ِ اسْتَوْدَعَ رَجُل مَالًا فَدُفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- المدونة
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلَ مَالًا فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي صُنْدُوقِهِ أَوْ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أَوْ عِنْدَ عَبْدِهِ أَوْ عِنْدَ خَادِمِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ وَضَعَهُ عِنْدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ فَضَاعَ أَيَضْمَنُ أَمْ لَا، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فَيَسْتَوْدِعُهَا غَيْرَهُ.
قَالَ: إنْ كَانَ أَرَادَ سَفَرًا فَخَافَ عَلَيْهَا فَاسْتَوْدَعَهَا ثِقَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، فَكُلُّ مَا عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ مِنْ عَوْرَةٍ يَخَافُهَا عَلَى مَنْزِلِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا فِي سَفَرٍ، فَاسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ فِي السَّفَرِ فَهَلَكَ الْمَالُ فَرَآهُ ضَامِنًا وَرَأَى أَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ مِثْلُ الْبُيُوتِ، لِأَنَّهُ حِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِ فِي السَّفَرِ إنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَكُونَ مَعَهُ، وَفِي الْبُيُوتِ إنَّمَا تُدْفَعُ الْوَدِيعَةُ إلَى الرَّجُلِ لِيُحْرِزَهَا فِي الْبَيْتِ، فَأَرَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إنْ اسْتَوْدَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ خَادِمَهُ لِيَرْفَعَاهَا فِي بَيْتِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا بُدَّ لِلرَّجُلِ مِنْهُ، وَمَنْ يَرْفَعُ لَهُ إلَّا امْرَأَتُهُ أَوْ خَادِمُهُ وَمَا أَشْبَهُهُمَا إذَا رَفَعُوهَا لَهُ عَلَى وَجْهِ مَا وَصَفْتُ لَك فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ جَعَلَ لَهُ إذَا خَافَ فَاسْتَوْدَعَهَا غَيْرَهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، فَكَذَلِكَ امْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ اللَّتَانِ يَرْفَعَانِ لَهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِمَا لِيَرْفَعَانِهَا لَهُ فِي بَيْتِهِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَجِيرُ فَهُمَا مِثْلُ مَا أَخْبَرْتُكَ.
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اُسْتُوْدِعَ مَالًا فَدَفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ تَرْفَعُهُ لَهُ فَضَاعَ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ ضَمَانًا، وَأَمَّا الصُّنْدُوقُ وَالْبَيْتُ فَإِنِّي أَرَى: إنْ رَفَعَهُ فِيهِ أَوْ فِي مِثْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ
دَفَعَهُ إلَيْهَا أَوْ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ إذَا ذَكَرَ اسْتَوْدَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِيهَا، أَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ بَيِّنَةً؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَيُصَدَّقُ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهَا أَوْ أَرَادَ سَفَرًا فَخَشِيَ عَوْرَةً فَاسْتَوْدَعَهَا لِذَلِكَ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا وَعَرَفَ مِنْ مَنْزِلِهِ عَوْرَةً فَيُصَدَّقُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِلَّا فَلَا.
[اُسْتُوْدِعَ وَدِيعَةً فَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ فِي السَّفَرِ]
فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ وَدِيعَةً فَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ فِي السَّفَرِ قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَكَانَتْ وَرَثَتُهَا بِالْمَدِينَةِ، فَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ فَكَتَبَ الرَّجُلُ وَصِيُّ الْمَرْأَةِ إلَى وَرَثَتِهَا فَلَمْ يَأْتِهِ مِنْهُمْ جَوَابٌ، وَطَلَبَ فَلَمْ يَأْتِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا خَبَرٌ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا وَخَرَجَ بِالنَّفَقَةِ مَعَهُ لِيَطْلُبَ وَرَثَتَهَا لِيَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ فَضَاعَتْ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ ضَامِنًا حِينَ أَخْرَجَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ أَرْبَابِهَا.
فَقَالُوا: إنَّهُ خَرَجَ بِهَا لِيَطْلُبَهُمْ فَيَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ، فَلَوْ شَاءَ لَمْ يُخْرِجْهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي وَدِيعَةً فَحَضَرَ مَسِيرِي إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ فَخِفْتُ عَلَيْهَا فَحَمَلْتُهَا مَعِي فَضَاعَتْ، أَأَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟
قَالَ: تَسْتَوْدِعُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَلَا تُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ دَرَاهِمَ أَوْ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَخَلَطَهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِدَرَاهِمِهِ فَضَاعَتْ الدَّرَاهِمُ كُلُّهَا أَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا فِي رَأْيِي، لِأَنَّ وَدِيعَتَهُ قَدْ ضَاعَتْ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خَلَطَ دَنَانِيرَ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةً فِي دَنَانِيرَ عِنْدَهُ فَضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ كُلُّهَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِشَعِيرٍ]
ٍ قُلْتُ: فَلَوْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِشَعِيرٍ لَهُ فَضَاعَ جَمِيعُ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ضَامِنًا لِجَمِيعِ الْحِنْطَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ خَلَطَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ فَقَدْ ضَمِنَ لَهُ الْحِنْطَةَ حِينَ خَلَطَهَا.
قُلْتُ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الدَّرَاهِمَ إذَا خَلَطَهَا؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ الْحِنْطَةَ الَّتِي خَلَطَهَا بِالشَّعِيرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَهَا مِنْ الشَّعِيرِ، وَالدَّرَاهِمُ الَّتِي خَلَطَهَا إنَّمَا هِيَ دَرَاهِمُ وَدَرَاهِمُ، فَلِهَذَا مِنْهَا بِقَدْرِ دَرَاهِمِهِ وَلِهَذَا مِنْهَا بِقَدْرِ دَرَاهِمِهِ.
قَالَ: هَذَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدِلَةً فِي الْجَوْدَةِ وَالْحَالِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا فَضَاعَتْ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَرَى هَذَا مِثْلَ الدَّرَاهِمِ؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ وَاحِدَةٌ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَخَلَطَهَا عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ وَالْحِرْزِ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ضَمَانًا قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ لَا تُشْبِهُ حِنْطَتَهُ؟ قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا حِينَ خَلَطَهَا بِمَا لَا يُشْبِهُهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَلِفَتْ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ فِي الشَّعِيرِ
[خَلَطَ دَرَاهِمَ فَضَاعَتْ]
فِيمَنْ خَلَطَ دَرَاهِمَ فَضَاعَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّرَاهِمَ إذَا خَلَطَهَا فَضَاعَ بَعْضُهَا، أَيَكُونُ الضَّيَاعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيمَا بَقِيَ بِقَدْرِ مَا لِهَذَا فِيهَا وَبِقَدْرِ مَا لِهَذَا فِيهَا قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ دَرَاهِمَ هَذَا مِنْ دَرَاهِمِ هَذَا.
قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ هَذَا تُعْرَفُ مِنْ دَرَاهِمِ هَذَا فَمُصِيبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْهُ، لِأَنَّ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْرُوفَةٌ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا حِنْطَةً فَخَلَطَهَا صَبِيُّ بِشَعِيرٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا حِنْطَةً فَخَلَطَهَا صَبِيٌّ بِشَعِيرٍ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ: مَا اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ أَفْسَدَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ.
فَالْجَوَابُ فِي مَسْأَلَتِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ ضَامِنٌ لِشَعِيرٍ مِثْلِ شَعِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ، وَضَامِنٌ لِحِنْطَةٍ مِثْلِ حِنْطَةِ الْمُسْتَوْدَعِ إلَّا أَنْ يَشَاءَا أَنْ يَتْرُكَا الصَّبِيُّ وَيَكُونَانِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ شَرِيكَيْنِ، هَذَا بِقِيمَةِ حِنْطَتِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ شَعِيرِهِ.
قُلْتُ: أَبِقِيمَةِ حِنْطَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى كَيْلِ حِنْطَةِ هَذَا فَتُقَوَّمُ، وَإِلَى كَيْلِ شَعِيرِ هَذَا فَيُقَوَّمُ فَيَكُونَانِ.
شَرِيكَيْنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَنَا أَغْرَمُ لَكَ مِثْلَ شَعِيرِكَ هَذَا أَوْ مِثْلَ حِنْطَتِكَ وَآخُذُ هَذَا كُلَّهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَحِلُّ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي خَلَطَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ ضَامِنًا لِمِثْلِ الْحِنْطَةِ الَّتِي خَلَطَهَا.
قُلْتُ: لِمَ أَحْلَلْتَهُ هَهُنَا إذَا كُنْتُ أَنَا الَّذِي خَلَطْتُهُ وَلَمْ تُحِلَّهُ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ قَضَاهُ حِنْطَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ فَلَا يَحِلُّ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ دَرَاهِمَ وَحِنْطَةً فَأَنْفَقَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اسْتَوْدَعْت رَجُلًا دَرَاهِمَ وَحِنْطَةً فَأَنْفَقَ بَعْضَ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَكَلَ بَعْضَ الْحِنْطَةِ أَيَكُونُ ضَامِنًا لِجَمِيعِ الْحِنْطَةِ وَلِجَمِيعِ الدَّرَاهِمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ ضَامِنًا إلَّا لِمَا أَكَلَ أَوْ مَا أَنْفَقَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَدَّ مِثْلَ الْحِنْطَةِ الَّتِي أَكَلَهَا فِي الْوَدِيعَةِ وَمِثْلَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَنْفَقَهَا فِي الْوَدِيعَةِ أَيَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالْحِنْطَةُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهَا.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ قَدْ رَدَّ ذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَيَحْلِفُ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَ مَالِكٌ الْقَوْلَ قَوْلَهُ؟
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَمْ آخُذْ مِنْهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، أَوْ قَالَ قَدْ تَلِفَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَدْ تَسَلَّفَ الْوَدِيعَةَ كُلَّهَا فَرَدَّ مِثْلَهَا مَكَانَهَا، أَيُبَرَّأُ مِنْ الضَّمَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الدَّرَاهِمِ، فَالْوَدَائِعُ كُلُّهَا مِثْلُ هَذَا إذَا رَدَّ مِثْلَهَا إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ مِثْلَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فِي رَأْيِي.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ ثِيَابًا فَلَبِسَهَا أَوْ أَتْلَفَهَا ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا فِي مَوْضِعِهَا فَضَاعَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي ثِيَابًا فَلَبِسْتُهَا فَأَبْلَيْتُهَا أَوْ بِعْتُهَا أَوْ أَتْلَفْتهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ثُمَّ اشْتَرَيْت ثِيَابًا مِثْلَ صِفَتِهَا وَرِفْعَتِهَا وَطُولِهَا وَعَرْضِهَا فَرَدَدْتُهَا فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ، أَيُبَرِّئُنِي مِنْ الضَّمَانِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يُبَرِّئُكَ ذَلِكَ مِنْ الضَّمَانِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، فَلَمَّا ضَمِنَ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ بِاسْتِهْلَاكِهِ الْقِيمَةِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُخْرِجَ ثِيَابًا مَكَانَ الْقِيمَةِ وَلَا يُبَرَّأُ بِذَلِكَ.
[اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَوْ قَارَضَهُ ثُمَّ طَلَبهَا فَقَالَ رَدَدْتُهَا إلَيْكَ أَوْ ضَاعَتْ مِنِّي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً أَوْ قَارَضْتُهُ، فَلَمَّا جِئْت أَطْلُبُهَا مِنْهُ قَالَ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَيْك أَيُصَدَّقُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ أَوْ يُقَارِضُهُ.
قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ الْمَالِ إذَا قَالَ قَدْ دَفَعْتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعَ الْمَالَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ وَالْمُقَارَضِ إذَا قَالَ: قَدْ رَدَدْتُهَا إلَيْكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْتُ الْمَالَ إلَيْهِ قِرَاضًا أَوْ اسْتَوْدَعْتُهُ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ قَدْ ضَاعَ الْمَالُ مِنِّي، أَيَكُونُ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ قَدْ سُرِقَ مِنِّي؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ]
َ قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ بِبَعْضِ الْبُلْدَانِ، فَيَقْدَمُ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ الْمَالَ فَيَقُولُ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ مَا فَعَلْت بِالْمَالِ فَيَقُولُ لَهُ: قَدْ دَفَعْته إلَى الَّذِي أَمَرْتنِي.
وَيُنْكِرُ الَّذِي بَعَثَ بِالْمَالِ إلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ دَفَعَ وَإِلَّا غَرِمَ.
قُلْتُ: بِبَيِّنَةٍ دَفَعَ إلَيْهِ أَمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، أَهُوَ سَوَاءٌ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْوَجْهَيْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ مِنْهُ قَالَ: لَهُ إنِّي أَدْفَعُهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ.
قَالَ: إنْ صَدَّقَهُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ قَالَ الْمَأْمُورُ قَدْ رَجَعْتُ بِهَا وَرَدَدْتُهَا إلَيْكَ وَلَمْ أَجِدْ صَاحِبَكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهَا مَعِي إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ رَدَّهَا إلَيْهِ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ، أَهُوَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: إنْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْ رَبِّهَا بِبَيِّنَةٍ، فَأَرَى أَنَّهُ لَا يُبَرَّأُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ
أَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا وَإِلَّا غَرِمَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا مِنْ رَبِّهَا بِبَيِّنَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ رَأْيِي.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْوَرَثَةُ ضَامِنُونَ، وَيَلْزَمُهُمْ مَا كَانَ يَلْزَمُ أَبَاهُمْ مِنْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ أَوْ تَصْدِيقُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ.
[بُعِثَ مَعَهُ مَالٌ إلَى رَجُلٍ فَهَلَكَ الرَّسُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَوْ بَعْدَ مَا بَلَغَ]
فِيمَنْ بُعِثَ مَعَهُ مَالٌ إلَى رَجُلٍ فَهَلَكَ الرَّسُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَوْ بَعْدَ مَا بَلَغَ قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بُعِثَ إلَى رَجُلٍ بِمَالٍ فِي بَلَدٍ، فَقَدِمَ الْبَلَدَ فَهَلَكَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ بَعْدَ مَا قَدِمَهُ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ كَتَبَ إلَى الرَّجُلِ يَسْأَلُهُ: هَلْ قَبَضْتَهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيَّ شَيْئًا قَالَ: يَحْلِفُ وَرَثَةُ الرَّسُولِ إنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ لَهُ سَبَبًا وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي مَالِ الرَّسُولِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ الرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ فَقَالَ: مَالِكٌ مَا أَحْرَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ ثُمَّ كَلَّمْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الرَّسُولِ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ؟
قَالَ: أَرَاهُ فِي مَالِهِ وَضَمَانُهُ عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَلَدَ الَّذِي فِيهِ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِالْمَالِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ بِبَلَدٍ وَقِبَلَهُ قَرْضُ دَنَانِيرَ وَقِرَاضٌ وَوَدَائِعُ فَلَمْ يُوجَدْ لِلْوَدَائِعِ وَلَا لِلْقِرَاضِ سَبَبٌ، وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: أَهْلُ الْقِرَاضِ وَأَهْلُ الْوَدَائِعِ وَالْقِرَاضِ يَتَحَاصُّونَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ فَإِنْ ذَكَرهَا قِبَلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ هَذَا مَالُ فُلَانٍ الَّذِي قَارَضَنِي بِهِ وَهَذِهِ وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ.
قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ لِلَّذِي سُمِّيَ لَهُ.
[فِيمَنْ بُعِثَ مَعَهُ بِمَالٍ صِلَةً أَوْ صَدَقَةً فَقَالَ قَدْ دَفَعْتُهُ]
ُ قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْعَثُ بِالْمَالِ مَعَ رَجُلٍ صِلَةً لِرَجُلٍ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ دَفَعْته إلَيْهِ.
وَيَقُولُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ: لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيَّ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ بَيِّنَةٌ عَلَى دَفْعِهِ إيَّاهُ غَرِمَ.
قَالَ: وَالصَّدَقَةُ إذَا بُعِثَ بِهَا إلَى رَجُلٍ، أَوْ بَعَثَ مَعَهُ بِمَالٍ إلَى رَجُلٍ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِصَدَقَةٍ فَهُوَ سَوَاءٌ، لَا يُبَرَّأُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ يَقْسِمُهَا لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ قَدْ فَرَّقَهَا وَيَحْلِفُ.
وَإِنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ذَكَرَ أَنَّ الصَّدَقَةَ - وَإِنْ كَانَتْ مَبْعُوثَةً إلَى رَجُلٍ - فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِقَضَاءِ الْقَرْضِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الصَّدَقَةُ إذَا كَانَتْ إنَّمَا بُعِثَتْ لِرَجُلٍ وَالْقَرْضُ وَالِاشْتِرَاءُ وَالْبَيْعُ كُلُّهُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي غَيْرِ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّسُولِ مَعَ
يَمِينِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَعَثْتُ مَعَهُ بِصَدَقَةٍ أَوْ بِمَالِ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى عَشَرَةِ رِجَالٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَأَنْكَرُوا؟
قَالَ: الْوَاحِدُ وَالْعَشَرَةُ إذَا كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ؟
قَالَ: يُبَرَّأُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - مِنْ حَظِّ مَنْ صَدَّقَهُ وَيَضْمَنُ حَظَّ مَنْ كَذَّبَهُ.
[فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا أَوْ وَدِيعَةً بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَكَرْتَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ وَدِيعَةً أَوْ قِرَاضًا بِبَيِّنَةٍ، فَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ رَدَدْتُهُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِقَوْلِهِ إنِّي قَدْ رَدَدْتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ أَلَيْسَ أَصْلُ أَخْذِهِ هَذَا الْمَالَ أَمَانَةً؟ فَلِمَ لَا يُبَرَّأُ بِقَوْلِهِ إنِّي قَدْ رَدَدْتُهُ، وَقَدْ قُلْتُ: قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ قَدْ ضَاعَ مِنِّي: أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلِمَ لَا يُصَدَّقُ إذَا قَالَ: قَدْ رَدَدْتُهُ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ قَدْ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ الدَّافِعُ، فَلَا يُبَرَّأُ حَتَّى يَتَوَثَّقَ هُوَ أَيْضًا إذَا دَفَعَ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمَالِ أَمَانَةً فَإِنَّهُ لَا يُبَرَّأُ إلَّا بِالْوَثِيقَةِ.
قُلْتُ: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَعَثَ بِالْمَالِ مَعَهُ لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى مَنْ أَمَرْتَنِي.
أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حِينَ بَعَثَ بِالْمَالِ مَعَهُ دَفَعَهُ إلَى الرَّسُولِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَهُوَ سَوَاءٌ لَا يُبَرَّأُ الرَّسُولُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمَالِ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، لِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟ أَوَلَيْسَ هَذَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ بِالْمَالِ أَمِينًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ مَالَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ بِالْمَالِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ دَيْنًا لَهُ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ إلَيْهِ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ فَقَدْ أَتْلَفَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَرْسَلَ إلَيْهِ بِهَذَا الْمَالِ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ سِلْعَةً، فَأَعْطَاهُ الرَّسُولُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَ فَقَدْ أَتْلَفَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُقَارَضُ أَوْ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ بِالْمَالِ مَعَ رَسُولِي أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ، يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا فَاسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ ثُمَّ رَدَّهُ فَضَاعَ عِنْدَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا مَالًا فَاسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ فَضَاعَ عِنْدَهُ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَنْفَقَ مِنْهَا ثُمَّ رَدَّ مَا أَنْفَقَ فِي الْوَدِيعَةِ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ.
فَكَذَلِكَ هَذَا فِي مَسْأَلَتِكَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا فَجَحَدَهُ فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا بِبَيِّنَةٍ فَجَحَدَنِي وَدِيعَتِي ثُمَّ أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، أَتُضَمِّنَّهُ
أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ ضَامِنٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ بِبَيِّنَةٍ وَزَعَمَ الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ الْمَالَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ، فَالْجُحُودُ أَبْيَنُ عِنْدِي فِي الضَّمَانِ.
[الدَّعْوَى فِي الْوَدِيعَةِ]
ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَدِيعَةٌ وَقَدْ ضَاعَتْ وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ قَرْضٌ وَأَنَّهُ سَلَفٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ اسْتَوْدَعْتنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَضَاعَتْ مِنِّي، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ أَقْرَضْتُكَهَا قَرْضًا؟
قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لَمْ أَسْتَوْدِعْكَهَا وَلَكِنَّكَ غَصَبْتَنِيهَا؟
قَالَ: الْغَصْبُ عِنْدِي لَا يُشْبِهُ الْقَرْضَ لِأَنَّ الْغَصْبَ مِنْ وَجْهِ التَّلَصُّصِ.
قَالَ: وَهَذَا يَدَّعِي عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ بَابُ فُجُورٍ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَفَلَا يُصَدِّقُهُ فِي ضَمَانِ الْمَالِ؟
قَالَ: لَا إذَا قَالَ غَصَبْتَنِي، لِأَنِّي إذَا أَبْطَلْتُ قَوْلَهُ فِي بَعْضٍ أُبْطِلُهُ فِي كُلِّهِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: اسْتَوْدَعَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَضَاعَتْ مِنِّي، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ أَوْفَيْتُكَهَا مِنْ قَرْضٍ كَانَ لَك عَلَيَّ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لَمْ أَسْتَوْدِعْك وَلَكِنِّي رَدَدْتُهَا عَلَيْكَ مِنْ مَالِ الْمُقَارَضَةِ الَّتِي كَانَتْ لَك عِنْدِي؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لَمْ أَسْتَوْدِعْك وَلَكِنَّك سَرَقْتَهَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ أَنَّهُ سَرَقَهَا، لِأَنَّ فِي هَذَا بَابُ فُجُورٍ يَرْمِيهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ.
وَلِي عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً، فَأَعْطَانِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعَثَ بِهَا لِي، ثُمَّ لَقِيَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: الْأَلْفُ الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا إلَيْك هِيَ السَّلَفُ الَّذِي كَانَ لَكَ عَلِيّ وَقَدْ ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ إنَّمَا بَعَثْتُ إلَيَّ الْوَدِيعَةِ الَّتِي كَانَتْ لِي عِنْدِكَ، وَالسَّلَفُ لِي عَلَيْكَ عَلَى حَالِهِ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي ذَهَابِ الْوَدِيعَةِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ ذَهَبَتْ الْوَدِيعَةُ عِنْدِي وَلَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْكَ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ.
فَالْأَلْفُ الَّتِي قَبَضَهَا رَبُّ الْمَالِ تَصِيرُ هِيَ الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ صَبِيًّا وَدِيعَةً فَضَاعَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ صَبِيًّا صَغِيرًا وَدِيعَةً فَضَاعَتْ، أَيَضْمَنُ الصَّبِيُّ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَضْمَنُ قُلْتُ: بِأَمْرِ أَرْبَابِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ أَرْبَابِهِ.
قَالَ: ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدِي.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الصَّبِيَّ السِّلْعَةَ فَيُتْلِفُهَا الصَّبِيُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَلَا يَضْمَنُ لَهُ الصَّبِيُّ قِيمَةَ السِّلْعَةِ.
وَإِنْ بَاعَ الصَّبِيُّ مِنْهُ سِلْعَةً فَأَخَذَ الصَّبِيُّ مِنْهُ الثَّمَنَ فَأَتْلَفَهُ، إنَّ الرَّجُلَ ضَامِنٌ لِلسِّلْعَةِ وَلَا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ الثَّمَنَ الَّذِي أَتْلَفَ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَ الصَّبِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَأَتْلَفَ مَالَهُ، فَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلٌ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ فَسْخَهَا عَنْهُ السَّيِّدُ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَمْ تَعُدْ عَلَيْهِ أَبَدًا وَإِنْ أُعْتِقَ، لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ فَسْخَهَا عَنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْهَا السَّيِّدُ عَنْهُ حَتَّى عَتَقَ فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ أُعْتِقَ يَوْمًا مَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يُبْطِلْهَا السَّيِّدُ وَهَذَا رَأْيِي.
[فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فَيُتْلِفُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا اُسْتُوْدِعَ وَدِيعَةٌ فَأَتْلَفَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ؟ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ أَرْبَابَ هَذِهِ السِّلْعَةِ اسْتَوْدَعُوهُ وَائْتَمَنُوهُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ الدَّيْنَ مِنْ ذِمَّتِهِ مِثْلَ مَا لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
قَالَ: لَا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْعَبِيدِ الصُّنَّاعِ الصَّبَّاغِينَ وَالْقَصَّارِينَ وَالصَّوَّاغِينَ وَالْخَيَّاطِينَ مَا أَفْسَدُوا مِمَّا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ لِيَعْمَلُوهُ فَأَتْلَفُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: غُرْمُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَذِمَّتِهِمْ، لَا يَلْحَقُ ذَلِكَ سَادَاتَهُمْ وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْتُوا بِهِ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ إذَا دَفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَهُمْ طَائِعُونَ، أَوْ ائْتَمَنُوهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَسْلَفُوهُمْ أَوْ اسْتَعْمَلُوهُمْ.
فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَلَا يَلْحَقُ ذَلِكَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ وَلَا مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ إذَا أَتْلَفَهَا الْعَبْدُ، لِأَنَّ سَيِّدَ الْوَدِيعَةِ دَفَعَهَا إلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: فِي الصُّنَّاعِ إنَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمْ فَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالصُّنَّاعِ سَوَاءٌ فِيمَا ائْتَمَنَهُمْ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِسَادَاتِهِمْ أَنْ يَفْسَخُوا ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، فَاسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا فَأَسْقَطَهَا عَنْهُ سَيِّدُهُ، أَتَسْقُطُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَسْقُطُ عَنْهُ إذَا أَسْقَطَهَا السَّيِّدُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قِيمَةَ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَهُ رَجُلٌ أَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَمْ فِي مَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: فِي مَالِهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
قُلْتُ: أَحَالٌّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: حَالٌّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
[فِي الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَالِدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالصَّبِيِّ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْوَدَائِعُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ وَالصَّبِيَّ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ إذَا قَبَضُوا الْوَدَائِعَ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ فَاسْتَهْلَكُوهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمْ أَمْ فِي رِقَابِ الْعَبِيدِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ قَبَضُوهُ بِإِذْنِ أَرْبَابِهِمْ فَأَتْلَفُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِمْ وَلَا يَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ.
قُلْتُ: وَالصَّبِيُّ مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الْوَدَائِعِ بِإِذْنِ وَالِدِهِ فَاسْتَهْلَكَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَيْنًا أَمْ لَا؟
قَالَ: أَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الصَّبِيِّ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي لِلْأَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِابْنِهِ، وَلَا يُلْزِمُهُ الْأَبُ مِثْلَ هَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْزَمَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فَيُتْلِفُهَا عَبْدُهُ أَوْ ابْنُهُ فِي عِيَالِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً فَأَتْلَفَهَا عَبْدُهُ أَوْ ابْنُهُ صَغِيرًا فِي عِيَالِهِ؟ قَالَ: إنْ اسْتَهْلَكَهَا عَبْدُهُ فَهِيَ جِنَايَةٌ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إلَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ سَيِّدُهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا ابْنُهُ فَذَلِكَ دَيْنٌ فِي مَالِ الِابْنِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا اُتُّبِعَ بِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَجَاءَ يَطْلُبُهَا فَقَالَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ وَدِيعَةً فَجَاءَ يَطْلُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ: إنَّك أَمَرْتنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ وَقَدْ دَفَعْتهَا إلَيْهِ، وَقَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ: مَا أَمَرْتُك بِذَلِكَ؟
قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مَالِكًا.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَبْعَثُ بِالْمَالِ إلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ: إنَّك تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلِيَّ، وَيَقُولُ الرَّسُولُ لِرَبِّ الْمَالِ: بِذَلِكَ أَمَرْتَنِي.
وَيَجْحَدُ صَاحِبُ الْمَالِ وَيَقُولُ: مَا أَمَرْتُكَ بِالصَّدَقَةِ؟
قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِالْمَالِ مَعَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ وَيَكُونُ الْمَالُ لَهُ صَدَقَةٌ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: كَيْفَ يَحْلِفُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بِالْمَالِ وَهُوَ غَائِبٌ يَوْمَ بُعِثَ بِهِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ يَوْمَ بَعَثَ إلَيْهِ الْمَالَ وَلَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ؟
قَالَ: كَيْفَ يَحْلِفُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ إذَا بَلَغَ عَلَى دَيْنٍ كَانَ لِأَبِيهِ يَقُومُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا مِثْلُهُ.
[بَاعَ ثَوْبًا فَقَالَ الْبَزَّاز لِلْغُلَامِ اقبض مِنْهُ فرجع فَقَالَ قَدْ دَفْعِ إِلَيَّ وضاع مِنِّي]
فِي رَجُلٍ بَاعَ ثَوْبًا فَقَالَ الْبَزَّازُ لِغُلَامٍ لَهُ أَوْ أَجِيرٍ لَهُ اقْبِضْ مِنْهُ الثَّمَنَ فَرَجَعَ فَقَالَ قَدْ دَفَعَ إلَيَّ وَضَاعَ مِنِّي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا فَقَالَ الْبَزَّازُ لِغُلَامٍ لَهُ أَوْ لِأَجِيرِهِ: اذْهَبْ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ فَخُذْ مِنْهُ الثَّمَنَ وَجِئْنِي بِهِ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ مَعَهُ فَرَجَعَ فَقَالَ قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيَّ وَضَاعَ مِنِّي، وَقَالَ مُشْتَرِي الثَّوْبِ قَدْ دَفَعْت إلَيْهِ الثَّمَنَ.
وَقَالَ الْبَزَّازُ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّك دَفَعَتْ إلَيْهِ الثَّمَنَ.
وَقَالَ الرَّجُلُ: أَنْتَ أَمَرْتنِي فَمَا أَصْنَعُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْغُلَامُ يُصَدِّقُنِي؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ لِي: إنْ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الرَّسُولِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ وَلَا يُبَرَّأُ، وَلَمْ أَرَ فِيهَا شَكًّا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ - فِي الرَّجُلِ يَبْعَثُ مَعَ الرَّجُلِ بِالْمَالِ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَيَدْفَعُهُ إلَى فُلَانٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَيُصَدِّقُهُ فُلَانٌ بِذَلِكَ - أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَدْ قَالَ هَذَا مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟
قَالَ: لَيْسَ مَا دُفِعَ إلَيْكَ مِنْ الْمَالِ فَأَمَرْتَ أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَمَرَ غَيْرُكَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْكَ مِنْ دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ فَصَدَّقْتَهُ، فَإِنَّكَ لَا تُصَدِّقُ عَلَى الَّذِي كَانَ لَهُ الدَّيْنُ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فِي بَلَدٍ فَحَمَلَهَا إلَى عِيَالِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَتَلِفَتْ عِنْدَهُمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا بِالْكُوفَةِ وَدِيعَةً فَحَمَلَهَا إلَى عِيَالِهِ بِمِصْرَ فَوَضَعَهَا عِنْدَهُمْ فَضَاعَتْ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ سَافَرَ الْوَدِيعَةِ ضَمِنَ إنْ تَلِفَتْ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَهَذِهِ إنْ اسْتَوْدَعَكَ بِالْكُوفَةِ فَأَنْتَ إنْ أَخْرَجْتَهَا إلَى مِصْرَ ضَمِنْتَهَا إنْ لَمْ تَرُدَّهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ بِالْفُسْطَاطِ وَدِيعَةً فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْتَقِلَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ صَاحِبَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَتَرُدُّهَا عَلَيْهِ أَنَّك تَسْتَوْدِعُهَا وَلَا تَحْمِلُهَا
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[اسْتَوْدَعَ رَجُلًا فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ ادْفَعْهَا لِي فَقَدْ أَمَرَنِي بِقَبْضِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْدَعْته وَدِيعَةً، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ مِنْكَ، فَصَدَّقَهُ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَضَاعَتْ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ.
قُلْتُ: لِمَ؟ أَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إلَى فُلَانٍ وَدَفَعَهُ وَصَدَّقَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ الْمَالُ أَنَّهُ يَبْرَأُ؟
قَالَ: هَذَا لَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ لَا يُشْبِهُ إذَا جَاءَهُ رَسُولٌ فَقَالَ: إذَا دَفَعَ إلَيَّ فَصَدَّقَهُ.
قُلْتُ: فَإِذَا ضَمَّنَّهُ رَبُّ الْمَالِ الْوَدِيعَةَ، أَيَضْمَنُ هَذَا الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، أَرَى لَهُ أَنْ يُضَمِّنَّهُ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلَيْنِ وَدِيعَةً عِنْدَ مَنْ تَكُونُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَيْنِ أَوْ يَسْتَبْضِعُ الرَّجُلَيْنِ، عِنْدَ مَنْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمَا؟ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيَّيْنِ: إنَّ الْمَالَ يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا وَلَا يُقَسَّمُ الْمَالُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا عَدْلٌ وَضَعَهُ السُّلْطَانُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، وَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ شَيْئًا وَأُرَاهُ مِثْلَهُ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَاشِيَةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ إبِلًا أَوْ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَأَنْفَقْتُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ، أَيَلْزَمُ ذَلِكَ رَبَّهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يُشْبِهُ هَذَا، عَنْ رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا دَابَّةً فَمَاتَ صَاحِبُهَا وَقَدْ أَنْفَقَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَيْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَبِيعُهَا
فَيُعْطِيهِ نَفَقَتَهُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا إذَا أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهَا إيَّاهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ وَكَانَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا عِنْدَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا سَنَتَهُ تِلْكَ؟
قَالَ: لَهُ النَّفَقَةُ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عِنْدَهُ وَدِيعَةً.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَاشِيَةً فَأَنْزَى عَلَيْهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا نُوقًا أَوْ أُتُنًا أَوْ بَقَرَاتٍ أَوْ جَوَارِيَ، فَحَمَلَ عَلَى الْأُتُنِ أَوْ عَلَى النُّوقِ أَوْ عَلَى الْبَقَرَاتِ - أَنْزَى عَلَيْهِنَّ فَحَمَلْنَ - فَمُتْنَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَزَوَّجَ الْجَوَارِيَ فَحَمَلْنَ الْجَوَارِي فَمُتْنَ مَنْ الْوِلَادَةِ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْئًا أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَمَلَ الْفَحْلُ عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ تَحْتَ الْفَحْلِ أَيَضْمَنُ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ: قَالَ لَا.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ إبِلًا فَأَكْرَاهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ إبِلًا فَأَكْرَيْتُهَا إلَى مَكَّةَ، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ أَمَانَةً فَأَكْرَاهُ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ إنْ سَلِمَتْ الْإِبِلُ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا، فِي أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَهَا وَيَأْخُذُ الْإِبِلَ، وَفِي أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ وَيُضَمِّنَّهُ قِيمَتُهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ إذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا وَمَنَافِعِهِ بِهَا، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٌ أَعَارَهُ رَجُلٌ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا، لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِتَعَدِّيهِ فِيهِ.
فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ، فَهَذَا فِي الْوَدِيعَةِ وَفِي الدَّيْنِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ مِثْلَ الَّذِي يَسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى، وَمِثْلُ الَّذِي يَتَكَارَى الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى عَلَيْهَا، وَهَذَا فِي الْكِرَاءِ وَالْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً فَقَدِمْتُ أَطْلُبُهَا مِنْهُ فَقَالَ: قَدْ أَنْفَقْتهَا عَلَى أَهْلِكَ وَوَلَدِك وَصَدَّقَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ؟ قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ وَلَا يَنْفَعُهُ إقْرَارُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ بِالنَّفَقَةِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَيُبَرَّأَ إذَا كَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ بِالنَّفَقَةِ
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ جَارِيَةً أَوْ ابْتَاعَهَا فَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً فَزَوَّجْتُهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا فَنَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَتَرَى أَنِّي ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهَا قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَكَانَ فِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَيَضْمَنُ أَمْ لَا - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - مَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَيَجِدُ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ زَوَّجَهَا مِنْ عَبْدِهِ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا فَأَرَادَ رَدَّهَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ.
قَالَ مَالِكٌ وَرُبَّمَا رَدَّهَا وَهِيَ
خَيْرٌ مِنْهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي نُقْصَانِ التَّزْوِيجِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْوَلَدَ إذَا كَانَ فِيهِمْ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهَا وَلَا يَغْرَمُ مَا نَقَصَهَا فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قُلْتُ: وَيَثْبُتُ هَذَا النِّكَاحُ إذَا رَدَّهَا بِالْعَيْبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ حُرًّا كَانَ يَفْسَخُ ذَلِكَ، فَعَبْدُهُ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي أَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ إنْ أَحَبَّ أَخَذَهَا وَوَلَدَهَا وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَّهُ إيَّاهَا إذَا نَفِسَتْ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهَا بِلَا وَلَدٍ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ يَثْبُتُ هَذَا النِّكَاحُ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهَا فَأَصَابَ بِهَا الْعَيْبَ كَانَ لَهَا مَالِكًا قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا جَازَ عِتْقُهُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَعْتَقَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَاهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَتَسَوَّقَ بِهَا بَعْدَ الْعَيْبِ إنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ مَا تَسَوَّقَ بِهَا إذَا كَانَ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ الْعِتْقُ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَأَعْتَقَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً وَبِهَا عَيْبٌ وَلَا أَعْلَمُ بِالْعَيْبِ، فَزَوَّجْتُهَا فَنَقَصَهَا التَّزْوِيجُ وَزَادَتْ فِي قِيمَتِهَا فَكَانَ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهَا فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا عَيْبُ التَّزْوِيجِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَتْ رَجُلًا وَدِيعَةً فَعَمِلَ فِيهَا وَرَبِحَ، أَيَكُونُ الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ أَمْ لِرَبِّ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِلْعَامِلِ كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قُلْتُ: وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ قُلْتُ: وَيُبَرَّأُ مِنْ الضَّمَانِ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ إنْ كَانَ قَدْ رَدَّ الْمَالَ فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَمَا رَبِحَ فِي الْمَالِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُبَرَّأُ مِنْ الضَّمَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ وَرَدَّ مِثْلَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ طَعَامًا فَأَكَلْتُهُ وَرَدَدْت فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ طَعَامًا مِثْلَهُ، أَيَسْقُطُ عَنِّي الضَّمَانُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ : قَالَ: نَعَمْ يَسْقُطُ عَنْكَ الضَّمَانُ فِي رَأْيِي، مِثْلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يُسْتَوْدَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَيُتْلِفُ مِنْهَا بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَرُدُّ فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ مِثْلَهَا، أَنَّهُ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ؟
قَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ إذَا أَتْلَفَهُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
فَهَذَا إذَا رَدَّ مِثْلَهَا فِي الْوَدِيعَةِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَإِذَا كَانَ شَيْءٌ إذَا أَتْلَفَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا إذَا تَسَلَّفَهُ مِنْ
الْوَدِيعَة بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا فَهُوَ لَقِيمَتِهِ ضَامِنٌ، وَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْهَا أَنْ يُخْرِجَ الْقِيمَةَ فَيَرُدَّهَا فِي الْوَدِيعَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ إذَا اسْتَوْدَعَهُ فَتَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا، إنَّهُ إذَا رَدَّهَا فِي الْوَدِيعَةِ يُبَرَّأُ.
أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَفِ فَأَتْلَفَهَا فَرَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَيُبَرَّأُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا إذَا تَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا رَدَّ مِثْلَهَا مَكَانَهَا أَنَّهُ يُبَرَّأُ، وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ السَّلَفِ سَوَاءٌ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا أَوْ أَقْرَضَهُ فَجَحَدَهُ ثُمَّ اسْتَوْدَعَهُ الْجَاحِدُ مِثْلَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعْته أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَرَضْته إيَّاهَا قَرْضًا أَوْ بِعْته بِهَا سِلْعَةً فَجَحَدَنِي ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَوْدَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ بَاعَنِي بِهَا بَيْعًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَجْحَدَ لِمَكَانَ حَقِّي الَّذِي كَانَ جَحَدَنِي وَأَسْتَوْفِيَهَا مِنْ حَقِّي الَّذِي لِي عَلَيْهِ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: لَا يَجْحَدُهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ؟ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» .
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَغَابَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي وَدِيعَةً ثُمَّ غَابَ، فَلَمْ أَدْرِ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مَوْضِعًا وَلَا أَعْرِفُ وَرَثَتَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا طَالَ زَمَانُهُ فَأَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَدِيعَةً اسْتَهْلَكْتهَا كَانَ قَدْ أَوْدَعَنِيهَا رَجُلٌ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُهَا فَادَّعَيْتُ أَنَّهُ وَهَبَهَا إلَيَّ وَهُوَ يَجْحَدُ، أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَمْ قَوْلِي؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ: قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنْ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي عَبْدًا فَبَعَثْتُهُ فِي حَاجَةٍ لِي فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَذَهَبَ فَلَمْ يَرْجِعْ؟ قَالَ: إنْ بَعَثْتَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي أَمْرٍ يُعْنِتُهُ يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَأَنْتَ ضَامِنٌ فِي رَأْيِي، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إلَى بَابِ الدَّارِ اشْتَرِ لَنَا بَقْلًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَوْ خَرَجَ فِي مِثْلِ هَذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هَذَا.
[فِي الْعَبْدِ يَسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ فَيَأْتِي سَيِّدُهُ يَطْلُبُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي عَبْدٌ لِرَجُلٍ وَدِيعَةً، وَأَتَى سَيِّدُهُ فَأَرَادَ أَخْذَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ، أَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ:
فِي مَتَاعٍ وُجِدَ فِي يَدَيْ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَأَتَى رَجُلٌ فَزَعَمَ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُ، وَقَالَ السَّيِّدُ: الْمَتَاعُ مَتَاعِي.
وَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُ الرَّجُلِ، دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَبِيعَهُ وَكَذَلِكَ ادَّعَى الرَّجُلُ قَالَ: إنَّمَا دَفَعْتُهُ إلَيْهِ لِيَبِيعَهُ لِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ حِينَ قَالَ هُوَ مَتَاعِي لِأَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَقُلْ السَّيِّدُ فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ هَذِهِ إنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعِي، وَلَكِنْ قَالَ: الْمَتَاعُ مَتَاعُ عَبْدِي.
وَقَالَ الْعَبْدُ: لَيْسَ هُوَ لِي.
قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ.
وَلَمْ يَكُنْ مَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدِي فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ ادَّعَى أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُ عَبْدِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ وَمَتَاعَ عَبْدِهِ هُوَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يُقِرُّ بِالْمَتَاعِ - يَكُونُ فِي يَدَيْهِ - أَنَّهُ لِقَوْمٍ أَوْ يُقِرُّ لِقَوْمٍ بِدَيْنٍ وَيُنْكِرُ ذَلِكَ السَّيِّدُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يُدَايِنُهُمْ وَيُتَاجِرُهُمْ وَيَأْمَنُونَهُ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ فِي الْوَدِيعَةِ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ عَبْدِهِ - مَأْذُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ - لِأَنَّ الْعَبْدَ غَائِبٌ وَلَمْ يُقِرَّ الْعَبْدُ بِالْمَتَاعِ أَنَّهُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ عَبْدِهِ فِي مَسْأَلَتِكَ
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا حَيْثُ شَاءَ، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ فَرَكِبَهَا إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى إفْرِيقِيَّةَ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي عَارِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ وَجْهُ عَارِيَّتِهِ إنَّمَا هُوَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي إلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَهُ: اُسْرُجْ لِي دَابَّتَكَ لِأَرْكَبَهَا فِي حَاجَةٍ لِي، فَيَقُولُ: ارْكَبْهَا حَيْثُ شِئْتَ.
فَهَذَا يُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّهُ لَمْ يُسْرِجْهَا لَهُ إلَى الشَّامِ وَلَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، هَذَا رَأْيِي.
قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى بَلَدٍ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ.
أَعَرْتنِيهَا إلَى بَلَدِ كَذَا وَكَذَا.
وَقَالَ الْمُعِيرُ: إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُسْتَعِيرُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا غَيْرَ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا حِجَارَةً فَعَطِبَتْ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ.
لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ لِيَرْكَبَهَا فَأَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ فَعَطِبَتْ.
قَالَ: إنْ كَانَ أَكْرَاهَا فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ، وَكَانَ الَّذِي اكْتَرَاهَا عَدْلًا أَمِينًا لَا بَأْسَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَا حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الَّذِي اسْتَعَارَهَا لَهُ فَعَطِبَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ فَعَطِبَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا بَزًّا، فَحَمَلَ عَلَيْهَا كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا، أَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا عَدَسًا، أَنَّهُ.
لَا يَضْمَنُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ أَمْرًا مُخَالِفًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الدَّابَّةِ، فَهَذَا الَّذِي يَضْمَنُ إنْ عَطِبَتْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً، فَرَكِبْتُهَا أَنَا وَلَمْ أَحْمِلْ عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ، أَأَضْمَنُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ رُكُوبُكَ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَثْقَلُ ضَمِنْتُهَا، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْك.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً لِأَرْكَبهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَرَكِبْتُهَا وَحَمَلْت خَلْفِي، رَدِيفًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ مَا عَلَيَّ؟ قَالَ: رَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْك كِرَاءَ الرَّدِيفِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْك غَيْرَ ذَلِكَ وَفِي أَنْ يُضَمِّنَك قِيمَتَهَا يَوْمَ حَمَلْتَ عَلَيْهَا رَدِيفًا.
قُلْتُ: أَجَمِيعُ قِيمَتِهَا أَوْ نِصْفُ قِيمَتِهَا؟
قَالَ: جَمِيعُ قِيمَتِهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَكَارَى بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ وَزْنًا مُسَمًّى، فَتَعَدَّى فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَ فِي الْوَزْنِ، فَعَطِبَ الْبَعِيرُ فَهَلَكَ أَوْ أَدْبَرَهُ أَوْ أَعْنَتَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي زَادَ عَلَيْهِ الرِّطْلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، كَانَ لَهُ كِرَاءُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ إنْ أَحَبَّ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَكَارِي فِي الْبَعِيرِ إنْ عَطِبَ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ كَانَ صَاحِبُ الْبَعِيرِ مُخَيَّرًا، فَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ بَعِيرِهِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ كِرَاءُ مَا زَادَ عَلَى بَعِيرٍ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا أَوْ عَرَضًا فَضَاعَ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ فَضَاعَ عِنْدِي، أَأَضْمَنُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعُرُوض كُلُّهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي مَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا مَنْ الْعُرُوضِ فَكَسَرَهُ أَوْ خَرَقَهُ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ سُرِقَ مِنْهُ أَوْ احْتَرَقَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ.
قَالَ: وَإِنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِقُدْرَتِهِ، وَتَقُومُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَيَّعَ أَوْ فَرَّطَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إذَا جَاءَ التَّفْرِيطُ أَوْ الضَّيْعَةُ مِنْ قِبَلِهِ.
كَذَلِكَ وَجَدْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَا تَلِفَ مِنْ عَارِيَّةِ الْحَيَوَانِ عِنْدَ مَنْ اسْتَعَارَهَا: إنَّ الْأَمْرَ.
عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَهَا فِيمَا أَصَابَهَا عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَمْرَ صَاحِبِهَا، أَوْ يُخَالِفَ إلَى غَيْرِ مَا أَعَارَهُ إيَّاهَا عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ لِي: وَمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَكَان مُسَمًّى فَتَعَدَّى ذَلِكَ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ.
قَالَ: أَرَى صَاحِبَهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ كِرَاؤُهَا فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا فَتَخَرَّقَ، أَيَضْمَنُ؟
قَالَ: هَذَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُرُوضِ إذَا تَخَرَّقَتْ أَوْ أَصَابَهَا حَرْقٌ أَوْ سُرِقَتْ.
قَالَ: قَدْ أَمْلَيْتُ عَلَيْك قَوْلَ مَالِكٍ إمْلَاءً: إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَادًا كَثِيرًا فَيَضْمَنُهُ كُلَّهُ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ
[فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا يَضْرِبُ عَبْدًا لَهُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يَضْرِبَ عَبْدِي عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْهَا، أَيَضْمَنُ الضَّارِبُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ وَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْخَطَأِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ أَحَدَ عَشَرَ سَوْطًا أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ زَادَهُ زِيَادَةً يُخَافُ أَنْ تَكُونَ أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِهِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا.
[فِيمَنْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يَغْرِسَ أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَزْرَعَ فِي أَرْضِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَذِنْت لِرَجُلٍ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِي أَوْ يَغْرِسَ، فَبَنَى وَغَرَسَ، فَلَمَّا بَنَى وَغَرَسَ أَرَدْت إخْرَاجَهُ مَكَانِي أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ أَوْ بِزَمَانٍ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي فِيمَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَبْنِيَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ فِي قُرْبِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ حِينَ بَنَى فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ قَائِمًا حَيًّا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ يَسْكُنُ مِثْلَهُ فِي قَدْرِ مَا عَمِلَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ سَكَنَ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ فِيمَا يَظُنُّ أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ بَنَى، عَلَى أَنْ يَسْكُنَ مِثْلَ مَا سَكَنَ هَذَا، فَأَرَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ نَقْضِهِ مَنْقُوضًا إنْ أَحَبَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ حَاجَةٌ بِنَقْضِهِ قِيلَ لِلْآخَرِ: اقْلَعْ نَقْضَك وَلَا قِيمَةَ لَكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَعَرْت رَجُلًا يَبْنِي فِي أَرْضِي أَوْ يَغْرِسُ فِيهَا، وَضَرَبْت لَهُ لِذَلِكَ أَجَلًا فَبَنَى وَغَرَسَ، فَلَمَّا.
مَضَى الْأَجَلُ أَرَدْت إخْرَاجَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُهُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ نَقْضِهِ مَنْقُوضًا إنْ أَحَبَّ رَبُّ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّذِي بَنَى وَغَرَسَ: اقْلَعْ نَقْضَك وَغِرَاسَك وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمَا كَانَ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ إذَا نَقَضَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كُنْتُ قَدْ وَقَّتّ لَهُ وَقْتًا فَبَنَى وَغَرَسَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُخْرِجَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ فَأَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ أَوْ غَرْسِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا قُلْتُ: فَإِنْ أَعَرْته عَلَى أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَمْنَعَهُ وَآخُذُ أَرْضِي وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ شَيْئًا وَقَبْلَ أَنْ يَغْرِسَ؟ قَالَ: إنْ كُنْتَ ضَرَبْت لِذَلِكَ أَجَلًا فَلَيْسَ لَكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّك قَدْ أَوْجَبْت ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا، وَأَعَرْتُهُ أَرْضِي عَلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيَغْرِسَ، فَأَرَدْت إخْرَاجَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ، فَبَنَى وَغَرَسَ، وَلَمْ يَكُنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا، فَأَرَادَ إخْرَاجَهُ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ، فَهُوَ إذَا لَمْ
يَبْنِ وَلَمْ يَغْرِسْ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته أَرْضِي يَبْنِي فِيهَا وَيَغْرِسُ، وَلَمْ أُسَمِّ مَا يَبْنِي فِيهَا وَلَا مَا يَغْرِسُ، وَقَدْ سَمَّيْت الْأَجَلَ فَأَرَدْت إخْرَاجَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأَرْضِك.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ أَرَادَ - الَّذِي بَنَى أَوْ غَرَسَ - أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الْأَجَلِ، أَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ نَقْضَهُ وَغِرَاسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ بِقِيمَتِهِ وَيَمْنَعَهُ نَقْضَهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَيَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقُضَ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت كُلَّ مَا لَيْسَ لِلَّذِي بَنَى وَغَرَسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إذَا قَلَعَهُ، فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ عِمَارَتِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْقَلْعِ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ هَذَا الَّذِي إنْ أَقْلَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، لَا يُعْطِيه قِيمَةَ هَذَا الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَلْعِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ، فَكَيْفَ يَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته أَرْضِي يَزْرَعُهَا، فَلَمَّا زَرَعَهَا أَرَدْت أَنْ أُخْرِجَهُ مِنْهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي أَمْ لَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَك ذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّ زَرْعَهُ، لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَتَكُونُ فِيهِ الْقِيمَةُ، فَلِذَلِكَ خَالَفَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُجْعَلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ قَالَ لِلْمُسْتَعِيرِ اقْلَعْ زَرْعَك فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ كِرَاءً إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَعَارَهُ الْأَرْضَ لِلثَّوَابِ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكِرَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً فَرَكِبْتهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَلَمَّا رَجَعْت قَالَ صَاحِبُهَا: إنَّمَا أَعَرْتُك إلَى دُونِ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبْتُهَا إلَيْهِ وَقَدْ تَعَدَّيْت فِي رُكُوبِك دَابَّتِي؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك بِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي وَجَدْته فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ: إنْ كَانَ يُشْبِهُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِيمَا حَمَلَ عَلَيْهَا؟
قَالَ: كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَذَلِكَ رَأْيِي، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَوْ اسْتَعَارَ مُهْرًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ عِدْلَ بَزٍّ، إنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعَارَهُ لِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ بَعِيرًا صُدِّقَ، فَهَذَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ أَبْنِيَهَا وَأَسْكُنَهَا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ أَخْرُجُ مِنْهَا وَيَكُونُ الْبُنْيَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ بَيَّنَ الْبُنْيَانِ مَا هُوَ وَضَرْبِ الْأَجَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبُنْيَانُ مَا هُوَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
قُلْتُ: فَإِنَّ بَيْنَ الْبُنْيَانِ مَا هُوَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَسْكُنُ مَا بَدَا لِي فَإِذَا خَرَجْت فَالْبِنَاءُ لَكَ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَضْرِبْ الْأَجَلَ فَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ:
أَرَأَيْتَ إنْ بَنَى عَلَى هَذَا وَأَنْتَ لَا تُجِيزُهُ، مَا يَكُونُ لِرَبِّ الْبِنَاءِ وَمَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَلَا يَكُونُ النَّقْضُ لِرَبِّ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ لَا.
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ لَهُ: أَعِرْنِي أَرْضَكَ هَذِهِ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ أَغْرِسَهَا شَجَرًا، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ الْعَشْرِ السِّنِينَ لَكَ بِمَا غَرَسْتُ فِيهَا.
قَالَ: هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، لَيْسَ لِلشَّجَرِ حَدٌّ يُعْرَفُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الشَّجَرِ أَنْ يَغْرِسَ لَهُ شَجَرًا عَلَى وَجْهِ الْجَعْلِ، يَقُولُ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْغَارِسِ: اغْرِسْهَا أُصُولَ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ تِينٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَشْتَرِطُ رَبُّ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ إذَا بَلَغَتْ الشَّجَرُ كَذَا وَكَذَا، فَهِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَلَى مَا شَرَطْت نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَهَذَا هُوَ الْجَائِزُ.
وَأَمَّا أَنْ تَقُولَ أُعْطِيكَهَا سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِذَا خَرَجْتَ مِنْ الْأَرْضِ فَمَا فِيهَا مِنْ الْغِرَاسِ فَهُوَ لِي، فَهَذَا لَا يُشْبِهُ الْبُنْيَانَ، لِأَنَّ الْغِرَاسَةَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى مَا يَنْبُتُ مِنْهُ وَمَا يَذْهَبُ مِنْهُ وَهَذَا رَأْيِي.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ، أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بُنْيَانًا مَضْمُونًا يُوَفِّيهِ إيَّاهُ إلَى أَجَلٍ.
جَازَ ذَلِكَ.
وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرِسَ لَهُ كَذَا وَكَذَا شَجَرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوَفِّيهِ إيَّاهَا إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَضْمَنُهُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعِيرُ الرَّجُلَ الْمَسْكَنَ عَشْرَ سِنِينَ فَيَقْبِضُهُ فَيَمُوتُ الْمُعَارُ، أَيَكُونُ وَرَثَتُهُ مَكَانَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُعَارُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ عَارِيَّتَهُ، فَوَرَثَتُهُ مَكَانُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُعِيرُ الرَّجُلَ الْمَسْكَنَ، أَوْ يُخْدِمُهُ الْخَادِمَ عَشْرَ سِنِينَ فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَرَثَتُهُ مَكَانُهُ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ؟
قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعَارُ عَارِيَّتَهُ؟
قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ؟
قَالَ: فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ حَتَّى يُتِمَّ هَذَا سُكْنَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ.
[فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعُمْرَى أَيَعْرِفُهَا مَالِكٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا حَيَاتَهُ فَمَاتَ الْمَعْمُورُ رَجَعَتْ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْمَرَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ؟
قَالَ: أَمَّا الدَّوَابُّ وَالْحَيَوَانُ.
كُلُّهَا وَالرَّقِيقُ، فَتِلْكَ الَّتِي سَمِعْنَا فِيهَا الْعُمْرَى.
قَالَ: وَأَمَّا الثِّيَابُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرُّقْبَى هَلْ يَعْرِفُهَا مَالِكٌ؟
قَالَ: سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ عَنْ الرُّقْبَى فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهَا.
فَفَسَّرْتُ لَهُ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا.
قُلْتُ: وَكَيْفَ سَأَلُوهُ عَنْ الْوَقْتِ؟
قَالَ: قَالُوا لَهُ: الرَّجُلَانِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الدَّارُ
فَيَحْبِسَانِهَا عَلَى أَيِّهِمَا مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِلْحَيِّ حَبْسًا عَلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رُقْبَى وَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمُرْقِبِ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْنَاهُ عَنْ الْعَبْدِ يَحْبِسَانِهِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهِمَا مَوْتًا، عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمَا مَوْتًا نَصِيبُهُ مَنْ الْعَبْدِ يَخْدُمُ الْحَيَّ حَبْسًا عَلَيْهِ إلَى مَوْتِ صَاحِبِهِ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا.
قُلْتُ: هَلْ تَرَى الْعِتْقَ قَدْ لَزِمَهُمَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْعِتْقُ لَازِمٌ لَهُمَا.
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا فَنَصِيبُهُ مِنْ الْعَبْدِ يَخْدُمُ وَرَثَتَهُ، فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ مِنْهُمَا خَرَجَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلْتُمْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ، أَلَيْسَ هَذَا عِتْقًا إلَى أَجَلِ حِينٍ قَالَ: إذَا مَاتَ فُلَانٌ فَنَصِيبِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ حُرٌّ، أَلَيْسَ هَذَا فَارِغًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ.
إنَّمَا قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا أَنَا مِتُّ فَنَصِيبِي يَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، فَإِنَّمَا هُوَ كَرَجُلٍ أَوْصَى إذَا مَاتَ أَنْ يَخْدُمَ عَبْدُهُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَهَذَا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ: إنَّمَا هُوَ حُرٌّ إلَى مَوْتِ فُلَانٍ، لَعَتَقَ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ حِينَ مَاتَ صَاحِبُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
أَوْ لَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا مَاتَ فَنَصِيبُ الْحَيِّ الَّذِي كَانَ حَبْسًا عَلَى صَاحِبِهِ، تَسْقُطُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ وَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مُدَبَّرًا يُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ: وَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُ أَيْضًا سَقَطَتْ وَصِيَّتُهُ بِالْخِدْمَةِ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ وَجْهِ الْخَطَرِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ يُشْبِهُ قَوْلَهُ وَهَذَا رَأْيِي كُلُّهُ
[فِي عَارِيَّةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا؟
قَالَ لَا تَكُونُ فِي الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ عَارِيَّةٌ وَلَا فِي الدَّنَانِيرِ، لِأَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَحْبِسُ عَلَى الرَّجُلِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ، السَّنَةَ أَوْ السَّنَتَيْنِ، فَيَأْخُذُهَا فَيَتَّجِرُ فِيهَا فَيَنْقُصُ مِنْهَا؟
قَالَ مَالِكٌ هُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ قَرْضٌ فَإِنْ شَاءَ قَبَضَهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا قُلْتُ: وَتَكُونُ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ حَبْسًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ يَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهَا؟
قَالَ: هِيَ حَبْسٌ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهَا إلَيْهِ حَبْسًا وَإِنَّمَا هِيَ حَبْسُ قَرْضٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى الَّذِي حُبِسَتْ عَلَيْهِ قَرْضًا أَنْ يَقْبَلَهَا؟
قَالَ: تَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَتْ وَأَوْصَتْ لِبِنْتِ بِنْتٍ لَهَا بِأَنْ تَحْبِسَ عَلَيْهَا الدَّنَانِيرَ، وَأَوْصَتْ بِأَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهَا إذَا أَرَادَتْ الْحَجَّ، أَوْ فِي نِفَاسٍ إذَا وَلَدَتْ.
فَأَرَادَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَهَا فَتَصْرِفَهَا فِي بَعْضِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَتَنْقَلِبُ بِهَا وَتَقُولُ: اشْتَرِطُوا عَلَيَّ أَنِّي ضَامِنَةٌ لَهَا حَتَّى أُنْفِقَهَا فِي الَّذِي قَالَتْ جَدَّتِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تَخْرُجَ الدَّنَانِيرُ
عَنْ حَالِهَا، وَأَرَى أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِيمَا أَوْصَتْ بِهَا جَدَّتُهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ طَعَامًا أَوْ إدَامًا، أَيَكُونُ هَذَا عَارِيَّةً أَوْ قِرَاضًا؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ إلَّا لِلْأَكْلِ أَوْ الشَّرَابِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قِرَاضًا.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَعِيرُ مِنْ الرَّجُلِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.
قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لَهَا وَلَمْ يَرَهُ مِنْ وَجْهِ الْعَارِيَّةِ.
[فِيمَنْ اعْتَرَفَ دَابَّةً وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ؟]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اعْتَرَفْت دَابَّةً لِي وَأَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتِي، أَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ أَنِّي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ؟ قَالَ: يَسْأَلُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ.
فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، قَضَى لَهُ بِالدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الَّذِي اعْتَرَفَ الدَّابَّةَ بِاَللَّهِ لَا إلَه إلَّا هُوَ، مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَلَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخْرِجُ بِهِ الدَّابَّةَ مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ ثُمَّ قَضَى لَهُ بِهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، وَلَكِنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّهَا دَابَّتُهُ، أَتُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِالدَّابَّةِ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَتَاتِ إنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْبَتَاتِ لَرَأَيْتُ شَهَادَتَهُمْ شَهَادَةَ غَمُوسٍ، وَرَأَيْتُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ، وَأَنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا بِزُورٍ وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَيُسْتَحْلَفُ هُوَ عَلَى الْبَتَّةِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِالدَّابَّةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ إلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَعَطِبَتْ تَحْتِي ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي وَيَجْعَلَنِي - إذَا عَطِبَتْ تَحْتِي - بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ، فَهَلْ يَكُونُ الَّذِي رَكِبَ الدَّابَّةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟ قَالَ: لَا
[الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَوْ غَيْره يُعِيرُ مَالًا أَوْ يَدْعُو إلَى طَعَام بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ الدَّابَّةَ مَنْ مَالِهِ أَوْ غَيْرَ الدَّابَّةِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَدْعُو إلَى طَعَامِهِ أَيُجَابُ أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْعَبْدِ يُولَدُ لَهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ وَيَدْعُوَ عَلَيْهِ النَّاسَ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبنِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ سِلَاحًا لِيُقَاتِلَ بِهِ فَتَلِفَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ سِلَاحًا أَوْ اسْتَعَرْت مِنْهُ سَيْفًا لِأُقَاتِلَ بِهِ فَضَرَبْتُ بِهِ فَانْقَطَعَ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَضْمَنُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إذَا كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ، أَوْ يُعْرَفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْقِتَالِ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فَانْقَطَعَ السَّيْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْقِتَالِ فَهُوَ ضَامِنٌ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا فَعَطِبَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَلَمَّا بَلَغْتُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَعَدَّيْتُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِثْلُ الْمِيلِ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ رَدَدْتهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعَرْتهَا إلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَأَنَا أُرِيدُ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَعَطِبَتْ فِي الطَّرِيقِ وَقَدْ رَجَعْت إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَذِنَ لِي فِيهِ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَكَارَى دَابَّةً إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَتَعَدَّى بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَعَطِبَتْ بَعْدَمَا رَجَعَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَإِلَى الطَّرِيقِ.
قَالَ: إنْ كَانَ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ مِثْلَ مَنَازِلِ النَّاسِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ جَاوَزَ ذَلِكَ مِثْلَ الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا.
[فِيمَنْ بَعَثَ رَجُلًا يَسْتَعِيرُ لَهُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَاسْتَعَارَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَعَثْتُ رَسُولًا إلَى رَجُلٍ لِيُعَيِّرَنِي دَابَّتَهُ إلَى بَرْقَةَ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ فُلَانٌ: أَعِرْنِي دَابَّتَكَ إلَى فِلَسْطِينَ.
وَأَعْطَاهُ الدَّابَّةَ فَجَاءَنِي بِهَا فَرَكِبْتُهَا فَعَطِبَتْ أَوْ مَاتَتْ تَحْتِي، فَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ كَذَبْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: الرَّسُولُ ضَامِنٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا تَعَدَّى بِهِ الرَّسُولُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَمَرْتَنِي أَنْ أَسْتَعِيرَ لَكَ إلَّا إلَى فِلَسْطِينَ.
وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: بَلْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَقُولَ إلَى بَرْقَةَ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ الرَّسُولُ هَهُنَا شَاهِدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يُزَوِّجَاهُ امْرَأَةً فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ فَقَالَا: أَمَرْتَنَا بِكَذَا وَكَذَا.
وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ أَمَرْتُكُمَا بِكَذَا وَكَذَا، لِمَا دُونَ ذَلِكَ.
لَمْ يَجُزْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ وَيَكُونُ الْمُسْتَعِيرُ هَهُنَا ضَامِنًا إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ الرَّسُولَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ دَابَّتِي إلَى فِلَسْطِينَ، فَقُلْتُ: أَكْرَيْتُهَا مِنْكَ وَقَالَ: بَلْ أَعَرْتنِيهَا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّابَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلُهُ يُكْرِي الدَّوَابَّ، مِثْلُ الرَّجُلِ الشَّرِيفِ الْمَنْزِلَةِ الَّذِي لَهُ الْقَدْرُ وَالْغِنَى وَهَذَا رَأْيِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَالضَّوَالِّ]
ِّ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَا وَكَيْفَ يُعَرِّفُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا.
قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، الدَّرَاهِمُ فَصَاعِدًا؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إذَا هُوَ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُهَا أَوْ يُغْرِمُهَا لَهُ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَفَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ رَأْيِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ.
[الْعَبْدُ يَلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ يَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَ السَّنَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ فَأَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ لَا فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ إذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ لَا يَرَى أَنْ يَأْكُلَهَا؟ قَالَ: لِلَّذِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهَا يُعَرِّفُهَا سَنَةً.
فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَشَأْنُهُ بِهَا، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ السَّنَةِ.
قُلْتُ: هَلْ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي اللُّقَطَةِ، أَيْنَ تُعَرَّفُ؟ وَفِي أَيْ الْمَوَاضِعِ تُعَرَّفُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُعَرَّفَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي اُلْتُقِطَتْ فِيهَا، أَوْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ.
وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي نَزَلْت مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَوَجَدْت صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرْتُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَأَذْكُرْهَا
لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ الشَّامِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَشَأْنُكَ بِهَا.
فَقَدْ قَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
فَأَرَى أَنْ يُعَرِّفَ اللُّقَطَةَ مَنْ الْتَقَطَهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَفِي مَوْضِعِهَا أَوْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أُصِيبَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لُقَطَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيُخَمَّسُ؟ أَمْ يَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يُخَمَّسُ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي الْمَعَادِنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
وَمَا أُصِيبَ فِي الْمَعَادِنِ بِغَيْرِ كَبِيرِ عَمَلٍ مِثْلُ النَّدْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَازِ، فِيهِ الْخُمْسُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَفْنَ الْجَاهِلِيَّةِ مَا نِيلَ مِنْهُ بِعَمَلٍ وَمُؤْنَةٍ؟
قَالَ: فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْخُمْسُ، وَالرِّكَازُ كُلُّهُ فِيهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - الْخُمْسُ مَا نِيلَ مِنْهُ بِعَمَلٍ وَمَا نِيلَ بِغَيْرِ عَمَلٍ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تُرَابٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يُغْسَلُ فَيُوجَدُ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَرُبَّمَا أَصَابُوا فِيهِ تَمَاثِيلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا التَّمَاثِيلُ فَفِيهَا الْخُمْسُ، وَأَمَّا تُرَابُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ الْتَقَطْت لُقَطَةً فَأَتَى رَجُلٌ فَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا، أَيَلْزَمُنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ هَذَا وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهَا وَتُدْفَعُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَصَفَ لِي مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلُ، أَوْ جَاءَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ، أَيَضْمَنُ الَّذِي الْتَقَطَ تِلْكَ اللُّقَطَةَ وَقَدْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ ذَهَبَ بِهَا؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الدَّفْعِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا أَخَذَهَا» . أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنَّمَا قِيلَ لَهُ اعْرِفْ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَيْ حَتَّى إذَا جَاءَ طَالِبُهَا ادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلِمَاذَا قِيلَ لَهُ اعْرِفْ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ قُلْتُ: وَتَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَهَا هَذَا وَوَصَفَ صِفَاتِهَا وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، أَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَزَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِنْ أَبَى عَنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ لَهُ
[التِّجَارَةُ فِي اللُّقَطَةِ وَالْعَارِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا حُرًّا الْتَقَطَ لُقَطَةً، أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا تَاجِرًا، أَيَتَّجِرُ بِهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي يُعَرِّفُهَا فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْوَدِيعَةِ: لَا يَتَّجِرُ بِهَا.
فَأَرَى اللُّقَطَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ فِي السَّنَةِ الَّتِي يُعَرِّفُهَا لَا يَتَّجِرُ بِهَا وَلَا بَعْدَ السَّنَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا مَضَتْ السَّنَةُ لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ تَعْرِيفَهُ إيَّاهَا فِي السَّنَةِ، أَبِأَمْرِ الْإِمَامِ أَمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْإِمَامَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " يُعَرِّفُهَا سَنَةً " فَأَمْرُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ فِي هَذَا.
[فِي لُقَطَةِ الطَّعَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ الْتَقَطْت مَا لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ مَنْ الطَّعَامِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ أَعْجَبُ إلَيَّ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا تَافِهًا؟
قَالَ: التَّافِهُ وَغَيْرُ التَّافِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَعْجَبُ إلَى مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَكَلَهُ وَأَتَى صَاحِبُهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَيَضْمَنُهُ؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُهُ، مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الشَّاةِ يَجِدُهَا فِي فَيَافِي الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا فِي غَيْرِ فَيَافِي الْأَرْضِ.
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ وَقْتًا فِي تَعْرِيفِهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِيهِ وَقْتًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ الْتَقَطَ شَاةً فِي فَيَافِي الْأَرْضِ أَوْ بَيْنَ الْمَنَازِلِ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ يُصِيبُهَا الرَّجُلُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا كَانَ قُرْبَ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا وَلْيَضُمَّهَا إلَى أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهَا يُعَرِّفُهَا فِيهَا.
قَالَ: وَأَمَّا مَا كَانَ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ، فَإِنَّ تِلْكَ يَأْكُلُهَا وَلَا يُعَرِّفُهَا.
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» .
[فِي لُقَطَةِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالدَّوَابِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبَقَرَ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَتْ.
بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فَنَعَمْ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ وَلَا الذِّئَابَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ.
قُلْتُ: وَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِبِلِ إذَا وَجَدَهَا الرَّجُلُ ضَالَّةً فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ؟
قَالَ: إذَا أَخَذَهَا عَرَّفَهَا وَإِنْ أَرَادَ أَكْلَهَا فَلَيْسَ لَهُ وَلَا يَعْرِضُ لَهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لَا تُؤْكَلُ.
قُلْتُ: فَإِنْ الْتَقَطَهَا؟
قَالَ: يُعَرِّفُهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا رَدَّهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ عَرَّفَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِئْ رَبُّهَا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا وَقَدْ أُنْفِقَ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، عَلَى صَاحِبِهَا مَا أَنْفَقَ هَذَا عَلَيْهَا وَلَا يَأْخُذُهَا حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ إذَا اعْتَرَفَهَا رَبُّهَا وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَهَا وَقَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا: إنَّ لَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا إنْ أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ إذَا الْتَقَطَهَا فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ أَوْ فِي غَيْرِ فَلَوَاتٍ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَهَا رَبُّهَا، أَيَكُونُ لَهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَتَاعِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ فَيَحْمِلُهُ إلَى مَوْضِعٍ مَنْ الْمَوَاضِعِ لِيُعَرِّفَهُ فَيَعْرِفُهُ رَبُّهُ.
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ لِصَاحِبِهِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ هَذَا الْكِرَاءَ الَّذِي حَمَلَهُ، فَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ إذَا الْتَقَطَهَا رَجُلٌ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى رَبُّهَا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا
أَنْ يُسَلِّمَهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ هَذَا الْمُلْتَقِطُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنْ أَرَادَ أَخْذَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إنْ أَرَادَ رَبُّهَا أَخْذَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى يَغْرَمَ لِهَذَا مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ.
[فِي الْآبِقِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مَنْ يَجِدُهُ وَفِي بَيْعِ السُّلْطَانِ الضَّوَالَّ]
َّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْآبِقَ إذَا وَجَدَهُ الرَّجُلُ، مَا يَصْنَعُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَحْبِسُهُ السُّلْطَانُ سَنَةً، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَحَبَسَ لَهُ ثَمَنَهُ.
قُلْتُ: مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ، إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ إنْ لَمْ يَأْتِ رَبُّهُ بَاعَهُ، وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْإِبِلَ الضَّوَالَّ إذَا رُفِعَتْ إلَى الْوَالِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْوَالِيَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَرْفَعَ أَثْمَانَهَا إلَى أَرْبَابِهَا كَمَا يَصْنَعُ عُثْمَانُ فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ، بَاعَهَا وَحَبَسَ أَثْمَانَهَا عَلَى أَرْبَابِهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُبَاعُ ضَوَالُّ الْإِبِلِ، وَلَكِنْ تُعَرَّفُ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ أَرْبَابُهَا رُدَّتْ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُصِيبَتْ فِيهَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: أَرْسِلْهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَجَدْتَهَا فِيهَا.
وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكٌ يَأْخُذُ بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي هَذَا.
قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ اسْتَشَارَنِي بَعْضُ الْوُلَاةِ فَأَشَرْتُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأُبَّاقِ إنَّهُمْ يُبَاعُونَ بَعْدَ السَّنَةِ إذَا حَبَسَهُمْ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ بِمَنْزِلَةِ ضَوَالِّ الْإِبِلِ، يَدْعُهُمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَرْبَابُهُمْ؟
قَالَ: الْأُبَّاقُ فِي هَذَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ، لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ ثَانِيَةً.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْآبِقَ إذَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ، أَفِيهِ جُعْلٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْآبِقِ إذَا وَجَدَهُ الرَّجُلُ فَأَخَذَهُ فَطَلَبَ جُعْلَهُ، أَتَرَى فِيهِ جُعْلًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَنْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُ وَطَلَبُهُ وَهُوَ عَمَلُهُ فَأَرَى أَنْ يُجْعَلَ لَهُ جُعْلٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا قَوْمٌ شَأْنُهُمْ هَذَا، وَفِي هَذَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وَإِنَّمَا وَجَدَهُ فَأَخَذَهُ فَإِنَّمَا لَهُ فِيهِ نَفَقَتُهُ وَلَا جُعْلَ لَهُ.
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْجُعْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ أَنَّهُ وَقَّتَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُعْطِيَ عَلَى قَدْرِ بُعْدِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَجُلًا هَذَا شَأْنُهُ يَطْلُبُ الْإِبَاقَ وَالدَّوَابَّ الضَّوَالَّ وَالْأَمْتِعَاتِ وَيَرُدُّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا، أَيَكُونُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ جُعْلُهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ.
قَالَ: وَلَمْ يُوَقِّتْ لَنَا مَالِكٌ فِي الْآبِقِ شَيْئًا فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَنَا مَا أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ هَذِهِ السُّفُنِ الَّتِي تَنْكَسِرُ فِي الْبَحْرِ، فَيُلْقِي الْبَحْرُ
مَتَاعَهُمْ فَيَأْخُذُهُ بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ؟ قَالَ مَالِكٌ يَأْخُذُونَ مَتَاعَهُمْ وَلَا شَيْءَ لَهَا وَلَا الَّذِينَ أَصَابُوهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَأَتَى رَبُّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا بَاعَهَا الَّذِي الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ؟ قَالَ: مَعْنَى شَأْنُكُمْ بِهَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَحْبِسَهَا وَفِي أَنْ يَتَصَدَّقَ، فَأَرَى أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَيَكُونُ لَهُ الثُّمْنُ مِمَّنْ قَبَضَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَضَاعَتْ مِنْهُ فَأَتَى رَبُّهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ إنَّمَا الْتَقَطْتُهَا لِتَذْهَبَ بِهَا.
وَقَالَ الَّذِي الْتَقَطَهَا: إنَّمَا الْتَقَطْتُهَا لِأُعَرِّفَهَا؟
قَالَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي الْتَقَطَهَا.
قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَضَاعَتْ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ الْتَقَطَ كِسَاءً وَبَيْنَ يَدَيْهِ رُفْقَةٌ، فَصَاحَ بِهِمْ أَلْكُمْ الْكِسَاءُ فَقَالُوا: لَا.
فَرَدَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَدْ أَحْسَنَ حِينَ رَدَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.
فَأَرَى أَنَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتَّى يَسِيرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بِهِ وَمَكَثَ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ.
وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ إنَّمَا رَدَّهُ مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِنَّهُ صَاحَ بِالْقَوْمِ يَظُنُّهُ لَهُمْ مِثْلُ الرَّجُلِ يَمْشِي فِي أَثَرِ الرَّجُلِ فَيَجِدُ الشَّيْءَ فَيَأْخُذُهُ وَيَصِيحُ بِهِ أَلَكَ هَذَا، فَيَقُولُ لَهُ لَا، فَيَتْرُكُهُ فَهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ فَأَحْرَزَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ، فِيمَا يُشْبِهُهُ.
[فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مِنْ دَارٍ فِيهَا سَاكِنٌ أَوْ لَا سَاكَنَ فِيهَا ثُمَّ يَدَعُ الْبَابَ مَفْتُوحًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَتَيْت إلَى دَوَابِّ رَجُلٍ مَرْبُوطَةٍ فِي مَذَاوِدِهَا فَحَلَلْتُهَا.
فَذَهَبْتُ الدَّوَابُّ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مِنْ الْحَانُوتِ وَهُوَ مُغْلَقٌ، لَا يَسْكُنُ فِيهِ أَحَدٌ فَيَفْتَحُهُ ثُمَّ يَدَعُهُ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ رَبُّهُ فِيهِ، فَيَذْهَبُ مَا فِي الْحَانُوتِ: إنَّ السَّارِقَ ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ مِنْ الْحَانُوتِ لِأَنَّهُ فَتَحَهُ، فَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ فِي دَارٍ، فَفَتَحَ الْبَابَ رَجُلٌ فَذَهَبَتْ الدَّوَابُّ، أَيَضْمَنُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ دَارُ الدَّوَابِّ مَسْكُونَةً فِيهَا قَوْمَةُ الدَّوَابِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْهُ وَتَرَكَ بَقِيَّتَهُ مُبَاحًا لِلنَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الدَّوَابِّ فِي الدَّارِ ضَمِنَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَبُّ الدَّوَابِّ فِي الدَّارِ نَائِمًا، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُ.
قُلْتُ: لِمَ وَهُوَ نَائِمٌ؟
قَالَ: أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ سَارِقًا دَخَلَ بَيْتَ قَوْمٍ وَهُمْ نِيَامٌ، فَفَتَحَ بَابَهُمْ وَقَدْ كَانُوا أَغْلَقُوهُ، فَسَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا فَسُرِقَ مَا فِيهِ
بَعْدَهُ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ أَرْبَابَ الْبَيْتِ إذَا كَانُوا فِي الْبَيْتِ - نِيَامًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ نِيَامٍ - فَإِنَّ السَّارِقَ لَا يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مِنْ هَذَا إذَا تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَرْبَابُ الْبَيْتِ فِي الْبَيْتِ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ بَيْتٌ تَسْكُنُهُ امْرَأَةٌ، فَخَرَجَتْ إلَى جَارَةٍ لَهَا زَائِرَةً وَأَغْلَقَتْ عَلَى مَتَاعِهَا الْبَابَ، فَأَتَى السَّارِقُ وَفَتَحَ الْبَابَ وَسَرَقَ مَا فِيهِ وَتَرَكَهُ مَفْتُوحًا، فَسُرِقَ مَا بَقِيَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْحَوَانِيتُ إنْ سَرَقَ مِنْهَا رَجُلٌ بِاللَّيْلِ وَتَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا فَسُرِقَ مَا فِي الْحَوَانِيتِ بَعْدَهُ، أَيَضْمَنُ السَّارِقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْحَوَانِيتُ مَسْكُونَةٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَتْ مَسْكُونَةً.
[فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَيْرٌ أَوْ قَيْدًا فِيهِ عَبْدٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ وَهَرَبَ الْعَبْدُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَتَيْت إلَى قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ، فَفَتَحْت بَابَ الْقَفَصِ.
فَذَهَبَ الطَّيْرُ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ ضَامِنٌ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى عَبْدٍ لِي قَدْ قَيَّدْتُهُ أَخَافُ إبَاقَهُ، فَحَلَّ قَيْدَهُ فَذَهَبَ الْعَبْدُ، أَيَضْمَنُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَضْمَنُهُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَتَى صَاحِبُهَا وَهِيَ فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَهِيَ فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكَلَهَا الْمَسَاكِينُ فَأَتَى رَبُّهَا فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُمْ؟
قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْهِبَةِ: إذَا اسْتَحَقَّهَا صَاحِبُهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ وَقَدْ أَكَلَهَا، إنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهَا؟
قَالَ: لَيْسَتْ اللُّقَطَةُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[كِتَابُ الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَخَذْت عَبْدًا آبِقًا فَأَبَقَ مِنِّي، أَيَكُونُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْك.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ ضَمِنَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اعْتَرَفْت عَبْدًا آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَأَتَيْت بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، أَأَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي وَآخُذُ الْعَبْدَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدَيْنِ؟ قَالَ: لَا، إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا ادَّعَى هَذَا الْآبِقَ رَجُلٌ فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي وَقَالَ الْعَبْدُ: صَدَقَ أَنَا عَبْدُهُ.
وَلَا بَيِّنَةَ لِلسَّيِّدِ.
أَيُعْطَى السَّيِّدُ بِقَوْلِهِ وَبِإِقْرَارِ الْعَبْدِ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ، إنَّ مَالِكًا قَالَ فِي اللُّصُوصِ إذَا أُخِذُوا وَمَعَهُمْ الْأَمْتِعَةُ، فَأَتَى قَوْمٌ فَيَدَّعُونَ ذَلِكَ الْمَتَاعَ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: يَتَلَوَّمُ لَهُمْ السُّلْطَانُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا حَبَسَهُ الْإِمَامُ سَنَةً ثُمَّ بَاعَهُ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، أَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ الْعَبْدَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ.
ثَمَنَهُ.
قُلْت: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ السُّلْطَانَ بَاعَهُ عَلَيْهِ وَبَيْعُ السُّلْطَانِ جَائِزٌ.
[فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ الْأُبَّاقَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ بَاعَ هَذَا الْآبِقَ بَعْدَمَا حَبَسَهُ سَنَةً، ثُمَّ أَتَى سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَهُ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته بَعْدَمَا أَبَقَ، أَوْ قَالَ قَدْ كُنْت دَبَّرْته بَعْدَمَا أَبَقَ؟ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ، لِأَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ السَّيِّدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ
لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته قَبْلَ أَنْ يَأْبَقَ مِنِّي أَوْ دَبَّرْته قَبْلَ أَنْ يَأْبَقَ مِنِّي؟ قَالَ: أَمَّا التَّدْبِيرُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلَا أَرَى أَيْضًا أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ هُوَ نَفْسُهُ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا أَتَى سَيِّدُهَا وَهِيَ أَمَةٌ لَهُ وَقَدْ كَانَ بَاعَهَا السُّلْطَانُ بَعْدَمَا حَبَسَهَا سَنَةً، فَقَالَ سَيِّدُهَا: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي وَوَلَدُهَا قَائِمٌ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى سَيِّدِهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَوَلَدَهَا.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: هَذَا الْوَلَدُ الَّذِي بِعْت مَعَهَا هُوَ مِنِّي، قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْعِتْقِ: إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَقَالَ بَعْدَمَا بَاعَهَا: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إذَا لَمْ يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهَا، كَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
[فِيمَنْ اغْتَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اغْتَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مَوْتًا ظَاهِرًا، أَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ، أَيَجُوزُ تَدْبِيرُ سَيِّدِهِ فِيهِ وَعِتْقُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِإِبَاقِ الْعَبْدِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ، أَيَبِيعُهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ آبِقٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَهَبَ عَبْدًا لَهُ آبِقًا، أَتَجُوزُ فِيهِ الْهِبَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَازَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ لِلثَّوَابِ لَمْ تَجُزْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَبَيْعُ الْآبِقِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ.
[فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ قُطِعَ، فَالْحُدُودُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّرِقَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ: أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي قَوْمٌ أَنَّ فُلَانًا صَاحِبُ كِتَابِيِّ إلَيْك قَدْ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَوَصَفَهُ وَجَلَاهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدٌ آبِقٌ مَحْبُوسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا الْقَاضِي إلَيْهِ، أَتَرَى أَنْ يُقْبَلَ كِتَابُ الْقَاضِي وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا الْقَاضِي إلَيْهِ يَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُقْبَلَ الْكِتَابُ وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي فِيهِ وَيَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَيْهِ قُلْتُ: وَتَرَى لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكْتُبُ بِهَا إلَى قَاضٍ آخَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت:
أَتَحْفَظُ شَيْئًا مِنْ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَنَا فِي الْأَمْتِعَاتِ الَّتِي تُسْرَقُ بِمَكَّةَ: إنْ أَتَى رَجُلٌ فَاعْتَرَفَ الْمَتَاعَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَوَصَفَ الْمَتَاعَ اسْتَأْنَى الْإِمَامُ بِهِ.
فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِفَتِهِ بَلْ هُوَ أَحْرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ.
قُلْت: فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ وَصْفَهُ وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَتَاعِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ.
فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ.
قُلْت: وَلَا يُلْتَفَتُ هَهُنَا إلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا أَنَّ هَذَا سَيِّدُهُ إلَّا أَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ؟
قَالَ: يَكْتُبُ السُّلْطَانُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَنْظُرُ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ وَإِلَّا ضَمَّنَهُ هَذَا وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِ، مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَمْتِعَةِ.
[فِي اعْتِرَافِ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ دَابَّةً لَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ وَحَكَمَ لَهُ بِهَا السُّلْطَانُ، فَادَّعَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ يُؤْمَرُ هَذَا الَّذِي كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الدَّابَّةِ، فَتُوضَعُ الْقِيمَةُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَيُمَكِّنُهُ الْقَاضِي مِنْ الدَّابَّةِ وَيَطْبَعُ لَهُ فِي عُنُقِ الدَّابَّةِ، وَيَكْتُبُ لَهُ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ كِتَابًا أَنِّي قَدْ حَكَمْت بِهَذِهِ الدَّابَّةِ.
لِفُلَانٍ، فَاسْتَخْرِجْ لِفُلَانٍ مَالَهُ مِنْ بَائِعِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ حُجَّةٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي ذَهَابِهِ أَوْ مَجِيئِهِ أَوْ أُعْوِرَتْ أَوْ انْكَسَرَتْ فَهِيَ مِنْ الذَّاهِبِ بِهَا، وَالْقِيمَةُ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِلَّذِي اعْتَرَفَهَا.
قُلْت: إنْ أَنْقَصَهَا فِي ذَهَابِهِ أَوْ مَجِيئِهِ؟
قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الْقِيمَةُ لِهَذَا الَّذِي اعْتَرَفَهَا إلَّا أَنْ يَرُدَّ الدَّابَّةَ بِحَالِهَا.
قُلْت: وَكَذَلِكَ الرَّقِيقُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، كَذَلِكَ الرَّقِيقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً.
فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَكَانَ الَّذِي يَذْهَبُ بِهَا أَمِينًا لَا يَخَافُ عَلَى مِثْلِهِ أُعْطِيهَا وَذَهَبَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَمِينًا يَذْهَبُ بِهَا وَتَكُونُ مَعَهُ وَإِلَّا لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اعْتَرَفَهَا رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ يُرِيدُ إفْرِيقِيَّةَ، فَاعْتَرَفَ دَابَّتَهُ بِالْفُسْطَاطِ وَأَقَامَ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ فَاسْتَحَقَّهَا، فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ: اشْتَرَيْتهَا مَنْ رَجُلٍ بِالشَّامِ أَتُمَكِّنُهُ مِنْ الدَّابَّةِ يَذْهَبُ بِهَا إلَى الشَّامِ وَيُعَوِّقُ هَذَا عَنْ سَفَرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ هَذَا حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ، وَالْمُسَافِرُ فِي هَذَا وَغَيْرُ الْمُسَافِرِ سَوَاءٌ.
وَيُقَالُ لِهَذَا الْمُسَافِرِ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَخْرُجَ فَاسْتَخْلِفْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِك.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ هَذَا الْمُسَافِرُ: إنِّي قَدْ اسْتَحْقَقْت دَابَّتِي، وَقَوْلُ هَذَا الَّذِي وَجَدْت دَابَّتِي فِي يَدَيْهِ إنَّهُ اشْتَرَاهَا بِالشَّامِ بَاطِلٌ، لَمْ يَشْتَرِهَا بِالشَّامِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَوِّقَنِي عَنْ سَفَرِي.
أَيُقْبَلُ قَوْلُ الَّذِي اُعْتُرِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا أَمْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؟
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا.
فَقَالَ: إذَا قَالَ صَاحِبُهَا اشْتَرَيْتهَا أُمْكِنَ مِمَّا
وَصَفْت لَك وَلَمْ يَقُلْ لَنَا مَالِكٌ إنَّهُ يُقَالُ لَهُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَبَيَّنُوا ذَلِكَ.
قُلْت: أَرَأَيْت قَوْلَ مَالِكٍ يُحْبَسُ الْآبِقُ سَنَةً ثُمَّ يُبَاعُ، مِنْ أَيْنَ أَخَذَ السَّنَةَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ سَنَةً
قُلْت: أَرَأَيْت الْقَاضِي إذَا جَاءَهُ الْبَغْلُ مَطْبُوعًا فِي عُنُقِهِ، وَجَاءَ بِكِتَابِ الْقَاضِي، أَيَأْمُرُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ بِالْبَغْلِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْبَغْلَ هُوَ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي طَبَعَ الْقَاضِي فِي عُنُقِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْبَغْلُ مُوَافِقًا لِمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي مِنْ صِفَتِهِ، وَخَاتَمُ الْقَاضِي فِي عُنُقِهِ، وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي جَازَ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يَسْأَلَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْبَغْلَ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
[شَهَادَةِ الْغُرَبَاءِ وَتَعْدِيلِهِمْ]
فِي شَهَادَةِ الْغُرَبَاءِ وَتَعْدِيلِهِمْ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا غُرَبَاءَ شَهِدُوا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ عَلَى حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ غَرِيبٍ مَعَهُمْ، أَوْ شَهِدُوا شَهَادَةً لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَالشُّهُودُ لَا يُعْرَفُونَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ مَاذَا يَصْنَعُ؟
قَالَ: لَا يَقْبَلُ، شَهَادَتَهُمْ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا بِعَدَالَةٍ.
وَلَقَدْ سَمِعْت مَالِكًا، وَسُئِلَ قَوْمٌ شَهِدُوا فِي حَقٍّ فَلَمْ يُعْدِلْهُمْ قَوْمٌ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمْ، فَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ، أَتَرَى أَنْ يَجُوزَ فِي ذَلِكَ تَعْدِيلٌ عَلَى تَعْدِيلٍ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ رَأَيْت ذَلِكَ جَائِزًا، وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ - وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ - لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِمَنْ يُزَكِّيهِمْ.
فَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا بَعْدَ الْعَدَالَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت قَوْلَك إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الْمُعَدِّلِينَ الْأَوَّلِينَ.
قَالَ: لَيْسَ الْقَاضِي يَعْرِفُ كُلَّ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ النَّاسِ.
وَإِنَّمَا قُلْت لَك فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى تَكُونَ الْعَدَالَةُ عَلَى الشُّهُودِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
[فِيمَنْ وَجَدَ أَبِقَا أَيَأْخُذُهُ وَفِي الْآبِقِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَالْقَضَاءُ فِيهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ آبِقَةً، أَيَأْخُذُهُ أَمْ يَتْرُكُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْآبِقِ يَجِدُهُ الرَّجُلُ، هَلْ تَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ أَمْ يَتْرُكَهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ لِجَارٍ أَوْ لِأَخٍ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُ، رَأَيْت أَنْ يَأْخُذَهُ.
وَإِنْ كَانَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَقْرَبْهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ رَأَيْت أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ لِأَخٍ أَوْ لِجَارٍ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَيْضًا فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَلَكِنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا لَمْ أَعْرِفْ سَيِّدَهُ إلَّا أَنَّ سَيِّدَهُ جَاءَنِي فَاعْتَرَفَهُ عِنْدِي، أَتَرَى أَنْ أَرْفَعَهُ إلَيْهِ أَمْ أَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى لَك أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ إذَا لَمْ تَخَفْ ظُلْمَهُ.
قُلْت أَرَأَيْت عَبْدًا آبِقًا آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ، فَعَطِبَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي
اسْتَأْجَرَهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ آبِقٌ، فَأَتَى مَوْلَاهُ فَاسْتَحَقَّهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي عَبْدٍ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ فِي السُّوقِ يُبَلِّغُ لَهُ كِتَابًا إلَى بَعْضِ الْقُرَى، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَعَطِبَ الْغُلَامُ فِي الطَّرِيقِ.
فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ ضَامِنًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّهُ ضَامِنٌ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَأَتْلَفَهَا هُوَ نَفْسُهُ ثُمَّ أَتَى رَبَّهَا، كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهَا.
فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا عَطِبَ فِي عَمَلِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي أَخَذْت عَبْدًا آبِقًا فَاسْتَعْمَلْته أَوْ آجَرْته، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَيَّ قِيمَةِ مَا اسْتَعْمَلْته، أَوْ الْإِجَارَةُ الَّتِي آجَرْته بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ سَيِّدِهِ.
قُلْت: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الرَّجُلُ يَغْصِبُ الدَّابَّةَ فَيَرْكَبُهَا وَقَدْ قُلْت فِيهَا إنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْغَاصِبِ؟
قَالَ: لِأَنَّ ضَمَانَ هَذِهِ الدَّابَّةِ مِنْ الْغَاصِبِ يَوْمَ أَخَذَهَا، وَلَا تَلْزَمُ صَاحِبَهَا نَفَقَتُهَا.
وَالْآبِقُ ضَمَانُهُ مِنْ سَيِّدِهِ يَوْمَ أَخَذَهُ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَضْمَنُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا أَخَذَهُ.
قُلْت: وَلَا تَرَى هَذَا الَّذِي أَخَذَ الْآبِقَ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ ضَامِنًا لَهُ بِمَا اسْتَعْمَلَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ عَطِبَ فِيهِ، وَإِنْ سَلِمَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ الْعَمَلِ لِسَيِّدِهِ.
قُلْت: وَلِمَ جَعَلْتَهُ ضَامِنًا ثُمَّ جَعَلْت عَلَيْهِ الْكِرَاءَ؟
قَالَ: لِأَنَّ أَصْلَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى الضَّمَانِ، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي عَبْدِ رَجُلٍ أَتَاهُ رَجُلٌ فَاسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَعَطِبَ الْغُلَامُ: إنَّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ ضَامِنٌ، فَإِنْ سَلِمَ الْغُلَامُ فَلِمَوْلَاهُ قِيمَةُ الْعَمَلِ إنْ كَانَ عَمَلًا لَهُ، بَالٌ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك.
وَإِنَّمَا صَارَ هَهُنَا عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَاصِبٍ لِلْعَبْدِ إذَا سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ أَنْ يَعْطَبَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إنْ عَطِبَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك.
وَاَلَّذِي غَصَبَ الدَّابَّةَ هُوَ ضَامِنٌ لَهَا اسْتَعْمَلَهَا أَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا - أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَضْمَنُهَا إنْ مَاتَتْ، وَهَذَا الَّذِي وَجَدَ الْآبِقَ لَا يَضْمَنُهُ إنْ مَاتَ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
[فِي إبَاقِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الرَّهْنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْمُكَاتَبَ إذَا أَبَقَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إلَّا أَنْ يَغِيبَ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَيَرْفَعُهُ سَيِّدُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَتَلَوَّمُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ عَجَّزَهُ، فَإِذَا عَجَّزَهُ السُّلْطَانُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ.
[مَا جَاءَ فِي عِتْقِ الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت عَبْدًا آبِقًا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَنْ ظِهَارِهِ، أَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ إنَّ الْآبِقَ يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَعْلَمُ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ
مَيِّتٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْطُوعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ، وَهَذَا لَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ مَوْضِعَهُ وَصِحَّتَهُ فَيَجُوزُ.
وَمَا سَمِعْت فِيهِ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا أَقْوَمَ عَلَى حِفْظِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَالِ صِحَّةٍ عَلَى مَا يَجُوزُ فِي الظِّهَارِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَكَانَ كَفَّارَةً لَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا أَتَى رَجُلٌ إلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فَبِعْهُ مِنَى.
قَالَ: الْآبِقُ، إذَا عُرِفَ عِنْدَ مَنْ هُوَ فَبَاعَهُ مِنْهُ وَقَدْ أُخْبِرَ السَّيِّدُ بِحَالِهِ الَّتِي حَالَ إلَيْهَا مِنْ صِفَتِهِ، أَوْ قِيلَ لَهُ إنَّهُ عَلَى صِفَةِ مَا تَعْرِفُ، جَازَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إنْ كَانَ بَعِيدًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عَنْهُ فَبَاعَهُ، فَهَذَا وَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْت: وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السَّيِّدِ أَنْ يَعْرِفَ إلَى مَا صَارَتْ إلَيْهِ حَالُ عَبْدِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي كَيْفَ صِفَةُ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا غَابَ فَكَبُرَ أَوْ زَادَ فِي الصِّفَةِ أَوْ نَقَصَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا فَفَصَحَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ سَيِّدُهُ مَا حَالَتْ إلَيْهِ حَالُهُ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَبِيعُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي رَهَنْت عَبْدًا إلَيَّ عِنْدَ رَجُلٍ فَأَبَقَ مِنْهُ، أَيَبْطُلُ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَبْطُلُ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ، وَالْمُرْتَهَنُ مُصَدَّقٌ فِي إبَاقِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَبَقَ هَذَا الْمَرْهُونُ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ وَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى السَّيِّدِ، أَيَكُونُ هَذَا الْعَبْدُ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ هُوَ فِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ قَدْ حَازَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْإِبَاقِ، وَلَيْسَ إبَاقُهُ مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ سَيِّدُهُ وَيَعْلَمُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ، فَيَتْرُكُهُ الْمُرْتَهِنُ فِي يَدِ السَّيِّدِ الرَّاهِنِ حَتَّى يُفْلِسَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
[فِي الْآبِقِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يَشْتَرِيه رَجُلٌ مُسْلِمٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ آبِقًا أَبَقَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلَ إلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَهُمْ فَاشْتَرَاهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ.
قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَيِّدُهُ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَعَبِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي هَذَا وَعَبِيدُ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
- فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الذِّمِّيَّ إذَا أُسِرَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، إذَا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهُ إلَى جِزْيَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: - وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ لَمْ يَقَعْ - فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى جِزْيَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ وَلَمْ يُحَارِبْ، فَلَمَّا جَعَلَهُ مَالِكٌ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا كَانَ مَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ أَعْتَقَهُ، أَيَجُوزُ عِتْقُهُ إيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، عِتْقُهُ جَائِزٌ.
وَلَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ عِتْقَهُ، فَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ سَيِّدًا غَيْرَ الَّذِي بَاعَهُ، فَأَعْتَقَهُ فَأَتَى سَيِّدُهُ
فَاسْتَحَقَّهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ، لِأَنَّ هَذَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَاَلَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِثَمَنٍ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ، فَالْعِتْقُ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَكَانَ يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا.
قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى سَيِّدُهَا فَاسْتَحَقَّهَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلَّذِي اشْتَرَاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَوَطِئَهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْأَوَّلِ إلَيْهَا سَبِيلٌ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَا أَبَقَ إلَيْهِمْ وَمَا غَنِمُوا مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَسَوَاءٌ عِنْدَك؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
[كِتَابُ حَرِيمِ الْآبَارِ]
[مَا جَاءَ فِي حَرِيمِ الْآبَارِ وَالْمِيَاهِ]