مَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ اقْتَسَمَا دُورًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ أَرْضًا أَوْ عُرُوضًا، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا بِعَبْدٍ مَنْ الْعَبِيدِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِ الدُّورِ أَوْ بِبَعْضِ الْعُرُوضِ الَّتِي صَارَتْ فِي حَظِّهِ عَيْبًا، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ مِثْلَ الْبُيُوعِ وَالدُّورِ لَيْسَ فِيهَا فَوْتٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ، هُوَ وَجْهَ مَا أَخَذَ فِي نَصِيبِهِ وَكَثْرَتَهُ، رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَجَعَ عَلَى حَقِّهِ وَرُدَّتْ الْقِسْمَةُ، إلَّا أَنْ يَفُوتَ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هَدْمٍ يَكُونُ قَدْ هَدَمَ دَارِهِ فَبَنَاهَا فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ كُلُّهُ فَوْتٌ.
قَالَ: فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ هَذَا، وَأَصَابَ هَذَا الْآخَرُ عَيْبًا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَأْخُذُ مِنْ الَّذِي فَاتَتْ الدُّورُ فِي يَدَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ الدُّورِ يَوْمَ قَبَضَهَا، وَتَكُونُ هَذِهِ الدُّورُ الَّتِي رَدَّهَا صَاحِبُهَا بِالْعَيْبِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ رُدَّتْ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهَا، وَاخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِفَوْتٍ فِي الدُّورِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ الَّذِي صَارَ لَهُ رَدَّهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَاهُ؛ رَدَّهُ وَنَظَرَ إلَيْهِ كَمْ هُوَ مِمَّا اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ السُّبْعَ أَوْ الثُّمُنَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ مَا فِي يَدَيْ أَصْحَابِهِ وَأَخَذَ مِنْهُمْ قِيمَةَ نِصْفِ سُبْعِ ذَلِكَ أَوْ نِصْفِ ثُمُنِهِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّارَ ثُمَّ يَجِدُ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا، أَوْ يُسْتَحَقُّ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَاسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ الشَّيْءُ التَّافِهُ، مِثْلُ الْبَيْتِ يَكُونُ فِي الدَّارِ الْعَظِيمَةِ أَوْ النَّخَلَاتِ تَكُونُ فِي النَّخْلِ الْكَثِيرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ جُلَّ ذَلِكَ رَدَّهُ.
فَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّورُ الْكَثِيرَةُ إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا، سَوَاءٌ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، إنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ الْعَيْبُ يَسِيرًا رَدَّ ذَلِكَ الَّذِي
أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَلْزَمُهُ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاَلَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ قِيمَةِ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدَيْهِ فَيُشَارِكَهُ فِيهِ، فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، كَانَ حَظُّ صَاحِبِهِ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمَاهُ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا فِي حَظِّهِ نَخْلًا وَدُورًا وَرَقِيقًا وَحَيَوَانًا، وَأَخَذَ الْآخَرُ فِي حَظِّهِ بَزًّا وَعِطْرًا وَجَوْهَرًا، تَرَاضَيَا بِذَلِكَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا فِي بَعْضِ مَا صَارَ لَهُ عَيْبًا، فَأَصَابَ ذَلِكَ فِي الْجَوْهَرِ وَحْدَهُ أَوْ فِي بَعْضِ الْعِطْرِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ فِي نَصِيبِهِ، أَوْ يَرُدَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ وَحْدَهُ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ هُوَ وَجْهَ مَا صَارَ لَهُ؛ رَدَّ جَمِيعَهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدَّ ذَلِكَ وَحْدَهُ بِعَيْنِهِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
[مَا جَاءَ فِي الْحِنْطَةِ يَقْتَسِمَانِهَا فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِنْطَتِهِ عَيْبًا]
قُلْتُ: قَالَ مَنْ فَخَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ وِرْثَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ، وَطَحَنَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فِي حِنْطَتِهِ مَنْ عَفَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: يَرُدُّ صَاحِبُهُ الَّذِي لَمْ يَطْحَنْ حِنْطَتَهُ إنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ أَخْرَجَ مَكِيلَتَهَا وَيُخْرِجُ هَذَا الَّذِي طَحَنَ حِنْطَتَهُ قِيمَةَ حِنْطَتِهِ الَّتِي طَحَنَ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يُخْرِجُ هَذَا الَّذِي طَحَنَ حِنْطَتَهُ حِنْطَةً مِثْلَهَا مَعْفُونَةً مَعِيبَةً، فَتَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا إذَا وَجَدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا وَقَدْ فَاتَتْ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهَا لَمْ يُخْرِجْ مِثْلَهَا، وَلِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً بِدَرَاهِمَ فَأَتْلَفَهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي دَرَاهِمِهِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ رُدَّ حِنْطَةً مِثْلَهَا مَعْفُونَةً مَعِيبَةً؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا مَعْفُونَةٍ مَعِيبَةٍ، لَمْ يُحِطْ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا وَالْحَيَوَانُ كَذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي قَاسَمَ صَاحِبَهُ حِنْطَتَهُ وَطَحَنَهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ طَحْنِ صَاحِبِهِ، إنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ بِنِصْفِ الْعَيْبِ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يَصْلُحُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْحِنْطَةِ الَّتِي طَحَنَهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَهَا لِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ، طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ فَاتَتْ عِنْدَهُ، لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُخْرِجُ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِمَعْرِفَتِهِ، وَلَوْ كَانَ يُحَاطُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَهَا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الطَّعَامَ الْعَفِنَ بِالطَّعَامِ الْعَفِنِ، أَيَصْلُحُ هَذَا مِثْلًا بِمِثْلٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَفَنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَفَنُ مُتَفَاوِتًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَمْحَانِ يَكُونُ فِيهِمَا مِنْ التِّبْنِ وَالتُّرَابِ الشَّيْءُ الْخَفِيفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَوْ كَانَ
أَحَدُهُمَا كَثِيرَ التِّبْنِ أَوْ التُّرَابِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ إلَى الْمُخَاطَرَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَقِيًّا وَالْآخَرُ مَغْشُوشًا كَثِيرَ التِّبْنِ وَالتُّرَابِ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَا نَقِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْغَلَثِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا صَارَ إلَى الْمُخَاطَرَةِ وَإِلَى طَعَامٍ بِطَعَامٍ وَلَيْسَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَيْسَ هَذَا يُشْبِهُ مَا اخْتَلَفَ مِنْ الطَّعَامِ، مِثْلَ الْبَيْضَاءِ وَالسَّمْرَاءِ أَوْ الشَّعِيرِ وَالسُّلْتُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا جَمِيعًا فَيَتَبَايَعَانِهِ، وَلِأَنَّ هَذَيْنِ مَغْشُوشَانِ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ سَمْرَاءَ مَغْلُوثَةً بِشَعِيرٍ مَغْلُوثٍ، أَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ حَشَفُ التَّمْرِ بِمَنْزِلَةِ غَلَثِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْحَشَفَ مِنْ التَّمْرِ وَالْغَلَثَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ وَهَذَا كُلُّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الطَّعَامَ الْمَغْلُوثَ إذَا كَانَ صُبْرَةً وَاحِدَةً، أَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صُبْرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا وَقْعُ غَلْثِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبَتِهَا.
وَالْوَاحِدَةُ إذَا كَانَتْ مَغْلُوثَةً غَلْثُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، لَا يَدْخُلُهُ مِنْ خَوْفِ الِاخْتِلَافِ وَالْمُخَاطَرَةِ مَا يَدْخُلُ الصُّبْرَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ غَرْبَلَةِ الْقَمْحِ فِي بَيْعَتِهِ؟ فَقَالَ: هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ.
فَأَرَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَاَلَّذِي أُجِيزُهُ مِنْ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ أَوْ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ أَنْ يَكُونَا نَقِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَا مُشْتَبِهَيْنِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا غَلْثًا وَالْآخَرُ نَقِيًّا، وَلَا يَكُونَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا بَيْنَنَا فَبَنَيْتُ حِصَّتِي أَوْ هَدَمْتُهَا، فَأَصَبْتُ عَيْبًا كَانَ فِي حِصَّتِي قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَبْنِيَ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ إذَا هَدَمَ أَوْ بَنَى ثُمَّ أَصَابَ عَيْبًا، فَهُوَ فَوْتٌ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْعَيْبِ فَيَأْخُذُ بِذَلِكَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْعَيْبُ فَيَرْجِعُ بِنِصْفِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي عَبْدًا فَيُسْتَحَقُّ لِغَيْرِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فَبَاعَ نِصْفَهُ مَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ رُبُعَ جَمِيعِ الْعَبْدِ، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ الْجَمِيعَ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إذَا اسْتَحَقَّ رُبُعَ جَمِيعِ الْعَبْدِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَى شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ الرُّبُعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيَرْجِعُ هَذَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى بَائِعِهِ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ
مِنْ الْعَبْدِ مِنْ حِصَّتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ يَرُدُّ إنْ شَاءَ، وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ عَلَى بَائِعِهِ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي هَذَا يَكُونُ مُخَيَّرًا.
قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فَبَاعَ نِصْفَهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْعَيْبِ وَقَبِلَ الْعَبْدُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَنَا أَرُدُّ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ إلَّا أَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ بِالْخِيَارِ، وَيُقَالُ لَهُ اُرْدُدْ الْآنَ إنْ أَحْبَبْتُ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ بَاعَ نِصْفَ الْعَبْدِ فَلَا يَرُدُّ النِّصْفَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ الْعَيْبِ شَيْئًا أَوْ خُذْ نِصْفَ الْعَبْدِ وَادْفَعْ إلَيْهِ نِصْفَ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْت أَنَا وَصَاحِبِي عَبْدَيْنِ بَيْنَنَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عَبْدًا وَهُوَ عَبْدًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِي؟
قَالَ: إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفُ عَبْدٍ، فَلَمَّا أَخَذْتَ جَمِيعَ هَذَا الْعَبْدِ وَأَعْطَيْتَ شَرِيكَكَ الْعَبْدَ الْآخَرَ، كُنْتَ قَدْ بِعْتَهُ نِصْفَ ذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لَهُ بِنِصْفِ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لَكَ، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّ نِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ، قُسِمَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي كَانَ لَكَ وَعَلَى النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْ صَاحِبِكَ، فَيَكُونُ نِصْفُ النِّصْفِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ نَصِيبِكَ وَنِصْفُ النِّصْفِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِكَ، فَتَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِكَ بِرُبُعِ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ لِمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِكَ، فَتَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ لَمْ يَفُتْ فِي يَدِ صَاحِبِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ فَاتَ فِي يَدِ صَاحِبِكَ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ رُبُعُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَلَا تَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ تَرُدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَأْخُذَ نِصْفَ عَبْدِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الدَّارِ وَالْأَرْضِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ فَيُسْتَحَقُّ مِنْهَا الطَّائِفَةُ.
قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهَا يَسِيرًا، رَأَيْتُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى الْبَيْتَ مِنْ الدَّارِ الْجَامِعَةِ وَالنَّخْلَةَ مِنْ النَّخْلِ الْكَثِيرَةِ وَالشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْأَرْضِ الْكَثِيرَةِ، لَيْسَ إذَا اُسْتُحِقَّ الْفَسَادُ لَهَا، فَأَرَى أَنْ يَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، وَيَرْجِعُ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ هُوَ جُلُّ الدَّارِ وَلَهُ الْقَدْرُ مِنْ الدَّارِ؛ رَأَيْتُ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الدَّارِ وَيَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ فَذَلِكَ لَهُ.
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ فَيُسْتَحَقُّ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُشْبِهُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ عِنْدِي الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَلَا النَّخْلَ؛ لِأَنَّ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ يُرِيدُ أَهْلُهُمْ أَنْ يَظْعَنُوا بِهِمْ وَيَطَأُ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَيُسَافِرُ الرَّجُلُ بِالْغُلَامِ، فَهُوَ فِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ إذَا اشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهُمَا فَاسْتُحِقَّ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ كَانَ بِخِيَارٍ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ وَيَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ
أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ فَذَلِكَ لَهُ، فَمَسْأَلَتُكَ فِي الْقِسْمَةِ فِي الْعَبْدَيْنِ عِنْدِي تُشْبِهُ الدُّورَ وَلَا تُشْبِهُ الْعَبِيدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ لَهُ فِي كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ إنْ كَانَتَا جَارِيَتَيْنِ وَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِمَا إنْ كَانَا عَبْدَيْنِ، فَلَمَّا قَاسَمَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ عَبْدِهِ بِنِصْفِ صَاحِبِهِ فَاسْتُحِقَّ مِنْ نِصْفِ صَاحِبِهِ رُبُعُهُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ صَاحِبِهِ كُلَّهُ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ الرُّبُعِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِصَاحِبِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِرُبُعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْفَوْتُ فِي الْعَبِيدِ فِي مِثْلِ هَذَا: النَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ وَالْبَيْعُ وَاخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلَعَ فَيَجِدُ بِبَعْضِهَا عَيْبًا أَوْ يُسْتَحَقُّ مِنْهَا الشَّيْءُ.
قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ عَيْبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ لَيْسَ هُوَ جُلَّ ذَلِكَ وَلَا كَثْرَتَهُ وَلَا مِنْ أَجَلِهِ اشْتَرَى؛ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ.
فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَبْدُ، لَيْسَ الرُّبُعُ جُلَّ مَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا فِيهِ طَلَبُ الْفَضْلِ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ هَذَا فِي هَذَا، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ كُلَّهُ مِنْ رَجُلٍ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَلِأَنَّ لَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَنْ يَطَأَهَا إذَا اشْتَرَاهَا، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الْقَلِيلُ رَدَّهَا إنْ أَحَبَّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حُجَّةٌ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْوَطْءِ وَالْأَسْعَارِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَأَمَّا الَّذِي قَاسَمَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَ فِي نِصْفِ عَبْدِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ نِصْفَ عَبْدِ صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ شَرِيكًا فَاسْتُحِقَّ الرُّبُعُ مِنْ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ حَظِّ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ إنَّمَا يَرُدُّهُمَا فِي هَذَا إلَى الْحَالِ الْأُولَى، وَقَدْ كَانَ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي الْحَالِ الْأُولَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُسَافِرَ بِهِمَا وَلَا يَطَأَ الْجَارِيَةَ.
فَالْعَبِيدُ إذَا كَانُوا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَاقْتَسَمُوهُمْ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ مَا فِي يَدَيْهِ، إنَّمَا يُحْمَلُونَ مَحْمَلَ السِّلَعِ وَالدُّورِ إذَا اُشْتُرِيَتْ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ كَثِيرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا لَا قَدْرَ لَهُ لَمْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِمَا يُصِيبُهُ عَلَى قَدْرِ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَهَذَا فِي الْقِسْمَةِ فِي الْعَبِيدِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَهُمَا فِي الْقِيمَةِ سَوَاءٌ لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمَا فَاسْتُحِقَّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ لَمْ يَرُدَّ الثَّانِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَكَذَلِكَ النِّصْفُ حِينَ اشْتَرَى لَمْ يَشْتَرِ الرُّبُعَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ لِلرُّبُعِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ، فَيَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ يَرُدُّهُ بِهَا أَوْ يَقُولُ كُنْتُ أُسَافِرُ بِالْعَبْدِ أَوْ أَطَأُ الْجَارِيَةَ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعِي شَرِيكٌ فَتَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا فِي هَذَا الْوَجْهِ الْآخَرِ حُجَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى
صَاحِبِهِ بِرُبُعِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ فَبِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
[مَا جَاءَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الصَّفْقَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَيْت عَشَرَةَ أَعْبُدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ قِيمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِائَةُ دِينَارٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبِيدِ تِسْعَةُ أَعْبُدٍ وَبَقِيَ مِنْهُمْ عِنْدِي عَبْدٌ وَاحِدٌ فَأَرَدْتُ رَدَّهُ، أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَرُدُّ إذَا اُسْتُحِقَّ جُلُّ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْهَا تَرْجُو الْفَضْلَ وَالرِّبْحَ أَوْ كَثْرَتَهُ، وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى اسْتِوَاءِ قِيمَةِ الْمَتَاعِ وَلَا تَفَاوُتِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصَّفْقَةُ دَارًا وَعَبْدًا وَدَابَّةً وَثَوْبًا وَجَوْهَرًا وَعِطْرًا، فَأَصَابَ بِأَكْثَرِ هَذِهِ الصُّنُوفِ عَيْبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهَا، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا فِي الثَّمَنِ قَرِيبٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الصُّنُوفِ شَيْءٌ اُشْتُرِيَ الصِّنْفُ الْآخَرُ لِمَكَانِهِ وَلَا فِيهِ طَلَبُ الْفَضْلِ، وَلَكِنْ طَلَبَ الْفَضْلَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَتَاعِ، أَوْ الَّذِي يَرْجُو فِيهِ النَّمَاءَ وَالْفَضْلَ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي اقْتَسَمْنَاهَا فَأَخَذْتُ أَنَا رُبُعَهَا مِنْ مُقَدَّمِهَا وَأَخَذَ صَاحِبِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، فَإِذَا جَازَ فِي الْبُيُوعِ جَازَ فِي الْقِسْمَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدَيْ هَذَا الَّذِي أَخَذَ الرُّبُعَ نِصْفُ مَا فِي يَدَيْهِ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ؟
قَالَ: يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَخَذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الدَّارِ مِنْ مُؤَخَّرِ الدَّارِ بِقِيمَةِ رُبُعِ مَا فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ نِصْفُ مَا فِي يَدَيْهِ أَوْ ثُلُثُهُ فَعَلَى هَذَا يُعْمَلُ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: وَلَا تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْقِسْمَةُ لَا تُنْتَقَضُ فِيمَا إذَا كَانَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَافِهًا يَسِيرًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ، فَأَرَى الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا تُحْمَلُ مَحْمَلَ الْبُيُوعِ، وَلِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِمَنْ اُسْتُحِقَّ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا بِعْتُكَ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْكَ بِنِصْفِ مَا فِي يَدَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ إنَّمَا هُوَ مُقَاسَمَةٌ.
فَإِذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ التَّافِهُ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ لِمَا يَبْقَى فِي يَدَيْهِ ثَبَتَتْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ تُنْتَقَضْ، وَيَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ ضَرَرًا لِمَا يَبْقَى فِي يَدَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ رَدَّهُ كُلَّهُ وَرَجَعَ فَقَاسَمَ صَاحِبَهُ الثَّانِيَةَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ فَيُخْرِجَ الْقِيمَةَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ إذَا اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ لَمْ تُنْتَقَضْ الْقِسْمَةُ وَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْكَثِيرُ اُنْتُقِضَتْ الْقِسْمَةُ، مَا حَدُّ هَذَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّارَ فَيُسْتَحَقُّ النِّصْفُ مِنْهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ الثُّلُثُ؟
قَالَ: لَمْ يَجِدْ لَنَا
مَالِكٌ فِي الثُّلُثِ شَيْئًا أَحْفَظُهُ، وَلَكِنِّي أَرَى الثُّلُثَ كَثِيرًا وَأَرَى أَنْ يَرُدَّ الدَّارَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ ثُلُثِ الدَّارِ فَسَادٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْغَنَمِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِالْقِيمَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْنَا أَنَا وَأَخٌ لِي عِشْرِينَ شَاةً فَأَخَذْتُ أَنَا خَمْسُ شِيَاهٍ تُسَاوِي مِائَةً وَأَخَذَ أَخِي خَمْسَةَ عَشَرَ تُسَاوِي مِائَةً، أَيَصْلُحُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ اقْتَسَمُوا الْغَنَمَ عَلَى الْقِيمَةِ إذَا كَانَ بِالسِّهَامِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى أَمْرٍ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِمَّا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَاةٌ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُنْتَقَضَ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّاةُ الْمُسْتَحَقَّةُ هِيَ خُمْسُ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ خُمْسِ مَا فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا جُلُّ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنَمِ؟
قَالَ: نَعَمْ، تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ إذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا هُوَ جُلُّ حِصَّتِهِ وَفِيهِ رَجَاءُ الْفَضْلِ وَالنَّمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحَائِطَ مِنْ النَّخْلِ فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الثَّمَرَ فَيَفْضُلَ بَعْضُهُمْ فِي الْكَيْلِ لِرَدَاءَةِ مَا يَأْخُذُ مِنْ التَّمْرِ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ مَكِيلَةِ مَا يَأْخُذُ أَصْحَابُهُ مِنْ التَّمْرِ إلَّا أَنَّ تَمْرَ أَصْحَابِهِ أَجْوَدُ، فَيَأْخُذُهُ لِمَوْضِعِ جَوْدَةِ ثَمَرَةِ أَصْحَابِهِ دَرَاهِمَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَكِنْ يَتَقَاوَمُونَ الْأَصْلَ، كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَرَادُّونَ هَذَا الْفَضْلَ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَضْلٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِحِنْطَةٍ وَدَرَاهِمَ وَآخَرُ بِحِنْطَةٍ وَدَرَاهِمَ فَتَبَادَلَا بِهَا، وَإِنْ كَانَ الْكَيْلُ وَاحِدًا وَوَزْنُ الدَّرَاهِمِ وَاحِدًا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِمِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْت أَنَا وَأَخِي ثَلَاثِينَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَاقْتَسَمْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عِشْرِينَ إرْدَبًّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَخَذَ أَخِي عَشَرَةَ أَرَادِبَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْقَمْحُ مُخْتَلِفًا سَمْرَاءُ وَمَحْمُولَةٌ أَوْ نَقِيَّةٌ وَمَغْلُوثَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي التَّمْرِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَاوَةٍ وَاحِدَةٍ وَصِنْفٍ وَاحِدٍ لَا يُؤْخَذُ أَوَّلُهُ لِلرَّغْبَةِ فِيهِ وَيُهْرَبُ مِنْ رَدَاءَةِ آخِرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ عَشَرَةَ أَرَادِبَ وَأَعْطَى أَخَاهُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ ثُمَّ بَقِيَتْ عَشَرَةُ أَرَادِبَ بَيْنَهُمَا وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّلَاثِينَ دِرْهَمًا حِصَّةَ أَخِيهِ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ أَرَادِبَ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ هَذَا بِطَعَامٍ وَهَذَا بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ فَيَكُونُ فَاسِدًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْقَمْحُ
بَيْنَهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَآخُذُ أَنَا هَذَا الْقَمْحَ، أَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَآخُذُ نَصِيبَكَ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا، وَهَذَا فِيمَا فَضَلَ بَعْدَ حِصَّتِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قُلْتُ: فَلَوْ وَرِثْنَا أَنَا وَأَخٌ لِي مِائَةَ إرْدَبٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَمِائَةَ إرْدَبٍّ مَنْ شَعِيرٍ، فَأَخَذْتُ أَنَا سِتِّينَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَأَرْبَعِينَ إرْدَبًّا مَنْ شَعِيرٍ، وَأَخَذَ أَخِي سِتِّينَ إرْدَبًّا مَنْ شَعِيرٍ وَأَرْبَعِينَ إرْدَبًّا مَنْ حِنْطَةٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ الَّتِي أَخَذَ أَحَدُهُمَا هِيَ مِثْلُ مَا أَخَذَ شَرِيكُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى الَّذِي أَخَذَ شَرِيكُهُ فَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ بَادَلَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ؟ قَالَ: وَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحُلِيَّ مِنْ الذَّهَبِ، فَتَقُولُ أُخْتُهُمْ اُتْرُكُوا إلَيَّ هَذَا الْحُلِيَّ وَأَنَا أُعْطِيكُمْ وَزْنَ حَقِّكُمْ مِنْ هَذَا الْحُلِيِّ ذَهَبًا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَزَنْتَ ذَلِكَ لَهُمْ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثْنَا حِنْطَةً وَقُطْنِيَّةً اقْتَسَمْنَا ذَلِكَ أَنَا وَأَخِي أَخَذْتُ أَنَا الْحِنْطَةَ وَأَعْطَيْتُ أَخِي الْقُطْنِيَّةَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ، فَإِنْ كَانَ زَرْعًا قَدْ بَلَغَ وَطَابَ لِلْحَصَادِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْصَدَ كُلُّهُ مَكَانَهُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ حِنْطَةً وَقُطْنِيَّةً، وَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ زَرْعًا حَتَّى يَحْصُدَاهُ وَيَدْرُسَاهُ وَيَقْتَسِمَاهُ بِالْكَيْلِ.
[مَا جَاءَ فِي الْقَوْمِ يَقْتَسِمُونَ الدُّورَ فَتُسْتَحَقُّ حِصَّةُ أَحَدِهِمْ وَقَدْ بَنَى]
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا بَيْنَنَا فَبَنَى أَحَدُنَا فِي نَصِيبِهِ الْبُنْيَانَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نِصْفُ نَصِيبِ الَّذِي بَنَى بِعَيْنِهِ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ فَذَلِكَ فَوْتٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ نِصْفُ نَصِيبِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَبْنِ فِي نَصِيبِهِ شَيْئًا، كَانَ ذَلِكَ فَوَاتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَيُقَالُ لِلَّذِي بَنَى أَخْرِجْ قِيمَةَ مَا صَارَ لَكَ وَيَرُدُّ هَذَا كُلَّ مَا فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْقِيمَةَ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا تُرِكَتْ الْقِسْمَةُ وَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ رُبُعَ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ بِثَمَنِ قِيمَةِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ الَّذِي بَنَى نَصِيبَهُ وَكَانَ نَصِيبُهُ فَوْتًا.
قُلْتُ: وَالدَّارَانِ وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَرْضًا وَاحِدَةً فَاقْتَسَمُوهَا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا، أَوْ أَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا أَرْضَيْنِ فَأَخَذْتُ أَنَا أَرْضًا وَأَخَذَ صَاحِبِي أُخْرَى، فَغَرَسَ أَحَدُنَا فِي أَرْضِهِ وَبَنَى، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَ الْأَرْضِ الَّتِي صَارَتْ لِهَذَا الَّذِي غَرَسَ وَبَنَى؟ قَالَ: يُقَالُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ إلَى هَذَا الَّذِي غَرَسَ قِيمَةَ غِرَاسَتِهِ وَبُنْيَانِهِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَحْقَقْتَهَا، وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْكَ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ
فِي أَرْضِكَ غَاصِبًا وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الَّذِي قَاسَمَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ أَرْضِهِ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ اُسْتُحِقَّ رُبُعُ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ بِقِيمَةِ ثَمَنِ مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي الدَّارِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ أَوْ قَدْ فَاتَتْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَانْظُرْ أَبَدًا إلَى مَا اُسْتُحِقَّ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِ نِصْفِ ذَلِكَ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا لَهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ إذَا لَمْ يَفُتْ، وَإِذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ تَافِهًا يَسِيرًا رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ شَرِيكًا لِصَاحِبِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَالدَّارُ إذَا اقْتَسَمَاهَا فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ وَقَدْ بَنَاهُ أَوْ نِصْفُهُ يُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ: إنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إلَى هَذَا قِيمَةَ بُنْيَانِهِ أَوْ خُذْ مِنْهُ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا فِي قَوْلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعَبِيدُ وَالدُّورُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا اُسْتُحِقَّ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّ إلَّا مَا اُسْتُحِقَّ وَحْدَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّةِ الثَّمَنِ، فَالْقِسْمَةُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا جُلُّ نَصِيبِهِ رَجَعَ بِقَدْرِ نِصْفِ ذَلِكَ فَشَارَكَ بِهِ صَاحِبَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ تَافِهًا يَسِيرًا رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَلَا يُشَارِكُ بِهِ صَاحِبَهُ فِي حَظِّهِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَتَفْسِيرُهُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِائَةَ إرْدَبٍّ مِنْ حِنْطَةٍ فَيُسْتَحَقُّ خَمْسُونَ مِنْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ فَذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الدَّارَانِ وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَصَابَ بِخَمْسِينَ إرْدَبًّا مِنْهَا عَيْبًا أَوْ ثُلُثَ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ رُبُعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ مِنْ طَيِّبِهِ، وَيَرُدَّ مَا أَصَابَ فِيهِ الْعَيْبَ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
[قِسْمَةُ الدُّورِ الْكَثِيرَةِ يُسْتَحَقُّ بَعْضُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا]
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ عِشْرُونَ دَارًا تَرَكَهَا وَالِدِي مِيرَاثًا بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَاقْتَسَمْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عَشْرَةَ دُورٍ فِي نَاحِيَةٍ وَأَخَذَ أَخِي عَشَرَةً فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى تَرَاضَيْنَا بِذَلِكَ وَاسْتَهَمْنَا عَلَى الْقِيمَةِ، فَاسْتُحِقَّتْ دَارٌ مَنْ الدُّورِ الَّتِي صَارَتْ لِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ نَصِيبِهِ أَوْ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا هِيَ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدُّورِ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الدُّورِ ثَمَنًا رُدَّتْ الْقِسْمَةُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَ كَذَلِكَ رَدَّهَا وَحْدَهَا وَرَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهَا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَرْجِعُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، أَيَضْرِبُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ دَارٍ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الدُّورُ فَيَنْظُرُ كَمْ قِيمَتُهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الدَّارِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ كَمْ كَانَتْ مِنْ الدُّورِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدَيْ الَّذِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ عُشْرًا أَوْ
ثُمُنًا أَوْ تُسْعًا رَجَعَ فَأَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ قِيمَةَ نِصْفِ عُشْرِ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَ عَيْبًا بِدَارٍ مِنْهَا قُسِمَتْ هَذِهِ الْمَعِيبَةُ وَمَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
قُلْتُ: وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ فِي هَذَا مُخَالِفَةٌ فِي الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِلدُّورِ الْكَثِيرَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ يَدْخُلُ فِيهَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَسْكُنَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ أَنْ يَرُدَّ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ يَشْتَرِي فَيُسْتَحَقُّ نِصْفُهُ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ.
وَإِذَا كَانَتْ دُورًا كَثِيرًا فَإِنَّمَا تُحْمَلُ مَحْمَلَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي جُمْلَةِ الرَّقِيقِ وَجُمْلَةِ الدُّورِ وَجُمْلَةِ الْمَتَاعِ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى مَا بَقِيَ فَيَكُونُ مِثْلَ الدَّارِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ جَارِيَتَيْنِ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ، أَخَذْت أَنَا وَاحِدَةً وَأَعْطَيْته أُخْرَى، فَوَطِئَ صَاحِبِي جَارِيَتَهُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهَا بَعْدَمَا وَلَدَتْ؟ قَالَ: يَأْخُذُ الْجَارِيَةَ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا وَيَرْجِعُ هَذَا الَّذِي اُسْتُحِقَّتْ فِي يَدَيْهِ عَلَى صَاحِبِهِ فَيُقَاسِمُهُ الْجَارِيَةَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ فَاتَتْ، فَإِنْ فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يَفُوتُ بِهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ رَجُلٌ جَارِيَتَهُ عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَقَدْ كَانَتْ سُرِقَتْ مِنْهُ فَثَبَتَ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ أَنَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ مَنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَمَا فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ فِي يَدِ هَذَا الْمُشْتَرِي، أَيَكُونُ الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ فِي يَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَمَنَهَا مِنْ الْبَائِعِ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَالَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا أَوْ يَأْخُذُ ثَمَنَهَا مِنْ بَائِعِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهَا عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا وَقَدْ حَالَتْ بِالْأَسْوَاقِ أَوْ بِنَمَاءٍ أَوْ بِنُقْصَانٍ؟
قَالَ: فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعُرُوضَ مِنْ يَدِ بَائِعِ الْجَارِيَةِ زَادَتْ الْعُرُوض أَوْ نَقَصَتْ لَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ فِي زِيَادَةِ الْعُرُوضِ وَلَا نُقْصَانِهَا لِأَنَّهَا ثَمَنُ جَارِيَتِهِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ مِنْ رَجُلٍ، فَوَجَدَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ عَيْبًا فَرَدَّهَا وَقَدْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ فِي الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْعَيْبَ وَفِي الْأُخْرَى، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْعَيْبَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُخْرَى، وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ بِجَارِيَتِهِ عَيْبًا كَانَ ضَامِنًا لَهَا فَعَلَيْهِ نُقْصَانُهَا وَلَهُ نَمَاؤُهَا، وَاَلَّذِي وَجَدَ بِجَارِيَتِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا لِلْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَ بِهَا، فَإِذَا رَدَّهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا زَادَ فِي الْجَارِيَةِ الْأُخْرَى
الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لِصَاحِبِهِ كَانَ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ أَيْضًا.
قُلْتُ: فَقَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِ فِي مُسْتَحِقِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ وَلَدَتْ عِنْدَ سَيِّدِهَا، لِمَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي حَالَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ: إنَّ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعَيْنِهَا، مَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوِلَادَةَ إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، إنْ أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ عَارًا عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَعَلَى وَلَدِهَا، وَهَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّهَا إذَا أُعْطِيَ قِيمَتَهَا فَقَدْ أُعْطِيَ حَقَّهُ، فَإِنْ أَبَى فَهَذَا الضَّرَرُ وَيُمْنَعُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ الْآخِرِ، فَأَنَا آخُذُ بِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَا أُرِيدُ الْجَارِيَةَ وَأَنَا أُرِيدُ قِيمَتَهَا، وَقَالَ سَيِّدُ الْجَارِيَةِ الَّتِي وَلَدَتْ عِنْدَهُ لَا أَدْفَعُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ شَيْئًا وَلَكِنْ يَأْخُذُ جَارِيَتَهُ، أَيُجْبِرُهُ مَالِكٌ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُجْبِرُهُ مَالِكٌ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَذَلِكَ رَأْيِي إذَا أَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَأْخُذُ قِيمَةَ جَارِيَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا وَلَدَتْ عِنْدَهُ، أَيَوْمَ اشْتَرَاهَا أَوْ يَوْمَ حَمَلَتْ أَوْ يَوْمَ اسْتَحَقَّهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا مُسْتَحِقُّهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي وَلَدَتْ عِنْدَهُ بِقِيمَتِهَا دَيْنًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ إنْ هِيَ هَلَكَتْ بِقِيمَتِهَا مَا كَانَ لَهُ فِي وَلَدِهَا قِيمَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا الَّذِينَ هَلَكُوا شَيْءٌ.
قُلْتُ: فَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي وَلَدَتْ، أَيَكُونُ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ مِنْ الْمَهْرِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ.
[أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَاله فَأَخَذَ فِي وَصِيَّته ثُلُث دَار فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ الْبِنَاء]
قُلْتُ: فَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ فَأَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِ ثُلُثَ دُورِ الْمَيِّتِ فَبَنَى ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدَيْهِ مُسْتَحِقٌّ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ قِيمَةَ بُنْيَانِ هَذَا الْمُوصَى لَهُ أَوْ خُذْ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا.
قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ وَقَدْ أَنْفَقَ الْمُوصَى لَهُ فِي بُنْيَانِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي أَخَذَ لِأَنَّ أَسْوَاقَ الْبُنْيَانِ حَالَتْ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا خَسِرَ فِي قِيمَةِ الْبُنْيَانِ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ فِي ثُلُثِهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فَغَرُّوهُ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
قُلْتُ: فَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِي الدُّورِ، وَيَقْسِمُونَ ثَانِيَةً وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثَ دُورِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ
مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الدُّورُ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ بِبَيْعٍ أَوْ بُنْيَانٍ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضُوا الدُّورَ بِالْقَسْمِ فَيَقْتَسِمُونَ الْقِيمَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوَارِيثِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ وَقَدْ فَاتَتْ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ بِهَدْمٍ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْمُوصَى لَهُ خُذْ ثُلُثَ هَذِهِ الدُّورِ مَهْدُومَةً وَثُلُثَ نَقْضِهَا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَضَ الْهَدْمُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا بَاعُوا مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا، فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ مَا بَاعُوا بِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ لَا قِيمَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا فَهَدَمَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ مُسْتَحِقُّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مَهْدُومَةً بِحَالِهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةٌ وَلَا غَيْرُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى: إنْ كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي الَّذِي هَدَمَ بَاعَ مِنْ نَقْضِهَا شَيْئًا فَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ أَخْذَ الدَّارِ مَهْدُومَةً، كَانَ لَهُ ثَمَنُ الَّذِي بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ ثَمَنُ شَيْئِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ جَارِيَةً فَعَمِيَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، أَيَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتَهَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِحَالِهَا أَوْ يَأْخُذَ ثَمَنَهَا مِنْ الْبَائِعِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ دَارًا فَاحْتَرَقَتْ ثُمَّ أَتَى صَاحِبُهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَوْ أَدْرَكَ رَجُلٌ فِيهَا شُفْعَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي احْتَرَقَتْ فِي يَدَيْهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُسَلِّمَهَا وَيَتْبَعَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ مُحْتَرِقَةً أَوْ يَدَعَهَا لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي النَّقْضِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَهُمَا فَيَقْتَسِمَانِهِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ نَقْضًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَهُمَا، فَأَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَا نَقْضَهَا عَلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ يَسْتَهِمَا أَوْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى هَذَا جَائِزًا لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ النَّقْضِ وَأَبَى صَاحِبُهُ، أَيُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَهْدِمَا النَّقْضَ وَصَاحِبُ الدَّارِ غَائِبٌ، أَيَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَهْدِمَاهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى: إنْ أَرَادَا أَنْ يَهْدِمَاهُ وَصَاحِبُ الدَّارِ غَائِبٌ أَنْ يَرْفَعَا ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ لِلْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ لِلْغَائِبِ أَنْ يُعْطِيَهُمَا قِيمَةَ النَّقْضِ وَيَأْخُذَ النَّقْضَ لَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخَلِّيَهُمَا وَنَقْضَهُمَا خَلَّاهُمَا وَذَلِكَ، وَمَا صَنَعَ السُّلْطَانُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْغَائِبِ.
قُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ يَنْقُدُ الثَّمَنَ إنْ رَأَى أَنْ يَأْخُذَ لَهُ؟
قَالَ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَالسُّلْطَانُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: فَإِنْ نَقَضَا وَلَمْ يَرْفَعَا ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ أَيَكُونُ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا وَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَذِنْت لِرَجُلٍ يَبْنِي فِي عَرْصَةٍ لِي وَيَسْكُنُ وَلَمْ أُوَقِّتْ لَهُ، كَمْ يَسْكُنُ سَنَةً وَلَا شَهْرًا،
أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ بَنَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ قَالَ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ مَا يَرَى مِنْ طُولِ السِّنِينَ مَا يَكُونُ سُكْنَى فِيمَا أَذِنَ لَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ ذَلِكَ مَنْقُوضًا إنَّ أَحَبَّ، أَوْ قَالَ لَهُ خُذْ بُنْيَانَكَ وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ أَوْ الْعَشْرَ سِنِينَ فَقَالَ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ إذَا سَكَنَ الْأَمْرُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْبُنْيَانِ لِيَسْكُنَ مِقْدَارَ هَذِهِ السِّنِينَ لِكَثْرَةِ مَا أَنْفَقَ فِي بُنْيَانِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِذَا أَخْرَجَهُ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ نَقْضِهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الْعَرْصَةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَى صَاحِبِ النَّقْضِ قِيمَةَ نَقْضِهِ الْيَوْمَ حِينَ يُخْرِجُهُ مَنْقُوضًا، وَفِي أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَقْلَعَ نَقْضَهُ.
وَلَيْسَ لِصَاحِبِ النَّقْضِ إذَا قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْصَةِ أَنَا أَدْفَعُ إلَيْكَ قِيمَةَ نَقْضِكَ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي أَقْلَعُ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الْعَرْصَةِ.
قُلْتُ: فَإِذَا أَذِنَ رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ أَنْ يَبْنِيَا عَرْصَةً لَهُ وَيَسْكُنَاهَا فَبَنَيَاهَا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا بَعْدَمَا قَدْ سَكَنَ مِقْدَارَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ الْعَرْصَةَ لِيَبْنِيَ فَيَسْكُنَ مِقْدَارَ مَا سَكَنَ، كَيْفَ يُخْرِجُهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ نِصْفِ النَّقْضِ، أَمْ يَقُولُ رَبُّ الْعَرْصَةِ النَّقْضَ، أَمْ لَا يَكُونُ رَبُّ الْعَرْصَةِ فِي هَذَا مُخَيَّرًا لِأَنَّ صَاحِبَ النَّقْضِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْلِعَ نَقْضَهُ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شَرِيكًا؟
قَالَ: إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْسَمَ النَّقْضُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَيَكُونُ نَصِيبُ هَذَا عَلَى حِدَةٍ وَنَصِيبُ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي يُقَالُ لَهُ اقْلَعْ نَقْضَكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْعَرْصَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِسْمَةُ فِي هَذَا النَّقْضِ، قِيلَ لِلشَّرِيكَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْلَعَ هَذَا الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ اقْلَعْ نَقْضَكَ، فَلْيَتَرَاضَ الشَّرِيكَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَمْرٍ يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا.
إمَّا أَنْ يَتَقَاوَمَاهُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَبِيعَانِهِ وَإِنْ بَلَغَ الثَّمَنُ فَأَحَبَّ الْمُقِيمُ فِي الْعَرْصَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِشُفْعَتِهِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ فِي رَجُلَيْنِ بَنَيَا فِي رُبُعٍ لَيْسَ لَهُمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّقْضِ فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ لَهُ بِشُفْعَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا هُوَ بِالْأَمْرِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنِّي أَرَى ذَلِكَ لَهُ، فَالشَّرِيكَانِ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الطَّرِيقِ وَالْجِدَارِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يُقْسَمُ الطَّرِيقُ فِي الدَّارِ إذَا أَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؟ قَالَ: لَا يُقْسَمُ ذَلِكَ عِنْدَ
مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْجِدَارُ، هَلْ يُقْسَمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَأَبَى الْآخَرُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى: إنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَكَانَ يَنْقَسِمُ رَأَيْتُ أَنْ يَنْقَسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلِهَذَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ؟ كَيْفَ يَقْتَسِمُهُ هَذَانِ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ جُذُوعُ هَذَا مِنْ هَهُنَا وَجُذُوعُ هَذَا مِنْ هَهُنَا، لَا يَسْتَطِيعَانِ قِسْمَةَ هَذَا الْحَائِطِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا رَأَيْتُ أَنْ يَتَقَاوَمَانِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحَمَّامِ وَالْآبَارِ وَالْمَوَاجِلِ وَالْعُيُونِ]
ِ قُلْتُ: فَالْحَمَّامُ، أَيُقْسَمُ إذَا دَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى ذَلِكَ شَرِيكُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ يُقْسَمُ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَالْحَائِطِ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمَا، وَمَالِكٌ يُقَسِّمُ الْحَمَّامَ وَفِيهِ ضَرَرٌ وَلَا يُقَسِّمُ الطَّرِيقَ وَالْحَائِطَ وَفِيهِ ضَرَرٌ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْحَمَّامَ عَرْصَةٌ، وَالطَّرِيقَ وَالْحَائِطَ لَيْسَتْ لَهُمَا كَبِيرُ عَرْصَةٍ، فَإِنَّمَا يُقْسَمَانِ عَلَى غَيْرِ ضَرَرٍ.
فَإِذَا وَقَعَ الضَّرَرُ لَمْ يُقْسَمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا جَمِيعًا الْوَرَثَةُ إنْ كَانُوا وَرِثُوا ذَلِكَ عَلَى قَسْمِ ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَيْضًا فِي الْحَمَّامِ: إنْ كَانَ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرٌ أَنْ لَا يُقَسَّمَ وَأَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُقَسَّمُ الْآبَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَهَلْ تُقَسَّمُ الْمَوَاجِلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَنَعَمْ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ إنْ اقْتَسَمَاهُ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا جَلَّ عَلَى حِدَةٍ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قُلْتُ: فَهَلْ تُقْسَمُ الْعُيُونُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ أَنَّ الْعُيُونَ تُقْسَمُ أَوْ الْآبَارَ إلَّا عَلَى الشِّرْبِ، يَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ حَظُّهُمْ مِنْ الشِّرْبِ مَعْلُومٌ، فَأَمَّا قِسْمَةُ أَصْلِ الْعُيُونِ أَوْ أَصْلِ الْبِئْرِ فَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا قَالَ يُقْسَمُ، وَلَا أَرَى أَنْ تُقْسَمَ إلَّا عَلَى الشِّرْبِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ النَّخْلَةِ وَالزَّيْتُونَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَخْلَةً وَزَيْتُونَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، هَلْ يَقْتَسِمَانِهِمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: إنْ اعْتَدَلَتَا فِي الْقِسْمَةِ وَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ قَسَمْتُهُمَا بَيْنَهُمَا، يَأْخُذُ هَذَا وَاحِدَةً وَهَذَا وَاحِدَةً.
وَإِنْ كَرِهَا لَمْ يُجْبَرَا عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتَا لَا يَعْتَدِلَانِ فِي الْقِسْمَةِ تَقَاوَمَاهُمَا بَيْنَهُمَا أَوْ يَبِيعَانِهِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا الشَّجَرَتَانِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَالشَّجَرَةُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْعَبْدِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ بَيْنَ النَّفَرِ إنَّهُ لَا يُقْسَمُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا يُقَسَّمُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ وَقَالَ صَاحِبُهُ لَا أَبِيعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ الَّذِي لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِذَا قَامَتْ السِّلْعَةُ عَلَى ثَمَنٍ، قِيلَ لِلَّذِي لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ إنْ شِئْتَ فَخُذْ وَإِنْ
شِئْتَ فَبِعْ مَعَ صَاحِبِكَ وَالنَّخْلَةُ كَذَلِكَ، فَإِنْ بَاعَ فَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِهِ فِيهَا.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْقَلِيلَةِ وَالدُّكَّانِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ]
ِ قُلْتُ: فَإِذَا كَانَتْ أَرْضًا قَلِيلَةً بَيْنَ أَشْرَاكٍ كَثِيرَةٍ، إنْ اقْتَسَمُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَمْ يَضُرَّ مَا فِي حَظِّ أَحَدِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الْأَرْضُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ.
وَمَنْ دَعَا إلَى الْقَسْمِ مِنْهُمْ قُسِمَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إلَى ذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دُكَّانٌ فِي السُّوقِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى صَاحِبُهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الْعَرْصَةُ أَصْلُهَا بَيْنَهُمْ، فَمَنْ دَعَا إلَى الْقِسْمَةِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا فِي جَوْفِ دَارٍ، الدَّارُ الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ وَالْخَارِجَةُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَلِأَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ الْمَمَرُّ فِي الْخَارِجَةِ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْخَارِجَةِ أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَهُمْ فِي مَوْضِعٍ سِوَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَأَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَأَرَى إنْ كَانُوا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى جَنْبِ بَابِ الدَّارِ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ، رَأَيْتُ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَهُمْ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الدَّارِ لَيْسَ فِي قُرْبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَابُ الدَّارِ، فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ إنْ أَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ أَنْ يُضَيِّقُوا بَابَ الدَّارِ وَأَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُضَيِّقُوا الْبَابَ، وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَنَا وَهُوَ شَرِيكَانِ فِيهَا لَمْ تُقْسَمْ وَإِلَى جَانِبِهَا دَارٌ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَفْتَحَ بَابَ الدَّارِ الَّتِي لِي فِي الدَّارِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي وَأَبَى شَرِيكِي ذَلِكَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَكَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَ دَارِكَ هُوَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَرِيكِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْكَ لِأَنَّكُمَا لَمْ تَقْسِمَاهَا بَعْدُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ، فَقُلْتُ اجْعَلُوا نَصِيبِي فِي هَذِهِ الدَّارِ إلَى جَنْبِ دَارِي حَتَّى أَفْتَحَ فِيهِ بَابًا قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَقَالَ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ هَذَا، وَلَكِنْ تُقْسَمُ الدَّارُ عَلَى الْقِيمَةِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بَيْنَهُمَا بِالسِّهَامِ، فَإِنْ صَارَ لَهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي إلَى جَنْبِ دَارِهِ فَتَحَ فِيهِ بَابَهُ إنْ شَاءَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ وَقَعَ نَصِيبُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ أَخَذَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ هَذَا طَائِفَةً وَهَذَا طَائِفَةٍ فَوَقَعَتْ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَتَكُونُ الْأَجْنِحَةُ لَهُ؟
قَالَ: إذَا وَقَعَتْ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَ الْأَجْنِحَةَ لِلَّذِي صَارَتْ لَهُ تِلْكَ النَّاحِيَةُ، وَالْأَجْنِحَةُ إنَّمَا هِيَ
فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ، فَلَمَّا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَاحِيَةً كَانَ فِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهِ، وَالْأَجْنِحَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْفِنَاءِ؟ قَالَ: الْأَجْنِحَةُ إذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الدَّارِ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْفِنَاءِ وَصَارَتْ خَزَائِنَ لِلدَّارِ، فَلَمَّا اقْتَسَمُوا عَلَى أَنْ أَعْطَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ، كَانَتْ الْأَجْنِحَةُ لِلَّذِي أَخَذَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَجْنِحَةُ، وَإِنَّمَا الْأَجْنِحَةُ خَزَائِنُ لِحِصَّتِهِ وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِنَاءً، وَهَذَا رَأْيِي.
[الرَّجُلَيْنِ يَقْتَسِمَانِ الْجِدَارَ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَ هَذَا طَائِفَةً وَأَعْطَى طَائِفَةً صَاحِبَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضًا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَكَيْفَ لَمْ يَضْرِبْ لِلَّذِي يُعْطِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِهِ أَجَلًا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا مَوْصُوفًا فَلَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا، يَجُوزُ مِنْ هَذَا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيَفْسُدُ مِنْ هَذَا مَا يَفْسُدُ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ وَالْآخَرُ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَسَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فَأَخَذَ هَذَا طَائِفَةً وَهَذَا طَائِفَةً، عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِصَدَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ أَوْ يَهَبَ لَهُ هِبَةً مَعْرُوفَةً؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: فَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مَمَرَّهُ فِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَقَبَةِ الدَّارِ شَيْئًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ يَكُونُ بَيْنَ قَوْمٍ فَيَكُونُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إذَا قُسِمَ أَيُقْسَمُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ وَإِنْ كَانَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] سُورَةُ النِّسَاءِ فَالْقَلِيلُ النَّصِيبُ فِي هَذَا وَالْكَثِيرُ النَّصِيبُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ إذَا طَلَبُوا الْقِسْمَةَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَلِيلِ النَّصِيبِ وَلَا إلَى كَثِيرِ النَّصِيبِ.
قُلْتُ: فَإِذَا دَعَا وَاحِدٌ مِنْ الشُّرَكَاءِ إلَى الْقِسْمَةِ وَشَرِكَتُهُمْ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَأَبَى بَقِيَّتُهُمْ الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَعَا مِنْهُمْ إلَى الْقِسْمَةِ وَكَانَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا يُقْسَمُ قُسِمَ مِنْ رَقِيقٍ أَوْ دَوَابّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ لِي مَالِكٌ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ وَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا لَا أَبِيعُ وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ نَحْنُ نَبِيعُ.
قَالَ: يُبَاعُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى مَا أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا إلَّا
أَنْ يُرِيدَ الَّذِينَ كَرِهُوا الْبَيْعَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ بِمَا يُعْطُونَ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.
[مَا جَاءَ فِي أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَأَجْرِ الْقُسَّامِ عَلَى مَنْ هُوَ]
َ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ يَكْرَهُ مَالِكٌ أَرْزَاقَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ؟
قَالَ: أَمَّا الْعُمَّالُ فَكَانَ يَقُولُ: إذَا عَمِلُوا عَلَى حَقٍّ فَلَا بَأْسَ بِأَرْزَاقِهِمْ، وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ فَلَمْ أَرَ مَالِكًا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ قُسَّامَ الْمَغَانِمِ، أَيَصْلُحُ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَيْهَا أَجْرًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي قُسَّامِ الْقَاضِي: لَا أَرَى أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى الْقَسْمِ أَجْرًا، فَقُسَّامُ الْمَغَانِمِ عِنْدِي لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَرْزَاقَ الْقُسَّامِ وَجَوَّزَ أَرْزَاقَ الْعُمَّالِ؟
قَالَ: لِأَنَّ أَرْزَاقَ الْقُسَّامِ إنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَأَرْزَاقَ الْعُمَّالِ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إنْ جَعَلَ لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ مِمَّا يَنُوبُهُمْ، يَبْعَثُ فِيهَا السُّلْطَانُ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى السُّلْطَانِ يُرْزَقُونَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَ قَوْمٌ قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ دَرَاهِمَ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمْ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَالُ فَيَسْتَأْجِرُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ بَيْنَهُمْ الْكِتَابَ وَيَسْتَوْثِقُ لَهُمْ جَمِيعًا، عَلَى مَنْ تَرَى جَعْلَ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَرَاهُ بَيْنَهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى عَلَى الَّذِي يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الْمَالُ شَيْئًا وَإِنَّمَا الْمَالُ لِهَؤُلَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْثِقُ لَهُ وَإِنَّمَا هَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَيَطْلُبُ بَعْضُهُمْ الْقَسْمَ وَلَا يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ الْقَسْمَ، فَيَسْتَأْجِرُونَ الرَّجُلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ طَلَبَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَطْلُبْ، وَإِنَّمَا وَجْهُ مَا رَأَيْتُ مَالِكًا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاضِي لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ أَهْلُ الْمَغْنَمِ نَحْنُ نَرْضَى أَنْ يُعْطَى هَذَا الْقَاسِمُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَنَا؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا.
قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مَالِكًا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ السُّوقِ وَيَرْزُقَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ.
فَهَذَا الَّذِي كَرِهَ وَقَالَ إنَّمَا يَحْمِلُ هَذَا الْإِمَامُ، فَأَمَّا إنْ رَضُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوا مَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَغْنَمَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
[فِيمَنْ دَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْرَعُ بَيْنُهُمْ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا؟
قَالَ مَالِكٌ: مَا دَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ وَفِي الْمَرَضِ عَتَقَ مِنْهُمْ مَبْلَغُ الثُّلُثِ، وَمَا دَبَّرَ مِنْهُمْ جَمِيعًا فِي مَرَضٍ كَانَ أَوْ فِي
صِحَّةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ تَدْبِيرُ بَعْضِهِمْ قَبْلَ بَعْضٍ، فَإِنَّهُمْ يُعْتَقُ مِنْهُمْ جَمِيعًا مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، لَا يَبْدَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ، إنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ أَنْصَافَهُمْ عَتَقَ مِنْهُمْ أَنْصَافَهُمْ كُلَّهُمْ أَوْ ثُلُثَهُمْ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِمْ، وَيَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَقِيقًا، وَعَلَى هَذَا يُحْسَبُونَ، وَمَا دَبَّرَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ فِي صِحَّةٍ كَانَ أَوْ فِي مَرَضٍ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، يُبْدَأُ بِالْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ عَلَى مَا كَانَ فِي الْمَرَضِ وَيُبْدَأُ بِمَا دُبِّرَ فِي الْمَرَضِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُشْبِهُ الْعِتْقُ التَّدْبِيرَ فِي الْقُرْعَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَهُ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ مِنْهُمْ عَبْدَيْنِ وَنِصْفًا؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَعْتِقُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُمْ بِالسِّهَامِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُقَوَّمُونَ ثُمَّ يُضْرَبُ بَيْنَهُمْ بِالسِّهَامِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْقِيمَةِ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِالسِّهَامِ فَيُنْظَرُ إلَى الَّذِي خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَحْدَهُ كَفَافَ الثُّلُثِ وَالِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَرُقَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ وَرُقَّ صَاحِبَاهُ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ جَمِيعُهُ ثُمَّ ضُرِبَ السَّهْمُ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَقَلُّ مِنْ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ عَتَقَ كُلُّهُ وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ الْبَاقِي تَمَامُ الثُّلُثِ وَرُقَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ تَمَامُ الثُّلُثِ وَرُقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَصَاحِبُهُ كُلُّهُ رَقِيقٌ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ فَسَّرَ لِي مَالِكٌ كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الثِّيَابِ لَا يَنْقَسِمُ أَوْ مِنْ الدَّوَابِّ أَوْ مِنْ الرَّقِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لِي مَالِكٌ: رَأْسَانِ بَيْنَ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَوْ ثَوْبٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَهَذَا لَا يَنْقَسِمُ.
قُلْتُ: وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالسِّهَامِ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدَّارِ بِالْأَذْرُعِ عَلَى السِّهَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي فَاقْتَسَمْنَاهَا مُذَارَعَةً، ذَرَعْنَا نِصْفَهَا فِي نَاحِيَةٍ وَنِصْفَهَا فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَنَا بِالسِّهَامِ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِنَا أَخَذَهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا سَوَاءً وَقَسَمَاهَا بِالذِّرَاعِ سَوَاءً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَا هَذَا بِالسِّهَامِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مُخْتَلِفَةً بَعْضُهَا أَجْوَدُ مِنْ بَعْضٍ فَقَسَمَاهَا بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ لَا يَدْرِي أَحَدُهُمَا أَيَخْرُجُ سَهْمُهُ عَلَى الْجَيِّدِ أَمْ عَلَى الرَّدِيءِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا سَوَاءً فَقَسَمَاهَا، فَجَعَلَا فِي نَاحِيَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَضْرِبَا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّهَامِ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَضِيَا أَنْ يُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ وَبَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مُخَاطَرَةٌ.
قُلْتُ: وَلَا تَجُوزُ فِي قَوْلِ
الْقِسْمَةِ بِالسِّهَامِ إلَّا أَنْ يَقْسِمَا الدَّارَ عَلَى قِيمَةِ عَدْلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى قِيمَةِ الْعَدْلِ إذَا كَانَ أَصْلُ الْقِسْمَةِ الْقُرْعَةَ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ وَالسَّاحَةِ وَالْمُرْفَقِ بِالسَّاحَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّارَ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ لَهُمْ سَاحَةٌ وَلَهَا بُنْيَانٌ، كَيْفَ يَقْتَسِمُونَهَا؟ أَيَقْتَسِمُونَ الْبُنْيَانَ عَلَى حِدَةٍ وَالسَّاحَةَ عَلَى حِدَةٍ، أَمْ يَقْتَسِمُونَ الْبُنْيَانَ وَلَا يَقْتَسِمُونَ السَّاحَةَ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ وَلَا يَقْتَسِمُونَ السَّاحَةَ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ السَّاحَةُ، إذَا قُسِمَتْ مَعَ الْبُنْيَانِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حِصَّتِهِ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَرْبِطِ دَوَابِّهِ وَمَرَافِقِهِ، فَإِنْ كَانَتْ هَكَذَا قُسِمَتْ السَّاحَةُ وَالْبُنْيَانُ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَتْ السَّاحَةُ إذَا قُسِمَتْ مَعَ الْبُنْيَانِ لَا يَكُونُ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَحَوَائِجِهِ، أَوْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِقِلَّةِ نَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ لَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَرَافِقِهِ، وَكَانَ بَقِيَّتُهُمْ يَكُونُ فِي نَصِيبِهِمْ مَا يَرْتَفِقُونَ بِهِ، فَلَا تُقْسَمُ السَّاحَةُ وَتُتْرَكُ السَّاحَةُ بَيْنَهُمْ وَيُقْسَمُ الْبِنَاءُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَلِيلَ النَّصِيبِ، فَكَانَ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ مِنْ السَّاحَةِ قَدْرَ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَقَدْرَ طَرِيقِهِ فَقَطْ، وَبَقِيَّتُهُمْ يَصِيرُ حَظُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: لَا تُقْسَمُ السَّاحَةُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ النَّصِيبِ إنْ اقْتَسَمُوا لَمْ يَرْتَفِقْ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ وَهُمْ يَرْتَفِقُونَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُرْتَفَقُ السَّاحَةِ بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ الْقَلِيلُ النَّصِيبِ وَالْكَثِيرُ النَّصِيبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالسَّاحَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبْنِيَ فِي السَّاحَةِ بِنَاءً كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي قِسْمَةِ الْبُيُوتِ وَالْغُرَفِ وَالسُّطُوحِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا لَهَا غُرَفٌ وَبُيُوتٌ سُفْلٌ، وَلِلْغُرَفِ سَطْحٌ وَلِلْبُيُوتِ سَاحَةٌ بَيْنَ يَدَيْهَا فَاقْتَسَمُوا الْبُنْيَانَ عَلَى الْقِيمَةِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْغُرَفِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِسَاحَةِ الدَّارِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِصَاحِبِ الْغُرَفِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالسَّاحَةِ أَسْفَلَ الدَّارِ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ لَنَا، كَمَا يَرْتَفِقُ صَاحِبُ الْبُيُوتِ السُّفْلَ وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِسَطْحٍ بَيْنَ يَدَيْ الْغُرْفَةِ، إنَّمَا الْمُرْفَقُ فِي سَاحَةِ الدَّارِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي السُّطُوحِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّطْحَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْغُرَفِ إذَا أَرَادَ الْقُسَّامُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ بَيْنَهُمْ، أَيُقَوِّمُونَ السَّطْحَ فِيمَا يُقَوِّمُونَ مِنْ الْبُنْيَانِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ نَعَمْ، يُقَوِّمُونَ السَّطْحَ فِيمَا يُقَوِّمُونَ مِنْ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ لَيْسَ بِسَاحَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ السَّاحَةِ فَلَا بُدَّ
لِلْقُسَّامِ مِنْ أَنْ يُقَوِّمُوهُ وَيُدْخِلُوهُ فِي الْقِسْمَةِ، يُقَوِّمُونَ الْغُرْفَةَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْمُرْفَقِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ خَشَبَ هَذَا السَّطْحِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ الْغُرْفَةِ، عَلَى مَنْ يُقَوِّمُونَ خَشَبَ السَّطْحِ هَؤُلَاءِ الْقُسَّامُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ تَحْتَ هَذَا السَّطْحِ بَيْتٌ جَعَلَ الْقُسَّامُ قِيمَةَ خَشَبِ هَذَا السَّطْحِ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تَحْتَهُ، وَاَلَّذِي سَقْفُهُ هَذَا السَّطْحُ جُعِلَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَتْ غُرْفَةٌ فَوْقَ بَيْتٍ، فَأَرَادَ الْقُسَّامُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ، كَيْفَ يُقَوِّمُونَ خَشَبَ سَقْفِ هَذَا الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ خَشَبُ الْغُرْفَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ خَشَبُ سَقْفِ الْبَيْتِ الَّذِي فَوْقَهُ غُرْفَةٌ مَعَ الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ وَلَا يُقْسَمُ مَعَ الْغُرْفَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ انْكَسَرَتْ خَشَبَةٌ مِنْ سَقْفِ هَذَا الْبَيْتِ وَفَوْقَهَا غَرْفَةٌ لِغَيْرِهِ، كَانَ عَلَى رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ إصْلَاحُ هَذِهِ الْخَشَبَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُصْلِحَهَا لِأَنَّ فَوْقَهَا غُرْفَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَيْتُ الَّذِي فَوْقَهُ غُرْفَةٌ لِغَيْرِ رَبِّ الْبَيْتِ إذَا رَثَّتْ حِيطَانُ الْبَيْتِ، كَانَ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ السُّفْلِيِّ إصْلَاحُ الْحِيطَانِ لِئَلَّا تَنْهَدِمَ غُرْفَةُ الْأَعْلَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يُدَعِّمَ عُلُوَّهُ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِيِّ سَقْفَهُ وَيَفْرُغَ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِيِّ أَنْ يَبْنِيَ سُفْلِيَّةً إلَّا بِمَا كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا انْهَدَمَتْ الْغُرْفَةُ فَسَقَطَتْ عَلَى الْبَيْتِ فَهَدَمَتْهُ، أُجْبِرَ رَبُّ الْبَيْتِ السُّفْلِيِّ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ بَيْتَهُ لِصَاحِبِ الْغُرْفَةِ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ الْغُرْفَةِ غُرْفَتَهُ، فَإِنْ أَبَى صَاحِبُ السُّفْلِيِّ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتَهُ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بَيْتَهُ مِمَّنْ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ فَقَالَ لَا أَبْنِيهِ؟ فَقَالَ: يُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَهُ أَيْضًا مِمَّنْ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبَيْتَ إذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ إذَا قُسِمَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، أَيُقْسَمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] سُورَةُ النِّسَاءِ قُلْتُ: فَيَكُونُ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَلِيلِ النَّصِيبِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ أَوْ يَرْتَفِقَ مِنْ السَّاحَةِ فِي حَوَائِجِهِ، بِمِثْلِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ الْكَثِيرُ النَّصِيبِ فِي حَوَائِجِهِ؟
قَالَ: إنْ سَكَنَ مَعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَرْتَفِقَ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ مَعَهُمْ فَأَرَادَ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالسَّاحَةِ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي دَارٍ أُخْرَى فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الدُّورِ وَالْمَنَازِلِ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي قِسْمَتِهِ الضَّرَرُ وَلَا يَكُونُ فِيمَا يُقْسَمُ مِنْهُ مُنْتَفَعٌ، فَأَرَى أَنْ يُبَاعَ وَيُقْسَمَ ثَمَنُهُ عَلَى الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهَذَا ضَرَرٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى سُكْنَاهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدَّارِ شُرَكَاؤُهُ نَحْنُ نَقْسِمُ السَّاحَةَ وَجَمِيعَ الْبُنْيَانِ لِيَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ، يَبْنِي وَيَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ الْقَلِيلُ النَّصِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا يُسْكَنُ لَا تَقْتَسِمُوا السَّاحَةَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى إذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَا تُقْسَمُ عَلَيْهِ السَّاحَةُ وَتُتْرَكُ عَلَى حَالِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا
عَنْ رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ وَلَدًا وَامْرَأَةً وَتَرَكَ أَرْضًا وَدُورًا؟
قَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الدُّورُ وَالْأَرْضُ أَثْمَانًا، فَيُضْرَبُ لِلْمَرْأَةِ بِثُمُنِهَا فِي إحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ، وَيُضْرَبُ لِلْوَرَثَةِ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَا يُضْرَبُ لَهَا بِثُمُنِهَا وَسَطَ الْأَرْضِ وَلَا وَسَطَ الدَّارِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يُضْرَبُ لَهَا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؟
قَالَ: تُقَسَّمُ الدَّارُ أَثْمَانًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الثُّمُنَيْنِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ الَّذِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَاَلَّذِي مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَيُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِمَا وَلَا يُسْهَمُ إلَّا عَلَيْهِمَا، فَأَيُّ الطَّرَفَيْنِ خَرَجَ لِلْمَرْأَةِ أَخَذَتْهُ الْمَرْأَةُ وَضُمَّ مَا بَقِيَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَيْضًا.
[فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي أَرْضِهِ حَمَّامًا أَوْ فُرْنًا أَوْ رَحًى]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ لِي عَرْصَةٌ إلَى جَانِبِ دُورِ قَوْمٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُحْدِثَ فِي تِلْكَ الْعَرْصَةِ حَمَّامًا أَوْ فُرْنًا أَوْ مَوْضِعًا لِرَحًا فَأَبَى عَلَيَّ الْجِيرَانُ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُونِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مَا يُحْدِثُ ضَرَرًا عَلَى الْجِيرَانِ مِنْ الدُّخَانِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوكَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا ضَرَرًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَدَّادًا فَاِتَّخَذَ فِيهَا كِيرًا أَوْ اتَّخَذَ فِيهَا أَفْرَانًا يَسِيلُ فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، أَوْ اتَّخَذَ فِيهَا أَرْحِيَةً تَضُرُّ بِجُدْرَانِ الْجِيرَانِ أَوْ حَفَرَ فِيهَا آبَارًا أَوْ كَنِيفًا قُرْبَ جُدْرَانِ جِيرَانِهِ مَنَعْتَهُ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا فِي الدُّخَانِ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: هَلْ تَرَى التَّنُّورَ ضَرَرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى التَّنُّورَ خَفِيفًا.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دَارُ الرَّجُلِ إلَى جَنْبِ دَارِ قَوْمٍ، فَفَتَحَ فِي غُرْفَتِهِ كُوًى أَوْ أَبْوَابًا يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى دُورِ جِيرَانِهِ، أَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
[فِي قِسْمَةِ الدُّورِ وَالرَّقِيقِ إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ وَاحِدَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دُورًا، وَرَقِيقًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَوَّمُوا الرَّقِيقَ فَكَانَتْ قِيمَةُ الرَّقِيقِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَوَّمُوا الدُّورَ فَكَانَتْ قِيمَةُ الدُّورِ أَيْضًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَرَادَا أَنْ يَجْعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الدُّورِ وَالرَّقِيقِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ.
قُلْتُ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مُخَاطَرَةً، وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ أَلْفُ دِينَارٍ وَقِيمَةُ الدُّورِ أَلْفُ دِينَارٍ؟
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ سَوَاءً لِأَنَّ هَذَيْنِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ، الدُّورُ غَيْرُ الرَّقِيقِ وَالرَّقِيقُ غَيْرُ الدُّورِ، فَإِنَّمَا تَخَاطَرَا عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى الرَّقِيقِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الدُّورِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا.
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يَقْسِمُوا الدُّورَ عَلَى حِدَةٍ وَالرَّقِيقَ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهْتَ هَذَا فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ، وَأَنْتَ تُجِيزُهُ فِيمَا هُوَ مِثْلُ هَذَا الدَّارِ تَكُونُ
بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ الدَّارَيْنِ تَكُونَانِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - هُمَا فِي الْمَوْضِعِ وَالنَّفَاقِ سَوَاءٌ عِنْدَ النَّاسِ - فَقَسَمَهَا الْقَاسِمُ عَلَى الْقِيمَةِ، وَكَانَ بُنْيَانُ إحْدَى الدَّارَيْنِ ضِعْفَ بُنْيَانِ الْأُخْرَى فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ بُنْيَانَهَا قَدْ رَثَّ وَبُنْيَانَ الْأُخْرَى أَحْسَنُ وَأَطْرَى، فَقَسَمَهَا الْقَاسِمُ عَلَى الْقِيمَةِ فَجَعَلَ مَكَانَ الْبُنْيَانِ الْمُرْتَفِعِ ضِعْفَهُ مِنْ الْبُنْيَانِ الرَّثِّ، أَوْ قَسَمَ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا فَكَانَتْ نَاحِيَةٌ مِنْ الدَّارِ قَدْ تَقَادَمَ بُنْيَانُهَا وَرَّثَ وَنَاحِيَةٌ مِنْ الدَّارِ الْأُخْرَى جَدِيدَةَ الْبُنْيَانِ، فَصَارَ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَقَادَمَ فِي الْقَسْمِ ضِعْفَ الْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ، فَضَرَبَا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّهَامِ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ.
وَأَنْتَ تُجِيزُهُ.
فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَمَا بَيْنَ الرَّقِيقِ وَالدُّورِ، وَهَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ خَاطَرَ بِالْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ؟
قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِثْلَ الرَّقِيقِ وَالدُّورِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يُقْسَمُ عَلَى حِدَةٍ وَالدُّورَ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدُّورُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ نَاحِيَةً مِنْهَا حَسَنَةُ الْبُنْيَانِ وَنَاحِيَةً أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاسِمِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَقْسِمَ عَلَى الْقِيمَةِ وَيَجْعَلَ حَظَّ كُلِّ إنْسَانٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيُسْهِمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فِي الْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ الْجَدِيدِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا، وَذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ وَالدُّورِ، يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ الرَّقِيقَ عَلَى حِدَةٍ وَالدُّورَ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا الدُّورُ وَالرَّقِيقُ فَذَلِكَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ هَوَاهُمَا جَمِيعًا فِي الدُّورِ، فَجَعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا فَكَأَنَّهُمَا تَخَاطَرَا فِيمَا هَوَاهُمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فَإِنْ تَرَاضَى هَذَانِ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ فَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الدُّورَ وَالْآخَرُ الرَّقِيقَ؟
قَالَ: فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثَا رَقِيقًا وَدَنَانِيرَ، فَجَعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدَّنَانِيرَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ سَوَاءٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ دُورًا وَدَنَانِيرَ فَجَعَلَا الدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدَّنَانِيرَ فِي نَاحِيَةٍ.
أَوْ كَانَتْ دُورًا وَثِيَابًا فَجَعَلَا الدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ وَالثِّيَابَ فِي نَاحِيَةٍ - وَقِيمَةُ الدُّورِ وَالثِّيَابِ سَوَاءٌ - أَوْ كَانَتْ ثِيَابًا وَحَيَوَانًا قِيمَةُ الْحَيَوَانِ مِثْلُ قِيمَةِ الثِّيَابِ - فَجَعَلَا الثِّيَابَ فِي نَاحِيَةٍ وَالْحَيَوَانَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى ذَلِكَ - وَقِيمَةُ الْحَيَوَانِ وَقِيمَةُ الثِّيَابِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الصِّنْفَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا دَخَلَهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ إلَّا أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ بِغَيْرِ الْقُرْعَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ إذَا عَدَلَا الْقَسْمَيْنِ فِي الْقِيمَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي زُقَاقٍ نَافِذٍ أَوْ غَيْرِ نَافِذٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ زُقَاقًا نَافِذًا أَوْ غَيْرَ نَافِذٍ، فِيهِ دُورٌ لِقَوْمٍ شَتَّى، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ لِدَارِهِ بَابَيْنِ يَفْتَحُ ذَلِكَ فِي الزُّقَاقِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ بَابَ دَارِهِ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ السِّكَّةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ السِّكَّةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ بَابًا حِذَاءَ بَابِ دَارِ
جَارِهِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ؛ لِأَنَّ جَارَهُ يَقُولُ قَدْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ السِّكَّةِ الَّذِي هُوَ حِيَالُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابًا لِدَارِكَ، لِي فِيهِ مُرْتَفَقٌ، أَفْتَحُ بَابِي فَأَنَا فِي سُتْرَةٍ، وَأُقَرِّبُ حُمُولَتِي إلَى بَابِ دَارِي فَلَا أُؤْذِي أَحَدًا، وَلَا أَتْرُكُكَ تَفْتَحُ حِيَالَ بَابِ دَارِي أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
فَإِذَا كَانَ هَذَا ضَرَرًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ وَيُحَوِّلَ بَابَهُ إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً، فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ دَارَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي جَوْفِ الْأُخْرَى - الدَّارُ الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ شَتَّى وَالْخَارِجَةُ لِغَيْرِهِمْ - إلَّا أَنَّ لِأَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ الْمَمَرَّ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْخَارِجَةِ وَالطَّرِيقُ لَهُمْ فِيهَا، فَاقْتَسَمَ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ دَارَهُمْ بَيْنَهُمْ فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا اقْتَسَمُوا أَنْ يَفْتَحَ فِي حِصَّتِهِ بَابًا إلَى الدَّارِ الْخَارِجَةِ، لِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا الْمَمَرَّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ: لَا أَتْرُكُكُمْ تَفْتَحُونَ هَذِهِ الْأَبْوَابَ عَلَيَّ وَإِنَّمَا لَكُمْ الْمَمَرُّ عَنْ مَوْضِعِكُمْ الَّذِي كَانَ؟
قَالَ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا بَابًا إلَى الدَّارِ الْخَارِجَةِ إلَّا الْبَابَ الَّذِي كَانَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْخَلِيجِ الَّذِي أَمَرَّهُ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا - وَلِرَجُلٍ فِي جَنْبِهِمْ دَارٌ لَصِيقَةُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ - فَاشْتَرَى هَذَا الرَّجُلُ النَّصِيبَ الَّذِي هُوَ مُلَاصِقُهُ فَفَتَحَ بَابًا فِي هَذَا النَّصِيبِ وَأَحْدَثَ الْمَمَرَّ - مَمَرَّ دَارِهِ فِي طَرِيقِ هَذَا النَّصِيبِ - فَأَبَى عَلَيْهِ صَاحِبُ النَّصِيبِ الْآخَرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إذَا كَانَ إنَّمَا جَعَلَ فِي النَّصِيبِ الَّذِي اشْتَرَى لِيَرْتَفِقَ بِذَلِكَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ سَكَنَ مِنْ وَلَدِهِ وَيَتَوَسَّعَ بِالنَّصِيبِ وَيَكُونَ مَمَرُّهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا سِكَّةً نَافِذَةً لِلنَّاسِ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ دَارِهِ يَتَحَرَّفُونَ إلَى النَّصِيبِ وَيَمُرُّونَ فِي النَّصِيبِ إلَى مَخْرَجِ النَّصِيبِ حَتَّى يَتَّخِذَ مَمَرًّا شِبْهَ الْمَمَرِّ فِي الزُّقَاقِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ حِينَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْكَنَ مَعَهُ غَيْرَهُ أَوْ آجَرَ الدَّارَ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِي النَّصِيبِ كَمَا كَانَ لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مِنْ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ أَنْ يَجْعَلَهَا سِكَّةً نَافِذَةً فَقَطْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا الْبُنْيَانَ بِالْقِيمَةِ وَالسَّاحَةَ مُذَارَعَةً، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ مِمَّا تَحْمِلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ كَانَتْ السَّاحَةُ كُلُّهَا سَوَاءً وَتَسَاوَوْا فِي الذَّرْعِ فِيمَا بَيْنَهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةً فَلَا أَرَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُقَسِّمُ السَّاحَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُقَسِّمُ السَّاحَةَ، وَفِي السَّاحَةِ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَرْتَفِقُ بِهِ؟ قَالَ: تُقَسَّمُ السَّاحَةُ إذَا كَانَتْ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ أَنْ نَقْسِمَ بَيْتًا
بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي مُذَارَعَةً ثُمَّ نَسْتَهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ مُسَاهَمَةً إذَا كَانَ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ مُخَاطَرَةً.
وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُسَاهَمَةٍ يَأْخُذُ هَذَا نَاحِيَةً وَهَذَا نَاحِيَةً تَرَاضِيًا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
[فِي قَسْمِ الدَّارِ الْغَائِبَةِ وَقَسْمِ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ وَالصِّغَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَارًا وَرِثْنَاهَا عَنْ رَجُلٍ - وَالدَّارُ غَائِبَةٌ عَنَّا بِبَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ - وَقَدْ وُصِفَتْ لَنَا الدَّارُ وَبُيُوتُهَا وَمَا فِيهَا مَنْ سَاحَتِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَقْسِمَهَا عَلَى صِفَةِ مَا وَصَفُوهَا لَنَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَاحِيَتَهُ وَمَوْضِعَهُ وَمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْبُنْيَانِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْغَائِبَةَ قَدْ تُبَاعُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ فِيهَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِيهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ دُورًا وَعَقَارًا وَأَمْوَالًا وَلَمْ يُوصِ، وَتَرَكَ وَرَثَةً كُلُّهُمْ غُيَّبٌ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا حَاضِرًا مَنْ الْوَرَثَةِ، فَأَرَادَ هَذَا الْحَاضِرُ أَنْ يَقْسِمَ هَذِهِ الدُّورَ وَالرِّبَاعَ وَالْعُرُوضَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مَنْ الْعُرُوضِ وَنَصِيبَهُ مَنْ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَيُوَكِّلُ السُّلْطَانُ وَكِيلًا يَقْسِمُ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا، فَمَا صَارَ لِلْغَائِبِ عَزَلَهُ لَهُ السُّلْطَانُ وَأَحْرَزَهُ لَهُ.
قَالَ: وَعَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ سَأَلْتُ مَالِكًا فَقَالَ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى - وَالْوَرَثَةُ غُيَّبٌ كُلُّهُمْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَأَرَادَ الْحَاضِرُ أَنْ يَقْسِمَ نَصِيبَهُ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَيَكُونُ الْوَصِيُّ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ السُّلْطَانِ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْغُيَّبُ كِبَارًا كُلُّهُمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَصِيُّ لَهُمْ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يُقَاسِمَهُ لَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ الْغُيَّبُ صِغَارًا كُلُّهُمْ جَازَتْ مُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ حَلَفَتْ لِإِخْوَتِهَا لَتُقَاسِمَنَّهُمْ دَارًا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهَا إخْوَتُهَا: أَمَّا إذَا حَلَفْت فَنَحْنٌ نُقَاسِمُكِ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تَرْفَعَ هَذَا إلَى السُّلْطَانِ فَيَقْسِمُ لَهَا.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟
قَالَ: خَوْفًا مِنْ الدُّلْسَةِ فَتَحْنَثُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ كَبِيرٌ مِنْ الْوَرَثَةِ غَائِبًا وَجَمِيعُ الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَهُمْ حُضُورٌ عِنْدَ الْوَصِيِّ، أَيَقْسِمُ الْوَصِيُّ الدَّارَ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا: لَا يَقْسِمُ الْوَصِيُّ لِلْغَائِبِ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْكَبِيرِ فَيَحُوزُهُ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الصِّغَارُ غُيَّبًا وَالْكَبِيرُ حَاضِرًا، فَأَرَادَ الْكَبِيرُ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَصِيَّ، أَوْ الْوَصِيُّ أَرَادَ أَنْ يُقَاسِمَ الْكَبِيرَ لِلْأَصَاغِرِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْكَبِيرُ حَاضِرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَغِيبِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ حَاضِرًا.
قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحَمَّامِ وَالْجِدَارِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، أَيُقْسَمُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَمَّامِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: إنَّهُ يُقْسَمُ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْجِدَارِ
شَيْئًا.
قُلْتُ: لِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ قِسْمَةَ الْحَمَّامِ، وَهُوَ إذَا قُسِّمَ بَطَلَ الْحَمَّامُ إذَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مِنْهُمَا؟
قَالَ: هُوَ مِثْلُ الْبَيْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْتَ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ الْكَثِيرِ، وَهُمْ إنْ اقْتَسَمُوهُ لَمْ يَصِرْ فِي حَظِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُسْكَنُ وَلَا يَصِيرُ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، فَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِالثُّلُثِ وَتَرَكَ دُورًا وَعَقَارًا وَتَرَكَ وَرَثَةً غُيَّبًا، فَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَنْ يَقْسِمَ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ، يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيُوَكِّلُ رَجُلًا يَقْسِمُ مَالَ الْمَيِّتِ، وَيُعْطِي السُّلْطَانُ هَذَا الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ حَقَّهُ وَيَحُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ هُوَ أَوْلَى بِمَا بَيْنَ يَدَيْ بَابِ بَيْتِهِ مَنْ السَّاحَةِ فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدِي.
قَالَ: وَلَا يَطْرَحُ فِي السَّاحَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَابِ غَيْرِهِ الْحَطَبَ وَالْعَلَفَ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ سَعَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ احْتَاجَ إلَى طَرْحِ ذَلِكَ فِي السَّاحَةِ وَوَضْعِ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَابِ غَيْرِهِ طَرَحَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِمَنْ يَطْرَحُ ذَلِكَ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ، فَيُمْنَعَ مِنْ أَنْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا الْبُنْيَانَ وَسَاحَةَ الدَّارِ، أَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتْرُكَ الطَّرِيقَ لَا يَعْرِضُ فِيهَا لِصَاحِبِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، تُقَرُّ الطَّرِيقُ عَلَى حَالِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ يَصْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَلَا يَتْرُكَا طَرِيقًا وَرَضِيَا بِذَلِكَ؟
قَالَ: فَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا يَكُونُ لَهُمَا طَرِيقٌ يَرْتَفِقَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ يَأْخُذُ هَذَا حِصَّتَهُ فَيَصْرِفُ بَابَهُ حَيْثُ شَاءَ إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَصْرِفُ بَابَهُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمَا الْبُنْيَانَ ثُمَّ قَسَمَا السَّاحَةَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَذْكُرَا الطَّرِيقَ أَنَّهُمَا يَرْتَفِقَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَرْتَفِقَانِ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَسَمَا الدَّارَ عَلَى هَذَا فَصَارَ بَابُ الدَّارِ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، أَتَرَى هَذَا قَطْعًا لِلطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَأْمُرُ الَّذِي صَارَ بَابُ الدَّارِ لِغَيْرِهِ أَنْ يَفْتَحَ فِي نَصِيبِهِ بَابًا لِأَنَّ بَابَ الدَّارِ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا لَمْ يَذْكُرَا فِي قِسْمَتِهِمَا أَنْ يَجْعَلَ أَحَدُهُمَا، وَلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَخْرَجَهُ مِنْ الدَّارِ فِي حِصَّتِهِ يَفْتَحُ فِي نَصِيبِهِ بَابًا، فَأَرَى الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهَا، وَبَابُ الدَّارِ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَكِنَّ الْمَمَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَرِيكَهُ الَّذِي قَاسَمَهُ مِنْ الْمَمَرِّ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا دَارًا بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا دُبُرَ الدَّارِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مُقَدَّمَ الدَّارِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا شَرَطَا وَرَضِيَا إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَصْرِفُ إلَيْهِ بَابَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ.
مَالِكٌ فِيهَا، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا عَلَى أَنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ غُرَفًا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ فِي الدَّارِ فَكَرِهَ ذَلِكَ.
وَكَانَ لَيْسَ لِلْغُرَفِ طَرِيقٌ يَصْرِفُ إلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ: لَا يَجُوزُ.
ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ لَهَا طَرِيقٌ يُفْتَحُ بَابُهَا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ
[اخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دُورًا بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى أَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اجْعَلُوا نَصِيبِي فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ: بَلْ يُجْعَلُ نَصِيبُكَ فِي كُلِّ دَارٍ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشُّرَكَاءِ يُرِيدُونَ قَسْمَ دُورِهِمْ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الدُّورُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ رَأَيْتُ أَنْ يَجْعَلَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَارٍ يَجْمَعُ نَصِيبَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا يُفَرِّقُ أَنْصِبَاءَهُمْ فِي كُلِّ دَارٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَوَاضِعُهَا مُخْتَلِفَةً مِمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِيهَا لِلْعُمْرَانِ أَوْ لِغَيْرِ الْعُمْرَانِ، رَأَيْتُ أَنْ تُقْسَمَ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ - وَأَرَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ دُورًا وَكَانَ وَرَثَتُهُ فِي دَارٍ مِنْ دُورِهِ كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، وَدُورُهُ الَّتِي تَرَكَ سَوَاءٌ كُلُّهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَفِي تَشَاحِّ النَّاسِ فِيهَا، فَتَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الدَّارِ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، أَنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الدَّارُ وَيُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا نَصِيبٌ إذَا كَانَتْ الدُّورُ الَّتِي تَرَكَ الْمَيِّتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي الدَّارُ فِيهِ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا، ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّورِ فَيَجْعَلُ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي دَارٍ تَجْمَعُ نَصِيبَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ الدُّورُ فِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ وَتَشَاحِّ النَّاسِ عَلَى مَوَاضِعِهَا سَوَاءً، وَكَانَ بَعْضُهَا قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: فَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ، تَكُونُ الدَّارُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالدَّارُ الْأُخْرَى فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى مِنْ الْمَدِينَةِ، إلَّا أَنَّ مَوَاضِعَهَا وَرَغْبَةَ النَّاسِ فِيهَا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَتَشَاحُّ النَّاسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: فَهَاتَانِ يُجْمَعُ نَصِيبُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ وَلَا يَقْسِمُ نَصِيبَهُ فِي هَذِهِ وَهَذِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْمَوَاضِعِ وَالنَّفَاقِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى افْتِرَاقِ الدَّارَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ إذَا كَانَتَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ دُورًا بَعْضُهَا هِيَ سَوَاءٌ فِي مَوَاضِعِهَا وَنَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، بَعْضُهَا لَيْسَتْ سَوَاءٌ، أَتُجْمَعُ هَذِهِ الدُّورُ الَّتِي مَوَاضِعُهَا عِنْدَ النَّاسِ فِي النَّفَاقِ سَوَاءٌ، فَيُقْسَمُ لِكُلِّ إنْسَانٍ حِصَّتُهُ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَيُنْظَرُ إلَى كُلِّ دَارٍ مِمَّا تَرَكَ الْمَيِّتُ لَيْسَتْ فِي الْمَوَاضِعِ سَوَاءً، فَتُقْسَمُ عَلَى حِدَةٍ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ قَوْمٍ، شَيْءٌ لِأَحَدِهِمْ فِيهَا الْخُمُسُ وَلِآخَرَ فِيهَا الرُّبُعُ وَلِآخَرَ السُّبْعُ، كَيْفَ تُقْسَمُ هَذِهِ الدُّورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَهْمِ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَإِذَا قُسِمَتْ عَلَى سَهْمِ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا، أَيُعْطَى سَهْمُهُ حَيْثُمَا خَرَجَ، أَمْ يُجْعَلُ.
سَهْمُهُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ إذَا تَرَكَ امْرَأَتَهُ وَعُصْبَتَهُ: إنَّهُ يُضْرَبُ لِلْمَرْأَةِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَيُضَمُّ نَصِيبُ الْعُصْبَةِ إلَى شِقٍّ وَاحِدٍ.
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُجْمَعُ نَصِيبُ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ وَإِنْ أَرَادَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُقْسَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ، كَيْفَ تُقْسَمُ هَذِهِ الدَّارُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ عَلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا.
قَالَ: وَيُجْمَعُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُفَرَّقُ.
قَالَ: وَتَفْسِيرُ هَذَا عِنْدِي، أَنَّ الدَّارَ تُقْسَمُ عَلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا، أَوْ الْأَرْضُ إنْ كَانَتْ أَرْضًا، فَيُضْرَبُ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ أَوَّلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوَّلًا، ضَرَبَ الْقَاسِمُ بِالسِّهَامِ عَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَعَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَخْرُجُ السَّهْمُ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَيَأْخُذُ سِهَامَهُمْ فَيَضْرِبُ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ، فَأَيُّ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْ سِهَامِهِمْ إنْ كَانَتْ الِابْنَةُ أَوْ الْأُخْتُ أَوْ الْأُمُّ أَوْ الْمَرْأَةُ ضَمَّ إلَى سَهْمِهَا هَذَا بَقِيَّةَ حَقِّهَا حَتَّى يُكْمِلَهُ فِي مَوْضِعِهَا ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ يَضْرِبُ أَيْضًا سِهَامَ مَنْ بَقِيَ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فِي الطَّرَفَيْنِ ضَرَبَ الْقَاسِمُ أَيْضًا بِالسِّهَامِ عَلَى الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ خَرَجَ السَّهْمُ ضَرَبَ بِسِهَامِهِمْ عَلَيْهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَكْمَلَ لَهَا بَقِيَّةَ نَصِيبِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْهُنَّ اثْنَانِ وَتَشَاحَّا عَلَى الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَنْظُرْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَضَرَبَ الْقَاسِمُ عَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَقَدْ ضَرَبَ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الطَّرَفَيْنِ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ السِّهَامُ لَا تَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ إلَّا أَنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ فِي الْحِسَابِ، فَيَصِيرُ سَهْمُ أَحَدِهِمْ لَا يَعْتَدِلُ حَتَّى يُضَعَّفَ إلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ، فَإِذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ بِالسِّهَامِ فَخَرَجَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْعَشَرَةِ ضُمَّتْ التِّسْعَةُ إلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ وَاسِعَةً، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمُوهَا وَفِي حَظِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ إذَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَخْرَجٌ وَلَا طَرِيقٌ إلَّا مَنْ بَابِ الدَّارِ، فَاشْتَجَرُوا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اجْعَلْهَا ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا: إنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ طَرِيقًا قَدْرَ مَا تَدْخُلُ الْحَمُولَةُ وَقَدْرَ مَا يَدْخُلُونَ.
قُلْتُ: وَلَا يَتْرُكُ لَهُمْ مِنْ الطَّرِيقِ قَدْرَ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: هَلْ يَكُونُ لِلْجَارِ أَنْ يَرْفَعَ بُنْيَانَهُ فَيُجَاوِزَ بِهِ بُنْيَانَ جَارِهِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْفَعَ بُنْيَانَهُ إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: يُمْنَعُ مِنْ الضَّرَرِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ، أَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا، وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تَقَعَ فِي حُجْرَتِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ هَذَا مِنْ الْبِنَاءِ تَمَّ كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ
[كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ]
[فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَيَمُوتُونَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ]