الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديبَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ مِنْ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ

بَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ مِنْ ذِكْرِ الْكَبَائِرِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الخطيب البغدادي
الكتاب
الكفاية في علم الرواية
المؤلف
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
المحقق
أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
الناشر
المكتبة العلمية - المدينة المنورة
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ الْجَوْهَرِيُّ , قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثَمِائَةٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ

: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَانَ الْهَيْتِيُّ التَّغْلِبِيُّ لَفْظًا، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ مَنْصُورٍ وَوَاصِلٍ الْأَحْدَبِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» قَالَ: ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] " أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ الْبَرْدِيجِيُّ , قَالَ: أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ عَنِ الْكَبَائِرِ , فَقَالَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ وَهُوَ خَلَقَكَ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ بْنِ الصَّلْتِ الْأَهْوَازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَطِيرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثنا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ , عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ , حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «الْكَبَائِرُ سَبْعٌ , الشِّرْكُ بِاللَّهِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ , وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ , وَالتَّعْرِيبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ» وَلَمْ يَذْكُرِ السَّابِعَةَ

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ، ثنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ

عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ وَكَانَ فِيهِ: «إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»

وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ , أَيْضًا، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَبِيصَةُ، ثنا سُفْيَانُ , عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَهُ» قِيلَ: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَهُ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلَ فَيَسُبُّ أَبَاهُ»

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَارْدَانِيُّ، ثنا أَبُو قِلَابَةَ، ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ , ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ـ وَاللَّفْظُ لَهُ ـ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَا ثنا شُعْبَةُ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ , وَهُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ عَنِ الْكَبَائِرِ , فَقَالَ: " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ , وَشَهَادَةُ الزُّورِ , أَوْ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ "

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَنْبَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ النَّضْرِ الشِّيعِيُّ، ثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ السَّامِيُّ، ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، ثنا الْجُرَيْرِيُّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قَالُوا: بَلَى , قَالَ: " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , قَالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا , قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ , أَوْ قَوْلُ الزُّورِ " فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ "

أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ , بِنَيْسَابُورَ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي نَافِعٌ يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ , عَنْ يَزِيدَ , وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ سِنَانٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ: «شَهَادَةُ الزُّورِ مِنَ الْكَبَائِرِ» سِنَانٌ هَذَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ , وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ , وَقِيلَ: عُمَرُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ , ح وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ، ثنا أَبُو عَلِيٍّ الصَّوَّافُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ رَوْحٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ـ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِهِ ـ قَالَا: ثنا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ , عَنْ طَيْسَلَةَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قَالَ: «الْكَبَائِرُ سَبْعٌ , الشِّرْكُ بِاللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَالزِّنَا , وَالسِّحْرُ , وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ» كُلُّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ الْمَذْكُورَةِ , أَوْ مَا كَانَ بِسَبِيلِهَا , كَشُرْبِ الْخَمْرِ , وَاللِّوَاطِ , وَنَحْوِهِمَا , فَعَدَالَتُهُ سَاقِطَةٌ , وَخَبَرُهُ مَرْدُودٌ , حَتَّى يَتُوبَ , وَكَذَلِكَ إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مُلَازَمَتُهُ لِفِعْلِ الْمَعَاصِي الَّتِي لَا يُقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ , أَوْ إِدَامَةُ السُّخْفِ وَالْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ فِي أَمْرِ الدِّينِ , وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِذَا أَخْبَرَ بِهِ عَدْلَانِ , وَصَرَّحَا بِالْجَرْحِ , فَإِنْ صَرَّحَ عَدْلٌ وَاحِدٌ بِمَا يُوجِبُ الْجَرْحَ , فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَثْبُتُ , كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الشَّهَادَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَثْبُتُ ذَلِكَ , لِأَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ , فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي جَرْحِ الرَّاوِي , وَيُخَالِفُ الشَّهَادَةَ , لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا , فَكَانَ شَرْطًا فِي جَرْحِ الشَّاهِدِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إِذَا اجْتَمَعَا , أَيُّهُمَا أَوْلَى اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَحَهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ , وَعَدَّ لَهُ مِثْلُ عَدَدِ مَنْ جَرَحَهُ , فَإِنَّ الْجَرْحَ بِهِ أَوْلَى , وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِحَ يُخْبِرُ عَنْ أَمْرٍ بَاطِنٍ قَدْ عَلِمَهُ ,

وَيُصَدِّقُ الْمُعَدِّلَ وَيَقُولُ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مِنْ حَالِهِ الظَّاهِرَةِ مَا عَلِمْتَهَا , وَتَفَرَّدْتُ بِعِلْمٍ لَمْ تَعْلَمْهُ مِنَ اخْتِبَارِ أَمْرِهِ , وَأَخْبَارُ الْمُعَدِّلِ عَنِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ لَا يَنْفِي صِدْقَ قَوْلِ الْجَارِحِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَرْحُ أَوْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ , قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ: " كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا مِنَ الْبِلَادِ , وَيَذْكُرُ الرَّجُلَ وَنُحَدِّثُ عَنْهُ وَنُحْسِنُ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ , فَإِذَا سَأَلْنَا أَهْلَ بِلَادِهِ وَجَدْنَاهُ عَلَى غَيْرِ مَا نَقُولُ , قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: أَهْلُ بَلَدِ الرَّجُلِ أَعْرَفُ بِالرَّجُلِ " قَالَ الْخَطِيبُ: لَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ زِيَادَةُ عِلْمٍ بِخَبَرِهِ , عَلَى مَا عَلِمَهُ الْغَرِيبُ مِنْ ظَاهِرِ عَدَالَتِهِ , جَعَلَ حَمَّادٌ الْحُكْمَ لِمَا عَلِمُوهُ مِنْ جَرْحِهِ , دُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْغَرِيبُ مِنْ عَدَالَتِهِ

أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ لَمْ تَقْبَلْ مَا حَدَّثَكَ الثِّقَةُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ، لِمَا انْتَهَى إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جَرْحِهِ لِبَعْضِ مَنْ حَدَّثَ بِهِ , وَتَكُونُ مُقَلِّدًا ذَلِكَ الثِّقَةَ مُكْتَفِيًا بِهِ , غَيْرَ مُفَتِّشٍ لَهُ , وَهُوَ حَمَلَهُ وَرَضِيَهُ لِنَفْسِهِ؟ فَقُلْتُ: لِأَنَّهُ قَدِ انْتَهَى إِلَيَّ فِي ذَلِكَ عِلْمُ مَا جَهِلَ الثِّقَةُ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْهُ , فَلَا يَسَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ لِمَا انْتَهَى إِلَيَّ فِيهِ , بَلْ يَضِيقُ ذَلِكَ عَلَيَّ , وَيَكُونُ ذَلِكَ وَاسِعًا لِلَّذِي حَدَّثَنِي عَنْهُ , إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ مَا عَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ , وَيَسْأَلُ عَنْهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ , فَيُعَدَّلُ فَيَقْبَلُ شَهَادَتَهُ , ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَهُ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ , فَيَسْأَلُ عَنْهُ فَلَا يُعَدَّلُ , فَيَرُدُّهَا الْحَاكِمُ بَعْدَ إِجَازَتِهِ لَهَا , لَا يَسَعُهُ إِلَّا ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ بَعْدَهُ أَنْ يُجِيزَهَا , إِذَا لَمْ يُعَدَّلْ إِنْ كَانَ حَاكِمٌ قَبِلَهُ , فَكَذَلِكَ أَنَا وَالَّذِي حَدَّثَنِي فِيمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ عِلْمِ مَا جَهِلَ مِنْ ذَلِكَ , وَكِلَانَا مَصِيبٌ فِيمَا فَعَلَ " قَالَ الْخَطِيبُ: وَلِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِقَوْلِ الْجَارِحِ لَمْ يَتَّهِمِ الْمُزَكِّي وَلَمْ يُخْرِجْهُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ عَدْلًا , وَمَتَى لَمْ نَعْمَلْ بِقَوْلِ الْجَارِحِ كَانَ فِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لَهُ , وَنَقْضٌ لِعَدَالَتِهِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَالَهُ فِي الْأَمَانَةِ مُخَالِفَةٌ لِذَلِكَ , وَلِأَجْلِ هَذَا وَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ , وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ , أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِقَضَاءِ الْحَقِّ أَوْلَى , لِأَنَّ شَاهِدَيِ الْقَضَاءِ يُصَدِّقَانِ الْآخَرَيْنِ , وَيَقُولَانِ: عَلِمْنَا خُرُوجَهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ , وَأَنْتُمَا لَمْ تَعْلَمَا ذَلِكَ , وَلَوْ قَالَ شَاهِدَا ثُبُوتِ الْحَقِّ: نَشْهَدُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَقِّ , لَكَانَتْ شَهَادَةً بَاطِلَةً

فَصْلٌ إِذَا عَدَّلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا وَجَرَحَهُ أَقَلُّ عَدَدًا مِنَ الْمُعَدِّلِينَ , فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْجَرْحِ وَالْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْحُكْمُ لِلْعَدَالَةِ , وَهَذَا خَطَأٌ , لِأَجَلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجَارِحِينَ يُصَدِّقُونَ الْمُعَدِّلِينَ فِي الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ , وَيَقُولُونَ: عِنْدَنَا زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ

تَعْلَمُوهُ مِنْ بَاطِنِ أَمْرِهِ , وَقَدِ اعْتَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُعَدِّلِينَ تُقَوِّي حَالَهُمْ , وَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِمْ , وَقِلَّةُ الْجَارِحِينَ تُضَعِّفُ خَبَرَهُمْ , وَهَذَا بُعْدٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ , لِأَنَّ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَثُرُوا لَيْسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْجَارِحُونَ , وَلَوْ أُخْبِرُوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ , لَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ تَعْدِيلٍ أَوْ جَرْحٍ , لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بَاطِلَةٌ عَلَى نَفْيِ مَا يَصِحُّ , وَيَجُوزُ وُقُوعُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ , فَثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ

بَابُ الْقَوْلِ فِي الْجَرْحِ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ أَمْ لَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا جَرَحَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَرْحَ , يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ , وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدَنَا

تَرْكُ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ , إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَالِمًا , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَفْسُ مَا دَلَّلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْعَدْلِ عَمَّا بِهِ صَارَ عِنْدَهُ الْمُزَكَّى عَدْلًا ,

لِأَنَّنَا مَتَى اسْتَفْسَرْنَا الْجَارِحَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا لِسُوءِ الظَّنِّ وَالِاتِّهَامِ لَهُ بِالْجَهْلِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَذَلِكَ يَنْقُضُ جُمْلَةَ مَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ , مِنَ الرِّضَا بِهِ , وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ , وَلَا يَجِبُ كَشْفُ مَا بِهِ صَارَ مَجْرُوحًا , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّاسِ فِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , كَمَا لَا يَجِبُ كَشْفُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُقُوقِ , وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَامِّيًّا , وَجَبَ لَا مَحَالَةَ اسْتِفْسَارُهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا جَرَحَ رَجُلًا فَسُئِلَ عَمَّا جَرَحَهُ بِهِ , فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَائِمًا , فَقِيلَ لَهُ: وَمَا فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَقَعُ الرَّشَشُ عَلَيْهِ وَعَلَى ثَوْبِهِ , ثُمَّ يُصَلِّي , فَقِيلَ لَهُ: رَأَيْتَهُ صَلَّي كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا , فَهَذَا وَنَحْوُهُ جَرْحٌ بِالتَّأْوِيلِ، وَالْعَالِمُ لَا يَجْرَحُ أَحَدًا بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ , فَوَجَبَ بِذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ.
سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا , وَلَيْسَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: فُلَانٌ ضَعِيفٌ , وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ , مِمَّا يُوجِبُ جَرْحَهُ وَرَدَّ خَبَرِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْسُقُ بِهِ , فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ , لَيُنْظَرَ هَلْ هُوَ فِسْقٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ نَجِسٌ , لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يُبَيِّنَا سَبَبَ النَّجَاسَةِ , فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ , وَفِي نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ فِيهِ , قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ , مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِمَا , فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدِ احْتَجَّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَالْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّابِعِينَ , وَكَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ , وَهَكَذَا فَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ اشْتُهِرَ عَمَّنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ الرُّوَاةِ الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ ,

وَسَلَكَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ , وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ وَذُكِرَ مُوجِبُهُ

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ الْبَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِالسَّابِحِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِنْقَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: «احْذَرُوا غَيْرَةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , فَلَهُمْ أَشَدُّ غَيْرَةً مِنَ التُّيُوسِ» وَمَذَاهِبُ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ , وَرُبَّمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّاوِي أَدْنَى مَغْمَزٍ فَتَوَقَّفَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوجِبًا لِرَدِّ الْحَدِيثِ وَلَا مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ , وَيَرَى السَّامِعُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ الْأَوْلَى رَجَاءَ إِنْ كَانَ الرَّاوِي حَيًّا أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّحَفُّظِ وَضَبْطِ نَفْسِهِ عَنِ الْغَمِيزَةِ , وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا أَنْ يُنْزِلَهُ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ مَنْزِلَتَهُ , فَلَا يُلْحِقُهُ بِطَبَقَةِ السَّالِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْمَغْمَزِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ إِشَاعَةَ مَا سَمِعَ مِنَ الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَا يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْعَدَالَةِ بِانْفِرَادِهِ , حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ لَهُ مِنْ أَخَوَاتٍ وَنَظَائِرَ , فَإِنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ وَطَبَائِعَهُمْ جَارِيَةٌ عَلَى إِظْهَارِ الْجَمِيلِ وَإِخْفَاءِ مَا خَالَفَهُ , فَإِذَا ظَهَرَ أَمْرٌ يُكْرَهُ مُخَالِفٌ لِلْجَمِيلِ , لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ شِبْهٌ لَهُ ". وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْعَدَالَةِ: " مَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ , وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ , وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ , وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتِي حَسَنَةٌ "

أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو بِشْرٍ عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى الصَّيْدَلَانِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو يُوسُفَ الْقَلُوسِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ , يَقُولُ: " كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَصْنَافَ مِنْ خَالِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ , وَكَانَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ قَوْمٌ قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُمْ , مِثْلُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ , وَجَمَاعَةٍ نَحْوِ هَؤُلَاءِ , ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْهُرٍ , وَأَخْرَجَ إِلَيَّ كِتَابَ الدِّيَاتِ , فَحَدَّثَنِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ , فَقُلْتُ: يَا خَالِي , أَلَيْسَ كُنْتَ قَدْ ضَرَبْتَ عَلَى

حَدِيثِهِ وَتَرَكْتَهُ؟ قَالَ: " بَلَى , تَفَكَّرْتُ فِيهِ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَامَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَتَعَلَّقَ بِي فَقَالَ: يَا رَبِّ سَلْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ فِيمَ أَسْقَطَ عَدَالَتِي؟ فَرَأَيْتُ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ , وَمَا كَانَ لِي حُجَّةٌ عِنْدَ رَبِّي , فَحَدَّثَ عَنْهُ بِأَحَادِيثَ "

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ وَذَكَرَ مَسْلَمَةَ بْنَ عُلَيٍّ فَقَالَ: " لَا يُتْرَكُ حَدِيثُ رَجُلٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ , قَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ ضَعِيفٌ , فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مَتْرُوكٌ فَلَا , إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ "

جارٍ التحميل