الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديبَابُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى وَصَفِ الصَّحَابِيِّ بِأَنَّهُ صَحَابِيُّ وَالطَّرِيقِ إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا

بَابُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى وَصَفِ الصَّحَابِيِّ بِأَنَّهُ صَحَابِيُّ وَالطَّرِيقِ إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا

عن هذه الطبعة
عَلَم
الخطيب البغدادي
الكتاب
الكفاية في علم الرواية
المؤلف
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
المحقق
أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
الناشر
المكتبة العلمية - المدينة المنورة
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ , قَالَا

: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ ح وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتُوَيْهِ , أنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ - يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ -: ثنا حَجَّاجٌ , ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: " كَانَ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَهُ صُحْبَةٌ , وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: قَدْ كَانَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَقِيُّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قَدْ صَحِبَهُ "

أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , ثنا بَكْرُ بْنُ عِيسَى أَبُو بِشْرٍ الرَّاسِبِيُّ , ثنا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْقَيْسِيُّ , عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ , أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ»

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ , أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ الْغُوزَمِيُّ , أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَنْصَارِيُّ , ثنا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ , قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: عَامِرُ بْنُ مَسْعُودٍ الْقُرَشِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ؟ قَالَ: " لَا أَدْرِي , قَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ: وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيَّ يَقُولُ: لَهُ صُحْبَةٌ , يَعْنِي عَامِرَ بْنَ مَسْعُودٍ , وَكَانَ أَمِيرَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْحَرْبِ بِالْكُوفَةِ , وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ عَلَى الصَّلَاةِ , قَالَ: وَلَيْسَتْ لِلْخَطْمِيِّ صُحْبَةٌ , وَكَانَ صَغِيرًا حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ "

أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْوَرَّاقُ , ثنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ الْحَارِثِ , عَنِ ابْنِ سَعْدٍ , عَنِ الْوَاقِدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ , أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: الصَّحَابَةُ لَا نَعُدُّهُمْ إِلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ , وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ , قَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَقَدْ أَدْرَكَ الْحُلُمَ فأَسْلَمَ وَعَقِلَ أَمْرَ الدِّينِ وَرَضِيَهُ , فَهُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , وَلَكِنَّ

أَصْحَابَهُ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ "

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ السُّكَّرِيُّ , قَالَا: أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ , ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَبِي الْعَنْبَرِ , ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ الْعَطَّارُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذَكَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ أَهْلَ بَدْرٍ فَقَالَ: ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ , كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ , لَهُ مِنَ الصُّحْبَةُ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ , وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ , وَسَمِعَ مِنْهُ , وَنَظَرَ إِلَيْهِ "

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , أَخُو الْخَلَّالِ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاجِبٍ الْكُشَانِيُّ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: «وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطِّيبِ , قَالَ: «لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنَّ الْقَوْلَ» صَحَابِيُّ" مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ , وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ مِنْ قَدْرٍ مِنْهَا مَخْصُوصٍ , بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحِبَ غَيْرَهُ , قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا , كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ مُكَلِّمٌ وَمُخَاطِبٌ , وَضَارِبٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُكَالَمَةِ , وَالْمُخَاطَبَةِ وَالضَّرْبِ وَجَارٍ عَلَى كُلِّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ , قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا , وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ مِنَ الْأَفْعَالِ , وَكَذَلِكَ يُقَالُ: صَحِبْتُ فُلَانًا حَوْلًا وَدَهْرًا وَسَنَةً وَشَهْرًا وَيَوْمًا وَسَاعَةً , فَيُوقَعُ اسْمُ الْمُصَاحَبَةِ بِقَلِيلِ مَا يَقَعُ مِنْهَا وَكَثِيرِهِ , وَذَلِكَ يُوجِبُ فِي حُكْمِ اللُّغَةِ إِجْرَاءَ هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اشْتِقَاقِ الِاسْمِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلْأُمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ إِلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ , وَلَا يُجْرُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ الْمَرْءَ سَاعَةً , وَمَشَى مَعَهُ خُطًى , وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ لَا يُجْرَى هَذَا الِاسْمُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إِلَّا عَلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ , وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ خَبَرَ الثِّقَةِ الْأَمِينِ عَنْهُ مَقْبُولٌ وَمَعْمُولٌ بِهِ , وَإِنْ لَمْ تَطُلْ صُحْبَتُهُ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا" وَمِنَ الطُّرُقِ إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا تَظَاهُرُ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ , وَقَدْ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ صَحَابِيُّ إِذَا كَانَ ثِقَةً أَمِينًا مَقْبُولَ الْقَوْلِ , إِذَا قَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَكَثُرَ لِقَائِي لَهُ , فَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ صَحَابِيُّ فِي الظَّاهِرِ , لِمَوْضِعِ عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ خَبَرِهِ , وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِذَلِكَ , كَمَا يُعْمَلُ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِسَمَاعِهِ , وَلَوْ رُدَّ قَوْلُهُ إِنَّهُ صَحَابِيُّ لَرُدَّ خَبَرُهُ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , فَإِنْ قِيلَ: إِخْبَارُ الرَّسُولِ لَهُ بِالْحُكْمِ يَخْفَى , وَتَفَرُّدُهُ بِالْقَوْلِ لَهُ وَبِصُحْبَتِهِ وَمُطَاوَلَتُهُ لَا تَكَادُ تَخْفَى , قِيلَ: لَعَمْرِي إِنَّهَا لَا تَخْفَى , وَإِذَا قَالَ: أَنَا صَحَابِيُّ , وَلَمْ يُحْكَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَدُّ قَوْلِهِ وَلَا مَا يُعَارِضُهُ , جَازَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ , وَإِنْ لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ طُولَ صُحْبَتِهِ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ إِثْبَاتُهُ صَحَابِيًّا حُكْمًا بِقَوْلِهِ لِذَلِكَ , أَوْ قَوْلِ آحَادِ الصَّحَابَةِ: إِنَّهُ صَحَابِيُّ

بَابُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ , وَذِكْرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي تُوجِبُ قَبُولَ رِوَايَتِهِ لَا بُدَّ لِمَنْ لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُجْمَلًا , وَنَحْنُ نُفَصِّلُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَنَشْرَحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا , فَأَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ وَقْتَ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ وَسَمَاعِهِ مُمَيِّزًا ضَابِطًا , لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ

يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا تَحَمَّلَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ , وَلَا ذَاكِرٍ لَهُ , وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ فِيمَا يُؤَدِّيهِ كَحَالِهِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْكِيهِ , مِنْ أَفْعَالِهِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ فِي حَالِ نَقْصِهِ , وَمَعَ عَدَمِ تَمْيِيزِهِ وَعِلْمِهِ وَبِمَثَابَةِ مَا يَحْكِيهِ الْمَجْنُونُ وَالْمَغْلُوبُ , مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ حَالَ الْغَلَبَةِ عَلَى عَقْلِهِ , فَلَا خِلَافَ أَنَّ مَا هَذِهِ سَبِيلُهُ لَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ , وَالْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ , فَوَجَبَ لِذَلِكَ كَوْنُ الْمُتَحَمِّلِ وَقْتَ تَحَمُّلِهِ عَالِمًا بِمَا يَسْمَعُهُ , وَاعِيًا ضَابِطًا لَهُ ,

حَتَّى تَصِحَّ مِنْهُ مَعْرِفَتُهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ التَّذَكُرِ لَهُ , كَمَا عَرَفَهُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَهُ , فَيُؤَدِّيهِ كَمَا سَمِعَهُ بِلَفْظِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِيهِ عَلَى الْمَعْنَى فَحَاجَتُهُ إِلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ وَالنَّظَرِ فِي مَعَانِيهَا أَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ الرَّاوِي عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى , هَذَا إِذَا كَانَ تَعْوِيلُهُ فِي تَحَمُّلِهِ عَلَى حِفْظِهِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الضَّبْطَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ , لَكِنَّهُ إِذَا أَصْغَى وَهُوَ مُمَيِّزٌ صَحَّ سَمَاعُهُ , وَإِنْ لَمْ يَحْفَظِ الْمَسْمُوعَ وَيُقَيِّدُهُ بِالْكِتَابِ وَأَرَى حُجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ

مَا أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , ثنا عَلِيُّ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيَّ , ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , ثنا الْأَوْزَاعِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فِيهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ , وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا , وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا , وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ , وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ " فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , اكْتُبُوا لِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» فَقَامَ عَبَّاسٌ أَوْ قَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِلَّا الْإِذْخَرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «إِلَّا الْإِذْخَرَ» قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» ؟ قَالَ: يَقُولُ: اكْتُبُوا خُطْبَتَهُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ فَأَبُو شَاهٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُمَيِّزًا وَأَصْغَى إِلَى خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ صَحَّ سَمَاعُهُ إِيَّاهَا , وَأَمَرَ بِكَتْبِهَا لَهُ , وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْضًا فِي التَّحَمُّلِ قَبْلَ الْبُلُوغِ , فَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ ذَلِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ دَفَعَ صِحَّتَهُ

جارٍ التحميل