الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديبَابُ الْقَوْلِ فِي تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ , وَمَا يَصِحُّ التَّعَارُضُ فِيهِ وَمَا لَا يَصِحُّ

بَابُ الْقَوْلِ فِي تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ , وَمَا يَصِحُّ التَّعَارُضُ فِيهِ وَمَا لَا يَصِحُّ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الخطيب البغدادي
الكتاب
الكفاية في علم الرواية
المؤلف
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
المحقق
أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
الناشر
المكتبة العلمية - المدينة المنورة
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَافِظِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: «لَا أَعْرِفُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّانِ , فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَلْيَأْتِ بِهِ حَتَّى أُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , أَنَّهُ قُرِئَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ: قَالَ: " الْأَخْبَارُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ مِنْهَا يُعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِ , إِمَّا بِضَرُورَةٍ أَوْ دَلِيلٍ , وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا بِهِ , فَكُلُّ خَبَرَيْنِ عُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِمَا فَلَا يَصِحُّ دُخُولُ التَّعَارُضِ فِيهِمَا عَلَى وَجْهٍ , وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُمَا مُتَعَارِضَيْنِ , لِأَنَّ مَعْنَى التَّعَارُضِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ وَالْقُرْآنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْي وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ مُوجِبُ أَحَدِهِمَا مُنَافِيًا لِمُوجِبِ الْآخَرِ , وَذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ إِنْ كَانَا أَمْرًا وَنَهْيًا وَإِبَاحَةً وَحَظْرًا , أَوْ يُوجِبُ كَوْنَ أَحَدِهِمَا صِدْقًا وَالْآخَرِ كَذِبًا إِنْ كَانَا خَبَرَيْنِ , وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ , وَمَعْصُومٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَكُلِّ مُثْبِتٍ لِلنُّبُوَّةِ , وَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَجَبَ مَتَى عُلِمَ أَنَّ قَوْلَيْنِ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ , وَنَفَى أَحَدُهُمَا لِمُوجِبِ الْآخَرِ , أَنْ يُحْمَلَ النَّفْي وَالْإِثْبَاتُ عَلَى أَنَّهُمَا فِي زَمَانَيْنِ أَوْ فَرِيقَيْنِ , أَوْ عَلَى شَخْصَيْنِ , أَوْ عَلَى صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ , هَذَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِإِحَالَةِ مُنَاقَضَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَيْءٍ مِنْ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ وَالْبَلَاغِ , وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى أُمَّتِي , وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ , أَوِ الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى زَيْدٍ هَذَا , وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ , وَقَدْ نَهَيْتُهُ عَنْهُ، وَلَمْ أَنْهَهُ عَنْهُ , وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِيهِ وَهُوَ عَاصٍ بِهِ , وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُ آمِرٌ لِلْأُمَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ , وَغَيْرُ آمِرٍ لَهَا بِهَا فِي غَيْرِهِ , وَآمِرٌ لَهَا بِهَا إِذَا كَانَتْ مُتَطَهِّرَةً وَنَاهٍ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ مُحْدِثَةً , وَآمِرٌ لِزَيْدٍ بِالْحَجِّ إِذَا قَدَرَ , وَغَيْرُ آمِرٍ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ , فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ التَّعَارُضِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ , وَلَيْسَ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَوْلَيْهِ , إِلَّا بِأَنْ يُقَدَّرَ كَوْنُهُ آمِرًا بِالشَّيْءِ وَنَاهِيًا عَنْهُ لِمَنْ أَمَرَ بِهِ , عَلَى وَجْهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ , وَذَلِكَ إِحَالَةٌ فِي صِفَتِهِ "

بَابُ الْقَوْلِ فِي تَرْجِيحِ الْأَخْبَارِ مَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ مِنَ الْأَخْبَارِ لَا يَصِحُّ دُخُولُ التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ فِيهِ , لِأَنَّ الْمَعْلُومَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا اسْتَحَالَ تَقْوِيَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ , إِذِ الْعُلُومُ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْمَعْلُومَاتِ

عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ , لَا يَصِحُّ التَّزَايُدُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا.
وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَيَصِحُّ دُخُولَ التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ فِيهَا , إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ لِتَعَارُضِهَا فِي الظَّاهِرِ , وَإِنَّمَا صَحَّ دُخُولُ التَّرْجِيحِ فِيهَا , لِأَنَّهَا تَقْتَضِي غَلَبَةَ الظَّنِّ دُونَ الْعِلْمِ وَالْقَطْعِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَحْوَالِ وَالْأُمُورِ الْمُقَوِّيَةِ لِغَلَبَتِهِ , فَصَحَّ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ , فَتَارَةً بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ , وَتَارَةً بِعَدَالَتِهِمْ وَشِدَّةِ ضَبْطِهِمْ , وَتَارَةً بِمَا يُعَضِّدُ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَكُلُّ خَبَرِ وَاحِدٍ دَلَّ الْعَقْلُ أَوْ نَصَّ الْكِتَابُ أَوِ الثَّابِتُ مِنَ الْأَخْبَارِ أَوِ الْإِجْمَاعُ أَوِ الْأَدِلَّةُ الثَّابِتَةُ الْمَعْلُومَةُ عَلَى صِحَّتِهِ , وُجِدَ آخَرُ يُعَارِضُهُ , فَإِنَّهُ يَجِبُ اطِّرَاحُ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ وَالْعَمَلُ بِالثَّابِتِ الصَّحِيحِ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعْلُومِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ، ثنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الْبُخَارِيُّ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ , يَقُولُ: «إِجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى شَيْءٍ أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ» فَمِمَّا يُوجِبُ تَقْوِيَةَ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَتَرْجِيحَهُ عَلَى الْآخَرِ: سَلَامَتُهُ فِي مَتْنِهِ مِنَ الِاضْطِرَابِ , وَحُصُولُ ذَلِكَ فِي الْآخَرِ , لِأَنَّ الظَّنَّ بِصِحَّةِ مَا سَلِمَ مَتْنُهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ يَقْوَى , وَيَضْعُفُ فِي النَّفْسِ سَلَامَةُ مَا اخْتَلَفَ لَفْظُ مَتْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافًا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَافِ مَعْنَى الْخَبَرِ , فَهُوَ آكَدُ وَأَظْهَرُ فِي اضْطِرَابِهِ , وَأَجْدَرُ أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ ضَعِيفًا قَلِيلَ الضَّبْطِ لِمَا سَمِعَهُ , أَوْ كَثِيرَ التَّسَاهُلِ فِي تَغْيِيرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ , وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ مَعْنَاهُ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ , غَيْرَ أَنَّ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ لَفْظُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَيْهِ , فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الزِّيَادَةِ فِي الْمَتْنِ اضْطِرَابًا , قُلْنَا: لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ , وَإِنْ عُرِفَ مُحَدِّثٌ بِكَثْرَةِ الزِّيَادَاتِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْجَمَاعَةُ الْحُفَّاظُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَسَبَقَ إِلَى الظَّنِّ قِلَّةُ ضَبْطِهِ وَتَسَاهُلُهُ بِالتَّغْيِيرِ وَالزِّيَادَةِ , قُدِّمَ خَبَرُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ,

وَمِمَّا يُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ سَنَدُهُ عَارِيًا مِنَ الِاضْطِرَابِ , وَسَنَدُ الْآخَرِ مُضْطَرِبًا , وَاضْطِرَابُ السَّنَدِ أَنْ يَذْكُرَ رَاوِيهِ رِجَالًا فَيُلَبِّسُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ وَنُعُوتَهُمْ تَدْلِيسًا لِلرِّوَايَةِ عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ , وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْوِيًّا فِي تَضَاعِيفِ قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ مُتَدَاوَلَةٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ , لِأَنَّ مَا يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِ أَقْرَبُ فِي النَّفْسِ إِلَى الصِّحَّةِ مِمَّا يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ عَارِيًا عَنْ قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ , وَقَدْ يُرَجَّحُ أَيْضًا بِضَبْطِ رَاوِيهِ وَحِفْظِهِ وَقِلَّةِ غَلَطِهِ , لِأَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بِذَلِكَ

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلَّانَ الْوَرَّاقُ، أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ، ثنا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ , يَقُولُ: «إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى حِفْظِ الْمُحَدِّثِ إِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ» وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ رَاوِيهِ: سَمِعْتُ فُلَانًا , وَيَقُولُ رَاوِي الْآخَرِ: كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ , لِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ السَّمَاعِ وَالتَّلَقِّي إِذَا كَانَ ضَابِطًا أَبْعَدُ عَنِ الْغَلَطِ فِيمَا سَمِعَهُ , وَالْآخَرُ يُخْبِرُ عَنْ كِتَابٍ يَجُوزُ دُخُولُ التَّحْرِيفِ وَالْغَلَطِ فِيهِ , وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَرْفُوعًا إِلَيْهِ , وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ , فَيُرْوَى تَارَةً مَرْفُوعًا وَأُخْرَى مَوْقُوفًا , لِأَنَّ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَمْكَنَ أَلَّا يَكُونَ مَرْفُوعًا , وَلَا يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا أَجْمَعَ أَنَّهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدِ اخْتَلَفَ النَّقَلَةُ عَلَى رَاوِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ الْحَدِيثَ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ الْحُكْمِ , وَالْآخَرُ لَمْ يَخْتَلِفْ نَقَلَتُهُ فِي أَنَّهُ رَوَى أَحَدَهُمَا , وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يَكُونَ رَاوِي الْخَبَرِ مَنْ هُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ , وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ , وَهَذَا نَحْوُ رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه

وسلم وَنَحْنُ حَلَالَانِ , فَوَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِهَا عَلَى خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ , لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِالْقَصَّةِ , وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يُوَافِقَ مُسْنَدَ الْمُحَدِّثِ مُرْسَلُ غَيْرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ , فَيَجِبُ تَرْجِيحُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الِاتِّصَالُ وَالْإِرْسَالُ عَلَى مَا انْفَرَدَ عَنْ ذَلِكَ , وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يُطَابِقَ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَمَلَ الْأُمَّةِ بِمُوجَبِهِ , لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عَمِلَتْ بِذَلِكَ لِأَجْلِهِ , وَلَمْ تَعْمَلْ بِمُوجِبِ الْآخَرِ لِعِلَّةٍ فِيهِ , وَيُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ , لِأَنَّ الْغَلَطَ عَنْهُمْ وَالسَّهْوَ أَبْعَدُ , وَهُوَ إِلَى الْأَقَلِّ أَقْرَبُ , وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ فُقَهَاءَ , لِأَنَّ عِنَايَةَ الْفَقِيهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَةِ غَيْرِهِ بِذَلِكَ

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَرْوَذِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ , بِنَيْسَابُورَ، ثنا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُذَكِّرُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ , ثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ , قَالَ: " قَالَ لَنَا وَكِيعٌ: أَيُّ الْإِسْنَادَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , أَوْ سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْنَا: الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ , فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ , الْأَعْمَشُ شَيْخٌ , وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ , وَسُفْيَانُ فَقِيهٌ , وَمَنْصُورٌ فَقِيهٌ , إِبْرَاهِيمُ فَقِيهٌ وَعَلْقَمَةُ فَقِيهٌ , وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَدَاوَلَهُ الشُّيُوخُ "

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ حُمَيْدٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا , يَقُولُ: «حَدِيثُ الْفُقَهَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِ الْمَشَايِخِ» وَيُرَجَّحُ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ خَارِجًا عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لِلْحُكْمِ , وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ , وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ جِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ , فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ , لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ النَّهْيِ بَيَانَ نَجَاسَتِهَا , بَلْ يَجُوزُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي افْتِرَاشِهَا خُيَلَاءَ وَتَشَبُّهًا بِمُلُوكِ الْأَعَاجِمِ , وَلَيْسَ

فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِنَجَاسَتِهَا , فَوَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِ الدِّبَاغِ

أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو حَاتِمٍ يَعْنِي الرَّازِيَّ ,، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: " الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا , وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَحَّ الْإِسْنَادُ مِنْهُ , فَهُوَ سُنَّةٌ , وَالْإِجْمَاعُ أَكْبَرُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُفْرَدِ، وَالْخَبَرُ الْمُفْرَدُ عَلَى ظَاهِرِهِ , وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهِرَهُ أَوْلَاهَا بِهِ , وَإِذَا تَكَافَأَتِ الْأَحَادِيثُ فَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا أَوْلَاهَا , وَلَيْسَ الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ , مَا عَدَا مُنْقَطِعَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ , وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ , وَلَا يُقَالُ لِأَصْلٍ: لِمَ وَكَيْفَ؟ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْفَرْعِ: لِمَ؟ فَإِذَا صَحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَصْلِ صَحَّ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ "

جارٍ التحميل