بَابُ ذِكْرِ مَا يَعْرِفُهُ عَامَّةُ النَّاسِ مِنْ صِفَاتِ الْمُحَدِّثِ الْجَائِزِ الْحَدِيثَ , وَمَا يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الخطيب البغدادي
- الكتاب
- الكفاية في علم الرواية
- المؤلف
- أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
- المحقق
- أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
- الناشر
- المكتبة العلمية - المدينة المنورة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْعُقَيْلِيَّ الْأَصْبَهَانِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَاصِمٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ هَارُونَ الْمُسْتَمْلِي , يَقُولُ: ثنا شَاذَانُ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ , يَقُولُ: " كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكْتُبَ عَنِ الرَّجُلِ سَأَلْنَا عَنْهُ , حَتَّى يُقَالَ لَنَا: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوهُ "
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ، أنا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ , قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ , قَالَ: " كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ يَلِيقُ بِهِ الْقَضَاءُ , فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا فَالْحَدِيثُ؟ فَقَالَ: لِلْحَرْبِ أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا ... وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ" قُلْتُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ صِفَةُ الْمُحَدِّثِ الْعَدْلِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ فَضَرْبٌ مِنْهُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ , وَهُوَ الصِّحَّةُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ , وَأَمَانَتِهِ , وَرَدِّ الْوَدَائِعِ , وَإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ , وَتَجَنُّبِ الْمَآثِمِ , فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ , وَالضَّرْبُ الْآخَرُ: هُوَ الْعِلْمُ بِمَا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّبْطِ وَالتَّيَقُّظِ , وَالْمَعْرِفَةِ بِأَدَاءِ الْحَدِيثِ وَشَرَائِطِهِ , وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ , وَوُجُوهِ التَّحَرُّزِ فِي الرِّوَايَةِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ , فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ , بَلِ التَّعْوِيلُ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبِ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ , فَمَنْ عَدَّلُوهُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَرْوِيهِ جَازَ حَدِيثُهُ , وَمَنْ قَالُوا فِيهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ
فَصْلٌ وَمَنْ لَمْ يَرْوِ غَيْرَ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ , وَلَمْ يُعْرَفْ بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَكَثْرَةِ الطَّلَبِ , غَيْرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الصِّدْقِ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْعَدَالَةِ , قُبِلَ حَدِيثُهُ , حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا , وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَعْنِي مَا رَوَى , لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مَجْرُوحًا , لِأَنَّهُ لَيْسَ يُؤْخَذُ عَنْهُ فِقْهُ الْحَدِيثِ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ
لَفْظُهُ , وَيُرْجَعُ فِي مَعْنَاهُ إِلَى الْفُقَهَاءِ فَيَجْتَهِدُونَ فِيهِ بِأرَائِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ
مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ , وَيُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ , فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» وَقَدْ قَبِلَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مَا رَوَاهُ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَمَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ , وَإِنْ لَمْ يَرْوِ أَحَدُهُمْ غَيْرَ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ , فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ؟ قُلْنَا: لِإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ , مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ أَجَازُوا شَهَادَةَ الْعَبْدِ الْعَدْلِ , وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ يُوَافِقُ الْمُخْبِرَ فِي بَعْضِ صِفَاتِهِ , وَيُفَارِقُهُ فِي بَعْضِهَا
بَابُ ذِكْرِ مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُحَدِّثُ وَالشَّاهِدُ مِنَ الصِّفَاتِ , وَمَا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ قَالَ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ صِفَاتِ الشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ , مِنَ الْإِسْلَامِ , وَالْبُلُوغِ , وَالْعَقْلِ , وَالضَّبْطِ
, وَالصِّدْقِ , وَالْأَمَانَةِ , وَالْعَدَالَةِ إِلَى مَا شَاكَلَ ذَلِكَ , وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي وُجُوبِ اتِّفَاقِ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ فِي الْعَقْلِ وَالتَّيَقُّظِ وَالذِّكْرِ , فَأَمَّا مَا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ فَوُجُوبُ كَوْنِ الشَّاهِدِ حُرًّا , وَغَيْرَ وَالِدٍ وَلَا مَوْلُودٍ وَلَا قَرِيبٍ قَرَابَةً تُؤَدِّي إِلَى ظِنَّةٍ , وَغَيْرَ صِدِّيقٍ مُلَاطِفٍ , وَكَوْنِهِ رَجُلًا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الشَّهَادَاتِ , وَأَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ فِي بَعْضِ الشَّهَادَاتِ , وَأَرْبَعَةً فِي بَعْضِهَا , وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْمُخْبِرِ , لِأَنَّنَا نَقْبَلُ خَبَرَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّدِيقِ وَغَيْرِهِ قُلْتُ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي
أَخْبَرَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، ثنا أَبُو بِشْرٍ عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَسْتَكُوتَا، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ نَصْرٍ الْمَخْرَمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْهَاشِمِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ صَالِحٍ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ , عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ: «لَا تَكْتُبُوا الْعِلْمَ إِلَّا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ» فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ حَسَّانَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ , وَهُوَ مِمَّنِ اجْتَمَعَ نُقَّادُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ , لِسُوءِ حِفْظِهِ وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ , وَكَانَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , تَارَةً مُتَّصِلًا وَأُخْرَى مُرْسَلًا , وَيَرْفَعُهُ تَارَةً وَيُوقِفُهُ أُخْرَى , وَأَنَا أَسُوقُ رِوَايَاتِهِ لَهُ عَلَى اخْتِلَافِهَا عَنْهُ
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، ثنا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، ثنا عُمَرُ أَبُو حَفْصٍ , عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «لَا تَأْخُذُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَمَّنْ تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ»
أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ، ثنا ابْنُ الْغَلَابِيِّ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ، ثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوَحَاظِيُّ , عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، ثنا صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «لَا تَأْخُذُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَمَّنْ تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ»
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّائِغُ جَمِيعًا بِعُكْبَرَا , قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي الْحَفَرِيَّ، ثنا صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «لَا تُحَدِّثُوا إِلَّا عَمَّنْ تَقْبَلُونَ شَهَادَتَهُ»
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدِّلُ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَطَرٍ , - ح وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ـ زَادَ ابْنُ مَطَرٍ أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ ـ ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «لَا تَأْخُذُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَمَّنْ تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ»
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاهِدُ بِالْبَصْرَةِ، ثنا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادِرَانِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلِيلِيُّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَزَيْدُ بْنُ يَحْيَى , عَنْ صَالِحٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ «لَا تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ» عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَوْ ثَبَتَ إِسْنَادُهُ وَصَحَّ رَفْعُهُ , لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَوَازُ الْأَمَانَةِ فِي الْخَبَرِ , بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْعَبْدِ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
بَابُ الْقَوْلِ فِي الْعَدَدِ الْمَقْبُولِ تَعْدِيلُهُمْ لِمَنْ عَدَّلُوهُ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي تَعْدِيلِ الْمُحَدِّثِ وَالشَّاهِدِ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ , وَرَدُّوا ذَلِكَ إِلَى الشَّهَادَةِ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمَيِّينَ , وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ , وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَكْفِي فِي تَعْدِيلِ الْمُحَدِّثِ الْمُزَكِّي الْوَاحِدُ
, وَلَا يَكْفِي فِي تَعْدِيلِ الشَّاهِدِ عَلَى الْحُقُوقِ إِلَّا اثْنَانِ , وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَكْفِي فِي تَعْدِيلِ الْمُحَدِّثِ وَالشَّاهِدِ تَزْكِيَةُ الْوَاحِدِ , إِذَا كَانَ الْمُزَكِّي بِصِفَةِ مَنْ يَجِبُ قَبُولُ تَزْكِيَتِهِ ". وَالَّذِي نَسْتَحِبُّهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُزَكِّي الْمُحَدِّثَ اثْنَيْنِ , لِلِاحْتِيَاطِ , فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ وَاحِدٍ أَجْزَأَ , يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبِلَ فِي تَزْكِيَةِ سِنِينٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَوْلَ عَرِّيفِهِ وَهُوَ وَاحِدٌ
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ إِمْلَاءً، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ , هُوَ الصَّفَّارُ، ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سُنَيْنًا أَبَا جَمِيلَةَ , يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , فَذَكَرَهُ عَرِّيفِي لِعُمَرَ , فَأَرْسَلَ فَدَعَانِي , وَالْعَرِّيفُ عِنْدَهُ , فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا , قَالَ: «عَسَى الْغُوَيْرُ بُؤْسًا» , قَالَ الْعَرِّيفُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ , قَالَ: عَلَامَ أَخَذْتَ هَذَا؟ قَالَ: وَجَدْتُ نَفْسًا مُضَيَّعَةً , فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَأْجُرَنِي اللَّهُ فِيهَا.
قَالَ: هُوَ حُرٌّ , وَوَلَاؤُهُ لَكَ , وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ ". وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يُقْبَلَ فِي تَعْدِيلِهِ وَاحِدٌ , وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا بِهِ ثَبَتَتْ صِفَةُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ آكَدَ مِمَّا يُثْبِتُ وُجُوبَ قَبُولِ الْخَبَرِ وَالْعَمَلِ بِهِ , وَهَذَا بَعِيدٌ , لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَنَّ مَا بِهِ تَثْبُتُ الصِّفَةُ الَّتِي بِثُبُوتِهَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ , أَخْفَضُ وَأَنْقَصُ فِي الرُّتْبَةِ مِنَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ , وَلِهَذَا وَجَبَ ثُبُوتُ الْإِحْصَانِ , الَّذِي بِثُبُوتِهِ يَجِبُ الرَّجْمُ , بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ , وَإِنْ كَانَ الرَّجْمُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ , فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِمَّا تَثْبُتُ بِهِ الصِّفَةُ الَّتِي عِنْدَ ثُبُوتِهَا يَجِبُ الْحُكْمُ , وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا بِهِ ثَبُتَتْ عَدَالَةُ الْمُحَدِّثِ أَنْقَصَ مِمَّا بِهِ ثَبُتَ الْحُكْمُ بِخَبَرِهِ , وَالْحُكْمُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , فَيَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ تَزْكِيَتُهُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ , وَلَوْ أَمْكَنَ ثُبُوتُهَا بِأَقَلَّ مِنْ تَزْكِيَةِ وَاحِدٍ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ , لِكَيْ يَكُونَ مَا بِهِ تَثْبُتُ صِفَةُ الْمُخْبِرِ أَخْفَضَ مِمَّا بِهِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ , غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَوْنِ الْمُعَدِّلِ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ سُؤَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ بَرِيرَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَوَابُهَا لَهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الدِّهْقَانُ وَعُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ وَأَحْمَدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ شَمْسٍ السَّابِحُ , قَالُوا: ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ الدِّيرْعَاقُولِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: نا سُفْيَانُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَوَائِلِ بْنِ دَاوُدَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَرْبَعَةٌ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ , عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ , وَسَاقَ قِصَّةَ الْإِفْكِ بِطُولِهَا , وَقَالَ فِيهَا: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ
بَرِيرَةَ فَقَالَ: «هَلْ عَلِمْتِ عَلَى عَائِشَةَ شَيْئًا يَرِيبُكِ , أَوْ رَأَيْتِ شَيْئًا تَكْرَهِينَهُ؟» قَالَتْ: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي , عَائِشَةُ أَطْيَبُ مِنْ طِيبِ الذَّهَبِ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطِّيبِ قَالَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَتَرَوْنَ وُجُوبَ قَبُولِ تَعْدِيلِ الْمَرْأَةِ الْعَدْلِ الْعَارِفَةِ , بِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ , وَمَا بِهِ يَحْصُلُ الْجَرْحُ؟ قِيلَ: أَجَلْ , وَلَا شَيْءَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ , مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَلَوْ حَصَلَ عَلَى مَنْعِهِ تَوْقِيفٌ أَوْ إِجْمَاعٌ لَمَنَعْنَاهُ وَتَرَكْنَا لَهُ الْقِيَاسَ , وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَقْبَلُ فِي التَّعْدِيلِ النِّسَاءَ , وَلَا يَقْبَلُ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ , وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّ أَقْصَى حَالَاتِ الْعَدْلِ وَتَعْدِيلِهِ أَنْ يَكُونَ بِمَثَابَةِ الْمُخْبِرِ وَالْخَبَرِ وَالشَّاهِدِ وَالشَّهَادَةِ , فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْمَرْأَةِ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ , وَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ السَّلَفِ , وَجَبَ أَيْضًا قَبُولُ تَعْدِيلِهَا لِلرِّجَالِ , حَتَّى يَكُونَ تَعْدِيلُهُنَّ الَّذِي هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ , بِمَثَابَةِ خَبَرِهِنَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ , وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي الشَّهَادَاتِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْأَحْكَامِ , جَازَ لِذَلِكَ قَبُولُ تَزْكِيَتِهِنَّ , كَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ , وَيَجِبُ عَلَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ أَلَّا يُقْبَلَ تَعْدِيلُهُنَّ لِلشُّهُودِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ , حَتَّى يَجْرِيَ رَدُّ التَّزْكِيَةِ فِي ذَلِكَ مَجْرَى رَدِّ الشَّهَادَةِ , وَيَجِبُ أَيْضًا قَبُولُ تَزْكِيَةِ الْعَبْدِ لِلْمُخْبِرِ دُونَ الشَّاهِدِ , لِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ وَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ , وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وُجُوبُ قَبُولِ تَزْكِيَةِ كُلِّ عَدْلٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى , حُرٍّ وَعَبْدٍ , لِشَاهِدٍ وَمُخْبِرٍ , حَتَّى تَكُونَ تَزْكِيَتُهُ مُطَابِقَةً لِلظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ , وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَالظِّنَّةِ عَنْهُ , إِلَّا أَنْ يَرِدَ تَوْقِيفٌ أَوْ إِجْمَاعٌ , أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَمَلِ بِتَزْكِيَةِ بَعْضِ الْعُدُولِ الْمَرْضِيِّينَ , فَيُصَارُ إِلَى ذَلِكَ , وَيُتْرَكُ الْقِيَاسُ لِأَجْلِهِ , وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مُوجِبًا لِتَزْكِيَةِ كُلِّ عَدْلٍ لِكُلِّ شَاهِدٍ وَمُخْبِرٍ , فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَزْكِيَةِ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ وَالْغُلَامِ الضَّابِطِ لِمَا يَسْمَعُهُ , أَتُقْبَلُ أَمْ لَا؟ قِيلَ: لَا , لِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مِنْ ذَلِكَ , وَلِأَجْلِ أَنَّ الْغُلَامَ , وَإِنْ كَانَتْ حَالُهُ ضَبْطَ مَا سَمِعَ وَالتَّعْبِيرَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ , فَإِنَّهُ غَيْرُ عَارِفٍ بِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَمَا بِهِ مِنْهَا يَكُونُ الْعَدْلُ عَدْلًا وَالْفَاسِقُ فَاسِقًا , وَإِنَّمَا يُكْمِلُ لِذَلِكَ الْمُكَلَّفُ , فَلَمْ يَجُزْ لِأَجْلِ ذَلِكَ قَبُولُ تَزْكِيَتِهِ , وَلِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهِ فِي تَزْكِيَةِ الْفَاسِقِ وَتَفْسِيقِ الْعَدْلِ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ خَائِفًا مِنْ مَأْثَمٍ وَعِقَابٍ , لَمْ يُؤْمَنْ مِنْهُ تَفْسِيقُ الْعَدْلِ وَتَعْدِيلُ الْفَاسِقِ , وَلَيْسَ هَذِهِ حَالَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ , فَافْتَرَقَ الْأَمْرُ فِيهِمَا
بَابُ الْقَوْلِ فِي سَبَبِ الْعَدَالَةِ , هَلْ يَجِبُ الْإِخْبَارُ بِهِ أَوْ لَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَزْكِيَةِ الْمُزَكِّي لِمَنْ زَكَّاهُ , فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُقْبَلُ حَتَّى يَذْكُرَ الْمُزَكِّي السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الْمُزَكَّى عِنْدَهُ.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ
مَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنا دُرُسْتُوَيْهِ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ إِنْسَانًا يَقُولُ لِأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ: عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ضَعِيفٌ؟ قَالَ: «إِنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيُّ مُبْغِضٌ لِآبَائِهِ , وَلَوْ رَأَيْتَ لِحْيَتَهُ وَخِضَابَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْتَ أَنَّهُ ثِقَةٌ» فَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ ثِقَةٌ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً , لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْأَةِ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَدْلُ وَالْمَجْرُوحُ , وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْعَدَالَةِ , بَلْ يُقْبَلُ عَلَى الْجُمْلَةِ تَعْدِيلُ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ , وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ فِي التَّعْدِيلِ إِلَّا إِلَى قَوْلِ عَدْلٍ رِضًا , عَارِفٍ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْعَدْلُ عَدْلًا وَالْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ فِي التَّزْكِيَةِ عَلَى السَّلَامَةِ , وَمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ الَّتِي أَوْجَبَتِ الرُّجُوعَ إِلَى تَزْكِيَتِهِ ,
مِنِ اعْتِقَادِ الرِّضَا بِهِ وَأَدَائِهِ الْأَمَانَةَ فِيمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فِيهِ , وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ مَنْ زَكَّاهُ , وَمَتَى أَوْجَبْنَا مُطَالَبَتَهُ بِكَشْفِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ صَارَ عَدْلًا عِنْدَهُ , كَانَ ذَلِكَ شَكًّا مِنَّا فِي عِلْمِهِ بِأَفْعَالِ الْمُزَكَّى وَطَرَائِقِهِ , وَسُوءَ ظَنٍّ بِالْمُزَكِّي وَاتِّهَامًا لَهُ بِأَنَّهُ يَجْهَلُ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَصِيرُ الْعَدْلُ عَدْلًا , وَمَتَى كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَنَا لَمْ يَجِبْ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى تَزْكِيَتِهِ , وَلَا أَنْ نَعْمَلَ عَلَى تَعْدِيلِهِ , فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ وُجُوبِ اسْتِخْبَارِ الْمُزَكِّي عَنْ سَبَبِ تَعْدِيلِهِ , لَا لِاتِّهَامِنَا لَهُ بِالْجَهْلِ بِطَرَائِقِ الْمُزَكَّى وَأَفْعَالِهِ , وَلَكِنْ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْعَدْلُ عَدْلًا , فَيَجُوزُ أَنْ يُعَدِّلَهُ بِمَا لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ.
يُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ , وَحَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى السَّلَامَةِ وَاجِبٌ , وَأَنَّهُ مَا عَدَّلَهُ إِلَّا بِمَا بِهِ يَصِيرُ عَدْلًا عِنْدَ بَعْضِ الْأُمَّةِ , وَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ لَا يُتَعَقَّبُ وَلَا يُرَدُّ , وَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ هَذَا وَاجِبًا لَوَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ زَيْدًا بَاعَ عَمْرًا سِلْعَةً بَيْعًا صَحِيحًا وَاجِبًا نَافِذًا يَقَعُ التَّمَلُّكُ بِهِ , وَأَنَّهُ قَدْ زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ تَزْوِيجًا صَحِيحًا , أَنْ يُسْأَلَا عَنْ حَالِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ , وَعَنْ كُلِّ عَقْدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ , لِمَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْخِلَافِ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَصِحَّتِهَا وَتَمَامِهَا , وَلَمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ كَشْفُهُ لِلْحُكَّامِ , وَجَبَ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَيْضًا , فَإِنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ يَشُقُّ ذِكْرُ جَمِيعِهَا , وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْمُزَكِّي الْإِخْبَارُ بِهَا لَكَانَ يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي: هُوَ عَدْلٌ لَيْسَ يَفْعَلُ كَذَا , وَلَا كَذَا , وَيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ , ثُمَّ يَقُولُ: وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا , وَيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَطُولُ وَيَشُقُّ تَفْصِيلُهُ , وَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ التَّعْدِيلُ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ تَرْكُ الْكَشْفِ عَمَّا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَأَنْ تَقْبَلُوا الْجَرْحَ فِي الْجُمْلَةِ , يُقَالُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ , لِأَنَّ الْجَرْحَ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ , فَلَا يَشُقُّ ذِكْرُهُ , وَالْعَدَالَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ , حَسَبَ مَا بَيَّنَّاهُ , وَالْإِخْبَارُ بِهَا يُحْرِجُ , فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِجْمَالُ فِيهَا كَافِيًا , عَلَى أَنَّا نَقُولُ أَيْضًا: إِنْ كَانَ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْجَرْحِ عَدْلًا مَرْضِيًّا فِي اعْتِقَادِهِ وَأَفْعَالِهِ , عَارِفًا بِصِفَةِ الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ وَأَسْبَابِهِمَا , عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ , قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَنْ جَرَحَهُ مُجْمَلًا , وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ سَبَبِهِ , وَسَنَشْرَحُ الْأُمُورَ الَّتِي تُوجِبُ الْجَرْحَ وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهَا , وَنُبَيِّنُهَا فِيمَا بَعْدُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى