بَابَ صِفَةِ الْبَحْرِ وَالْحُوتِ، وَعَجَائِبِ مَا فِيهِمَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الشيخ الأصبهاني
- الكتاب
- العظمة
- المؤلف
- أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369هـ)
- المحقق
- رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري
- الناشر
- دار العاصمة - الرياض
- الطبعة
- الأولى، 1408
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الَّذِي عَرِيَ مِنَ الْبَلَايَا؟ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي لَمْ يُفْجَعْ، وَتُصِبْهُ الْمَصَائِبُ؟ فَإِنَّ أَهْوَنَ النَّاسِ مُصِيبَةً لَأَهْلِ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ شَامِلٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ أَنْ يَمُوتَ، سِوَى مَصَائِبَ أُخْرَى، وَرَزَايَا عِظَامٍ تَكُونُ مِمَّا كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، فَكُلُّ هَذَا تَسْمَعُ أُمُّ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقَدْ مُلِئَتْ مِنْهُ عَجَبًا، وَلَيْسَتْ تَدْرِي مَا يُرِيدُ الدِّهْقَانُ، ثُمَّ إِنَّ الدِّهْقَانَ بَعَثَ مُنَادِيًا بَعْدَمَا تَكَلَّمَ النَّاسُ، وَخَاضُوا فِيهِ فَأَذَّنَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ فُلَانًا الدِّهْقَانَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ لِتَحْضُرُوا عِنْدَهُ يَوْمَ كَذَا، فَلَا يَحْضُرَنَّهُ إِلَّا رَجُلٌ قَدِ ابْتُلِيَ وَأُصِيبَ، أَوْ فُجِعَ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ يَحْضُرَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَرِي مِنَ الْبَلَايَا، لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ قَدْ بَخِلَ، ثُمَّ نَدِمَ وَاسْتَحْيَى فَتَدَارَكَ رَأْيَهُ وَحَجَا عَيْبَهُ، لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مَا جَمَعْتُكُمْ لِمَا دَعَوْتُكُمْ لَهُ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأُكَلِّمَكُمْ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ فِيمَا لَحِقَنَا بِهِ مِنْ فَقْدِ صَاحِبِنَا وَفِرَاقِهِ، إِنَّهُ عَمَدَ إِلَى أَعْظَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ حِلْمًا وَعِلْمًا، وَحُكْمًا وَخَطَرًا، وَأَبْعَدِهِمْ صَوْنًا، وَأَشَدِّهُمْ حِيلَةً وَبَأْسًا، وَقَلْبًا وَجَنَاحًا، فَاجْتَلَحَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فِي مِثْلِ قِلَّتِنَا وَضَعْفِنَا، وَحَاجَتِنَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَةٌ عَلَيْنَا نَظَرْتُ فِي مَوَاقِعِ الْبَلَاءِ، فَوَجَدْتُ الْبَلَاءَ لَنَا الْأُسْوَةَ الْحَسَنَةَ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَتَعَزَّيْتُ بِذَلِكَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَقُصَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْعَزاءَ لِتَصْبِرُوا وَتُسَلِّمُوا، وَتَرْضَوْا بِقَضَاءِ رَبِّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَوْ نَظَرْتُمْ فِيمَا قَصَصْتُ عَلَيْكُمْ مَعَ مَوَاقِعِ الْبَلَاءِ لَوَجَدْتُمْ أُعْظَمَهُ، وَأَشَدَّهُ عَلَى
النَّبِيِّينَ، ثُمَّ خِيَارِ النَّاسِ بَعْدَهُمُ، ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ خَلْقِهِ وَهُوَ خِيرَتُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَةً، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَكْرَمَهُ بِكَرَامَةٍ لَمْ يُكْرِمْهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِأَعْظَمِ بَلِيَّةٍ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ الْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْمُصِيبَةُ الَّتِي لَا جُبْرَانَ لَهَا، فَمَنْ مِثْلُ آدَمَ، وَمَنْ هَذَا لَيْسَ لَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَعَزَاءٌ عَظِيمٌ بِآدَمَ، ثُمَّ ابْتَلَى اللَّهُ مَنْ بَعْدَهُ بِالْحَرِيقِ وَالْجَلَاءِ، وَابْتَلَى إِسْحَاقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذَّبْحِ، وَيَعْقُوبَ بِالْحُزْنِ، وَالْبَلَاءِ وَعَمَى الْبَصَرِ، وَيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالرِّقِّ، وَأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالسُّقْمِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذَّبْحِ، وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَتْلِ، وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَسْرِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثِيرٌ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ عَارَضُوا كَلَامَهُ وَأَجَابُوهُ، فَأَحْسَنُوا إِجَابَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا بِنَا نُعَزِّ أُمَّ الْإِسْكَنْدَرِوس، وَنَنْظُرُ كَيْفَ صَبْرُهَا، فَإِنَّهَا أَعْظَمَتْ مُصِيبَةً فِي ابْنِهَا، لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهَا، قَالُوا لَهَا: هَلْ حَضَرْتِ الْجَمْعَ، أَوْ سَمِعْتِ الْكَلَامَ؟ قَالَتْ لَهُمْ: مَا غَابَ عَنِّي مِنْ أَمْرِكُمْ شَيْءٌ، وَلَا سَقَطَ عَلَيَّ مِنْ كَلَامِكُمْ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مُصِيبَةً فِي الْإِسْكَنْدَرِوس مِنِّي، وَلَقَدْ صَبَّرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَضَّانِي، وَرَبَطَ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَبْرِي، وَعَزَائِي فِي الْقُوَّةِ وَالتَّسْلِيمِ بِقَدْرِ عِظَمِ مُصِيبَتِي، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَجْرِي، وَثَوَابِي عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنِّي
لَأَرْجُو لَكُمْ مِنَ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا رُزِيتُمْ مِنْ فَقْدِ أَخِيكُمْ، بِأَنْ تُؤْجَرُوا عَلَى قَدْرِ مَا نَوَيْتُمْ فِي أُمِّهِ وَأَمَّلْتُمْ، وَاللَّهُ يَأْجُرُنِي وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لِي وَلَكُمْ، وَيَرْحَمُنِي وَإِيَّاكُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا حُسْنَ عَزَائِهَا، وَصَبْرِهَا انْصَرَفُوا وَتَرَكُوهَا، وَانْطَلَقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَمْعَنَ فِي الْبِلَادِ يَؤُمُّ الْغَرْبَ، وَجُنُودُهُ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاكِينُ، فَلَمَّا أَمْعَنَ فِي الْبِلَادِ، أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: إِنَّكَ رَسُولِي يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا، فَأَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِمْ، وَحُجَّتِي عَلَيْهِمْ، هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاكَ الَّتِي رَأَيْتَ، وَقَدْ بَعَثْتُكَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَهُمْ سَبْعُ أُمَمٍ، وَهُمْ جَمِيعُ خَلْقِي، مِنْهُمْ أُمَّتَانِ بَيْنَهُمَا طُولُ الْأَرْضِ كُلُّهُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ، وَزَادَ فِيهِ قَالَ: «فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَتَّى قُبِضَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ عُمُرٌ، وَقَدْ كَانَ بَلَغَ السِّنَّ، وَأَدْرَكَهُ الْكِبَرُ، وَكَانَ عَدَدَ مَا سَارَ فِي الْبِلَادِ مِنْ يَوْمِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى قَبْضِهِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، «أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَجَّ مَاشِيًا، فَسَمِعَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَتَلَقَّاهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الدَّامَغَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ مِنَ الْأَعَاجِمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ قَدْ أَسْلَمَ، فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ،: «أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مِرْزَبَا بْنُ مِرْذَبَةَ الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَنَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ»
976232323 - قَالَ سَلَمَةُ: عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: «مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ» قَالَ
خَالِدٌ: وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اللَّهُمَّ غَفْرًا، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ؟» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ فَالْحَقُّ مَا قَالَ، وَالْبَاطِلُ مَا خَالَفَهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْخَطَّابِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " لَمَّا مَاتَ ذُو الْقَرْنَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْإِسْكَنْدَرُ، خَرَجَتْ أُمُّهُ فِي أَحْسَنِ زِيِّ نِسَاءِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَتْ: وَاعَجَبَاهُ مِمَّنْ بَلَغَ السَّمَاءَ حِكْمَتُهُ، وَأَقْطَارَ الْأَرْضِ مُلْكُهُ
وَسُلْطَانُهُ، وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ عَنْوَةً، أَصْبَحَ الْيَوْمَ نَائِمًا لَا يَسْتَيْقِظُ، صَامَتَا لَا يَتَكَلَّمُ، مَحْمُولًا عَلَى أَيْدِي مَنْ لَا يَنَالُهُ بَصَرُهُ، أَلَا هَلْ مُبَلِّغٌ عَنِّي الْإِسْكَنْدَرَ، فَإِنِّي قَدْ وُعِظْتُ فَاتَّعَظْتُ، وَعُزِّيتُ فَصَبَرْتُ، وَلَوْلَا أَنِّي لَاحِقَةٌ بِهِ مَا فَعَلْتُ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ابْنِي حَيًّا وَهَالِكًا، فَنِعْمَ الْمَرْءُ كُنْتَ، وَنِعْمَ الْهَالِكُ أَنْتَ؟ "
ذِكْرُ جَبَلِ قَافٍ الْمُحِيطُ بِالْأَرْضِ
أَخْبَرَنَا أَبُو (. . . . .) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْآمُلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، عَنْ خَلَفِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ صُبْحٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] قَالَ: «أَنْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْيَاقُوتَةِ جَبَلًا، فَأَحَاطَ بِالْأَرْضِينَ السَّبْعِ عَلَى مِثْلِ خَلْقِ الْيَاقُوتَةِ فِي حُسْنِهَا وَخُضْرَتِهَا وَصَفَائِهَا، فَصَارَتِ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ كَالْأُصْبُعِ فِي الْخَاتَمِ، وَارْتَفَعَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَوِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ إِلَّا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، ثُمَّ أَنْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي بَرِّهَا وَبَحْرِهَا مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ، فَهِيَ عُرُوقُ ذَلِكَ الْجَبَلِ مُتَشَعِّبَةٌ فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7]
، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ، " فَالرَّوَاسِي: الثَّابِتَاتُ الْأُصُولِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَالشَّامِخَاتُ: الْعَالِيَاتُ الْفُرُوعِ فَوْقَ هَذِهِ الْأَرْضِ ". قَالَ: «وَلِذَلِكَ الْجَبَلِ رَأْسٌ كَرَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الرَّجُلِ، وَقَلْبٌ عَلَى قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْخَشْيَةِ وَالطَّاعَةِ لَهُ» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] فَ ﴿ق﴾ [ق: 1] : «ذَلِكَ الْجَبَلُ وَهُوَ اسْمُهُ، وَهُوَ أَقْطَارُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» ، الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ " وَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عُرُوقِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَلْوَانَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبُحُورِ، مِنَ الْبَيَاضِ وَالْخُضْرَةِ، وَالسَّوَادِ وَالصُّفْرَةِ، وَالْحُمْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، وَالْعَذْبِ، وَالْمَالِحِ، وَالْمُنْتِنِ وَالزُّعَاقِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَوْحَى إِلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ أَنْ يُحَرِّكَ مِنْهُ عِرْقَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا حَرَّكَهُ خَسَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَرْيَةِ، فَخُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَخُضْرَةُ ذَلِكَ الْجَبَلِ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ قَضَى ذَلِكَ الرَّحْمَنُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا انْفَرَجَتْ عَنْهُ سَمَاءُ الدُّنْيَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا هِيَ سَاكِنَةٌ قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِالْجِبَالِ بِإِذْنِ اللَّهِ جَلَّتْ فِيهِ عَظَمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَوَقَفَ مَكَانَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَنْظُرُ تَعَجُّبًا، فَلَمَّا رَأَى جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبَلَ قَافْ أَنْكَرَهُ، لِمَا رَأَى مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِ، وَحُسْنِ لَوْنِهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْخَلْقَ ابْتَدَعَهُ الرَّحْمَنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَتَاهُ أَبْصَرَ خَلْقًا عَظِيمًا عَجِيبًا، مَعَ صَفَائِهِ وَحُسْنِ لَوْنِهِ، وَرَأَى عُرُوقَهُ مُتَشَعِّبَةً فِي الْأَرْضِ، مَا بَيْنَ بَرِّهَا وَبَحْرِهَا قَدِ ارْتَفَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، مُنِيفَةٌ ذُرَاهَا فِي الْهَوَاءِ، فَتَعَجَّبَ مِنْ كِبَرِهَا، وَاخْتِلَافِ خَلْقِهَا، وَتَشَتُّتِ أَلْوَانِهَا، وَاسْتِقْرَارِ الْأَرْضِ عَلَيْهَا، فَنَظَرَ إِلَى ق وَقَبَضَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِلَهِي، مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، هَذَا الْجَبَلُ.
قَالَ: إِلَهِي، وَمَا الْجَبَلُ؟ قَالَ: حَجَرٌ.
قَالَ: إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ خَالِقٌ خَلْقًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَدِيدُ ويُقَدُّ بِهِ الْحَجَرُ.
قَالَ: إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ خَالِقٌ خَلْقًا أَشَدَّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، النَّارُ يُلَيَّنُ بِهَا الْحَدِيدُ.
قَالَ: إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ خَالِقٌ خَلْقًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ
النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ يُطْفَئُ بِهِ النَّارُ.
قَالَ: إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ خَالِقٌ خَلْقًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ تُفَرِّقُهُ أَمْوَاجًا، وَتَحْبِسُهُ عَنْ مَجْرَاهُ.
قَالَ: إِلَهِي، هَلْ أَنْتَ خَالِقٌ خَلْقًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ابْنُ آدَمَ يَحْتَالُ لِهَذَا كُلِّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
فَقَالَ: فَخَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ وَالْبُكَاءَ، وَالثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّكَ تَخْلُقُ خَلْقًا هُوَ أَشَدُّ مِنِّي، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: يَا جِبْرِيلُ، مَا لَمْ تَرَ مِنْ قُدْرَتِي، وَلَمْ تَبْلُغْ مِنْ كُنْهِ شَأْنِي، وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِ إِلَى مَا قَدْ رَأَيْتَ، وَعَلِمْتَ كَالْبَحْرِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي لَا تُعْرَفُ نَوَاحِيهِ، وَلَا يُوصَفْ عُمْقُهُ إِلَى قُطْرِ الرِّشَاءِ.
قَالَ جِبْرِيلُ: كَذَلِكَ أَنْتَ إِلَهِي، وَأَقْدَرُ وَأَعْظَمُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، مُتَقَاصِرَةٌ إِلَيْهِ نَفْسُهُ لِمَا رَأَى مِنَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ، وَالْعَجَبِ الْعَجِيبِ، حَتَّى وَقَفَ فِي مَكَانِ مُتَعَبَّدِهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الحجر: 19] ، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكَمْ﴾ [النحل: 15]
: «يَعْنِي لِكَيْلَا تَمِيدَ بِكَمْ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قَبْلَ ذَلِكَ»
ذَكَرَ جَدِّي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ وَهْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: " جَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا وَهُوَ ق، فَقَالَ: أَنْتَ ق؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ؟ قَالَ: هَذِهِ مِنْ عُرُوقِي، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ بِالْأَرْضِ أَوْحَى إِلَيَّ، فَحَرَّكْتُ عِرْقًا مِنْ عُرُوقِي.
قَالَ: فَاسْتَوْحَشَ ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا يُؤْنِسُهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ وَرَائِهَا أَرْضٌ أُخْرَى؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرْضٌ بَيْضَاءُ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، مَمْلُوءَةٌ ثَلْجًا، لَوْلَا بَرْدُ ذَلِكَ الثَّلْجِ لَهَلَكَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ مِنْ حَرِّ حَمَلَةِ الْعَرْشِ.
فَقَالَ: هَلْ وَرَاءَهَا أَرْضٌ أُخْرَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
أَرْضٌ مَمْلُوءَةٌ بَرْدًا، لَوْلَا بَرْدُ ذَلِكَ الْبَرْدِ لَهَلَكَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ مِنْ حَرِّ حَمَلَةِ الْعَرْشِ.
قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَظِيمٍ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ: إِنَّ مَا حَدَّثْتُكَ لَبَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَخَرْدَلَةٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ: ق مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ، وَعُرُوقُهُ إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أَمَرَ ذَلِكَ الْجَبَلَ، فَيُحَرِّكُ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَيُزَلْزِلُهَا وَيُحَرِّكُهَا، فَمِنْ، ثَمَّ تُحَرَّكُ الْقَرْيَةُ دُونَ الْقَرْيَةِ "
حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: «ق جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ مِنْ زُمُرِّدَةٍ عَلَيْهَا كَنَفَا السَّمَاءِ»
حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرٍو
، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْبَحْرَانِيِّ، عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ حَلَقٌ حَلَقٌ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَ أَنْتُمْ؟» ، قُلْنَا نَتَفَكَّرُ فِي الشَّمْسِ كَيْفَ طَلَعَتْ؟ وَكَيْفَ غَرَبَتْ؟ قَالَ: " أَحْسَنْتُمْ، كُونُوا هَكَذَا، تَفَكَّرُوا فِي الْمَخْلُوقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ مَا شَاءَ لَمَّا شَاءَ، وَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ ق سَبْعُ بِحَارٍ، كُلُّ بَحْرٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعُ أَرَضِينَ يُضِيئُ نُورُهَا لِأَهْلِهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ يَطِيرُونَ، خُلِقُوا عَلَى أَمْثَالِ الطَّيْرِ هُوَ وَفَرْخِهِ فِي الْهَوَاءِ، لَا يَفْتُرُونَ عَنْ تَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ خُلِقُوا مِنْ رِيحٍ، فَطَعَامُهُمْ رِيحٌ، وَشَرَابُهُمْ رِيحٌ، وَثِيَابُهُمْ مِنْ رِيحٍ، وَآنِيَتُهُمْ مِنْ رِيحٍ، وَدَوَابُّهُمْ مِنْ رِيحٍ، لَا تَسْتَقِرُّ حَوَافِرُ دَوَابِّهِمْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَعْيُنُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يَنَامُ أَحَدُهُمْ نَوْمَةً وَاحِدَةً، يَنْتَبِهُ وَرِزْقُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ
، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ظِلُّ الْعَرْشِ، وَفِي ظِلِّ الْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ أُمَّةٍ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ، وَلَا وَلَدَ آدَمَ وَلَا إِبْلِيسَ، وَلَا وَلَدَ إِبْلِيسَ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]
ذِكْرُ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ، أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ نَشَزَتْ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي صَحَارِي عَدَنِ أَبْيَنَ وَالشَّجَرُ تُظِلُّهُ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ إِذْ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ عَلَيْهَا حِصْنٌ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ، وَأَعْلَامٌ طِوَالٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا ظَنَّ أَنَّ فِيهَا أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَنْ إِبِلِهِ، فَإِذَا لَا خَارِجَ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ حِصْنِهَا، وَلَا دَاخِلٌ يَدْخُلُ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَعَقَلَهَا، ثُمَّ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، فَلَمَّا خَلَفَ الْحِصْنَ إِذَا هُوَ بِبَابَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ أَعْظَمُ مِنْهُمَا، وَلَا أَطْوَلُ، وَإِذَا خَشَبُهُمَا مُحْمِرٌّ، وَفِي ذَيْنِكَ الْبَابَيْنِ مَسَامِيرُ مِنْ يَاقُوتٍ أَبْيَضَ، وَيَاقُوتٍ أَحْمَرَ يُضِيئُ
ذَانِكَ الْبَابَانِ فِيمَا بَيْنَ الْحِصْنِ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَعْجَبَهُ، وَتَعَاظَمَهُ الْأَمْرُ، فَفَتَحَ أَحَدَ الْبَابَيْنِ وَدَخَلَ، فَإِذَا هُوَ بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَإِذَا هِيَ قُصُورٌ: قُصُورٌ عَلَى كُلِّ قَصْرٍ مُعَلَّقٍ تَحْتَهُ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ، وَمِنْ فَوْقِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا غُرَفٌ، وَفَوْقَ الْغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَكُلُّ مَصَارِيعِ تِلْكَ الْقُصُورِ، وَتِلْكَ الْغُرَفِ مِثْلُ مِصْرَاعَيْ بَابِ الْمَدِينَةِ مِنْ حَجَرٍ، كُلُّهَا مُفَصَّصَةٌ بِالْيَاقُوتِ الْأَبْيَضِ، وَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، مُتَقَابِلَةٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، يُنَوَّرُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، مَفْرُوشَةٌ كُلُّهَا تِلْكَ الْقُصُورُ، وَتِلْكَ الْغُرَفُ بِاللُّؤْلُؤِ، وَبَنَادِقٍ مِنْ مِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ، فَلَمَّا عَايَنَ الرَّجُلُ مَا عَايَنَ، وَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا، وَلَا أَثَرَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، بِنَاءً لَمْ يَسْكُنْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَرَ أَثَرًا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا عَصًا حَدِيدَةً أَهَالَهُ ذَلِكَ وَأَفْزَعَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْأَزِقَّةِ، فَإِذَا هُوَ بِالشَّجَرِ فِي كُلِّ زُقَاقٍ مِنْهَا قَدْ أَثْمَرَتْ تِلْكَ الْأَشْجَارُ كُلُّهَا، وَإِذَا تَحْتَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي مَاؤُهَا مِنْ قَنَوَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، كُلُّ قَنَاةٍ مِنْهَا أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الشَّمْسِ، تَجْرِي تِلْكَ الْقَنَوَاتُ تَحْتَ الْأَشْجَارِ، وَدَاخَلَ الرَّجُلَ الْعَجَبُ مِمَّا رَأَى، وَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِثْلَ هَذِهِ في الدُّنْيَا، وَإِنَّ هَذِهِ لِلْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، مَا بَقِيَ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الْجَنَّةُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْخَلَنِيهَا، سَاهِرٌ عَلَى ذَلِكَ يُوامِرُ نَفْسَهُ وَيَتَدَبَّرُ رَأْيَهُ، إِذْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لُؤْلُؤِهَا، وَيَاقُوتِهَا وَزَبَرْجَدِهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ بِلَادَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، فَفَعَلَ فَحَمَلَ مَعَهُ مِنْ لُؤْلُؤِهَا وَمِنْ بَنَادِقِ
الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْلَعَ مِنْ زَبَرْجَدِهَا شَيْئًا، وَلَا مِنْ يَاقُوتِهَا لِأَنَّهَا مُثَبَّتَةٌ فِي أَبْوَابِهَا وَجُدْرَانِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْبَنَادِقُ مِنَ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ مَنْثُورًا فِي تِلْكَ الْغُرَفِ، وَالْقُصُورِ كُلِّهَا، فَأَخَذَ مَا أَرَادَ وَخَرَجَ إِلَى نَاقَتِهِ، فَحَلَّ عَقْلَهَا وَرَكِبَهَا، ثُمَّ سَارَ رَاجِعًا يَقْفُو أَثَرَ نَاقَتِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَظْهَرَ مَا كَانَ مَعَهُ، فَأَعْلَمَ النَّاسَ أَمَرَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّتِهِ، وَبَاعَ بَعْضَ اللُّؤْلُؤِ، وَكَانَ ذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ قَدِ اصْفَرَّ مِنْ طُولِ مُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ يَنْمَى وَيَخْرُجُ حَتَّى بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا وَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ صَنْعَاءَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُ الرَّجُلَ لَيَسْأَلَهُ عَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَخَرَجَ بِهِ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى قَدِمَ بِهِ الشَّامَ، وَأَمَرَ صَاحِبَ صَنْعَاءَ الرَّجُلَ أَنْ يَخْرُجَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ مَتَاعِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، فَسَارَ الرَّجُلُ وَرَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَخَلَّى بِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَأَلَهُ عَمَّا رَأَى وَعَايَنَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ أَمْرَ الْمَدِينَةِ، وَمَا رَأَى فِيهَا شَيْئًا شَيْئًا، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَأَنْكَرَ مَا حَدَّثَهُ وَقَالَ: «مَا أَظُنُّ مَا تَقُولُ حَقًّا؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ مِنْ مَتَاعِهَا الَّذِي هُوَ مَفْرُوشٌ فِي قُصُورِهَا وَغُرَفِهَا وَبُيُوتِهَا.
قَالَ: «مَا هُوَ؟» قَالَ: اللُّؤْلُؤُ وَبَنَادِقُ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «هَاتِ حَتَّى أَرَاهُ» . فَأَرَاهُ لُؤْلُؤًا أَصْفَرَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، وَأَرَاهُ تِلْكَ الْبَنَادِقَ، فَشَمَّهَا مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَجِدْ لَهَا رِيحًا، فَأَمَرَ بِدَقِّ بُنْدُقَةٍ مِنْ تِلْكَ الْبَنَادِقِ، فَسَطَعَ رِيحُهَا مِسْكًا وَزَعْفَرَانًا فَصَدَّقَهُ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: «كَيْفَ لِي حَتَّى أَعْلَمَ مَا اسْمُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ؟ وَمَنْ بَنَاهَا؟ وَلِمَنْ كَانَتْ؟ فَواللَّهِ، مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَا مَلَكَ سُلَيْمَانُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ» . فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ خَبَرَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي زَمَانِنَا هَذَا إِلَّا عِنْدَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرَ بِأَنْ يَغِيبَ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلُ، فَإِنَّهُ سَيُخْبِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَمْرِهَا، وَأَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، إِنْ كَانَ دَخَلَهَا، لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَسْتَطِيعُ هَذَا الرَّجُلُ دُخُولَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ دُخُولُهُ إِيَّاهَا، فَابْعَثْ إِلَى كَعْبٍ فَإِنَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدًا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَلَا مَنْ مَضَى مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ الْيَوْمِ إِلَّا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ مُفَسَّرًا مَنْسُوبًا مَعْرُوفًا مَكَانُهُ، فَلْيَبْعَثْ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ سَيَجِدُ خَبَرَهَا عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنِّي دَعَوْتُكَ لِأَمْرٍ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ عِنْدَكَ» . قَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، فَسَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ؟ قَالَ: «أَخْبِرْنِي يَا أَبَا إِسْحَاقَ، هَلْ بَلَغَكَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةً مَبْنِيَّةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعُمُدُهَا زَبَرْجَدٌ وَيَاقُوتٌ وَحَصْبَاءُ، قُصُورُهَا وَغُرَفُهَا اللُّؤْلُؤُ، فِيهَا أَجِنَّتُهَا وَأَنْهَارُهَا فِي الْأَزِقَّةِ تَحْتَ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ؟» قَالَ كَعْبٌ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي سَأُوَسَّدُ يَمِينِي قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَمَا فِيهَا وَلِمَنْ هِيَ؟، وَلَكِنْ أُخْبِرُكَ بِهَا، وَمَنْ
بَنَاهَا؟، وَلِمَنْ هِيَ؟: أَمَّا تِلْكَ الْمَدِينَةُ، فَهِيَ حَقٌّ كَمَا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى مَا وُصِفَ لَهُ، وَأَمَّا صَاحِبُهَا الَّذِي بَنَاهَا، فَشَدَّادُ بْنُ عَادٍ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَإِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 8] وَهِيَ كَمَا وُصِفَ لَكَ لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «حَدِّثْنَا بِحَدِيثِهَا يَا أَبَا إِسْحَاقَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى» . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عَادًا الْأُولَى لَيْسَ عَادَ قَوْمِ هُودٍ، وَلَكِنْ عَادٌ الْأُولَى إِنَّمَا هُوَ هُودٌ، وَقَوْمُ هُودٍ وَلَدُ ذَلِكَ، فَكَانَ عَادٌ لَهُ ابْنَانِ: فَسَمَّى أَحَدَهُمَا شَدِيدًا، وَالْآخَرَ شَدَّادًا، فَهَلَكَ عَادٌ فَبَغَيَا، وَتَجَبَّرَا، وَمَلَكَا فَقَهَرَا كُلَّ الْبِلَادِ، وَأَخَذَاهَا عَنْوَةً وَقَسْرًا حَتَّى دَانَ لَهُمَا جَمِيعُ الْقَبَائِلِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمَا إِلَّا وَهُوَ فِي طَاعَتِهِمَا، لَا فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ، وَلَا فِي مَغْرِبِهَا، وَإِنَّهُ لَمَّا صَفَا لَهُمَا ذَلِكَ، وَقَرَّ قَرَارُهُمَا مَاتَ شَدِيدٌ وَبَقِيَ شَدَّادٌ، فَمَلَكَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ أَحَدٌ، وَدَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا كُلُّهَا بِأَسْرِهَا، فَكَانَ مُولَعًا بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ الْأُولَى الْفَانِيَةِ، وَكُلَّمَا مَرَّ فِيهِ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ، وَمَا سَمِعَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الْبُنْيَانِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يُقَلِّدَ تِلْكَ الصِّفَةَ فِي الدُّنْيَا عُتُوًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِبْرًا، فَلَمَّا وَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَالَّذِي يُرِيدُ أَمَرَ بِصَنْعَةِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
، وَأَمَرَ عَلَى صُنْعِهَا مِائَةَ قَهْرَمَانٍ، مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ أَلْفٌ مِنَ الْأَعْوَانِ.
قَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى أَطْيَبِ فَلَاةٍ فِي الْأَرْضِ وَأَوْسَعِهَا، فَاعْمَلُوا لِي فِيهَا مَدِينَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ تَحْتَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ قُصُورٌ، وَمِنْ فَوْقِ الْقُصُورِ غُرَفٌ، وَمِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ، وَاغْرِسُوا تَحْتَ الْقُصُورِ فِي أَزِقَّتِهَا أَصْنَافَ الثِّمَارِ كُلَّهَا، وَأَجْرُوا فِيهَا الْأَنْهَارَ حَتَّى يَكُونَ تَحْتِ الْأَشْجَارِ، فَإِنِّي أَسْمَعُ فِي الْكِتَابِ صِفَةَ الْجَنَّةِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ مِثْلَهَا فِي الدُّنْيَا، أَتَعَجَّلُ سُكْنَاهَا.
فَقَالَ لَهُ قَهَارِمَتُهُ - وَكَانُوا مِائَةَ قَهْرَمَانٍ - تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَهْرَمَانٍ مِنْهُمْ أَلْفٌ مِنَ الْأَعْوَانِ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَقْدِرَ عَلَى مَا وَصَفْتَ لَنَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَبْنِي مِنْهُ مَدِينَةً مِنَ الْمَدَائِنِ كَمَا وَصَفْتَ لَنَا؟ مَتَى نَقْدِرُ عَلَى هَذَا الذَّهَبِ كُلِّهِ وَهَذِهِ الْفِضَّةِ؟ فَقَالَ لَهُمْ شَدَّادٌ: أَلَيْسَ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُلْكَ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِيَدِي؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَانْطَلِقُوا إِلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعْدِنٍ مِنْ مَعَادِنِ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، أَوْ بَحْرٍ فِيهِ لُؤْلُؤٌ، أَوْ مَعْدِنُ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَوَكِّلُوا بِهِ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ رَجُلًا يُخْرِجُ لَكُمْ مَا كَانَ فِي كُلِّ مَعْدِنٍ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، ثُمَّ انْطَلِقُوا، فَانْظُرُوا إِلَى مَا كَانَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، فَخُذُوهُ سِوَى مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَصْحَابُ الْمَعَادِنِ، فَإِنَّ مَعَادِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا فِيهَا مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ بِهِ أَكْثَرُ، وَأَعْظَمُ مِمَّا كُلِّفْتُمْ مِنْ صَنْعَةِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَكَتَبَ مِنْهُ إِلَى كُلِّ مَلِكٍ فِي الدُّنْيَا يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي بِلَادِهِ مِنْ جَوْهَرِهَا، وَيَحْفُرَ مَعَادِنَهَا، فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْقَهَارِمَةُ، فَبَعَثُوا بِكَلِّ كِتَابٍ إِلَى مَلِكٍ مِنْ تِلْكَ الْمُلُوكِ، وَأَخَذَ كُلُّ مَلِكٍ مَا يَجِدُ فِي يَدَيْهِ فِي مُلْكِهِ عَشْرَ سِنِينَ حَتَّى بَعَثَ إِلَى فَعَلَةِ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ بِمَا قَبْلَهُ مِمَّا سَأَلَهُ مِنَ الزَّبَرْجَدِ
، وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَخَذَ الْقَوْمُ فِي طَلَبِهِمْ لَهُ مَوَاضِعَ، كُلَّمَا أَرَادُوا وَضَعَهُ لَهُمْ مِنَ الْبَسَاتِينَ بَسَاتِينِ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَحُدُودِهَا عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ".
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، وَكَمْ كَانَ عَدَدُ تِلْكَ الْمُلُوكِ الَّتِي كَانَتْ إِرَمُ؟» قَالَ: كَانَتْ مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَلِكًا قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، كُلُّ مَلِكٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «أَتْمِمْ حَدِيثَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ» . قَالَ: فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْفَعَلَةُ وَالْقَهَارِمَةُ، فَتَبَدَّدُوا فِي الصَّحَارِي لِيَجِدُوا مَا يُوَافِقُهُ فَلَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى صَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ الْجِبَالِ وَالتِّلَالِ، فَإِذَا هُمْ بِعُيُونٍ مُطَّرِدَةٍ فَقَالُوا: هَذِهِ صِفَةُ إِرَمَ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا فَعَمَدُوا، فَأَخَذُوا بِقَدْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ مِنَ الْعَرْضِ وَالطُّولِ، ثُمَّ جَعَلُوا ذَلِكَ بِحُدُودٍ مَحْدُودَةٍ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى مَوَاضِعِ الْأَزِقَّةِ الَّتِي فِيهَا الْحُدُودُ، فَأَجْرَوْا فِيهَا قَنَوَاتِ تِلْكَ الْأَنْهَارِ، ثُمَّ وَضَعُوا الْأَسَاسَ مِنْ صُخُورِ الْجَزَعِ الْيَمَانِي، وَعَبَّوْا طِينَ ذَلِكَ الْأَسَاسِ مِنْ مُرٍّ وَلُبَانٍ، وَمَحْلَبٍ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِمَّا وَضَعُوا مِنَ
الْأَسَاسِ، وَأَجْرَوُا الْقَنَوَاتِ، وَأُرْسِلَتْ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ بِالزَّبَرْجَدِ، وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْجَوْهَرِ، كُلُّ مَلِكٍ قَدْ عَمِلَ مَا كَانَ فِي مَعْدِنِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَعَثَ بِالْعُمُدِ مَفْرُوغٌ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ بَعَثَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ مَفْرُوغٌ مِنْهُ مَصْنُوعًا، فَدَفَعُوهُ إِلَى تِلْكَ الْقَهَارِمَةِ وَالْوُزَرَاءِ، فَأَقَامُوا فِيهَا حَتَّى فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهَا، وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الْعُمُدِ، وَهِيَ قُصُورٌ مِنْ فَوْقِ الْقُصُورِ غُرَفٌ، وَمِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْيَاقُوتِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا الْمُلُوكُ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُهُمْ قَدْ أَقَامُوا فِي بِنَائِهَا زَمَانًا مِنَ الدَّهْرِ؟» قَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي لَأَجِدُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي بِنَائِهَا، وَمَا أَجَّلَهُمُ الْمُلُوكُ فِي الَّذِي أَمَرَهُمْ مِنْ حَمْلِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ، وَلُؤْلُؤٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ حَتَّى فَرَغُوا مِنْهَا، أَجِدُهُ مَكْتُوبًا ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: «وَكَمْ كَانَ عُمْرُ شَدَّادِ بْنِ عَادٍ صَاحِبُهَا؟» قَالَ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لَقَدْ أَخْبَرْتَنَا عَجَبًا، فَحَدِّثْنَا» . قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 7] الَّتِي لَمْ يُعْمَلْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، لِلَّذِي فِيهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ غَيْرُهَا وَلَا يَاقُوتٌ غَيْرُهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 7] قَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُمْ لَمَّا أَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِفَرَاغِهِمْ مِنْهَا قَالَ: انْطَلِقُوا فَاجْعَلُوا
عَلَيْهَا حِصْنًا، وَاجْعَلُوا حَوْلَ الْحِصْنِ أَلْفَ قَصْرٍ عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ أَلْفُ عَلَمٍ، يَكُونُ فِي قَصْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُصُورِ، وَزِيرٌ مِنْ وُزَرَائِي، وَيَكُونُ فَوْقَ كُلِّ عَلَمٍ مِنْهَا نَاطُورٌ قَالَ: فَرَجَعُوا، فَعَمِلُوا تِلْكَ الْقُصُورَ وَالْأَعْلَامَ وَالْحِصْنَ، ثُمَّ أَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ بِالْفَرَاغِ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ.
قَالَ: فَأَمَرَ أَلْفَ وَزِيرٍ مِنْ أَهْلِ خَاصَّتِهِ، وَمَنْ يَثِقُ بِهِ أَنْ يَتَهَيَّأُوا إِلَى النَّقْلَةِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَأَمَرَ لِتِلْكَ الْأَعْلَامِ بِرِجَالٍ يَسْكُنُونَهَا، وَيُقِيمُونَ فِيهَا لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِالْعَطَاءِ وَالْأَرْزَاقِ، وَالْجِهَازِ إِلَى تِلْكَ الْأَعْلَامِ، قَالَ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ مَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ، وَخَدَمِهِ بِالْجِهَازِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، فَأَقَامُوا فِي جَهَازِهِمْ إِلَيْهَا عَشْرَ سِنِينَ، فَسَارَ الْمَلِكُ بِمَنْ أَرَادَ، وَخَلَفَ مِنْ قَوْمِهِ فِي عَدَنِ أَبْيَنَ، وَالشُّجَرَاءُ كُثْرٌ مِمَّا سَارَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ وَسَارَ إِلَيْهَا لِيَسْكُنَهَا، وَبَلَغَهَا إِلَّا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ إِرَمَ ذَاتَ الْعِمَادِ، وَلَا مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى السَّاعَةِ، فَهَذِهِ صِفَةُ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيَدْخُلُهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَانِكَ هَذَا وَيَرَى مَا فِيهَا، وَيُحَدِّثُ بِمَا فِيهَا، وَلَا يُصَدَّقُ.
قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، هَلْ تَصِفُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، هُوَ رَجُلٌ أَحْمَرُ أَشْقَرُ قَصِيرٌ، عَلَى حَاجِبِهِ
خَالٌ، وَعَلَى عُنُقِهِ خَالٌ، يَخْرُجُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ فِي تِلْكَ الصَّحَارِي، فَيَقَعُ عَلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ فَيَدْخُلُهَا وَيَحْمِلُ مِمَّا فِيهَا، وَالرَّجُلُ جَالِسٌ عِنْدَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْتَفَتَ كَعْبٌ فَرَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَقَالَ: هَذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْأَلْهُ عَمَّا حَدَّثْتُكَ بِهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، هَذَا مِنْ خَدَمِي، وَلَمْ يُبَالِ حَتَّى قَالَ: فَقَدْ دَخَلَهَا، وَإِلَّا فَسَيَدْخُلُهَا، وَسَيَدْخُلُهَا أَهْلُ هَذَا الدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَبَا إِسْحَاقَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَقَدْ أُعْطِيتَ مِنْ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ» . فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي التَّوْرَاةِ لِعَبْدِهِ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ، تَفْسِيرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَشِدَّةٌ وَوَعِيدٌ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، وَشِدَّةٌ وَوَعِيدًا
حَدِيثُ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؟، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٌ هُوَ؟» قَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ، مُفَصَّصَةٌ بِالدُّرِّ والْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَقَدْ جَعَلَ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصَّصَةً بِالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ، فَحُفِّفَ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ نَخْلٍ مِنْ ذَهَبٍ، شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَجَعَلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسَ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورًا مِنْ ذَهَبٍ مُقَابِلُهَا طَوَاوِيسُ، وَجَعَلَ عَلَى يَمِينِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى شَجَرَتَيْ صَنَوْبَرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَى يَسَارِهَا أَسَدَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَيْنِ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَجَعَلَ مِنْ جَانِبِيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَيْ كَرْمٍ مِنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى عَنَاقِيدِهَا
دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ، ثُمَّ جَعَلَ فَوْقَ دَرَجِ الْكُرْسِيِّ أَسَدَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَيْنِ مَحْشُوَّيْنِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا، فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً، ثُمَّ يَقِفَانِ فَيَضُخَّانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ، وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ، وَالْآخَرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانَ، ثُمَّ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لِيَصْعَدَ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَعَلَيْهِ، فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ قَاعِدًا، أَخَذَ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ نَسْرٌ مِنْهَا عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى
الْمُسْرِعَةُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَمَا الَّذِي يَدُورُ بِهِ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟» قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ، فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ وَالْأَسَدُ، وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ إِلَى أَعْلَاهُ دُرْنَ مَعَهُ، فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ جَمِيعًا كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَنْفُخْنَ جَمِيعَ مَا فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودِ جَوْهَرٍ التَّوْرَاةَ، فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فَيَقْرَأُهَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ، فَإِذَا قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَجَلَسَ قُضَاةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مَنَابِرِهِمْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنِ شِمَالِهِ، حَافِّينَ حَوْلَ كُرْسِيِّهِ، حَتَّى إِذَا قُرِّبَ الشُّهَدَاءُ لِلشَّهَادَاتِ دَارَ التِّنِينُ بِالْكُرْسِيِّ كَدُورِ الرَّحَى الْمُسْرِعَةِ وَاسْتَدَارَتِ الْأَسْوَدُ، وَخَفَقَتِ النُّسُورُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَنَشَرَتِ الطَّوَاوِيسُ أَذْنَابَهَا، فَفَزِعْتُ الشُّهَدَاءُ، وَتَخَوَّفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ مِنَ السُّلْطَانِ، فَيُدَاخِلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ رُعْبٌ شَدِيدٌ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ لَنَشْهَدَنَّ بِالْحَقِّ، فَإِنَّا إِنْ نَشْهَدِ الْيَوْمَ بِالْبَاطِلِ لَنَهْلِكَنَّ، فَكَانَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَعَجَائِبُ مَا كَانَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ بُخْتَنَصَّرَ بَعْدَهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الْكُرْسِيَّ مَعَهُ، فَحَمَلَهُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالصُّعُودِ عَلَيْهِ وَلَا بِحَالِهِ، فَلَمَّا وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى الدَّرَجَةِ، رَفَعَ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَضَرَبَ بِسَاقِهِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ فَدَقَّ سَاقَهُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟» قَالَ كَعْبٌ
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَرَادَ الصَّعُودَ وَضَعَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا، ثُمَّ ثَبَتَ بِقَدَمَيْهِ جَمِيعًا، وَإِنَّ بُخْتَنَصَّرَ رَفَعَ رِجْلًا وَوَضَعَ رِجْلًا، فَضَرَبَ الْأَسَدُ سَاقَهُ الَّتِي لَمْ يَرْفَعْهَا مِنَ الْأَرْضِ فَدَقَّهَا، وَرَجَعَ بُخْتَنَصَّرَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعْرُجُ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْكُرْسِيُّ بِأَنْطَاكِيَّةَ حَتَّى هُزِمَ خَلِيفَةُ بُخْتَنَصَّرَ، فَنُقِلَ الْكُرْسِيُّ إِلَى بَابِلَ، فَلَمْ يَزَلْ بِبَابِلَ حَتَّى هَلَكَ خَلِيفَةُ بُخْتَنَصَّرَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَلَكَ فَارِسٌ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ، فَحَمَلَ ذَلِكَ الْكُرْسِيَّ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَمَا اسْمُ ذَلِكَ الْمَلِكِ؟» قَالَ: كَانَ يُسَمَّى كِدَاسَ بْنَ سَدَاسٍ، فَحَمَلَهُ مِنْ بَابِلَ وَرَدَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَضَعَهُ تَحْتَ الصَّخْرَةِ، فَلَمْ يُرَ أَحَدٌ وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ تِلْكَ الْمُلُوكِ الرُّكُوبُ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَهُ، وَلَا الْقُعُودُ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْعَدُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ هُوَ، وَلَمْ يَرَ أحدٌ أَثَرَهُ إِلَى السَّاعَةِ
ذِكْرُ نَمْرُودَ، وَعِظَمِ سُلْطَانِهِ، وَعُتُوِّهِ وَتَمَرُّدِهِ، وَتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعَالَى أَضْعَفَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ احْتِقَارًا لَهُ، وَتَهَاوُنًا بِشَأْنِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: 258] قَالَ: " هُوَ نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ، وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ، وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَإِذَا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: مَنْ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ.
فَيَقُولُ أَمِيرُوهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَمَعَهُ بَعِيرٌ، خَرَجَ يَمْتَارُ لِوَلَدِهِ.
قَالَ: فَعَرَضُوهُمْ كُلُّهُمْ فَيَقُولُونَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ.
فَيَقُولُونَ: أَمِيرُوهُمْ حَتَّى عُرِضَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّتَيْنِ فَقِيلَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، إِنْ شِئْتُ قَتَلْتُكَ وَأَمَتُّكَ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَحْيَيْتُكَ.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ