ِ مَا لَا يُحْسَبُ فِي الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يُحْسَبُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ: فَلِمَ رَدَّ مَالِكٌ الْبَيْضَ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَعْرِفَةَ فَسَادِ الْبَيْضِ كَأَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ يُعْرَفُ لَيْسَ بِبَاطِنٍ مِثْلُ غَيْرِهِ
[الرَّقِيق وَالْحَيَوَانِ يَجِدُ بِهِمْ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ دَلَّسَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ]
فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ يَجِدُ بِهِمْ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ دَلَّسَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْعَيْبُ فِي الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ مَنْ دَلَّسَ، وَمَنْ لَمْ يُدَلِّسْ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ مُفْسِدٌ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا وَمَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ مِثْلُ الثِّيَابِ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الثِّيَابِ وَالرَّقِيقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ الثَّوْبَ حِينَ دَلَّسَهُ قَدْ بَاعَهُ إيَّاهُ لِيَقْطَعَهُ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا تُشْتَرَى الثِّيَابُ لِلْقَطْعِ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ يُشْتَرَى عَلَى أَنْ تُفْقَأَ عَيْنُهُ وَلَا تُقْطَعَ يَدُهُ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَالْحَيَوَانُ مِثْلُ الرَّقِيقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ
[يَبْتَاعُ الْجَارِيَةَ فَيُقِرُّهَا عِنْدَهُ وَتَشِبُّ ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْجَارِيَةَ فَيُقِرُّهَا عِنْدَهُ وَتَشِبُّ ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً صَغِيرَةً فَكَبِرَتْ عِنْدِي فَصَارَتْ جَارِيَةً شَابَّةً فَزَادَتْ خَيْرًا فَأَصَبْتُ بِهَا عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ بَاعَنِيهَا وَبِهَا الْعَيْبُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ صَغِيرًا فَكَبِرَ عِنْدَ صَاحِبِهِ قَالَ: أَرَاهُ فَوْتًا عَلَيْهِ وَيَرُدُّ قِيمَةَ الْعَيْبِ فَأَرَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَيْبِ وَلَا يُشْبِهُ عِنْدِي الْفَرَاهِيَةَ وَتَعْلِيمَ الصِّنَاعَاتِ وَغَيْرَهَا وَذَلِكَ لَيْسَ بِفَوْتٍ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَالصَّغِيرُ إذَا كَبِرَ يَرُدُّ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَرَآهُ مَالِكٌ فَوْتًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُشْتَرِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ إذَا كَانَ فَوْتًا يُجْبَرُ الْبَائِعَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَةَ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا فَاتَتْ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهَا صَبِيَّةً فَكَبِرَتْ كِبَرًا فَانِيًا فَأَصَابَ بِهَا مُشْتَرِيهَا عَيْبًا دَلَّسَهُ الْبَائِعُ لَهُ؟ قَالَ: هَذَا فَوْتٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا كَبِرَتْ فَهُوَ فَوْتٌ إذَا اشْتَرَاهَا صَغِيرَةً ثُمَّ كَبِرَتْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الصَّغِيرِ إذَا كَبِرَ أَنْ يَرُدَّ وَيُبَيِّنَ لَكَ أَنَّ الْكِبَرَ فَوْتٌ، وَيُجْبَرُ الْبَائِعَ عَلَى أَدَاءِ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ إذَا فَاتَ، وَقَدْ عَلِمَ مَكْرُوهَهُ، وَقَدْ فَاتَ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَالسِّلْعَةُ قَدْ نَمَتْ وَهِيَ خَيْرٌ مِنْهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْفَعَ فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ يُرِيدُ رَدَّهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي أَنْ يَرُدَّهَا
[يَبْتَاعُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَبِيعُهَا ثُمَّ يَعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ كَانَ دَلَّسَهُ الْبَائِعُ]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَبِيعُهَا مِنْ بَائِعِهَا أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ كَانَ دَلَّسَهُ بِهِ الْبَائِعُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً بِهَا عَيْبٌ دَلَّسَهُ لِي الْبَائِعُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنِّي الْبَائِعُ نَفْسُهُ ثُمَّ ظَهَرْتُ مِنْهَا عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَهُ لِي الْبَائِعُ أَلِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ .
قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ كُنْتَ بِعْتَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهَا بِهِ مِنْهُ، وَلَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ الَّذِي دَلَّسَ بِالْعَيْبِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي: رُدَّهَا عَلَيَّ وَهِيَ فِي يَدَيْهِ، فَلِذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَاعَهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَدَلَّسَ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا أَرَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إنْ كَانَ بَاعَ بِنُقْصَانٍ وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ فَإِنَّمَا نَقَصَ مِنْ غَيْرِ الْعَيْبِ وَهُوَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَهَبَهَا لِلْبَائِعِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ الْبَائِعُ؟
قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً وَقَدْ دَلَّسَ لِي بَائِعُهَا فِيهَا بِعَيْبٍ فَبِعْتُ نِصْفَهَا ثُمَّ ظَهَرْتُ عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ بِهِ؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إمَّا إنْ رَدَدْتَ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِمَّا قَبِلْتَ النِّصْفَ الْبَاقِي الَّذِي فِي يَدَيْهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ
[يَبْتَاعُ الْخُفَّيْنِ أَوْ الْمِصْرَاعَيْنِ فَيَجِدُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْخُفَّيْنِ أَوْ الْمِصْرَاعَيْنِ فَيَجِدُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت خُفَّيْنِ أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ أَوْ شَيْئًا مَنْ الْأَشْيَاءِ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ زَوْجٌ فَأَصَبْتُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا بَعْدَ مَا قَبَضْتُهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَرُدَّ إلَّا جَمِيعًا أَوْ تَحْبِسَ إلَّا جَمِيعًا.
قُلْتُ: وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا بِأَخٍ لِصَاحِبِهِ إنَّمَا اشْتَرَاهُمَا أَفْرَادًا اشْتَرَى نِعَالًا فُرَادَى فَأَصَابَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي اشْتِرَاءِ الْجُمْلَةِ وَغَيْرِهَا
[يَبْتَاعُ النَّخْلَ أَوْ الْحَيَوَانَ فَيَغْتَلُّهُمْ ثُمَّ يُصِيبُ بِهِمْ عَيْبًا]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ النَّخْلَ أَوْ الْحَيَوَانَ فَيَغْتَلُّهُمْ ثُمَّ يُصِيبُ بِهِمْ عَيْبًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ نَاقَةً فَاحْتَلَبْتُ لَبَنَهُنَّ زَمَانًا أَوْ جَزَزْت أَصْوَافَهُنَّ وَأَوْبَارَهُنَّ ثُمَّ أَصَبْت عَيْبًا دَلَّسَ لِي بِذَلِكَ الْبَائِعُ أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَلَا يَكُونُ عَلَيَّ فِيمَا احْتَلَبْت وَلَا فِيمَا اجْتَزَزْت شَيْءٌ وَكَيْفَ إنْ كَانَ اللَّبَنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهَا غَلَّةٌ، وَالْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ وَيَرُدُّ الشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ وَالنَّاقَةَ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا وَعَلَيْهَا صُوفٌ تَامٌّ فَجَزَّهُ أَنَّهُ يَرُدَّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتْلَفَهُ رَدَّ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا لَبَنٌ يَوْمَ اشْتَرَاهَا فَحَلَبَهَا ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ فَأَرَادَ رَدَّهَا أَيَرُدُّ مَعَهَا مِثْلَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ فِي ضُرُوعِهَا؟ قَالَ: لَيْسَ اللَّبَنُ مِثْلَ الصُّوفِ وَهُوَ خَفِيفٌ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِلَّبَنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ غَلَّةِ الدُّورِ وَهُوَ تَبَعٌ لِمَا اشْتَرَى
قُلْتُ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الدَّارَ فَيَغْتَلَّهَا زَمَانًا ثُمَّ يَظْهَرُ عَلَى عَيْبٍ بِالدَّارِ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرُدُّ الدَّارَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْغَلَّةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ قَدْ أَصَابَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخِرُ أَيَرُدُّ مَعَهَا الْمُشْتَرِي مَا أَصَابَهَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ؟
قَالَ: نَعَمْ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَحَلَبْتُ أَوْ جَزَزْت وَتَوَالَدَتْ أَوْلَادًا عِنْدِي ثُمَّ أَصَبْت بِالْأُمَّهَاتِ عَيْبًا أَلِي أَنْ أَرُدَّ الْأُمَّهَاتِ وَأَحْبِسَ أَصْوَافَهَا وَأَوْلَادَهَا وَأَلْبَانَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْأَوْلَادُ فَيُرَدُّونَ مَعَ الْأُمَّهَاتِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْعَيْبَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا أَصْوَافُهَا وَأَوْبَارُهَا وَسُمُونُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ مَعَ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَلَّةِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّخْلِ شَيْئًا إذَا اشْتَرَاهَا رَجُلٌ فَاسْتَغَلَّهَا زَمَانًا ثُمَّ أَصَابَ عَيْبًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَى نَخْلًا فَاسْتَغَلَّهَا زَمَانًا ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا أَوْ اسْتَحَقَّتْ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَتَكُونُ لَهُ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت نَخْلًا فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ فَمَكَثَتْ عِنْدِي النَّخْلُ حَتَّى جَزَزْت الثَّمَرَةَ ثُمَّ أَصَبْت عَيْبًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَرُدَّ النَّخْلَ وَأَحْبِسَ الثَّمَرَةَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَعَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّ الثَّمَرَةَ مَعَ النَّخْلِ إنْ أَرَدْتَ الرَّدَّ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ.
قُلْتُ: لِمَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ تَزْهُ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ فَبَلَغَ عِنْدِي حَتَّى صَارَ ثَمَرًا وَجَدَّدْتُهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» فَلَمَّا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إذَا بَاعَ النَّخْلَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا بِاشْتِرَاطٍ مِنْهُ رَأَيْتُ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَرَةَ مَعَ الْحَائِطِ هَذَا الْمُشْتَرِي حِينَ اشْتَرَى النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ وَيُعْطِي الْمُشْتَرِي أَجْرَ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ وَسَقْيِهِ فِيمَا عَمِلَ لِأَنِّي إذَا رَدَدْتُ الْحَائِطَ وَأَرَدْتُ أَنْ أُلْزِمُهُ الثَّمَرَةُ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْحَائِطِ لَمْ تَكُنْ كَغَيْرِهَا مِنْ السِّلَعِ مِثْلُ الرَّأْسَيْنِ أَوْ الثَّوْبَيْنِ لِأَنِّي إذَا رَدَدْتُ أَحَدَ الرَّأْسَيْنِ أَوْ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ كَانَ بَيْعُ الْآخَرِ حَلَالًا وَإِذَا رَدَدْتُ الْحَائِطَ وَأَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ لِلثَّمَرَةِ ثَمَنًا بِقَدْرِ مَا كَانَ يُصِيبُهُ مِنْ ثَمَنِ الْحَائِطِ كُنْتُ قَدْ بِعْتُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَأَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَيُعْطِيَ الْمُشْتَرِي أَجْرَ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ فَإِنْ أَصَابَهَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ذَهَبَ بِالثَّمَرَةِ رَدَّ الْحَائِطَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِلثَّمَرَةِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ وَيَشْتَرِطُ مَالَهُ فَيَنْتَزِعُهُ مِنْهُ ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُرِيدُ رَدَّهُ إنَّهُ لَا يَرُدُّهُ إلَّا وَمَا انْتَزَعَ مِنْ مَالِهِ مَعَهُ، قَالَ: وَلَوْ ذَهَبَ مَالُ الْعَبْدِ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ بِأَمْرٍ يُصِيبُهُ رَدَّهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ فَالثَّمَرَةُ إذَا اُشْتُرِطَتْ بَعْدَ الْإِبَارِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْعَبْدِ إذَا اُشْتُرِطَ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَجِدُ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ يُصِيبُهَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا أَيْضًا يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى حَائِطًا لَا ثَمَرَ فِيهِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَدْرَكَ فِيهِ الشُّفْعَةَ وَفِيهِ يَوْمَ أَدْرَكَ الصَّفْقَةَ ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ فَقَالَ مُشْتَرِي الْحَائِطِ: الثَّمَرَةُ لِي قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ» ، وَهَذِهِ قَدْ أُبِّرَتْ وَهِيَ لِي قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُعْطَى أَجْرَ قِيَامِهِ وَسَقْيِهِ فِيمَا عَالَجَ وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ الثَّمَرَةَ فَتَكُونُ لَهُ فَهَذَا مِثْلُهُ إذَا رُدَّتْ الثَّمَرَةُ عَلَى الْبَائِعِ أَعْطَى الْمُشْتَرِي أَجْرَ عَمَلِهِ فِيمَا عَالَجَ.
وَأَخْبَرَنِي، ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ دَابَّةً فَغَزَا عَلَيْهَا فَلَمَّا قَفَلَ وَجَدَ بِهَا دَاءً فَرَدَّهَا مِنْهُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا نَرَى لِصَاحِبِهَا كِرَاءً مِنْ أَجَلِ ضَمَانِهَا وَعَلَفِهَا
[يَتَبَرَّأُ مِنْ دَبَرٍ أَوْ عَيْبِ فَرْجٍ أَوْ كَيٍّ فَيُوجَدُ أَشْنَعُ مِمَّا يَتَبَرَّأُ مِنْهُ]
فِي الرَّجُلِ يَتَبَرَّأُ مِنْ دَبَرٍ أَوْ عَيْبِ فَرْجٍ أَوْ كَيٍّ فَيُوجَدُ أَشْنَعُ مِمَّا يَتَبَرَّأُ مِنْهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَهُ بَعِيرًا أَوْ تَبْرَأَ إلَيْهِ مِنْ دَبَرِ الْبَعِيرِ، وَبِالْبَعِيرِ دَبَرَاتٌ كَثِيرَةٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَ دَبَرُهُ دَبَرًا مُفْسَدًا مُنْغَلًا لَمْ أَرَ ذَلِكَ يُبَرِّئْهُ إنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يُرَى حَتَّى يُبَيِّنَ صِفَةَ الدَّبَرَةِ أَوْ يُخْبِرُهُ بِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا رَأَى رَأْسَ الدَّبَرَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا فِي دَاخِلِهَا، وَلَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَعْنَتْهُ وَأَذْهَبَتْ سَنَامَهُ أَوْ تَكُونَ نَغِلَةً فَلَا أَرَى أَنْ يُبَرِّئَهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الدَّبَرَةَ وَمَا فِيهَا وَمِمَّا
يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا وَقَدْ كَانَ أَبِقَ وَتَبَرَّأَ مِنْ الْإِبَاقِ فَإِذَا إبَاقُهُ إبَاقٌ بَعِيدٌ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ يُبَرِّئُهُ قَدْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَيُبَرِّئُهُ صَاحِبُهُ مِنْ الْإِبَاقِ وَإِنَّمَا يَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ إبَاقَهُ إلَى مِثْلِ الْعَوَالِي أَوْ إبَاقِ لَيْلَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِذَا إبَاقُهُ إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى مِصْرَ، قَالَ: لَا أَرَى بَرَاءَتَهُ تَنْفَعُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ السَّرِقَةِ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ إنَّمَا يَسْرِقُ فِي الْبَيْتِ الرَّغِيفَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهُوَ عَادِيٌّ يَنْقُبُ بُيُوتَ النَّاسِ فَلَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً وَتَبَرَّأَ إلَيَّ صَاحِبُهَا مَنْ الْكَيِّ الَّذِي بِجَسَدِهَا فَأَصَبْتُ بِظَهْرِهَا كَيًّا كَثِيرًا أَوْ بِفَخْذَيْهَا فَقُلْتُ لِلْبَائِعِ: إنَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْكَيَّ بِبَطْنِهَا فَأَمَّا إنْ كَانَ بِظَهْرِهَا أَوْ بِفَخْذَيْهَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا؟ قَالَ: الْجَارِيَةُ لَازِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْكَيِّ أَمْرٌ مُتَفَاحِشٌ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْإِبَاقِ وَالدَّبَرَةِ فَذَلِكَ لَا تُبَرِّئُهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِشُنْعِ الْكَيِّ أَوْ يُرِيَهُ إيَّاهُ.
قُلْتُ: وَلَا يُلْتَفَتُ فِي هَذَا إلَى عَدَدِ الْكَيِّ؟
قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ الْكَيُّ أَيْضًا فَيَكُونُ كَيًّا يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُتَفَاحِشٌ كَثِيرٌ فَيَكُونُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ جَارِيَةً فَتَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ فَأَصَابَ الْمُشْتَرِي بِفَرْجِهَا عُيُوبًا كَثِيرَةً عَقْلًا أَوْ قَرْنًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ مَا بِفَرْجِهَا مِنْ الْعُيُوبِ يَخْتَلِفُ حَتَّى يَصِيرَ بَعْضُهُ فَاحِشًا فَلَا تُجْزِئُهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ إلَيْهِ الْعُيُوبِ بِفَرْجِهَا فَإِنْ بَيَّنَ وَإِلَّا لَمْ تُجْزِئُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَهَا وَتَبَرَّأَ إلَيْهِ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ فَأَصَابَهَا رَتْقَاءُ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ إذَا تَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ أَنْ تَجُوزَ بَرَاءَتُهُ فِي الْعَيْبِ الْيَسِيرِ الَّذِي يُغْتَفَرُ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَيْبٌ فَاحِشٌ لَمْ تَجُزْهُ الْبَرَاءَةُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَهُ وَيُبَيِّنَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَبْرَأُ إلَيْك مِنْ رَتْقِهَا وَلَمْ يَقُلْ رَتْقَاءُ بِعِظَمٍ وَلَا بِغَيْرِ عِظَمٍ فَأَصَابَهَا مُشْتَرِيهَا رَتْقَاءَ بِعِظَمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُبَطَّ وَلَا يُعَالَجَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَتْقًا شَدِيدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى عِلَاجِهِ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يَقْدِرُ عَلَى عِلَاجِهِ فَكَانَ الَّذِي بِهَا مِنْ الرَّتْقِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى عِلَاجِهِ فَلَا تُجْزِئُهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ.
قَالَ سَحْنُونٌ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ شَيْئًا فَتَبَرَّأَ مِنْ الْعُيُوبِ وَسَمَّاهُ فِي أَشْيَاءَ يُسَمِّيهَا يَقُولُ: بَرِئْتُ مِنْ كَذَا وَمِنْ كَذَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُرَدُّ
عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يُوقِفَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَيْبِ بِعَيْنِهِ الَّذِي فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاعَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ: إنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنْ امْنَعْ التُّجَّارَ أَنْ يُسَمُّوا فِي السِّلْعَةِ عُيُوبًا لَيْسَتْ فِيهَا الْتِمَاسَ التَّلْفِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرَاءَةِ لِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُبَرَّأُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ رَأَى الْعَيْبَ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينِ اللَّهِ غِشٌّ وَلَا خَدِيعَةٌ وَالْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ عَلَى رَأْسِ أَمْرِهِمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا وَلَا يُجَازَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ إلَّا مَا وَافَقَ الْحَقَّ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً وَبِهَا عَيْبٌ فَسَمَّى عُيُوبًا كَثِيرَةً وَأَدْخَلَ ذَلِكَ الْعَيْبَ فِيمَا سَمَّى.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَيْبِ وَحْدَهُ أَوْ عَلِمَهُ إيَّاهُ وَحْدَهُ فَإِنَّا لَا نَرَى أَنْ تَجُوزَ الْخِلَابَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ الْعَيْبِ وَحْدَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ عَهْدٍ فَجَمَعَهَا مِنْهَا مَا كَانَ وَمِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ كُلَّ مَا تَبَرَّأَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ قَدْ عَلِمَهُ إذَا كَانَ قَدْ ضَمَّهُ مَعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُنَصِّصْهُ وَحْدَهُ بِعَيْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا وَضَعَهُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِيَلْبِسَ بِهِ عَلَى مَنْ بَاعَهُ وَلِيُخْفِيَهُ لِمَا ضَمَّ إلَيْهِ وَجَعَلَهُ مَعَهُ مِمَّا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَبِيعُكَ لَحْمًا عَلَى بَارِعَةٍ أَبِيعُكَ مَا أَقَلَّتْ الْأَرْضُ، قَالَ: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُسَمِّيَ.
قَالَ سَحْنُونٌ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ
[يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ ثُمَّ يَأْتِي مُشْتَرِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَتَبَرَّأُ إلَيْهِ مِنْ عُيُوبِهَا]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ ثُمَّ يَأْتِي مُشْتَرِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَتَبَرَّأُ إلَيْهِ مِنْ عُيُوبِهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت سِلْعَةً فَلَمَّا وَجَبَتْ لِي وَقَبَضْتهَا أَتَانِي بَائِعُهَا فَقَالَ لِي: إنَّ بِهَا عُيُوبًا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ عُيُوبًا ظَاهِرَةً تُرَى فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَإِنْ كَانَتْ عُيُوبًا غَيْرَ ظَاهِرَةٍ أَوْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَكَانَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَيْعِهِ فَإِنْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ عُيُوبٍ كَانَتْ بِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ بِأَمْرٍ يُثْبِتُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ غَيْرَ الظَّاهِرِ كَانَ فِي ذَلِكَ مُدَّعِيًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْبَائِعُ: إنَّ بِهَا دَاءً بَاطِنًا فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَقَالَ الْبَائِعُ أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ الْبَاطِنَ هُوَ بِهَا السَّاعَةَ قَالَ: يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ وَتُجْزِئَهُ الْبَرَاءَةُ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ وَبِهَا عَيْبٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ عِنْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ إنْ كَانَ بَاطِنًا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ يَقُولُ: أَنَا أَتَبَرَّأُ السَّاعَةَ مِنْ عَيْبِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ: لَا أُصَدِّقُكَ أَنَّ بِهَا الْعَيْبَ وَهُوَ عَيْبٌ ظَاهِرٌ أَوْ تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ثُمَّ يَطَؤُهَا فَيَظْهَرُ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ يَرُدُّهَا وَقَدْ حَبَسَهَا لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا أَوْ تَمُوتُ عِنْدَهُ فَيَرْجِعُ بِقَدْرِ الْعَيْبِ وَقَدْ تَبَرَّأَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ إلَيْهِ مِنْ الْعَيْبِ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ ظَاهِرًا وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى الْبَاطِنِ اتَّهَمَ الْبَائِعَ أَنْ يَكُونَ رَغِبَ فِيهَا وَنَدِمَ فِي بَيْعِهِ فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْعَيْبِ إنْ كَانَ بَاطِنًا أَوْ يَكُونُ ظَاهِرًا يُرَى
[عُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ]
فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ مَنْ بَاعَ بِغَيْرِ الْبَرَاءَةِ فَمَا أَصَابَ فِي الْعَبْدَ فِي الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ الْمَوْتُ وَغَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ عَيْبٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَمَا أَصَابَهُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ بِغَيْرِ الْبَرَاءَةِ فَأَصَابَ الْعَبْدَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حُمَّى أَيُرَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ عَوَرٌ أَوْ عَمَشٌ أَوْ عَمًى؟
قَالَ: فِي قَوْلِ مَالِكٍ كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي الرَّقِيقِ عَيْبًا إذَا أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ صُدَاعِ رَأْسٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي صُدَاعِ الرَّأْسِ شَيْئًا وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالدَّاءِ أَنَّ الَّذِي أَصَابَ هَذَا الْعَبْدَ هُوَ دَاءٌ أَوْ مَرَضٌ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ:، وَإِنْ غَرِقَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَوْ إنْ سَقَطَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَمَاتَ أَوْ احْتَرَقَ أَيَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنْ خَنَقَ نَفْسَهُ أَيَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَتَلَهُ رَجُلٌ أَيَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي عَبْدٍ خَرَجَ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: دِيَةُ الْجُرْحِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْهُ، وَإِنْ أَحَبَّ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ لِلْجِنَايَةِ الَّتِي جُنِيَتْ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ أَخَذَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ رَدَّهُ وَالْقَتْلُ مِثْلُ هَذَا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَأَبَقَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ أَبِقَ فِي الْعُهْدَةِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ فَإِنْ أَبِقَ بَعْدَ الْعُهْدَةِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْعَبْدِ يُبَاعُ بَيْعُ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَةُ الْإِسْلَامِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِبَاقِ فَيَأْبَقُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: أَرَاهُ مِنْ الْبَائِعِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ عَطِبَ فِي الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ أَبَدًا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الثَّلَاثَةِ سَالِمًا فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الثَّلَاثَةِ سَالِمًا فَأَمَّا إبَاقُهُ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ فَأَرَاهُ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الثَّلَاثَةِ سَالِمًا، فَإِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ فِي ذَلِكَ عُهْدَةً بِثَلَاثَةٍ أُخْرَى مِنْ يَوْمِ يُوجَدُ، وَلَكِنْ إذَا أُصِيبَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ بِمَا قُلْتُ لَكَ رَجَعَ إلَى الْمُبْتَاعِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي الْإِبَاقِ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَبِقَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثَةِ فَرَأَيْتُهُ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ تَلِفَ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ مِنْ سَاعَتِهِ أَمْ يَضْرِبُ فِيهِ أَجَلًا حَتَّى يَعْلَمَ أَخَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ سَالِمًا أَوْ عَطِبَ فِيهَا؟
قَالَ: بَلْ أَرَى أَنْ يَضْرِبَ فِي ذَلِكَ أَجَلًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَا أَمْرُ الْعَبْدِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الثَّلَاثَةِ سَالِمًا كَانَ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ عَطِبَ فِي الثَّلَاثَةِ هُوَ أَبَدًا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا.
قَالَ سَحْنُونٌ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ: لَمْ تَزُلْ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السُّنَّةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ إنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فَهُوَ رَدٌّ إلَى الْبَائِعِ، وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ فَإِنْ حَدَثَ فِي الرَّأْسِ فِي تِلْكَ الثَّلَاثِ لَيَالٍ حَدَثٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ سَقَمٍ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ مِنْ الرِّبْعِ؛ لِأَنَّ الْحُمَّى الرِّبْعَ لَا تَسْتَبِينُ إلَّا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ عَبْدًا فَوَعَكَ الْعَبْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَمَاتَ فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا عُهْدَةً عِنْدَنَا إلَّا فِي الرَّقِيقِ
[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ مَنْ أَيِّ الْعُيُوبِ يَتَبَرَّأُ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ: مَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَنْفَعُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَبَايَعُ النَّاسُ بِهِ كَانُوا أَهْلَ مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرَهُمْ إلَّا فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ وَحْدَهُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى الْبَرَاءَةَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ عَلِمَ عَيْبًا وَلَمْ يُسَمِّهِ بِعَيْنِهِ وَقَدْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ فِي ذَلِكَ الْعَيْبِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مِيرَاثٍ بَاعُوا دَوَابَّ وَاشْتَرَطُوا الْبَرَاءَةَ أَوْ بَاعَهَا الْوَصِيُّ فَاشْتَرَطَ الْوَصِيُّ الْبَرَاءَةَ.
قَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِمَا فِي هَذَا مِنْ الْعُيُوبِ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ مِيرَاثٍ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْمَالُ لِغَيْرِي قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الدَّوَابِّ وَلَيْسَتْ الْبَرَاءَةُ إلَّا فِي الرَّقِيقِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا أَرَى الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ فِي الرَّقِيقِ لَا أَهْلَ الْمِيرَاثِ وَلَا الْوَصِيَّ وَلَا غَيْرَهُمْ، قَالَ: فَجَاءَ قَوْمٌ وَأَنَا عِنْدَهُ قَاعِدٌ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّا بِعْنَا جَارِيَةً فِي مِيرَاثِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ لَا نَعْلَمُ بِهَا عَيْبًا فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ فَانْقَلَبَ بِهَا فَوَجَدَ فِي فَرْجِهَا عَيْبًا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ شَيْئًا فَلَمَّا خَرَجُوا كَلَّمْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَاءَةُ فِي الْمِيرَاثِ فِي الرَّقِيقِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَنْفَعَ إنَّمَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ لِأَهْلِ الدُّيُونِ يُفْلِسُونَ فَيَبِيعُ عَلَيْهِمْ السُّلْطَانُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَا أَرَى الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ أَهْلَ الْمِيرَاثِ وَلَا غَيْرَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْبًا خَفِيفًا قَالَ: فَعَسَى، قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ الرَّقِيقُ قَدْ جُلِبَتْ مِنْ الْبُلْدَانِ إلَيْهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِبَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ أَوْ يَكُونُ قَدْ جَلَبَهَا فَيَقُولُ: أَبِيعكُمْ بِالْبَرَاءَةِ وَلَا عِلْمَ لِي فَقَدْ صَدَقَ وَلَا عِلْمَ لَهُ وَلَمْ يَكْشِفْ لَهُمْ ثَوْبًا فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِأَمْوَالِ النَّاسِ بِهَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: فَمَا أَرَى الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا بَاعَ السُّلْطَانُ عَلَى النَّاسِ فِي دُيُونِهِمْ أَيَنْفَعُ السُّلْطَانُ أَوْ صَاحِبُ
السِّلْعَةِ الَّتِي بِيعَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ؟ قَالَ: مَا وَقَّفْتُ مَالِكًا عَلَى هَذَا فِي أَحَدٍ إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ مِنْ قَوْلِهِ الْقَدِيمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى الْبَرَاءَةَ فِي الرَّقِيقِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ وَعَلَى مَا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ رَأْيِي وَإِنَّ بَيْعَ الْمُفْلِسِ وَالْمِيرَاثِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَءُوا فَكَذَلِكَ بَيْعُ السُّلْطَانِ كُلُّهُ الْغَنَائِمَ وَغَيْرَهَا.
[تَفْسِير بَيْعِ الْبَرَاءَةِ]
فِي تَفْسِيرِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ قُلْتُ: وَكَيْفَ الْبَرَاءَةُ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا فِي هَذَا إذَا بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا قَالَ أَبِيعُكَ بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِيءَ مِمَّا يُصِيبُ الْعَبْدَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَبْرَأُ إلَيْكَ مِنْ كُلِّ مَا يُصِيبُهُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ؟
قَالَ: إذَا قَالَ: أَبِيعُكَ بِالْبَرَاءَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ فَقَدْ بَرِيءَ مِنْ عُهْدَةِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَمِنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلَ إذَا كَانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ فِي الرَّقِيقِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِيرَاثًا وَلَمْ يَقُلْ أَبِيعُ بِالْبَرَاءَةِ فَبَاعَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِيرَاثٌ؟ قَالَ: فَقَدْ بَرِيءَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَدْ بَرِئْتُ وَكَذَلِكَ بَيْعُ السُّلْطَانِ مَالَ مَنْ قَدْ فَلِسَ صَاحِبُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّهُ مِيرَاثٌ فَبَاعَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَرَاءَةَ أَيَبْرَأُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلَ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّهُ مِيرَاثٌ.
قُلْتُ: فَلَوْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّهُ مِيرَاثٌ وَبَاعَ بِالْبَرَاءَةِ؟
قَالَ: فَذَلِكَ لَهُ وَيَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلَ وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ بَاعَ أَهْلُ الْمِيرَاثِ رَقِيقًا وَبِالرَّقِيقِ عُيُوبٌ قَدْ عَلِمُوا بِهَا وَكَتَمُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَخْبَرُوا أَنَّهَا مِيرَاثٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْرَؤُنَّ إذَا عَلِمُوا حَتَّى يُسَمُّوا.
قُلْتُ: وَلَمْ تَكُنْ الْبَرَاءَةُ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا كَانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَحْدَهُمْ فِي الْمَوَارِيثِ وَمَا يَبِيعُ السُّلْطَانُ عَلَى الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا فَقَالَ: إنَّ فِيهَا عُيُوبًا وَأَنَا مِنْهَا بَرِيءٌ أَيَبْرَأُ مِمَّا فِيهَا مَنْ الْعُيُوبِ الَّتِي عَلِمَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ تِلْكَ الْعُيُوبَ بِعَيْنِهَا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ رَجُلٌ جَارِيَةً فَتَبَرَّأَ مِنْ الْحَمْلِ وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ أَيَجُوزُ
الْبَيْعُ وَيَكُونُ بَرِيئًا مِنْ الْحَمْلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ جِوَارِي الْوَطْءِ مِنْ الْمُرْتَفِعَاتِ لَمْ أَرَ الْبَرَاءَةَ فِيهَا وَرَأَيْتُهُ بَيْعًا مَرْدُودًا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَخْشِ الرَّقِيقِ وَالْخَدَمِ مِنْ السِّنْدِ وَالزِّنْجِ وَأَشْبَاهِهِمْ رَأَيْتُ ذَلِكَ جَائِزًا وَرَأَيْتُهَا بَرَاءَةً.
قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا حَدُّ الْمُرْتَفِعَاتِ أَتَرَى ثَمَنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مِنْ الْمُرْتَفِعَاتِ؟
قَالَ: نَعَمْ هَؤُلَاءِ مِنْ جِوَارِي الْوَطْءِ، قَالَ: وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّ الْمُرْتَفِعَةَ إذَا بِيعَتْ بِبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ يَكُونُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَثَلَثَمِائَةٍ دِينَارًا إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهَا مِائَةً وَأَقَلَّ وَلَمْ تُشْتَرَ وَهُوَ عَيْبٌ شَدِيدٌ فَهَذَا خَطَرٌ شَدِيدٌ وَقِمَارٌ، قَالَ: وَأَرَى الْوَخْشَ مِنْ الرَّقِيقِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِنَّ خَطَرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَضَعَ الْحَمْلُ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنَّهُ يَضَعُ قَلِيلًا وَرُبَّمَا كَانَ الْحَمْلُ أَكْثَرَ لِثَمَنِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعُهْدَةَ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ وَفِي بَيْعِ السُّلْطَانِ عَلَى الْغُرَمَاءِ لَمْ يَكُنْ يَرَى عَلَيْهِمْ الْعُهْدَةَ فِي الثَّلَاثَةِ وَلَا فِي السَّنَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا يُبَاعُ فِي الْمِيرَاثِ، وَمَا بَاعَهُ السُّلْطَانُ فِي دَيْنِ مَنْ فَلِسَ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ دَوَابَّ أَوْ آنِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ فَأَصَابَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَيْبًا رَدَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَانَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ يَقُولُ فِي الرَّقِيقِ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ وَبَيْعِ السُّلْطَانِ عَلَى مَنْ فَلِسَ: إنْ أُصِيبَ بِالرَّقِيقِ عَيْبٌ أَوْ مَاتُوا فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَوْ أَصَابَهُمْ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فِي السَّنَةِ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ بَاعَهُمْ شَيْءٌ وَلَزِمَ مَنْ اشْتَرَاهُمْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ الرَّقِيقُ فِي الْمِيرَاثِ وَبَيْعُ السُّلْطَانِ عَلَى مَنْ قَدْ فَلِسَ كَبَيْعِ غَيْرِهِمْ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ وَالثَّلَاثِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَ الْعَبْدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْعَبْدِ دَاءٌ لَمْ يَسُمّهُ لِي فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُونَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً فِيهَا عَيْبٌ قَدْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَإِنْ بَاعَهَا بِالْبَرَاءَةِ فَهِيَ رَدٌّ إنْ شَاءَ الْمُبْتَاعُ؟
قَالَ ابْنُ سَمْعَانَ: فَالنَّاسُ عَلَى قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
[عُهْدَة بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ]
فِي عُهْدَةِ بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ قَدْ فَلِسَهُ السُّلْطَانُ فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا عَلَى مَنْ يَرُدُّهُ أَعَلَى السُّلْطَانِ أَمْ عَلَى الَّذِي فَلِسَ أَمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ فَلِّسُوهُ؟ قَالَ: بَلَغَنِي مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَرُدُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ إنَّمَا بِيعَ لَهُمْ وَهُمْ أَخَذُوا الْمَالَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَكِنِّي قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ إذَا فَلِسَ فَجَمَعُوا مَتَاعَهُ وَبَاعَ السُّلْطَانُ لَهُمْ مَالَهُ فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لِي: قَدْ بَرِئَ الْغَرِيمُ مِنْهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ أَهْلِ الدَّيْنِ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ وَلَا مَالَ لَهُ فَرَدَّ الْغُرَمَاءُ عِتْقَهُ ثُمَّ أَفَادَ مَالًا قَبْلَ أَنْ يُبَاعُوا عَلَيْهِ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ عَلَيْهِ رَأَيْت أَنْ يُعْتَقُوا وَيَكُونُ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ فِيمَا أَفَادَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَلَوْ بَاعَهُمْ السُّلْطَانُ وَلَمْ يَنْفُذْ السُّلْطَانُ بَيْعَ الرَّقِيقِ حَتَّى أَفَادَ الرَّجُلُ مَالًا قَالَ: أَرَى أَنْ يُعْتَقُوا وَيُعْطَى الْغُرَمَاءُ الْمَالَ مِمَّا أَفَادَ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:، وَإِنْ كَانَ فِي رَقِيقِ الْمُعْتِقِ جَارِيَةٌ حِينَ أَعْتَقَ فَرَدَّ الْغُرَمَاءُ عِتْقَهُ وَتَرَكُوهَا فِي يَدَيْهِ مَوْقُوفَةً لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْجَارِيَةَ حَتَّى تُبَاعَ فِي دَيْنِهِ أَوْ تُعْتَقَ إنْ أَفَادَ مَالًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَاهَا مِنْ بَعْدِ مَا بَاعَهَا عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَقَدْ كَانَ أَعْتَقَهَا أَيَطَؤُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَقَالَ: مَا مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ سُرِقَ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ هَلَكَ مِنْ الْحَيَوَانِ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ لِلْغُرَمَاءِ بَعْدَ مَا جَمَعَهُ السُّلْطَانُ فَهُوَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ فَإِذَا بَاعَهُ السُّلْطَانُ وَصَارَ ثَمَنًا فَمُصِيبَتُهُ مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَلِسَ وَبِيَدِهِ جَارِيَةٌ فَوَقَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا الَّذِي بَاعَهَا لِيَأْخُذَهَا وَأَبَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوهَا إلَيْهِ وَقَالُوا: نَحْنُ نُعْطِيك ثَمَنَهَا فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ أَوْ ضَمِنُوهُ لَهُ ثُمَّ أَخَذُوا الْجَارِيَةَ لِيَبِيعُوهَا فَمَاتَتْ الْجَارِيَةُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوهَا مِمَّنْ تَرَى مُصِيبَتَهَا عَلَى الْغَرِيمِ أَمْ عَلَى الَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى الْمُصِيبَةَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: لِمَ، وَلَوْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا الَّذِي بَاعَهَا بَرِئَ هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِهَا شَيْءٌ لَوْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا الَّذِي
بَاعَهَا وَإِنَّمَا أَخَذَهَا الْغُرَمَاءُ مِنْهُ لِفَضْلٍ يَرْجُونَهُ فِيهَا وَهُوَ الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ فِي الْجَارِيَةِ فَضْلٌ قَضَى بِهِ عَلَى الْغَرِيمِ وَلَيْسَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ دَيْنِهِ وَيَقُولُ: إمَّا أَبْرَأْتُمُونِي مِمَّا يَأْخُذُ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ وَإِمَّا دَفَعْتُمُوهَا إلَيْهِ.
قَالَ: لَا قَوْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْغُرَمَاءُ عَلَيَّ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَأْخُذُوا أَخَذُوا، وَالنَّمَاءُ لَهُ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ مَوْتٌ أُتْبِعَ بِهِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ: هَذَا يَأْخُذُهَا بِالثَّمَنِ
[عُهْدَة بَيْعِ الْمَأْمُورِ بِبَيْعِ السِّلْعَةِ وَالْقَاضِي وَالْوَصِيِّ]
فِي عُهْدَةِ بَيْعِ الْمَأْمُورِ بِبَيْعِ السِّلْعَةِ وَالْقَاضِي وَالْوَصِيِّ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَقَالَ حِينَ بَاعَهَا: إنَّ فُلَانًا أَمَرَنِي أَنْ أَبِيعَ لَهُ هَذِهِ السِّلْعَةَ فَأَدْرَكَ السِّلْعَةَ تِبَاعَةً؟ قَالَ: إنْ كَانَ حِينَ بَاعَهَا قَالَ: إنَّمَا أَبِيعُ لِفُلَانٍ فَلَا أَرَى عَلَى الْمَأْمُورِ شَيْئًا وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْآمِرِ.
قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ فِي الْمُزَايَدَةِ أَوْ الرَّجُلُ يَعْرِفُ أَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُ لِلنَّاسِ بِجُعْلٍ أَوْ رَجُلٌ يَبِيعُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَبَاعَهَا فَوَجَدَ بِهَا الْمُبْتَاعُ عَيْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى مَنْ يَرُدُّهَا وَمَنْ يَسْتَحْلِفُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا لِفُلَانٍ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَيَرُدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا الْآمِرِ وَالْيَمِينُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْلِمْهُ حَلَفَ الْوَكِيلُ وَإِلَّا رَدَّ السِّلْعَةَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَفَرَأَيْتَ مَا يَسْتَأْجِرُ النَّاسُ مِنْ النَّخَّاسِينَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ لَهُمْ الرَّقِيقَ وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ الْجُعْلَ عَلَى مَا يَبِيعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ يَبِيعُونَ الْمَوَارِيثَ وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ لِلنَّاسِ يُجْعَلُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجَعْلُ فَيَبِيعُونَ، وَاَلَّذِي يَبِيعُ فِيمَنْ يَزِيدُ فِي غَيْرِ مِيرَاثٍ أَيُسْتَأْجَرُ عَلَى الصِّيَاحِ فَيُوجَدُ مَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَسْرُوقٌ أَوْ خَرْقٌ أَوْ عَيْبٌ؟ .
قَالَ: لَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ضَمَانٌ وَإِنَّمَا هُمْ أُجَرَاءُ أَجَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْعُهْدَةُ عَلَى أَرْبَابِ السِّلَعِ فَلْيَتَّبِعُوهُمْ، فَإِنْ وَجَدُوا أَرْبَابَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ تِبَاعَةٌ فِيمَا بَاعُوا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَقِيلَ لَهُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَبَاعَ فَأَخَذَ جُعْلَهُ ثُمَّ رَدَّ الْبَيْعَ بِعَيْبٍ وُجِدَ بِالسِّلْعَةِ فَأَرَادَ رَبُّ السِّلْعَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي بَاعَ بِالْجُعْلِ وَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ بِعْتُ لَكَ مَتَاعَكَ؟ .
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَرُدَّ الْجُعْلَ، وَلَا
جُعْلَ لَهُ إذَا لَمْ يُنَفِّذْ الْبَيْعَ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ بَاعَهَا الثَّانِيَةَ فَرُدَّتْ أَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جُعْلَهَا أَيْضًا اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ
[يَشْتَرِي السِّلْعَةَ لِرَجُلٍ أَمَرَهُ بِاشْتِرَائِهَا فَيَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا لِفُلَانٍ]
الرَّجُلُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ لِرَجُلٍ أَمَرَهُ بِاشْتِرَائِهَا فَيَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا لِفُلَانٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت سِلْعَةً مَنْ رَجُلٍ لِفُلَانٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنِّي إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِفُلَانٍ وَلَسْت أَشْتَرِيهَا لِنَفْسِي فَاشْتَرَيْتُهَا بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ أَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَتْبَعَ هَذَا الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ أَمْ يَتْبَعَ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ أَوْ مَنْ يُتْبِعُ بِالثَّمَنِ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمُشْتَرِي قَالَ لِلْبَائِعِ: إنِّي إنَّمَا أَشْتَرِي مِنْكَ لِلَّذِي أَمَرَنِي وَلَا أَنْقُدُكَ إنَّمَا الثَّمَنُ لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَأَرَى الثَّمَنَ عَلَى هَذَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ فَالنَّقْدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: النَّقْدُ عَلَى الَّذِي أَشْتَرِي لَهُ وَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَهَذَا لَا يَتْبَعُهُ الْبَائِعُ بِالنَّقْدِ وَيَكُونُ النَّقْدُ لِلْبَائِعِ عَلَى الَّذِي أَمَرَ هَذَا بِالشِّرَاءِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِي إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتَامَى أَوْ بَاعَ مَالَ رَجُلٍ مُفْلِسٍ فِي دَيْنٍ أَوْ بَاعَ مَالَ الْمَيِّتِ وَوَرَثَتُهُ غُيَّبٌ عَلَى مَنْ الْعُهْدَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ: أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ عُهْدَةُ الْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ؟
قَالَ: فِي مَالِ الْيَتَامَى.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الثَّمَنُ وَضَاعَ مَالُ الْيَتَامَى وَلَا مَالَ لِلْيَتَامَى غَيْرُ ذَلِكَ فَاسْتَحَقَّتْ السِّلَعَ الَّتِي بَاعَ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ السُّلْطَانُ عَلَى الْمُفْلِسِ رَقِيقَهُ ثُمَّ أَصَابَ بِهِمْ الْمُشْتَرِي عَيْبًا أَوْ هَلَكُوا فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ السُّلْطَانِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَأَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ إنْ مَاتَ فِي الْعُهْدَةِ أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَبَيْعُ السُّلْطَانُ لَا عُهْدَةَ فِيهِ أَيْضًا مِثْلُ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَ بِهِمْ الْمُشْتَرِي عَيْبًا قَدِيمًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يَرُدُّهُمْ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ وَذَكَرَ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ فَقَالَ:
إنَّمَا كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ أَنْ يُفْلِسَ الرَّجُلُ أَوْ يَمُوتَ فَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ وَيَقْسِمُهُ غُرَمَاؤُهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ عَلَى هَذَا، وَهَذَا قُوَّةٌ لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ ذَلِكَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ السُّلْطَانُ عَلَى هَذَا الْمُفْلِسِ عَبْدَهُ وَقَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ وَاقْتَسَمَ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهُ ثُمَّ أَصَابَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا قَدِيمًا فَقَالَ رَبُّ الْعَبْدِ: قَدْ كَانَ هَذَا الْعَيْبُ بِهِ قَدِيمًا وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَيْبَ قَدِيمٌ لَيْسَ مِمَّا يَحْدُثُ.
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ: أَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَبَيْعُ الْبَرَاءَةِ لَا يُرَدُّ إلَّا مِمَّا عَلِمَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ، فَأَرَى هَذَا فِي مَسْأَلَتِكَ إذَا كَانَ الْعَيْبُ قَدِيمًا قَدْ عَلِمَ الْبَائِعُ بِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ عَلِمَهُ رَدَّهُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ وَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَبِيعَ الْعَبْدُ لِلْغُرَمَاءِ ثَانِيَةً فِي دَيْنِهِمْ بِعَيْبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ عَنْ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ اتَّبَعُوهُ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنْ دَيْنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُفَلِّسِ مَالٌ يَوْمَ يُرَدُّ الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِعَيْبِهِ أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَتْبَعْ الْغُرَمَاءَ بِشَيْءٍ وَكَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ حِينَ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَرَدَّ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ عَيْبٌ مُفْسِدٌ وَلِسَيِّدِهِ مَالٌ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ، فَإِنْ احْتَبَسَهُ وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي وَجَدَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهُ كَانَ حُرًّا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ يَوْمَ يَرُدُّهُ، فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ لَا مَالَ لَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْبِسَهُ وَيَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ وَمَا نَقَصَ فَذَلِكَ لَهُ وَلَا يُعْتَقُ وَيُبَاعُ ثَانِيَةً لِلْغُرَمَاءِ قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: بَيْعُ الْمِيرَاثِ مِثْلُ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ يَبْرَءُونَ لَهُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوا، وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: بَيْعُ السُّلْطَانِ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ، وَمِنْ بَيْعِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ سَمِعْتُ أَنَا رُجُوعَهُ عَنْ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَبَيْعِ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ تَبَرَّءُوا مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ عَيْبًا قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ إنَّهُمْ يَبْرَءُونَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ آخُذُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ فِي الرَّقِيقِ، وَإِنَّمَا الْبَرَاءَةُ فِيهِمْ وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ وَثَبَتَ مَالِكٌ عَلَى بَيْعِ السُّلْطَانِ أَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَتْ فِيهِ الْبَرَاءَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَلَا فِي الدَّوَابِّ بَيْعُ بَرَاءَةٍ فِي مِيرَاثٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ وَلَيْسَ الْبَرَاءَةُ إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَحْدَهُمْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: بَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ فِي بَيْعِ الْمَوَارِيثِ أَهْلُهَا بَرَاءٌ مِمَّا كَانَ فِيهَا لِتَفْرِيقِ
ذَلِكَ وَتَشْتِيتِهِ وَكَيْفَ يَغْرَمُ وَلِيٌّ وَقَدْ تَفَرَّقَ مَا وُلِّيَ، أَمْ كَيْفَ يَغْرَمُ وَارِثٌ وَقَدْ انْطَلَقَ بِاَلَّذِي لَهُ فَهُمْ بُرَآءُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الْبَرَاءَةَ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ: يَلِي لِلْغَائِبِ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ عُهْدَةٌ فِي شَيْءٍ ثُمَّ يَبِيعُ الشَّيْءَ، فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَمَنْ ذَلِكَ مَا وَلِيَ مِنْ وُجُوهِ الصَّدَقَةِ فَلَا يَرُدُّ لِتَفَاوُتِ ثَمَنِ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ التِّبَاعَةُ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَا كَانَ مِنْ بَيْعِ الْمِيرَاثِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ لِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَصَايَا وَتَفْرِيقِ الْمَوَارِيثِ، فَمَنْ بَاعَ عَلَى ذَلِكَ مُتَبَرِّئًا لَا يَعْلَمُ شَيْئًا فَلَا تِبَاعَةَ عَلَيْهِ فِي عُهْدَةٍ قَدِيمًا كَانَ أَوْ حَدِيثًا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ: إنَّهُ لَا تِبَاعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ وَلَا عُهْدَةَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَنَّهُمْ قَدْ بَاعُوا وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَعْلَمُ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ عُهْدَةَ السَّنَةِ فِي الرَّقِيقِ وَلَا عُهْدَةَ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا بَيْعُهُمْ بَيْعُ الْبَرَاءَةِ.
[مَا جَاءَ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عُهْدَةَ السَّنَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَقَطْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا غَيْرُهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت الْوَسْوَسَةَ؟ قَالَ: إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ فَأَطْبَقَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَهُ مِنْ الْجُنُونِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إنَّمَا يَخْنُقُ رَأْسَ كُلِّ هِلَالٍ؟
قَالَ: يَرُدُّهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ وَسْوَسَةُ رَأْسِ كُلِّ هِلَالٍ؟
قَالَ: يَرُدُّهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ الْجُنُونُ رَأْسَ شَهْرٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ وَمَضَى ذَلِكَ الشَّهْرُ فَصَحَّ أَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ عَيْبٌ لَازِمٌ وَأَمْرٌ يَعْتَرِي الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لَيْسَ بُرْؤُهُ أَمْرًا يَعْرِفُهُ النَّاسُ ظَاهِرًا؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جُنَّ عَبْدٌ لَهُ ثُمَّ بَرَأَ وَصَحَّ فَبَاعَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ الْجُنُونُ أَنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ الْجُذَامُ أَوْ الْبَرَصُ فِي السَّنَةِ ثُمَّ بَرَأَ وَصَحَّ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي وَيَعْلَمُ بِهِ الْمُشْتَرِي أَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ؟ .
قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَيْبًا عِنْدَ أَهْلِ
الْمَعْرِفَةِ بِالرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ مَا يُخَافُ عَوْدَتُهُ وَيُخَافُ مِنْهُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْجُنُونِ قَالَ: وَالْبَرَصُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهُ بَهَقٌ أَوْ حُمْرَةٌ أَوْ جَرَبٌ حَتَّى تَسَلَّخَ مِنْهُ وَتَوَرَّمَ فِي السَّنَةِ لَا يَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا يَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فِي السَّنَةِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ رَجُلٌ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَرُدَّهُ فِي السَّنَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ وَلَا أَرَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ، وَأَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: فَإِنْ خَرِسَ فِي السَّنَةِ فَأَصَابَهُ صَمَمٌ أَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ فِي السَّنَةِ؟ .
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَكِنْ إنْ كَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ، وَإِنْ خَرِسَ وَأَصَابَهُ صَمَمٌ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عَقْلَهُ قَدْ ذَهَبَ مَعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا: الْعُهْدَةُ ثَابِتَةٌ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْعُهْدَةِ: فِي كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ نَحْوُ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ سَنَةٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْقُضَاةُ مُنْذُ أَدْرَكَنَا يَقْضُونَ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَمْ تَزَلْ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ إنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فَهُوَ رَدٌّ إلَى الْبَائِعِ وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِالرَّأْسِ فِي تِلْكَ الثَّلَاثِ لَيَالٍ حَدَثٌ مِنْ سَقَمٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعُهْدَةِ فِي الرَّقِيقِ ثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُصِيبُ الْعَبْدَ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْقُدُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ وَالْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ سَنَةٌ، وَالنَّقْدُ فِيهَا جَائِزٌ، وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّقِيقِ ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ حَدَثَ فِي الرَّأْسِ شَيْءٌ فِي تِلْكَ الثَّلَاثِ لَيَالٍ حَدَثٌ مِنْ سَقَمٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ.
[كِتَابُ الصُّلْحِ]
[يَشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ غَيْرَهُ فَيُصِيبُ بِهِ الْعَيْبَ فَيُصَالِحُ الْبَائِعَ مِنْ عَيْبِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الصُّلْحِ رَسْمٌ فِيمَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ غَيْرَهُ فَيُصِيبُ بِهِ الْعَيْبَ فَيُصَالِحُ الْبَائِعُ مَنْ عَيْبِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَصَبْتُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا وَالْعَبْدُ لَمْ يَفُتْ فَصَالَحَنِي الْبَائِعُ مِنْ الْعَيْبِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ، إنَّمَا هُوَ ذَهَبٌ لِمُشْتَرِي الْعَبْدِ عَلَى بَائِعِهِ إنْ رَضِيَا بِإِمْضَاءِ الشِّرَاءِ، فَلَمَّا فَسَخَا قِيمَةَ الْعَيْبِ مِنْ الذَّهَبِ فِي دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ كَانَ ذَلِكَ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ صَالَحَهُ الْبَائِعُ مَنْ الْعَيْبِ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا وَقَدْ كَانَ شِرَاءُ الْعَبْدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ؟ .
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَرْجَعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ وَأَمْضَى الْعَبْدَ تِسْعِينَ دِينَارًا، وَإِنْ رَدَّ إلَيْهِ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ الدَّنَانِيرُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْأَجَلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ دَنَانِيرَهُ إلَى أَجَلٍ عَلَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ فِي قِيمَةِ الْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَهَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ؟ .
قَالَ: نَعَمْ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ فَاتَ وَبِهِ عَيْبٌ فَصَالَحَهُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ
قِيمَةَ الْعَيْبِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ دَارِهِمْ نَقْدًا أَوْ عُرُوضًا نَقْدًا؟ . قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ صَالَحَهُ بِدَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ أَدْنَى فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ أَوْ عُرُوضًا إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَوَجْهُ مَا كُرِهَ مِنْ الدَّنَانِيرِ إذَا كَانَتْ إلَى أَجَلٍ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَنَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ قَدْ كَانَ وَجَبَ لَهُ رَدُّهَا وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْبَائِعِ فَأَخَّرَهُ بِالدَّيْنِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ صَارَ صَرْفًا لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ فَفُسِخَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الذَّهَبِ فِي فِضَّةٍ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانَ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ عَرَضًا إلَى أَجَلٍ صَارَ دَيْنًا بِدَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ يَفْسَخْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الذَّهَبِ الَّتِي صَارَتْ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ لِمَكَانِ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ فَأَخَّرَ ذَهَبَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَوْصَلَهُ إلَيْهِ فَفَسَخَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي فِي عَرَضٍ إلَى أَجَلٍ فَصَارَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، «وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» .
[وَجْدُ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فِي الْمَبِيع فَصَالِحُهُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ زَادَهُ دَنَانِيرَ]
رَسْمٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّوْقَ فَيَجِدُ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا فَيُصَالِحُهُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ زَادَهُ الْبَائِعُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَصَابَ الْمُشْتَرِي بِالطَّوْقِ عَيْبًا فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ عَلَى دِينَارٍ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا بَاعَ طَوْقًا فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَدِينَارٌ مَعَ الطَّوْقِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ نَقْدًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّمَا اشْتَرَيْتَ الْعَيْبَ مِنْهُ بِدِينَارٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ صَالَحْتُهُ لِمَكَانِ الْعَيْبِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ دَفَعْتُهَا إلَيْهِ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ الدِّرْهَمِ الَّتِي دَفَعْتَهَا إلَيْهِ مِثْلَ الدَّرَاهِمِ الْأَلْفِ الَّتِي اُنْتُقِدَتْ فِي ثَمَنِ الطَّوْقِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ مِنْ سِكَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ سِكَّتِهَا لَمْ يَصْلُحْ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ الطَّوْقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُحَمَّدِيَّةٍ فَصَالَحَهُ مِنْ الْعَيْبِ عَلَى مِائَةٍ يَزِيدِيَّةٍ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ طَوْقٍ مِنْ ذَهَبٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ يَزِيدِيَّةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُحَمَّدِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجُوزُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِالذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى تِبْرِ فِضَّةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِذَا صَالَحَهُ عَلَى مِائَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ فَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ رَدَّ إلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي أَخَذَهَا مِائَةً فَإِنَّمَا صَارَ ثَمَنُ الطَّوْقِ تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَالَحَهُ مَنْ الْعَيْبِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ مُحَمَّدِيَّةٍ مِثْلِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي اُنْتُقِدَ فِي الطَّوْقِ إلَى أَجَلٍ أَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ .
قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا وَسَلَفًا إذَا أَخَّرَهُ بِالْمِائَةِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ رَجُلٌ بَاعَ الطَّوْقَ بِتِسْعِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَسْلَفَهُ الْمُشْتَرِي مِائَةَ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ
[مُصَالَحَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مُوَرَّثِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْوَرَثَةُ]
رَسْمٌ فِي مُصَالَحَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مُوَرَّثِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْوَرَثَةُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا - دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ - وَعُرُوضًا وَأَرْضًا وَتَرَكَ مِنْ الْوَرَثَةِ امْرَأَةً وَأَوْلَادًا فَصَالَحَ الْوَرَثَةُ الْمَرْأَةَ مَنْ حَقِّهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ عَجَّلُوهَا لِلْمَرْأَةِ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي يُعْطُونَ الْمَرْأَةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَرَكَ الْمَيِّتُ وَهِيَ قَدْرُ مِيرَاثِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَقَلُّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا بَاعَتْ عُرُوضًا حَاضِرَةً وَغَائِبَةً وَذَهَبًا بِدَرَاهِمَ تَتَعَجَّلُهَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَهُوَ حَرَامٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا صَالَحُوهَا عَلَى أَنْ يُعْطُوهَا الْمِائَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْ تُسَلِّمَ لَهُمْ جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ وَقَدْ تَرَكَ الْمَيِّتُ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَعُرُوضًا وَأَرْضًا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ لَا بِالدَّنَانِيرِ وَلَا بِالدَّرَاهِمِ وَإِنْ اشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْهَا بِالْعُرُوضِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَعْرِفَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ دَارٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ دَيْنٍ حَاضِرٍ، فَإِنْ اشْتَرَوْا حَقَّهَا مِنْهَا بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُسَمُّوا مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فَيُقَالُ: تَرَكَ مِنْ الْعَبِيدِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنْ الدُّورِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنْ الدَّيْنِ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ حَاضِرٌ فَلِفُلَانَةَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الثُّمُنُ، فَقَدْ اشْتَرَيْنَا جَمِيعَ ثُمُنِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَمَّيْنَا بِهَذَا الْعَرَضِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ كُلُّ مَا سَمَّوْا مِنْ عَرَضٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ دَيْنٍ حَاضِرًا.
قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَصِفُوا جَمِيعَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ عِنْدَ شِرَائِهِمْ ثُمْنَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولُوا: اشْتَرَيْنَا مِنْهَا ثُمُنَهَا مِنْ جَمِيعِ مَا تَرَكَ فُلَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمُّوا مَا تَرَكَ لَهَا فُلَانٌ أَوْ يَكُونُوا قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ وَعَرَفْتُهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَوْهُ بِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا لَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَفِي مِيرَاثِهَا مَنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ دَرَاهِمُ يَصِيرُ حَظُّهَا مَنْ الدَّرَاهِمِ صِرْفًا؟ .
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَظُّهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ تَافِهًا يَسِيرًا لَا يَكُونُ صِرْفًا مِثْلَ الدَّرَاهِمِ الْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ غَائِبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي حَظِّهَا دَنَانِيرُ فَاشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْهَا بِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا فَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مَعَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ فِيمَا تَرَكَ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ، دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ، فَاشْتَرَوْا حَظَّهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا مَنْ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَوْا مِنْهَا دَيْنًا دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ وَبِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ طَعَامًا قَرْضًا أَقَرَضَهُ الْمَيِّتُ النَّاسَ أَوْ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا فَاشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْهَا وَسَمَّوْهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ بِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا لَهَا أَوْ بِدَرَاهِمَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الدَّيْنُ حُضُورًا مُقِرِّينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي لِلْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ إنَّمَا هُوَ مَنْ اشْتِرَاءٍ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ؟ .
قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحُوهَا مِنْ مِيرَاثِهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ الطَّعَامُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَالَحُوهَا مِنْ حَقِّهَا عَلَى دَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَقَدْ تَرَكَ الْمَيِّتُ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ وَعُرُوضًا وَلَمْ يَتْرُكْ دَيْنًا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَلِيلَةً وَكَانَ ذَلِكَ يُقْبَضُ يَدًا بِيَدٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى دَنَانِيرَ أَعْطَوْهَا مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ الدَّيْنُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ الَّتِي اشْتَرَوْهَا مِنْ الْمَرْأَةِ مِنْ مُوَرِّثِهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ بِدَنَانِيرَ عَجَّلُوهَا لَهَا مِنْ حَقِّهَا مِنْ الْمِيرَاثِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَتْ مِنْ الدَّنَانِيرِ مِثْلَ مُوَرَّثِهَا مِنْ هَذِهِ الدَّنَانِيرِ الْحَاضِرَةِ، فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ بَأْسٌ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَرَكَتْ لَهُمْ حَقَّهَا مِنْ الدَّيْنِ وَأَخَذَتْ حَقَّهَا مِنْ هَذِهِ الْحَاضِرَةِ، فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ الدَّنَانِيرِ ثَمَانِينَ حَاضِرَةً وَعُرُوضًا وَدُيُونًا عَلَى النَّاسِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا اشْتَرَاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهَا فَصَالَحُوا الْمَرْأَةَ مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ الثَّمَانِينَ الدِّينَارِ الَّتِي تَرَكَ الْمَيِّتُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَخَذَتْ حَقَّهَا مِنْ الثَّمَانِينَ وَوَهَبَتْ لَهُمْ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَلَوْ كَانُوا إنَّمَا يُعْطُونَهَا الدَّنَانِيرَ الْعَشَرَةَ الَّتِي صَالَحُوهَا عَلَيْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَيْسَ مِمَّا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَدَخَلَهُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَوْا بِدَنَانِيرِهِمْ هَذِهِ دَيْنًا دَنَانِيرَ وَبَاعَتْ الْمَرْأَةُ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ أَيْضًا طَعَامًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَرِيكَيْنِ كَانَا يَعْمَلَانِ فِي حَانُوتٍ فَافْتَرَقَا عَلَى أَنْ أَعْطَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَفِي الْحَانُوتِ شَرِكَةُ مَتَاعٍ لَهُمَا دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ وَفُلُوسٌ كَانَتْ فِي الْحَانُوتِ بَيْنَهُمَا؟ .
قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ، وَنَهَى عَنْهُ
[الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ]
رَسْمٌ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا إلَى شَهْرٍ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مُقِرًّا.
قُلْتُ: فَإِنْ صَالَحْتُهُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دِينَارٍ إلَى شَهْرٍ أَيَجُوزُ هَذَا أَوْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مُقِرًّا بِمَا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يَفْسَخُ دَيْنًا فِي دَيْنِ وَأَمَّا إذَا صَالَحَهُ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا إلَى أَجَلٍ فَهَذَا رَجُلٌ حَطَّ خَمْسِينَ دِرْهَمًا مِنْ حَقِّهِ وَأَخَّرَهُ بِخَمْسِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي قِبَلَهُ يُنْكِرُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا؟
قَالَ لَمْ أَسْمَعْ فِي الْإِنْكَارِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ مِثْلُ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدَّعِي إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَدَّعِي الْحَقَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْمِائَةِ عُرُوضًا إلَى أَجَلٍ أَوْ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَدَّعِي حَقٌّ، فَلَا يَصْلُحُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَفْسَخَ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَدَّعِي بَاطِلًا فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ وَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هَمَّامٍ وَعُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» . ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.
[مُصَالَحَة بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَنْ مَالِ الْمَيِّتِ]
رَسْمٌ فِي مُصَالَحَةِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَنْ مَالِ الْمَيِّتِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ خُلْطَةٌ فَادَّعَى وَلَدُ الْهَالِكِ أَنَّ لِأَبِيهِمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِمْ خُلْطَةٌ مَالًا فَأَقَرَّ أَوْ أَنْكَرَ فَصَالَحَهُ
أَحَدُهُمْ عَلَى حَقِّهِ فَدَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمْ مِنْ دَعْوَاهُ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ عَلَى إنْكَارٍ مِنْ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَهُ أَوْ عَلَى إقْرَارٍ أَيَكُونُ لِإِخْوَتِهِ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ فِي الَّذِي أَخَذَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: كُلُّ ذِكْرِ حَقٍّ كَانَ لِقَوْمٍ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ فَاقْتَضَى بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ شُرَكَاءَهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ فِيمَا اقْتَضَوْا وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ حَقٍّ عَلَى حِدَةٍ وَكَانَتْ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ مَنْ اقْتَضَى شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ الْآخَرُ فِي شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلَيْنِ ذِكْرُ حَقٍّ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ أَوْ بِغَيْرِ كِتَابٍ مِنْ بَيْعٍ بَاعَاهُ بِعَيْنٍ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ غَيْرِ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ أَقْرَضَاهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ وَرِثَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ هَذَا الذِّكْرَ الْحَقَّ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟
قَالَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَائِبًا فَسَأَلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّيْنِ صَاحِبَهُ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ لِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ وَأَخْذِهِ مِنْ الْغَرِيمِ فَأَبَى ذَلِكَ وَكَرِهَ الْخُرُوجَ، فَإِنْ خَرَجَ الشَّرِيكُ بَعْدَ الْإِعْذَارِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبَهُ فَاقْتَضَى حَقَّهُ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُ شَرِيكُهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْخُرُوجَ وَالِاقْتِضَاءَ وَالتَّوْكِيلَ بِالِاقْتِضَاءِ إضْرَارٌ مِنْهُ لِصَاحِبِهِ وَحَوْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاقْتِضَاءِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» لِمَا يَتَجَشَّمُ صَاحِبُهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ، فَيُرِيدُ الْمُقِيمُ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْخَارِجُ شَيْئًا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ لَمْ يَبْرَحْ وَلَمْ يَتَجَشَّمْ خُرُوجًا وَلَا مُؤْنَةً وَقَدْ أَعْذَرَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْخُرُوجِ لِاغْتِنَامِ الِاقْتِضَاءِ دُونَهُ فَهُوَ إذَا أَعْذَرَ إلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِالْخُرُوجِ فَتَرَكَ الْخُرُوجَ مَعَهُ رِضًا مِنْهُ بِمَا يَقْبِضُ دُونَهُ؛ أَوْ لَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ لَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْخُرُوجِ أَوْ التَّوْكِيلِ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا خَلَّى السُّلْطَانُ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ اقْتِضَاءِ حَقِّهِ ثُمَّ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ فِيمَا اقْتَضَى، وَإِنْ خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِاقْتِضَاءِ حَقِّهِ دُونَ مُؤَامَرَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَالْإِعْذَارِ إلَيْهِ أَوْ كَانَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا فَاقْتَضَى مِنْهُ جَمِيعَ مُصَابَتِهِ أَوْ بَعْضِهَا كَانَ شَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ شَرَكَهُ فِيمَا اقْتَضَى وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ لَهُ مَا اقْتَضَى وَاتِّبَاعَ الْغَرِيمِ، فَإِنْ اخْتَارَ اتِّبَاعَ الْغَرِيمِ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدُ أَنْ يَتْبَعَ شَرِيكَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ مَا سَلَّمَ - تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ أَوْ لَمْ يَتْوِ - لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَاسَمَةٌ لِلدَّيْنِ عَلَى الْغَرِيمِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَرِثَا دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَاقْتَسَمَا مَا عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ وَصَارَ ذَلِكَ كَالدَّيْنِ يَكُونُ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَكٌّ عَلَى حِدَةٍ.
فَمَنْ اقْتَضَى مِنْ هَذَيْنِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبَهُ لَمْ يَكُنْ يُشْرِكُهُ صَاحِبُهُ فِيمَا اقْتَضَى لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا اقْتَسَمَا، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَهُمَا ذِكْرُ حَقٍّ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ أَوْ بِغَيْرِ كِتَابٍ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ صَالَحَ
أَحَدُهُمَا عَلَى الْغَرِيمِ وَهُوَ حَاضِرٌ لَيْسَ بِغَائِبٍ، أَوْ كَانَ الْغَرِيمُ غَائِبًا وَلَمْ يَعْذُرْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِالْخُرُوجِ عَلَى اقْتِضَاءِ حَقِّهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُمَا مِائَةَ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا بَقِيَ فَهُوَ جَائِزٌ وَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَسْلَمَ لِشَرِيكِهِ مَا اقْتَضَى وَاتَّبَعَ الْغَرِيمَ بِالْخَمْسِينَ دِينَارًا حَقَّهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَرَجَعَا جَمِيعًا عَلَى الْغَرِيمِ فَاتَّبَعَهُ الَّذِي لَمْ يُصَالِحْ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَاتَّبَعَهُ الَّذِي صَالَحَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُ شَرِيكُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ شَرِيكَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَبِعَ الْغَرِيمَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ تَبِعَ شَرِيكَهُ الْمُصَالِحَ، وَإِنْ اخْتَارَ اتِّبَاعَ شَرِيكِهِ قُسِمَتْ الْعَشَرَةُ الَّتِي صَالَحَ بِهَا الشَّرِيكُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ: جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلَّذِي صَالَحَ وَخَمْسَةُ أَجْزَاءٍ لِلَّذِي لَمْ يُصَالِحْ لِأَنَّ الْمُصَالِحَ لَمَّا أَبْرَأَ الْغَرِيمَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ الَّتِي أَخَّرَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْعَشَرَةُ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَخَذَ وَلِصَاحِبِهِ خَمْسُونَ دِينَارًا ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَرِيمِ فَيَتَّبِعُهُ الْمُصَالِحُ بِالْعَشَرَةِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْعَشَرَةِ وَيَتَّبِعُهُ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ بِمَا بَقِيَ لَهُ، وَهُوَ أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ دِينَارًا وَثُلُثَا دِينَارٍ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ قَبَضَ الْعَشَرَةَ بِغَيْرِ صُلْحٍ ثُمَّ حَطَّ الْأَرْبَعِينَ عَنْ الْغَرِيمِ ثُمَّ قَامَ شَرِيكُهُ فَإِنْ اخْتَارَ مُقَاسَمَةَ شَرِيكِهِ اقْتَسَمَا عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ وَرَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ قَبَضَ الْعَشَرَةَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ مِنْ حَقِّهِ لَيْسَ عَلَى الْحَطِّ، ثُمَّ قَاسَمَهُ شَرِيكُهُ الْعَشَرَةَ الَّذِي اقْتَضَى هُوَ مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّمَا يُقَاسِمُهُ إيَّاهَا شَطْرَيْنِ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنْ حَطَّ الشَّرِيكُ الْمُقْتَضِي لِلْعَشَرَةِ الْأَرْبَعِينَ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ فِي الْمُقَاسَمَةِ فَيَقُولُ: قَاسِمْنِي عَلَى أَنَّ حَقَّكَ إنَّمَا كَانَ عَشَرَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَالْحَقُّ كَامِلٌ وَلَكِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَرِيمِ فَيَرْجِعُ الْمُقْتَضِي لِلْعَشَرَةِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ شَرِيكُهُ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، فَخُذْ هَذَا عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَهُمَا ذِكْرُ حَقٍّ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ أَوْ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَاحِدٍ وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ فَصَالَحَ الْغَرِيمُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ كَانَ الْغَرِيمُ غَائِبًا وَلَمْ يَعْذُرْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِالْخُرُوجِ صَالَحَ مِنْ حَقِّهِ وَدَيْنُهُمَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَشَرَةِ أَقْفِزَةِ قَمْحٍ أَوْ بَاعَ حَقَّهُ بِعَشَرَةِ أَقْفِزَةِ قَمْحٍ فَقَبَضَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ثُمَّ أَتَى الشَّرِيكُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا لَهُ الْخِيَارُ فِي تَسْلِيمِ مَا صَنَعَ صَاحِبُهُ وَاتِّبَاعِ الْغَرِيمِ بِحِصَّةِ الْخَمْسِينَ الدِّينَارِ أَوْ الرُّجُوعُ عَلَى شَرِيكِهِ الْمُصَالِحِ أَوْ الْمُشْتَرِي الْقَمْحَ بِنِصْفِ مَا أَخَذَ لِأَنَّ الشَّرِيكَ إنَّمَا تَعَدَّى عَلَى عَيْنٍ وَهُوَ جَائِزٌ، وَالدَّيْنُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ، وَالدَّيْنُ لَيْسَ مِثْلَ الْعَيْنِ، الدَّيْنُ أَشْبَهُ شَيْءٍ هِيَ بِالْعُرُوضِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ مَا أَخَذَ الشَّرِيكُ إنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: ثُمَّ يَرْجِعَانِ جَمِيعًا عَلَى الْغَرِيمِ فَيَكُونُ مَا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَالِفْ الصُّلْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الشِّرَاءَ لِأَنَّ الصُّلْحَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالشِّرَاءِ فِي غَيْرِ وَجْهٍ، وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ دَيْنًا فَصَالَحَهُ مِنْ الْمِائَةِ عَلَى سِلْعَةٍ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِالْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ فَكَذَلِكَ جَمِيعُ الدَّيْنِ إذَا كَانَ عَيْنًا فَصَالَحَ مِنْ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بَيَّنُوا نَوْعَ الدَّيْنِ أَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي سِوَى الْعَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ أَوْ الْإِدَامِ أَوْ كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مِائَةُ رِطْلٍ حِنَّاءً أَوْ مِائَةُ ثَوْبٍ شَطَوِيٍّ مَوْصُوفَةٍ مَعْرُوفَةٍ فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى دَنَانِيرَ فَصَالَحَهُ مِنْ الْخَمْسِينَ الرِّطْلِ الْحِنَّاءَ أَوْ الْخَمْسِينَ الثَّوْبِ الشَّطَوِيِّ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَقَبَضَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ثُمَّ حَضَرَ شَرِيكُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْغَرِيمَ بِجَمِيعِ حَقِّهِ وَيُسَلِّمُ لِصَاحِبِهِ مَا أَخَذَ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى شَرِيكِهِ - وَإِنْ تَوَى مَا عَلَى الْغَرِيمِ - وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ شَرِيكَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ لِأَنَّ مَا فِي يَدَيْهِ ثَمَنُ سِلْعَةٍ هِيَ بَيْنَهُمَا وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَلِلْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَرِيمِ فَيَتْبَعَانِهِ بِمَا بَقِيَ لَهُمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِمَا وَهِيَ الْخَمْسُونَ الرِّطْلِ الْحِنَّاءَ وَالْخَمْسُونَ الثَّوْبِ الشَّطَوِيِّ.
وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ أَنْ لَوْ بَاعَ مُصَابَتَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِأَنَّ الصُّلْحَ وَالْبَيْعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سَوَاءٌ لِمَا أَعْلَمْتُكَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ دَيْنًا فَصَالَحَهُ مِنْ الْمِائَةِ عَلَى سِلْعَةٍ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِالْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ لَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِهَا شَيْئًا مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ مِمَّا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، ثُمَّ إنَّ الرَّاهِنَ صَالَحَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ اشْتَرَى الرَّاهِنُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ الَّتِي عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ثُمَّ تَلِفَ الرَّهْنُ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْمُصَالَحَةِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ تَلِفَ، فَالصُّلْحُ بَيْنَهُمَا وَالْبَيْعُ جَائِزٌ لَيْسَ بِمَنْقُوضٍ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ تَلَفُ الرَّهْنِ بَعْدَ الْمُصَالَحَةِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ يَوْمَا تَمَّ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ صُلْحٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ.
[الدَّعْوَى فِي الصُّلْحِ عَلَى دَمٍ عَمْدٍ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ]
رَسْمٌ الدَّعْوَى فِي الصُّلْحِ عَلَى دَمٍ عَمْدٍ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي لِي عَلَى رَجُلٍ دَمٌ عَمْدٌ أَوْ جِرَاحَاتٌ فِيهَا قِصَاصٌ وَادَّعَيْتُ أَنِّي صَالَحْتُهُ مِنْهَا عَلَى مَالٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا صَالَحْتُكَ عَلَى شَيْءٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ
مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ الَّذِي أَرَى عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الطَّلَاقِ، أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَهُ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ
[الصُّلْحِ عَلَى دِيَةِ الْخَطَإِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ]
رَسْمٌ فِي الصُّلْحِ عَلَى دِيَةِ الْخَطَإِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَصَالَحَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ عَلَى شَيْءٍ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَيَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَالْمَالُ إنَّمَا لَزِمَ الْعَاقِلَةَ؟
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَصَالَحَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ عَلَى شَيْءٍ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ وَنَجَّمُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَدَفَعَ إلَيْهِمْ نَجْمًا ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِالنَّجْمِ الْآخَرِ فَقَالَ: إنَّمَا صَالَحْتُهُمْ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُنِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ وَيَتَّبِعُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْعَاقِلَةَ.
قُلْتُ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ مَا أَخَذُوا مِنْهُ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ جَاهِلًا يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِقَتْلِ رَجُلٍ خَطَأً فَصَالَحَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ عَلَى مَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الْمَالُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَيَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ أَمْ لَا؟
قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: يَحْيَى وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَيْضًا هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِقَسَامَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَتَلَ وَلِيًّا لِي رَجُلٌ عَمْدًا أَوْ قَطَعَ يَدِي عَمْدًا فَصَالَحْتُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ ذَلِكَ أَيَجُوزُ لِي هَذَا الْفَضْلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: فِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ إلَّا مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ دِيَتَيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ جِرَاحَةً فَصَالَحْتُهُ فِي مَرَضِي عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ ثُمَّ مِتُّ مِنْ مَرَضِي أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ يَعْفُو عَنْ دَمِهِ إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ - كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ - فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي عَفَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَتِيلًا قُتِلَ عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ عَرَضٍ أَوْ قَرْضٍ فَأَرَادَ الْوَلِيُّ الَّذِي لَمْ يُصَالِحْ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الَّذِي صَالَحَ فِيمَا أَخَذَ أَيَكُونُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا أَخَذَ إخْوَتُهُ مِنْ الْقَاتِلِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْقَتْلِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ فِي دَمِ أَبِيهِ عَنْ حَقِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ أَنَّ الَّذِينَ نَفَوْا إنَّمَا لَهُمْ حِسَابُ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِثْلُهُ لَوْ صَالَحَهُمْ فِي دَمِ أَبِيهِ فِي حَقِّهِ عَلَى نَخْلٍ فَأَخَذَهَا أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ قَدْ وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ إلَّا عَلَى حِسَابِ الدِّيَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَفَا جَازَ عَفْوُهُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجْعَلْ لِمَنْ بَقِيَ شَرِيكًا فِيمَا أَخَذَ الْمُصَالِحُ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الدَّمَ لَيْسَ هُوَ مَالًا وَإِنَّمَا شَرِكَتُهُمَا فِيهِ كَشَرِكَتِهِمَا فِي عَبْدٍ هُوَ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا فَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا مُصَابَتَهُ بِمَا شَاءَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ عَفَا أَحَدُ الِاثْنَيْنِ وَلَهُمَا أُخْتٌ عَلَى الدِّيَةِ فَقَالَ: إنْ كَانَ عَفَا عَنْ الدَّمِ صُلْحًا صَالَحَ بِهِ عَنْ الدَّمِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا أَخْمَاسًا لِلِابْنَةِ مِنْ ذَلِكَ الْخُمْسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّمِ كُلِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ دِيَاتٌ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ أَخْمَاسًا وَإِنْ كَانَ إنَّمَا الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ دِيَتَيْنِ أَوْ دِيَاتٌ لَيْسَ عَلَى الدَّمِ كُلِّهِ، وَلَكِنْ عَلَى مُصَابَتِهِ مِنْهُ فَإِنَّ لِلْأُخْتِ وَلِلْأَخِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُصَالِحَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ يُضَمُّ إلَيْهِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ الَّذِي عَفَا عَمَّا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ جَمِيعًا وَذَلِكَ أَخْمَاسًا عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ صَالَحَ عَنْ نَفْسِهِ عَنْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُضَمُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ ثُمَّ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْقَاتِلُ ثُمَّ يُقَسَّمُ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ صَالَحَ عَلَى أَقَلَّ مَنْ خُمْسَيْ الدِّيَةِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً - وَإِنْ دِرْهَمًا وَاحِدًا - فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ الْأَخُ وَالْأُخْتُ اللَّذَيْنِ لَمْ يُصَالِحَا عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ يَقْتَسِمَانِ ذَلِكَ لِلْأَخِ الْخُمُسَانِ وَلِلْأُخْتِ الْخُمُسُ، وَإِنْ صَالَحَ مِنْ الدَّمِ كُلِّهِ بِأَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ فَلَيْسَ لَهُ مِمَّا صَالَحَ عَلَيْهِ إلَّا خُمْسَاهُ، وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ سَاقِطٌ عَنْ الْقَاتِلِ وَلِلْأَخِ وَالْأُخْتِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُصَالِحَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ كَامِلَةً فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَ مِنْ الدَّمِ كُلِّهِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا خُمْسَا الدِّرْهَمِ وَكَانَ لِلْأَخِ وَالْأُخْتِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ يَقْتَسِمَانِ ذَلِكَ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ وَقَدْ أَعْلَمْتُكَ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الدِّيَةِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً إذَا جَاوَزَ خُمْسَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُضَمُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ فَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْقَاتِلُ ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ زَوْجَةٌ وَأُمٌّ أَيَدْخُلَانِ عَلَى هَؤُلَاءِ فِيمَا صَارَ لَهُمْ مَنْ الدِّيَةِ؟ .
قَالَ: نَعَمْ كُلُّ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ وَإِنْ صَالَحُوا فِيهِ عَلَى دِيَاتٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْرُوثٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَرَائِضِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَشْهَبُ، قَالَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو الزِّنَادِ وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْن أَبِي سَلَمَةَ، فَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَإِنَّ لَهِيعَةَ ذَكَرَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَمَّنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَقَبِلَتْ الْعَصَبَةُ الدِّيَةَ أَهِيَ لِلْعَصَبَةِ خَاصَّةً أَمْ هِيَ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هِيَ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجِرَاحَ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ رِجَالٍ شَتَّى أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ مَنْ شَاءَ وَيَقْتَصَّ مِمَّنْ شَاءَ يَعْفُوَ عَمَّنْ شَاءَ؟
قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَتْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اجْتَمَعَ عَلَى قَطْعِ يَدَيَّ رِجَالٌ قَطَعُوهَا عَمْدًا أَيَكُونُ لِي أَنْ أُصَالِحَ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَقْطَعَ يَدَ مَنْ شِئْتُ وَأَعْفُوَ عَمَّنْ شِئْتُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَتْلِ: لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُصَالِحُوا مَنْ شَاءُوا وَيَعْفُوا عَمَّنْ شَاءُوا وَيَقْتُلُوا مَنْ شَاءُوا وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ عِنْدِي مِثْلُ الْقَتْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَصَالَحَهُ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْقَطْعِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ رَجُلًا بِمُوضِحَةٍ خَطَأً فَصَالَحَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ إنَّهُ نَزَا فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَاتَ مِنْهَا؟
قَالَ لَنَا مَالِكٌ: أَرَى فِيهَا الْقَسَامَةَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْعَقْلَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَيَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ فَيَأْخُذُهُ وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ وَيَكُونُ فِي الْعَقْلِ كَرَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعَمْدُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُقْسِمُوا أَقْسَمُوا وَقُتِلُوا وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبَوْا أَنْ يَقْتَسِمُوا أَوْ قَالَ الْجَانِي: قَدْ عَادَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا فَرُدُّوا عَلَيَّ مَالِي وَاقْتُلُونِي إنْ أَحْبَبْتُمْ فَأَمَّا مَالِي فَلَيْسَ لَكُمْ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُقْسِمُوا لَمْ تَبْطُلْ الْجِنَايَةُ فِي الْيَدِ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا قَدْ نَزَا جُرْحُهُ فَمَاتَ أَنَّ الْوَرَثَةَ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا فَعَلُوا وَإِنْ أَبَوْا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا يَدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي صَالَحَهُ عَلَى جُرْحِهِ لَوْ تَوَى الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ بِالْجُرْحِ فَمَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: لَا نُقْسِمُ إنَّ جِنَايَةَ الْجَانِي فِي قَطْعِ الْيَدِ لَا تَبْطُلُ وَلَهُمْ الْمَالُ الَّذِي أَخَذُوا إنْ لَمْ يُقْسِمُوا، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُقْسِمُوا رَدُّوا الْمَالَ وَقَتَلُوا.
[الصُّلْحِ مِنْ جِنَايَةِ عَمْدٍ عَلَى ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ]
فِي الصُّلْحِ مِنْ جِنَايَةِ عَمْدٍ عَلَى ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَنَى جِنَايَةً عَمْدًا فَصَالَحَ مِنْ جِنَايَتِهِ عَلَى ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: لِمَ، وَهَذَا إنَّمَا أَعْطَاهُ ثَمَرَتَهُ وَلَمْ يَأْخُذَ شَيْئًا إنَّمَا أَعْطَاهُ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَهْضِمَ عَنْهُ الْقِصَاصَ؟
قَالَ: لَوْ أَجَزْتُ هَذَا لَأَجَزْتُ النِّكَاحَ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي النِّكَاحِ بِالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ أَدْرَكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَسَخَ النِّكَاحَ وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، فَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ مِثْلُ النِّكَاحِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً عَمْدًا فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَوْ أَجَزْتُ هَذَا لَأَجَزْتُ النِّكَاحَ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ مِثْلُ النِّكَاحِ.
قُلْتُ: فَإِذَا عَفَا عَنْ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَيَكُونُ هَذَا عَفْوًا لَا يَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ فِي الْقِصَاصِ وَيَرُدُّهُ إلَى الدِّيَةِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا صَارَ فِي النِّكَاحِ إذَا دَخَلَ بِهَا لَمْ يُرَدَّ النِّكَاحَ وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ لِأَنَّ الْعَفْوَ قَدْ نَزَلَ فَلَا يَرُدُّهُ إلَى الْقِصَاصِ، وَقَدْ قَالَ: غَيْرُهُ: لَيْسَ الصُّلْحُ بِالْغَرَرِ فِي الْقِصَاصِ مِثْلُ النِّكَاحِ بِالْغَرَرِ، إنَّمَا الْقِصَاصُ مِثْلُ الْخُلْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخُلْعَ يَجُوزُ بِالْغَرَرِ وَلَا يَجُوزُ بِهِ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَدُهُ بِالْغَرَرِ مَا كَانَ جَائِزًا لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُهُ، فَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ وَالنِّكَاحُ قَبْضُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِالْغَرَرِ، فَلَيْسَ الْمُرْسِلُ لِمَا فِي يَدَيْهِ كَالْآخِذِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَبَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَمٌ عَمْدٌ فَصَالَحَهُ مِنْ الدَّمِ الْعَمْدِ عَلَى عَبْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ صَالَحَ مِنْ دَمٍ عَمْدٍ وَجَبَ لَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ عَلَى عَرَضٍ أَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى ذَلِكَ فَأَصَابَ الَّذِي قَبَضَ الْعَبْدَ أَوْ الْعَرَضَ بِذَلِكَ عَيْبًا أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْبُيُوعِ فَلَهُ فِي مَسْأَلَتِكَ هَذِهِ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا فِي النِّكَاحِ فَهُوَ قَوْلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّمَ الْعَمْدَ وَالطَّلَاقَ لَيْسَ هُمَا بِمَالٍ، وَإِذَا اسْتَحَقَّ مَا أَخَذَ فِيهِمَا مَا رَجَعَ بِقِيمَتِهِمَا بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ لَا بِقِيمَةِ الدَّمِ وَقِيمَةِ الطَّلَاقِ إنَّمَا فِيهِمَا مَا صُولِحَ بِهِ فِيهِمَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ دَمَ الْعَمْدِ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ
إلَّا مَا صُولِحَ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى الرِّضَا مِنْهُمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْتُولَ يَعْفُو عَنْ دَمِهِ فَلَا يَكُونُ لِلْوَارِثِ حُجَّةٌ فِي أَنْ يَقُولَ فِعْلُهُ فِي ثُلُثِهِ وَلَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ فَعَفَا عَنْ دَمِهِ أَنْ يَقُولَ الْغَرِيمُ فَرَّ عَنِّي بِمَالِهِ وَلَوْ أَنَّهُ صَالَحَ مِنْ دَمِهِ أَوْ مِنْ جِرَاحَةٍ عَمْدًا أُصِيبَ بِهِمَا عَلَى مَالٍ وَهُوَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ فَثَبَتَ الصُّلْحُ ثُمَّ حَطَّ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ إنْ كَانَ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَوْلَى مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي صَنَعَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَنَى جِنَايَةً عَمْدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَ وَيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ الْقِصَاصَ بِمَالٍ يُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِهِ لَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ رَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَلَفًا لِأَمْوَالِهِمْ.
[صَالَحَ رَجُلًا عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ أَصَابَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَوْ أَقَرَّ لَهُ الْمُنْكِرُ بَعْدَ الصُّلْحِ]
رَسْمٌ فِي رَجُلٍ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ أَصَابَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَوْ أَقَرَّ لَهُ الْمُنْكِرُ بَعْدَ الصُّلْحِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ فَصَالَحَهُ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُدَّعِي قِبَلَهُ وَهُوَ يُنْكِرُ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي الدَّارِ حَقٌّ وَأَنَّهُ جَحَدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الدَّيْنَ فَيَجْحَدُهُ ثُمَّ يُصَالِحُهُ ثُمَّ يَجِدُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً عَلَيْهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ صَالَحَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَإِنَّمَا كَانَتْ مُصَالَحَتُهُ إيَّاهُ لِأَنَّهُ جَحَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ إذَا وَجَدَ بَيِّنَةً.
قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ غَائِبَةً فَقَالَ لَهُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ بَيِّنَةً وَهُمْ غُيَّبٌ وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَجَحَدَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلُ خَافَ أَنْ تَمُوتَ شُهُودُهُ أَوْ يَعْدَمَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يَطْعَنَ فَصَالَحَهُ فَلَمَّا قَدِمَتْ شُهُودُهُ قَامَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: لَا أَرَى لَهُ شَيْئًا وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَعْجَلْ وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَالَحَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَيُجِيزُهُ مَالِكٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: مِثْلُ مَا يَدَّعِي عَلَى الْمُدَّعِي قِبَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَيُنْكِرُهَا فَيُصَالِحُهُ عَلَى شَيْءٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ أَيُجِيزُهُ مَالِكٌ وَيَجْعَلُهُ قَطْعًا لِدَعْوَاهُ تِلْكَ وَصُلْحًا مِنْ تِلْكَ الْمِائَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ادَّعَيْتُ دَيْنًا لِي عَلَى رَجُلٍ فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ
إلَى أَجَلٍ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلدَّيْنِ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الصُّلْحُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
[الصُّلْحِ بِاللَّحْمِ]
فِي الصُّلْحِ بِاللَّحْمِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ادَّعَيْتُ فِي دَارِ رَجُلٍ دَعْوَى فَصَالَحَنِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَشَرَةَ أَرْطَالٍ مِنْ لَحْمِ شَاتِهِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ عِنْدِي، وَقَالَ أَشْهَبُ: أَكْرَهُهُ فَإِنْ نَزَلَ وَشَرَعَ فِي ذَبْحِ الشَّاةِ مَكَانَهُ لَمْ أَفْسَخْهُ إذَا كَانَ قَدْ جَسَّهَا وَعَرَفَ نَحْوهَا.
[اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ بَعِيرًا أَوْ طَعَامًا فَصَالَحَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِهِ أَوْ طَعَامٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ]
رَسْمٌ فِي رَجُلٍ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ بَعِيرًا أَوْ طَعَامًا فَصَالَحَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِهِ أَوْ طَعَامٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَهْلَكَ لِي بَعِيرًا فَصَالَحْتُهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِ صِفَةِ بَعِيرِي إلَى أَجَلٍ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَزِمَتْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا فِي دَيْنٍ.
[صُلْحُ الِاسْتِهْلَاكِ]
ِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَهْلَكَ لِي مَتَاعًا فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِنْطَةٍ إلَى أَجَلٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لَا يُفْسَخُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَهْلَكَ لِي مَتَاعًا فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى مِثْلِ الْقِيمَةِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَا هُوَ ثَمَنُ السِّلْعَةِ بِبَلَدِهِمْ إنْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِدَنَانِيرَ فَبِدَنَانِيرَ وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ فَدَرَاهِمُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَهُ إلَّا عَلَى مَا يَبْتَاعُ بِهِ أَهْلُ بَلَدِهِمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَدْنَى لِأَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ رَجُلًا قَدْ بَاعَ الْقِيمَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِ بِاَلَّذِي صَالَحَهُ بِهِ إلَى أَجَلٍ فَصَارَ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَصَارَ ذَهَبًا بِوَرِقٍ إلَى أَجَلٍ إنْ كَانَ الَّذِي يَتَبَايَعُونَ بِهِ ذَهَبًا فَصَالَحَهُ عَلَى وَرِقٍ إلَى أَجَلٍ فَهَذَا الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ مَا صَالَحَهُ بِهِ مِنْ السِّلَعِ عَاجِلًا أَوْ الْوَرِقِ؟
قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ عَقْدُ الصُّلْحِ عَلَى الِانْتِقَادِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ مَا اُسْتُهْلِكَ لَهُ.
[أَوْصَى بِسُكْنَى دَارٍ أَوْ غَلَّةِ نَخْلٍ فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُصَالِحُوهُ]
رَسْمٌ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ بِسُكْنَى دَارٍ أَوْ غَلَّةِ نَخْلٍ فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُصَالِحُوهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْصَى لِي بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ فَصَالَحَنِي الْوَرَثَةُ عَلَى دَرَاهِمَ وَخَرَجْتُ لَهُمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِ الْأَمَةِ لَيْسَ لَهُ مَرْجِعٌ إلَى الْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدُ وَالدَّارُ إذَا أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ أَوْ بِسُكْنَى الدَّارِ فَإِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَالِحُوا فَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ مَرْجِعٌ إلَى الْوَرَثَةِ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ لَهُ مَرْجِعٌ إلَى الْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: فَالنَّخْلُ إذَا أَوْصَى بِغَلَّتِهَا إلَى رَجُلٍ أَيَصْلُحُ أَنْ تُصَالِحَ الْوَرَثَةُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ وَيُخْرِجُوهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَرْجِعَ النَّخْلِ إلَى الْوَرَثَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السُّكْنَى.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوِلَادَةِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِغَلَّةٍ وَأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ وَاسْتِخْدَامَ الْعَبْدِ وَكِرَاءَ الدَّارِ وَصُوفَ الْغَنَمِ وَلَبَنَهَا وَزُبْدَهَا غَلَّةٌ، وَقَدْ أَرْخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا إلَى الْجِذَاذِ، وَقَدْ جَوَّزَ أَهْلُ الْعِلْمِ ارْتِهَانَ غَلَّةِ الدَّارِ وَغَلَّةِ الْغُلَامِ وَثَمَرِ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَلَمْ يُجَوِّزُوا ارْتِهَانَ مَا فِي بَطْنِ الْإِنَاثِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ اشْتَرَى دَارًا أَوْ جِنَانًا أَوْ غَنَمًا أَوْ جَارِيَةً فَاسْتَغَلَّهَا زَمَانًا أَوْ كَانَتْ الْغَلَّةُ قَائِمَةً فِي يَدَيْهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدَيْهِ مُسْتَحِقٌّ فَأَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ دَارِهِ أَوْ جِنَانِهِ أَوْ غَنَمِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا اسْتَغَلَّ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْغَنَمَ لَوْ وَلَدَتْ أَوْ الْجَارِيَةَ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَأَصَابَ الْوَلَدَ لَمْ يَمُتْ لِأَخْذِ الْغَنَمِ وَمَا وَلَدَتْ وَالْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِغَلَّةٍ.
[ادَّعَى أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَهُ عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا فَصَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ]
فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَهُ عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا فَصَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضٍ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْتُ قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لِي عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ أَوْ عَرَضٍ إلَى أَجَلٍ؟
قَالَ: أَمَّا الْعُرُوض فَلَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى قِبَلَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ فَصَالَحْتُهُ مِنْهُ عَلَى عَرَضٍ مَوْصُوفٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ عَلَى عَيْنٍ إلَى أَجَلٍ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الصُّلْحُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُفْتَرِقٌ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِي قَائِمًا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْ مُسْتَهْلَكًا؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ مُفْتَرِقٌ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ
[رَجُلٍ غَصَبَ رَجُلًا عَبْدًا فَأَبِقَ الْعَبْدُ مِنْ الْغَاصِبِ فَصَالَحَهُ السَّيِّدُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضٍ.]
رَسْمٌ فِي رَجُلٍ غَصَبَ رَجُلًا عَبْدًا فَأَبِقَ الْعَبْدُ مِنْ الْغَاصِبِ فَصَالَحَهُ السَّيِّدُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا غَصَبَهُ رَجُلٌ فَأَبَقَ مِنْهُ أَيَصْلُحُ أَنْ أُصَالِحَهُ مِنْهُ عَلَى دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ أَوْ عَلَى عُرُوضٍ إلَى أَجَلٍ؟ قَالَ: أَمَّا الْعُرُوض فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَيْهَا إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ مَا صَالَحَهُ مِنْهَا مِثْلُ الْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ أَوْ أَدْنَى.
قُلْتُ: وَلِمَ أَجَزْتَ هَذَا وَبَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ؟
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى عَلَيْهَا إلَى غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكَارَاهَا إلَيْهِ فَتَضِلُّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتُهَا، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَمَّا غَصَبَهُ فَأَبِقَ مِنْهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ إلَّا أَنْ يَرُدَّهُ بِحَالِهِ أَوْ أَحْسَنَ حَالًا.
[يُصَالَحُ مِنْ مُوضِحَةٍ خَطَأً وَمِنْ مُوضِحَةٍ عَمْدًا بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ هَلْ عَلَيْهِ شُفْعَةٌ]
فِي الرَّجُلِ يُصَالَحُ مِنْ مُوضِحَةٍ خَطَأً وَمَنْ مُوضِحَةٍ عَمْدًا بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ هَلْ عَلَيْهِ شُفْعَةٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ادَّعَيْتُ شِقْصًا فِي دَارٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَلَهُ شُرَكَاءُ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَصَالَحَنِي مِنْ دَعْوَايَ الَّتِي ادَّعَيْتُ فِي يَدَيْهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيَّ فَقَامَ شُرَكَاؤُهُ عَلَيْهِ فَقَالُوا: نَحْنُ شُفَعَاءُ وَهَذَا شِرَاءٌ مِنْكَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى لَهُمْ فِيهِ شُفْعَةً، وَلَكِنْ إنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى إقْرَارٍ مِنْهُ فَلَهُمْ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُصِيبُ الرَّجُلَ بِمُوضِحَةٍ خَطَأً أَوْ مُوضِحَةٍ عَمْدًا فَصَالَحَهُ الْجَارِحُ بِشِقْصٍ فِي دَارٍ فَدَفَعَهُ إلَى هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ وَهَلْ هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَبِكَمْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ؟
قَالَ: بِخَمْسِينَ دِينَارًا قِيمَةُ مُوضِحَةِ الْخَطَأِ وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ الَّذِي كَانَ لِمُوضِحَةِ الْعَمْدِ لِأَنَّا قَسَمْنَا الشِّقْصَ عَلَى الْمُوضِحَتَيْنِ فَصَارَ لِكُلِّ مُوضِحَةٍ نِصْفُ الشِّقْصِ، فَمُوضِحَةُ الْخَطَأِ دِيَتُهَا مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا وَمُوضِحَةُ الْعَمْدِ لَا دِيَةَ لَهَا إلَّا مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ فَصَارَ لَهَا مِنْ الصُّلْحِ نِصْفُ الشِّقْصِ، فَلِذَلِكَ
أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا قِيمَةُ الْخَطَأِ وَبِقِيمَةِ نِصْفِ الشِّقْصِ وَهُوَ قِيمَةُ مُوضِحَةِ الْعَمْدِ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَغَيْرُهُ: الصُّلْحُ جَائِزٌ، وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ فَإِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِأَنْ تُجْمَعُ قِيمَةُ الشِّقْصِ لِأَنَّهَا كَأَنَّهَا عَقْلُ الْمُوضِحَةِ الْعَمْدِ وَالْخَمْسِينَ الدِّينَارِ جَمِيعًا فَيَنْظُرُ كَمْ الْخَمْسُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْسُونَ ثُلُثَ الْقِيمَةِ وَالْخَمْسُونَ إذَا اجْتَمَعَتَا جَمِيعًا اسْتَشْفَعَهَا بِالْخَمْسِينَ الدِّينَارِ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الشِّقْصِ مِنْ الدَّارِ أَوْ رُبْعٍ أَوْ خُمْسٍ أَوْ نِصْفٍ وَسُدُسٍ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي بِهِ يَسْتَشْفِعُ الْقِيمَةَ إلَّا مَا حَطَّتْ الْخَمْسُونَ مِنْ الْقِيمَةِ وَاَلَّذِي حَطَّتْ الْخَمْسُونَ مِنْ الْقِيمَةِ مَا يَكُونُ بِهِ الْخَمْسُونَ مِنْ الْخَمْسِينَ، وَالْقِيمَةِ إذَا اجْتَمَعَتَا جَمِيعًا إنْ ثُلُثٌ فَثُلُثٌ وَإِنْ رُبْعٌ فَرُبْعٌ وَإِنْ سُدُسٌ فَسُدُسٌ وَإِنْ نِصْفٌ فَنِصْفٌ فَعَلَى هَذَا فَخُذْ هَذَا الْبَابَ إنْ شَاءَ اللَّهُ
[الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ ثُمَّ يَصْطَلِحَانِ مِنْ دَعْوَاهُمَا عَلَى مَالٍ]
فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُنْكِرُ الْبَائِعُ ثُمَّ يَصْطَلِحَانِ مِنْ دَعْوَاهُمَا عَلَى مَالٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الْعَبْدَ فَيَطْعَنُ الْمُشْتَرِي فِيهِ بِعَيْبٍ وَيُنْكِرُ الْبَائِعُ ثُمَّ يَصْطَلِحَانِ عَلَى مَالٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا أَوْ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَأَصَبْتُ بِهِ عَيْبًا فَجِئْتُ لِأَرُدَّهُ فَجَحَدَنِي وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ عِنْدِي فَصَالَحْتُهُ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَنْ رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَيْتُهُ عَبْدًا آخَرَ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَسْتَقِيلُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ وَيَرُدَّ مَعَهُ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ نَقْدًا.
وَإِنَّمَا تَقَعُ الْكَرَاهِيَةُ إذَا رَدَّ مَعَهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مُعَجَّلَةً قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّ مَعَهُ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ نَقْدًا وَلَا خَيْرَ فِيهِ إذَا أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَرَضًا أَوْ وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا أَوْ قَدْ حَلَّ الْأَجَلُ فَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَةِ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَيَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ صَالَحَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ فِي الْعَيْبِ الَّذِي طَعَنَ فِيهِ الْمُشْتَرِي وَالْعَبْدُ لَمْ يَفُتْ عَلَى أَنْ زَادَهُ الْبَائِعُ عَبْدًا آخَرَ وَعَرَضًا آخَرَ نَقْدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى مِنْهُ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوْ الْعَبْدَ الْأَوَّلَ وَالْعَرَضَ الَّذِي يَزِيدُ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اسْتَغْلَى الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى فَسَأَلَهُ الزِّيَادَةَ فَزَادَهُ عَبْدًا آخَرَ وَسِلْعَةً لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَكَانَ كَأَنَّهُ
اشْتَرَاهُمَا جَمِيعًا بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُصَالِحَهُ الْبَائِعُ عَلَى دَرَاهِمَ نَقْدًا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِدَنَانِيرَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَدَرَاهِمَ نَقْدًا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ إذَا كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ مَوْتٍ لَمْ يَصْلُحُ أَنْ يُصَالِحَهُ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ تَسَلَّفَ مِنْهُ دَرَاهِمَ نَقْدًا يُعْطِيهِ إيَّاهَا إذَا حَلَّ أَجَلُ مَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ مِمَّا عَلَيْهِ إلَى أَجَلِ قَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ بِهِ.
[بَاعَ عَبْدًا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ صَالِحُهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ]
فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْعَبْدَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَأْتِيهِ فَيُصَالِحُهُ مَنْ كُلِّ عَيْبٍ فِي الْعَبْدِ عَلَى دَرَاهِمَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ عَبْدًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَأَتَيْتُهُ فَصَالَحْتُهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِالْعَبْدِ عَلَى دَرَاهِمَ دَفَعْتُهَا إلَيْهِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الدَّابَّةَ فَيَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ: أَنَا أَشْتَرِي مِنْكَ كُلَّ عَيْبٍ بِهَا بِكَذَا وَكَذَا؛ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا رَدَّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أَشْتَرِي مِنْكَ كُلَّ مَسِيسٍ فِي يَدِهَا وَرِجْلِهَا بِكَذَا وَكَذَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَ عَيْبًا مَعْرُوفًا ظَاهِرًا قَائِمًا تَبْرَأُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ
[لَهُ دَيْنُ فَصَالِحُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَلَا يَقُولُ لَهُ أَنَا ضَامِنٌ]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيُصَالِحُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَلَا يَقُولُ لَهُ: أَنَا ضَامِنٌ أَيَكُونُ ضَامِنًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُصَالِحُ عَنْ الرَّجُلِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ لِلطَّالِبِ: هَلُمَّ أُصَالِحْكَ مِنْ حَقِّكَ الَّذِي لَكَ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَيَكُونُ ضَامِنًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ ضَامِنٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَتَى إلَى رَجُلٍ فَصَالَحَهُ عَنْ امْرَأَتِهِ عَلَى شَيْءٍ سَمَّاهُ فَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ الصُّلْحَ وَأَلْزَمَ الرَّجُلَ الَّذِي صَالَحَ عَنْ امْرَأَتِهِ مَا سَمَّى لِلزَّوْجِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك لَا تُبَالِي قَالَ أَنَا ضَامِنٌ أَوْ لَمْ يَقُلْ: إذَا صَالَحَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ فَإِنَّمَا قَضَى حِينَ صَالَحَ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِمَّا يَحِقُّ عَلَيْهِ.
[لَهُ عَلَى رَجُل أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَة ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَيُصَالِحُهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنْ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ نَقْدًا فَصَالَحْتُهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ يُعْطِينِي
إيَّاهَا فَافْتَرَقْنَا قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهَا أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إنَّمَا هَذَا حَطٌّ وَهُوَ جَائِزٌ.
[لَهُ عَلَى رَجُل دَيْنٌ فَيُصَالِحُهُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ وَيَفْتَرِقَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ مَنْ تَسْلِيفٍ فَيُصَالِحُهُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ وَيَفْتَرِقَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا مِنْ سَلَمٍ أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أُصَالِحَهُ عَلَى رَأْسِ مَالِي فَأُفَارِقَهُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْتُ إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ فَصَالَحْتُهُ عَلَى رَأْسِ مَالِي فَافْتَرَقْنَا قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
[لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا جِيَادًا فَيُصَالَحُ عَلَى أَخَذَهَا زُيُوفًا]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا جِيَادًا فَيُصَالَحُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهَا زُيُوفًا أَوْ مُبَهْرَجَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ جِيَادٍ أَيَصْلُحُ لِي أَنْ آخُذَ مَكَانَهَا زُيُوفًا أَوْ مُبَهْرَجَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا يُنْفِقُ الرَّجُلُ الزُّيُوفَ هَذِهِ الَّتِي فِيهَا النُّحَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا.
قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ بَيَّنَهَا أَيْضًا، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا وَلَا يَبِيعَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَعْلَمُ الَّذِي كُرِهَ مِنْ شِرَائِهَا وَمِنْ بَيْعِهَا إلَّا مِنْ الصَّيَارِفَةِ فَلَا أَدْرِي أَكُرِهَ بَيْعُهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ أَمْ لَا، وَاَلَّذِي سَأَلْتُهُ عَنْهُ فِي الصَّيَارِفَةِ؟
قَالَ مَالِكٌ وَأَرَى أَنْ يُقَطِّعَهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَى هَذَا الصُّلْحَ جَائِزًا إذَا كَانَ لَا يُقَرِّبُهَا أَحَدٌ وَكَانَ يَأْخُذُهَا فَيُقَطِّعُهَا.
[لَهُ عَلَى رَجُل دَيْنٌ فَجَحَدُهُ فَصَالِحُهُ عَلَى عَبْدٍ فَأَرَادَ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَجْحَدُهُ إيَّاهُ فَيُصَالِحُهُ مِنْهُ عَلَى عَبْدٍ فَيُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَيَجْحَدُنِي فَصَالَحَنِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَبْدٍ وَقَبَضْتُهُ أَيَجُوزُ أَنْ أَبِيعَهُ مُرَابَحَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي عَبْدٍ اشْتَرَاهُ سَيِّدُهُ بِدَنَانِيرَ فَنَقَدَهُ فِي تِلْكَ الدَّنَانِيرِ غَيْرَهَا: لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ مَا نَقَدَ، وَأَنَا لَا أَرَى
بِالْبَيْعِ - فِي مَسْأَلَتِكَ - مُرَابَحَةً بَأْسًا؛ إذَا بَيَّنَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ رُدَّ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْبَيْعُ فَيَكُونَ لَهُ الْقِيمَةُ.
قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِدَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَمَسْأَلَتُك مِثْلُ هَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْت ثَوْبَيْنِ بِدِينَارٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً أَوْ أَسْلَمْت فِيهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ قَبَضْتُهُمَا أَوْ لَمْ أَقْبِضْهُمَا أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ إذَا كَانَ صِفَةُ الثَّوْبَيْنِ سَوَاءً؟ قَالَ: أَمَّا اللَّذَانِ اشْتَرَيْتَهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً وَصِفَتُهُمَا سَوَاءً لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ بِمِثْلِهِ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِاَلَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ الْأَسْوَاقُ وَالْقِيَمُ وَإِنْ كَانَتْ صِفَتُهُمَا وَاحِدَةً، وَأَمَّا اللَّذَانِ سَلَّفْتَ فِيهِمَا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً إذَا أَخَذْتَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتَهَا عَلَيْهَا وَلَمْ تَتَجَوَّزْ عَنْهُ فِي الصِّفَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَضْمُونًا فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ تَبِيعَهُ مُرَابَحَةً.
قُلْتُ: وَكُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ الْعُرُوضِ إذَا اشْتَرَيْتُ شَيْئَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَصِفَتُهُمَا وَاحِدَةٌ اشْتَرَيْتُ بِرْذَوْنَيْنِ قِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ وَصِفَتُهُمَا سَوَاءٌ أَوْ شَاتَيْنِ أَوْ بَعِيرَيْنِ اشْتَرَيْتُهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا وَلَمْ أُسْلِفْ فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً وَلَا عَلَى التَّوْلِيَةِ وَلَا عَلَى حِصَّةِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً إذَا كَانَتْ سِلَعًا بِأَعْيَانِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا أَسْلَمْتُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا قُلْتَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ وَبَعْدَ أَنْ أَقْبِضَ، أَيَجُوزُ فِي الصَّفْقَةِ إذَا كَانَتْ صَفْقَتُهَا سَوَاءً؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَسْلَمْتَ فِي حِنْطَةٍ وَقَبَضْتُهَا أَوْ اشْتَرَيْتُ حِنْطَةً أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ أَوْ مِمَّا قَالَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ نِصْفَهُ مُرَابَحَةً عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ رُبْعِهِ مُرَابَحَةً عَلَى رُبْعِ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[لَهُ مِائَةُ إرْدَبِّ قَمْحٍ مِنْ قَرْضٍ فَصَالِحُهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَدُفَع خَمْسِينَا وَتَفْتَرِقَا]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ إرْدَبِّ قَمْحٍ مَنْ قَرْضٍ فَيُصَالِحُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ خَمْسِينَ وَيَفْتَرِقَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْخَمْسِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ مِنْ قَرْضٍ فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ
عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَ إلَيَّ خَمْسِينَ دِرْهَمًا وَافْتَرَقْنَا قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى أَتَجُوزُ حِصَّةُ مَا انْتَقَدْتُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ حِصَّةُ مَا قَبَضْتَ وَلَا حِصَّةُ مَا لَمْ تَقْبِضْ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَيُرَدُّ الدَّرَاهِمُ وَيَكُونُ الطَّعَامُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَا إنَّمَا افْتَرَقَا الشَّيْءَ الْقَرِيبَ ثُمَّ أَتَاهُ فَنَقَدَهُ مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْبَيْتِ فَأَتَاهُ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا فَلَا بَأْسَ لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَيُعْطِيهِ طَعَامًا بِعَيْنِهِ فِي حَانُوتِهِ وَيُؤَخِّرُهُ إلَى الْغَدِ بِكَيْلِهِ وَيَأْتِيهِ بِالدَّوَابِّ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ يَذْهَبُ مَعَهُ إلَى الْبَيْتِ فَيَنْقُدُ أَوْ إلَى السُّوقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
[لَهُ عَلَى رَجُل إرْدَبُّ حِنْطَةٍ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ إرْدَبُّ حِنْطَةٍ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَيُصَالِحُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ الطَّعَامُ قَرْضًا فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَحِلُّ.
[لَهُ عَلَى رَجُل مِائَة دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ حَالَّةٌ فَيُصَالِحُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَلِمَ أَجَازَ هَذَا وَهُوَ لَا يُجِيزُ مِائَةَ دِينَارٍ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي لَهُ الْمِائَةُ دِينَارٍ وَالْمِائَةُ دِرْهَمٍ إذَا قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ: أَعْطِنِي مِائَةَ دِينَارٍ وَدِرْهَمًا فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ دِرْهَمًا مِنْ الْمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي كَانَتْ لَهُ وَتَرَكَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا فَمَسْأَلَتُكَ فِي الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ وَهَضِيمَةٌ وَمَسْأَلَتُكَ فِيهِ إذَا كَانَتْ مُتَابَعَةُ الدِّقَّةِ كُلُّهَا حَاضِرَةً، وَإِنَّمَا هُوَ صَرْفٌ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا اجْتَمَعَ الصَّرْفُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِذَهَبٍ أَوْ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قُلْتُ: وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَكُونَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ أَيْضًا الذَّهَبَانِ سَوَاءٌ وَالْفِضَّتَانِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا يَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، فَهَذَا إذَا كَانَ
ذَهَبًا وَفِضَّةً بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَلَيْسَ هَذَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ لِأَنَّ مَعَهُ هَاهُنَا فِضَّةً فَلِلذَّهَبِ حِصَّةٌ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَلِلْفِضَّةِ حِصَّةٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا وَهُوَ مِثْلُ الدَّيْنِ فِي مَسْأَلَتِكَ إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ وَحَطٌّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ الدِّينَارِ وَالْمِائَةُ الدِّرْهَمِ بِالْمِائَةِ الدِّينَارِ وَالْمِائَةِ الدِّرْهَمِ مُصَارَفَةً - يَعْنِي مُرَاطَلَةً - أَوْ عَدَدًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ
[الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الدَّنَانِيرَ فَيُصَالِحُهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَنْقُدُهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهُ الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى]
فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ الدَّنَانِيرَ فَيُصَالِحُهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَنْقُدُهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهُ الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَنْقُدُهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَهُ الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى أَوْ صَرَفَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَنَقَدَهُ الْخَمْسِينَ وَقَبَضَ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى ثُمَّ افْتَرَقَا أَتُفْسِدُ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا أَمْ تُجِيزُ حِصَّةَ النَّقْدِ وَتُبْطِلُ حِصَّةَ مَا تَأَخَّرَ مِنْ النَّقْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَنَقَدَهُ خَمْسِينَ دِينَارًا وَأَخَّرَ الْخَمْسِينَ إلَى مَحَلِّ أَجَلِ الطَّعَامِ يَقْضِيهِ إيَّاهَا وَيَسْتَوْفِيَ الطَّعَامَ؟ قَالَ مَالِكٌ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا مُنْتَقَضَةٌ وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَالصَّرْفُ أَيْضًا إذَا وَجَبَتْ الصَّفْقَةُ فَهِيَ مُنْتَقَضَةٌ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يُصَارِفُهُ ثُمَّ يُصِيبُ بَعْضَهَا زُيُوفًا لِأَنَّهُ إذَا أَصَابَ فِيهَا زُيُوفًا إنَّمَا يَرُدُّ مِنْ الصَّفْقَةِ حِصَّةَ مَا وَجَدَ مِنْ الزُّيُوفِ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَيْنِ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتِمَّ صَرْفُ الدِّينَارِ فَمَا زَادَ فَعَلَى ذَلِكَ تَبْنِي، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ.
[يُصَالِحُ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ]
فِي الرَّجُلِ يُصَالِحُ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ نَسِينَا جَمِيعًا وَزْنَهَا فَلَا نَدْرِي كَمْ هِيَ كَيْفَ نَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يَصْطَلِحَانِ عَلَى مَا أَحَبَّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ وَيَتَحَالَّانِ لِأَنَّ الْمَغْمَزَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْعُرُوضِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ فِي الدَّرَاهِمِ يَخَافُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ أَوْ أَكْثَرَ، فَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْعُرُوضُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِمَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عُرُوضٍ وَإِنْ أَخَّرَهُ دَخَلَهُ الْخَطَرُ وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ.
[ادَّعَى حَقًّا فَيُصَالِحُهُ عَلَى ثَوْبٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ صَبْغَهُ]
فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا فَيُصَالِحُهُ عَلَى ثَوْبٍ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ صَبْغَهُ أَوْ يُصَالِحُهُ عَلَى عَبْدٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْتُ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَصَالَحَنِي عَلَى ثَوْبٍ يَدْفَعُهُ إلَيَّ وَشَرَطْتُ
عَلَيْهِ صَبْغَهُ؟
قَالَ: هَذَا يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الصَّبْغَ الَّذِي اُشْتُرِطَ لَيْسَ بِعَاجِلٍ.
قُلْتُ: فَتُفْسَخُ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَلَا يَفْسَخُهُ إلَّا فِي شَيْءٍ يَقْبِضُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَصَالَحْتُهُ عَلَى عَبْدٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ؟
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَأَخَذَ بِهِ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَفْسَخَ دَيْنَهُ إلَّا فِي شَيْءٍ يَتَعَجَّلُهُ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى الصُّلْحِ.
[لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالُ إنْ أَعْطَانِي مِائَةً عِنْدَ الْمَحَلِّ فَالتِّسْعُمِائَةِ لَهُ وَإِلَّا فَالْأَلْفُ]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَدْ حَلَّتْ فَيَقُولُ: اشْهَدُوا، إنْ أَعْطَانِي مِائَةً عِنْدَ الْمَحَلِّ فَالتِّسْعُمِائَةِ لَهُ وَإِلَّا فَالْأَلْفُ كُلُّهَا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَدْ حَلَّتْ فَقُلْتُ: اشْهَدُوا، إنْ أَعْطَانِي مِائَةَ دِرْهَمٍ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فَالتِّسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِنِي فَالْأَلْفُ كُلُّهَا عَلَيْهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهَذَا فَإِنْ أَعْطَاهُ رَأْسَ الْهِلَالَ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَيَضَعُ عَنْهُ تِسْعَمِائَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ رَأْسَ الْهِلَالِ فَالْمَالُ كُلُّهُ عَلَيْهِ.
[لَهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ]
فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَيُصَالِحُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ الْعَشَرَةَ وَيُؤَخِّرَهُ بِالْمِائَةِ إلَى أَجَلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لِي الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَأُؤَخِّرَ عَنْهُ الْمِائَةَ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: لِمَ لَا يَجُوزُ هَذَا وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِالْمِائَةِ دِينَارٍ، وَتَكُونُ الْمِائَةُ دِرْهَمٍ كَأَنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْهُ وَقَدْ جَوَّزَ لِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟
قَالَ مَالِكٌ لَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى إنَّمَا أَخَذَ أَحَدَ حَقَّيْهِ وَأَخَذَ بِمَا بَقِيَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ وَتَرَكَ الدَّنَانِيرَ، وَهَذَا إنَّمَا صَالَحَ بِمَا أَخَذَ وَبِمَا أَخَّرَ عَنْ جَمِيعِ مَا كَانَ لَهُ فَجَرَى مَا أَخَذَ وَمَا أَخَّرَ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فَصَارَ لِلْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ حِصَّةٌ مِنْ