ِ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ فَلَا تُقْبَضُ مِنْهُ حَتَّى يَبِيعَهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى بَاعَهَا الْمُتَصَدِّقُ مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ قَدْ عَلِمَ بِصَدَقَتِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى بَاعَهَا الْمُتَصَدِّقُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُرَدَّ وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ يَأْخُذُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ إذَا كَانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا حَيًّا وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِالدَّارِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إذَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَحِيزَتْ عَلَيْهِ.
[الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْمَرَضِ فَلَمْ يَقْبِضْ صَدَقَتَهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ]
فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْمَرَضِ فَلَمْ يَقْبِضْ صَدَقَتَهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ هِبَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فِي الْمَرَضِ كَانَتْ، فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَا الْمُعْطَى وَلَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أَتَكُونُ هَذِهِ وَصِيَّةً؟ أَمْ تَكُونُ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ عَطِيَّةً لَمْ يَقْبِضْهَا صَاحِبُهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ وَتَصِيرُ لِوَرَثَةِ الْوَاهِبِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هِيَ وَصِيَّةٌ.
قَالَ مَالِكٍ: وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَبْتِلُ صَدَقَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ فِي صَدَقَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرِيضَ إنْ بَتَلَ هِبَتَهُ أَوْ عَطِيَّتَهُ أَوْ صَدَقَتَهُ فِي مَرَضِهِ وَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ
لَهُ، فَأَرَادَ الْمَرِيضُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا بَعْدَمَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا بَعْدَ مَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَكِنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوهَا فَيُوقِفُوهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ مِنْ الْعَقَارِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: لِمَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَأَنْتَ تَجْعَلُهَا وَصِيَّةً؟
قَالَ: لِأَنَّهُ بَتَلَ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتِلَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الثُّلُثِ الَّذِي بَتَلَهُ فِي مَرَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لِلَّذِي وُهِبَتْ لَهُ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ أَنْ يَقْبِضَ هِبَتَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَرِيضِ مَالٌ مَأْمُونٌ مِنْ الْعَقَارِ وَالدُّورِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ
[فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْ نَفْسِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَصَدَّقُ بِالْجَارِيَةِ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ فَيُتْبِعُهَا نَفْسَهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يُقَوِّمُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَيُشْهِدُ وَيَسْتَقْصِي لِلِابْنِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا أَوْ يَرْكَبَهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً أَوْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْأَبَ؟
قَالَ نَعَمْ إذَا احْتَاجَ وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَالْأُمُّ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا احْتَاجَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا عَلَى الْوَلَدِ سَحْنُونٌ: عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِغُلَامٍ، ثُمَّ احْتَاجَ الرَّجُلُ إلَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ غَلَّةِ الْغُلَامِ شَيْئًا فَسَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ صَاحِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّتِهِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: دَعَوَا الصَّدَقَةَ وَالْعَتَاقَةَ لِيَوْمِهِمَا.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي الْفَرَسِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَقَامُوهَا لِلْبَيْعِ - وَكَانَتْ تُعْجِبُ زَيْدًا - فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْتَرِيَهَا.
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْفَرَسِ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ وَأَضَرَّ بِهِ وَعَرَضَهُ لِلْبَيْعِ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ أَفَأَشْتَرِيهِ؟ فَقَالَ: لَا وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ إنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ، لَا مِنْ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
[تَصَدَّق بِصَدَقَةِ وَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَأَرَادَ الْمُتَصَدِّق عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهَا]
فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَرْضِيُّ بِالصَّدَقَةِ وَيَجْعَلُهَا لَهُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَيُرِيدُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ تَصَدَّقْتُ عَلَى رَجُلٍ بِدَرَاهِمَ، وَالرَّجُلُ الَّذِي تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَيْهِ
مَرَضِيٌّ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ بِسَفِيهٍ وَلَا مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَتَصَدَّقْتُ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ وَجَعَلْتهَا عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعِي حِينَ تَصَدَّقْتُ، فَجَعَلْتُهَا عَلَى يَدَيْ مَنْ أَعْلَمْتُك - وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَعْلَمُ ذَلِكَ - فَلَمْ يَقُمْ عَلَى صَدَقَتِهِ حَتَّى مِتُّ أَنَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا بَعْدَ مَوْتِي أَمْ قَدْ صَارَتْ لِوَرَثَتِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُزْ صَدَقَتَهُ؟ .
قَالَ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى الَّذِي جَعَلَهَا عَلَى يَدَيْهِ أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِي، فَلِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَ صَدَقَتَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ لَوْ شَاءَ أَخَذَ صَدَقَتَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَهَا فِي يَدَيْ رَجُلٍ قَدْ حَازَهَا لَهُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَمَا تَصَدَّقَ بِهَا وَجَعَلَهَا عَلَى يَدَيْ هَذَا الَّذِي حَازَهَا لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الصَّدَقَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الَّذِي جَعَلَهَا عَلَى يَدَيْهِ أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ مَا أَخْبَرْتُكَ فَلَا صَدَقَةَ لَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الدَّنَانِيرَ يُفَرِّقُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يَدْفَعُهَا إلَى الْمَسَاكِينِ - وَالدَّافِعُ صَحِيحٌ سَوِيٌّ - فَلَا يُقَسِّمْهَا الَّذِي أُعْطِيهَا حَتَّى يَمُوتَ الَّذِي أَعْطَاهَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ دَفَعَهَا إلَى مَنْ أَمَرَهُ بِتَفْرِيقِهَا فَقَدْ جَازَتْ وَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ حِينَ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِتَفْرِقَتِهَا، فَمَا بَقِيَ مِنْهَا يَوْمَ يَمُوتُ الْمُعْطِي رَدَّهُ إلَى الْوَرَثَةِ وَلَا يُنْفِقُهُ فِيهَا مَا أَمَرَهُ بِهَا.
فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ لِلْوَرَثَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَحْبِسُ الْحَبْسَ فَيَجْعَلُهُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَبَسَ عَلَيْهِمْ كِبَارًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحْبَاسَ مَنْ مَضَى عُمْرَى وَغَيْرَهُ إنَّمَا كَانَتْ فِي يَدَيْ مَنْ جَعَلُوهَا عَلَى يَدَيْهِ يُجْرُونَ غَلَّتَهَا فِيمَا أُمِرُوا بِهَا فَكَانَتْ جَائِزَةً وَكَانَتْ مَقْبُوضَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَمَا يَشْتَرِي النَّاسُ فِي حَجِّهِمْ مِنْ الْهَدَايَا لِأَهْلِهِمْ مِثْلَ الثِّيَابِ كِسْوَةً لِأَهْلِهِ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَلَدِهِ.
قَالَ: إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ رَأَيْتُهُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَهُوَ مِيرَاثٌ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: وَالرَّجُلُ يَبْعَثُ بِالْهَدِيَّةِ أَوْ بِالصِّلَةِ إلَى الرَّجُلِ وَهُوَ غَائِبٌ، فَيَمُوتُ الَّذِي بَعَثَ بِهَا أَوْ الَّذِي بُعِثَتْ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ بَعَثَهَا عَلَى إنْفَاذِهَا فَمَاتَ الْبَاعِثُ بِهَا فَهِيَ لِلَّذِي بُعِثَ إلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي بُعِثَ إلَيْهِ بَعْدَمَا أَنَفَذَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَهِيَ لِوَلَدِ الْمَبْعُوثِ بِهَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ الْبَاعِثَ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَهَا فَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَضِلَّ فَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الْبَاعِثِ أَوْ وَرَثَتِهِ.
ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ إلَى صَاحِبِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا، فَأَلْفَاهُ رَسُولُهُ قَدْ مَاتَ وَقَدْ كَانَ حَيًّا يَوْمَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَطَلَبهَا وَرَثَتُهُ وَقَالَ الْمُتَصَدِّقُ: إنَّمَا أَرَدْت بِهَا صِلَتَهُ.
قَالَ: إنْ كَانَ تَصَدَّقَ وَأَشْهَدَ عَلَى صَدَقَتِهِ - وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ حَيٌّ - ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُ الصَّدَقَةُ، فَقَدْ ثَبَتَ لِلَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا فِيهَا رُجُوعٌ وَقَدْ انْبَتَّتْ مِنْهُ.
[فِي الدَّعْوَى فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْحَائِطِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْحَائِطِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ فَقَالَ الْمُتَصَدِّقُ: إنَّمَا تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِ بِالْحَائِطِ دُونَ الثَّمَرَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْحَائِطِ مِنْ حِينِ تُؤَبَّرُ الثَّمَرَةُ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ؟
قَالَ: لَا وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَهَبُ النَّخْلَ لِلرَّجُلِ وَفِيهِ ثَمَرٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أُبِّرَتْ رَأَيْتُ الْقَوْلَ فِيهَا قَوْلَ الْوَاهِبِ فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا وَهَبْتُ النَّخْلَ وَحْدَهَا وَاحْتَبَسْتُ الثَّمَرَةَ فَذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مُصَدَّقٌ.
قُلْتُ: فَكَيْفَ يَكُونُ وَجْهُ الْحِيَازَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي إذَا حَازَ النَّخْلَ فَهِيَ حِيَازَةٌ وَإِنْ كَانَ رَبُّهَا يَسْقِيهَا لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ خُلِّيَ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَيْنَ سَقْيِهَا، فَإِنَّ حِيَازَةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ النَّخْلَ حِيَازَةٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَحُدُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحِيَازَةِ شَيْئًا.
[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ النَّخْلَ لِلرَّجُلِ وَيَشْتَرِطُ ثَمَرَتَهَا لِنَفْسِهِ سِنِينَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ نَخْلًا لِرَجُلٍ وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ ثَمَرَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَ سَلَّمَ النَّخْلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَسْقِيهَا بِمَاءِ نَفْسِهِ وَلِلْوَاهِبِ ثَمَرَتُهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: اسْقِهَا إلَى عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ هِيَ لَكَ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَتَسْلَمُ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ لَا.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْفَرَسَ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، يُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْفَرَسُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، ثُمَّ هُوَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَكَرِهَهُ وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْلَ السَّنَتَيْنِ أَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ بَاطِلًا؟ قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا غَرَرٌ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي النَّخْلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَتْ النَّخْلُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ، فَإِنَّمَا هَذَا رَجُلٌ وَهَبَ نَخْلَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ سُلِّمَتْ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَمُتْ رَبُّهَا وَلَمْ يَلْحَقْهُ دَيْنٌ، فَلَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا فَيَأْخُذَهَا، وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي رَجُلِ أَتَى قَوْمًا فَأَعْطَوْهُ إلَى الْعَطَاءِ وَكَتَبُوا لَهُ وَدَفَعُوا إلَيْهِ الْكِتَابَ فَبَلَغَ مَا أَعْطَى فَنَزَعَ رِجَالٌ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَائِزَةٌ، لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْفَرَسِ عَارِيَّةٌ لَكَ سِنِينَ: إنَّ شَرْطَهُ لَيْسَ مِمَّا يُبْطِلُ عَطِيَّتَهُ لَهُ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: هَذَا الْفَرَسُ عَارِيَّةٌ لَك سِنِينَ تَرْكَبُهُ ثُمَّ هُوَ لِفُلَانٍ بَعْدَك بَتْلًا، فَيَتْرُكُ الْمُعَارُ عَارِيَّتَهُ لِصَاحِبِ الْبَتْلِ: إنَّ حَقَّهُ يَجِبُ، وَتَصِيرُ الْفَرَسُ لَهُ.
فَهُوَ إذَا جَعَلَهُ عَارِيَّةً ثُمَّ صَيَّرَهُ إلَيْهِ سَقَطَتْ الْعَارِيَّةُ وَوَجَبَتْ الرَّقَبَةُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا خَطَرٌ
[فِي صَدَقَةِ الْبِكْرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ الَّتِي تَزَوَّجَتْ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا، أَتَجُوزُ لَهَا صَدَقَتُهَا أَوْ عِتْقُهَا فِي ثُلُثِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لَهَا شَيْءٌ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ إنْ عُلِمَ مِنْهَا صَلَاحٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ بِهَا، هَلْ يُوَقِّتُ لَهَا مَالِكٌ وَقْتًا يَجُوزُ إلَيْهِ صَنِيعُهَا فِي ثُلُثِهَا؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا وَقْتُهُ دُخُولُهُ بِهَا إذَا كَانَتْ مُصْلِحَةً.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا دَخَلَ بِهَا وَعَرَفَ مِنْ صَلَاحِهَا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةٍ مَوْهِبَةٌ لِزَوْجِهَا وَلَا لِغَيْرِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مَا يَنْقُصُهَا وَمَا يَزِيدُهَا.
ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُعْطِي زَوْجَهَا أَوْ تَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ أَوْ تُعْتَقُ.
.
قَالَ يَحْيَى: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِسَفِيهَةٍ وَلَا ضَعِيفَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهَا.
ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ رَبِيعَةُ: وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَعْطَتْ وَهِيَ فِي سِتْرِهَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ إذَا بَرَزَتْ.
فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرِّضَا لِمَا أَعْطَتْ بَعْدَ أَنْ يَبْرُزَ وَجْهُهَا بِهَا فَعَطَاؤُهَا جَائِزٌ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ رُدَّ عَلَيْهَا مَا أَعْطَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]
[اسْتَوْدَعَ رَجُل مَالًا فَدُفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ]