ِ بَابُ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِجَرِيرَتِهِ لَيْسَ إسْلَامُهُ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ فِي جِنَايَتِهِ، بِمَنْزِلَةِ إسْلَامِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْمُدَبَّرِ.
كُلَّمَا جَنَى يَدْخُلُونَ جَمِيعُهُمْ فِي خِدْمَتِهِ، وَالْعَبْدُ كُلَّمَا جَنَى يُدْفَعُ بِجِنَايَتِهِ، ثُمَّ مَا جَنَى بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ بِجِنَايَتِهِ أَيْضًا إذَا أَبَى أَنْ يَفْتَدِيَهُ الَّذِي هُوَ لَهُ بِجِنَايَتِهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جِنَايَةَ أُمِّ الْوَلَدِ، عَلَى مَنْ هِيَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُخْرِجَ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا فَيُخْرِجَ الْأَقَلَّ.
قُلْتُ: فَإِنْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ ثُمَّ جَنَتْ ثُمَّ جَنَتْ، فَلَمْ يُحْكَمْ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى قَامُوا عَلَيْهِ جَمِيعُهُمْ، وَجِنَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا؟
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَتَهَا، لَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، يَتَحَاصُّونَ فِي قِيمَتِهَا، يَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قِيمَتِهَا بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ
قُلْتُ: فَإِنْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ ثُمَّ حُكِمَ عَلَى السَّيِّدِ بِالْجِنَايَةِ فَأَخْرَجَ قِيمَتَهَا ثُمَّ جَنَتْ أَيْضًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخْرِجَ جِنَايَتَهَا أَيْضًا - عِنْدَ مَالِكٍ - مَرَّةً أُخْرَى إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ جَنَتْ جِنَايَةً ثُمَّ جَنَتْ ثُمَّ جَنَتْ، فَقَامَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْجِنَايَةِ فَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَى السَّيِّدِ بِقَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ فِي قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ مَعَ اشْتِرَاكِهِ ثُمَّ قَامَ الثَّانِي عَلَيْهِ؟
قَالَ: يَحْكُمُ لَهُ أَيْضًا يَوْمَ يَقُومُ بِقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَصِيرُ لَهُ مِنْ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ يَوْمَ تُقَوَّمُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ جِنَايَةٍ كَانَتْ جَنَتْهَا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى سَيِّدِهَا بِالْجِنَايَةِ، فَجَمِيعُهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي قِيمَتِهَا - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَكُلُّ جِنَايَةٍ كَانَتْ جَنَتْهَا بَعْدَمَا حَكَمَ السُّلْطَانُ بِالْقِيمَةِ عَلَى السَّيِّدِ، فَجِنَايَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخْرِجَ إلَّا قِيمَةً وَاحِدَةً مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ وَلَدِي إذَا جَنَتْ جِنَايَةً، ثُمَّ جُنِيَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا، فَأَخَذْتُ لِذَلِكَ أَرْشًا.
مَا يَكُونُ عَلَيَّ؟ أَقِيمَتُهَا مَعِيبَةً أَوْ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً؟
قَالَ: بَلْ قِيمَتُهَا مَعِيبَةً يَوْمَ يَحْكُمُ فِيهَا مَعَ الْأَرْشِ الَّذِي أَخَذَهُ السَّيِّدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ دِيَةُ الْجِنَايَةِ الَّتِي جَنَتْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا مَعِيبَةً مَعَ الْأَرْشِ الَّذِي أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِمَّا جُنِيَ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ.
كَالْعَبْدِ إذَا جَنَى جِنَايَةً ثُمَّ جُنِيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ سَيِّدُهُ لَهُ أَرْشًا، إنَّهُ يُخَيَّرُ فِي إسْلَامِهِ، وَمَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِهِ أَوْ يَفْتَدِيَهُ بِمَا جَنَى.
وَهَذَا إذَا كَانَ مَا أَخَذَ لَهَا مِنْ الْأَرْشِ أَوْ أَخَذَ فِي أَرْشِ الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ دِيَةِ مَا جَنَوْا فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَ لَهُمْ فِي دِيَةِ جِنَايَاتِهِمْ مِثْلَ مَا جَنَوْا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ خِيَارُ السَّيِّدِ وَقِيلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: خُذْ مِنْ دِيَةِ جِنَايَاتِهِمْ مِثْلَ دِيَةِ مَا جُنِيَ عَلَيْكَ، وَيُبْقُوا مَا بَقِيَ مِنْ دِيَةِ جِنَايَاتِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ رَقِيقًا.
[أُمِّ الْوَلَدِ تَقْتُلُ رَجُلًا عَمْدًا فَيَعْفُو عَنْهَا أَوْلِيَاءُ الْعَمْدِ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا الْقِيمَةَ]
فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَقْتُلُ رَجُلًا عَمْدًا فَيَعْفُو عَنْهَا أَوْلِيَاءُ الْعَمْدِ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا الْقِيمَةَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ قَتَلَتْ رَجُلًا عَمْدًا، فَعَفَا أَوْلِيَاءُ الدَّمِ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى أَنْ
يَأْخُذُوا الْقِيمَةَ مِنْ السَّيِّدِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى لَهُمْ عَلَى السَّيِّدِ شَيْئًا إذَا أَبَى ذَلِكَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْحُرِّ إذَا عُفِيَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَتْبَعُوهُ بِالْجِنَايَةِ فَأَبَى، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَتَلُوهُ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَعْفُوَا عَنْهُ عَفَوَا، وَهَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَتِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ عَفَوْا عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا قِيمَتَهَا مِنْ السَّيِّدِ، فَأَبَى السَّيِّدُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُمْ الْقِيمَةَ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا، وَأَرَى لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهَا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا عَفَوْا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ السَّيِّدُ قِيمَتَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ رَجَعُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ مِنْ الدَّمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ عَفَوْا عَنْ الْقَاتِلِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ الدِّيَةَ فَأَبَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ أُمُّ الْوَلَدِ كَالْحُرِّ، إنَّمَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَبْدِ.
فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخْرِجَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَغَيْرُ أَشْهَبَ أَيْضًا يَقُولُهُ وَهُوَ رَأْيِي سَحْنُونٌ: وَكَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ فِي الْحُرِّ: إنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُهُ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَلَا يُقْتَلُ.
[أُمّ الْوَلَد أوالمدبرة تجرح رَجُلًا عَمْدًا فيعفو أولياء الدَّم عَلَى أَنْ يَكُون لَهُمْ رقبتها]
فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ تَجْرَحُ رَجُلًا عَمْدًا فَيَعْفُو أَوْلِيَاءُ الدَّمِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَقَبَتُهَا قُلْتُ: فَإِنْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ الْمُدَبَّرَةُ جِنَايَةً عَمْدًا، ثُمَّ عَفَا أَوْلِيَاءُ الدَّمِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَقَبَةُ الْمُدَبَّرَةِ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ رَضِيَ السَّيِّدُ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ رَقَبَةَ الْمُدَبَّرِ فِي جِنَايَتِهِ، وَلَا رَقَبَةَ أُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ، فَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُدَبَّرَ إذَا قَتَلَ عَمْدًا، فَعَفَا أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا خِدْمَتَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَ السَّيِّدُ خِدْمَتَهُ بِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ مَا أَخْبَرْتُكَ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ الْمُدَبَّرِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ.
[أُمِّ الْوَلَدِ تَقْتُلُ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ تَلِدُ بَعْدَمَا جَرَحَتْ]
فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَقْتُلُ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ تَلِدُ بَعْدَمَا جَرَحَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ قَتِيلًا خَطَأً فَوَلَدَتْ بَعْدَمَا قَتَلَتْ، ثُمَّ قَامَ وَلِي الْجِنَايَةِ، أَيَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَتَهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا أَوْ قِيمَتُهَا وَحْدَهَا؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا وَاَلَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ.
وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا، إنَّهُ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ إلَّا قِيمَةُ الْأُمِّ.
[أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ تَمُوتُ أَوْ يَمُوتُ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ]
فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ تَمُوتُ أَوْ يَمُوتُ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ جِنَايَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى سَيِّدِهَا، أَيَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مَنْ جِنَايَةٍ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَا مَالَ لَهُ، أَيَكُونُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ مَا غَصَبَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ؟
قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْجِنَايَاتِ، إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَلَمْ يَدَعْ مَالًا إنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ.
فَإِنْ أَصَابُوا لِلسَّيِّدِ شَيْئًا اقْتَضَوْا حُقُوقَهُمْ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قُيِّمَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَا فِي مَالِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَإِلَّا أُتْبِعَتْ بِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَهُ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ لَفْظًا.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَالْجِنَايَةُ وَالْغَصْبُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا ذَلِكَ إذَا قَامُوا عَلَى السَّيِّدِ وَهُوَ حَيٌّ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَهِيَ عِنْدَهُ، فَلَوْ قَامُوا وَقَدْ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقُومُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا هِيَ إذَا قَامُوا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا هِيَ الْجَانِيَةُ فَذَلِكَ عَلَيْهَا.
[إخْرَاجِ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ]
فِي إخْرَاجِ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّيِّدَ إذَا أَخْرَجَ قِيمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ، إنْ كَانَ أَخْرَجَهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، أَهُوَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقُلْ لَنَا مَالِكٌ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ عِنْدنَا كُلُّهُ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يُخْرِجُ السَّيِّدُ قِيمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ قِيمَتَهَا أَمَةً.
قُلْتُ: أَقِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ أَمْ قِيمَةُ أَمَةٍ؟
قَالَ: بَلْ قِيمَةُ أَمَةٍ إنْ لَوْ كَانَتْ تُبَاعُ لَيْسَ قِيمَتُهَا أُمَّ وَلَدٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَتُقَوَّمُ بِمَالِهَا أَمْ بِغَيْرِ مَالِهَا؟ قَالَ: بَلْ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا سَحْنُونٌ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: تُقَوَّمُ بِمَالِهَا وَأَشْهَبُ يَقُولُ: إنَّمَا تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا.
[إلْزَامِ أُمِّ الْوَلَدِ مَا وَطِئَتْ بِدَابَّتِهَا أَوْ حَفَرَتْ حَيْثُ لَا يَنْبَغِي لَهَا]
فِي إلْزَامِ أُمِّ الْوَلَدِ مَا وَطِئَتْ بِدَابَّتِهَا أَوْ حَفَرَتْ حَيْثُ لَا يَنْبَغِي لَهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ وَطِئَتْ بِدَابَّتِهَا أَوْ حَفَرَتْ حَيْثُ لَا يَنْبَغِي لَهَا فَعَطِبَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، أَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ يُخْرِجُ قِيمَتَهَا أَوْ يُخْرِجُ الْأَقَلَّ مِنْهَا، فَهَذَا كُلُّهُ جِنَايَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ الْعَبِيدِ، فَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ جِنَايَةٌ أَيْضًا عِنْدِي.
[أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً وَعَلَى سَيِّدهَا دَيْنٌ]
فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً، وَعَلَى سَيِّدهَا دَيْنٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ وَعَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ، أَيَتَحَاصُّونَ فِي مَالِ السَّيِّدِ الَّذِي جَنَتْ عَلَيْهِمْ أُمُّ الْوَلَدِ وَغُرَمَاءُ السَّيِّدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا جَنَى الرَّجُلُ الْحُرُّ فَأَهْلُ جِنَايَتِهِ وَأَهْلُ دَيْنِهِ يَتَحَاصُّونَ فِي مَالِهِ، فَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ.
[الْجِنَايَةِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ]
فِي الْجِنَايَةِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جِرَاحَاتِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا جُنِيَ عَلَيْهَا، لِمَنْ تَكُونُ؟
قَالَ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ أَمَةَ رَجُلٍ نَفْسَهَا، أَوْ أُمَّ وَلَدِ رَجُلٍ غَصَبَهَا نَفْسَهَا، أَيُجْعَلُ عَلَى الْغَاصِبِ الصَّدَاقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ غَصَبَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً فَإِنَّمَا هُنَّ مَحْمَلُ الْإِمَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ، عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَعَلْتَ عَلَى هَذَا الْغَاصِبِ مِنْ نُقْصَانِ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ أَوْ الْمُكَاتَبَةِ، لِمَنْ تَجْعَلُهُ أَلِلسَّيِّدِ أَمْ لَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِلسَّيِّدِ إلَّا فِي الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا جِنَايَةً كُلُّ ذَلِكَ لِسَيِّدِهَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ لَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا لَكَانَ لِسَيِّدِهَا عِنْدَ مَالِكٍ.
فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي نَقَصَهَا مِنْ وَطْءِ هَذَا الْغَاصِبِ إنَّمَا يُحْمَلُ مَحْمَلَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ.
فَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً أَخَذَهُ سَيِّدُهَا وَقَاصَّهَا بِهِ فِي آخِرِ نُجُومِهَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِيمَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، إنَّ سَيِّدَهَا يَأْخُذُهُ وَيُقَاصُّهَا فِيمَا أَخَذَ فِي آخَرَ نَجْمٍ مِنْ كِتَابَتِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ فِي الْجِنَايَةِ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ مَالِكٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَخْذُ مَا جُنِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ اسْتِهْلَاكَهُ فَيَرْجِعُ مَعِيبًا إلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ أَتْلَفَ مَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْمُدَبَّرِ إذَا قُتِلَ أَوْ جُرِحَ أَوْ أَصَابَهُ مَا يَكُونُ لِذَلِكَ عَقْلٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَوَّمُ قِيمَةَ عَبْدٍ وَلَا يُقَوَّمُ قِيمَةَ مُدَبَّرٍ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَقَةِ إلَى سِنِينَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا فَلَمْ يَنْقُصْهَا ذَلِكَ: إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ إلَّا الْحَدُّ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: جِرَاحُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ جِرَاحَ أَمَةٍ، فَكَذَلِكَ هِيَ فِي كُلِّ حَالَاتِهَا يَكُونُ عَلَى غَاصِبِهِنَّ مَا يَكُونُ عَلَى غَاصِبِ الْأَمَةِ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي عَبْدٍ افْتَضَّ أَمَةً فَذَهَبَ بِعُذْرَتِهَا.
قَالَ يَغْرَمُ لِأَهْلِهَا مَا بَيْنَ ثَمَنِهَا بِكْرًا وَثَمَنِهَا ثَيِّبًا.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: رَأَيْتُ عَبْدًا أَسْوَدَ افْتَضَّ جَارِيَةً حُرَّةً فِي عَهْدِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَقَضَى أَبَانُ بِالْعَبْدِ لِلْجَارِيَةِ.
[جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى سَيِّدِهَا وَالْمُعْتَقِ إلَى سِنِينَ وَالْمُدَبَّرِ]
فِي جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى سَيِّدِهَا وَالْمُعْتَقِ إلَى سِنِينَ وَالْمُدَبَّرِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ عَلَى سَيِّدِهَا، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا أَرَى عَلَيْهَا شَيْئًا.
قُلْتُ: فَالْمُعْتَقُ إلَى سِنِينَ إذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ؟ قَالَ: سَبِيلُهُ عِنْدِي سَبِيلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْمُدَبَّرِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُدَبَّرَ إذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ وَعَلَى أَجْنَبِيٍّ؟
قَالَ: يَخْتَدِمَانِهِ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَإِنْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، فَلَمَّا أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الْجِنَايَتَيْنِ أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُمَا إذَا اجْتَمَعَتَا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَلِمَ لَا يَلْزَمُ عَبْدِي مَا جَنَى عَلَيَّ؟
قَالَ: لِأَنَّ عَبْدَكَ لَيْسَ فِيهِ عِتْقٌ وَالْمُدَبَّرُ فِيهِ عِتْقٌ.
قُلْتُ: فَأُمُّ الْوَلَدِ فِيهَا عِتْقٌ، فَمَا تَقُولُ فِي جِنَايَتِهَا عَلَى سَيِّدِهَا؟
قَالَ: أُمُّ الْوَلَدِ لَيْسَتْ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمُدَبَّرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ إنَّمَا يَلْزَمُ السَّيِّدُ جِنَايَتَهَا، وَالْمُدَبَّرُ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ جِنَايَتُهُ، إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي خِدْمَتِهِ، وَمَا بَقِيَ فَفِي ذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرَ الْمُدَبَّرَ.
[مَا اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ وَمَا جَنَتْ]
فِيمَا اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ وَمَا جَنَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَمَا جَنَتْ، أَهُوَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَهْلَكَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ أُمُّ الْوَلَدِ فَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ جَنَتْ جِنَايَةً تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، أَيَكُونُ الْفَضْلُ عَلَى سَيِّدِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ إلَّا قِيمَتُهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا: لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ إلَّا قِيمَتُهَا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً إنَّمَا كَانَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُسْلِمَهَا، فَإِذَا أَخْرَجَ قِيمَتَهَا فَكَأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَهَا.
قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ الْفَضْلُ إذَا أُعْتِقَتْ؟
قَالَ: لَا، لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً أُسْلِمَتْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إنْ أُسْلِمَتْ ثُمَّ أُعْتِقَتْ يَوْمًا فَضْلُ الْجِنَايَةِ، فَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا أُسْلِمَ قِيمَتُهَا، فَكَأَنَّهَا قَدْ أُسْلِمَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْ الْفَضْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ الْأَمْوَالِ - غَصَبَتْهُ أَوْ اخْتَلَسَتْهُ - أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ فِي رَقَبَتِهَا؟ وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: أَخْرِجْ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا وَجَبَ فِي رَقَبَتِهَا مِنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهَا - عِنْدَ مَالِكٍ - عَلَى السَّيِّدِ يُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا فَيُخْرِجَ الْأَقَلَّ وَهَذَا وَجِنَايَتُهَا عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ.
[جِنَايَةِ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ]
فِي جِنَايَةِ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ قُلْتُ: فَإِنْ جَنَى وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ جِنَايَةً، أَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: أَخْرِجْ قِيمَتَهُ أَيْضًا؟ قَالَ: لَا
وَلَيْسَ هُوَ كَأُمِّهِ، وَيُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْتَكَّهُ أَوْ يُسْلِمَهُ فَيُخْتَدَمَ بِدِيَةِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَفْتَكَّهُ.
فَإِنْ أَسْلَمَهُ اخْتَدَمَهُ الْمَجْرُوحُ، فَإِنْ أَدَّى - وَسَيِّدُهُ حَيٌّ - رَجَعَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى يَمُوتَ سَيِّدُهُ عَتَقَ وَأُتْبِعَ بِمَا بَقِيَ مِنْ دِيَةِ جِنَايَتِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ بَعْدَمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، فَجَنَى وَلَدُهَا جِنَايَةً.
مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ؟ وَالْجِنَايَةُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلُّ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ افْتَكَّهُ كَانَ بِحَالَتِهِ الْأُولَى.
فَإِنْ أَسْلَمَهُ اخْتَدَمَهُ الْمَجْرُوحُ بِدِيَةِ جُرْحِهِ وَقَاصَّهُ بِخِدْمَتِهِ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ دِيَةَ جُرْحِهِ عَتَقَ وَكَانَ مَا بَقِيَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَجْرُوحُ دِيَةَ جُرْحِهِ رَجَعَ إلَى سَيِّدِهِ فَاخْتَدَمَهُ بِحَالَتِهِ الْأُولَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِيمَا جَنَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ: أَسْلِمُوا إلَيَّ خِدْمَةَ هَؤُلَاءِ حَتَّى أَقْتَضِي حَقِّي.
أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يُسْلِمُهُمْ أَوْ يَفْتَكُّهُمْ سَيِّدُهُمْ بِدِيَةِ الْجِنَايَةِ
[جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ]
فِي جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أُمَّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ إذَا جَنَتْ، مَا الْقَوْلُ فِيهَا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَكَّهَا بِقِيمَتِهَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا الَّذِي هُوَ أَدْنَى، فَإِنْ أَبَى أَسْلَمَهَا بِجِنَايَتِهَا، وَكَانَتْ أَمَةً لِلَّذِي أُسْلِمَتْ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا لَمْ أَمْنَعْهُ مِنْ بَيْعِهَا.
قُلْتُ: وَتَكُونُ رَقِيقًا لِلَّذِي أُسْلِمَتْ إلَيْهِ وَلِلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الذِّمِّيِّ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَتْ لَهُ مِلْكًا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا.
[دَيْنِ أُمِّ الْوَلَدِ]
فِي دَيْنِ أُمِّ الْوَلَدِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَذِنَ لِأُمِّ وَلَدِهِ فِي التِّجَارَةِ، فَتَجِرَتْ فَلَحِقَهَا دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ أَمْ فِي ذِمَّتِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، مَا لَحِقَهُ مِنْ دَيْنٍ فِي تِجَارَتِهِ تِلْكَ إنَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ لَيْسَ فِي رَقَبَتِهِ، فَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ.
[الْقَوَدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ]
فِي الْقَوَدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ، وَلَا تُقَادُ الْأَمَةُ مِنْ الْحُرَّةِ، وَلَا يُقَادُ الْحُرُّ مَنْ الْعَبْدِ، وَلَا الْحُرَّةُ مِنْ الْأَمَةِ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ الْعَبْدُ الْحُرَّ فَيُقْتَلَ بِهِ إنْ شَاءَ وُلَاةُ الْحُرِّ.
وَإِنْ اسْتَحْيَوْهُ فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَسْلَمَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالدِّيَةِ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَوَدَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ الْحُرَّ عَمْدًا قُتِلَ
بِهِ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: وَلَا يُقَادُ حُرٌّ مِنْ عَبْدٍ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ.
وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ قَتْلَ حِرَابَةٍ أَوْ تَلَصُّصٍ أَوْ قَطْعِ سَبِيلٍ - قُتِلَ بِهِ، كَانَ أَمْرُ ذَلِكَ عَلَى مَنْزِلَةِ الْحِرَابَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: الْعَبْدُ يَشُجُّ الْحُرَّ أَوْ يَفْقَأُ عَيْنَهُ فَيُرِيدُ الْحُرُّ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ الْعَبْدِ؟ قَالَ: لَا يَسْتَقِيدُ حُرٌّ مِنْ عَبْدٍ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَّا الْحُرُّ فَإِنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْ الْعَبْدِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ الْعَبْدُ فَيُقْتَلَ بِهِ.
قَالَ: وَلَا يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحَاتِ.
الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ قِصَاصٌ فِي الْجِرَاحِ.
وَإِنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فَعَقْلُ الْعَبْدِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ وَجِرَاحُهُ مِنْ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ، وَإِذَا جَرَحَ الْحُرُّ الْعَبْدَ انْتَظَرَ بِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، فَيُقَوَّمَ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَيُقَوَّمَ وَهُوَ مَجْرُوحٌ، فَيَرُدَّ الْجَارِحُ عَلَى صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ.
يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا الْحُرُّ فَإِنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ الْعَبْدَ فَيُقْتَلَ بِهِ، وَلَا يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ فِي شَيْءٍ.
وَمَا جَرَحَ الْعَبْدُ الْحُرَّ مِنْ جُرْحٍ، فَإِنَّ فِيهِ الْعَقْلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُحِيطَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ سِوَى رَقَبَةِ عَبْدِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ جَرَحَ الْعَبْدُ الْعَبْدَ خَطَأً، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُحِيطَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَارِحِ.
فَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ إلَّا أَنَّ سَيِّدَ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُ الْقَاتِلَ إنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَ هُوَ وَسَادَةُ الْعَبْدِ عَلَى مَا رَضُوا بِهِ كُلُّهُمْ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَا يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ وَيُقَادُ الْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي الْقَتْلِ، وَلَا يُقَادُ الْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي الْجِرَاحِ وَلَا يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ فِي الْجِرَاحِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنٌ أَنَّ أَمَةً عَضَّتْ أُصْبُعَ مَوْلًى لِبَنِي أَبِي زَيْدٍ فَضَمُرَتْ فَمَاتَ، وَاعْتَرَفَتْ الْجَارِيَةُ بِعَضَّتِهَا إيَّاهُ.
فَقَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَنْ يَحْلِفَ بَنُو أَبِي زَيْدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدَّدُ عَلَيْهِمْ لَمَاتَ مِنْ عَضَّتِهَا، ثُمَّ الْأَمَةُ لَهُمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُمْ إنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا.
[الْأَمَةِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا فَتَحْمِلُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ]
فِي الْأَمَةِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا فَتَحْمِلُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَمَةً جَنَتْ ثُمَّ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا فَحَمَلَتْ، وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ لَهُ مَالٌ، عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ عَلَى سَيِّدِهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ دِيَةُ الْجُرْحِ.
فَإِنْ عَلِمَ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ دِيَةُ الْجِرَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُسْلِمَتْ إلَى الْمَجْرُوحِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي وَلَدِهَا شَيْءٌ، لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَمَا جَرَحَتْ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا فِي دِيَةِ الْجُرْحِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَجْرُوحِ فِي الْوَلَدِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ إذَا جَرَحَتْ: إنَّ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْجُرْحِ فَلَا يَدْخُلُ فِي جِنَايَتِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَنَتْ جَارِيَةٌ عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً ثُمَّ وَطِئَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمَلَتْ مِنْهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ عَلِمَ
بِالْجِنَايَةِ - وَكَانَ لَهُ مَالٌ - غَرِمَ قِيمَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُسْلِمَتْ إلَى أَهْلِ الْجِنَايَةِ وَكَانَ الْوَلَدُ وَلَدَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ رَأَيْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ وَيُتْبَعَ بِقِيمَتِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ فَيُتْبَعَ بِذَلِكَ دَيْنًا.
وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، وَتَرَكَ جَارِيَةً وَتَرَكَ ابْنًا، فَوَطِئَ الِابْنُ الْجَارِيَةَ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، إنَّهُ كَانَ عَلِمَ بِدَيْنِ أَبِيهِ وَبَادَرَ الْغُرَمَاءَ، رَأَيْتُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُسْلِمَتْ إلَى الْغُرَمَاءِ فَبَاعُوهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِدَيْنِ أَبِيهِ رَأَيْتُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلِابْنِ، وَرَأَيْتُ أَنْ يُتْبَعَ بِقِيمَتِهَا، فَهَذَا مِثْلُ مَسْأَلَتِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، مَتَى تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا إذَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا؟
قَالَ: يَوْمَ حَمَلَتْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ الْجَارِيَةُ إذَا جَنَتْ فَكَانَتْ مُرْتَهِنَةً بِجِنَايَتِهَا لِأَنَّ الْجِنَايَةِ فِي رَقَبَتِهَا، كَالْجَارِيَةِ الَّتِي هَلَكَ سَيِّدُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، إذَا وَطِئَهَا السَّيِّدُ وَالْجِنَايَةُ فِي رَقَبَتِهَا وَلَا عِلْمَ لَهُ وَلَا مَالَ لَهُ، إنَّ الْجِنَايَةَ أَمْلَكُ بِهَا وَتُسَلَّمُ إلَى الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا لَوْ بِيعَتْ - وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْجِنَايَةِ - فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَوْتًا يُبْطِلُ بِذَلِكَ حَقَّ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَنَّ الْوَرَثَةَ بَاعُوا وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِأَنَّ عَلَى أَبِيهِمْ دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، فَفَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِعِتْقٍ أَوْ بِاِتِّخَاذِهَا أُمَّ وَلَدٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَى رَدِّ الْعِتْقِ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا لَهُمْ الثَّمَنُ إنْ وَجَدُوهُ وَإِلَّا اتَّبَعُوا بِهِ مَنْ أَخَذَهُ.
[الْقِصَاصِ فِي جِرَاحِ الْعَبْدِ]
فِي الْقِصَاصِ فِي جِرَاحِ الْعَبْدِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقِصَاصِ فِي الْمَمَالِيكِ بَيْنَهُمْ كَهَيْئَتِهِ فِي الْأَحْرَارِ، نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ.
قَالَ: وَإِقَادَةُ الْعَبِيدِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ، إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَمْلُوكَيْنِ قَتَلَا مَمْلُوكًا عَمْدًا فَأَرَادَ وَلِيُّ الْمَمْلُوكِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمَا وَلَا يَقْتُلَهُمَا ابْنُ وَهْبٍ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إنْ قَتَلَهُمَا قَوَدًا خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَتْلِهِمَا، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِرْقَاقَهُمَا وَاسْتِحْيَاءَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ فِيهِمَا إلَّا ثَمَنُ مَا أَصَابَاهُ.
ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ اللَّيْثِ قَالَ: كَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ فِي مِائَةِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ وَقَعُوا عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَقَتَلُوهُ جَمِيعًا، فَمِنْهُمْ الْبَاطِشُ وَمِنْهُمْ الْآمِرُ، وَقَدْ قَامَتْ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ، فَدَفَعُوهُمْ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُمْ فَأَرَادَ اسْتِحْيَاءَهُمْ وَاسْتِرْقَاقَهُمْ قَالَ رَبِيعَةُ: إنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْيِيَهُمْ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الدِّيَةُ يَسْتَوْفِيهَا مِنْهُمْ فَقَطْ، وَإِنْ أَرَادَ قَتَلَهُمْ فَلَهُ دِمَاؤُهُمْ بِمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ صَاحِبِهِمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّمَ يُعَلَّقُ بِهِ مَنْ أَصَابَهُ، وَأَنَّ الدِّيَةَ لَا يُعَلَّقُ بِهَا الْمَالُ كُلُّهُ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي دَمِ صَاحِبِهِ إلَّا الْعَفْوُ إلَّا دِيَةٌ مَعْلُومَةٌ مُسَمَّاةٌ.
حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ شِمْرِ بْنِ نُمَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا جَنَى الْعَبْدُ فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ غُرْمٌ فَوْقَ رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْتَدِيَهُ افْتَدَاهُ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ
يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْعَبْدُ لَا يَغْرَمُ سَيِّدُهُ فَوْقَ نَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ دِيَةُ الْمَجْرُوحِ أَكْثَرَ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَلَا زِيَادَةَ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ قِصَاصًا فِي الْعَمْدِ أَنْفُسِهِمَا فَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ جِرَاحِهِمَا ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ ذَلِكَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يُقَادُ الْمَمْلُوكُ مِنْ الْمَمْلُوكِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ، فَإِنْ اصْطَلَحُوا فِيهِ عَلَى الْعَقْلِ فَقِيمَةُ الْمَقْتُولِ عَلَى أَهْلِ الْقَاتِلِ أَوْ الْجَارِحِ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: يُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْعَبْدِ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا وَيُقَادُ الْعَبْدُ مِنْ الْعَبْدِ فِي الْجِرَاحِ عَمْدًا، فَإِنْ قَبِلَ الْعَقْلُ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ عَقْلُ جِرَاحِ مَمْلُوكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ثَمَنِهِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ.
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا أُقِيدَ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَسْتَحْيِيَ الْعَبْدَ أَعْطَى قِيمَةَ عَبْدِهِ الْمَقْتُولِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحِبَّ أَهْلُهُ أَنْ يُسْلِمُوهُ بِجَرِيرَتِهِ وَأَهْلُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ أَمْلَكُ بِأَنْ يَفْتَدُوهُ بِعَقْلِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ أَوْ يُسْلِمُوا الْعَبْدَ الْقَاتِلَ بِجَرِيرَتِهِ إنْ شَاءُوا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي عَبْدٍ قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا: إنَّهُ يُسْلِمُ الْقَاتِلَ إلَى سَيِّدِ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْيِيَهُ فَيَكُونَ عَبْدًا لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِ سَيِّدِهِ.
[عَبْدَيْ الرَّجُلِ يَجْرَحُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ يَقْتُلُهُ]
فِي عَبْدَيْ الرَّجُلِ يَجْرَحُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ يَقْتُلُهُ قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْعَبْدَانِ فَيَجْرَحُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيُرِيدُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ لِعَبْدِهِ.
قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يُجِيزُ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ إلَّا السَّيِّدَ فِي أَمَتِهِ وَعَبْدِهِ إنْ زَنَيَا أَوْ شَرِبَا خَمْرًا، فَإِنْ سَرَقَا لَمْ يَقْطَعْهُمَا إلَّا السُّلْطَانُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْعَبْدَانِ، فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا يَقْتَصُّ مِنْهُ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ حَتَّى تَثْبُتَ الْبَيِّنَةُ، وَأَنَّ الْقَاتِلَ لَيْسَ يُقْتَلُ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَقْطَعُ إلَّا السُّلْطَانُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَطَعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فِي سَرِقَةٍ دُونَ السُّلْطَانِ، أَتُعْتِقُهُ عَلَيْهِ وَتَرَاهُ مِثْلَهُ؟
قَالَ: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ قَطَعُوا دُونَ السُّلْطَانِ، فَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ وَإِنْ قَطَعَ دُونَ السُّلْطَانِ.
وَإِنَّمَا زُجِرَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُمَثِّلَ أَحَدٌ بِعَبْدِهِ، فَيَدَّعِيَ السَّرِقَةَ فَيَجْتَرِئَ النَّاسُ مِنْ هَذَا عَلَى شَيْءٍ عَظِيمٍ، فَأَرَى أَنْ يُعَاقَبَ
عُقُوبَةً مُوجِعَةً إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقْتُلُ وَلِيَّهُ عَمْدًا فَيَعْدُو عَلَى قَاتِلِهِ فَيَقْتُلُهُ.
قَالَ: إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ إنْ عَفَا أَوْ الْقَتْلُ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتُلَ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَهُ لِئَلَّا يَجْتَرِئَ النَّاسُ عَلَى الْقَتْلِ فَالْقَطْعُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
[الْعَبْدِ يَقْتُلُهُ الْعَبْدُ أَوْ الْحُرُّ]
فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُهُ الْعَبْدُ أَوْ الْحُرُّ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الْعَبْدِ يُصَابُ بِالْجِرَاحِ أَنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنْهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ وَيُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: تُقَامُ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ ثُمَّ عَقْلُهُ فِي ثَمَنِهِ يَوْمَ يُصَابُ إنْ قُتِلَ أَوْ جُرِحَ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ قُسَيْطٍ مِثْلُهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ وَيُونُسَ عَنْ رَبِيعَةُ مِثْلُهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلُهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرٍ الْأَشَجِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: وَالْمَتَاعُ مِثْلُهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الرَّقِيقُ مَالٌ قِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ فِي نَفْسِهِ وَجِرَاحِهِ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ ابْنُ غَنْمٍ فَقُلْتُ لِمُعَاذٍ: إنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا تُجَاوِزْ دِيَةَ الْحُرِّ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنْ قَتَلَ فَرَسَهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ، إنَّمَا غُلَامُهُ مَالٌ فَهُوَ لَهُ قِيمَتُهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ إنَّمَا هُوَ مَالٌ وَإِنْ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: يُرَدُّ عَلَى السَّيِّدِ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ فِي دِيَةِ الْعَبْدِ ثَمَنَهُ وَإِنْ خَلَفَ دِيَةَ الْحُرِّ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا شُجَّ الْعَبْدُ مُوضِحَةً فَلَهُ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ ابْنُ وَهْبٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ اللَّيْثِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْجَائِفَةُ وَالْمَأْمُومَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْمُوضِحَةُ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَتِهِنَّ فِي دِيَةِ الْحُرِّ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: وَجِرَاحُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ يُقَامُ صَحِيحًا ثُمَّ يُقَامُ مَجْرُوحًا ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَيَغْرَمُهُ
الْجَارِحُ، لَا نَعْلَمُ شَيْئًا أَعْدَلَ مِنْ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ مِنْ أَجَلِ أَنَّ الْيَدَ مِنْ الْعَبْدِ وَالرِّجْلَ إذَا قُطِعَتَا تَدْخُلُ مُصِيبَتُهُمَا بِأَعْظَمَ مِنْ نِصْفِ ثَمَنِهِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ بَعْدُ ثَمَنٌ.
وَإِنَّ أُذُنَهُ تَدْخُلُ مُصِيبَتُهَا بِأَدْنَى مِنْ نِصْفِ ثَمَنِهِ إذَا كَانَ غُلَامًا يَنْسِجُ الدِّيبَاجَ أَوْ الطِّرَازَ وَكَانَ عَامِلًا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِهِ ثَمَنُهُ، فَإِذَا أُقِيمَتْ الْمُصِيبَةُ مَا بَلَغَتْ فَلَمْ يُظْلَمْ السَّيِّدُ، وَلَمْ يُظْلَمْ الْجَانِي لَهُ، إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُصِيبَةُ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ، لِأَنَّ مُوضِحَةَ الْعَبْدِ وَمُنَقِّلَتَهُ وَمَأْمُومَتَهُ وَجَائِفَتَهُ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ شَيْءٌ، فَإِنْ أُخِذْنَ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ قِيمَةٌ لِأَنَّهُنَّ لَا يَرْجِعْنَ بِمُصِيبَةٍ، وَلَا يَكُونُ فِيهِنَّ عَيْبٌ وَلَا نَقْصٌ إلَّا مَا ذُكِرَ لَهُ وَلَهُمَا مَوْضِعٌ مِنْ الرَّأْسِ وَالدِّمَاغِ.
فَرُبَّمَا أَفْضَى مِنْ الْعَظْمِ مِنْهُ إلَى النَّفْسِ فَيَرَى أَنْ يُجْعَلَ فِي ثَمَنِهِ عَلَى مِثْلِ حِسَابِهِ مِنْ عَقْلِ الْحُرِّ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا شَجَّ الْحُرُّ الْعَبْدَ مُوضِحَةً، فَلِسَيِّدِ الْعَبْدِ عَلَى الْحُرِّ الْجَارِحِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ يُصَابُ.
[الْعَبْدِ يُجْرَحُ أَوْ يُقْذَفُ فَيُقِرُّ سَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ]
فِي الْعَبْدِ يُجْرَحُ أَوْ يُقْذَفُ فَيُقِرُّ سَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدًا جَرَحَهُ رَجُلٌ أَوْ قَذَفَهُ فَيُقِرُّ سَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ عَامَ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْجِرَاحَةِ أَوْ قَبْلَ الْقَذْفِ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ عَلَى الْجِرَاحِ وَلَا عَلَى الْقَذْفِ - عِنْدَ مَالِكٍ - وَيَكُونُ جُرْحُهُ جُرْحَ عَبْدٍ وَتَكُونُ دِيَةُ الْجُرْحِ لِلْعَبْدِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَهُ الْعَامَ الْأَوَّلَ وَالسَّيِّدُ جَاحِدٌ، وَقَدْ جُرِحَ الْعَبْدُ أَوْ قُذِفَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْعَبْدِ يُجْرَحُ أَوْ يُقْذَفُ فَتَقُومُ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ سَيِّدَهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْجِرَاحَةِ وَقَبْلَ الْقَذْفِ، أَنَّ دِيَةَ جِرَاحَاتِهِ دِيَةُ حُرٍّ، وَحَدُّ قَذْفِهِ ذَلِكَ حَدُّ قَذْفِ الْحُرِّ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ جَاحِدًا لِلْعِتْقِ؟
قَالَ: إنَّمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ مَا أَخْبَرْتُكَ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ جَاحِدًا أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، وَأَرَى أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَى جُحُودِ السَّيِّدِ هَاهُنَا وَلَا إلَى إقْرَارِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ.
[عِتْق عَبْده ثُمَّ كتمه ذَلِكَ حَتَّى يستغله ويخدمه ثُمَّ يُقِرُّ بَعْد ذَلِكَ أَوْ تقوم لَهُ بَيِّنَة وَهُوَ جَاحِد]
فِي السَّيِّدِ يَعْتِقُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَكْتُمُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَغِلَّهُ وَيَخْدُمَهُ ثُمَّ يُقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ تَقُومُ لَهُ بَيِّنَةٌ وَهُوَ جَاحِدٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَجَحَدَهُ الْعِتْقَ فَاسْتَغَلَّهُ أَوْ اسْتَخْدَمَهُ، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ زَمَانٍ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ، مَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ جَاحِدٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجْحَدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَطِئَهَا، إنَّهُ إنَّ أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِحُرِّيَّتِهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذِهِ أَقَرَّ وَأَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِعْ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِ، وَالْعِلَّةُ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْعَبْدِ وَلَهُ عَلَيْهِ
قِيمَةُ خِدْمَتِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّدَاقَ، هَلْ يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مَعَ الْحَدِّ إذَا أَقَمْتُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِحُرِّيَّتِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ.
لَهَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُغْتَصَبَةِ، لِأَنَّ الْمُغْتَصَبَةَ عَلَيْهِ لَهَا الصَّدَاقُ مَعَ الْحَدِّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ السَّيِّدُ نَفْسُهُ هُوَ الَّذِي جَرَحَهُ أَوْ قَذَفَهُ، فَقَامَتْ عَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ قَذْفِهِ إيَّاهُ أَوْ قَبْلَ جِرَاحِهِ إيَّاهُ وَالسَّيِّدُ جَاحِدٌ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا فِي جِرَاحَةِ السَّيِّدِ وَقَذْفِهِ إيَّاهُ، وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْجِرَاحِ إذَا اسْتَغَلَّهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغِلَّهُ، إنَّ الْغَلَّةَ لِلسَّيِّدِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إذَا وَطِئَ هَذِهِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِعِتْقِهَا وَهُوَ جَاحِدٌ لِعِتْقِهَا، أَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ عِتْقِهِ إيَّاهَا وَهُوَ جَاحِدٌ لِلْعِتْقِ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي هَذَا، إنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَذْفِهِ، وَلَا دِيَةَ لَهُ فِي الْجِرَاحِ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ فِي سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ وَمَعَهُ قَوْمٌ عُدُولٌ عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَفَعَلَهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بِعَبْدِهِ ذَلِكَ، وَتَخَلَّفَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَحَنِثَ فِي عَبْدِهِ ثُمَّ هَلَكَ، وَقَدْ اسْتَغَلَّ عَبْدَهُ بَعْدَ الْحِنْثِ وَكَاتَبَهُ وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِحِنْثِ صَاحِبِهِمْ، فَأَدَّى نُجُومًا مَنْ كِتَابَتِهِ ثُمَّ قَدِمَ الشُّهُودُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرُوا بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الرَّجُلِ مِنْ الْيَمِينِ وَأَنَّهُ حَنَثَ.
فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ عِتْقِ الْعَبْدِ وَعَمًّا اسْتَغَلَّهُ سَيِّدُهُ وَعَمًّا أَدَّى وَرَثَتَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا عِتْقُهُ فَأُمْضِيهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَغَلَّهُ سَيِّدُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ أَيْضًا مِمَّا أَخَذُوا مِنْهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ عِتْقُهُ الْيَوْمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ مَا قُلْتُ لَكَ فِي مَسْأَلَتِكَ فِي الَّذِي يَطَأُ جَارِيَتَهُ أَوْ يَقْذِفَ عَبْدَهُ أَوْ يَجْرَحُهُ ثُمَّ تَقُومُ عَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ جَاحِدٌ، إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ إذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْجَارِحَ أَوْ هُوَ الْقَاذِفَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ لَا حَدَّ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ - هَاهُنَا - مَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا جَحَدَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ حُرًّا وَقَدْ شُهِدَ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ حُرًّا فِي فِعْلِهِ بِهِ يَوْمَ شَهِدَ لَهُ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ هُوَ حُرٌّ يَوْمَ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ لَيْسَ مِنْ يَوْمِ شَهِدَ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ إنْ شَهِدُوا عَلَى السَّيِّدِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا، وَقَدْ جُرِحَتْ أَوْ قُذِفَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، أَوْ شَهِدَتْ كَانَ حَالُهَا حَالَ حُرَّةٍ فِي الْحُدُودِ وَالْقَذْفِ وَفِي أُمُورِهَا كُلِّهَا؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ: إنَّ سَيِّدَهُ وَالْأَجْنَبِيَّيْنِ سَوَاءٌ، وَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْ السَّيِّدِ فِي الْجِرَاحِ وَفِي الْقَذْفِ وَيَغْرَمُ الْغَلَّةَ وَقِيمَةَ الْخِدْمَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: هَذَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ.
[جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ]
فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا غَصَبَ حُرَّةً نَفْسَهَا، أَتَجْعَلُ الصَّدَاقَ فِي رَقَبَتِهِ أَمْ فِي ذِمَّتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا غَصَبَ الْعَبْدُ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ غَصَبَهُنَّ أَنْفُسَهُنَّ، إنَّ
ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ فِي الْإِمَاءِ مَا نَقَصَهُنَّ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَفِي الْحَرَائِرِ صَدَاقُ مِثْلِهِنَّ، يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ الْعَبْدَ أَوْ افْدِهِ بِصَدَاقِ مِثْلِهَا أَوْ بِمَا نَقَصَ الْأَمَةَ، يَفْدِيهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَوْ يُسْلِمُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ عَبْدًا سَارِقًا كَتَمَهُ ذَلِكَ، فَسَرَقَ مَنْ الْمُشْتَرِي الَّذِي ابْتَاعَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ إذَا رَدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْعَيْبِ؟
قَالَ: يَكُونُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا مَا، لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي بَيْتِ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ مُؤْتَمَنًا عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ سَرِقَتُهُ إنَّمَا سَرَقَهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، سَرِقَةً لَا قَطَعَ فِيهَا.
كَانَ لِهَذَا الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ الْبَائِعِ ادْفَعْ أَوْ افْدِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قَالَ: وَلَا تُشْبِهُ سَرِقَتُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي سَرِقَةً مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، لِأَنَّ سَرِقَتَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا قَطَعَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَسَرِقَتُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ فِيهَا الْقَطْعُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ مَا حَدَثَ مِنْ الْعُيُوبِ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي دَلَّسَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا الْآخَرُ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَا وَقَعَتْ فِيهِ الدِّيَةُ فَدُرِئَ الْقَطْعُ عَنْ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، فَمَا سَرَقَ الْحُرُّ فَفِي ذِمَّتِهِ، وَمَا سَرَقَ الْعَبْدُ فَفِي رَقَبَتِهِ، وَمَا سَرَقَ هَذَا الْعَبْدُ الْمُدَلِّسُ لَهُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ.
فَإِذَا لَزِمَ الْقَطْعُ لَمْ يَكُنْ مَا سَرَقَ الْحُرُّ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا سَرَقَ الْعَبْدُ فِي رَقَبَتِهِ، وَمَا أَصَابَهُ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا سَرَقَ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ عَتَقَ أَوْ وَرُقَّ - قَلَّ مَا سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ - قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَجْنِي جِنَايَةً: إنَّ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ فِي جِنَايَتِهِ، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْهُ وَمَالَهُ أَوْ افْدِهِ بِعَقْلِ جَمِيعِ جِنَايَتِهِ.
فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟
قَالَ: دَيْنُهُ أَوْلَى بِمَالِهِ وَجِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَجُرُّ الْجَرِيرَةَ، وَلَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ: إنَّ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَجَرِيرَتَهُ فِي رَقَبَتِهِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَقَعُ عَلَى الصَّبِيَّةِ فَيَفْتَضُّهَا وَلَعَلَّهٌ حُرٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ.
قَالَ رَبِيعَةُ: إنْ كَانَ حُرًّا أَوْ مَمْلُوكًا فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْحُرُّ مُحْصَنًا فَأَرْجُمُهُ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا فَعَلَيْهِ مَعَ الْحَدِّ الْعِوَضُ لَهَا مِمَّا أَصَابَهَا بِهِ بِقَدْرِ رَأْيِ السُّلْطَانِ فِيمَا أَفْسَدَ مِنْ كَفَاءَتِهَا وَمَوْضِعِهَا لِمَنْ أَرَادَهَا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَهُوَ بِعَيْنِهِ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ خَطَرُهَا فِيمَا أَصَابَ مِنْهَا أَيْسَرَ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِرَقَبَتِهِ، فَيُبَاعَ بِغَيْرِ أَرْضِهَا وَتُعْطَى مِنْ الثَّمَنِ عِوَضَ مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ لَهَا، وَيُرَدَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فَضْلٌ إنْ فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَكَانَ الْحَدُّ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، لِأَنَّهُمَا أَصَابَا مُحَرَّمًا، وَعَلَى مَنْ أَصَابَهُ مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ الْحَدُّ، وَكَانَ الْعِوَضُ لَهَا بِمَا اسْتَحَلَّا مِنْ حُرْمَتِهَا، وَلِمَا أَدْخَلَا مِنْ الشَّيْنِ عَلَيْهَا.
ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَى بِعَبْدٍ افْتَضَّ جَارِيَةً وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثُمَّ بَاعَهُ بِأَرْضٍ غَيْرِ أَرْضِ الْمَرْأَةِ وَأُعْطِيَتْ الْمَرْأَةُ ثَمَنَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ: وَاللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيمَنْ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً بِكْرًا بِالْغُرْمِ الْحَدَّ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَكَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَدَاهُ أَهْلُهُ إنْ أَحَبُّوا، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْعَبْدُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فِي عَبْدٍ افْتَضَّ أَمَةً فَذَهَبَ بِعُذْرَتِهَا.
قَالَ: يَغْرَمُ لِأَهْلِهَا مَا بَيْنَ ثَمَنِهَا ثَيِّبًا
[إقْرَارِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ]
فِي إقْرَارِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ غَصَبَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا فَجَامَعَهَا وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِ الْعَبْدِ، أَيُصَدَّقُ الْعَبْدُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ الْعَبْدُ إلَّا أَنْ تُؤْتَى وَهِيَ مُسْتَغِيثَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَهِيَ تُدْمِي إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أُدْرِكَتْ وَهِيَ تَسْتَغِيثُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَصَبَهَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ عَبْدٍ أُتِيَ بِهِ وَقَدْ قَطَعَ أُصْبُعَ صَبِيٍّ مِنْ رِجْلِهِ، وَأُصْبُعُ الصَّبِيِّ تُدْمِي فَأُدْرِكَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ وَطِئَ أُصْبُعَهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا إذَا أُدْرِكَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ، وَأُصْبُعُ الصَّبِيِّ تُدْمِي بِحَدَثَانِ مَا قُطِعَتْ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ وَيَكُونَ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ يُسْلِمُهُ سَيِّدَهُ أَوْ يَفْتَكَّهُ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ إلَى شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الْوَطْءِ إنْ أَقَرَّ عَلَى مِثْلِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا مِمَّا يُقِرُّ الْعَبْدُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِمَّا يَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ، وَلَا يَدْرِي أَحَقٌّ ذَلِكَ أَمْ لَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مِثْلِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدَ يَوْمًا مَا وَكَانَ إقْرَارُهُ إقْرَارًا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَالِ مَا وَصَفْت لِي مِنْ تَعَلُّقِهَا بِهِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ إنْ أُعْتِقَ يَوْمًا مَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ إنْ عَتَقَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ حُرٍّ أَقَرَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ خَطَأً: إنَّ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً مَعَ قَسَامَةِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ إنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ غِنَى وَلَدِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ غِنَى وَلَدِ الْمَقْتُولِ لِصَدَاقَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ غِنَاهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَاقِلَةِ شَيْءٌ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ شَيْءٌ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ إذَا هِيَ لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ عَتَقَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ تُقْسِمَ مَعَ إقْرَارِي، أَيَبْطُلُ إقْرَارِي وَلَا يَلْزَمُ عَاقِلَتِي مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي فَسَّرْتُ لَكَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ مِنْ إقْرَارِهِ إذَا عَتَقَ يَوْمًا مَا، إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا غَصَبَ مِنْ النِّسَاءِ فَوَطِئَهُنَّ أَوْ جَرَحَ أَوْ قَتَلَ خَطَأً، أَقَرَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْعَبْدِ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ عَتَقَ يَوْمًا أَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِاسْتِهْلَاكِ مَالٍ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ أَوْ بِاخْتِلَاسِ مَالٍ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ أَوْ
بِسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ إنَّهُ لَا يَصَدَّقُ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَإِنْ أُعْتِقَ يَوْمًا مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُتْبَعْ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِشَيْءٍ.
وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى كُلِّ مَا يَلْزَمُ رَقَبَتَهُ مِنْ فِعْلِهِ، فَإِذَا هُوَ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَلَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُتْبَعُ مِنْ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِمَا كَانَ يَلْزَمُ السَّيِّدَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَبَتَ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّ رَجُلٍ عَمْدًا، فَقَالَ الَّذِي لَهُ الدَّمُ: أَنَا أَعْفُو عَنْ هَذَا الْعَبْدِ وَأَسْتَحْيِيهِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَقْتُلَ.
فَإِنْ عَفَا عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحْيِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: إذَا كُنْتُمْ لَا تُجِيزُونَ لِي هَذَا فَأَنَا عَلَى حَقِّي أَقْتُلُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ.
وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَقْتُلُ الْحُرَّ فَيَعْفُو وَلِيُّهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الدِّيَةَ، فَيَأْبَى أَنْ يُعْطِيَهُ الدِّيَةَ فَيَكُونُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ، فَقَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ: أَنَا أَعْفُو عَنْ قَطْعِ يَدِهِ وَلَا أَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَقَرَّ لِي بِهَا؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ فِي اعْتِرَافِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ أَوْ الْقَتْلِ: إنْ كَانَ اُسْتُرْهِبَ أَوْ اُمْتُحِنَ فَكَانَ اعْتِرَافُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّا لَا نَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَتْلًا وَلَا قَطْعًا.
وَأَمَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُخَوَّفٍ وَلَا مُسْتَرْهَبٍ، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ أَتَى ذَلِكَ عَمْدًا فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ بِسَرِقَتِهِ، وَيُقْتَلُ بِمِنْ قَتَلَ إنْ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا، وَإِنْ قَالَ قَتَلْتُهُ خَطَأً فَإِنَّا لَا نَرَى أَنْ يُصَدَّقَ ذَلِكَ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: كُلُّ مُعْتَرِفٍ لَا يُرَى مِنْهُ مَا يُصَدَّقُ بِهِ اعْتِرَافُهُ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، يُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي اعْتِرَافِهِ، ثُمَّ لَا يُؤْخَذُ بِشُبْهَةٍ وَلَا يُتْرَكُ بَعْدَ يَقِينٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَمًا أَوْ جُرْحًا يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الدَّمِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَيْمَانِهِمْ أَوْ صَاحِبُ الْجُرْحِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الدَّمُ وَالْجُرْحُ فِيمَا يُدَّعَى عِنْدَ الْعَبْدِ كَالسَّرِقَةِ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي الْمَمْلُوكِ أَوْ الْمُكَاتَبِ يَعْتَرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَتْلِ عَمْدٍ، قَالَ: إنْ جَاءَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ يُعْلِمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ أُخِذَ بِذَلِكَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ اعْتَرَفَ عَنْ امْتِحَانٍ امْتَحَنَهُ أَوْ تَفْرِيقٍ فَرَّقَهُ أَوْ أَمْرٍ زَلَّ بِهِ لِسَانُهُ لَمْ يُؤْخَذْ فِي أَمْرِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَا اعْتَرَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا يَغْرَمُ أَهْلُهُ فِيهِ فَهُوَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَالسَّرِقَةُ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا قَالَ حَقًّا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَاعْتَرَفَ بِهِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ عِلْمٍ يَقُولُونَ: مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِرَافُ الْمَمْلُوكِ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ إذَا أَدْخَلَ عَلَى سَيِّدِهِ غُرْمًا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا الْحَدَّ، يَلْفِظُهُ ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ وَيُقَامُ عَلَيْهِ.
وَاعْتِرَافُهُ بِالشَّيْءِ يُعَاقَبُ بِهِ فِي جَسَدِهِ مِنْ قَوَدٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ
[الْقَضَاءِ فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ]
فِي الْقَضَاءِ فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى جِنَايَةً، أَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ كُلِّهَا أَمْ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ؟ قَالَ: يُقْضَى عَلَيْهِ بِجِنَايَتِهِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا جَنَى.
فَيُقَالُ لِسَيِّدِهِ: أَدِّ الْجِنَايَةَ كُلَّهَا أَوْ أَسْلِمْهُ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْجِنَايَةِ، وَإِلَّا عَجَزَ وَخُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي أَنْ يَفْتَكَّهُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ يُسْلِمَهُ بِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى جِنَايَةً فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فَعَجَزَ بَعْدَمَا قَضَى عَلَيْهِ الْقَاضِي، أَيَكُونُ ذَلِكَ وَعَجْزُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَذْكُرُ الْقَاضِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، إنَّمَا قَالَ: يُقَالُ لِلْمُكَاتَبِ أَدِّ وَإِلَّا عَجَزْتَ، وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ أَدِّ وَإِلَّا عَجَزْتَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُكَاتَبًا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ؟ قَالَ: يُقَالُ لَهُ: أَدِّ الْجِنَايَةَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فُسِخَتْ كِتَابَتُهُ.
قُلْتُ: وَالْأَجْنَبِيُّ وَسَيِّدُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ قِيلَ لَهُ أَدِّ الْجِنَايَةَ وَإِلَّا فَارْجِعْ رَقِيقًا.
[جُنِيَ الْمُكَاتَب عَمْدًا فَصَالِحه الْأَوْلِيَاء عَلَى مَالٍ فعجز قَبْل أَنْ يؤدي الْمَال]
فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً عَمْدًا فَيُصَالِحُهُ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ فَيَعْجِزُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى جِنَايَةً عَمْدًا، فَصَالَحَهُ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَعَجَزَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمِائَةَ، أَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ ادْفَعْهُ أَمْ افْدِهِ بِالْجِنَايَةِ؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ مَعْرُوفَةً، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ: ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ بِالْمِائَةِ.
إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمِائَةُ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا جَنَى جِنَايَةً فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: أَدِّ الْجِنَايَةَ وَأَقِمْ عَلَى كِتَابَتِكَ، فَإِنْ هُوَ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فُسِخَتْ كِتَابَتُهُ ثُمَّ خُيِّرَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ بِعَقْلِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَقْوَى عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَلَا أَقْوَى عَلَى أَدَاءِ الْجِنَايَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ لَا أَقْوَى عَلَى أَدَاءِ الْجِنَايَةِ، كَانَ عَاجِزًا مَكَانَهُ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ: قَالَ رَبِيعَةُ: إنْ أَصَابَ الْمُكَاتَبُ جُرْحًا فَعَتَقَ، فَإِنَّمَا أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ رَقَّ فَإِنَّمَا أَدَّى مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إذَا جَرَحَ هُوَ جُرْحَهُ فَإِنَّا نَرَى عَقْلَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ هُوَ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ مُحِيَتْ كِتَابَتُهُ وَخُيِّرَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ عَقَلَ الْجُرْحَ الَّذِي جَرَحَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ إلَى الْمَجْرُوحِ عَبْدًا لَهُ أَسْلَمَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا جَرَحَ الرَّجُلَ جُرْحًا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَقْلُ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إنْ قَوِيَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ مَعَ كِتَابَتِهِ أَدَّاهُ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ وَلَا يَنْجُمُ عَلَيْهِ كَمَا يَنْجُمُ عَلَى الْحُرِّ.
وَإِنْ هُوَ لَمْ يَقْوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ قَبْلَ كِتَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ حُقُوقُ النَّاسِ أَيْضًا تُؤَدَّى قَبْلَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا
يُؤَدِّي خَرَاجًا وَالْكِتَابَةُ خَرَاجٌ وَعَلَيْهِ أَمْوَالُ النَّاسِ.
فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ ذَلِكَ الْجُرْحِ خُيِّرَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ فَعَلَ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ وَصَارَ عَبْدًا مَمْلُوكًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدَهُ لِلْمَجْرُوحِ أَسْلَمَهُ وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدَهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَبْدِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ فَكَانَ يَقُولُ: يُبْدَأُ بِدَيْنِ النَّاسِ فَيُؤَدَّى قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ نُجُومِهِ شَيْءٌ.
إنْ كَانَ دَيْنُهُ يَسِيرًا بُدِئَ بِقَضَائِهِ وَأُقِرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ كَثِيرًا تُحْبَسْ نُجُومُهُ، وَمَا اُشْتُرِطَ مِنْ تَعْجِيلِ مَنْفَعَتِهِ فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَقَرَّهُ عَلَى كِتَابَتِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ نُجُومَهُ، وَإِنْ شَاءَ مَحَا كِتَابَتَهُ.
يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا دَيْنُ الْمُكَاتَبِ فَيَكْسِرُ كِتَابَتَهُ وَيَنْزِلُ فِي دَيْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الْمُكَاتَبُ لَا يُحَاصُّ سَيِّدُهُ الْغُرَمَاءَ، يَبْدَأُ بِاَلَّذِي لَهُمْ قَبْلَ كِتَابَةِ سَيِّدِهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ: يُحَاصُّهُمْ بِنَجْمِهِ الَّذِي حَلَّ؟ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: أَخْطَأَ شُرَيْحٌ.
قَالَ: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْدَأُ بِاَلَّذِي لِلدَّيَّانِ.
وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ يَقُولُونَ: مَضَتْ السُّنَّةُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَمْلُوكِ عَقْلٌ فَلَا يُؤَخَّرُ وَلَا يَنْجُمُ كَمَا يَنْجُمُ الْمُعَاقِلُ وَلَكِنَّهُ عَاجِلٌ.
[الْمُكَاتَبِ يُقِرُّ بِقَتْلِ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ فَيُصَالِحُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ]
فِي الْمُكَاتَبِ يُقِرُّ بِقَتْلِ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ فَيُصَالِحُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا أَقَرَّ بِقَتْلِ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ، فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ دَفَعَهُ مَنْ مَالِهِ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْجِنَايَةِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إعْطَاءُ مَالِهِ، إلَّا أَنَّ فِي الْعَمْدِ لَهُمْ إنْ كَانَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَقْتَصُّوا، وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقْتَصُّوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ وَلَا فِي رَقَبَتِهِ إنْ عَجَزَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُقِرُّ بِأَنَّهُ قَدْ قَتَلَ عَمْدًا وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَتَلُوهُ وَإِنْ اسْتَحْيَوْهُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَبْدَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الْمُكَاتَبِ.
[فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ رَجُلًا خَطَأً أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً، أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الدِّيَةُ أَمْ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا جَرَحَ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ.
[الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ رَجُلًا عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَيَعْفُو أَحَدُهُمَا وَيَتَمَاسَكُ الْآخَرُ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ رَجُلًا عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ فَيَعْفُو أَحَدُهُمَا وَيَتَمَاسَكُ الْآخَرُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا لَهُ وَلِيَّانِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْمُكَاتَبِ
وَتَمَاسَكَ الْآخَرُ؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْمُكَاتَبِ: أَدِّ إلَى هَذَا الْبَاقِي نِصْفَ الدِّيَةِ وَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَتَكَ قُلْتُ: فَإِنْ أَدَّى إلَى هَذَا نِصْفَ الدِّيَةِ، أَيَكُونُ لِلْآخَرِ الَّذِي عَفَا شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ إنَّمَا عَفَا لِلدِّيَةِ.
وَيَسْتَدِلُّ عَلَى مَا قَالَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى هَذَا الَّذِي لَمْ يَعْفُ عَنْهُ شَيْئًا وَعَجَزَ فَرَجَعَ رَقِيقًا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ نِصْفَ الدِّيَةِ إلَى هَذَا الَّذِي لَمْ يَعْفُ أَوْ أَسْلِمْ إلَيْهِ نِصْفَ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ نِصْفَ الْعَبْدِ أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ، أَيَكُونُ لِلْأَخِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى لَهُ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبْدِ يَجْرَحُ الرَّجُلَيْنِ جَمِيعًا عَمْدًا: إنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَفْتَدِيَهُ بِدِيَةِ جُرْحِهِمَا، أَوْ يَفْتَدِيَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِدِيَةِ جُرْحِهِ وَيُسْلِمَ إلَى الْآخَرِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُهُ فِيهِ مِنْ الْجِنَايَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
أَشْهَبُ يَقُولُ: يُسْلِمُهُ كُلَّهُ أَوْ يَفْتَدِيهِ كُلَّهُ.
[الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيُؤَدِّي كِتَابَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً فَيُؤَدِّي كِتَابَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُكَاتَبًا جَنَى فَأَدَّى كِتَابَتَهُ إلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ وَخَرَجَ حُرًّا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَاتَبِ: أَدِّ عَقْلَ الْجِنَايَةِ وَيَمْضِي عِتْقُكَ وَإِلَّا رُدَّ رَقِيقًا وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ.
وَمَا أَخَذَ مِنْ نُجُومِهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ يَرُدُّهَا مَعَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا إذَا أَسْلَمَهُ.
[الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ يَمُوتُ عَنْ مَالٍ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ يَمُوتُ عَنْ مَالٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ يَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ يَمُوتُ عَنْ مَالٍ، مَنْ أَوْلَى بِمَالِهِ؟ أَسَيِّدُهُ أَمْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَجْنِي جِنَايَةً: إنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِصَاحِبِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ السَّيِّدِ.
فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ عِنْدِي إلَّا أَنْ يَدْفَعَ السَّيِّدُ - سَيِّدُ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ - إلَى الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ دِيَةَ جِنَايَتِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ يَمُوتُ عَنْ مَالٍ لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ بِكِتَابَتِهِ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةٌ وَلَيْسَ فِي الْمَالِ وَفَاءً بِالْجِنَايَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَجْنِي جِنَايَةً: إنَّ أَهْلَ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِمَالِهِ.
فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ عِنْدِي لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا، فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْجِنَايَةِ دُونَ سَيِّدِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا جِنَايَتَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ، أَوْ عَلَى مُكَاتَبِهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ الْكِتَابَةِ، أَيَضْرِبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ
[الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَيُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَهَا فِي جِنَايَتِهِ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَيُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَهَا فِي جِنَايَتِهِ قُلْتُ: أَرَيْتَ الْمُكَاتَبَ يَجْنِي جِنَايَةً وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ أُمَّ وَلَدِهِ؟ قَالَ: إنْ
خَافَ الْعَجْزَ فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا خَافَ الْعَجْزَ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْجِنَايَةِ إذَا خَافَ الْعَجْزَ
[الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً وَلَهُ أَوْلَادٌ حَدَثُوا فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً وَلَهُ أَوْلَادٌ حَدَثُوا فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ، فَجَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَتَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَيَكُونُ عَلَى الِابْنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَمَّا الدَّيْنُ فَلَا يَلْزَمُ الِابْنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا الْجِنَايَةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ لَا يُعْتَقَانِ إلَّا بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ قِيلَ لَهُ: أَدِّ، فَإِنْ لَمْ يَقْوَ قِيلَ لِلِابْنِ: أَدِّ، فَإِنْ لَمْ يَقْوَ رَجَعَ رَقِيقًا ثُمَّ يُخَيَّرُ السَّيِّدُ فِي الَّذِي جَنَى وَحْدَهُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ الْجَانِي، أَيَكُونُ عَلَى الِابْنِ الَّذِي مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ جِنَايَتِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ.
شَيْئًا وَلَا أَرَى عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةِ الْأَبِ شَيْئًا إذَا مَاتَ الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَقَدْ ذَهَبَتْ رَقَبَتُهُ فَلَا يَكُونُ عَلَى الِابْنِ شَيْءٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: الْجِنَايَةُ وَالدَّيْنُ لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ إلَّا بَعْدَهُمَا، وَالدَّيْنُ يُرِقُّ الْعَبْدَ وَيُبْطِلُ كِتَابَتَهُ كَمَا تُبْطِلُهَا الْجِنَايَةُ.
فَإِذَا كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَاءِ النُّجُومِ لِمَكَانِ الدَّيْنِ، صَارَ الدَّيْنُ كَالْجُرْحِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَاءِ النُّجُومِ لِمَكَانِ الْجُرْحِ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ وَلِلِابْنِ: لَا سَبِيلَ لَكُمَا إلَّا بِحَمَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا بِصَاحِبِهِ إلَى أَدَاءِ غَلَّتِهِ، وَالدَّيْنُ وَالْجِنَايَةُ قِبَلَكُمَا، فَإِنْ قَوَيْتُمَا عَلَى أَدَاءِ هَذَا الدَّيْنِ وَالْجِنَايَةِ فَالْكِتَابَةُ قَائِمَةٌ، وَإِلَّا فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ وَخُيِّرَ فِي الْجَانِي وَحْدَهُ فِي إسْلَامِهِ أَوْ افْتِكَاكِهِ بِالْجِنَايَةِ وَفِي الدَّيْنِ يَصِيرَانِ رَقِيقَيْنِ، وَالدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ أَدَّيَا الدَّيْنَ جَمِيعًا أَوْ الْجِنَايَةَ جَمِيعًا أَوْ أَدَّاهُمَا الِابْنُ الَّذِي لَمْ يَجْنِ وَلَمْ يُدَايَنْ، ثُمَّ أَدَّيَا الْكِتَابَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَبِيهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَ الْأَبَ بِمَا أَدَّى عَنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْكِتَابَةِ الَّتِي أَدَّاهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا كَانَ بِأَدَائِهِمَا، وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّيَا رَقَّا.
وَكَذَلِكَ كُلَّمَا أَرَقَّهُمَا مِنْ دَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ كَمَا تُرِقُّهُمَا الْكِتَابَةُ، فَإِذَا أَدَّيَا الدَّيْنَ وَالْجِنَايَةَ كَانَ كَأَدَاءِ الْكِتَابَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَخُذْ هَذَا الْأَصْلَ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَيَتْرُكُ عَبْدًا فَيَجْنِي الْعَبْدُ جِنَايَةً]
فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَيَتْرُكُ عَبْدًا فَيَجْنِي الْعَبْدُ جِنَايَةً
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا وَعَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ حِينَ مَاتَ فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ أَوْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ.
مَنْ أَوْلَى بِهَذَا الْعَبْدِ، الْغُرَمَاءُ أَمْ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ الَّذِينَ جَنَى عَلَيْهِمْ هَذَا الْعَبْدُ؟ قَالَ: أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا حُرًّا جَنَى عَبْدُهُ جِنَايَةً - وَعَلَى الْحُرِّ دَيْنٌ - أَنَّ الْجِنَايَةَ أَوْلَى بِالْعَبْدِ مِنْ دَيْنِ السَّيِّدِ إلَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ أَهْلُ الدَّيْنِ بِدِيَةِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا لَزِمَتْ رَقَبَةَ الْعَبْدِ، وَدَيْنُ السَّيِّدِ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ أَوْلَى بِالْعَبْدِ مِنْ غُرَمَاءِ السَّيِّدِ، وَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَفْتَكُّوهُ لِأَنَّهُ مَالٌ لِلسَّيِّدِ، وَقَدْ كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْتَكَّهُ، فَكَذَلِكَ غُرَمَاؤُهُ ذَلِكَ لَهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ سَيِّدُ الْعَبْدِ هُوَ الَّذِي جَنَى، وَجِنَايَتُهُ مِمَّا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَ ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ؟ قَالَ: يَضْرِبُ فِي ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ الْغُرَمَاءُ وَأَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ بِالْحِصَصِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَالدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ]
فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي كَاتَبْتُ عَبْدِي فَحَدَثَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ ثُمَّ قَتَلْتُهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا؟ قَالَ: يُقَاصُّ الْوَلَدُ السَّيِّدَ بِقِيمَةِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ فِي آخِرِ نُجُومِهِمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ وَفَضْلٌ؟
قَالَ: يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْفَضْلَ مِنْ السَّيِّدِ، فَيَكُونُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَلَدِهِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْكِتَابَةِ - كَانُوا مِمَّنْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ مِمَّنْ حَدَثُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي السَّيِّدِ إذَا شَجَّ مُكَاتَبَهُ مُوضِحَةً، أَنَّهُ يُقَاصُّهُ بِهَا الْمُكَاتَبُ فِي آخِرِ نُجُومِهِ، وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ فَأَخَذَ السَّيِّدُ قِيمَتَهُ: أَنَّ وَلَدَهُ يُقَاصُّونَهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ كَانَ لَهُمْ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَعَوْا فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ وَعَتَقُوا، فَسَيِّدُهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ فِي مُوضِحَةِ الْمُكَاتَبِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا عَلَى حَالِهِ فِي أَدَائِهِ وَقُوَّتِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَةَ تَلِدُ وَلَدًا فِي كِتَابَتِهَا فَقَتَلَهُ السَّيِّدُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي مُكَاتَبٍ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُقَاصَّ لَهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ.
فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا، أَنَّ السَّيِّدَ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ كَانَ قِصَاصًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ الْكِتَابَةِ أَخَذَتْ الْأُمُّ مِنْ فَضْلِ الْقِيمَةِ قَدْرَ مُوَرَّثِهَا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبَ قُوِّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالِهِ وَمُلَائِهِ وَالْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَضَعَ فِي الثُّلُثِ الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، قُوِّمَ عَلَى حَالِهِ وَهَيْئَتِهِ وَمِلَائِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهَا فِي حُسْنِ أَدَائِهِ، وَقِلَّةِ ذَلِكَ وَكَثْرَتِهِ أَوْ الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ مَا عَلَيْهِ، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقَلَّ وُضِعَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلْتُ عَبْدِي أَوْ مُكَاتَبًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَيَلْزَمُنِي شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِمْ، فَلَمَّا قُتِلَ لَمْ يَلْزَمْ الْقَاتِلَ شَيْءٌ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ ذَهَبَتْ.
قُلْتُ: وَالْعَبْدُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ فَأَخَذَ السَّيِّدُ قِيمَتَهُ، أَيَكُونُ الدَّيْنُ فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ - غُرَمَاءِ الْعَبْدِ - مِنْ جِرَاحِهِ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ ثَمَنُ
رَقَبَتِهِ.
لَوْ جَعَلْتُ لَهُمْ فِي مَسْأَلَتِكَ قِيمَةَ رَقَبَتِهِ الَّتِي أَخَذَهَا السَّيِّدُ مِنْ الْقَاتِلِ لَجَعَلْتُ لَهُمْ الثَّمَنَ إذَا بَاعَهُ السَّيِّدُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ إلَّا دِينَارًا وَاحِدًا أَوْ أَدْنَى، كَيْفَ يُقَوَّمُ؟ قَالَ: يُقَالُ: هَذَا مُكَاتَبٌ كَانَتْ قُوَّتُهُ عَلَى أَدَاءِ كِتَابَتِهِ كَذَا وَكَذَا فَمَا يُسَوِّي عَبْدًا مُكَاتَبًا قُوَّتُهُ عَلَى الْأَدَاءِ كَذَا وَكَذَا، وَيَلْزَمُ قَاتِلَهُ تِلْكَ الْقِيمَةُ.
قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَا إلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَآخَرَ لَمْ يُؤَدِّ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، قَتَلَهُمَا رَجُلٌ وَكَانَتْ قُوَّتُهُمَا عَلَى الْأَدَاءِ سَوَاءٌ وَقِيمَةُ رِقَابِهِمَا سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إلَّا دِينَارًا وَاحِدًا، وَالْآخَرَ لَمْ يُؤَدِّ مَنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا قَالَ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَدَّى مِنْ الْكِتَابَةِ الَّتِي أَدَّى وَقِيمَتُهَا لِلسَّيِّدِ عَلَى قَاتِلِهِمَا سَوَاءٌ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ رِقَابِهِمَا وَكَانَتْ قُوَّتُهُمَا عَلَى الْأَدَاءِ سَوَاءً، فَقَتَلَهُمَا رَجُلٌ وَلَمْ يُؤَدِّيَا شَيْئًا بَعْدُ؟ قَالَ: هَذَانِ مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ، فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِ عَلَى الْأَدَاءِ مَعَ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ، يُقَالُ: مَا يُسَوِّي هَذَا الْمُكَاتَبُ قِيمَةَ رَقَبَتِهِ كَذَا وَكَذَا، وَقُوَّتُهُ عَلَى أَدَاءِ كِتَابَتِهِ كَذَا وَكَذَا، فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ الْمُكَاتَبُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ فِي الَّذِي يَتْرُكُ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ لِعَبْدِهِ فَقُلْتُ: يَعْتِقُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ قِيمَةِ الْكِتَابَةِ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ.
قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا تُقَوَّمُ الْكِتَابَةُ بِالنَّقْدِ.
وَقِيمَةُ رَقَبَتِهِ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا قَتَلَهُ رَجُلٌ يَعْتِقُ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَ لِي مَالِكٌ فِي قِيمَتِهِ إذَا قُتِلَ وَفِي كِتَابَتِهِ كَيْفَ يُقَوَّمُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تُقَوَّمُ الْكِتَابَةُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ فَيُجْعَلُ فِي الثُّلُثِ لَيْسَ قِيمَةَ الْكِتَابَةِ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى عَدَدِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ إنْ كَانَ هُوَ الْأَقَلَّ فَيُجْعَلُ فِي الثُّلُثِ لَيْسَ قِيمَةَ الْكِتَابَةِ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى عَدَدِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ إنْ كَانَ هُوَ الْأَقَلَّ فَيُجْعَلُ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ أَقَلَّ جُعِلَتْ فِي الثُّلُثِ.
[الْأَبَوَيْنِ يُكَاتَبَانِ فَيُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ فَاكْتَسَبَ الْوَلَدُ مَالًا وَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً]
فِي الْأَبَوَيْنِ يُكَاتَبَانِ فَيُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ فَاكْتَسَبَ الْوَلَدُ مَالًا وَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ - وَهُمَا زَوْجَانِ - كِتَابَةً وَاحِدَةً فَحَدَثَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَاكْتَسَبَ الْوَلَدُ مَالًا وَجُنِيَ عَلَى الْوَلَدِ جِنَايَاتٌ؟ قَالَ: أَمَّا الْجِنَايَاتُ فَذَلِكَ لِلسَّيِّدِ - عِنْدَ مَالِكٍ - يُحْسَبُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْجِنَايَةِ وَفَاءُ كِتَابَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ وَيَعْتِقُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَكَانَهُمْ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْجِنَايَةِ فَضْلٌ فَهُوَ لِلِابْنِ وَلَا يَرْجِعُ الْوَلَدُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ بِمَا أَخَذَ السَّيِّدُ مِنْ جِنَايَتِهِ فِي كِتَابَةِ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا أَدَّوْا.
وَأَمَّا الَّذِي اكْتَسَبَ الِابْنُ فَهُوَ لِلِابْنِ وَلَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ مَالَهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى مَعَهُمْ وَيُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِ وَأَدَاءِ مِثْلِهِ، فَإِذَا كَانَ لِلِابْنِ مَالٌ وَخَافَ الْأَبَوَانِ الْعَجْزَ كَانَ لَهُمَا أَنْ يُؤَدِّيَا الْكِتَابَةَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْأَبَوَيْنِ مَالٌ فَقَالَا: لَا نُؤَدِّي، وَخَافَ الْوَلَدُ الْعَجْزَ، فَإِنَّ الْكِتَابَةَ تُؤَدَّى مِنْ مَالِ الْأَبَوَيْنِ وَلَا
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِشَيْءٍ مِمَّا أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَالْأَبَوَانِ إذَا كَانَ لَهُمَا مَالٌ ظَاهِرٌ فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُعْجِزَا أَنْفُسَهُمَا وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ.
قُلْتُ: فَإِنْ عَدَا السَّيِّدُ عَلَى الْوَلَدِ فَقَتَلَهُ وَفِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَنْ كِتَابَةِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يَعْتِقُ الْأَبَوَانِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْوَلَدِ تَكُونُ قِصَاصًا بِالْكِتَابَةِ وَيَرْجِعُ الْأَبَوَانِ الْمُكَاتَبَانِ عَلَى السَّيِّدِ بِالْفَضْلِ فَيَكُونُ لَهُمَا.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ قَتَلَ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ أَوْ الْمُكَاتَبَ نَفْسَهُ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ كِتَابَتَهُ.
فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ كَانَ لِأَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ قَتَلَ الْأَبَوَيْنِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ كِتَابَتَهُ، وَمَا بَقِيَ عَنْ كِتَابَتِهِمْ فَلِلْوَلَدِ.
وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ إذَا قَتَلَهُمْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ إذَا قَتَلَهُمْ، وَقِيمَتُهُمْ قَدْ صَارَتْ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمْ.
وَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي مُكَاتَبٍ جَرَحَهُ سَيِّدُهُ: إنَّ جُرْحَهُ عَلَى سَيِّدِهِ يَحْسُبُهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي ابْنِ الْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ: إنَّ عَقْلَهُ لِلسَّيِّدِ، إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِجَمِيعِ كِتَابَتِهِمْ وَيَعْتِقُونَ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ لَيْسَ فِيهَا وَفَاءٌ بِجَمِيعِ كِتَابَتِهِمْ أَخَذَهُ السَّيِّدُ وَحَسَبَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَفَاءٌ بِجَمِيعِ كِتَابَتِهِمْ، أَخَذَ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَحَسَبَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ أَخَذَهُ أَيْضًا وَحَسَبَ لَهُمْ أَيْضًا ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ.
وَالْمَالُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ أَخَذَهُ السَّيِّدُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِكِتَابَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ بِكِتَابَتِهِمْ تُرِكَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ.
وَهَذَا فِي الْوَلَدِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ وَلَدٍ، فَهَذَا الْمَالُ فِي الْمَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ يَأْخُذُ السَّيِّدُ مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ وَيَحْسُبُ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِمْ، فَإِذَا عَتَقُوا أَتْبَعَهُمْ السَّيِّدُ بِمَا يَصِيرُ لَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا حَسَبَ لَهُمْ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا إخْوَةً فَلَا يَتْبَعَهُمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ: ذَكَرَهُ يُونُسُ عَنْهُ إذَا كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَكَانَ فِيمَنْ كَاتَبَ قُوَّةٌ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ - سَعَوْا وَسَعَى الْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ - وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْجِزُوا حَتَّى لَا يُرْجَى عِنْدَهُمْ سَعْيٌ.
وَإِنْ مَاتَ أَبُوهُمْ وَتَرَكَ مَالًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ فَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ مَعُونَةُ مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَصْلُهُ إنْ قَتَلُوا أَوْ أَجْرَمُوا جَرِيمَةً، فَالْمَالُ يُدْفَعُ إلَى سَيِّدِهِ فَيُقَاصُّونَ بِهِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِمْ وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ أَصْلُهُ لَهُمْ وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَفُ إذَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنْ صِغَارًا لَا يَقْوُونَ فَهُمْ أَرِقَّاءُ وَلِسَيِّدِهِمْ ذَلِكَ الْمَالُ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إذَا كَانُوا صِغَارًا لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّعْيَ لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِمْ أَنْ يَكْبَرُوا وَكَانُوا رَقِيقًا لِسَيِّدِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا تَرَكَ أَبُوهُمْ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ نُجُومَهُمْ إلَى أَنْ يَبْلُغُوا وَيَقْوَوْا عَلَى السَّعْيِ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صِغَارًا وَكَانَتْ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ لِأَبِيهِمْ فَأَرَادَتْ السَّعْيَ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهَا مَالَ الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهَا مَأْمُونَةٌ عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةٌ عَلَى
السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُمْ لَمْ يَقْوَوْا عَلَى السَّعْيِ وَالْأَدَاءِ وَعَجَزُوا وَصَارُوا عَبِيدًا، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ لَهُمْ مَا لَهُ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَلَدُهُ يَحْتَمِلُونَ السَّعْيَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ؛ أُعْطُوا الْمَالَ يُقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى السَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً وَلَا قَوِيَّةً عَلَى ذَلِكَ رَجَعَتْ هِيَ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبِ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا تَرَكَ الْمُكَاتَبُ أَوْ فِي ثَمَنِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا بِيعَتْ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيَعْتِقُونَ، وَيَكُونُ فِيمَا تَرَكَ وَفِي ثَمَنِهَا إذَا بِيعَتْ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَبْلُغُوا السَّعْيَ.
ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: إذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَبَنِيهِ فَمَاتَ وَعَلَيْهِ كِتَابَةٌ، فَإِنْ آنَسَ مِنْهُمْ رُشْدًا دَفَعَ إلَى بَنِيهِ مَالَهُ وَاسْتَسْعَوْا فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسُ مِنْهُمْ رُشْدٌ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِمْ مَالَ أَبِيهِمْ.
مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَاسْتُفْتِيَ فِي مُكَاتَبٍ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ فَضْلٌ مِنْ كِتَابَتِهِ وَتَرَكَ مَالًا وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ أَيَأْخُذُونَ مَالَهُ إنْ شَاءُوا يَقْضُونَ كِتَابَتَهُ وَيَكُونُونَ عَلَى نُجُومِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إنْ اسْتَقَلُّوا بِذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ إنْ شَاءُوا.
وَقَالَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: إنْ كَانُوا صَالِحِينَ دُفِعَ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا أُنَاسَ سَوْءٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِمْ.
ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَا: إنْ تَرَكَ مَالًا قَضَوْا عَنْهُ وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَقَدْ آنَسَ مِنْهُمْ الرُّشْدَ سَعَوْا فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ، بَلَغُوا مِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغُوا.
وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا لَمْ يَسْتَأْنِ بِاَلَّذِي لِلرَّجُلِ كَبَرَهُمْ يَخْشَى أَنْ يَمُوتُوا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُمْ لَهُ عَبِيدٌ.
قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إنْ كَانَ وَلَدُهُ كُلُّهُمْ صِغَارًا لَا قُوَّةَ لَهُمْ عَلَى الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَتْرُكْ أَبُوهُمْ مَالًا، فَإِنَّهُمْ يَرِقُّونَ، وَإِنْ تَرَكَ أَبُوهُمْ مَالًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ أَدَّوْا نُجُومَهُمْ عَامًا بِعَامٍ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا أُصِيبَ بِجُرْحٍ لَهُ فِيهِ عَقْلٌ، أَوْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ، فَإِنَّ عَقْلَهُمْ عَقْلُ الْعَبِيدِ فِي قِيمَتِهِمْ.
وَإِنَّ مَا وَجَبَ لَهُمْ فِي عَقْلِهِمْ يُدْفَعُ إلَى سَيِّدِهِمْ الَّذِي لَهُ الْكِتَابَةُ، وَيُحْسَبُ لِلْمُكَاتَبِ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ وَيُوضَعُ عَنْهُ مَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ إلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ فَيَأْكُلُهُ أَوْ يَسْتَهْلِكُهُ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى سَيِّدِهِ أَعْوَرَ وَمَقْطُوعَ الْيَدِ أَوْ مَغْصُوبَ الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا كَاتَبَهُ عَلَى كَسْبِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يُكَاتِبْهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ وَلَدِهِ وَلَا مَا أُصِيبَ مِنْ جَسَدِهِ فَيَسْتَهْلِكُهُ.
يُونُسُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ لَهُ عَقْلُ جِرَاحٍ: إنْ أَصَابَتْهُ فَإِنْ جُرِحَ الْمُكَاتَبُ فَالْعَقْلُ فِيهِ يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ، فَإِذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَقْلِ قَاصَّ بِهِ سَيِّدَهُ وَعَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ لِسَيِّدِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جُرْحَ الْعَبْدِ لَيْسَ مِنْ مَالِهِ إنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ: إنْ أُصِيبَ الْمُكَاتَبُ بِجُرْحٍ لَهُ عَقْلٌ فَعَقْلُ ذَلِكَ الْجُرْحِ لِسَيِّدِهِ يَقْبِضُهُ وَيُقَاصُّهُ بِهِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ.
قَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَكُلُّهَا لِابْنِ وَهْبٍ.
[جِنَايَةِ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ]
فِي جِنَايَةِ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبِيدَ الْمُكَاتَبِ إذَا جَنَوْا، أَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ فِيهِمْ مُخَيَّرًا بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَفْتَكُّهُمْ بِعَقْلِ الْجُرْحِ أَوْ يَدْفَعُهُمْ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ.
[جِنَايَة عَبْد الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمُكَاتَبِ]
فِي جِنَايَةِ عَبْدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَيُرِيدُ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ وَيَأْبَى سَيِّدُهُ أَوْ يُرِيدُ سَيِّدُهُ وَيَأْبَى الْوَلَدُ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا قَتَلَهُ عَبْدُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدَيْنِ يَكُونَانِ لِلرَّجُلِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ يَجْرَحُهُ: إنَّ السَّيِّدَ يَقْتَصُّ مِنْ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا عَبْدَانِ لَهُ، فَأَرَى هَذَا مِثْلَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْلَادٌ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنِّي أَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْتَصَّ إذَا أَبَى الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لَهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي كِتَابَتِهِمْ.
قَالَ: وَلَا أَرَى لِلْأَوْلَادِ أَنْ يَقْتَصُّوا أَيْضًا إذَا أَبَى السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَقُولُ: لَا تُتْلِفُوا عَلَيَّ الْمَالَ فَتَرْجِعُوا إلَيَّ وَقَدْ أَتْلَفْتُمْ الْمَالَ وَهَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُتْلِفُوا الْمَالَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى السَّيِّدِ عَبِيدًا وَقَدْ أَتْلَفُوا الْمَالَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ السَّيِّدُ وَأَوْلَادُ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْقَتْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلسَّيِّدِ جَازَ لَهُ الْقَتْلُ، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ جَازَ لَهُمْ الْقَتْلُ، وَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ الْقَتْلَ وَأَرَادَ الْوَلَدُ الْقَتْلَ ثُمَّ عَتَقُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوا بَعْدَ الْعِتْقِ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْقَتْلَ وَأَبَى ذَلِكَ الْأَوْلَادُ ثُمَّ عَجَزُوا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ أَنْ يَقْتُلَ وَأَرَادَ الْوَلَدُ الْقَتْلَ ثُمَّ عَجَزُوا لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ هَاهُنَا قَوْلٌ وَلَا يَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمَّا تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَتْلِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكُوا الْقَتْلَ وَأَرَادَ السَّيِّدُ الْقَتْلَ ثُمَّ أَدَّوْا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْقَتْلُ.
وَلَيْسَ لِمَنْ تَرَكَ مِنْهُمْ الْقَتْلَ ثُمَّ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَيْهِمْ يَوْمًا مَا أَنْ يَقْتُلُوا - لَا السَّيِّدُ وَلَا الْوَلَدُ - وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقَتْلَ مِنْهُمْ إذَا رَجَعَ الْعَبْدُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَجْنِي جِنَايَةً عَمْدًا فَيَعْفُوا أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُكَاتَبُ لَهُمْ رَقِيقًا، قَالَ: يُقَالُ لِلْمُكَاتَبِ إذَا عَفَوْا عَنْهُ: ادْفَعْ إلَيْهِمْ الدِّيَةَ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ لِسَيِّدِهِ: ادْفَعْ إلَيْهِمْ الدِّيَةَ أَوْ أَسْلِمْ إلَيْهِمْ الْعَبْدَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي الْعَبْدِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا فَيَعْفُوا عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْعَبْدُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: افْتَكَّهُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ أَوْ أَسْلِمْهُ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ عَفَوْا عَنْ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ صَارَتْ الْجِنَايَةُ مَالًا وَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، فَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْهُ بِمَا صَارَ فِي رَقَبَتِهِ أَوْ افْدِهِ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ.
قَالَ: وَمَا وَجَبَ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ مِنْ دِيَةِ جِنَايَتِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: أَدِّهَا حَالَّةً وَأَقِمْ عَلَى كِتَابَتِكَ.
فَإِنْ أَبَى وَعَجَزَ كَانَ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ، ثُمَّ خُيِّرَ السَّيِّدُ بَيْنَ افْتِكَاكِهِ بِدِيَةِ الْجُرْحِ وَبَيْنَ إسْلَامِهِ إلَى أَهْلِ الْجِنَايَةِ.
[جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ أَوْ مُكَاتَبِ سَيِّدِهِ]
فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ أَوْ مُكَاتَبِ سَيِّدِهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا جَنَى عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ؟ قَالَ: يَكُونُ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ قِيمَةُ الْعَبْدِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى هَذَا الْمُكَاتَبُ عَلَى مُكَاتَبٍ آخَرَ لِسَيِّدِهِ وَلَيْسَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ.
وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ يَجْنِي عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ يَجْنِي عَلَى عَبْدِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا لِسَيِّدِهِ كَانَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ عَبْدٌ مَالًا لِسَيِّدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ أَحْرَزَ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ عَنْ السَّيِّدِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ هَذَا الْمُكَاتَبَ جَنَى عَلَى مُكَاتَبٍ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ فَقَتَلَهُ، كَأَنْ يَكُونَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا وَسَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ
[الْعَبْدَيْنِ يُكَاتَبَانِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَيَجْنِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ]
فِي الْعَبْدَيْنِ يُكَاتَبَانِ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَيَجْنِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ آخَرَيْنِ فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ قَالَ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْتَصَّ فِي الْعَمْدِ، فَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْمُكَاتَبِ الْمَقْتُولِ فَذَلِكَ لَهُ، وَيَعْتِقُ هَذَا الْقَاتِلُ فِيمَا أَخَذَ السَّيِّدُ مِنْهُ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ - فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ - قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ قَالَ: يَكُونُ فِي الْعَمْدِ لِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ إنْ أَحَبَّ، فَإِنْ اسْتَحْيَاهُ عَلَى أَنْ يَتْبَعَهُ بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ وَيَعْتِقُ هَذَا الْقَاتِلُ فِي قِيمَةِ هَذَا الْمَقْتُولِ إنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى هَذَا الْقَاتِلِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ أَخَذَ السَّيِّدُ ذَلِكَ وَحَسَبَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ هَذَا الْقَاتِلُ رَجَعَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِمَا كَانَ يُصِيبُ حِصَّةَ هَذَا الْقَاتِلِ مِمَّا حُسِبَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ فِي الْكِتَابَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبَيْنِ كُوتِبَا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً؛ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، كَانَا ذَوِي قَرَابَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ مَا حَالُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ وَيَعْتِقُ الْقَاتِلُ فِيهَا، وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَيَعْتِقُ هَذَا الْبَاقِي وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ.
قَالَ: وَسَوَاءٌ إنْ قَتَلَهُ هَذَا الَّذِي مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كَانَا ذَوِي قَرَابَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ، فَذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَيَعْتِقُ الْقَاتِلُ فِي قِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بِمَا عَتَقَا بِهِ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ بِمَا يَنُوبُهُ فِي رَأْيِي؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ عَلَى الْقَاتِلِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا قَتَلَهُ لِيَتَعَجَّلَ عِتْقَهُ، وَهُوَ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَعَجَّلَ مَا أَغْرَمَهُ سَيِّدُهُ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَيَعْتِقُ، فَلَيْسَ هَاهُنَا تُهْمَةٌ أَتَّهِمُهُ بِهَا فَلِذَلِكَ أَعْتِقُهُ بِهِ.
وَإِنَّمَا الَّذِي سَمِعْتُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ أَنْ لَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ مَالٌ يَعْتِقُ بِهِ الْقَاتِلُ فَاسْتَحْيَا لَمْ يَعْتِقْ إنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فِي تَرِكَتِهِ لِمَا اُتُّهِمَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْجِيلِ عِتْقِهِ فِي مَالِ الْمَقْتُولِ، وَتَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ.
فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَفَافًا لِلْكِتَابَةِ عَتَقَ وَتَبِعَهُ السَّيِّدُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قِيمَةُ
الْمَقْتُولِ عَجَزَ وَرَجَعَ رَقِيقًا وَعَتَقَ فِي الْمَالِ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ فِي مَالِ الْمَقْتُولِ لَا يَعْتِقُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا فِيمَا تَرَكَ، وَيَعْتِقُ إنْ كَانَ قَتَلَهُ خَطَأً فِيمَا تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ عَلَيْهِ - وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ - وَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ فَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّونَ إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ فِي الْأَجْنَبِيِّ يَتْبَعُهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي تَرَكَهُ الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ قَتَلَهُ خَطَأً، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ أَيْضًا بِقِيمَةِ الْمَقْتُولِ وَلَا يَتْبَعُ السَّيِّدُ فِي الْمَالِ إذَا كَانَا أَخَوَيْنِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ قِيمَةِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ يَتْبَعُهُ لَوْ أَدَّى عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ فِي الدِّيَةِ السَّيِّدُ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ هُوَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَسْقُطُ عَمَّنْ كَانَ لَا يَتْبَعُهُ لَوْ أَدَّى عَنْهُ فِي الْخَطَأِ، وَيَكُونُ عَلَى الْأَخِ قِيمَةُ أَخِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ عَلَيْهِ.
[ذَوِي الْقَرَابَةِ يُكَاتَبُونَ كِتَابَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَجْنِي بَعْضُهُمْ]
فِي ذَوِي الْقَرَابَةِ يُكَاتَبُونَ كِتَابَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَجْنِي بَعْضُهُمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جِنَايَاتِ ذَوِي الْقَرَابَةِ إذَا جَنَى أَحَدُهُمْ وَجَمِيعُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ، فَعَجَزَ الْجَانِي عَنْ أَدَاءِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ؟ قَالَ: يُقَالُ لِلَّذِينَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ: أَدُّوا الْجِنَايَةَ وَإِلَّا رَجَعْتُمْ رَقِيقًا.
فَإِنْ رَجَعُوا رَقِيقًا قِيلَ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ الْجَانِيَ وَحْدَهُ بِجِنَايَتِهِ أَوْ افْدِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدَّى عَنْ الْجَانِي قَرَابَتُهُ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ - وَهُمْ إخْوَتُهُ أَوْ وَالِدُهُ - فَعَتَقُوا، هَلْ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّوْا عَنْهُ مَنْ الْجِنَايَةِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ افْتَكُّوهُ حِينَ أَدَّوْا عَنْهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ مُكَاتَبٌ فَعَتَقَ لَعَتَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهِ، فَكَذَلِكَ مَا افْتَكَّهُ بِهِ لَا يَتْبَعُهُ بِشَيْءٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبَيْنِ كُوتِبَا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً، فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا - كَانَا ذَا قَرَابَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ - مَاذَا عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ، وَيَعْتِقُ الْقَاتِلُ فِيهَا وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ.
قَالَ: وَسَوَاءٌ إنْ قَتَلَهُ الَّذِي مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، كَانَا ذَا قَرَابَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ، فَذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَيَعْتِقُ الْقَاتِلُ فِي قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَلَا يَتْبَعُ الَّذِي عَتَقَ بِاَلَّذِي أَدَّى عَنْهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهُ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَيْنِ إذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْجَانِي: افْتَكَّ رَقَبَتَكَ بِدِيَةِ جِنَايَتِكَ، فَإِنْ عَجَزَ قِيلَ لِأَصْحَابِهِ: افْتَكُّوهُ بِدِيَةِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ أَبَوْا صَارُوا رَقِيقًا كُلُّهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ شَيْءٌ مِنْ نُجُومِهِمْ ثُمَّ قِيلَ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ الْجَانِيَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا هِيَ فِي رَقَبَتِهِ فَحَيْثُمَا زَالَ زَالَتْ مَعَهُ، أَوْ افْدِهِ بِدِيَةِ الْجِنَايَةِ.
[جِنَايَةِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَى وَلَدِهَا]
فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَى وَلَدِهَا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُكَاتَبَةً حَدَثَ لَهَا وَلَدٌ فِي الْكِتَابَةِ فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا عَمْدًا فَقَالَ السَّيِّدُ: أَنَا أَقْتُلُهَا.
أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَالِدِ يَقْتُلُ وَلَدَهُ: إنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ
عَمَدَ لِقَتْلِهِ، مِثْلَ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ، فَأَمَّا مَا رَمَاهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِهِ أَوَحَذَفَهُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ عَلَى هَذَا.
[عَبْد الْمُكَاتَب يُجْرَح فَيُرِيد الْمُكَاتَب أَنْ يقتص ويأبى سَيِّدُهُ إلَّا الْعَفْو وَأَخَذَ الْعَقْل]
فِي عَبْدِ الْمُكَاتَبِ يُجْرَحُ فَيُرِيدُ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَقْتَصَّ وَيَأْبَى سَيِّدُهُ إلَّا الْعَفْوَ وَأَخْذَ الْعَقْلِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُكَاتَبًا قُتِلَ عَبْدٌ لَهُ عَمْدًا، فَأَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ وَأَبَى سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ إلَّا الْعَفْوَ وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ مِنْ الْقَاتِلِ أَوْ قِيمَةَ عَبْدِهِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ.
يَمْنَعُهُ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ وَمِنْ صَدَقَتِهِ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاتِلِ عَبْدِهِ فِي عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إذَا أَبَى السَّيِّدُ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ إذَا عَفَا السَّيِّدُ: ادْفَعْ عَبْدَكَ إلَى الْمُكَاتَبِ أَوْ افْدِهِ بِقِيمَةِ عَبْدِ الْمُكَاتَبِ الْمَقْتُولِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْعَبْدِ يَجْرَحُ الْعَبْدَ عَمْدًا فَيَقُولُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ: لَا أَقْتَصُّ وَلَكِنْ آخُذُ هَذَا الْجَانِيَ عَلَى عَبْدِي، أَوْ يَدْفَعُ إلَيَّ دِيَةَ جُرْحِ عَبْدِي فَيَقُولُ سَيِّدُ الْجَارِحِ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ اقْتَصَّ؛ أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ، وَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْجَارِحِ فَإِمَّا أَسْلَمَ عَبْدَهُ بِجِنَايَتِهِ، وَإِمَّا افْتَكَّهُ بِثَمَنِ جُرْحِ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ.
قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْقَتْلِ هُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ تُشْبِهُ هَذَا، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتْرُكَ مَالًا قَدْ وَجَبَ لَهُ مِنْ دِيَةِ عَبْدٍ كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَعْرُوفٌ فِي مَالِهِ إذَا مَنَعَهُ سَيِّدُهُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتُلَ، وَقَدْ كَتَبْنَا آثَارَ هَذَا الْأَصْلِ قَبْلَ هَذَا.
[سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ يَجْنِي عَلَى مُكَاتَبِ مُكَاتَبِهِ]
فِي سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ يَجْنِي عَلَى مُكَاتَبِ مُكَاتَبِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ فَوُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ الثَّانِي أَوْلَادٌ - حَدَثُوا فِي الْكِتَابَةِ - ثُمَّ قَتَلَ السَّيِّدُ الْأَعْلَى الْمُكَاتَبَ الثَّانِي؟ قَالَ: يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي إلَى الْمُكَاتَبِ الْأَعْلَى.
فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ - كِتَابَةِ الثَّانِي - عَتَقَ أَوْلَادُ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ سَعَى أَوْلَادُ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي فِيمَا بَقِيَ، عَلَى أَبِيهِمْ، وَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ يَسْعَى فِي بَقِيَّةِ كِتَابَتِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ الْأَوَّلِ أَنْ يَحْبِسَ قِيمَةَ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي عَنْ الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ الثَّانِيَ وَوَلَدَهُ مَالٌ لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ وَلَا بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهِ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ مَالٌ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ وَلَدَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَجَنَى عَلَيْهِ أَحَدٌ جِنَايَةً كَانَتْ الْجِنَايَةُ لِلْمُكَاتَبِ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ الْأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ كَأَنَّهُ بَاعَهُ.
وَكَذَلِكَ مُكَاتَبُ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا هُوَ عَبْدٌ لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ نَفْسَهُ لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ لِمُكَاتَبِهِ، كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَدْفَعُهَا إلَى الْمُكَاتَبِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[إقْرَارِ الْمُكَاتَبِ بِالْجِنَايَةِ وَالدَّيْنِ]
فِي إقْرَارِ الْمُكَاتَبِ بِالْجِنَايَةِ وَالدَّيْنِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُكَاتَبًا أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأً أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا الدَّيْنُ فَلَازِمٌ لَهُ - عِنْدَ مَالِكٍ - فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا الْجِنَايَةُ فَلَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إقْرَارُ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ بِالْجِنَايَةِ.
فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ شَيْءٌ وَيَتْبَعُهُ أَصْحَابُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ عَتَقَ بَعْدَمَا عَجَزَ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ بِالْجِنَايَةِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ عَقْلُ الْجِنَايَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
[الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَجِنَايَةٌ]
فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَجِنَايَةٌ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ وَجِنَايَةٌ خَطَأً كَانَ جَنَاهَا؟ قَالَ: أَهْلُ الدَّيْنِ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي رَقَبَتِهِ وَالدَّيْنَ لَيْسَ فِي رَقَبَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَقَدْ جَنَى جِنَايَةً خَطَأً؟ قَالَ: أَهْلُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ فِي رَقَبَتِهِ وَفِي مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ جَنَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّمَا جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ وَالدَّيْنُ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الْعَبْدِ يَجْنِي جِنَايَةً: إنَّ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ فِي جِنَايَتِهِ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْهُ وَمَالَهُ أَوْ افْدِهِ بِجَمِيعِ عَقْلِ جِنَايَتِهِ.
فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟
قَالَ: دَيْنُهُ أَوْلَى بِمَالِهِ وَجِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ الْعَقْلِ فَأَدَّاهُ عَنْهُ سَيِّدُهُ، أَيَكُونُ عَلَى كِتَابَتِهِ أَمْ يَكُونُ عَبْدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَقْوَ عَلَى أَدَاءِ الْجِنَايَةِ رُدَّ رَقِيقًا وَخُيِّرَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ شَاءَ افْتَكَّهُ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَجُرُّ الْجَرِيرَةَ وَلَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ: إنَّ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَجَرِيرَتَهُ فِي رَقَبَتِهِ، فَكَذَلِكَ كَانَ مَا قُلْتُ لَكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَلَدًا حَدَثُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ وَجِنَايَاتٌ كَانَ جَنَاهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْجِنَايَاتُ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ - عِنْدَ مَالِكٍ - إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ مَالٌ.
وَأَمَّا دَيْنُ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: دَيْنُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ مَاتَ هَذَا الْمُكَاتَبُ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْغَرِيمِ وَقَدْ بَطَلَ دَيْنُهُ.
قُلْتُ: أَفَلَا يَكُونُ لِغَرِيمِ الْمُكَاتَبِ فِيمَا فِي يَدَيْ الِابْنِ مِنْ الْمَالِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا شَيْءَ لَهُ مِمَّا فِي يَدَيْ الِابْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَالًا لِلْأَبِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: دَيْنُ الْمُكَاتَبِ فِي مَالِهِ وَالِابْنُ لَيْسَ بِمَالِهِ.
فَمَا اكْتَسَبَ الِابْنُ الَّذِي حَدَثَ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ مَالٍ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ وَلِابْنِهِ مَالٌ ظَاهِرٌ فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِ الِابْنِ الْكِتَابَةَ إذَا كَانَتْ قَدْ حَلَّتْ، وَإِلَّا فَمَا حَلَّ مِنْهَا.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ دَيْنَ الْمُكَاتَبِ لَا يَكُونُ عَلَى ابْنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَمِنْهُ رَأْيِي وَلَا يَكُونُ عَلَى الِابْنِ مِنْ جِنَايَةِ أَبِيهِ شَيْءٌ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْجِنَايَةُ وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَقَدْ مَاتَ وَلَهُ
مَالٌ، فَدِيَتُهُ أَوْلَى بِمَالِهِ، فَإِنْ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ كَانَتْ لِأَهْلِ الْجِنَايَةِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا الْجِنَايَةَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ جَنَى جِنَايَةً فَإِنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ فِيهَا، فَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُخَيَّرَ السَّيِّدُ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ.
فَالْوَلَدُ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ السَّيِّدِ يُخَيَّرُونَ، إنْ كَانَ أَبُوهُمْ حَيًّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى أَدَاءِ الْجِنَايَةِ فِي أَنْ يُؤَدُّوا أَوْ يَعْجِزُوا، فَإِذَا مَاتَ أَبُوهُمْ سَقَطَ عَنْهُمْ مَا كَانَ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْجِنَايَةِ، كَمَا يَسْقُطُ عَلَى السَّيِّدِ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ جِنَايَتِهِمْ حِينَ مَاتَ الْمُكَاتَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ.
وَلَوْ قَامَ بِذَلِكَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ فِي حَيَاةِ الْأَبِ وَاخْتَارُوا الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ إنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْجِنَايَةَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ عَجَّلَ لَهُ عِتْقَهُ أَوْ أَعْتَقَ رَجُلَ عَبْدِهِ، فَكَتَبَ السَّيِّدُ عَلَيْهِمَا مَالًا يَدْفَعَانِهِ إلَى السَّيِّدِ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِمَا، وَعَجَّلَ لَهُمَا الْعِتْقَ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُمَا، ثُمَّ مَاتَا أَوْ أَفْلَسَا، لَمْ يَدْخُلْ السَّيِّدُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَكَانَ أَهْلُ الدَّيْنِ أَوْلَى بِمَالِهِمْ مِنْ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا يَتْبَعُهُ بِثَمَنِ رَقَبَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا فِي يَدَيْ الْعَبْدِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
وَإِنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ مَالِهِ بَقِيَّةٌ بَعْدَ تَأْدِيَةِ الدَّيْنِ حِينَ فَلَّسُوهُ، أَخَذَهُ السَّيِّدُ الَّذِي عَجَّلَ لَهُ الْعِتْقَ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا بَقِيَ لَهُ وَكَانَ عَلَى نُجُومِهِ الْأُولَى، وَلَيْسَ يَقْدِرُ السَّيِّدُ أَنْ يُفَلِّسَ مُكَاتَبَهُ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ، فَإِنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ مَحَلِّهَا فَيَنْظُرُ فِي حَالِ الْعَبْدِ فِي الْعَجْزِ وَالْأَدَاءِ.
[الْمُكَاتَبَةِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ تَلِدُ وَلَدًا ثُمَّ تَمُوتُ الْأُمُّ]
فِي الْمُكَاتَبَةِ تَجْنِي جِنَايَةً ثُمَّ تَلِدُ وَلَدًا ثُمَّ تَمُوتُ الْأُمُّ
قُلْتُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مُكَاتَبَةٍ جَنَتْ جِنَايَةً ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا فَمَاتَتْ: إنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَةِ إذَا جَنَتْ جِنَايَةً ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَمَاتَتْ الْأُمُّ: إنَّهُ لَا شَيْءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَلَا عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي رَقَبَةِ الْأُمِّ فَقَدْ ذَهَبَتْ الْأُمُّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْوَلَدُ لَيْسَ بِمَالٍ لَهَا فَيَتْبَعُهَا فِيهِ أَوْلِيَاءُ الْجِنَايَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَاتَتْ لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ إلَّا فِي رَقَبَتِهَا، وَلَا يَكُونُ وَلَدُهَا فِي جِنَايَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، أَخْبَرَنِيهِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ.
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
[دِيَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِسَائِهِمْ وَالْعَاقِلَةُ تَغْرَمُ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ]
ِ مَا جَاءَ فِي دِيَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِسَائِهِمْ، وَالْعَاقِلَةُ تَغْرَمُ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: كَمْ دِيَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَدِيَةُ نِسَائِهِمْ؟ قَالَ: دِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ رِجَالُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّ دِيَةَ رِجَالِهِمْ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ نِسَائِهِمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَجِرَاحَاتُهُمْ فِي دِيَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ جِرَاحَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ خَطَأً، هَلْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
قُلْتُ: فَفِي كَمْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ: أَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَى هَذَا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الدِّيَةِ: تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
قُلْتُ: وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ، فِي كَمْ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الدِّيَةِ تُحْمَلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَأَنَا أَرَى الدِّيَاتِ كُلَّهَا، دِيَةَ الرَّجُلِ وَدِيَةَ الْمَرْأَةِ وَدِيَةَ النَّصْرَانِيِّ وَدِيَةَ النَّصْرَانِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ: أَنَّهَا تُنَجَّمُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ وَدِيَةَ الْمَجُوسِيَّةِ، أَتُنَجَّمُ أَيْضًا عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ وَدِيَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَذَلِكَ أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: الدِّيَةُ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُسْلِمِ يَجْنِي عَلَى الْمُسْلِمَةِ أَوْ الْمَجُوسِيّ أوالمجوسية]
مَا جَاءَ فِي الْمُسْلِمِ يَجْنِي عَلَى الْمُسْلِمَةِ ثُلُثَ دِيَتِهَا أَوْ عَلَى الْمَجُوسِيِّ أَوْ عَلَى الْمَجُوسِيَّةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ الْمَجُوسِيَّةَ إذَا جَنَى عَلَيْهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ جِنَايَةً خَطَأً تَبْلُغُ ثُلُثَ
دِيَتِهَا، أَتَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَحْمِلُ ذَلِكَ الْعَاقِلَةُ إذَا بَلَغَتْ الْجِنَايَةُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَجْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ فَيَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ: إنَّ عَاقِلَةَ الرَّجُلِ تَحْمِلُ ذَلِكَ.
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ؛ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ أُصْبُعَيْنِ خَطَأً حَمَلَتْ ذَلِكَ عَاقِلَتُهُ؛ لِأَنَّ عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً جَنَتْ عَلَى رَجُلٍ فَقَطَعَتْ مِنْ الرَّجُلِ أُصْبُعَيْنِ خَطَأً؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى الْجَانِي إذَا جَنَى، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَنَى مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ لَا تَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهِ نَظَرْتُ، فَإِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ أَيْضًا.
قُلْتُ: وَأَصْلُ هَذَا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[مَا جَاءَ فِي الْمَجُوسِيّ والمجوسية يجنيان عَلَى الْمُسْلِم]
ِ ثُلُثَ دِيَةٍ وَالنَّصْرَانِيِّ يَجْنِي عَلَى الْمُسْلِمِ ثُلُثَ دِيَةٍ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ مَجُوسِيَّةً جَنَتْ عَلَى رَجُلٍ مَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا هِيَ، أَيَحْمِلُهَا أَهْلُ خَرَاجِهَا؟ أَوْ رَجُلًا مَنْ الْمَجُوسِ جَنَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجُوسِ، أَيَحْمِلُ أَهْلُ خَرَاجِهِ هَذِهِ الْجِنَايَةَ أَمْ لَا؟ وَقَدْ قُلْتُ إنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّ لَهُمْ عَوَاقِلَ وَهُمْ أَهْلُ خَرَاجِهِمْ.
قَالَ: أَرَى فِي الْمَرْأَةِ أَنَّ أَهْلَ خَرَاجِهَا يَحْمِلُونَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَيَحْمِلُونَ جِنَايَةَ نِسَائِهِمْ إذَا جَنَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَيَحْمِلُ الرَّجُلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ.
قُلْتُ لِمَالِكٍ: وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا جَنَى جِنَايَةً، مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَهْلُ جِزْيَتِهِ وَهُمْ أَهْلُ كُورَتِهِ الَّذِينَ خَرَاجُهُ مَعَهُمْ.
[قِيمَة دِيَة عَبْدِ النَّصَارَى وَالْمَجُوس]
مَا جَاءَ فِي قِيمَةِ عَبْدِ النَّصَارَى وَالْمَجُوس
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبِيدَهُمْ إذَا هُمْ قُتِلُوا، مَا عَلَى الْقَاتِلِ؟ قَالَ: عَبِيدُهُمْ - عِنْدَ مَالِكٍ - سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ، عَلَى الْقَاتِلِ مَبْلَغُ قِيمَتِهِ - مَا بَلَغَتْ - وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ أَلْفٍ، بِمَنْزِلَةِ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى قَاتِلِ الْعَبْدِ مِنْ عَبِيدِهِمْ قِيمَتُهُ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ بَلَغَتْ مِائَةَ أَلْفٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ فِي مَأْمُومَتِهِ وَجَائِفَتِهِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثَ ثَمَنِهِ، وَفِي مَنْقَلَتِهِ عُشْرُ ثَمَنِهِ وَنِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ، وَفِيمَا بَعْدَ هَذِهِ الْأَرْبَعِ الْخِصَالِ مِمَّا يُصَابُ بِهِ الْعَبْدُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا جَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ]
مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا جَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَتَحْمِلُهُ عَوَاقِلُهُمْ وَيَحْكُمُ السُّلْطَانُ
بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ إذَا كَانَ خَطَأً؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا قَتَلَ النَّصْرَانِيُّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَطَأً إنَّ عَاقِلَةَ النَّصْرَانِيِّ تَحْمِلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَا تَظَالَمُوا بِهِ بَيْنَهُمْ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
فَأَرَى أَنَا أَنَّ عَاقِلَتَهُ تَحْمِلُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ جِنَايَةً تَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَبْيَنُ عِنْدِي مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا جَنَتْ عَلَى الرَّجُلِ جِنَايَةً تَبْلُغُ ثُلُثَ دِيَتِهَا، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ عِنْدِي.
قُلْتُ فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الدِّيَةِ، أَهِيَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ أَمْ عَلَى الْقَبَائِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا الْعَقْلُ عَلَى أَهْلِ الْقَبَائِلِ، أَهْلَ دِيوَانٍ كَانُوا أَوْ غَيْرَ أَهْلِ دِيوَانٍ
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ جَنَى جِنَايَةً بِأَرْضِ مِصْرَ، وَلَيْسَ بِمِصْرَ مَنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ وَقَوْمُهُ بِالْعِرَاقِ أَوْ بِالْيَمَنِ، فَجَنَى جِنَايَةً بِمِصْرَ، أَيُضَمُّ إلَيْهِ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِ مِنْ قَوْمِهِ بِمِصْرَ فَيَحْمِلُونَ جِنَايَتَهُ، أَمْ تُجْعَلُ جِنَايَتُهُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ كَانُوا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا انْقَطَعَ الْبَدَوِيُّ إلَى الْحَضَرِ فَسَكَنَ الْحَضَرَ عُقِلَ مَعَهُمْ، وَلَا يُعْقَلُ أَهْلُ الْحَضَرِ مَعَ أَهْلِ الْبَدْوِ وَلَا أَهْلُ الْبَدْوِ مَعَ أَهْلِ الْحَضَرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَهْلَ مِصْرَ لَا يُعْقَلُونَ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلَ الشَّامِ لَا يُعْقَلُونَ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَهِيَ مَسْكَنُهُ عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ مِصْرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا جَرَحَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ - وَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ مَنْ يَحْمِلُ عَقْلَهُ - لِقِلَّتِهِمْ - ضُمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَوْمٌ يَحْمِلُونَ الْعَقْلَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أَيْضًا أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَحْمِلُ الْعَقْلَ.
قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَكَيْفَ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَقْلَ؟
قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْغَنِيِّ بِقَدْرِهِ وَعَلَى مَنْ دُونَهُ بِقَدْرِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا عَلَى ذَلِكَ قَدْرُ طَاقَةِ النَّاسِ فِي يُسْرِهِمْ.
قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي تَحَوَّلَ إلَى مِصْرَ فَسَكَنَهَا، أَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِيِّينَ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَحَوَّلَ إلَى مِصْرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَسَكَنَ مِصْرَ وَانْقَطَعَ إلَيْهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبَدَوِيِّ مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِصْرِيًّا إذَا انْقَطَعَ إلَى مِصْرَ.
وَقَدْ قَالَهُ فِي الشَّامِيِّ إذَا تَحَوَّلَ إلَى مِصْرَ، إنَّهُ يَصِيرُ مِصْرِيًّا وَيُعْقَلُ مَعَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ جَنَى الرَّجُلُ الَّذِي تَحَوَّلَ إلَى مِصْرَ جِنَايَةً - وَقَوْمُهُ بِالشَّامِ وَمِنْهُمْ بِمِصْرَ - وَاَلَّذِينَ بِمِصْرَ لَا يَحْمِلُونَ الْجِنَايَةَ لِقِلَّتِهِمْ وَلِسَعَةِ الدِّيَةِ، أَيُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ، أَمْ يَحْمِلُ قَوْمُهُ الَّذِينَ بِالشَّامِ الدِّيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ تَحَوَّلَ مِنْ الشَّامِ إلَى مِصْرَ؟ قَالَ: إذَا تَحَوَّلَ إلَى مِصْرَ فَسَكَنَهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَمَا أَخْبَرْتُكَ، وَلَا يَحْمِلُ أَهْلُ الشَّامِ جِنَايَةَ أَهْلِ مِصْرَ وَلَا أَهْلُ مِصْرَ جِنَايَةَ أَهْلِ الشَّامِ.
فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الشَّامِ: لَا يَحْمِلُونَ جِنَايَةَ أَهْلِ مِصْرَ وَلَا أَهْلُ مِصْرَ يَحْمِلُونَ جِنَايَةَ أَهْلِ الشَّامِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَهْلِ الْبَدْوِ: لَا يَحْمِلُونَ جِنَايَةَ أَهْلِ الْحَضَرِ وَأَهْلُ الْحَضَرِ لَا يَحْمِلُونَ جِنَايَةَ أَهْلِ الْبَدْوِ.
فَأَرَى أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ فَيَحْمِلُونَ الدِّيَةَ كَمَا وَصَفْتُ
لَكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الرَّجُلِ بِمِصْرَ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ يَحْمِلُ جِنَايَتَهُ، ضُمَّتْ إلَيْهِ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَى قَوْمِهِ فَيَحْمِلُونَ جَرِيرَتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَهْلَ الْبَدْوِ لَا يَحْمِلُونَ مَعَ أَهْلِ الْحَضَرِ، وَأَهْلَ الْحَضَرِ لَا يَحْمِلُونَ مَعَ أَهْلِ الْبَدْوِ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ فِي دِيَةٍ وَاحِدَةٍ إبِلٌ وَدَنَانِيرُ، أَوْ إبِلٌ وَدَرَاهِمُ، أَوْ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ، فَهَذَا تَفْسِيرُهُ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.
فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ فَهُمْ أَجْنَادٌ وَقَدْ جُنِّدَتْ، فَكُلُّ جُنْدٍ عَلَيْهِمْ جَرَائِرُهُمْ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَجْنَادِ.
[الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا جَنَوْا وَفِي دِيَةِ الْجَنِينِ]
مَا جَاءَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا جَنَوْا وَفِي دِيَةِ الْجَنِينِ إذَا كَانَ ذَكَرًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ مَا جَنَيَا مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَهُوَ خَطَأٌ كُلُّهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إذَا كَانَ مَبْلَغَ الثُّلُثِ فَصَاعِدًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَفِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِمْ يُتْبَعُونَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ يُفِيقُ وَيُجَنُّ، فَمَا أَصَابَ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَمَا أَصَابَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ فَهُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ، يُقَامُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ إنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَجْنُونَ الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ إذَا قَطَعَ يَدَ الرَّجُلِ عَمْدًا، أَوْ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ وَذَلِكَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ، ثُمَّ انْتَظَرَ بِهِ بَرَاءَ الْجِرَاحِ؛ فَلَمَّا بَرِئَتْ الْجِرَاحُ قَدِمَ إلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ مَعْتُوهٌ فِي حَالِ جُنُونِهِ - وَهُوَ يُجَنُّ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ - أَتُقِيمُ عَلَيْهِ جَرَائِرَهُ هَذِهِ، أَمْ تَنْتَظِرُ بِهِ حَتَّى يُفِيقَ ثُمَّ تُقِيمُ عَلَيْهِ مَا جَنَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤَخَّرَ حَتَّى يُفِيقَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[دِيَةُ الْجَنِينِ جَنِينِ الْحُرَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَنِينَ فِي الدِّيَةِ إنْ كَانَ الْجَنِينُ جَارِيَةً؟ قَالَ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ - عِنْدَ مَالِكٍ - فِي الدِّيَةِ، فَفِيهَا الْغُرَّةُ، جَارِيَةً كَانَ أَوْ غُلَامًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا، مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مَنْ خَلْقِهِ أُصْبُعٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ.
أَتَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَلْقَتْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ دَمًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الطَّلَاقِ وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَنِينَ إذَا ضَرَبَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ أُمُّهُ مَيِّتًا، أَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَالِ الْجَانِي.
[مَجُوسِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ ضَرَبَ مُسْلِمَة فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا]
مَا جَاءَ فِي امْرَأَةٍ مِنْ الْمَجُوسِ أَوْ رَجُلٍ مِنْ الْمَجُوسِ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْمَجُوسِ أَوْ رَجُلًا مَنْ الْمَجُوسِ ضَرَبَ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ
فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْجَارِحِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى إنْ كَانَ خَطَأً حَمَلَتْهُ عَاقِلَتُهُمْ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْجَارِحِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا كَانَ فِي مَالِ الْجَارِحِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَجْرَحُ رَجُلًا فَيَبْلُغُ ذَلِكَ ثُلُثَ دِيَتِهَا: إنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهَا.
فَكَذَلِكَ الْمَجُوسُ مَا أَصَابُوا مِمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ ثُلُثُ دِيَتِهِمْ - رَجُلًا كَانَ الَّذِي جَنَى أَوْ امْرَأَةً - فَإِنَّ عَاقِلَتَهُمْ تَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَيَكُونُ عَلَى الضَّارِبِ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْكَفَّارَةِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنِينِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ فِي الذِّمِّيِّ وَفِي الْعَبْدِ إذَا قُتِلَا، أَرَى فِيهِمَا الْكَفَّارَةَ وَأَرَى فِي جَنِينِهِمَا الْكَفَّارَةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ خَطَأً فَمَاتَتْ فَخَرَجَ جَنِينُهَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا مَيِّتًا، أَيَكُونُ فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى فِيهِ غُرَّةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ، فَإِنَّمَا عَلَى قَاتِلِهَا الدِّيَةُ لِأَنَّهُ مَاتَ بِمَوْتِ أُمِّهِ.
قُلْتُ: فَكَمْ تَرَى عَلَيْهِ، أَكَفَّارَتَيْنِ أَوْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا حَيًّا ثُمَّ مَاتَتْ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ آخَرُ ثُمَّ مَاتَ الْجَنِينُ الَّذِي خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ قَبْلَ مَوْتِهَا؟ قَالَ: فِي الْأُمِّ نَفْسِهَا وَفِي وَلَدِهَا الَّذِي لَمْ يُزَايِلْهَا - عِنْدَ مَالِكٍ - الدِّيَةُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا لَمْ يُزَايِلْهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، لَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الَّذِي فِي بَطْنِهَا - مِنْ مَالِكٍ - فِي كَفَّارَتِهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى عَلَيْهِ فِيهِ الْكَفَّارَةَ.
وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ، فَإِنْ كَانَ اسْتَهَلَّ صَارِخًا فَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَفِيهِ مَا فِي الْجَنِينِ.
[قِيمَةَ دِيَةِ الْجَنِينِ]
مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي بِعَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ قِيمَةَ دِيَةِ الْجَنِينِ هَلْ يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ فِي الْجَنِينِ مِنْ الْحَدِيثِ: إنَّ فِيهِ الْغُرَّةَ، أَرَأَيْت إنْ جَاءَهُمْ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، أَيُجْبَرُونَ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي خَرَجَ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فَمَاتَ قَبْلَ مَوْتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ بَعْدَهُ، أَتَرِثُ الْأُمُّ مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ هُوَ بَعْدَهَا وَقَدْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا، يَرِثُ هَذَا أُمَّهُ أَمْ لَا؟ نَعَمْ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَسَائِلِكَ هَذِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلِأَبِيهِ امْرَأَةٌ أُخْرَى حَامِلٌ فَوَلَدَتْ بَعْدَ خُرُوجِ الْجَنِينِ وَلَدًا حَيًّا، أَيَرِثُ مِنْ دِيَةِ هَذَا الْجَنِينِ شَيْئًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ:
دِيَةُ الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، فَأَرَى لِهَذَا الْوَلَدِ مِنْ هَذَا الْأَخِ الْجَنِينِ مِيرَاثَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا يَوْمَ خُرُوجِ الْجَنِينِ مَيِّتًا وَوَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَيِّتًا لَوْ مَاتَ، وَلِأَبِيهِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ، وَلَا ابْنَ لِلْمَيِّتِ، أَنَّ لِلْحَمْلِ مِيرَاثَهُ مِنْ هَذَا الْمَيِّتِ إذَا خَرَجَ حَيًّا، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الْجَنِينِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ حَيًّا فَعَاشَ أَوْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا فَمَاتَ مَكَانَهُ، كَانَ لِهَذَا الَّذِي خَرَجَ حَيًّا مِيرَاثُهُ مِنْ هَذَا الَّذِي خَرَجَ مَيِّتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: دِيَةُ الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ خَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا قَبْلَ أَخِيهِ الْحَيِّ أَوْ بَعْدَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ يَرِثُهُ إذَا كَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَهُ وَهُوَ حَيٌّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ الْوَالِدَ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَإِنَّ الْأَبَ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ الْجَنِينِ شَيْئًا وَلَا يَحْجُبُ، وَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جَنِينَ الذِّمِّيَّةِ كَمْ فِيهِ؟ قَالَ: عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ وَهُوَ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي هَذَا سَوَاءٌ؟
قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَعَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا عَمْدًا فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا فَمَاتَ بَعْدَمَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا؟ قَالَ: الَّذِي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهُ، إنَّمَا هُوَ فِي الْخَطَأِ.
وَأَنَا أَرَى فِيهِ الدِّيَةَ بِقَسَامَةٍ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً وَالْأَبُ مُسْلِمًا.
وَإِنْ ضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَهَا عَمْدًا فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّ فِيهِ الْقَسَامَةَ يَقْتَسِمُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَيَقْتُلُونَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَكُونُ الْعَمْدُ فِي الْمَرْأَةِ، إلَّا أَنْ يَضْرِبَ بَطْنَهَا خَاصَّةً تَعَمُّدًا، فَذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ النَّصْرَانِيِّ وَهِيَ حَامِلٌ، فَضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؟ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي هَذَا، وَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ: إنَّ فِي جَنِينِهَا مَا فِي جَنِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ، حَلَفَ وَرَثَتُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَاسْتَحَقُّوا دِيَتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي النَّصْرَانِيِّ يُقْتَلُ فَيَأْتِي وُلَاتُهُ بِشَاهِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلٍ: إنَّهُمْ يَحْلِفُونَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا.
فَكَذَلِكَ جَنِينُ النَّصْرَانِيَّةِ إذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا، فَإِنَّمَا فِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ لَمَاتَ مِمَّا فَعَلَ بِهِ وَاسْتَحَقُّوا دِيَتَهُ.
[قِيمَةِ جَنِينِ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَفِي الْأَبِ يَجْنِي عَلَى ابْنِهِ بِخَطَأٍ]
مَا جَاءَ فِي قِيمَةِ جَنِينِ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَفِي الْأَبِ يَجْنِي عَلَى ابْنِهِ بِخَطَأٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ فِي الْجَنِينِ مِنْ الْحَدِيثِ: إنَّ فِيهِ الْغُرَّةَ.
أَرَأَيْت إنْ جَاءَهُمْ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، أَيُجْبَرُونَ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ
يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قِيمَةَ الْغُرَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ إنَّمَا هِيَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ، كَمْ فِي جَنِينِهَا؟ قَالَ: فِي جَنِينِهَا عُشْرُ قِيمَتِهَا كَجَنِينِ الْحُرَّةِ مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِجَنِينِ الْأَمَةِ أَبٌ، وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ، هَلْ يُلْتَفَتُ إلَى قِيمَتِهِ، أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأَبِ إذَا كَانَ عَبْدًا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يُلْتَفَتُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إلَى وَالِدِهِ - عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا - إنَّمَا فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي جَنِينِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا: إنَّ فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ خَطَأً، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا - عِنْدَ مَالِكٍ - وَيَرِثُ مِنْ مَالِهِ.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا وَلَا مِنْ مَالِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْجَنِينِ إذَا ضُرِبَتْ أُمُّهُ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا؟
قَالَ مَالِكٌ: فِيهِ دِيَةُ الْجَنِينِ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا، وَإِذَا ضَرَبَهَا فَأَلْقَتْهُ حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: فِيهِ الْقَسَامَةُ وَدِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَالَ: بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ ضُرِبَ فَتَكَلَّمَ وَعَاشَ أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ، وَاَلَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى مَاتَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْجَنِينُ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا قَدْ اسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ، فَلَا يَدْرِي أَمِنْ ضَرْبَتِهِ مَاتَ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهَا عَمْدًا فَأَلْقَتْهُ حَيًّا فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ؟
قَالَ: إنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ خَطَأً فَأَلْقَتْهُ حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ.
قَالَ مَالِكٌ: فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالْعَقْلُ، وَأَرَى فِي الْعَمْدِ فِي مَسْأَلَتِكَ الْقَسَامَةَ وَالْقَوَدَ.
[رَجُلٍ وَصَبِيٍّ قَتَلَا رَجُلًا عَمْدًا أَوْ ضَرَبَهُ الصَّبِيُّ خَطَأً وَالرَّجُلُ عَمْدًا]
فِي رَجُلٍ وَصَبِيٍّ قَتَلَا رَجُلًا عَمْدًا أَوْ ضَرَبَهُ الصَّبِيُّ خَطَأً وَالرَّجُلُ عَمْدًا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اجْتَمَعَ فِي قَتْلِ رَجُلٍ صَبِيٌّ وَرَجُلٌ فَقَتَلَاهُ عَمْدًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ رَمْيَةُ الصَّبِيِّ خَطَأً وَرَمْيَةُ الرَّجُلِ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْهُمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: الَّذِي أَرَى وَأَسْتَحِبُّ، أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لِأَنِّي لَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ.
وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ الْعَمْدُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا - فَعُفِيَ عَنْهُ وَكَانَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أُثْبِتَتْ عَلَيْهِ، أَوْ بِقَسَامَةٍ اسْتَحَقَّ الدَّمَ بِهَا قَبْلَهُ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ - قَالَ مَالِكٌ: فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَتَلَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَمْدًا أَوْ عَبْدًا عَمْدًا، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّ هَذَا الرَّجُلِ عَمْدًا فَعَفَا عَنْهُ هَذَا الرَّجُلُ، أَيُضْرَبُ هَذَا الرَّجُلُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا؟ قَالَ: نَعَمْ
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَتَلَا رَجُلًا مَنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَتَضْرِبُهُمَا مِائَةً وَتَحْبِسُهُمَا عَامًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقْتُلُ عَمْدًا فَيَعْفُوا أَوْلِيَاءُ الدَّمِ عَنْهُ: إنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا، فَأَرَى فِي هَذَا أَنَّهُمَا يَضْرِبَانِ مِائَةً وَيَحْبِسَانِ عَامًا كُلَّ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا إذَا عُفِيَ عَنْهُمْ، عَبِيدًا كَانُوا أَوْ إمَاءً أَوْ أَحْرَارًا، مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ ذِمِّيِّينَ أَوْ عَبِيدًا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
قُلْتُ: فَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ وَلِيًّا لِي عَمْدًا فَعَفَوْتُ عَنْهُ، وَلَمْ أَشْتَرِطْ أَنِّي إنَّمَا عَفَوْتُ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي أَوْ لِسَيِّدِهِ، أَيَكُونُ لِي أَوْ لِسَيِّدِهِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ الدَّمِ فِي الْعَمْدِ وَالْقَاتِلُ حُرٌّ وَلَا يَشْتَرِطُ الدِّيَةَ ثُمَّ طَلَبَ الدِّيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ لَهُ سَبَبٌ أَرَادَهُ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا عَفَوْتُ عَنْهُ إلَّا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ، وَمَا كَانَ عَفْوِي عَنْهُ تَرْكًا لِلدِّيَةِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ إنَّمَا عَفَا عَنْهُ لِيَسْتَحْيِيَهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ سَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ.
قُلْتُ: فَلَوْ عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ، إذَا كَانَ عَمْدًا، عَنْ الْعَبْدِ، عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَقَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ: لَا أَدْفَعُهُ إلَيْك إمَّا أَنْ تَقْتُلَ وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَ؟ قَالَ: لَا يَنْظُرُ إلَى قَوْلِ سَيِّدِ الْعَبْدِ، وَيَأْخُذُهُ هَذَا الَّذِي عَفَا عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعَبْدُ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْعَبْدِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الدِّيَةَ وَيَأْخُذَ الْعَبْدَ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَفَوْتُ عَنْ هَذَا الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لِي - وَقَدْ قَتَلَ وَلِيِّي عَمْدًا فَأَخَذْتُهُ - أَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ وَذَلِكَ رَأْيِي.
[الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا]
مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ مَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَيَكُونُ فِيهِ الْإِبِلُ أَمْ الدَّنَانِيرُ - عَلَى الضَّارِبِ - أَمْ الْغُرَّةُ أَمْ الدَّرَاهِمُ؟ قَالَ مَالِكٌ: فِي الْغُرَّةِ الَّتِي قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْحُمْرَانُ مِنْ الرَّقِيقِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ السُّودَانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُمْرَانُ مِنْ الرَّقِيقِ قَلِيلَةً فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُقْضَى فِيهَا بِالْغُرَّةِ فَيُؤْخَذُ مِنْ السُّودَانِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ الْقِيمَةُ عِنْدَنَا كَالسَّنَةِ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ حَسَنًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَفِي هَذَا - مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ، أَنَّ عَلَيْهِمْ غُرَّةً وَلَيْسَتْ بِإِبِلٍ.
وَقَدْ قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُرَّةِ - وَالدِّيَةُ يَوْمَئِذٍ إبِلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنَّمَا قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ الْإِبِلَ، وَإِنَّمَا قَوَّمَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الدِّيَةَ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ حِينَ صَارَتْ.
أَمْوَالُهُمْ ذَهَبًا وَوَرِقًا وَتَرَكَ دِيَةَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ عَلَى حَالِهَا - وَالْغُرَّةُ إنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمَةٌ - عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً - أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ الْخَمْسُونَ دِينَارًا فِي الْغُرَّةِ وَلَا السِّتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَالدِّيَةُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَنْ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِالْغُرَّةِ عَبْدًا وَوَلِيدَةً» . وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَنْهُ مَالِكٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدًا وَوَلِيدَةً» . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ، أَنَّ الْغُرَّةَ تُقَوَّمُ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْغُرَّةِ الَّتِي قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: الْحُمْرَانُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ السُّودَانِ.
وَرَخَّصَ فِي السُّودَانِ عَلَى حَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ إذَا كَانَ الْحُمْرَانُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ قَلِيلًا، أَنْ يُؤْخَذَ السُّودَانُ.
وَذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ لَيْسَ كَالسُّنَّةِ، فَإِنَّمَا دِيَةُ الْجَنِينِ عَبْدًا وَوَلِيدَةً أَيْنَمَا وَقَعَتْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى مَنْ وَقَعَتْ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُرَّةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ فِي الْجَنِينِ» ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ فِي الْجَنِينِ إبِلٌ لَكَانَ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَرِقٌ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ذَهَبٌ، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَا قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا كَانَتْ إبِلًا، عِنْدَمَا قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَإِنَّمَا وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبِلٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَضَى فِي الْغُرَّةِ بِعَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ.
[الْإِقْرَارُ بِقَتْلٍ خَطَأٍ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالْقَتْلِ خَطَأً، أَتَجْعَلُهُ فِي مَالِهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - أَمْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُقِرُّ بِالْقَتْلِ خَطَأً فَقَالَ لِي مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَرَادَ غِنَى وَلَدِهِ - مِثْلَ الْأَخِ وَالصَّدِيقِ - لَمْ أَرَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ بِقَتْلِهِ مِنْ الْأَبَاعِدِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ، رَأَيْتُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا وَلَمْ يُخَفْ أَنْ يَكُونَ أُرْشِيَ عَلَى ذَلِكَ لِيُحَابِيَ بِهِ أَحَدًا.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَعَلَى مَنْ عَقْلُهُ؟
قَالَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَبِقَسَامَةٍ أَمْ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ؟
قَالَ: بَلْ بِقَسَامَةٍ، يُقْسِمُ وُلَاةُ الدَّمِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ قِبَلَ الْعَاقِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى وُلَاةُ الدَّمِ أَنْ يُقْسِمُوا، أَتُجْعَلُ الدِّيَةُ فِي مَالِ هَذَا الْمُقِرِّ؟
قَالَ: لَا، وَلَا أَرَى لَهُمْ شَيْئًا لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُضْرَبُ فَيَقُولُ: فُلَانٌ قَتَلَنِي خَطَأً، أَتَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَالْعَقْلُ عَلَى مَنْ هُوَ، أَعَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: بَلْ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَقْسَمُوا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَالِ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَكَذَلِكَ إقْرَارُ هَذَا بِالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - عَلَى الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ، إنَّمَا تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَسَامَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.
قُلْتُ:
أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً، وَأَقْسَمَ الَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ لَهُمْ عَلَى عَاقِلَةِ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ بِهَا.
أَتَجْعَلُهَا عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَ عَشَرَةُ رِجَالٍ فِي قَتْلِ رَجُلٍ خَطَأً - وَهُمْ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى - أَتُجْعَلُ عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا وَقَعَ ثُلُثُ الدِّيَةِ عَلَى عَشَرَةِ رِجَالٍ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى حَمَلَتْهُ عَنْهُمْ الْعَاقِلَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَنَى رَجُلٌ وَاحِدٌ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنَّمَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْجِنَايَةَ إذَا كَانَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا - وَقَعَتْ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ - فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِقَتْلِ رَجُلٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَقَالَا: قَتَلَهُ فُلَانٌ مَعَنَا، قَالَ: أَمَّا فِي الْعَمْدِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا غَيْرُ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أَقَرَّا، وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ اعْتِرَافًا لَا بِقَسَامَةٍ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ.
قُلْتُ: أَفَيُقْسِمُ وُلَاةُ الدَّمِ عَلَى الَّذِي قَالَا فِيهِ قَتَلَهُ وَهُوَ يُنْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ قَوْلَ هَذَيْنِ: قَتَلَهُ فُلَانٌ مَعَنَا لَوْثُ بَيِّنَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَةً تَامَّةً لَجَعَلْتُهَا بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَأَجَزْتُهَا كُلَّهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ وُلَاةُ الدَّمِ: نَحْنُ نُقْسِمُ عَلَيْكُمَا وَنَدَعُ هَذَا الْمُنْكَرَ.
أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ نُقْسِمُ عَلَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْقَسَامَةَ تَكُونُ إلَّا فِي الدِّيَةِ كَامِلَةً.
قَالَ سَحْنُونٌ: اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَخْزُومِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ اعْتِرَافًا وَلَا إقْرَارًا وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُقِرَّيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا: إنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ مَعَنَا خَطَأً؛ لِأَنَّهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَدْفَعَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ الْغُرْمِ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِشَاهِدَيْنِ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: إذَا أَقَرَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، فَإِنَّمَا تَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ مَعِي.
فَإِنْ كَانَ مَعَ إقْرَارِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ يَشْهَدُ عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً، أَخْرَجَهُ الشَّاهِدُ مِنْ الْغُرْمِ وَالْإِقْرَارِ وَكَانَتْ الْقَسَامَةُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مَعَ الشَّاهِدِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11] سُورَةُ الدَّهْرِ قَالَ: نَضْرَةً: حُسْنًا فِي الْوُجُوهِ.
وَسُرُورًا: فِي الْقُلُوبِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ غَيْلَانِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: صَلَاحٌ: قُلْتُ: صَلَاحُ عَمَلٍ صَلَاحُ عَمَلٍ صَلَاحٌ فِيهِ.
مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَسَمِعَ مُنَادِيًا يُنَادِي: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خَرَجَ مِنْ النَّارِ فَابْتَدَرْنَاهُ فَإِذَا هُوَ شَابٌّ حَبَشِيٌّ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ فِي بَطْنِ وَادٍ، فَأَدْرَكَتْهُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَأَذَّنَ لِنَفْسِهِ» .
[أَعْوَر الْعَيْنِ الْيُمْنَى فَقَأَ عَيْنَ رَجُلِ الْيُمْنَى وَالْقِصَاصِ فِي الْيَدِ وَالْأَسْنَانِ]
مَا جَاءَ فِي أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى يَفْقَأُ عَيْنَ رَجُلِ الْيُمْنَى وَفِي الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ وَفِي الْأَسْنَانِ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ الْيُمْنَى خَطَأً، كَمْ يَكُونُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ فَقَأَهَا عَمْدًا؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا؛ فَقَالَ لِي: إنَّمَا هِيَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، مِثْلُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ الْيُمْنَى قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ، أَوْ قَطَعَ الرِّجْلَ الْيُمْنَى قَطَعَ رِجْلَ رَجُلٍ الْيُمْنَى، إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ لَكِنْ فِيهِ الدِّيَةُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْعَيْنُ مِثْلُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ لَا يُقْتَصُّ لِلْيُسْرَى بِالْيُمْنَى وَلَا لِلْيُمْنَى بِالْيُسْرَى، فَفِي الَّذِي قَالَ لِي مَالِكٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ كَذَلِكَ أَيْضًا، لَا يُقْتَصُّ عَيْنٌ يُمْنَى بِيُسْرَى وَلَا يُسْرَى بِيُمْنَى، وَالْأَسْنَانُ أَيْضًا كَذَلِكَ: الثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةُ بِالرُّبَاعِيَّةِ وَالْعُلْيَا بِالْعُلْيَا وَالسُّفْلَى بِالسُّفْلَى، وَلَا تُقَادُ سِنٌّ إلَّا بِمِثْلِهَا سَوَاءٌ فِي صِفَتِهَا وَمَوَاضِعِهَا لَا غَيْرَ ذَلِكَ.
وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْعَقْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ الَّذِي طُرِحَ لَهُ فَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِذَا كَانَ لَا قِصَاصَ فِيهِ، فَكَمْ الْعَقْلُ فِيهِ وَعَلَى مَنْ الْعَقْلُ؟
قَالَ: الْعَقْلُ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فِي مَالِ هَذَا الْأَعْوَرِ الْجَانِي وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ]
مَا جَاءَ فِي الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ.
فَقَالَ: إنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَقْتَصَّ اقْتَصَّ وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ دِيَةُ عَيْنِهِ.
ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصَّ اقْتَصَّ وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ دِيَةُ عَيْنِ الْأَعْوَرِ، أَلْفُ دِينَارٍ.
وَقَوْلُهُ الْآخَرُ أَعْجَبُ إلَيَّ، إنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْوَرِ إذَا فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ - وَعَيْنُ الْأَعْوَرِ الْبَاقِيَةِ هِيَ مِثْلُ تِلْكَ الْعَيْنِ - تَكُونُ عَيْنُ الْأَعْوَرِ الْيُمْنَى بَاقِيَةً فَيَفْقَأُ عَيْنَ رَجُلٍ الْيُمْنَى، أَوْ تَكُونُ الْيُسْرَى بَاقِيَةً فَيَفْقَأُ عَيْنَ رَجُلٍ الْيُسْرَى.
فَأَمَّا رَجُلٌ أَعْوَرُ الْعَيْنِ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ الْيُمْنَى فَهَذَا قِصَاصٌ فِيهِ فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ وَفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِيَةُ عَيْنِهِ.
إنْ كَانَ الْمَفْقُودَةُ عَيْنُهُ صَحِيحَةٌ عَيْنُهُ فَخَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَعْوَرَ فَأَلْفُ دِينَارٍ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ لَهُ فِي عَيْنِ الْجَانِي، وَلِأَنَّ دِيَةَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ عِنْدَ مَالِكٍ أَلْفُ دِينَارٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ عَمْدًا أَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ فِي مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَهَبَ سَمْعُ إحْدَى أُذُنَيْهِ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَأَذْهَبَ سَمْعَ أُذُنِهِ الْأُخْرَى، أَتَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَمْ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ: وَلَا تَكُونُ الدِّيَةُ - عِنْدَ مَالِكٍ - فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا هُوَ زَوْجٌ فِي الْإِنْسَانِ إلَّا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَحْدَهَا، فَإِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَامِلَةً عِنْدَ مَالِكٍ؟
قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ؟