الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديالمقدمة

المقدمة

عن هذه الطبعة
عَلَم
الخطيب البغدادي
الكتاب
الكفاية في علم الرواية
المؤلف
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
المحقق
أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
الناشر
المكتبة العلمية - المدينة المنورة
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي

  • عَلَم: الخطيب البغدادي
  • الكتاب: الكفاية في علم الرواية
  • المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)
  • المحقق: أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني
  • الناشر: المكتبة العلمية - المدينة المنورة
  • عدد الأجزاء: 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمِصِّيصِيُّ بِدِمِشْقَ نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ لَفْظِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِدِينِهِ الْقَوِيمِ، وَأَرْشَدَنَا إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَلْهَمَنَا الْحَمْدَ لَهُ عَلَى مَا خَوَّلَنَا مِنْ جَزِيلِ نِعَمِهِ، وَجَعَلَهُ نِعْمَةً عَلَيْنَا مُضَافَةً إِلَى سَائِرِ مِنَنِهِ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ مُعْتَرِفٍ بِالتَّقْصِيرِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ شُكْرِ هِبَاتِهِ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ بِمَا يُقَرِّبُ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، شَهَادَةً تُبَلِّغُ مُعْتَقِدَهَا أَمَلَهُ، وَيَخْتِمُ اللَّهُ لِقَائِلِهَا بِالسَّعَادَةِ عَمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُنْتَخَبُ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَرَسُولُهُ الدَّاعِي لِخَلْقِهِ إِلَى طَاعَتِهِ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ، وَابْتَعَثَهُ بِالشَّرْعِ الْمَتِينِ، فَجَلَى غَوَامِضَ الشُّبُهَاتِ، وَأَنَارَ حَنَادِسَ الظُّلُمَاتِ، وَأَبَادَ حِزْبَ الْكُفْرِ وَأَنْصَارَهُ، وَشَيَّدَ أَعْلَامَ الدِّينِ وَمَنَارَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ صَلَاةً يُعْطِيهِ فِيهَا أُمْنِيَّتَهُ، وَيَرْفَعُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ دَرَجَتَهُ، وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الْأَخْيَارِ الْمُنْتَخَبِينَ، وَتَابِعِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْقَذَ الْخَلْقَ مِنْ ثَائِرَةِ الْجَهْلِ، وَخَلَّصَ الْوَرَقَ مِنْ زَخَارِفِ الضَّلَالَةِ بِالْكِتَابِ النَّاطِقِ وَالْوَحْيِ الصَّادِقِ، الْمُنَزَّلَيْنِ عَلَى سَيِّدِ الْوَرَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى، ثُمَّ أَوْجَبَ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ، وَالْبُعْدَ عَنْ مَنْزِلِ

الذُّلِ وَالخَسَارِ، لِمَنْ أَطَاعَهُ فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَ وَالْكَفِّ عَمَّا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة: النور، آية رقم: 52] وَطَاعَةُ اللَّهِ فِي طَاعَةِ رَسُولِهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، إِذْ هِيَ النُّورُ الْبَهِيُّ وَالْأَمْرُ الْجَلِيُّ وَالْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ وَالْمَحَجَّةُ الْلَائِحَةُ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا اهْتَدَى، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا ضَلَّ وَغَوَى.
وَلَمَّا كَانَ ثَابِتُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَصِحَاحُ الْأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ وَالْأَخْبَارِ مَلْجَأَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَحْوَالِ، وَمَرْكَزَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَعْمَالِ، إِذْ لَا قِوَامَ لِلْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْتِعْمَالِهَا، وَلَا ثَبَاتَ لِأَمْرِ الدِّينِ إِلَّا بِانْتِحَالِهَا، وَجَبَ الِاجْتِهَادُ فِي حِفْظِ أُصُولِهَا، وَلَزَمَ الْحَثُّ عَلَى مَا عَادَ بِعِمَارَةِ سَبِيلِهَا، وَقَدِ اسْتَفْرَغَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وُسْعَهَا فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ وَالْمُثَابَرَةِ عَلَى جَمْعِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيَنْظُرُوا نَظَرَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، وَتَمْيِيزِ سَبِيلِ الْمَرْذُولِ وَالرَّضِيِّ، وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِي السُّنَنِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَإِثَارَةِ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، بَلْ قَنَعُوا مِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى كَتْبِهِ فِي الصُّحُفِ وَرَسْمِهِ، فَهُمْ أَغْمَارٌ، وَحَمَلَةُ أَسْفَارٍ، قَدْ تَحَمَّلُوا الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ، وَسَافَرُوا إِلَى الْبِلْدَانِ الْبَعِيدَةِ، وَهَانَ عَلَيْهِمُ الدَّأَبُ وَالْكَلَالُ، وَاسْتَوطَئُوا مَرَاكِبَ الْحِلِّ وَالِارْتِحَالِ، وَبَذَلُوا الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ، وَرَكِبُوا الْمَخَاوِفَ وَالْأَهْوَالَ، شُعْثَ الرُّءُوسِ، شُحْبَ الْأَلْوَانِ، خُمْصَ الْبُطُونِ، نَوَاحِلَ الْأَبْدَانِ، يَقْطَعُونَ أَوْقَاتَهُمْ بِالسَّيْرِ فِي الْبِلَادِ لِمَا عَلَا مِنَ الْإِسْنَادِ، لَا يُرِيدُونَ شَيْئًا سِوَاهُ وَلَا يَبْتَغُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، يَحْمِلُونَ عَمَّنْ لَا تَثْبُتُ عَدَالَتُهُ، وَيَسْمَعُونَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ أَمَانَتُهُ، وَيَرْوُونَ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ حَدِيثِهِ، وَلَا يَتَيَقَّنُ ثُبُوتُ مَسْمُوعِهِ، وَيَحْتَجُّونَ

بِمَنْ لَا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ صَحِيفَتِهِ، وَلَا يَقُومُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمَاعِ وَالْإِجَازَةِ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ وَالْمَقْطُوعِ وَالْمُتَّصِلِ، وَلَا يَحْفَظُ اسْمَ شَيْخِهِ الَّذِي حَدَّثَهُ حَتَّى يَسْتَثْبِتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَكْتُبُونَ عَنِ الْفَاسِقِ فِي فِعْلِهِ، الْمَذْمُومِ فِي مَذْهَبِهِ، وَعَنِ الْمُبْتَدِعِ فِي دِينِهِ، الْمَقْطُوعُ عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَالْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ وَاجِبًا، إِذَا كَانَ السَّمَاعُ ثَابِتًا وَالْإِسْنَادُ مُتَقَدِّمًا عَالِيًا، فَجَرَّ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمُ الْوَقِيعَةَ فِي سَلَفِ الْعُلَمَاءِ، وَسَهَّلَ طَرِيقَ الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، حَتَّى ذَمَّ الْحَدِيثَ وَأَهْلَهُ بَعْضُ مَنِ ارْتَسَمَ بِالْفَتْوَى فِي الدِّينِ، وَرَأَى عِنْدَ إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، بِصُدُوفِهِ عَنِ الْآثَارِ إِلَى الرَّأْيِ الْمَرْذُولِ، وَتَحَكُّمِهِ فِي الدِّينِ بِاجْتِهَادِهِ الْمَعْلُولِ، وَذَلِكَ مِنْهُ غَايَةُ الْجَهْلِ وَنِهَايَةُ التَّقْصِيرِ عَنْ مَرْتَبَةِ الْفَضْلِ، يَنْتَسِبُ إِلَى قَوْمٍ تَهَيَّبُوا كَدَّ الطَّلَبِ وَمُعَانَاةَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالنَّصَبِ، وَأَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَسَانِيدُ فَلَمْ يَضْبِطُوهَا، فَجَانَبُوا مَا اسْتَثْقَلُوا، وَعَادُوا مَا جَهِلُوا، وَآثَرُوا الدَّعَةَ وَاسْتَلَّذُوا الرَّاحَةَ، ثُمَّ تَصَدَّرُوا فِي الْمَجَالِسِ قَبْلَ الْحِينِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ، وَأَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالطَّعْنِ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي لَا يُحْسِنُونَهُ , إِنْ تَعَاطَى أَحَدُهُمْ رِوَايَةَ حَدِيثٍ فَمِنْ صُحُفٍ ابْتَاعَهَا، كُفِيَ مَئُونَةَ جَمْعِهَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ لَهَا وَلَا مَعْرِفَةٍ بِحَالِ نَاقِلِهَا، وَإِنْ حَفِظَ شَيْئًا مِنْهَا خَلَطَ الْغَثَّ بِالسَّمِينِ، وَأَلْحَقَ الصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ، وَإِنْ قُلِبَ عَلَيْهِ إِسْنَادُ خَبَرٍ أَوْ سُئِلَ عَنْ عِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَثَرٍ؛ تَحَيَّرَ وَاخْتَلَطَ وَعَبَثَ بِلِحْيَتِهِ وَامْتَخَطَ، تَوْرِيَةً عَنْ مَسْتُورِ جَهَالَتِهِ، فَهُوَ كَالْحِمَارِ فِي طَاحُونَتِهِ، ثُمَّ رَأَى مِمَّنْ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَيُعَانِيهِ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْجَرَيَانُ فِيهِ، فَلَجَأَ إِلَى الِازْدِرَاءِ بِفِرْسَانِهِ، وَاعْتَصَمَ بِالطَّعْنِ عَلَى الرَّاكِضِينَ فِي مَيْدَانِهِ

كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ الْخِرَقِيُّ أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتُلِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ , قَالَ: " رَأَيْتُ بِالْأَهْوَازِ رَجُلًا قَدْ

حَفَّ شَارِبَهُ , وَأَظُنُّهُ قَدِ اشْتَرَى كُتُبًا وَتَعَبَّأَ لِلْفُتْيَا , فَذَكَرُوا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ , فَقَالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ , وَلَيْسَ يَسْوُونَ شَيْئًا , فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي.
قَالَ: أَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ وَرَفَعْتَ يَدَيْكَ؟ فَسَكَتَ , فَقُلْتُ: فَإِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا وَضَعْتَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ؟ فَسَكَتَ , قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ إِذَا سَجَدْتَ؟ فَسَكَتَ , قُلْتُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ أَنْتَ إِنَّمَا قِيلَ لَكَ: تُصَلَّى الْغَدَاةُ رَكْعَتَيْنِ , وَالظُّهْرُ أَرْبَعًا , فَالْزَمْ ذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَذْكُرَ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ , فَلَسْتَ بِشَيْءٍ وَلَا تُحْسِنُ شَيْئًا " فَهَذَا الْمَذْكُورُ مَثَلُهُ فِي الْفُقَهَاءِ كَمَثَلِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِمَّنِ انْتَسَبَ إِلَى الْحَدِيثِ وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ مِنْهُ غَيْرُ سَمَاعِهِ وَكُتُبِهِ , دُونَ نَظَرِهِ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِهِ.
وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فِيهِ الْمُتَخَصِّصُونَ بِهِ فَهُمُ الْأَئِمَّةُ الْعُلَمَاءُ , وَالسَّادَةُ الْفُهَمَاءُ , أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَرْتَبَةِ الرَّفِيعَةِ , حَفِظُوا عَلَى الْأُمَّةِ أَحْكَامَ الرَّسُولِ , وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْبَاءِ التَّنْزِيلِ , وَأَثْبَتُوا نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ , وَمَيَّزُوا مُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ , وَدَوَّنُوا أَقْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَأَفْعَالَهُ , وَضَبَطُوا عَلَى اخْتِلَافِ الْأُمُورِ أَحْوَالَهُ , فِي يَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ , وَقُعُودِهِ وَقِيَامِهِ , وَمَلْبَسِهِ وَمَرْكَبِهِ , وَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ , حَتَّى الْقُلَامَةِ مِنْ ظُفْرِهِ مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهَا , وَالنُّخَاعَةِ مِنْ فِيهِ كَيْفَ كَانَ يَلْفِظُهَا , وَقَوْلِهِ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يُحْدِثُهُ , وَكَذَا كُلُّ مَوْقِفٍ يَشْهَدُهُ , تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَمَعْرِفَةً بِشَرَفِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ , وَعُزِيَ إِلَيْهِ , وَحَفِظُوا مَنَاقِبَ صَحَابَتِهِ , وَمَآثِرَ عَشِيرَتِهِ , وَجَاءُوا بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ , وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ , وَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ , وَلَوْلَا عِنَايَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِضَبْطِ السُّنَنِ وَجَمْعِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَعَادِنِهَا وَالنَّظَرِ فِي طُرُقِهَا , لَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ , وَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُهَا , إِذْ كَانَتْ مَسْتَخْرَجَةً مِنَ الْآثَارِ الْمَحْفُوظَةِ , وَمُسْتَفَادَةً مِنَ السُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ , فَمَنْ عَرَفَ لِلْإِسْلَامِ حَقَّهُ وَأَوْجَبَ لِلدِّينِ حُرْمَتَهُ , أَكْبَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ

شَأْنَهُ وَأَعْلَى مَكَانَهُ , وَأَظْهَرَ حُجَّتَهُ وَأَبَانَ فَضِيلَتَهُ , وَلَمْ يَرْتَقِ بِطَعْنِهِ إِلَى حِزْبِ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِ الْوَحْيِ وَأَوْعِيَةِ الدِّينِ , وَخَزَنَةِ الْعِلْمِ , الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ , فَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] وَكَفَى الْمُحَدِّثَ شَرَفًا أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَقْرُونًا بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ , وَذِكْرُهُ مُتَّصِلًا بِذِكْرِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21] , وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ , وَبَلَّغَهُ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ , أَنْ يَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي تَتَبُّعِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ وَسُنَّتِهِ , وَطَلَبِهَا مِنْ مَظَانِّهَا , وَحَمْلِهَا عَنْ أَهْلِهَا , وَالتَّفَقُّهِ بِهَا وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهَا , وَالْبَحْثِ عَنْ مَعَانِيهَا وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهَا , وَيَصْدِفَ عَمَّا يَقِلُّ نَفْعُهُ وَتَبْعُدُ فَائِدَتُهُ , مِنْ طَلَبِ الشَّوَاذِّ وَالْمُنْكَرَاتِ , وَتَتَبُّعِ الْأَبَاطِيلِ وَالْمَوْضُوعَاتِ , وَيُوَفِّيَ الْحَدِيثَ حَقَّهُ مِنَ الدِّرَاسَةِ وَالْحِفْظِ وَالتَّهْذِيبِ وَالضَّبْطِ , وَيَتَمَيَّزَ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ , وَيَعُودُ عَلَيْهِ زَيْنُهُ وَجَمَالُهُ , فَقَدْ

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْخُوَارَزْمِيُّ , قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْخَصِيبِ الْمِصِّيصِيُّ إِمْلَاءً قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَخْلَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَسْمَعُ الْعِلْمَ الْيَسِيرَ فَيَسُودُ بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِ , يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي صِدْقِهِ وَفِي وَرَعِهِ , وَإِنَّهُ لَيَرْوِي الْيَوْمَ خَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ»

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأُشْنَانِيُّ بِنَيْسَابُورَ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ , وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاهِدُ بِالْبَصْرَةِ وَاللَّفْظُ لَهُ، ثنا أَبُو رَوْقٍ الْهِزَّانِيُّ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِقْسَمٍ , عَنِ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ

: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَا يَنْفَعُهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ»

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْأَزْرَقُ إِمْلَاءً، حَدَّثَنِي جَدِّي أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الْبُهْلُولِ، ثنا سُفْيَانُ , وَيَعْلَى , عَنْ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ قَيْسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَفَعَهُ يَعْلَى وَوَقَفَهُ سُفْيَانُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ , رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقُولُ بِهَا , وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَا لًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ» وَأَنَا أَذْكُرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَا بِطَالِبِ الْحَدِيثِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ , وَبِالْمُتَفَقِّهِ فَاقَةٌ إِلَى حِفْظِهِ وَدِرَاسَتِهِ , مِنْ بَيَانِ أُصُولِ عَلْمِ الْحَدِيثِ وَشَرَائِطِهِ , وَأَشْرَحُ مِنْ مَذَاهِبِ سَلَفِ الرُّوَاةِ وَالنَّقَلَةِ فِي ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ نَفْعُهُ وُتَعُمُّ فَائِدَتُهُ , وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى فَضْلِ الْمُحَدِّثِينَ وَاجْتِهَادِهِمْ فِي حِفْظِ الدِّينِ , وَنَفْيِهِمْ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , بِبَيَانِ الْأُصُولِ مِنَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ , وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّعْلِيلِ , وَأَقْوَالِ الْحُفَّاظِ فِي مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ , وَحُكْمِ التَّدْلِيسِ وَالِاحْتِجَاجِ بِالْمَرَاسِيلِ , وَالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَمَنْ لَا يَضْبِطُ الرِّوَايَةَ , وَذِكْرِ مَنْ يُرْغَبُ عَنِ السَّمَاعِ مِنْهُ لِسُوءِ مَذْهَبِهِ , وَالْعَرْضِ عَلَى الرَّاوِي , وَالْفَرَقِ بَيْنَ قَوْلِ «حَدَّثَنَا» وَأَخْبَرَنَا «وَأَنْبَأَنَا» , وَجَوَازِ إِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ , وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ , وَالْحُجَّةِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ , وَحُكْمِ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّكِّ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ , وَاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ بِتَغَايُرِ الْعِبَارَاتِ , وَمَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ , وَمَا جَاءَ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَشَرَائِطِ صِحَّةِ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقِفُ عَلَيْهِ مَنْ تَأَمَّلَهُ , وَنَظَرَ فِيهِ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ , وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

جارٍ التحميل