العظمة لأبي الشيخ الأصبهانيصفحات 1510-1534

بَابَ صِفَةِ الْبَحْرِ وَالْحُوتِ، وَعَجَائِبِ مَا فِيهِمَا

صفحات 1510-1534
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الشيخ الأصبهاني
الكتاب
العظمة
المؤلف
أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369هـ)
المحقق
رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري
الناشر
دار العاصمة - الرياض
الطبعة
الأولى، 1408
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مِنَ الْمَشْرِقِ، فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] فَقَالَ: أَخْرِجُوا هَذَا عَنِّي، فَلَا تُمِيرُوهُ شَيْئًا، فَخَرَجَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ قَدِ امْتَارُوا، وَجِوالِقَا إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْطَفِقَانِ حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى سَوَادِ جِبَالِ أَهْلِهِ.
قَالَ: لَوْ أَنِّي مَلَأْتُ هَذَيْنِ الْجِوَالِقَيْنِ مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَذَهَبْتُ بِهِمَا قَرَّتْ أَعْيُنُ صِبْيَانِي، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَهْرَقْتُهُ، قَالَ: فَمَلَأَهُمَا ثُمَّ خَيَّطَهُمَا، ثُمَّ جَاءَ بِهِمَا، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ وَفَرِحُوا، وَأَلْقَى رَأْسَهُ فِي حِجْرِ سَارَةَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: مَا يَحْبِسُنِي قَدْ جَاءَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَوْ قَدْ قُمْتُ وَصَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا إِلَى أَنْ يَقُومَ قَالَ: فَأَخَذَتْ وِسَادَةً فَأَدْخَلَتْهَا مَكَانَهَا، وَانْسَلَّتْ قَلِيلًا قَلِيلًا لِئَلَّا تُوقِظَهُ، فَجَاءَتْ إِلَى إِحْدَى الْغَرَارَتَيْنِ فَفَتَحَتْهَا، فَإِذَا بَحَوَارِيٍّ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ عِنْدَ أَحَدٍ قَطُّ

، فَأَخَذَتْ مِنْهُ فَعَجَنَتْهُ وَصَنَعَتْهُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ أَتَتْ تُوقِظُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ، جَاءَتْهُ بِهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا يَا سَارَةُ؟ قَالَتْ: هَذَا مِنْ جَوَالِيقِكَ لَقَدْ جِئْتَ، وَمَا عِنْدَنَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قَالَ: فَذَهَبَ، فَنَظَرَ إِلَى الْجِوَالِقِ الْآخَرِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُهُ، فَعَرَفَ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ "

حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الضَّحَّاكِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: " بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى نَمْرُودَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْبُدَهُ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا.
فَقَالَ: أَبْرِزْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.
قَالَ لَهُ: مَوْعِدُكَ بِالْغَدَاةِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ تَأْتِي جُمُوعُكُمْ؟ قَالَ: مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ ". قَالَ: " فَذَهَبَ يَجْمَعُ، وَكَانَ إِذَا جَمَعَ فَلَمْ يَسِلِ الْوَادِي مِنْ أَبْوَالِ دَوَابِّهِمْ

غَضِبَ، وَرَجَعَ، فَجَمَعَ جَمْعًا لَمْ يُجْمَعْ مِثْلُهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ جُمُوعَ رَبِّكَ قَدْ أَتَتْ ". قَالَ: «فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى خَازِنِ الْبَعُوضِ أَنِ افْتَحْ مِنْهُ بَابًا، فَخَرَجَ مِنْهُ مِثْلُ السَّحَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ أَنْ كُلُوهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَلَا تَقْرَبُوهُ احْتَبِسُوهُ» . قَالَ: " فَاحْتَبَسَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ سَاعَةً فَقَالَ: مَا لِلشَّمْسِ لَا تَطْلُعُ؟ فَقَالَ: حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا جُنْدُهُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إِلَيْكَ، وَمَا بَعَثَ إِلَيْكَ إِلَّا أَضْعَفَ جُنْدٍ هُوَ لَهُ، فَغَشِيَهُمْ مِثْلُ السَّحَابِ، فَمَا انْجَلَيْنَ إِلَّا عَنْ عِظَامٍ تَلُوحُ مِنْهُمْ، وَمِنْ دَوَابِّهِمْ " قَالَ: «فَازْدَادَ طُغْيَانًا إِذْ لَمْ يَمَسَّهُ، وَرَجَعَ فَنَامَ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَعُوضَةٍ أَنِ اقْرُصِي شَفَتَهُ فَقَرَصَتْهَا، فَحَكَّهَا فَطَمَرَتْ، وَتَوَرَّمَتْ» . قَالَ: " فَدَعَا الْأَطِبَّاءَ قَالُوا: مَا لَهَا دَوَاءٌ إِلَّا أَنْ تَشُقَّهَا فَشَقَّهَا، فَسَقَطَتْ شُقَّةٌ هَا هُنَا، وَشُقَّةٌ هَا هُنَا، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا أَنِ اقْرُصِي شَفَتَهُ الْعُلْيَا فَقَرَصَتْهَا فَطَمَرَتْ أَيْضًا وَتَوَرَّمَتْ ". قَالَ: " فَدَعَا الْأَطِبَّاءَ فَقَالُوا: مَا لَهَا دَوَاءٌ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ مَا صَنَعْتَ بِالشَّفَةِ ". قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا أَنِ اقْرُصِي أَنْفَهُ فَقَرَصَتْهُ، فَطَمَرَتْ أَنْفُهُ، فَدَعَا الْأَطِبَّاءَ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ لَهَا دَوَاءً إِلَّا أَنْ تَشُقَّهَا ". قَالَ: «فَشَقَّهَا» . قَالَ: «فَصَارَ وَجْهُهُ سِتَّةَ شُقُوقٍ وَنَامَ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا أَنِ ادْخُلِي فَقَعِي عَلَى دِمَاغِهِ وَكُلِي حَتَّى يَأْتِيَكِ أَمْرِي» . قَالَ: «فَفَعَلَتْ ذَلِكَ» . قَالَ: «فَكَانَ أَرْحَمَ النَّاسِ بِهِ الَّذِي يَدُقُّ فَوْقَ رَأْسِهِ مَا اسْتَطَاعَ» . قَالَ: «فَعَمَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ مِثْلَ مَا مَلَّكَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَالْبَعُوضُ فِي رَأْسِهِ، وَكَانَتْ تَأْكُلُ حَتَّى صَارَتْ مِثْلَ الْفَأْرَةِ الْعَظِيمَةِ»

قِصَّةُ أَصْحَابِ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِينَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، وَمَا خُصُّوا مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا، رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّ " بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ شَكَوْا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا: مَا نَأْكُلُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ.
قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ أَمْطِرْ عَلَيْنَا خُبْزًا؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ عَلَيْكُمْ خُبْزًا مَخْبُوزًا، فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ.
- فَسُئِلَ وَهْبٌ: مَا الْمَنُّ؟ قَالَ: خُبْزُ الرِّقَاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ، أَوْ مِثْلُ النَّقِيِّ - قَالُوا: وَمَا نَأْتَدِمُ؟ وَهَلْ بُدٌّ لَنَا مِنْ لَحْمٍ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْتِيكُمْ بِهِ.
قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: فَإِنَّ الرِّيحَ تَأْتِيكُمْ بِهِ، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَأْتِيَهُمْ بِالسَّلْوَى - فَسُئِلَ وَهْبٌ رَحِمَهُ

اللَّهُ تَعَالَى: مَا السَّلْوَى؟ قَالَ: «طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ كَانَ يَأْتِيهِمْ، فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ» - قَالُوا: فَمَا نَلْبَسُ؟ قَالَ: لَا يَخْلِقُ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالُوا: فَمَا نَحْتَذِي؟ قَالَ: لَا يَنْقَطِعُ لِأَحَدِكُمْ شِسْعٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالُوا: فَإِنَّهُ يُولَدُ فِينَا أَوْلَادٌ، فَمَا نَكْسُوهُمْ؟ قَالَ: الثَّوْبَ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ لَيَشُبَّ مَعَهُ.
قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الْمَاءُ؟ قَالَ: يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَنَا إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَجَرِ؟ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ قَالُوا: فَبِمَ نُبْصِرُ، فَإِنَّهُ يَغْشَانَا الظُّلْمَةُ؟ فَضُرِبَ لَهُمْ عَمُودٌ مِنْ نُورٍ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهِمْ أَضَاءَ عَسْكَرَهُمْ كُلَّهُ.
قَالُوا: فَبِمَ نَسْتَظِلُّ، فَإِنَّ الشَّمْسَ عَلَيْنَا شَدِيدٌ؟ قَالَ: يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالْغَمَامِ "

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: «تَاهُوا فِي اثْنَىْ عَشَرَ فَرْسَخًا أَرْبَعِينَ عَامًا، وَجُعِلَ لَهُمْ حَجَرٌ مِثْلُ رَأْسِ الثَّوْرِ يُحْمَلُ عَلَى ثَوْرٍ، فَإِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا وَضَعُوهُ، فَضَرَبَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَإِذَا سَارُوا حَمَلُوهُ عَلَى ثَوْرٍ، وَاسْتَمْسَكَ الْمَاءُ»

قِصَّةُ عُوجَ وَعِظَمُ خَلْقِهِ وَبَيَانُ شَأْنِهِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَصَاحِفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرَ وَهْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ عُوجَ بْنَ عُوقٍ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِهِنَّ وَأَجْمَلِهِنَّ وَكَانَ عُوجُ مِمَّنْ وُلِدَ فِي دَارِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ جَبَّارًا، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَلَا يُوصَفُ عِظَمًا وَطُولًا وَعُمْرًا، فَعَمَّرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتَّمِائَةٍ وَكَانَ طُولُهُ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ قَدْ سَأَلَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَحْمِلَهُ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَقَالَ لَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَمْ أُومَرْ بِحَمْلِكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، اغْرُبْ عَنِّي، فَكَانَ زَمَانَ الْغَرَقِ، الْمَاءُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنَ الْبَحْرِ، فَيَرْفَعُهُ بِيَدِهِ فِي الْهَوَاءِ فَيُنْضِجُهُ بِحَرِّ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَأْكُلُهُ، وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَحَرَزَهُمْ حَتَّى عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَانَ عَسْكَرُهُمْ فَرْسَخَيْنِ فَعَمَدَ إِلَى جَبَلٍ فَسَلَخَ مِنْهُ حَجَرًا عَلَى قَدْرِ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يُطْبِقَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُدْهُدًا لِيُرِيَهُمْ قُدْرَتَهُ فَأَقْبَلَ وَفِي مِنْقَارِهِ حَجَرٌ مِنَ السَّامُورِ، فَجَابَ الْحَجَرَ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ عُوجَ وَهُوَ لَا يَدْرِي، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِجَنَاحِهِ ضَرْبَةً فَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ، فَأُخْبِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبَرَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْعَصَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَسْطَتُهُ سَبْعُ أَذْرُعٍ وَطُولُ الْعَصَا سَبْعُ أَذْرُعٍ وَوَثْبَتُهُ إِلَى السَّمَاءِ سَبْعُ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَهُ بِالْعَصَا أَسْفَلَ مِنْ كَعْبِهِ، فَقَتَلَهُ فَمَكَثَ زَمَانًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَيِّتًا»

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَانَ أَقْصَرُ قَوْمِ عَادٍ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَأَطْوَلُهُمْ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبْعَ أَذْرُعٍ وَطُولُ عَصَاهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ سَبْعَ أَذْرُعٍ فَأَصَابَ كَعْبَ عُوجَ فَقَتَلَهُ»

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَوْفٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ

أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ نَوْفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «إِنَّ عُوجَ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ طُولُ سَرِيرِهِ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَعَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَوَثْبَتُهُ حِينَ يَثِبُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَأَصَابَ عَقِبَهُ فَخَرَّ عَلَى نِيلِ مِصْرَ عِبْرَةً لِلنَّاسِ فَحَسَرَهُ لِلنَّاسِ عَامًا يَمُرُّونَ عَلَى صُلْبِهِ وَأَضْلَاعِهِ»

صِفَةُ الْعَمَالِقَةِ وَالْجَبَابِرَةِ وَعِظَمُ أَجْسَامِهِمْ وَثِمَارِهِمْ

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ عَبَّادُ بْنُ سِرْحَانَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَعَافِرِيُّ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الرَّئِيسُ الزَّكِيُّ الْحَضْرَةِ أَبُو الرَّجَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَاذَوَيْهِ إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: حَفَرُوا بِخُرَاسَانَ حِصْنًا فَأَصَابُوا رَأْسَ إِنْسَانٍ فَوَزَنُوا سِنًّا مِنْ أَسْنَانِهِ فَإِذَا فِيهِ مَنَوَانِ وَسَبْعُ أَسَاتِيرَ فَسَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي السِّنِّ: « [البحر المتقارب] أَتَيْتُ بِسِنَّيْنِ قَدْ رُمَّتَا ... مِنَ الْحِصْنِ لَمَّا أَثَارُوا الدَّفِينَا عَلَى وَزْنِ مَنَوَيْنِ إِحْدَاهُمَا ... تَقِلُّ بِهِ الْكَفُّ شَيْئًا رَزِينَا ثَلَاثِينَ أُخْرَى عَلَى قَدْرِهَا ... تَبَارَكْتَ يَا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَا فَمَاذَا يَقُومُ لِأَفْوَاهِهِمْ ... وَمَا كَانَ يَمْلَأُ تِلْكَ الْبُطُونَا إِذَا مَا تَذَكَّرْتُ أَجْسَامَهُمْ ... تَصَاغَرَتِ النَّفْسُ حَتَّى تَهُونَا فَكُلٌّ عَلَى ذَاكَ لَاقُوا الرَّدَى ... فَبَادُوا جَمِيعًا فَهُمْ خَامِدُونَا»

حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ حَمْدَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنَا

مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: «وَلَّانِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفْرَ الْمَنَازِلِ فَرَاحَ إِلَيَّ الْعُمَّالُ بِضِرْسٍ فَوَزَنْتُهُ فَإِذَا فِيهِ تِسْعَةُ أَرْطَالٍ»

حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيَهُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ قَالَ: «فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَنِ الْغِطَاءِ فَإِذَا رَأْسُهُ بِالْمَدِينَةِ وَرِجْلَاهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ طُولُهُ»

حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: «أَدْرَكْتُ بِعُمَانَ نِصْفَ خَابِيَةٍ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا أَرْبَعُمِائَةِ شَاةٍ»

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ

، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: 21] قَالَ: «كَانُوا سِتَّةَ رِجَالٍ يَحْمِلُونَ عُنْقُودًا، وَأَرْبَعَةٌ يَحْمِلُونَ رُمَّانَةً وَاثْنَانِ يَحْمِلَانِ تِينَةً»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْجَبَّارِينَ قَالَ: «فَدَخَلُوا فَقَطَعُوا عُنْقُودًا فَحَمَلُوهُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَلَى خَشَبَةٍ يَتَرَاوَحُهَا أَرْبَعَةٌ، وَرُمَّانَةٌ يَتَرَاوَحُ سِتَّةٌ عَلَى حَمْلِهَا»

صِفَةُ إِلْيَاسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِظَمُ خَلْقِهِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الْبَلَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْحُرَيْثِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ الْحِجْرِ إِذَا نَحْنُ بِصَوْتٍ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْحُومَةِ الْمَغْفُورِ لَهَا الْمُسْتَجَابِ لَهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَنَسُ، انْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟» فَدَخَلْتُ الْجَبَلَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ، أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَلَمَّا

رَآنِي قَالَ: أَنْتَ رَسُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: هَذَا أَخُوكَ إِلْيَاسُ يُرِيدُ أَنْ يَلْقَاكَ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَجَاءَ يَمْشِي، وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنْهُ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَخَّرْتُ أَنَا قَالَ: فَتَحَدَّثَا طَوِيلًا فَنَزَلَ عَلَيْهِمَا مِنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ شِبْهُ السُّفْرَةِ وَدَعَانِي فَأَكَلْتُ مَعَهُمَا فَإِذَا فِيهَا كَمْأَةٌ وَرُمَّانٌ وَحُوتٌ وَتَمْرٌ وَكَرَفْسٌ فَلَمَّا أَكَلْتُ قُمْتُ فَتَنَحَّيْتُ، ثُمَّ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَحَمَلَتْهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ثِيَابِهِ فِيهَا تَهْوِي بِهِ قِبَلَ الشَّامِ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي أَكَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَأَلْتُهُ عَنْهُ» فَقَالَ: يَأْتِينِي بِهِ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَكْلَةٌ وَفِي كُلِّ حَوْلٍ شَرْبَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَرُبَّمَا رَأَيْتُهُ عَلَى الْجُبِّ يَشْرَبُ وَرُبَّمَا سَقَانِي

ذِكْرُ الْمَائِدَةِ وَصِفَتِهَا

حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ لَيْثٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُصَلِّيِينَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْعَبْدَرِيُّ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ الصَّنْعَانِيُّ الْمُجَدَّرُ يَسْكُنُ صَنْعَاءَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا الْمَائِدَةَ كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وَقَالَ: " يَا قَوْمِ اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْنَعُوا بِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَلَا تَسْأَلُوا الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ كَانَتْ آيَةً

مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنَّمَا هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ آيَةً فَابْتُلُوا بِهَا حَتَّى كَانَ بَوَارُهُمْ يَعْنِي هَلَاكَهُمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 113] فَلَمَّا رَأَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِهَا قَالَ: فَأَلْقَى عَنْهُ الصُّوفَ وَلَبِسَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ جُبَّةً مِنْ شَعْرٍ وَعَبَاءَةً مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ وَدَخَلَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَامَ قَائِمًا فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتَّى اسْتَوَيَا فَأَلْصَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ، وَحَاذَى الْأَصَابِعَ بِالْأَصَابِعِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَوْقَ صَدْرِهِ، وَأَغْضَى بَصَرَهُ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ فَمَا زَالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَتَقْطُرُ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ حَتَّى ابْتَلَّتِ الْأَرْضُ حِيَالَ وَجْهِهِ مِنْ خُشُوعِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة: 114] أَيْ تَكُونُ لَنَا عِظَةً ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: 114]

أَيْ وَعَلَامَةً مِنْكَ تَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ﴿وَارْزُقْنَا﴾ [المائدة: 114] عَلَيْهَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114] قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْرَاءَ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ غَمَامَةٍ فَوْقَهَا وَغَمَامَةٍ تَحْتَهَا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ تَنْقَضُّ مِنْ ظُلَلِ السَّمَاءِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَكْفُرُ بِهَا مِنْهُمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ فِي مَكَانِهِ، وَيَقُولُ: إِلَهِيَ، اجْعَلْهَا رَحْمَةً، إِلَهِي لَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ مِنْ عَجِيبَةٍ سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، إِلَهِي اجْعَلْنَا لَكَ شَاكِرِينَ، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَزَجْرًا، إِلَهِي اجْعَلْهَا سَلَامَةً وَعَافِيَةً وَلَا تَجْعَلْهَا فِتْنَةً وَمَثُلَةً فَمَا زَالَ يَدْعُو بِذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ يَجِدُونَ رَائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا فِيمَا مَضَى رَائِحَةً مِثْلَهَا قَطُّ وَخَرَّ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا سَاجِدًا شُكْرًا لَهُ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَأَرَاهُمْ فِيهِ آيَةً عَظِيمَةً ذَاتَ عَجَبٍ وَعِبْرَةٍ، وَأَقْبَلَتِ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْظُرُونَ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا عَجِيبًا أَوْرَثَهُمْ كَمَدًا وَغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَأَقْبَلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإِذَا عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ مُغَطًّى، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ أَجْرَأُنَا عَلَى كَشْفِ الْمِنْدِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَرَاهَا وَنَحْمَدَ رَبَّنَا وَنَذْكُرَ اسْمَهُ وَنَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنَا؟ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ أَنْتَ أَوْلَانَا بِذَلِكَ وَأَحَقُّنَا بِالْكَشْفِ

عَنْهُ، فَقَامَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، فَاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلَّاهُ فَصَلَّى لِذَلِكَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى طَوِيلًا وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهَا وَيَجْعَلَ لَهُ وَلِقَوْمِهِ فِيهَا بَرَكَةً وَرِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وَجَلَسَ إِلَى السُّفْرَةِ وَتَنَاوَلَ الْمِنْدِيلَ وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ» وَكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ فَإِذَا هُوَ عَلَيْهَا سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُ وَلَيْسَ فِي جَوْفِهَا شَوْكٌ يَسِيلُ السَّمْنُ مِنْهَا سَيْلًا قَدْ نُضِّدَ حَوْلَهَا فُضُولٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرِ الْكُرَّاثِ وَعِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ وَحَوْلَ الْبُقُولِ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ وَعَلَى الْآخَرِ تَمَرَاتٌ وَعَلَى الْآخَرِ خَمْسُ رُمَّانَاتٍ فَقَالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رُوحَ اللَّهِ أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْتَبِرُوا بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الْآيَاتِ وَتَنْتَهُوا عَنِ الْمَسَائِلِ مَا أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا فِي سَبَبِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ شَمْعُونُ: لَا وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِهَذَا سُوءًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ عَلَيْهَا مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ بِالْقُدْرَةِ الْغَالِبَةِ الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَكُلُوا مَا سَأَلْتُمْ بِسْمِ اللَّهِ وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمِدَّكُمْ مِنْهُ وَيَزِدْكُمْ فَإِنَّهُ بَدِيعٌ قَادِرٌ شَاكِرٌ قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تُرِيَنَا آيَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا اكْتَفَيْتُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى تَسْأَلُوا إِلَيْهَا آيَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَقْبَلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى السَّمَكَةِ فَقَالَ: يَا سَمَكَةُ عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَمَا كُنْتِ، فَأَحْيَاهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ فَاضْطَرَبَتْ

وَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى حَيَّةً طَرِيَّةً تَلَمَّظُ كَمَا تَلَمَّظُ الْأُسْدُ تَدُورُ عَيْنَاهَا لَهَا بَصِيصٌ وَعَادَتْ عَلَيْهَا بَوَاسِيرُهَا فَفَزِعَ الْقَوْمُ مِنْهَا وَانْحَاشُوا، فَلَمَّا رَأَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ تَسْأَلُونَ الْآيَةَ فَإِذَا أَرَاكُمُوهَا رَبُّكُمْ كَرِهْتُمُوهَا مَا أَخْوَفَنِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا بِمَا تَصْنَعُونَ، يَا سَمَكَةُ عُودِي بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتِ فَعَادَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْوِيَّةً كَمَا كَانَتْ فِي خَلْقِهَا الْأَوَّلِ فَقَالُوا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ الَّذِي تَبْدَأُ بِالْأَكْلِ ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ يَبْدَأُ بِالْأَكْلِ مَنْ طَلَبَهَا، فَلَمَّا رَأَى الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهَا سَخْطَةً وَفِي أَكْلِهَا مَثُلَةً فَتَحَامَوْهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا لَهَا الْفُقَرَاءَ وَالزَّمْنَى، وَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهَا لِيَكُونَ مَهْنَأَهَا لَكُمْ وَعُقُوبَتُهَا عَلَى غَيْرِكُمْ وَافْتَتِحُوا أَكْلَكُمْ بِاسْمِ اللَّهِ وَاخِتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا فَأَكَلَ مِنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُ مِائَةِ إِنْسَانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ يَصْدِرُونَ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ وَنَظَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْحَوَارِيُّونَ، فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَتِهَا إِذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ أَكَلَ مِنْهَا فَلَمْ يَزَالُوا

أَغْنِيَاءَ صِحَاحًا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابُهُمْ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا نَدَامَةً سَالَتْ مِنْهَا أَشْفَارُهُمْ وَبَقِيَتْ حَسْرَتُها فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْمَمَاتِ قَالَ: فَكَانَتِ الْمَائِدَةُ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالْأَصِحَّاءُ وَالْمَرْضَى يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَهَا نَوَائِبَ بَيْنَهُمْ وَكَانَتْ تَنْزِلُ غِبًّا وَتَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا كَنَاقَةِ ثَمُودَ تَرِدُ مَاءَهُمْ يَوْمًا وَتَغِيبُ عَنْهُمْ فِي رَعْيِهَا يَوْمًا فَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْزِلُ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى فَلَا تَزَالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنْهَا حَتَّى إِذَا قَامُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَوَارَى عَنْهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نَبِيِّهِ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنِ اجْعَلْ رِزْقِي فِي الْمَائِدَةِ لِلْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ وَالزَّمْنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ارْتَابَ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ وَغَمَصُوا ذَلِكَ حَتَّى شَكُّوا فِيهَا وَشَكَّكُوا فِيهَا النَّاسَ وَأَذَاعُوا فِي أَمْرِهَا الْقَبِيحَ وَالْمُنْكَرَ وَأَدْرَكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ حَاجَتَهُ وَقَذَفَ وَسَاوِسَهُ فِي قُلُوبِ الْمُرْتَابِينَ حَتَّى قَالُوا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَخْبِرْنَا عَنِ الْمَائِدَةِ وَنُزُولِهَا مِنَ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ قَدِ ارْتَابَ بِهَا بَشَرٌ مِنَّا كَثِيرٌ، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلَكْتُمْ وَإِلَهِ الْمَسِيحِ طَلَبْتُمُ الْمَائِدَةَ إِلَى نَبِيِّكُمْ أَنْ يَطْلُبَهَا لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَلَمَّا أَنْ فَعَلَ كَذَّبْتُمْ بِهَا وَشَكَّكْتُمْ فِيهَا فَأَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى عِيسَى

صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا إِنِّي آخِذُ الْمُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي فَإِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُشْتَكِيًا لِرَبِّهِ: إِلَهِي ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] فَلَمَّا أَمْسَى الْمُرْتَابُونَ بِهَا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسَائِهِمْ آمِنِينَ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى خَنَازِيرَ وَأَصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الْأَقْذَارَ فِي الْكُنَاسَاتِ وَأَمْسَى سَائِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَطِيفُونَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَوْفًا وَرُعْبًا مِمَّا لَقِيَ أَصْحَابُهُمْ فَلَمَّا خَرَجَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْبَلَتِ الْخَنَازِيرُ تَسْعَى إِلَيْهِ وَتَلُوذُ بِهِ فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ خَرَّتْ لَهُ سُجُودًا وَدُمُوعُهَا تَسِيلُ فَجَعَلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُسَمِّي رِجَالًا مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ يَا فُلَانُ، يَا فُلَانُ، فَيُومِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَأْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْكَلَامَ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُحَذِّرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ وَأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ وَكَأَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ مَمْسُوخِينَ مَثُلَةً مِنَ الْمَثُلَاتِ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ ذَلِكَ حِينَ اسْتَعْجَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِالْعَذَابِ وَقَالَ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاثُ﴾ وَقَالَ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 78] إِلَى ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61] فَقَامُوا بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَهْلُوهُمْ يَبْكُونَ حَوْلَهُمْ وَقَدْ رَقَّ

لَهُمُ النَّاسُ وَخَافُوا مَا نَزَلَ بِهِمْ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُمِيتَهُمْ فَأَمَاتَهُمُ الْيَوْمَ الرَّابِعَ فَلَمْ يُرَ لَهُمْ جِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيْنَ كَانَتْ جِيَفُهُمْ؟ غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ عُقُوبَةً اسْتَأْصَلَتْ أَهْلَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ أَثَرٌ فِي الْأَرْضِ

جارٍ التحميل