ِ فِي الرَّجُلِ يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِتَفْلِيسِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، فَقَامَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يُفَلِّسَهُ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ: إنَّ عَلَيَّ أَمْوَالًا لِقَوْمٍ غُيَّبٍ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ التَّفْلِيسِ، فَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِمَا قَالَ عُزِلَ حَظُّ الْغُيَّبِ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ هَذَا الْحَاضِرُ مِنْ مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ، إلَّا قَدْرَ الْمُحَاصَّةِ أَوْ يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيُحَاصُّ بِهِ الْمُقِرُّ لَهُ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُفْلِسُ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَتُبَاع أَمْوَالُهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ بِالْحِصَصِ، ثُمَّ يَأْتِي غَرِيمٌ لَمْ يُحَاصُّهُمْ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ غَنِيًّا أَخَذَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ عَدِيمًا وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا الْغَنِيِّ إلَّا مَا أَخَذَ مِنْهُ مِمَّا يُصِيبُهُ وَاتَّبَعَ هَذَا الْمُفْلِسَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمَوْتُ وَالتَّفْلِيسُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قُلْتُ: وَالْوَاحِدُ إذَا قَامَ بِالتَّفْلِيسِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إذَا قَامَ أَنَّهُ يُفْلِسُ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ عِنْدِي وَالْجَمَاعَةَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، أَنَّهُ يُفْلِسُ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، فِي الَّذِي يَغِيبُ فِي بَعْضِ الْمَخَارِجِ فَيَهْلَكُ، فَيَأْتِي رَجُلٌ بِذِكْرِ حَقٍّ عَلَى الْمَيِّتِ، فَيُرِيدُ أَخْذَهُ وَيَقُولُ الْوَرَثَةُ: نَخْشَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَى هَذَا، قَالَ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ، قَضَى هَذَا حَقَّهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِدْيَانًا فِي ظَاهِرِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ، وَيُخَافُ كَثْرَةُ دَيْنِهِ، لَمْ يُعَجِّلْ بِقَضَاءِ هَذَا حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ: إذَا قَامَ بِهِ رَجُلٌ، أُوقِفَ وَضُرِبَ عَلَى يَدَيْهِ وَاسْتَقْصَى أَمْرَهُ، ثُمَّ يُبَاعُ لَهُ مَالُهُ، وَهُوَ وَالْمَيِّتُ سَوَاءٌ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ لَمْ
يُعَجَّلْ بِقَضَاءِ مَنْ حَضَرَ، وَأُوقِفَ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ، وَيَجْتَمِعَ أَهْلُ دَيْنِهِ، أَوْ يُعْرَفُوا فَيُضْرَبُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، فَهَذَا أَعْدَلُ رِوَايَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ غُرَمَاءُ لَهُ، فَفَلَّسَ هَذَا الْمِدْيَانَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ مَنْ بَقِيَ مَنْ الْغُرَمَاءِ، وَهُمْ فِي الْمِصْرِ قَدْ عَلِمُوا بِهِ حِينَ فُلِّسَ، فَقَامُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ اقْتَضَوْا حُقُوقَهُمْ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيُحَاصُّوهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمُوا بِالْعِتْقِ، فَلَمْ يَقُومُوا عَلَيْهِ حِينَ أَعْتَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ لَهُمْ الْعِتْقَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَامَ عَلَيْهِ حِينَ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ عِنْدَمَا فُلِّسَ وَهُمْ حُضُورٌ، وَقَدْ عَلِمُوا بِالتَّفْلِيسِ، فَقَدْ رَضُوا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُمْ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَرَضُوا أَنْ يَتْرُكُوا الْمُحَاصَّةَ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْمَالَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُوَقِّفُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضُرِبَ عَلَى يَدَيْهِ وَوُقِّفَ لِيُقَسَّمَ مَالُهُ، وَالْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ الْحَاضِرِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِحَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ، وَرَاضٍ بِاقْتِضَاءِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ.
[فِي الْمُفْلِسِ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ لِرَجُلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فِي الصِّحَّةِ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ، أَيَتَحَاصُّونَ فِي مَالِهِ؟
قَالَ: إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ، أَوْ لِذِي قَرَابَةٍ أَوْ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ دُيُونُهُمْ بِبَيِّنَةٍ وَاَلَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَلَوْ فُلِّسَ، وَلِقَوْمٍ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ التَّفْلِيسِ بِدَيْنٍ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، وَلَوْ أَقَرَّ لِقَوْمٍ قَبْلَ التَّفْلِيسِ تَحَاصَّ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَفَلَّسُوهُ، فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ.
قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَكُونُ إقْرَارُهُ هَذَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ، فَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ.
قُلْتُ: وَيَتَحَاصُّ أَهْلُ الدَّيْنِ فِي مَالِهِ هَذَا دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا وَقَدْ بَقِيَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ بَقِيَّةٌ مِنْ دَيْنِهِمْ أَيَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَهُنَا مَوْضِعُ تُهْمَةٍ، إنَّمَا كَانَتْ التُّهْمَةُ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ؟
قُلْتُ: فَإِنْ أَفَادَ مَالًا بَعْدَمَا فَلَّسُوهُ، فَلَمْ يَقُمْ الْغُرَمَاءُ وَلَا هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى مَا أَفَادَ مِنْ الْمَالِ، حَتَّى أَقَرَّ لِرَجُلٍ آخَرَ بِدَيْنٍ، أَيَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهُ بِالدَّيْنِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى إقْرَارَهُ لِهَذَا بِالدَّيْنِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ جَائِزًا، إذَا أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ
الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ، وَاَلَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ الْمُفْلِسُ أَوَّلًا عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ فَيُفَلِّسُونَهُ ثَانِيَةً، فَأَرَى أَنَّ هَذَا الْآخَرَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدَيْهِ مَالٌ حَادِثٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ قَدْ عُومِلَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ وَبَاعَ وَاشْتَرَى وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْلِسِ إذَا دَايَنَ النَّاسَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، ثُمَّ فُلِّسَ ثَانِيَةً فَاَلَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُهُمْ.
فَإِقْرَارُهُ فِيمَا أَفَادَ بَعْدَمَا فُلِّسَ بِدَيْنٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، مِنْ صِلَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَيْهِ، ضَرَبَ أَهْلُ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ، وَمَنْ أَقَرَّ لَهُمْ فِي الْمَالِ الْمُفَادِ.
قُلْتُ: فَلِمَ أَجَزْتَ إقْرَارَهُ وَأَنْتَ لَا تُجِيزُ هِبَتَهُ وَلَا صَدَقَتَهُ؟
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمِدْيَانَ مَا لَمْ يُفَلَّسْ، لَوْ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَإِنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ مَا لَمْ يُفَلَّسْ.
فَكَذَلِكَ إذَا فُلِّسَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ بَعْدَ التَّفْلِيسِ قَبْلَ أَنْ يُفَلَّسَ الثَّانِيَةَ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ بِبَيِّنَةٍ.
وَلَا تَجُوزُ صَدَقَتُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَهُوَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الرَّجُلِ الْمِدْيَانِ إذَا كَانَ لَا وَفَاءَ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا سَجَنَهُ السُّلْطَانُ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ، أَيَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا صَنَعَ بِهِ غُرَمَاؤُهُ هَذَا، وَرَفَعُوهُ إلَى السُّلْطَانِ وَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى سَجَنُوهُ، فَهَذَا وَجْهُ التَّفْلِيسِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا فُلِّسَ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ.
قُلْتُ: وَيَبِيعُ السُّلْطَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَالٍ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ أَمْرُهُ، فَتَتَوَزَّعُ الْغُرَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، وَيَسْجُنُهُ فِي الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إذَا عَرَفَ مِنْهُ وَجْهَ الْإِلْدَادِ الَّذِي وَصَفْتَ لِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ فِي الْحُرِّ يُفْلِسُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعٌ وَلَا عَتَاقَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا اعْتِرَافٌ بِدَيْنٍ وَلَا بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِثْلَهُ.
قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقْضِي بِهِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: وَإِنْ قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ وَتَرَكَ بَعْضًا جَازَ لَهُ، وَإِنْ رَهَنَ رَهْنًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غُرَمَاؤُهُ.
وَكَانَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ إذَا تَبَيَّنَ فَلَسُهُ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ غُرَمَاؤُهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ وَلَا يَرْهَنَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَبَعْضُ غُرَمَائِهِ غُيَّبٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ وَلِقَوْمٍ غُيَّبٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَيَعْزِلُ الْقَاضِي أَنْصِبَاءَهُمْ أَمْ لَا فِي
قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يَعْزِلُ الْقَاضِي أَنْصِبَاءَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ أَنْصِبَاءُ الْغُيَّبِ بَعْدَمَا عَزَلَهَا الْقَاضِي لَهُمْ، كَانَ ضَيَاعُهَا مِنْهُمْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَ لَهُ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ قَدِمَ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الَّذِي أَخَذَ مِنْ نَصِيبِهِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ.
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَفْلَسَهُ رَجُلَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلٍ غَائِبٍ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَيْضًا، وَلَمْ يُعْلَمْ بِالْغَائِبِ.
فَفَلَّسُوا هَذَا الْغَرِيمَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقُسِّمَتْ الْمِائَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَخَذَ هَذَا خَمْسِينَ وَهَذَا خَمْسِينَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَثْبَتَ دَيْنَهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ الْمِائَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ، فَقَدْ أَخَذَ صَاحِبَاهُ فَضْلًا عَلَى حَقِّهِ سَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ، فَيَصِيرُ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ.
فَيُقَالُ لَهُمَا: ادْفَعَا إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا إلَّا ثُلُثَ دِرْهَمٍ مَا اسْتَفْضَلْتُمَاهُ بِهِ، وَهُوَ مِقْدَارُ حِصَّتِهِ فِي الْمُحَاصَّةِ.
فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا عَدِيمًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلَ هَذَا الَّذِي أَصَابَ مَلِيًّا، إلَّا سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا غَيْرَ ثُلُثٍ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ حَقِّهِ إنَّمَا أَتْلَفَهُ الْآخَرُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الَّذِي أَتْلَفَهُ يَتْبَعُهُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَمْرَضُ فَيُقِرُّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِأَجْنَبِيٍّ، وَبِدَيْنٍ لِابْنٍ لَهُ، وَقَدْ تَرَكَ بَنِينَ سِوَاهُ وَتَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَقَرَّ أَنَّ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلِابْنِهِ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الْمِائَةِ، قَالَ: الِابْنُ وَالْأَجْنَبِيُّ يَتَحَاصَّانِ فِي الْمِائَةِ الدِّينَارِ، فَمَا صَارَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخَذَهُ، وَمَا صَارَ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَهُ الْوَرَثَةُ كَانَ أَوْلَى بِهِ، وَإِلَّا كَانَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ.
وَإِنَّمَا يُحَاصُّ الْوَارِثُ الْأَجْنَبِيَّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ حِينَ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا الْمِائَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ لَا يُقِرَّ لِلْأَجْنَبِيِّ لَفَعَلَ، فَلَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ هَهُنَا حُجَّةٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَقُولَ: أُقِرُّ عَنِّي بِالْمِائَةِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ لَهُ أَنْ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ حُجَّةٌ وَهُوَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
[فِي الْمُفْلِسِ يُرِيدُ بَعْضُ غُرَمَائِهِ حَبْسَهُ وَتَفْلِيسَهُ وَيَأْبَى بَعْضُهُمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ نَسْجُنُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ لَا نَسْجُنُهُ، وَلَكِنَّا نَحْبِسُهُ بِطَلَبِ الْفَضْلِ حَتَّى يَقْضِيَنَا حُقُوقَنَا؟ قَالَ: إذَا تَبَيَّنَ الْإِلْدَادُ لِلسُّلْطَانِ، وَطَلَبَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْبِسَهُ لَهُ سَجْنُهُ، فَإِنْ شَاءَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَحْبِسُوهُ، أَنْ يَقُومُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ فَيُحَاصُّوا هَذَا الْغَرِيمَ الَّذِي حَبَسَهُ فِي مَالِ الْمَحْبُوسِ الْمَطْلُوبِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا أَقَرُّوهُ فِي يَدَيْ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَكُونُ لِلْغَرِيمِ الَّذِي سَجَنَهُ وَأَخَذَ حَقَّهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الَّذِي رَدَّهُ أَصْحَابُهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ وَأَقَرُّوهُ، إلَّا أَنْ يُفِيدَ مَالًا غَيْرَهُ، أَوْ يَكُونُ فِيهِ رِبْحٌ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ هُوَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي يُفِيدُهُ أُسْوَةً فِيمَا بَقِيَ مِنْ
دَيْنِهِمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّهُ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ لِي إلَّا قَوْلِي لَكَ: أَوْ يَرْبَحُ فِيمَا أُقِرَّ فِي يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنْ الْمَحْبُوسِ فِي الدَّيْنِ، إذَا طَلَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِحَقِّهِ فَسَجَنَهُ وَقَالَ بَقِيَّةُ الْغُرَمَاءِ: نَحْنُ نُخَلِّيهِ؟
قَالَ: يُحَاصُّونَ هَذَا الْغَرِيمَ الَّذِي سَجَنَهُ إنْ أَحَبُّوا، ثُمَّ إنْ أَرَادُوا رَدُّوا مَا صَارَ لَهُمْ فِي الْمُحَاصَّةِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ، فَكَانَ فِي يَدَيْهِ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ مَا اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ مِنْ هَذَا الَّذِي رَدَّهُ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمَطْلُوبِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُفِيدَ مَالًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَفَادَ مَالًا، وَاَلَّذِي رَدَّ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ قَائِمٌ فِي يَدِهِ، فَأَرَادَ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا أَنْ يَقْتَضِيَ حَقَّهُ مِمَّا أَفَادَ؟
قَالَ: يَقْتَضِي حَقَّهُ مِمَّا أَفَادَ، وَلَا يَقْتَضِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ شَيْئًا، وَيُحَاصُّهُ أَصْحَابُهُ فِي الَّذِي أَفَادَهُ الْمَطْلُوبُ.
قُلْتُ: أَفَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْغَرِيمُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَا فِي يَد الْغَرِيمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ دَيْنِهِمْ الَّذِي أَخَذُوهُ وَرَدُّوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يُحَاصُّهُمْ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذَا الَّذِي أَفَادَ هَذَا الْمَطْلُوبُ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي رَدُّوا قَائِمًا بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يُحَاسِبُونَهُ بِمَا رَدُّوا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ حُقُوقِهِمْ وَكَانَ كَفَافًا الْيَوْمَ، لَمَا رَدُّوا إلَيْهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ رَدَّهُمْ إلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي أَخَذُوا مِنْهُ، كَأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ بَايَعُوهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَبْلَغِ الَّذِي رَدُّوا مَا هُوَ الْيَوْمَ مِنْ حُقُوقِهِمْ الَّتِي رَدُّوا، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، ضَرَبُوا بِمَا نَقَصَ وَبِمَا بَقِيَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ.
سَحْنُونٌ: وَيُحَاصُّهُمْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ شَيْئًا فِي ذَلِكَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ مَا رَدُّوا إلَيْهِ جَمِيعُهُ، ثُمَّ أَفَادَ مَالًا حَاصُّوا الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِمْ، وَيَضْرِبُونَ هُمْ فِيهَا بِجَمِيعِ دَيْنِهِمْ مَا رَدُّوا إلَيْهِ وَمَا بَقِيَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَضْرِبُ فِيهَا الَّذِي لَمْ يَرُدَّ إلَى الْمَطْلُوبِ شَيْئًا بِمَا بَقِيَ مِنْ جَمِيعِ دَيْنِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِرَّ حَقَّهُ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ أَقَرَّهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلَّذِينَ اقْتَضَوْا أَنْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكَ هَؤُلَاءِ فِي يَدِ الْمُفْلِسِ مِمَّا حَاصُّوهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ مُفْلِسًا دَايَنَهُ قَوْمٌ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، أَنَّ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الَّذِينَ فَلَّسُوهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ عَنْ حُقُوقِ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ؟ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ رَدُّوهُ إلَيْهِ حِصَصُهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَقْبِضُوا مَا رَدُّوا إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَفْضُلَ فَضْلُهُ فَيَتَحَاصُّ فِيهَا مَنْ لَمْ يَرُدَّ وَمَنْ رَدَّ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ عِنْدَ التَّفْلِيسِ الْأَوَّلِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، لَوْ أَنَّ مَا رَدَّ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَى الْمُفْلِسِ نَقَصَ، ذَلِكَ بَعْدَمَا رَدُّوهُ إلَيْهِ، حَاصُّوا الْغُرَمَاءَ بِمَا نَقَصَ مِمَّا رَدُّوا بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ فِي الْمُحَاصَّةِ الْأُولَى فِي فَائِدَةٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْجِنَايَةُ وَالْمِيرَاثُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ.
قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ فَائِدَةٍ، فَاَلَّذِينَ فَلَّسُوهُ وَاَلَّذِينَ دَايَنُوهُ فِي ذَلِكَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ
فِيمَا لَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَجَرَ الْمُفْلِسُ فِي الْمَالِ الَّذِي رَدَّهُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ وَرَبِحَ فِيهِ، أَيَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ بِمَنْزِلَةِ الْفَائِدَةِ، يَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعُ الْغُرَمَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا دَايَنَهُ الْآخِرُونَ بَعْدَ الْأَوَّلِينَ، فَالْآخِرُونَ أَوْلَى بِهِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ دَيْنِهِمْ فَضْلَةٌ، فَيَكُونَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ بِقَدْرِ دُيُونِهِمْ، فَمَا أَقَرَّ هَؤُلَاءِ فِي يَدَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَايَنَهُ غَيْرُهُمْ بَعْدَ التَّفْلِيسِ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الَّذِي أَقَرُّوا فِي يَدَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَضَلَ فِي يَدَيْهِ، بَعْدَ مُدَايَنَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَايَنُوهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ فَيُقَيِّمُهُ قِيمَةً إنْ كَانَ عُرُوضًا، فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ فَضْلٍ عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي تَرَكُوا فِي يَدَيْهِ، فَذَلِكَ لِفَضْلِ الَّذِي يَشْرَعُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ يَوْمَ فَلَّسَهُ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
وَحَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْمِ بَنِي سَلَمَة كَثُرَ دَيْنُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمْ يَزِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُرَمَاءَهُ عَلَى أَنْ خَلَعَ لَهُمْ مَالَهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِأَنْ خَلَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيْعِهِ، فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتُصَدِّقَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» .
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّ الْحُرَّ إذَا أَفْلَسَ لَا يُؤَاجَرُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَالِكٌ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ، فَيُغَلِّي ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ، فَأَفْلَسَ.
فَرُفِعَ أَمْرُهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دَيْنِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ سَبَقَ الْحَاجَّ.
أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قَدْ دِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ حَتَّى نُقَسِّمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْغَدَاةِ.
ثُمَّ إيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَزَنٌ.
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي رَجُلٍ غَرِقَ فِي دَيْنٍ، أَنْ يُقَسَّمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَيُتْرَكَ حَتَّى يَرْزُقَهُ اللَّهُ.
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ
وَتَحَاصَّ غُرَمَاؤُهُ مَالَهُ، فَمَنْ بَايَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا بَايَعَهُ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ فَلَّسُوهُ، وَإِنَّمَا بَايَعُوهُ فِي ذِمَّتِهِ وَفِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَإِفَادَتِهِ، فَإِنْ أُعْدِمَ الثَّانِيَةَ، فَاَلَّذِينَ بَايَعُوهُ بَعْدَ عَدَمِهِ الْأَوَّلِ، أَحَقُّ بِمَالِهِ فَيَتَحَاصُّونَ فِيهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلٌ فِي ذِمَّةٍ أَوْ مِيرَاثِ وَرَثَةٍ فَأَمَّا كُلُّ عَمَلٍ أَدَارَهُ أَوْ كَانَ مِمَّا رَجَعَتْ بِهِ الْأَرْزَاقُ عَلَيْهِ، فَهُوَ لِلَّذِينَ بَايَعُوهُ بَعْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ خَاصَّةً لِمَا خَرَجَتْ فِيهِ أَمْوَالُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْلُغَ فِي النَّاسِ إلَّا بِمُعَايَشَةِ مَنْ عَايَشَهُ وَمُدَايَنَةِ مَنْ دَايَنَهُ وَابْتِغَائِهِ الرِّزْقَ مِنْ رَبِّهِ بِالْإِدَارَةِ وَالتِّجَارَةِ.
فَأَمَّا الَّذِينَ يُفَلِّسُونَ غَرِيمَهُمْ، فَإِنَّ حُقُوقَهُمْ تَدْخُلُ فِي فُضُولٍ إنْ كَانَتْ بِيَدَيْهِ بَعْدَ قَضَاءِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.
[فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلِغُلَامِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلِغُلَامِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ فَفَلَّسُوهُ، أَيَضْرِبُ الْعَبْدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ فِي دَيْنِ السَّيِّدِ، فَلَا يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَسَيِّدُهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَهُ، أَلَا تَرَى الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
[فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلِعَبْدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ أَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَبْدٌ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ وَعَلَى عَبْدِي دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ، فَقَامَتْ غُرَمَائِي عَلَيَّ فَفَلَّسُونِي، أَيَضْرِبُ عَبْدِي مَعَ غُرَمَائِي بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ؟
قَالَ: نَعَمْ وَيَكُونُ غُرَمَاءُ الْعَبْدِ أَوْلَى بِمَا ضَرَبَ بِهِ الْعَبْدُ وَبِمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالٍ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، وَيَكُونُ رَقَبَةُ الْعَبْدِ لِغُرَمَاءِ السَّيِّدِ حَتَّى تُبَاعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا قَوْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ، قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَسْلَفْتهَا إيَّاهُ، ثُمَّ جَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَسْلِفْنِي خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ أُخْرَى؟ قُلْتُ: لَا، إلَّا أَنْ تَرْهَنَنِي جَارِيَتَكَ فُلَانَةَ الْأُخْرَى بِجَمِيعِ الْأَلْفِ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ زَادَهُ فِي سَلَفِهِ الْأَوَّلِ ذَهَبًا؟ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ، وَأَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُقْرِضُك أَيْضًا، عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
[رَهَنَ رَهْنَيْنِ بِسَلَفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَرْهَنُ رَهْنَيْنِ مِنْ سَلَفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِالسَّلَفِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرُ بِالسَّلَفِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَوَقَعَ هَذَا؟
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَقَعَ هَذَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَاسِدًا، جَهِلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَامَتْ الْغُرَمَاءُ، فَفَلَّسُوا الْمُسْتَسْلِفَ أَوْ مَاتَ فَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ، أَيَكُونُ هَذَا الرَّهْنُ الثَّانِي الَّذِي كَانَ فَاسِدًا رَهْنًا أَمْ لَا وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا أَرَاهُ رَهْنًا إلَّا بِالسَّلَفِ الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّلَفِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.
وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيَرْهَنُ فِيهَا رَهْنًا ثُمَّ يُفْلِسُ]
قُلْتُ: فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيَرْهَنُ فِيهَا رَهْنًا ثُمَّ يُفْلِسُ أَرَأَيْتَ إنْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَرَهَنَهُ بِتِلْكَ الْجِنَايَةِ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَفَلَّسُوهُ، فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: إنَّ هَذَا الرَّهْنَ الَّذِي رَهَنْتَهُ مِنْ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ، إنَّمَا هُوَ أَمْوَالُنَا وَإِنَّمَا دِينَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا قَرْضٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الرَّهْنُ دُونَنَا، وَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ، فَهَلْ تَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، ثُمَّ يَقُومُ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ فَيُفَلِّسُونَهُ: إنَّ صَاحِبَ الْجِنَايَةِ يَضْرِبُ بِدَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، فَأَيُّ الرَّهْنِ جَائِزٌ لِلْمُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ.
[فِي الْمُفْلِسِ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ إلَى أَجَلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ إلَى أَجَلٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ قَدْ حَلَّتْ، فَفَلَّسَهُ الَّذِينَ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ، أَيَكُونُ لِلَّذِينَ لَمْ تَحِلَّ دُيُونُهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ مَا كَانَ لِلْمُفْلِسِ مِنْ دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ إلَى أَجَلٍ، أَتَحِلُّ إذَا فُلِّسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا فُلِّسَ فَقَدْ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فُلِّسَ هَذَا الْمُفْلِسُ، وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ، أَتُبَاعُ دُيُونُهُ السَّاعَةَ نَقْدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَفَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ حَتَّى يَقْبِضَ دَيْنَهُ وَيُوَفِّيَهُمْ؟
قَالَ: قَدْ حَلَّ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ، فَذَلِكَ إلَى الْغُرَمَاءِ إنْ شَاءُوا أَخَّرُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُؤَخِّرُوا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: مَنْ مَاتَ أَوْ فُلِّسَ فَقَدْ حَلَّ دَيْنُهُ وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي
يُونُسُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَمَاتَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ، بِأَنَّ دَيْنَهُ حَلَّ حِينَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِيرَاثٌ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ الْغُرَمَاءُ بِحُقُوقِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ.
[فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ زَرْعٌ مَرْهُونٌ]
ٌ وَلَوْ فُلِّسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ وَقَدْ ارْتَهَنَ مِنْهُ رَجُلٌ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، قَالَ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ وَاسْتُؤْنِيَ بِالزَّرْعِ.
فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ، بِيعَ وَنُظِرَ إلَى قَدْرِ الدَّيْنِ وَثَمَنِ الزَّرْعِ.
فَإِنْ كَانَ كَفَافًا رَدَّ مَا أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ وَكَانَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَكَانَ لَهُ ثَمَنُ الزَّرْعِ إذَا كَانَ كَفَافًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، رَدَّ الْفَضْلَ مَعَ الَّذِي أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ فَكَانَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الزَّرْعِ لَا يَبْلُغُ دَيْنَهُ، نَظَرَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الزَّرْعِ وَإِلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ، فَضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي جَمِيعِ مَالِ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ، مِنْ أَوَّلِهِ فِيمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ وَأَيْدِي الْغُرَمَاءِ.
فَمَا كَانَ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَخَذَهُ وَرَدَّ مَا بَقِيَ فَصَارَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ فِيمَا بَلَغَنِي.
[فِي الْمُفْلِسِ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَمَا فُلِّسَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُفْلِسَ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَمَا فَلَّسُوهُ قَالَ: أَمَّا فِي الْمَالِ الَّذِي فَلَّسُوهُ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِ وَأَمَّا فِيمَا يُفِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
[فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ يُفْلِسُ وَالْهِبَةُ قَدْ تَغَيَّرَتْ فِي يَدَيْهِ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وُهِبَتْ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ فَتَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَفُلِّسَ الرَّجُلُ وَالْهِبَةُ عِنْدَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ الْوَاهِبُ فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِهِبَتِي؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ الْهِبَةِ فَيَكُونُونَ أَوْلَى بِهَا.
[بَاعَ مِنْ رَجُلٍ فَمَاتَ الْمُشْتَرِي فَوَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ وَلَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ سِوَاهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَدْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَهِيَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا أَيَكُونُ الْغُرَمَاءُ، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَاعَ السِّلْعَةَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ إذَا لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ
مَالًا سِوَاهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِسِلْعَتِهِ إذَا أَدْرَكَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي التَّفْلِيسِ لَا فِي الْمَوْتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» . وَأَخْبَرَنِي سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى بِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ، فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا إذَا وَجَدَهَا قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، إلَّا أَنْ يُعْطَى ثَمَنَ سِلْعَتِهِ كَامِلًا لَيْسَ لَهُ النَّمَاءُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ ذَلِكَ.
[ابْتَاعَ جَارِيَة أَوْ شَاة مِنْ رَجُل فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ وَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ أَفْلَسَ الرَّجُلُ؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى أَسْلَمَهُمْ وَكَانُوا أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُمْ فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نُؤَدِّي الدَّيْنَ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ كُلِّهِ وَنَأْخُذُ الْوَلَدَ فَذَلِكَ لَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ مِنْ رَجُلٍ غَنَمًا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا، أَوْ حَلَبَهَا فَاتَّخَذَ سُمُونَهَا وَجُبْنَهَا وَجَزَّ أَصْوَافَهَا ثُمَّ أَفْلَسَ.
فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ الْبَائِعَ فَقَالَ: أَنَا آخُذُهَا وَمَا جُزَّ مَنْ أَصْوَافِهَا وَمَا أُخِذَ مِنْ لَبَنِهَا، وَآخُذُ أَوْلَادَهَا؟
قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ أَصْوَافَهَا وَأَلْبَانَهَا غَلَّةٌ لَيْسَ لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَوْلَادُهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَعَ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الزَّكَاةِ: إنَّ أَصْوَافَ الْغَنَمِ فَائِدَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَوْلَادُهَا عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَتْ بِفَائِدَةٍ، وَهِيَ مِثْلُ رِقَابِ الْأُمَّهَاتِ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى وَلِيدَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَوَلَدَهَا، وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ؟ وَلَوْ أَنَّهُ آجَرَهَا تُرْضِعُ فَأَخَذَ لِذَلِكَ أَجْرًا؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ مَعَهَا إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا فَاللَّبَنُ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْتُ لَكَ وَالصُّوفُ فَائِدَةٌ، إلَّا مَا كَانَ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ إذَا كَانَ الصُّوفُ قَدْ تَمَّ عَلَى ظُهُورِهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا.
وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ تَكُونُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ حِينَ يَشْتَرِي النَّخْلَ قَدْ أُبِّرَ، فَيُوجَدُ بِالنَّخْلِ عَيْبٌ فَيُرِيدُ رَدَّهَا وَقَدْ جَدَّ الثَّمَرَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ النَّخْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ أَشْهَبُ فِي النَّخْلِ إذَا جَدَّ الثَّمَرَةَ؛ فَهِيَ غَلَّةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهَا، وَقَالَ: الصُّوفُ كَذَلِكَ.
[الْمُسَاقِي وَالرَّاعِي وَالصُّنَّاعِ يُفْلِسُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ]
فِي الْمُسَاقِي وَالرَّاعِي وَالصُّنَّاعِ يُفْلِسُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ يَسْقِيهِ فَسَقَى ثُمَّ فُلِّسَ صَاحِبُهُ، فَسَاقِيهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْأَصْلِ أَوْ الزَّرْعِ، فَالْمُسَاقِي أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي إبِلٍ يَرْعَاهَا أَوْ يُرْحِلُهَا، أَوْ دَوَابَّ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا.
وَكُلُّ ذِي صَنْعَةٍ، مِثْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالصَّائِغِ وَمَا يُشْبِهُهُمْ، فَهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا.
وَكُلُّ مَنْ تُكُورِيَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ فَحَمَلَهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ، فَالْمُكْرَى أَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَحَوَانِيتُ يَسْتَأْجِرُهَا النَّاسُ يَبِيعُونَ فِيهَا الْأَمْتِعَاتِ فَيُفْلِسُ مُكْتَرِيهَا، فَيَقُولُ أَهْلُ الْحَوَانِيتِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِمَا فِيهَا حَتَّى نَسْتَوْفِيَ كِرَاءَنَا، وَيَقُولُ الْغُرَمَاءُ: بَلْ أَنْتُمْ أُسْوَتُنَا؟
قَالَ: هُمْ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا كِرَاءُ الْحَوَانِيتِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ تَكَارَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ وَعِيَالَهُ وَرَقِيقَهُ، أَفَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْلَى بِمَا فِيهَا مِنْ الْمَتَاعِ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَوْ لَا يَكُونُ أَوْلَى؟ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَى رَجُلٌ إبِلَهُ فَأَسْلَمَ الْإِبِلَ إلَى الْمُتَكَارِي، فَمَاتَ الْمُتَكَارِي أَوْ فُلِّسَ لَمْ يَدَعْ مَالًا، إلَّا حُمُولَتَهُ الَّتِي حَمَلَ عَلَى الْإِبِلِ، أَيَكُونُ الْجَمَّالُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ أَوْ يَكُونُ أَوْلَى بِهَا؟
قَالَ: الْجَمَّالُ أَوْلَى بِهَا.
قُلْتُ: لِمَ، وَلَمْ يُسْلِمْ إلَى الْجَمَّالِ الْمَتَاعَ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ إلَيْهِ الْمَتَاعَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ؟
قَالَ: لَيْسَ الَّذِي قَالَ لَنَا مَالِكٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَسْلَمَ الْمَتَاعَ إلَيْهِ، إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بَلَغَتْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى إبِلِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَمَّالَ بِعَيْنِهِ، لَوْ كَانَ فِي الْإِبِلِ وَكَانَ مَعَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ وَهُوَ مَعَ الْمَتَاعِ، أَنَّ الْجَمَّالَ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْجَمَّالُ بِمَنْزِلَةِ الصُّنَّاعِ، غَابَ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ حَضَرَ.
حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا فُلِّسَ الرَّجُلُ وَلَهُ حُلِيٌّ عِنْدَ صَائِغٍ قَدْ صَاغَهُ لَهُ، كَانَ هُوَ أَوْلَى بِأَجْرِهِ وَلَمْ يُحَاصَّهُ الْغُرَمَاءُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ.
[فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ أَيَأْخُذُ الْغُرَمَاءُ أَمْوَالَهُمْ]
ْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُفْلِسُ، وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، أَفَتَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ حِينَ أَفْلَسَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَخَذَهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ فَيَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ أَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ
الْمَالَ مِنْهَا؟ وَقَدْ قُلْتُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَيْسَ لِسَيِّدِهَا فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعَ مِنْهَا بِبُضْعِهَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا مَا لَمْ يَمْرَضْ أَوْ يُفْلِسْ، فَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مَالَهَا وَلَا يُجْبِرُوا السَّيِّدَ عَلَى أَخْذِهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَالْمُعْتَقُ إلَى سِنِينَ، أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَتَقَارَبْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ بَقِيَتْ سَنَةً؟ قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ ذَلِكَ أَوْ يَمْرَضْ، وَلَمْ يَرَ السَّنَةَ قَرِيبًا قُلْتُ: وَمَا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي هَذَا؟ حِينَ قَالَ: إذَا مَرِضَ فَلَا يَأْخُذُ مَالَ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا مُدَبَّرَتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلْوَرَثَةِ وَقَدْ أَشْرَفَ هَؤُلَاءِ عَلَى عِتْقِهِمْ.
وَاَلَّذِي يُفْلِسُ فَلَا يُجْبِرُ الْغُرَمَاءَ السَّيِّدُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَخْذِهِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ يَأْخُذُهُ وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُلْزِمُوهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَرِضَ فَفُلِّسَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَيَأْخُذُ مَالَ الْمُدَبَّرِ الْغُرَمَاءُ أَمْ لَا؟ وَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا يَعْتِقُهُ وَمَالُهُ لِلْغُرَمَاءِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ، فَيُبَاعَ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَا يُؤْخَذُ مَالُ هَذَا الْمُدَبَّرِ لِلْغُرَمَاءِ، فَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ عِنْدِي سَوَاءٌ.
[الْعَبْدِ يُفْلِسُ وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
فِي الْعَبْدِ يُفْلِسُ وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ مُبَايَعَةُ الرَّجُلِ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَيَكُونُ دَيْنُ السَّيِّدِ دَيْنًا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ وَدَيْنٌ لِسَيِّدِهِ، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ دَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ، فَإِنَّهُ يَضْرِبُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ لَمْ يَضْرِبْ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
[دَيْنِ الْمُرْتَدِّ]
فِي دَيْنِ الْمُرْتَدِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ وَهَرَبَ إلَى دَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلِرَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَغَزَا تِلْكَ الدَّارَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقُتِلَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ، فَقَامَ الْغَرِيمُ يَطْلُبُ حَقَّهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى دَيْنَهُ فِي مَالِ هَذَا الْغَرِيمِ الْمُرْتَدِّ الْمَقْتُولِ، وَلَا يَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هَذَا الْغَرِيمُ حَقَّهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ كَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَقَاسِمِ.
[كِتَابُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ]
[فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ]