بَابُ الْأَمْرِ بِالتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقُدْرَتِهِ وَمُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الشيخ الأصبهاني
- الكتاب
- العظمة
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369هـ)
- المحقق
- رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري
- الناشر
- دار العاصمة - الرياض
- الطبعة
- الأولى، 1408
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «فَكِّرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تُفَكِّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ مَا بَيْنَ كُرْسِيِّهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سَبْعَةَ آلَافِ نُورٍ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»
23 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَ عُتْبَةُ الْغُلَامُ يَقْطَعُ اللَّيْلَ بِثَلَاثِ صَيْحَاتٍ، يُصَلِّي الْعَتَمَةَ، ثُمَّ يَضَعُ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ يُفَكِّرُ، فَإِذَا مَضَى
ثُلُثُ اللَّيْلِ صَاحَ صَيْحَةً، ثُمَّ يَضَعُ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ يَتَفَكَّرُ، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ صَاحَ صَيْحَةً " قَالَ أَحْمَدُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِي: حَدَّثْتُ بِهِ بَعْضَ الْبَصْرِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَنْظُرْ إِلَى الصَّيْحَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَ الصَّيْحَةِ الَّذِي صَاحَ مِنْهُ
24 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الطُّفَاوِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
الشَّحَّامُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: " مَا كَانَتْ عِبَادَتُهُ؟ يَعْنِي عُتْبَةَ الْغُلَامَ، قَالَ: كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، فَلَا يَزَالُ فِي فِكْرَةٍ وَبُكَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ "
25 - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ
، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219] ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 220] يَعْنِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا "
26 - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْكِسَائِيُّ، حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ
، أَخْبَرَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: 72] ، يَقُولُ: مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَعْمَى عَمَّا يَرَى مِنْ قُدْرَتِي مِنْ خَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالنَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَهُوَ عَمَّا وَصَفْتُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَرَهُ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا يَقُولُ: وَأَبْعَدُ حُجَّةً "
27 - وَأَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُدَيْلٍ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ اللُّؤْلُؤِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى
أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَإِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَحْقِرَ عَمَلَكَ، فَتَفَكَّرْ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَدِّرْ مَا عَمِلَ الصَّالِحُونَ قَبْلَكَ، وَقَدِّرْ عُقُوبَتَهُ فِي الذُّنُوبِ، إِنَّمَا فُعِلَ بِآدَمَ الَّذِي فُعِلَ بِأُكْلَةٍ أَكَلَهَا، فَقَالَ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121] ، وَإِنَّمَا لَعَنَ إِبْلِيسَ وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا مِنْ أَجْلِ سَجْدَةٍ أَبَى أَنْ يَسْجُدَهَا، وَجَعَلَ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ مِنْ أَجْلِ حِيتَانٍ أَصَابُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَدْ نُهُوا أَنْ يَعْدُوا فِيهِ، فَتَفَكَّرْ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَمُلْكِهَا وَكَرَامَتِهَا، فَإِذَا فَكَّرْتَ فِي هَذَا كُلِّهِ عَرَفْتَ نَفْسَكَ، وَحَقَرْتَ عَمَلَكَ، وَعَلِمْتَ أَنَّ عَمَلَكَ لَنْ يُغْنِيَ عَنْكَ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَكَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَبِعَفْوِهِ "
28 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ الْيَمَانِيُّ، قَالَ: قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: " الْمُؤْمِنُ مُفَكِّرٌ، مُذَّكِرٌ مُزْدَجِرٌ تَفَكَّرَ فَعَلَتْهُ السَّكِينَةُ، فَسَكَنَ فَتَوَاضَعَ، قَنَعَ فَلَمْ يَهْتَمَّ، رَفَضَ الشَّهَوَاتِ فَصَارَ حُرًّا، أَلْقَى الْحَسَدَ فَصَارَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ، زَهِدَ فِي كُلِّ فَانٍ فَاسْتَكْمَلَ الْعَقْلَ، فَقَلْبُهُ
مُتَعَلِّقٌ بَهَمِّهِ وَهَمِّهِ، مُوَكَّلٌ بِمَعَادِهِ، لَا يَفْرَحُ إِذَا فَرِحَ أَهْلُ الدُّنْيَا لِفَرَحِهِمْ بَلْ حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ، فَهُوَ دَهْرَهُ مَحْزُونٌ، وَفَرْحَهُ إِذَا نَامَتِ الْعُيُونُ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى يُرَدِّدُهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَمَرَّةً يَفْزَعُ قَلْبُهُ، وَمَرَّةً تَهْمُلُ عَيْنَاهُ، يَقْطَعُ عَنْهُ اللَّيْلَ بِالتِّلَاوَةِ، وَيَقْطَعُ عَنْهُ النَّهَارَ بِالْخُلْوَةِ مُفَكِّرًا فِي ذُنُوبِهِ مُسْتَصْغِرًا لِأَعْمَالِهِ، قَالَ وَهْبٌ: هَذَا يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَايِقِ، قُمْ أَيُّهَا الْكَرِيمُ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ "
29 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي فَيَّاضُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، قَالَ: كَانَ مُغِيثُ بْنُ الْأَسْوَدِ يَقُولُ: «زُورُوا الْقُبُورَ كُلَّ يَوْمٍ تُذَكِّرْكُمُ الْمَوْتَ، وَتَوَهَّمُوا جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْجَنَّةِ بِعُقُولِكُمْ، وَشَاهِدُوا الْمَوْقِفَ كُلَّ يَوْمٍ بِقُلُوبِكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى الْمُتَصَرِّفِ بِالْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ بِهِمَمِكُمْ، وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ، وَأَبْدَانَكُمْ ذِكْرَ النَّارِ وَمَقَامِعِهَا وَأَطْبَاقِهَا»
30 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: قَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: " تَفَكَّرْ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَعْلَمْ كَيْفَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ؟
31 - قَالَ جَدِّي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: عَنْ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: لَمَّا " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] ، نَقَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالُوا: إِلَهٌ وَاحِدٌ إِنْ كَانَ صَادِقًا، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 164] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] "
32 - قَالَ جَدِّي: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: «كُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَكُّرٌ، فَهُوَ سَهْوٌ»
33 - قَالَ جَدِّي: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَذْكُرُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: «مَا كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ؟» ، قَالُوا: كُنَّا نَتَفَكَّرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا فِي اللَّهِ فَلَا تَفَكَّرُوا أَلَا فِي اللَّهِ فَلَا تَفَكَّرُوا، أَلَا فَتَفَكَّرُوا فِي عِظَمِ مَا خَلَقَ اللَّهُ، أَلَا فَتَفَكَّرُوا فِي عِظَمِ مَا خَلَقَ اللَّهُ»
34 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمَرْوَزِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُكَرِّرُهَا عَلَى نَفْسِهِ»
35 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: لَأَنْ أَقْرَأَ فِي لَيْلَتِي حَتَّى أُصْبِحَ بِـ إِذَا زُلْزِلَتْ، وَالْقَارِعَةُ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِمَا، وَأَتَرَدَّدُ فِيهِمَا، وَأَتَفَكَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَهُذَّ الْقُرْآنَ لَيْلَتِي، أَوْ قَالَ أَنْثُرَهُ نَثْرًا
36 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا يَفْتَحُ الْفِكْرَةَ؟ قَالَ: «اجْتِمَاعُ الْهَمِّ، فَإِنَّهُ إِذَا هُمَّ فَكَّرَ، وَإِذَا فَكَّرَ أَبْصَرَ، وَإِذَا أَبْصَرَ اعْتَبَرَ، أَلَا وَإِنَّهُ إِذَا تَمَّتْ رَغْبَةُ الْعَبْدِ بَعُدَتْ فِكْرَتُهُ، وَإِذَا بَعُدَتْ فِكْرَتُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّدَدِ، فَصَارَ يَنْتَقِلُ فِي الْعَمَلِ، وَصَارَ يَعْرِفُ الشَّيْءَ بِقَلْبِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ رَدَّاهُ اللَّهُ» ، فَقِيلَ: يَا أَبَا الْعَالِيَةِ، مَا رَدَّاهُ اللَّهُ؟ قَالَ: «الْبِرُّ، وَاللِّينُ، وَالْخُشُوعُ، وَالتَّوَاضُعُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَاهُ اللَّهُ شَرْبَةً مِنْ حُبِّهِ، فَبِهَا يُعْطَى بِفِكَرَةِ سَاعَةٍ عِبَادَةَ شَهْرٍ»
37 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا دَيْلَمٌ، عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِدْمَانِ الْفِكْرِ، فَإِنَّ الْفِكْرَ أَبُو كُلِّ بِرٍّ وَأُمُّهُ، مُفَتِّحٌ خِلَالَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَبِهِ يَحْضُرُ تَسْدِيدُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ مُوَفَّقٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ مَا ظَفِرَ بِهِ مُدْرِكٌ مِنْ تَفَكُّرٍ مُخَالَصَةُ اللَّهِ، وَالشُّرْبُ بِكَأْسِ حُبِّهِ، وَإِنَّ أَحِبَّاءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ وَرِثُوا طِيبَ الْحَيَاةِ، وَذَاقُوا نَعِيمَهَا مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ مُنَاجَاةِ حَبِيبِهِمْ، وَرُبَّمَا وَجَدُوا مِنْ حَلَاوَةِ حُبِّهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا خَطَرَ عَلَى بَالٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ مُشَافَهَتِهِ، وَكَشْفِ سُتُورِ الْحُجُبِ عَنْهُ فِي الْمَقَامِ الْأَمِينِ وَالسُّرُورِ، وَأَرَاهُمْ جَلَالَهَ، وَأَسْمَعَهُمْ لَذَّةَ مَنْطِقِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَوَابَ مَا نَاجَوْهُ بِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِمْ؛ إِذْ قُلُوبُهُمْ مَشْغُوفَةٌ؛ وَإِذْ مَوَدَّتُهُمْ إِلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ؛ وَإِذْ - هُمْ لَهُ مُؤْثِرُونَ، وَإِلَيْهِ مُنْقَطِعُونَ، فَلْيُبْشِرِ الْمُصْغُونَ لِلَّهِ وُدَّهُمْ بِالْمَنْظَرِ الْعَجِيبِ بِالْحَبِيبِ، فَوَاللَّهِ مَا أَرَى يَحِلُّ لِعَاقِلٍ، وَلَا يَجْمُلُ بِهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ سِوَى حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
38 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ إِدْرِيسَ، قَالَ: قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: " صَحِبَ رَجُلٌ
عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ، قَالَ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ حَقًّا، قَالَ: سَلْ حَقَّكَ، قَالَ: أَوْصِنِي، قَالَ: عَلَيْكَ الِاعْتِبَارَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ يُرِقُّ لَكَ قَلْبَكَ، وَيُعَظِّمُ لَكَ بِاعْتِبَارِهَا الْفِكْرَةَ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا رَقَّ انْفَتَحَ، فَوَعَى، وَإِنَّ اعْتِبَارَكَ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ، وَتَفَكُّرٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ "
39 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَمِيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّ رَجُلًا بِالْبَصْرَةِ كَانَ يَقُولُ: التَّفَكُّرُ مَادَّةُ الْعِبَادَةِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: «التَّفَكُّرُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَفَكَّرُ فَيَتُوبُ»
40 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْأَدَمِيُّ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ «الْهَمُّ بِالْعَمَلِ يُورِثُ الْفِكْرَةَ، وَالْفِكْرَةُ تُوَرِّثُ الْعِبْرَةَ، وَالْعِبْرَةُ تُورِثُ الْحَزْمَ، وَالْحَزْمُ يُورِثُ الْعَزْمَ، وْالْعَزْمُ يُورِثُ الْيَقِينَ، وَالْيَقِينُ يُوَرِثُ الْغِنَى، وَالْغِنَى يُوَرِثُ الشُّكْرَ، وَالشُّكْرُ يُورِثُ الْمَزِيدَ، وَالْمَزِيدُ يُورِثُ الْجَنَّةَ»
41 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ
، يَقُولُ: إِنَّمَا «يُعَايِنُونَ إِذَا تَفَكَّرُوا»
ذِكْرُ نَوْعٍ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَتَدْبِيرِهِ، وَسُلْطَانِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] فَإِذَا تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِيِ ذَلِكَ اسْتَنَارَتْ لَهُ آيَاتُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَسَطَعَتْ لَهُ أَنْوَارُ الْيَقِينِ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْهُ غَمَرَاتُ الشَّكِّ، وَظُلْمَةُ الرَّيْبِ، وَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ
وَجَدَهَا مُكَوَّنَةً مَكْنُونَةً مَجْمُوعَةً مُؤَلَّفَةً مَجْزَأَةً مُنَضَّدَةً مُصَوَّرَةً مُتَرَكِّبَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مُدَبَّرٌ إِلَّا بِمُدَبِّرٍ، وَلَا مُكَوَّنٌ إِلَّا بِمُكَوِّنٍ، وَتَجِدُ تَدْبِيرَ الْمُدِبِّرِ فِيهِ شَاهِدًا دَالًّا عَلَيْهِ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى حِيطَانِ الْبِنَاءِ، وَتَقْدِيرِهَا "، وَإِلَى السَّقْفِ الْمُسَقَّفِ فَوْقَهُ بِجُذُوعِهِ، وَعَوَارِضِهِ، وَتَطْيِينِ ظَهْرِهِ، وَنَصْبِ بَابِهِ، وَإِحْكَامِ غَلْقِهِ، وَمِفْتَاحِهِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى بَانِيهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْجِسْمُ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ، وَتَفَكَّرْتَ
فِيهِ وَجَدْتَ آثَارَ التَّدْبِيرِ فِيهِ قَائِمَةً شَاهِدَةً لِلْمُدَبِّرِ دَالَّةً عَلَيْهِ، فَقَدْ أَيْقَنَ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا، وَلَا كَانَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ وَلَا ذِكْرٌ، فَصَارُوا، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنْفُسًا مَعْرُوفَةً مُصَوَّرَةً مَجْسُومَةً، قَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهَا جَوَارِحُ، وَأَعْضَاءٌ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا لَمْ يَزِدْ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا مِنْ قَطْرَةِ مَاءٍ لُحُومًا مُنَضَّدَةً، وَعِظَامًا مُتَرَكِّبَةً بِحِبَالِ الْعُرُوقِ، وَمَشْدَودَةً بِجِلْدٍ مَتِينٍ مُوَفًّى لَحْمُهُ وَدَمُهُ مَا قَدْ رُكِّبَتْ فِيهِ مَائَتَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا، وَشُدَّتْ بِثَلَاثِ مِائَةٍ وَسِتِّينَ عِرْقًا فِيمَا بَلَغَنَا لِلِاتِّصَالِ، وَالِانْفِصَالِ، وَالْقَبْضِ
، وَالْبَسْطِ، وَالْمَدِّ، وَالضَّمِ، وَيَجْعَلُ فِيهِ تِسْعَةَ أَبْوَابٍ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا، فَمِنْهَا أُذُنَاهُ الْمَثْقُوبَتَانِ لِحَاجَةِ السَّمْعِ قَدْ جُعِلَ مَاؤُهُمَا مُرًّا لِئَلَّا يَلِجَ فِيهَا دَابَّةٌ، فَتَخْلُصَ إِلَى الدِّمَاغِ، وَذَلِكَ الْمَاءُ سُمٌّ قَاتِلٌ، وَعَيْنَاهُ لِحَاجَةِ الرُّؤْيَةِ مِصْبَاحَانِ مِنْ نُورٍ مُرَكَّبَانِ فِي لَحْمٍ وَدَمٍ، وَقَدْ جُعِلَ مَاؤُهُمَا مَالِحًا لِئَلَّا يُفْسِدَهُمَا حَرَارَةُ النَّفَسِ بِالنَّفَسِ، وَلَا يَذُوبَانِ لِأَنَّهُ شَحْمٌ، وَمَنْخِرَاهُ الْمَثْقُوبَتَانِ لِحَاجَةِ الشَّمِّ
، وَالنَّفَسِ، وَإِلْقَاءِ مَا يَجْتَمِعُ فِي رَأْسِهِ مِنْ قَذَرِ الْمُخَاطِ، وَفُوهُ الْمَشْقُوقُ لِحَاجَةِ التَّنَفُّسِ وَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، قَدْ جُعِلَ مَاؤُهُ عَذْبًا لِيَجِدَ لَذَّةَ الْمَطَاعِمِ وَطَعْمَ الْمَذَاقَاتِ، مُرَكَّبَةٌ فِيهِ الْأَسْنَانُ لِحَاجَةِ الْمَضْغِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، كَحَجَرَيْ رَحًى يَطْحَنَانِ الطَّعَامَ بَيْنَهُمَا، دُونَهُمَا مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَسُوقَ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَهِيَ كَالْقِدْرِ فِي الْجَوْفِ قَدْ وُكِّلَتْ بِهَا نَارٌ تُنْضِجُهُ فِيهَا، وَهِيَ الْكَبِدُ بِدَمِهَا، قَدْ وُكِّلَتْ بِذَلِكَ الطَّعَامِ أَرْبَعٌ مِنَ الرِّيَاحِ رِيحُ تَسُوقُهُ مِنَ الْفَمِ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَرِيحٌ تُمْسِكُهُ فِي الْجَوْفِ إِلَى أَنْ يَصِلَ نَفْعُهُ إِلَى الْبَدَنِ، وَرِيحٌ تَصْرِفُ صَفْوَتَهُ فِي الْعُرُوقِ كَمَا يُطْرَدُ الْمَاءُ فِي الْأَنْهَارِ، وَرِيحٌ تَدْفَعُ ثِقَلَهُ وَفَضْلَهُ، وَذَلِكَ حِينَ يَجِدُ فِي جَوْفِهِ تَجْرِيدَ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ، وَقُبُلُهُ وَدُبُرُهُ لِحَاجَتِهِ إِلَى طَرْحِ ذَلِكَ الْفَضْلِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوْنٌ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِهَا تُنَالُ اللَّذَّاتُ، وَتُدْرَكُ الطَّلَبَاتُ، وَتحَيْى النَّفْسُ
، وَيَطِيبُ الْعُمُرُ، وَلَوْ نَقَصَ مِنْهَا لِامْرِئٍ عُضْوٌ أَوْ جَارِحَةٌ لَطَفِقَ مَنْقُوصَ الْحَظِّ مِنْ شَهْوَتِهِ، وَعَاجِزًا عَنْ إِدْرَاكِ بُغْيَتِهِ، وَلَوْ زَادَ فِيهَا لَضَرَّتْهُ الزِّيَادَةُ وَتَأَذَّى بِهَا وَأَظْهَرَتْ فِيهِ عَجْزًا كَمَا يُظْهِرُهُ النَّقْصُ مِنْهَا، وَإِنْ خَصَّ اللَّهُ عَبْدًا بِنُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِي عُضْوٍ أَوْ جَارِحَةٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ابْتِلَائِهِ وَاخْتِبَارِهِ وَتَعْرِيفِ مَنْ خَلَقَهُ سَوِيًّا فَضْلَ إِنْعَامِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَقَدْ عَلِمَ الْمَخْلُوقُ أَنَّهُ مُدَبِّرٌ، وَأَنَّ لَهُ خَالِقًا هُوَ مُدَبِّرٌ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْعَيْنَ مُدَبِّرَةً لِلْبَصَرِ، وَلَوْلَاهَا لَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ، وَلَا يَرَى الدُّنْيَا، وَلَا عَجَائِبَهَا، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ
فِيهَا، وَالْأُذُنَ تَسْتَمِعُ، وَلَوْلَاهَا لَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى سَمْعِ كَلَامِهِ لَا يَسْمَعُ كَلَامًا، وَلَا حِسًّا، وَلَا هَمْسًا، وَلَا يَسْتَفِيدُ أَدَبًا، وَلَا عِلْمًا، وَلَا يُدْرِكُ قَضَاءً وَلَا حُكْمًا، وَالْأَنْفَ لِلشَّمِّ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ لَا يَتَلَذَّذُ بِاسْتِنْشَاقِ طِيبٍ، وَلَا بِنَسِيمِ رِيحٍ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَوَاءٍ نَافِعٍ، وَسُمٍّ قَاتِلٍ، وَالْفَمَ مُشْرَعًا إِلَى مَا اسْتَبْطَنَ مِنْهُ بِهِ يَنْزِلُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَيَصْعَدُ النَّفَسُ وَالْكَلَامُ، وَلَوْلَاهُ مَا ذَاقَ طَعْمَ الْحَيَاةِ، وَلَا تَخَلَّفَ سَاعَةً عَنْ مَنْهَلِ الْأَمْوَاتِ، وَاللِّسَانَ لِلنُّطْقِ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُعَاءٍ، وَلَا نِدَاءٍ، وَلَا عَلَى نَجْوًى، وَلَا عَلَى طَلَبِ شَيْءٍ ابْتَغَى أَوِ اشْتَهَى، وَلَا عَلَى شَكْوَى أَوْ وَصْفِ بَلْوَى، وَالْيَدَ لِلْبَطْشِ، وَلَوْلَاهَا لَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ قَبْضًا، وَلَا بَسْطًا، وَلَا تَنَاوُلًا، وَلَا دَفْعًا، وَلَا تَلَقُّمًا، وَلَا حَكًّا، وَالرِّجْلَ لِلْمَشْيِ، وَلَوْلَاهَا كَانَ لَا يَخْطُو، وَلَا يَنْهَضُ، وَلَا عَنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَقِلُ، وَالْفَرْجُ مَعِينُ الشَّهْوَةِ، وَنَهْجٌ لِلنُّطْفَةِ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ لَا يُوجَدُ لَهُ نَسْلٌ، وَلَا يُرَى لَهُ عَقِبٌ، وَسَبِيلُ سَائِرِ الْجَوَارِحِ الَّتِي لَمْ نَصِفْهَا بِسَبِيلِ مَا قَدْ أَتَى وَصْفُنَا عَلَيْهِ مِنْهَا، وَفِي التَّفَكُّرِ فِي الْأَمْعَاءِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْهَوَاءِ، وَالدِّمَاغِ
، وَالْعَصَبِ وَالشَّوَي اللَّاتِي مِنْهَا مَا هِيَ بِمَجَارِي الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَالْأَغْذِيَةِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ مَقَاطِنُ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالْحِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَالْحَذْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ الدَّافِقُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْخَلْقُ الْكَامِلُ، وَفِي الْمَفَايِحِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الدَّمُ وَالنَّفَسُ، وَالَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا مِنَ الْأُنْثَى لِلْوَلَدِ، وَالَّتِي تَنْشَقُّ مِمَّا يَدْخُلُ الْجَوْفَ مَا تَحْيَى بِهِ النَّفْسُ، وَيَرْبُو عَلَيْهِ الْجِسْمُ، وَالَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مَا تَقْضُمُهُ الْمَعِدَةُ مِمَّا لَوْ بَقِيَ فِيهَا