بَابُ ذِكْرِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ أَجَازَ النُّقْصَانَ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُجِزِ الزِّيَادَةَ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الخطيب البغدادي
- الكتاب
- الكفاية في علم الرواية
- المؤلف
- أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
- المحقق
- أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
- الناشر
- المكتبة العلمية - المدينة المنورة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ الْأَصْبَهَانِيِّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ سَيْفٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا تَزِدْ فِيهِ»
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُفِيدُ , ح وَأَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَا: ثنا خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ , يَقُولُ: «إِذَا خِفْتَ أَنْ تُخْطِئَ فِي الْحَدِيثِ فَانْقُصْ مِنْهُ وَلَا تَزِدْ فِيهِ»
وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَضَّرَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا» قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّقْصَانَ مِنْهَا جَائِزٌ , إِذْ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ الزِّيَادَةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقُرَشِيُّ , بِأَصْبَهَانَ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الْجَوْهَرِيُّ , قَالَا: ثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُوَقَّرِيُّ، ثنا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «نَضَّرَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا , فَرُبَّ حَامِلِ كَلِمَةٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهَا مِنْهُ» وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِمَّنْ مَنَعَ نَقْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى: إِنَّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى النُّقْصَانِ وَالْحَذْفِ لِبَعْضِ مَتْنِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ , لِأَنَّهَا تَقْطَعُ الْخَبَرَ وَتُغَيِّرُهُ , فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ مَعْنَاهُ وَإِحَالَتِهِ , وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَحْذِفَ مِنْهُ حَرْفًا وَاحِدًا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالُوا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبِي، ثنا سُفْيَانُ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ , يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَمَا أَدَعُ مِنْهُ حَرْفًا» وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى: إِنَّ النُّقْصَانَ مِنَ الْحَدِيثِ جَائِزٌ: إِذَا كَانَ الرَّاوِي قَدْ رَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى بِتَمَامِهِ: أَوْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ , وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلرَّاوِي عَلَى كُلِّ حَالٍ , وَلَمْ يُفَصِّلُوا , وَالَّذِي نَخْتَارُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيمَا حَذَفَ مِنَ الْخَبَرِ مَعْرِفَةُ حُكْمِ شَرْطٍ وَأَمْرٍ لَا يَتِمُّ التَّعَبُّدُ وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ إِلَّا بِرِوَايَتِهِ عَلَى وَجْهِهِ , فَإِنَّهُ يَجِبُ نَقْلُهُ عَلَى تَمَامِهِ , وَيَحْرُمُ حَذْفُهُ , لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْخَبَرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَرْكًا لِنَقْلِ الْعِبَادَةِ , كَنَقْلِ بَعْضِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ , أَوْ تَرْكًا لِنَقْلِ فَرْضٍ آخَرَ هُوَ الشَّرْطُ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ , كَتَرْكِ نَقْلِ
وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا , وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ جَعْفَرُ بْنُ بَآيِّ الْجِيلِيُّ الْفَقِيهُ , قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ بِأَصْبَهَانَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمَدَانِيُّ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى , خَيَّاطُ السُّنَّةِ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ , يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ اخْتِصَارُ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , لِقَوْلِهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ "
وَأَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ، ثنا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ , يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ , لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا , فَمَتَى اخْتَصَرَ لَمْ يَفْهَمِ الْمُبَلَّغُ مَعْنَى الْحَدِيثِ "
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْخَلَّالُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ , قَالَ: قَالَ جَدِّي: «كَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى أَنْ يَخْتَصِرَ الْحَدِيثَ إِذَا كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ»
قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ مَخْلَدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّاسًا الدُّورِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: " يُكْرَهُ الِاخْتِصَارُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ , لِأَنَّهُمْ يُخْطِئُونَ الْمَعْنَى "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ , قَالَ: أنا الْخَصِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي , بِمِصْرَ , قَالَ: أنا أَحْمَدُ
بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الطَّرَسُوسِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْبَزَّازُ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نُوحٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ , قَالَ: قَالَ لِي عَنْبَسَةُ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: عَلِمْتُ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتَصِرَ الْحَدِيثَ فَيَقْلِبُ مَعْنَاهُ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي: أَوَفَطِنْتَ لَهُ " فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنَ الْخَبَرِ مُتَضَمِّنًا لِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَأَمْرًا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمُتَضَمَّنِ الْبَعْضِ الَّذِي رَوَاهُ , وَلَا شَرْطًا فِيهِ , جَازَ لِلْمُحَدِّثِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَلَى النُّقْصَانِ , وَحَذْفُ بَعْضِهِ , وَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ خَبَرَيْنِ مُتَضَمَّنَيْنِ عِبَارَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ وَسِيرَتَيْنِ وَقَضِيَّتَيْنِ , لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى , فَكَمَا يَجُوزُ لِسَامِعِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ هَذِهِ حَالُهُمَا رِوَايَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ , فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِسَامِعِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ الْقَائِمِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مَقَامَ الْخَبَرَيْنِ الْمُنْفَصِلَيْنِ رِوَايَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَوَاهُ هُوَ بِتَمَامِهِ , أَوْ رَوَاهُ غَيْرُهُ بِتَمَامِهِ , أَوْ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ وَلَا هُوَ بِتَمَامِهِ , لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ فِي أَمْرَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ , وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِسَامِعِ الْخَبَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ , وَأَمْرًا يَلْزَمُ فِي حُكْمِ الدِّينِ , لَا يَتَبَيَّنُ الْمَقْصِدُ مِنْهُ إِلَّا بِاسْتِمَاعِ الْخَبَرِ عَلَى تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ , أَنْ يَرْوِيَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ , لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فَسَادٌ وَإِحَالَةٌ لِمَعْنَاهُ , وَسَدٌّ لِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ مِنْهُ , فَلَا فَصْلَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ مُبَيَّنًا أَوْ هُوَ مَرَّةً قَبْلَهَا , أَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُهُ ثَانِيًا مِنْهُ إِذَا رَوَاهُ نَاقِصًا غَيْرُ الَّذِي سَمِعَهُ تَامًّا , فَلَا يَصِلُ بِنَصِّهِ إِلَى مَعْنَاهُ , وَقَدْ يَسْمَعُ رِوَايَتَهُ لَهُ نَاقِصًا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ رِوَايَةَ غَيْرِهِ لَهُ تَامًّا , فَلَا يَجُوزُ رِوَايَةُ مَا حَلَّ هَذَا الْمَحَلَّ مِنَ الْأَخْبَارِ إِلَّا عَلَى التَّمَامِ وَالِاسْتِقْصَاءِ , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَرْوِيَ الْخَبَرَ بِتَمَامِهِ غَيْرُهُ , وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ رَاوِيهِ عَلَى النُّقْصَانِ أَنَّ مَنْ يَرْوِيهِ لَهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ الْغِيَرِ تَامًّا , وَأَنَّهُ يَحْفَظُهُ بِعَيْنِهِ , وَيَتَذَكَّرُ بِرِوَايَتِهِ لَهُ الْبَعْضَ بَاقِيَ الْخَبَرِ , فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ , فَإِنْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ , وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ نَاقِصًا لِمَنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ لَهُ مِنْ قَبْلُ تَامًّا , إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ حَافِظٌ لَهُ بِتَمَامِهِ , وَذَاكِرٌ لَهُ , فَأَمَّا إِنْ خَافَ نِسْيَانَهُ وَالْتِبَاسَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْوِيَهُ لَهُ إِلَّا كَامِلًا ,
وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَرْوِي الْأَحَادِيثَ عَلَى الِاخْتِصَارِ لِمَنْ قَدْ رَوَاهَا لَهُ عَلَى التَّمَامِ , لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُمُ الْحِفْظَ لَهَا وَالْمَعْرِفَةَ بِهَا
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّينَوَرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السُّنِّيُّ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ , مَأْمُونٌ، ثنا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبَانَ , يَقُولُ: «عَلَّمَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ اخْتِصَارَ الْحَدِيثِ» وَإِنْ خَافَ مَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلَى التَّمَامِ , إِذَا أَرَادَ رِوَايَتَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى النُّقْصَانِ لِمَنْ رَوَاهُ لَهُ قَبْلُ تَامًّا أَنْ يَتَّهِمَهُ بِأَنَّهُ زَادَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ , أَوْ أَنَّهُ نَسِيَ فِي الثَّانِي بَاقِيَ الْحَدِيثِ لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَ هَذِهِ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ , لِأَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي رَاوِي الْحَدِيثِ كَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ , وَأَنَّهُ يَغْفُلُ وَيَسْهُو عَنْ ذِكْرِ مَا هُوَ مِنْهُ , وَأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ حَدِيثِهِ نَاقِصًا مَبْتُورًا , فَمَتَى ظَنَّ الرَّاوِي اتِّهَامَ السَّامِعِ مِنْهُ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفْيُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَعْنَى , كَحَذْفِ بَعْضِ الْحُرُوفِ وَالْأَلْفَاظِ , وَالرَّاوِي عَالِمٌ وَاعٍ مُحَصِّلٌ لِمَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَمَا لَا يُغَيِّرُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ , فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى , دُونَ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ وَتَفْرِيقِهِ فِي الْأَبْوَابِ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مِنَّا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِإِجَازَةِ تَفْرِيقِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ فِي مَوْضِعَيْنِ , إِذَا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِحُكْمَيْنِ , وَهَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَتْنُ مُتَضَمِّنًا لِعِبَادَاتٍ وَأَحْكَامٍ لَا تَعَلُّقَ لِبَعْضِهَا بِبَعْضٍ , فَإِنَّهُ بِمَثَابَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُنْفَصِلِ بَعْضُهَا
مِنْ بَعْضٍ , وَيَجُوزُ تَقْطِيعُهُ , وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ
حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ الْغَزَّالَ , مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ , قَالَ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ , يَقُولُ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ , فَقَالَ لِي: أَنْتَ
الَّذِي تَبْتُرُ حَدِيثِي؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ حَدِيثَكَ رُبَّمَا دَخَلَ فِي أَبْوَابٍ , فَسَكَتَ عَنِّي "
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ غزالٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ غَرْقَدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَدِيُّ , حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الَّذِي تَقْطَعُ حَدِيثِي؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّهُ يَبْلُغُنَا عَنْكَ الْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ وَذِكْرُ الصِّيَامِ وَذِكْرُ الزَّكَاةِ , فَنَجْعَلُ ذَا فِي ذَا , وَذَا فِي ذَا , قَالَ: فَنِعْمَ إِذًا "
حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ , أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَدْ أَخْرَجَ أَحَادِيثَ , فَأَخْرَجَ حَاجَتَهُ مِنَ الْحَدِيثِ , وَتَرَكَ الْبَاقِيَ يُخْرِجُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ شَيْئًا , وَمِنْ آخِرِهِ شَيْئًا وَيَدَعُ الْبَاقِيَ»
وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ , أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ , حَدَّثَهُمْ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ وَهُوَ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ فَيَجْعَلُهُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ؟ قَالَ: «لَا يَلْزَمُهُ كَذِبٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَدِّثَ بِالْحَدِيثِ كَمَا سَمِعَ وَلَا يُغَيِّرَهُ»