رَأْيِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَفَالَةِ لِمَا رَضِيَ أَنْ يَلْزَمَهُ نَفْسُهُ، وَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُشْتَرِيَ فِي دَفْعِ مَالِهِ ثِقَةً مِنْهُ بِهِ، فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ تُسْتَحَقُّ أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَى إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا حَاضِرًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
سَحْنُونٌ: وَخُذْ هَذَا

الْأَصْلَ عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ الْخَلَاصَ، وَأَخَذَ مِنْهُ بِالْخَلَاصِ كَفِيلًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ دَارًا لَيْسَتْ: لَهُ فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِهَا، فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ ذَلِكَ صَاحِبُهَا فَعَلَيَّ خَلَاصُهَا لَكَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْبَيْعُ فِيهَا مَرْدُودٌ.
وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ اشْتَرَطُوا هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْخَلَاصَ، إنَّمَا كَتَبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ وَالتَّشْدِيدِ؛ لَنَقَضْت بِهِ الْبَيْعَ وَلَوْ عَمِلَ رَجُلٌ فَاشْتَرَطَ فَقَالَ: إنْ أَدْرَكَنِي دَرَكٌ فِي الدَّارِ فَعَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّصَ لِي الدَّارَ بِمَا يَكُونُ مِنْ مَالِكَ، أَوْ تُخَلِّصَهَا بِمَا بَلَغْت وَكَيْفَ شِئْتَ، وَعَلَى ذَلِكَ اشْتَرَى وَبِهِ عَقَدَ بَيْعَهُ؛ لَكَانَ هَذَا فَاسِدًا لَا يَحِلُّ وَلَنَقَضْتُ بِهِ الْبَيْعَ.

[فِي الْحَمَالَةِ فِي الْبَيْعِ بِعَيْنِهِ وَبَيْعِ الْغَائِبِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَانَ بِعَيْنِهِ مِمَّا اشْتَرَيْته، أَيَجُوزُ أَنْ آخُذَ بِهِ كَفِيلًا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا إذَا بَاعَ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ يَكُونَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ شِرَاؤُهَا، فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذَا مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ قَبْلَ هَذَا.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت مِنْهُ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً غَائِبَةً وَأَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا بِهَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ فِي هَذَا كَفَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ غَائِبًا بِعَيْنِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الْعَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ شَيْئًا، وَلَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهِ؟ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ غِيبَةً قَرِيبَةً مِمَّا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهَا لَمْ تَصْلُحْ الْكَفَالَةُ فِيهَا أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْمَالِ كَفِيلًا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقْت عَبْدِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخَذْت مِنْهُ بِهَا كَفِيلًا، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا الَّذِي لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِيهِ فَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ.

[فِي الْكَفَالَةِ بِكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَفَالَةَ لِرَجُلٍ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ، أَتَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَاتَبْتُ عَبْدِي عَلَى مَالٍ فَأَتَى رَجُلٌ فَقَالَ لِي عَجِّلْ عِتْقَهُ وَأَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِكِتَابَتِهِ فَفَعَلْتُ أَتَلْزَمُهُ الْكَفَالَةَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: الْكَفَالَةُ لَهُ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ، عَلَى أَنْ تَكَفَّلَ بِذَلِكَ الْمَالِ رَجُلٌ، إنَّ ذَلِكَ

جَائِزٌ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْكَفِيلَ الَّذِي أَدَّى عَنْ الْمُكَاتَبِ هَذَا الْمَالَ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُكَاتَبِ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.

[الغريم يُؤْخَذ مِنْهُ قَبْل مَحِلّ الْأَجَل أَوْ بَعْد مَحِلّ الْأَجَل حَمِيل أَوْ رَهْن عَلَى أَنْ يُؤَخِّر إلَى أبعد مِنْ الْأَجَل]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى غَرِيمَهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ دَيْنِهِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مَنْ الْأَجَلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنْ حَلَّ حَقُّهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا وَيُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَلَا يَصْلُحُ.
وَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ مَا حَلَّ الْأَجَلُ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ الرَّهْنُ أَوْ الْحَمِيلُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَقِّ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلِهَذَا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِهِ رَهْنًا وَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا، وَلَا يَكُونُ قَبْضُهُ لَهُ قَبْضًا إنْ فَلَّسَ الْغَرِيمُ، أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْحَمِيلِ شَيْءٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا ارْتَهَنَ وَلَا بِمَا أَخَذَ لَهُ الْحَمِيلُ شَيْءٌ مُبْتَدَأٌ، إنَّمَا كَانَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْقِيَ فِي يَدَيْهِ الْوَثِيقَةَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَلَفًا أَجْرَ مَنْفَعَةٍ، وَهُوَ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا كَانَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَطَّ عَنْهُ بَعْضَ مَالِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا بِبَقِيَّةِ الْحَقِّ إلَى أَجَلِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ رَهَنَهُ أَوْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا بِالْحَقِّ إلَى أَجَلِهِ؟ قَالَ: هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، أَوْ رَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ سَلَفٌ أُسْلِفَهُ عَلَى أَنْ يَزْدَادَ فِي سَلَفِهِ.
قَالَ: وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ إذَا رَهَنَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ مَحَلِّ الْأَجَلِ، لَا يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

[فِي الْغَرِيمِ إلَى أَجَلٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ أَوْ رَهْنٌ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، عَلَى أَنْ يُوَفِّيَنِي قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ هَهُنَا وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَانِي حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي حَقِّي عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، وَكَانَ دَيْنِي

عَلَيْهِ مَحَلُّهُ إلَى سَنَةٍ فَأَعْطَانِي كَفِيلًا بِحَقِّي إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَجَّلَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ حَمَالَةُ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

[فِي الْحَمِيلِ يَأْتِي بِالْغَرِيمِ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْحَمِيلِ بِالْمَالِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ أَنَا كَفِيلٌ لَكَ بِفُلَانٍ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ، فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ فَمَضَى الْغَدُ فَقُلْتُ: قَدْ وَافَيْتُك بِهِ.
وَقَالَ: لَمْ تُوَافِنِي بِهِ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ وَافَاهُ بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: فَإِنْ وَافَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَحْكُمَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ، وَيَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ غُرْمٌ.
سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ يَقُولُ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ.

[فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا فَيَطْلُبُ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْخُصُومَةِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي مُعَامَلَةٍ، فَقَالَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ: أَعْطِنِي كَفِيلًا حَتَّى أُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْقَاضِي؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَطْلُبُ بَيِّنَتَهُ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ كَفِيلًا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا أُثْبِتَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فَلَهُ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ لِيُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ أَعْطِنِي وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ حَتَّى أُقِيمَ بَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ إذَا لَمْ يُرِدْ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ؛ لِأَنَّا نَقْبَلُ بَيِّنَةَ هَذَا الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَا يُلْزَمُ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: أَعْطِنِي كَفِيلًا بِالْحَقِّ حَتَّى أُقِيمَ بَيِّنَتِي وَلَا أُرِيدُ نَفْسًا، أَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا أَمْ لَا يَلْزَمُهُ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا، فَيَطْلُبَ الْكَفِيلُ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَسْتُ أَقُومُ عَلَى سَمَاعِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ هَذَا مَا يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي بَيِّنَةً حَاضِرَةً يَرْفَعُهَا مِنْ السُّوقِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ، فَأَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُوقِفَ الْمَطْلُوبَ عِنْدَهُ، وَيَقُولَ لِلطَّالِبِ: مَكَانَكَ ائْتِ بِبَيِّنَتِك فَإِنْ أَتَى بِهَا وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ.
سَحْنُونٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَدْ بُيِّنَ.

[الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالْقَضِيَّةِ أَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا]

فِي الرَّجُلِ يَقْضِي لَهُ الْقَاضِي بِالْقَضِيَّةِ أَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ أَبِي أَوْ جَدِّي، أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ

مَتَاعِي أَوْ مَتَاعُ أَبِي، مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرِي، فَقَضَى لِي الْقَاضِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنَّ الْكَفِيلَ الَّذِي تَأْخُذُهُ الْقُضَاةُ فِي هَذَا، إنَّمَا هُوَ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إذَا اسْتَحَقُّوا حُقُوقَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكَفِيلٍ، بَلْ يُعْطَوْنَ حُقُوقَهُمْ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ.

[لَهُ عَلَى رَجُل طَعَامًا إلَى أَجَل فَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا فَصَالِحه الْكَفِيل قَبْل الْأَجَل أوبعده]

فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الطَّعَامُ إلَى أَجَلٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا فَيُصَالِحُهُ الْكَفِيلُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى أَدْنَى أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَجْوَدَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ، مِنْ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ أَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَعْطَانِي الْكَفِيلُ بَعْضَ طَعَامِي، عَلَى أَنْ تَرَكْتُ لَهُ بَعْضًا، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ أَعْطَانِي بَعْضَ الطَّعَامِ، عَلَى أَنْ تَرَكْتُ لَهُ بَعْضَ الطَّعَامِ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ ضَعْ عَنِّي وَتَعَجَّلْ.
فَأَمَّا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا بِمَا أَدَّى إلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: لَوْ أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْهُ عَلَى أَنْ تَرَكَ لَهُ مَا بَقِيَ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ وَتَعَجَّلَ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ عِنْدِي مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَفِيلَ إذَا صَالَحَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى حِنْطَةٍ، مِثْلُ كَيْلِ حِنْطَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، إلَّا أَنَّهَا أَجْوَدُ مِنْ شَرْطِ الطَّالِبِ أَوْ أَدْنَى مِنْ شَرْطِهِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الطَّالِبَ قَبْلَ الْأَجَلِ، عَلَى حِنْطَةٍ مِثْلُ كَيْلِ حِنْطَتِهِ إذَا كَانَتْ أَجْوَدَ مِنْ حِنْطَتِهِ أَوْ أَدْنَى.
قُلْتُ: فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ: لَا خَيْرِ فِي ذَلِكَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، أَنْ يُصَالِحَهُ الْكَفِيلُ عَلَى مِثْلِ كَيْلِ حِنْطَتِهِ أَوْ أَجْوَدَ إذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفِهَا أَوْ أَدْنَى مِنْهَا، إذَا كَانَتْ الَّتِي عَلَيْهِ سَمْرَاءَ كُلَّهَا أَوْ مَحْمُولَةً كُلَّهَا، وَإِنْ أَخَذَ أَيْضًا أَجْوَدَ مِنْ حِنْطَتِهِ وَأَدْنَى مِنْ كَيْلِهَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَإِذَا أَخَذَ مِثْلَ كَيْلِ طَعَامِهِ، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَأْخُذَ أَجْوَدَ إذَا كَانَتْ مِنْ الصِّنْفِ أَوْ أَدْنَى مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَ الطَّالِبَ - إذَا حَلَّ الْأَجَلُ - الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى مِثْلِ كَيْلِ حِنْطَتِهِ أَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى.
وَالْكَفِيلُ إذَا صَالَحَ بِأَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى، صَارَ يَتْبَعُ بِغَيْرِ مَا أَعْطَى فَصَارَ فِي التَّسْلِيفِ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ بَدَلًا وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ.
وَإِذَا أَعْطَى الْكَفِيلَ غَيْرَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ، كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا أَعْطَى الْكَفِيلَ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَصَارَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ.
وَلَا بَأْسَ عَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يُعْطِيَ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى مِنْ الصِّنْفِ فِي الْقَرْضِ، مِثْلُ الْمَكِيلَةِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ.
وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُعْطِيَ الْقَرْضَ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى.

[فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ قِبَلَ الطَّالِبِ حَقًّا يُدْفَعُ إلَيْهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ]

ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ بِحَقٍّ لِي - وَلِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ - أَيَبِيعُهُ الْقَاضِي وَيُوَفِّيَنِي حَقِّي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي كَفِيلًا؟ قَالَ: الَّذِي كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِحَقِّهِ الَّذِي حُكِمَ لَهُ بِهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِهَذَا إذَا أَثْبَتَ حَقَّهُ.
قُلْتُ: رَبَاعًا كَانَتْ أَمْوَالُهُ أَوْ غَيْرَ رَبَاعٍ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الدَّعْوَةُ فِي الْحَمَالَةِ]

ِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ اشْتَرَوْا سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ، وَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أَيَّهمْ شِئْت أَخَذْت بِحَقِّي، - كُلُّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ - فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَادَّعَى وَرَثَةُ الْهَالِكِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ كُلَّهُ إلَى بَائِعِ السِّلْعَةِ وَأَقَامُوا شَاهِدًا.
قَالَ: يَحْلِفُونَ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَيَبْرَءُونَ، وَيَرْجِعُونَ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ بِمَا أَدَّى صَاحِبُهُمَا عَنْهُمَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَحْلِفُوا، أَتَرَى لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَحْلِفَا؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُمَا يَغْرَمَانِ إلَّا أَنْ يَقُولَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُ وَوَكَّلْنَاهُ بِالدَّفْعِ عَنْهُ وَعَنَّا وَدَفَعْنَا ذَلِكَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا الشَّاهِدُ لَنَا فَيَحْلِفَانِ وَيَبْرَآنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لَكَ أَنَا كَفِيلٌ لَك بِفُلَانٍ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ، فَمَضَى الْغَدُ فَقُلْتُ: قَدْ وَافَيْتُك بِهِ وَقَالَ: لَمْ تُوَافِنِي بِهِ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ وَافَاهُ بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

[الْحَمَالَةُ فِي الْحُدُودِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُدُودَ، أَفِيهَا كَفَالَةٌ؟ قَالَ: لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَنِي وَلَمْ يَقْذِفْنِي، فَأَخَذْتُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَهَرَبَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: هَذَا إنَّمَا هُوَ أَدَبٌ، وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ هَذَا رَأْيِي أَنَّهُ لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي التَّعْزِيرِ.
ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ حَمَالَةٌ فِي دَمٍ وَلَا فِي زِنَا وَلَا فِي سَرِقَةٍ وَلَا فِي شُرْبِ خَمْرٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَتُقْبَلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.

[فِي كَفَالَةِ الْأَخْرَسِ]

ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ كَفَالَةُ الْأَخْرَسِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ

مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَثْبَتَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ فَهِمَهُ مِنْ طَلَاقِهِ وَشِرَائِهِ، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.

[فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ فِي مَرَضِهِ بِالْكَفَالَةِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ]

ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ أَقَرَّ أَنَّهُ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ، أَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِي ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إنَّمَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْكَفَالَةِ فِي مَرَضِهِ، أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ صَدِيقًا مُلَاطِفًا، أَيَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَارُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ جَائِزَةٌ فِي الثُّلُثِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ فَلَا يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَإِنَّمَا يُرَدُّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَلَا يُرَدُّ إذَا كَانَ يُوَرِّثُ بِغَيْرِ دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ مَعَ الْوَرَثَةِ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ مَعَ الدَّيْنِ الَّذِي يَغْتَرِقُ مَالَهُ لَمْ تَجُزْ.
فَلِذَلِكَ اُتُّهِمَ إذَا كَانَ صَدِيقًا مُلَاطِفًا إذَا أَقَرَّ لَهُ مَعَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا يُتَّهَمُ إذَا أَقَرَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ وَكَانَ يُوَرَّثُ بِوَلَدٍ أَوْ كَلَالَةٍ فَالْوَصِيَّةُ، لَهُ جَائِزَةٌ فِي الثُّلُثِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ أَبَاعِدَ إنَّمَا هُمْ عَصَبَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ فِي مَسْأَلَتِك هَذِهِ فِي قَوْلِ، مَالِكٍ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْتَقْت عَبْدِي فِي مَرَضِي هَذَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي ثُلُثِهِ؟ قَالَ: كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ خِلَافُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ.
فَإِنْ قَامَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ صَحِيحٌ، أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَمْرَضَ أَوْ يَمُوتَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ إلَّا الْعِتْقَ وَالْكَفَالَةَ، فَإِنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، أُعْتِقَ فِي رَأْسِ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ، أُخِذَتْ الْكَفَالَةُ مِنْ مَالِهِ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِكَفَالَةٍ، أَوْ قَالَ: كُنْتُ تَكَفَّلْت فِي الصِّحَّةِ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ بِكَفَالَةٍ، وَالرَّجُلُ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ بِالدَّيْنِ فِي مَرَضِهِ لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ فِي مَرَضِهِ فَيَقُولُ: قَدْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى فُلَانٍ بِدَارِي أَوْ بِدَابَّتِي فِي الصِّحَّةِ، أَوْ كُنْتُ حَبَسْت فِي صِحَّتِي خَادِمِي أَوْ دَارِي عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قَدْ كُنْتُ أَعْتَقْت عَبْدِي فِي صِحَّتِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ هَذَا فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ كُلُّهُ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ أَوْصَى، كَانَتْ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ قَصَرَ الثُّلُثُ عَنْ وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْوَصَايَا فِي ذَلِكَ

شَيْءٌ، وَلَمْ تَدْخُلْ الْوَصَايَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ، وَإِنَّمَا الْوَصَايَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّتُهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا.
قُلْتُ: وَلَا تَكُونُ وَصِيَّةً لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَكُونُ لَهُ وَصِيَّةٌ.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرِيضِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرِيضَ إذَا تَكَفَّلَ بِكَفَالَةٍ، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ، تَكُونُ تَحْتَ الزَّوْجِ فَتَتَكَفَّلُ بِكَفَالَةٍ: إنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهَا إذَا لَمْ تُجَاوِزْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهَا مَحْجُورَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَالِهَا وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ قَدْ حُجِرَ عَنْهُ جَمِيعُ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ مَالِهِ الثُّلُثُ، وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ فَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ مَعْرُوفُهَا فِي ثُلُثِهَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ بِكَفَالَةٍ، وَدَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ حَتَّى اغْتَرَقَ الدَّيْنُ مَالَهُ، أَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ وَلَا يُحَاصُّ بِهَا الْغُرَمَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَكَذَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أَوْلَى مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الثُّلُثِ وَالدَّيْنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الثُّلُثِ وَآخَرُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، فَاَلَّذِي يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَرَكِبَهُ دَيْنٌ اغْتَرَقَ مَالَهُ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ مِنْ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَصَحَّ مَنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أَتَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى وَارِثٍ فِي مَرَضِهِ بِأَمْرٍ بَتَلَهُ لَهُ ثُمَّ صَحَّ، لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ

[فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ يَخْدُمُهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْخِدْمَةِ حَمِيلًا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِخِدْمَتِي شَهْرًا وَأَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا بِالْخِدْمَةِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ: لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْغُلَامِ يُسْتَأْجَرُ سَنَةً فَيَمُوتُ، فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهُ غُلَامًا يَعْمَلُ لَهُ عَمَلَهُ، وَيَقُولُ سَيِّدُ الْغُلَامِ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْكَ غُلَامًا يَعْمَلُ لَكَ مَكَانَهُ.
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّكَ تَفْسَخُ دَيْنَكَ فِي دَيْنٍ لَا تَسْتَوْفِيهِ مَكَانَكَ.
فَالْحَمَالَةُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْغُلَامُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَمِيلِ أَنْ يَأْتِيَ بِغُلَامٍ آخَرَ يَخْدُمُهُ.

[فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْخَيَّاطَ يَخِيطُ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ بِالْخِيَاطَةِ حَمِيلًا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت ثَوْبِي إلَى خَيَّاطٍ، وَشَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ يَخِيطَهُ هُوَ نَفْسُهُ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْتُ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْعَمَلِ؟ قَالَ: إنْ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْعَمَلِ، إنْ مَاتَ الْخَيَّاطُ أَوْ عَاشَ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنْهُ حَمِيلًا عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَعْمَلَهُ لَكَ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِثْلُ الْحَمِيلِ بِالْخِدْمَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْأَصْلَ قَبْلَ هَذَا.

[فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الرَّاحِلَةَ بِعَيْنِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ الْمُكْرِي كَفِيلًا بِالْحُمُولَةِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا وَأَخَذْت مَنْ رَبِّهَا كَفِيلًا بِالْحُمُولَةِ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ: الْحَمَالَةُ بِالْحُمُولَةِ لَا تَجُوزُ فِي كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا، وَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ حَمِيلًا بِالْكِرَاءِ إنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ رَدَّ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ، فَالْحَمَالَةُ جَائِزَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ الْحَمَالَةُ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الْخِيَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ.

[فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي كِرَاءً مَضْمُونًا وَيَأْخُذُ حَمِيلًا بِالْحُمُولَةِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْحَمَالَةُ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى مَكَّةَ، وَأَخَذْت مِنْهُ حَمِيلًا بِالْحُمُولَةِ، فَفَرَّ الْمُكَارِي وَأَخَذْت الْحَمِيلَ، فَاكْتَرَى لِي إبِلًا إلَى مَكَّةَ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا بِضِعْفِ مَا اكْتَرَيْت مِنْ صَاحِبِي الَّذِي فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ صَاحِبِي فَقَدَرَ عَلَيْهِ الْحَمِيلُ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَرْجِعُ الْحَمِيلُ عَلَيْهِ بِمَا اكْتَرَى الْحَمِيلُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.
وَالْكِرَاءُ الْأَوَّلُ لِلْمُكْرِي الْهَارِبِ، وَعَلَى الْهَارِبِ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْحَمِيلِ الْمَالَ الَّذِي اكْتَرَى بِهِ الْحَمِيلُ لِلْمُتَكَارِي.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُكْرِي إذَا هَرَبَ اكْتَرَى عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ مَا اكْتَرَى عَلَيْهِ بِهِ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت وَلَمْ آخُذْ مِنْهُ حَمِيلًا ثُمَّ هَرَبَ الْمُكَارِي فَأَتَيْتُ السُّلْطَانَ، أَيَتَكَارَى لِي عَلَيْهِ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَأَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا تَكَارَيْتُ بِهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي كَفَالَةِ الْعَبِيدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَادَاتِهِمْ]

ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ وَالْمُكَاتَبَ، هَلْ تَجُوزُ كَفَالَتُهُمْ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهُمْ،

وَلَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلَ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ بِكَفَالَةٍ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ بِذَلِكَ حَتَّى عَتَقُوا؟ قَالَ: الْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ فَسَخَ السَّيِّدُ الْكَفَالَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقُوا ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ؟ قَالَ: فَلَا كَفَالَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ صَدَقَاتُهُمْ وَلَا هِبَتُهُمْ.
فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ جَازَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ رَدَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَرْدُودًا.
وَانْظُرْ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ، مِنْ كَفَالَةٍ أَوْ حَمَالَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إذَا رَدَّهُ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ مَا رَدَّهُ فَلَيْسَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْعَبْدِ، عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهُ أَمْ لَا تَجُوزُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَإِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ.

[فِي كَفَالَةِ الْعَبِيدِ بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ]

ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَمَالَاتِ الْعَبِيدِ وَوَكَالَاتِهِمْ فِي الْخُصُومَاتِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ، أَجَائِزَةٌ هِيَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُوَكِّلُ عَبْدَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَيَأْتِي الْعَبْدُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ الْعَبْدُ وَيَبْرَأُ السَّيِّدُ وَلَا يَحْلِفُ السَّيِّدُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانَ حُرًّا، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ دَيْنٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
أَيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ أَفِي ذِمَّتِهِ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ تَحَمَّلَ لِسَيِّدِهِ فَأَفْلَسَ السَّيِّدُ أَوْ مَاتَ، بِيعَ الْعَبْدُ إنْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ دَيْنَهُ قِبَلَ السَّيِّدِ، وَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَتْرُكَ السَّيِّدَ وَيَتْبَعَ الْعَبْدَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ.
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَحَمَّلَ بِالدَّيْنِ عَنْ أَجْنَبِيٍّ بِأَمْرِ السَّيِّدِ؛ كَانَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مَالُ سَيِّدِهِ، فَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتَّبَعُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ حَيْثُ كَانَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْهُمْ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرِينَ جَائِزٌ، إذَا أَذِنَ لَهُمْ سَادَاتُهُمْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازَ مَعْرُوفُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إلَى رِقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ نَفْسَهُ بِهِبَتِهِ مَالِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ تَكَفَّلَ هَؤُلَاءِ لِسَيِّدِهِمْ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفَ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ إذَا أَذِنَ لَهُمْ سَيِّدُهُمْ.
فَإِنْ تَكَفَّلُوا بِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ.
قُلْتُ: وَيَجْبُرُهُمْ

سَيِّدُهُمْ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلُوا بِهِ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ بِهِ لَا أَنْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ، وَإِنْ تَكَفَّلُوا لَهُ عَلَى اسْتِكْرَاهٍ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ.

[فِي كَفَالَةِ الْعَبْدِ الْمِدْيَانِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، فَيَأْمُرهُ سَيِّدُهُ فَيَتَكَفَّلُ بِكَفَالَةٍ، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى أَهْلِ الدَّيْنِ مَا يَضُرُّ بِهِمْ فِي الدَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْحُرِّ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا كَفَالَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ، وَالْكَفَالَةُ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا.
فَأَرَى الْعَبْدَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِثْلَ الْحُرِّ، إذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ قَدْ اغْتَرَقَ مَالَهُ.

[فِي الرَّجُلِ يُجْبِرُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: اُكْفُلْ عَنِّي بِهَذَا الْمَالِ، فَقَالَ الْعَبْدُ: لَا أَكْفُلُ فَقَالَ السَّيِّدُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ جَعَلْتَهُ كَفِيلًا بِهَذَا الْمَالِ.
أَيَلْزَمُ الْعَبْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَالْعَبْدُ يَقُولُ: لَا أَرْضَى لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ عَتَقْتَ لَزِمَتْنِي هَذِهِ الْكَفَالَةُ فَلَا أَرْضَى قَالَ: ذَلِكَ عِنْدِي غَيْرُ لَازِمٍ لِلْعَبْدِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ: إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَرِهَ الْعَبْدُ ذَلِكَ.

[فِي السَّيِّدِ يَكْفُلُ عَنْ عَبْدِهِ بِالْكَفَالَةِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ مِنْ عَبْدِهِ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، أَوْ يَتَكَفَّلُ عَنْ عَبْدِهِ بِكَفَالَةٍ فَيُؤَدِّي السَّيِّدُ ذَلِكَ الْمَالَ عَنْ عَبْدِهِ فَيَعْتِقَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ بِهِ سَيِّدُهُ أَمْ لَا فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ يَتْبَعُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي عَبْدٍ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لِسَيِّدِهِ الَّذِي بَاعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، إنَّمَا هُوَ دَيْنِكَ قَدْ بِعْتنِيهِ وَلَمْ تُبَيِّنْهُ لِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الدَّيْنُ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ يَتْبَعُهُ بِهِ الْبَائِعُ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَ الْعَبْدَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَرِهَ رَدَّ الْعَبْدَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ.

[فِي السَّيِّدِ يَكُونُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ الدَّيْنُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بِهِ كَفِيلًا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، أَخَذَ مِنْهُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ كَفِيلًا، أَيَلْزَمُ

ذَلِكَ الْكَفِيلَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُحَاصُّ السَّيِّدُ غُرَمَاءَ الْعَبْدِ إذَا أَفْلَسَ الْعَبْدُ.

[فِي الْحَمَالَةِ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ]

ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ حَقَّكَ فَهُوَ عَلَيَّ وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا، مَتَى يَلْزَمُ الْكَفِيلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يَتَلَوَّمَ لَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، ثُمَّ يَلْزَمُهُ الْمَالُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَاضِرًا مَلِيًّا.

[فِي الْحَمَالَةِ إلَى مَوْتِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ: إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ حَقَّكَ حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجَلِ يَضْرِبُهُ لِنَفْسِهِ.

[فِي الْحَمَالَةِ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِمَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الَّذِي يَبِيعُ إلَى الْعَطَاءِ، قَالَ مَرَّةً: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ كَانَ مَعْرُوفًا ثُمَّ تَحَوَّلَ فَلَا يُعْرَفُ.
وَلَا يُعْجِبُنِي.
ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ: مَرْفِقٌ لِلنَّاسِ وَلَا يَجُوزُ، أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، فَأَمَّا الْحَمَالَةُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَطَاءُ مَعْرُوفًا، إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى أَصْلِ بَيْعٍ، إنَّمَا هُوَ سَلَفٌ أَوْ دَيْنٌ أُنْظِرَ بِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ وَقَدْ كَانَتْ عُقْدَةُ الْبَيْعِ صَحِيحَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ.

[فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت بِمَالٍ عَلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنِّي وَيَقْضِي لِي بِذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا يَقْضِي لَكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إنْ تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ ثُمَّ أَعْدَمَ الْحَمِيلُ أَوْ أَفْلَسَ؛ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ.

[فِي الْحَمِيلِ يَقْتَضِي مِنْ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ ثُمَّ يَضِيعُ مِنْهُ]

ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَكَفَّلَ بِمَالٍ عَلَيَّ فَدَفَعْتُهُ إلَى الْكَفِيلِ، فَضَاعَ مَنْ الْكَفِيلِ،

أَيَكُونُ الْكَفِيلُ فِيهِ مُؤْتَمَنًا أَمْ يَكُونُ ذَلِكَ اقْتِضَاءً؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.
قَالَ: وَأَرَى إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْكَفِيلِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ مِنْهُ لَهُ، فَأَرَاهُ مِنْ الْكَفِيلِ.
قُلْتُ: عُرُوضًا كَانَتْ الْكَفَالَةُ أَوْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ الْبِكْرِ الَّتِي قَدْ عَنَّسَتْ وَرَضِيَ حَالَهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ الْبِكْرَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتْ وَعَنَّسَتْ فِي أَهْلِهَا تَكَفَّلَتْ بِكَفَالَةٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي هِبَتِهَا وَصَدَقَتِهَا: لَا تَجُوزُ إذَا كَانَتْ بِكْرًا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عَنَّسَتْ، فَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا فِي هَذَا.
قُلْتُ: لِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ بُضْعَهَا بِيَدِ أَبِيهَا.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ: إذَا عَنَّسَتْ جَازَ أَمْرُهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا قَطُّ، وَلَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحِيمِ.

[فِي حَمَالَةِ الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ الَّتِي قَدْ عَنَّسَتْ وَلَمْ يَرْضَ حَالَهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جَارِيَةً بِكْرًا فِي بَيْتِ أَبِيهَا، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهَا وَلَا بَيْعُهَا وَلَا صَدَقَتُهَا وَلَا عِتْقُهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَجَازَ الْوَالِدُ كَفَالَةَ الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ مَعْرُوفُ الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ.
وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَالِدُ؛ لَمْ يَنْبَغِ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُجِيزَهُ، فَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ الْبِكْرَ تَتَكَفَّلُ بِكَفَالَةٍ بِإِذْنِ، وَالِدِهَا وَذَلِكَ بَعْدَ مَا حَاضَتْ، أَتَجُوزُ كَفَالَتُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: هِيَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ وَبِمَنْزِلَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ تَكَفَّلَ بِكَفَالَةٍ عَنْ رَجُلٍ بِإِذْنِ الْوَالِدِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَالَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَلَا مَالَ الْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ حَاضَتْ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهُمْ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَالِدِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ هَهُنَا مَعْرُوفٌ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَالِدِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فِي بَيْتِ أَبِيهَا، فَأَعْطَتْ الْوَالِدَ أَوْ الْوَالِدَةَ مَنْ مَالِهَا شَيْئًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُمَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
فَإِذَا أَعْطَتْ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَهِيَ بِكْرٌ فِي بَيْتِ أَبِيهَا لَمْ تَجُزْ عَطِيَّتُهَا.
فَكَذَلِكَ وَالِدَتُهَا وَوَالِدُهَا قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَالْبِكْرُ لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِهَا، وَإِنَّمَا الْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لَهَا قَضَاءٌ فِي مَالِهَا.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا]

قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ كَفَالَةُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ كَفَالَتُهَا فِيمَا بَيْنَهَا

وَبَيْنَ ثُلُثِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كَفَالَةَ الْمَرْأَةِ أَتَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ؛ جَازَتْ الْكَفَالَةُ فِي ثُلُثِ مَالِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِهَا وَإِنَّمَا الْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا تَكَفَّلَتْ بِكَفَالَةٍ وَلَهَا زَوْجٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ ثُلُثِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ تَصْنَعُهُ الْمَرْأَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ فَهُوَ فِي ثُلُثِهَا، وَالْكَفَالَةُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ وَجْهِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي بَيْعِ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ دَارَهَا أَوْ خَادِمَهَا أَوْ دَابَّتَهَا: جَائِزٌ عَلَى مَا أَحَبَّ زَوْجُهَا أَوْ كَرِهَ إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً فِي حَالِهَا وَأَصَابَتْ وَجْهَ الْبَيْعِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى إنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ، كَانَ فِي ثُلُثِ مَالِهَا.
قَالَ: وَإِنْ تَصَدَّقَتْ وَهِيَ مَرْضِيَّةُ الْحَالِ: لَمْ يَجُزْ لَهَا إلَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثُّلُثِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ: لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ وَاشْتِرَاؤُهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَبَيْعُهَا فِي مَالِهَا كُلِّهِ وَإِنْ كَرِهَ زَوْجُهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ حَابَتْ فِي بَيْعِهَا؟ قَالَ: تَجُوزُ مُحَابَاتُهَا فِي بَيْعِهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ ثُلُثِهَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ لَا يُجِيزُ مَالِكٌ كَفَالَتَهَا إلَّا فِي ثُلُثِهَا، وَيُجِيزُ بَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا فِي جَمِيعِ مَالِهَا؟ قَالَ: لِأَنَّ كَفَالَتَهَا مَعْرُوفٌ.
قُلْتُ: وَالْمُحَابَاةُ فِي الْكَفَالَةِ مَعْرُوفٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةِ الْحَالِ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً ضَعِيفَةً فِي عَقْلِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهَا مِنْ الَّذِي صَنَعَتْ شَيْءٌ فِي هِبَةٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، أَجَازَ ذَلِكَ زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يُجِزْهُ

[كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا]

فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَمَالَةُ مَعْرُوفٌ مِنْ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لَا ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ لَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى إذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَكَانَتْ لَا يُوَلَّى عَلَيْهَا.
قُلْتُ: وَكُلُّ مَا فَعَلَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ مِنْ مَعْرُوفٍ فِي مَالِهَا، أَوْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَوْ أَعْتَقَتْ أَوْ تَكَفَّلَتْ، فَكَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يَجُزْ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إنَّمَا زَادَتْ الدِّينَارَ أَوْ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ، فَهَذَا يُعْلِمُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ بِهِ الضَّرَرَ، فَهَذَا يُمْضَى.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الدِّينَارَ الَّذِي زَادَتْهُ عَلَى ثُلُثِهَا، أَتُمْضِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ تَرُدُّهُ وَتُمْضِي الثُّلُثَ؟ قَالَ: بَلْ يُمْضَى، وَإِنَّمَا أَمْضَيْتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ ضَرَرٍ تَعَمَّدَتْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَقَدْ كَتَبَ رَجُلٌ مِنْ الْقُضَاةِ إلَى مَالِكٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى فِي جَارِيَةٍ لَهُ إنْ وَسِعَهَا الثُّلُثُ أَنْ تَعْتِقَ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهَا الثُّلُثُ فَلَا تَعْتِقُ، فَمَاذَا تَرَى فِيهَا؟ قَالَ: أَرَى فِيهَا كَمَا قَالَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَسَّ مِنْ ثَمَنِهَا عَنْ الثُّلُثِ الدِّينَارُ وَالدِّينَارَانِ، فَلَا أَرَى أَنْ

تُحْرَمَ الْعِتْقَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى إنْ كَانَ الَّذِي زَادَ عَلَى الثُّلُثِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ أَنْ تَغْرَمَهُ الْجَارِيَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهَا اتَّبَعَتْ بِهِ دَيْنًا تُؤَدِّيهِ إلَى الْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ بِثُلُثِهَا فَأَدْنَى جَازَ ذَلِكَ، إذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ.
فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ثُلُثِهَا أُبْطِلَ جَمِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الثُّلُثُ فَأَدْنَى، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ رَآهُ ضَرَرًا، أُبْطِلَ جَمِيعُهُ وَلَمْ يَجُزْ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ حَلَفَتْ بِعِتْقِ رَقِيقِهَا فِي شَيْءٍ أَنْ لَا تَفْعَلَهُ - وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ - فَفَعَلَتْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا قَدْ حَنِثَتْ.
فَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ عَتَقُوا وَإِنْ كَانُوا جُلَّ مَالِهَا، فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَقَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ مَاتَ زَوْجُهَا أَوْ فَارَقَهَا، رَأَيْتُ أَنْ يُعْتِقَهُمْ وَلَا يَسْتَرِقَّهُمْ.
قَالَ: وَهُوَ رَأْيِي.
وَلَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِقَضَاءٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ وَلَدَهَا وَوَالِدَهَا أَهِيَ فِي عَطِيَّتِهَا إيَّاهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَجَازَ الزَّوْجُ كَفَالَةَ امْرَأَتِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا بِمَا يَغْتَرِقُ مَالَهَا كُلَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا تَكَفَّلَتْ عَنْ زَوْجِهَا بِمَا يَغْتَرِقُ فِيهِ جَمِيعَ مَالِهَا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَا ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ.
قُلْتُ: الثُّلُثُ.
لِمَ لَا تُجِيزُهُ؟ قَالَ: مَا تَصَدَّقَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ، أَوْ أَعْتَقَتْ أَوْ وَهَبَتْ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْحَمَالَةُ مَعْرُوفٌ مِنْ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لَا ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ لَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى.
قَالَ سَحْنُونٌ: لِأَنَّهَا إذَا جَاوَزَتْ مَا أُذِنَ لَهَا فِيهِ، صَارَتْ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْمَضْرُوبِ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَتْ فِي حَالِهَا كَحَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا بِمَا يَغْتَرِقُ مَالَهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً تَكَفَّلَتْ لِرَجُلٍ عَنْ زَوْجِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ

لِلزَّوْجِ الْمَالَ جَائِزٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهَا كُلِّهِ، وَكَفَالَتُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهَا وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ بَلَغَتْ جَمِيعَ مَالِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَالِكًا لِمَ جَوَّزَ عَطِيَّتَهَا لِلزَّوْجِ الْمَالَ كُلَّهُ، وَجَعَلَهُ خِلَافَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ إذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً فِي حَالِهَا؟ قَالَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ لِمَالِهَا وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا لِمَالِهَا، فَهُوَ خِلَافُ غَيْرِهِ فِي هَذَا إنَّمَا أَعْطَاهَا إيَّاهُ عَلَى بُضْعِهَا وَمَالِهَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؟» . أَوْ لَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لَا تَجُوزُ لَهَا وَمَالُهَا غَيْرُ مَالِهِ؟ وَرَأَى أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنْ تَبْلُغَ بِعَطِيَّتِهَا الثُّلُثَ بِغَيْرِ أَمْرِ الزَّوْجِ.
وَكَانَ الْمَخْزُومِيُّ يَقُولُ: وَإِنْ جَاوَزَتْ الثُّلُثَ لَمْ يَبْطُلْ الثُّلُثُ.
كَالْمَرِيضِ يُوصِي بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، فَيَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ.
وَقَالَ غَيْرُ الْمَخْزُومِيِّ: لَيْسَتْ كَالْمَرِيضِ.
أَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصِيَّةَ غُلَامٍ يَفَاعٍ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَجَازَهُ النَّاسُ.
وَلَيْسَ تَجُوزُ عَطِيَّتُهُ فِي صِحَّتِهِ، فِي قَلِيلٍ مِنْ مَالِهِ وَلَا كَثِيرٍ.
فَحُكْمُ الْمَرَضِ غَيْرُ حُكْمِ الصِّحَّةِ، فَاتَّبَعْنَا فِي هَذَا أَثَرَ مَنْ مَضَى مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى، الَّذِي مَضَى بِهِ الْعَمَلُ بِبَلَدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى.

[فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّهُ أَكْرَهَهَا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً تَكَفَّلَتْ لِرَجُلٍ بِزَوْجِهَا، ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ: أَكْرَهَنِي، أَيُقْبَلُ قَوْلُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الْمَالَ جَائِزٌ عَلَيْهَا وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِمَالِهَا كُلِّهِ، وَكَفَالَتُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهَا وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ بَلَغَتْ جَمِيعَ مَالِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَفَالَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً حَالُهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ وَإِنْ ادَّعَتْ الْإِكْرَاهَ فِي الْعَطِيَّةِ إذَا أَعْطَتْهُ زَوْجَهَا لَمْ تُصَدَّقْ، فَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ وَتَقُومُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ فَتَسْقُطُ عَنْهَا، كَمَا سَقَطَتْ عَطِيَّتُهَا عَلَى الْإِضْرَارِ.

[كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ الْأَيِّمِ غَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ]

فِي كَفَالَةِ الْمَرْأَةِ الْأَيِّمِ غَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كَفَالَةَ الْمَرْأَةِ، أَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الَّتِي لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ: تَجُوزُ كَفَالَتُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَيِّمًا لَا زَوْجَ لَهَا تَكَفَّلَتْ بِكَفَالَةٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفَهَا جَائِزٌ إذَا كَانَتْ لَا يُوَلَّى عَلَيْهَا.

[كِتَابُ الْحَوَالَةِ]

[مَاتَ الْمُحْتَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَرَادَ الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِحَقِّهِ]

فصول الكتاب · 56 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المدونة · 674 صفحة
ِ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ
ُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةُِ مَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ
ٍ: سُجُودُ الْقُرْآنِ
الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجَنَائِزِِ بَابٌ فِي السُّحُورِ وَمَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِزَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِالرِّكَازِ
زَكَاةِ الْإِبِلِ
ُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَانِ وَالْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ
ِ الدَّعْوَةُ قَبْلَ الْقِتَالِ
طَلَاقُ السُّنَّةِ
ِ نِكَاحُ الشِّغَارِ
ُ الرَّجُلُ يَنْكِحُ النِّسْوَةَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ
ِ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ الرَّضَاعِ
الرَّجُلُ يَمْلِكُ ذَا قَرَابَتِهِ الَّذِينَ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ
قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾
مَا جَاءَ فِي التَّدْبِيرِِ الْقَضَاءُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ
وَلَاءِ الْعَبْدِ يُعْتِقُهُ الرَّجُلُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ
ِ التَّأْخِيرُ وَالنَّظِرَةُ فِي الصَّرْفِ
ُ تَسْلِيفُ السِّلَعِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ
ُ إقَالَةُ الْمَرِيضِ
ُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
ِ مَا لَا يُحْسَبُ فِي الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يُحْسَبُ
تَضْمِينِ الْحَائِكِ إذَا تَعَدَّى
الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّارَ وَفِيهَا النَّخْلُ فَيَشْتَرِطُ النَّخْلَ
الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْأَرْضَ سِنِينَ لِيَزْرَعَهَا فَيَغُورُ بِئْرُهَا أَوْ تَنْقَطِعُ عَيْنُهَا
ِ مَا جَاءَ فِي جَائِحَةِ الْمَقَاثِيِ فِي الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَالٍ
ِ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ
ِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ
ِ فِي حَبْسِ الْمِدْيَانِِ كِتَابُ التَّفْلِيسِِ فِي الرَّجُلِ يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِتَفْلِيسِهِِ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.ُ مَا جَاءَ فِي الْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ يَغْرَمُ الْمَالَِ مَاتَ الْمُحْتَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَرَادَ الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِحَقِّهِِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ
أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ،
ُ بَابُ تَشَافُعِ أَهْلِ الذِّمَّةِالشُّفْعَةُ فِي الْأَرْحَاءُِ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِمَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَاُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَيَمُوتُونَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْفِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُِ تَغْيِيرُ الْهِبَةِِ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِِ فِي الْحَبْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِِ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ فَلَا تُقْبَضُ مِنْهُ حَتَّى يَبِيعَهَاِ اسْتَوْدَعَ رَجُل مَالًا فَدُفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِِ مَا جَاءَ فِي حَرِيمِ الْآبَارِ وَالْمِيَاهِِ الْحُدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِِ فِي كَشْفِ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَاكِتَابُ الْأَشْرِبَةِ
ِ بَابُ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ
جارٍ التحميل