أخبار مكة للفاكهيصفحات 470-480

ذِكْرُ مَنْ حَدَّثَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتَفْسِيرِ مَا حَدَّثُوا بِهِ

صفحات 470-480
عن هذه الطبعة
عَلَم
الفاكهي، أبو عبد الله
الكتاب
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (المتوفى: 272هـ)
المحقق
د. عبد الملك عبد الله دهيش
الناشر
دار خضر - بيروت
الطبعة
الثانية، 1414
عدد الأجزاء
6 أجزاء في 3 مجلدات [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث، وفي الهامش قطوف من كلام المحقق]

1035 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثنا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " لَا يُقَامُ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ "

1036 - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ اللَّيْلَ وَصَامَ النَّهَارَ وَذَبَحَ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ، لَمْ يُبْعَثْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَعَ مَنْ يُحِبُّ، بَالِغًا مَا بَلَغَ، إِنْ جَنَّةً فَجَنَّةٌ، وَإِنْ نَارًا فَنَارٌ "

1037 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْهَيْثَمِ قَالَ: " نَهَانِي مُجَاهِدٌ أَنْ أَقُومَ، بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ " يَعْنِي الْحَجَرَ

1038 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي

أَبِي، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، مَوْلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ يُثَبِّتَ قَائِمَكُمْ، وَأَنْ يَهْدِيَ ضَالَّكُمْ، وَأَنْ يُعَلِّمَ جَاهِلَكُمْ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَكُمْ جُودًا نُجُدًا رُحَمَاءَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَفَنَ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ وَصَلَّى وَصَامَ، ثُمَّ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ مُبْغِضٌ لِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ النَّارَ " وَقَالَ الشَّاعِرُ يَذْكُرُ الصُّفُونَ: [البحر الكامل] لَزِمَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرَا

1039 - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُدَيْمِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْخَزَّازُ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُرِّيُّ قَالَ: ثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ

بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَدَخَلَ مَنْزِلَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أُمَّ سَلَمَةَ، اسْمَعِي وَاشْهَدِي وَهُوَ يُقَاتِلُ الْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ بَعْدِي، يَا أُمَّ سَلَمَةَ، اسْمَعِي وَأَطِيعِي وَهُوَ يُقَاتِلُ الْمَارِقِينَ وَالْقَاسِطِينَ بَعْدِي، يَا أُمَّ سَلَمَةَ، اسْمَعِي وَاشْهَدِي لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللهَ تَعَالَى أَلْفَ عَامٍ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ، وَأَلْفَ عَامٍ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ، ثُمَّ لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مُبْغِضًا لِهَذَا "، يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، " أَكَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ "

1040 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " قَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَتْلِ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ يَحُثُّ قُرَيْشًا، وَيَذْكُرُ حُرْمَةَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ فَقَالَ: [البحر الوافر] وَقَالُوا حُرْمَةَ رَبِّهِمُ أَبَاحُوا ... فَحَلَّتْ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهُمْ كَانُوا هُنَاكَ أَشَدَّ جُرْمًا ... بِمَكَّةَ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ "

ذِكْرُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْيَمِينُ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ وَتَعْظِيمِ ذَلِكَ وَالتَّشْدِيدِ فِي الْيَمِينِ بَيْنَهُمَا

1041 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَا: ثنا

سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ عُقْبَةَ الْبَكَّائِيُّ، وَكَانَ، قَدْ قَلَّدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتِ ابْنَةً لَهَا مِنْ رَجُلٍ فَطَلَبَتْ مِنْهُ جَمَلًا، فَمَنَعَهَا وَأَبَى عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: " مُرُوهَا فَلْتَأْتِ الْكَعْبَةَ، فَلْتَحْلِفْ عِنْدَهَا "، قَالَ: فَكَأَنَّهَا تَأَثَّمَتْ حِينَ أَتَتِ الْكَعْبَةَ، وَقَالَتْ: إِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ يَعْنِي أَنْ أُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا

1042 - وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَسْتَحْلِفُوا عِنْدَ الْمَقَامِ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَخْشَى أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهِ "

1043 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ

رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَكَّةَ، فَرَأَى جَمَاعَةً بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا "؟ قَالُوا: إِنْسَانٌ يُسْتَحْلَفُ قَالَ: " إِلَى دَمٍ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " إِلَى مَالٍ عَظِيمٍ اقْتَطَعَهُ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ هَذَا الْمَقَامَ " وَالنَّاسُ بِمَكَّةَ لَا يُسْتَحْلَفُونُ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا إِلَى الْيَوْمِ

1044 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَبُّوَيْهِ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اتَّهَمَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيَّ، وَمُعَاذَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيَّ بِقَتْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هَبَّارٍ، فَحَجَّ مُعَاوِيَةُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَيْهِ، فَقَصَرَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْقَسَامَةَ فَرَدَّهَا عَلَى الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَجَعَلُوا خَمْسِينَ يَمِينًا بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ، فَبَرُّوا، فَكَانَ ذَاكَ أَوَّلَ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ "

1045 - وَحَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ،

فَحَدَّثَنِي قَالَ: ثنا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " إِنَّ رَجُلًا مَاتَ فَأَوْصَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا، فَقَالَ: " يَا نَافِعُ، خُذْ بِيَدِهِ فَانْطَلِقْ فَاسْتَحْلِفْهُ بَيْنَ الرُّكْنِ، وَالْمَقَامِ، ثُمَّ أَعْطِهِ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَأَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ فِي أَنَّ الَّذِي يَرَانِي ثَمَّ يَرَانِي هَا هُنَا، فَقَالَ: اسْتَحْلِفْهُ وَأَعْطِهِ " وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ أَنَّ الْمَهْدِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَجَّ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَنَزَلَ دَارَ النَّدْوَةِ، فَجَاءَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَبِيُّ بِمَقَامِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ صَلَّى الله عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ خَالِيَةٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: ائْذَنْ لِي عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ مَعِي شَيْئًا لَمْ يُدْخَلْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ يَسُرُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَتَكَشَّفَ عَنِ الْمَقَامِ، فَسُرَّ بِهِ الْمَهْدِيُّ وَتَمَسَّحَ بِهِ وَسَكَبَ فِيهِ مَاءً، ثُمَّ شَرِبَهُ وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ.
فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَشَرِبُوا فِيهِ، وَتَمَسَّحُوا بِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ فَاحْتَمَلَهُ وَرَدَّهُ إِلَى مَكَانِهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِجَوَائِزَ عَظِيمَةٍ، وَأَقْطَعَهُ خَيْفًا بِنَخْلَةٍ مِنْ أَعْرَاضِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: ذَاتُ الْقَوْبَعِ، فَبَاعَهُ مِنْ مُنِيرَةَ مَوْلَاةِ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْحَجَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنَّ الْكُرْسِيَّ الْمَنْصُوبَ الْمُقْعَدَ فِيهِ الْمَقَامُ مُلَبَّسٌ صَفَائِحَ مِنْ رَصَاصٍ، وَإِنَّهُ لَوْ عَمِلَ مَكَانَ الرَّصَاصِ فِضَّةً كَانَ أَشْبَهَ وَأَوْفَقَ

لَهُ، فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ ذَلِكَ، فَوَجَّهَ إِسْحَاقَ بْنَ سَلَمَةَ فَخَرَجَ فِي صُنَّاعٍ جَاءَ بِهِمْ مِنَ الْعِرَاقِ مِنَ الصُّوَّاغِ وَالرُّخَامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْمَقَامِ، فَجَعَلَ الْفِضَّةَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَقَامِ مَكَانَ الرَّصَاصِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَاتَّخَذَ لَهُ قُبَّةً مِنْ خَشَبِ السَّاجِ مَقْبُوَّةَ الرَّأْسِ بِضَبَّاتٍ قَدْ جَعَلَهَا لَهَا مِنْ حَدِيدٍ، مُلَبَّسَةَ الدَّاخِلِ بِالْأَدَمِ، وَكَانَتِ الْقُبَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسَطَّحَةً، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْفِضَّةِ آلَافُ الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ كَانَ الْمَقَامُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَعَلَى مَكَّةَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَدْ وَهِيَ، فَذَهَبَ الْحَجَبَةُ يَرْفَعُونَهُ فَانْثَلَمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقَامَ حَجَرٌ رَخْوٌ يُشْبِهُ الشِّنَانَ فِي الْمَنْظَرِ، وَهُوَ أَغْبَشُ وَمُكَسَّرُهُ مُكَسَّرُ الرُّخَامِ الْأَبْيَضِ، فَخَشَوْا أَنْ يَتَفَتَّتَ أَوْ يَتَدَاعَى، فَكَتَبُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَضَبَّبُوا بِهَا أَعْلَى الْمَقَامِ وَأَسْفَلَهُ، وَهُوَ الذَّهَبُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِلَى خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٌ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ ذَهَبٌ فَوْقَ ذَلِكَ الذَّهَبِ، وَيُعْمَلُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَعُمِلَ فِي مَصْدَرِ الْحَاجِّ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَعُمِلَ وَلَمْ يُقْلَعْ عَنْهُ الذَّهَبُ الْأَوَّلُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الذَّهَبُ حَتَّى كَانَ زَمَنُ الْفِتْنَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَخَذَ جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ فَضَرَبَاهُ دَنَانِيرَ وَأَنْفَقَاهُ عَلَى حَرْبِ إِسْمَاعِيلَ، فِيمَا

ذَكَرُوا، وَبَقِيَ الذَّهَبُ الَّذِي عَمِلَهُ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ وَلِيَ مَكَّةَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَامَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ الْحَجَبَةِ، وَأَنَا عِنْدَهُ فَكَلَّمُوهُ فِي الْمَقَامِ وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ وَهِيَ وَتَسَلَّلَتْ أَحْجَارُهُ، وَنَحْنُ نَخَافُ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُجَدِّدَ عَمَلَهُ وَتَضْبِيبَهُ حَتَّى يَشْتَدَّ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ، فَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْمَقَامِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَأَحْضَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَامَّةَ الْحَجَبَةِ فَقَلَعَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَنِ الْمَقَامِ وَخَلَّوْهُ عَنْهُ، فَإِذَا الْحَجَرُ سَبْعُ قِطَعٍ قَدْ كَانَتْ مُلْصَقَةً بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَزَالَ عَنْهَا الْإِلْصَاقُ، فَأُخِذَتِ الْقِطَعُ فَجُعِلَتْ فِي ثَوْبٍ وَخُتِمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمٍ، ثُمَّ دَعَا الصَّاغَةَ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، وَأَخَذَ فِي عَمَلِهِ، وَحَضَرَتْهُ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ طَوْقَانِ مِنْ ذَهَبٍ: طَوْقٌ لِلْأَعْلَى، وَطَوْقٌ لُلْأَسْفَلِ، وَتَحْتَ الطَّوْقِ الْأَسْفَلِ طَوْقٌ مِنْ فِضَّةٍ يَشُدُّ الطَّوْقَ الْأَعْلَى، وَهُوَ قِطْعَتَانِ يَدْخُلُ الْمَقَامُ فِي إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ يُلْصَقُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يُعْلَى عَلَيْهَا بِالطَّوْقِ الذَّهَبِ مِنْ فَوْقِ الْفِضَّةِ، ثُمَّ تُضَبَّبُ جَوَانِبُهُ بِضِبَابٍ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ يُسَمَّرُ بِمَسَامِيرَ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فِي الطَّوْقِ كَمَا يَدُورُ أَرْبَعَ حِلَقٍ مِنْ فِضَّةٍ يُرْفَعُ بِهَا الْمَقَامُ، وَزَادَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ مَا يُصْلِحُهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ عِنْدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِضَّةَ عَجَزَتْ بِهِمْ، فَكَانَ فِي الطَّوْقِ الْأَسْفَلِ مِنَ الْفِضَّةِ أَلْفٌ

وَسِتُّمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَفِي الطَّوْقِ الذَّهَبِ الَّذِي فَوْقَهُ سَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا، وَجَعَلَ الطَّوْقَ الْأَعْلَى أَيْضًا قِطْعَتَيْنِ يَدْخُلُ الْمَقَامُ فِي إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ يُلْصَقُ عَلَيْهَا الْأُخْرَى، ثُمَّ يُذَابُ عَلَيْهِمَا الرَّصَاصُ، ثُمَّ تُضَبَّبُ أَرْكَانُهَا بِضِبَابٍ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ يُسَمَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الطَّوْقَ الْأَعْلَى ذَهَبًا مُضَمَّنًا وَحْدَهُ، فَكُلُّ مَا فِي الطَّوْقِ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ مِثْقَالًا، وَجَعَلَ عَلَى الطَّوْقِ الْأَعْلَى نُجُومًا، وَهِيَ مَسَامِيرُ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا يَدُورُ الطَّوْقُ عَدَدَ النُّجُومِ سِتُّونَ مِسْمَارًا إِلَّا وَاحِدًا، وَوَزْنُهَا ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ مِثْقَالًا، تَجْمَعُ مَا فِي الطَّوْقِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مِنَ الذَّهَبِ بِالنُّجُومِ أَلْفَا مِثْقَالٍ إِلَّا ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ، وَعُمِلَ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الصِّنَاعَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَلْسُنُ، فَأَقَامَ الصَّاغَةُ يَعْمَلُونَهُ بَقِيَّةَ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى الْحَجَبَةِ يَأْمُرُهُمْ بِحَمْلِ الْمَقَامِ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ لِيُرَكِّبُوا عَلَيْهِ الطَّوْقَيْنِ اللَّذَيْنِ عُمِلَا لَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا لِيَكُونَ أَقَلَّ لِزِحَامِ النَّاسِ، فَأَتَوْا بِهِ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، وَأَنَا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ فِي ثَوْبٍ يَحْمِلُونَهُ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَاءَ بِشْرٌ الْخَادِمُ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَدِمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ، وَإِصْلَاحِهِمَا فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْفَعَلَةَ أَنْ يُذِيبُوا الْعَقَاقِيرَ فَأَذَابُوهَا بِالزِّئْبَقِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْمَقَامَ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُ مِنَ الْحِجَارَةِ، فَأَلْصَقَهَا بِشْرٌ بِيَدِهِ بِذَلِكَ الْعَلَكِ حَتَّى الْتَأَمَتْ وَأَخَذَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَمَسَّحَ النَّاسُ بِالْمَقَامِ وَدَعَوُا اللهَ تَعَالَى وَذَكَرُوهُ وَذَكَرُوا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَلَّبُوهُ وَنَظَرُوا وَنَظَرْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا فِي جَوَانِبِ الْمَقَامِ كُلِّهَا كَمَا يَدُورُ خُطُوطًا فِي طُولِ الْجَانِبِ الْمُسْتَدِقِّ مِنْهُ الْبَارِزِ عَنِ الذَّهَبِ سَبْعُ خُطُوطٍ مُسْتَطِيلَةٌ، ثُمَّ

تَرْجِعُ الْخُطُوطُ فِي أَسْفَلِهِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ حَتَّى تَسْتَبِينَ فِيهِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ فِي التَّرْبِيعِ سِتَّةُ خُطُوطٍ، وَفِيهِ حَفْرٌ قِيَاسُهُ هَذَا الْخَطُّ الَّذِي أَخُطُّهُ، وَذَلِكَ فِي عَرْضِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا دَوَاوِيرُ قِيَاسُهَا هَذَا الَّذِي أَخُطُّهُ، وَفِي وَسَطِهِ نَكْيَةٌ مِنَ الْحَجَرِ، وَفِيهِ أَيْضًا دَوَّارَةٌ فِي عَرْضِهِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، قِيَاسُهَا هَذَا الَّذِي أَخُطُّهُ، وَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُقَالُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي وَجَدَتْهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَذْتُ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ الْمَقَامِ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بِيَدِي وَحَكَيْتُهُ كَمَا رَأَيْتُهُ مَخْطُوطًا فِيهِ، وَلَمْ آلُ جَهْدِي وَهُوَ الَّذِي خَطَطْتُهُ الْآنَ، فَهَذَا مَا اسْتَبَانَ لِي مِنَ الْخُطُوطِ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ لَمْ تَسْتَبِنْ لِي فَلَمْ أَكْتُبْهَا، ثُمَّ أَتَى بِالطَّوْقَيْنِ فَقُدِّرَا عَلَى الْمَقَامِ فَضَاقَ عَنْهُ فَأَمَرَ بِرَدِّ الْمَقَامِ إِلَى مَوْضِعِهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُوَسِّعَا حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى الْقَدْرِ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَذَلِكَ لِسِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى الْحَجَبَةِ فَأَحْضَرُوا الْمَقَامَ وَحَضَرَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فَمَسَحُوا الْمَقَامَ وَصَبُّوا فِيهِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبُوا وَأَخَذُوا فِي الْقَوَارِيرِ وَالْكِيزَانِ، وَدَعَوُا اللهَ تَعَالَى وَذَكَرُوهُ وَذَكَرُوا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ رُكِّبَ الطَّوْقُ الْأَسْفَلُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَرُدَّ الْمَقَامُ إِلَى مَوْضِعِهِ، حَتَّى كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ، فَأَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِهِ فَأَحْضَرُوهُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَرُكِّبَ الطَّوْقَ الْأَعْلَى عَلَيْهِ، وَحُمِلَ إِلَى مَوْضِعِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ فِيهِ مَجَالِسُ حَسَنَةٌ، وَمَشَاهِدُ جَمِيلَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ

1046 - فَحَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْفَرَائِضِيُّ وَأَخَذَ مِنِّي هَذَا الْكِتَابَ عَلَى الْمَقَامِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّا الْمَغْرِبِيُّ بِمِصْرَ وَقَدْ أَخَذَ مِنِّي هَذِهِ النُّسْخَةَ، يَعْنِي نُسْخَةَ هَذَا الْكِتَابِ، فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: أَنَا أَعْرِفُ تَفْسِيرَ هَذَا، أَنَا أَطْلُبُ الْبَرَابِيَ، وَالْبَرَابِي كِتَابٌ فِي الْحِجَارَةِ بِمِصْرَ مِنْ كِتَابِ الْأَوَّلِينَ، قَالَ: فَأَنَا أَطْلُبُهُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَنَا أَرَى أَيَّ شَيْءٍ هَذَا الْمَكْتُوبَ فِي الْمَقَامِ فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ: " إِنِّي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَالسَّطْرِ الثَّانِي: " مَلِكٌ لَا يُرَامُ " وَالسَّطْرِ الثَّالِثِ: " أصباوت " وَهُوَ اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمِ، وَبِهِ تُسْتَجَابُ الدَّعَوَاتُ " قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْفَرَائِضِيُّ وَفِي تَفْسِيرِ سُنَيْدٍ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آدَمَ أَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " مَنْ أَنَا يَا آدَمُ؟، فَقَالَ: أَنْتَ أصباوت أَدْنَانِي.
قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: " صَدَقْتَ يَا آدَمُ " يَعْنِي أَنْتَ اللهُ الصَّمَدُ يَقُولُ أَصباوت اللهُ الصَّمَدُ، قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي فِي الْمَقَامِ بِالْحِمْيَرِيَّةِ

1047 - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُدَيْمِيُّ قَالَ: ثنا سَهْلٌ أَبُو عَتَّابٍ

قَالَ ثنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " إِنَّ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِتَابًا لَوْ غُسِلَ عَنْهُ لَقُرِئَ: هَذَا بَيْتُ اللهِ وَضَعَهُ عَلَى تَرَابِيعِ عَرْشِهِ، يَأْتِيهِ رِزْقُهُ مِنْ كَذَا، وَأَوَّلُ مَنْ يُحِلُّهُ أَهْلُهُ "

ذِكْرُ ذَرْعِ الْمَقَامِ وَصِفَتِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَى الْيَوْمِ، وَتَفْسِيرِ ذَلِكَ ذَرْعُ الْمَقَامِ مُرَبَّعٌ، سَعَةُ أَعْلَاهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أُصْبُعًا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ أُصْبُعًا، وَمِنْ أَسْفَلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِي طَرَفَيْهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَانَ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ طَوْقَانِ: طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَبَيْنَ الطَّوْقَيْنِ مِنْ حَجَرِ الْمَقَامِ بَارِزٌ لَا ذَهَبَ عَلَيْهِ، طُولُهُ مِنْ نَوَاحِيهِ كُلِّهَا تِسْعُ أَصَابِعَ، وَعَرْضُهُ عَشْرُ أَصَابِعَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ الذَّهَبُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ، وَعَرْضُ حَجَرِ الْمَقَامِ مِنْ نَوَاحِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا، وَوَسَطُهُ مُرَبَّعٌ، وَالْقَدَمَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْحَجَرِ سَبْعَ أَصَابِعَ، وَدُخُولُهُمَا مُنْحَرِفَتَانِ، وَبَيْنَ الْقَدَمَيْنِ مِنَ الْحَجَرِ أُصْبُعَانِ، وَوَسَطُهُ قَدِ اسْتَدَقَّ مِنَ التَّمَسُّحِ بِهِ فِيمَا مَضَى، وَالْمَقَامُ فِي حَوْضٍ مِنْ سَاجٍ مُرَبَّعٍ حَوْلَهُ رَصَاصٌ، وَعَلَى الْحَوْضِ صَفَائِحُ

كَانَتْ وَحِيَاضٌ تُلْبَسُ بِهَا وَهِيَ الْيَوْمَ فِضَّةٌ، وَمِنَ الْمَقَامِ فِي الْحَوْضِ أُصْبُعَانِ، وَعَلَى الْمَقَامِ صُنْدُوقٌ سَاجٌ مَقْبُوٌّ وَمِنْ وَرَاءِ الْمَقَامِ مُلَبَّنٌ مِنْ سَاجٍ فِي الْأَرْضِ وَفِي طَرَفَيْهِ سِلْسِلَتَانِ تَدْخُلَانِ فِي أَسْفَلِ الصُّنْدُوقِ، وَيُقْفَلُ فِيهِمَا قُفْلَانِ لَا يُفَارِقُهُمَا حَتَّى يَخْرُجَ السُّلْطَانُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ جَاءَ الْقَيِّمَانِ عَلَى الْمَقَامِ، وَهُمَا خَادِمَانِ مِنْ خَدَمِ الْكَعْبَةِ، فَفَتَحَا الْقُفْلَيْنِ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي مُصَلَّاهُ كَشَفَا لَهُ عَنِ الْمَقَامِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَالْمَقَامُ مَكْشُوفٌ، فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْفَلَاهُ إِلَى مِثْلِهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ حَتَّى كَانَ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ فَجَاءَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ بِعَمَلِهِ فَعَمِلَهُ عَمَلَهُ الَّذِي وَصَفْنَا مُتَقَدِّمًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقَامُ يُكْشَفُ لِلْخَلِيفَةِ، وَلِوَالِي مَكَّةَ لَا غَيْرِهِمَا حَتَّى كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ لِأَصْحَابِ الشُّرَطِ وَأَصْحَابِ الْحَرَسِ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَكَانَ الْمَقَامُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حَتَّى كَانَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَعَلَى مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ فَمُطِرَتْ مَكَّةُ مَطَرًا شَدِيدًا حَتَّى سَالَ الْوَادِي، وَدَخَلَ السَّيْلُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، وَبَلَغَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنَ الْحَجَرِ، فَجَاءَ غِلْمَانٌ مِنْ غِلْمَانِ الْكَعْبَةٍ وَخَدَمِهَا إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى الْمَقَامِ، فَأَمَرَ بِرَفْعِ الْمَقَامِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِدْخَالِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ أَمَرَ بِعَمَلِ الْمَقَامِ، فَجُعِلَتْ لَهُ أَحْجَارٌ أَرْبَعَةٌ، فَرَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَهُنْدِمَتْ وَسُوِّيَتْ وَنُقِشَتْ، وَرُفِعَتْ عَلَى

مِقْدَارِ مَوْضِعِ الْمَقَامِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حُفِرَ مَوْضِعُ الْمَقَامِ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَثُلُثٍ فِي ذِرَاعٍ وَثُلُثٍ سَخًّا فِي الْأَرْضِ، وَوَجَدُوا الْمَاءَ قَدْ عَمِلَ فِي كُرْسِيِّ الْخَشَبِ فَأَكَلَهُ مُتَقَدِّمًا حَتَّى أَفْسَدَهُ وَخَرَّبَهُ، فَأَمَرَ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ عَلَى الْمَقَامِ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَأَحْضَرَ ابْنَ أَبِي مَسَرَّةَ، وَالْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَنَاسًا مِنْ الْحَجَبَةِ فَلَمَّا قَرَّرَ الْمَقَامَ وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ، وَكَانَ الَّذِي عَمِلَهُ وَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ حُوَارٍ فَصَبَّ النَّوْرَةَ وَالْمَرْمَرَ ثُمَّ بَنَى ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ الْمُهَنْدَمَةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُرَبَّعَةِ، وَجَعَلَ حَجَرًا مِنْهَا مَنْقُوشًا، فَقَرَّرَ الْمَقَامَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَحْجَارٍ حَوْلَ كُرْسِيِّ الْحَجَرِ يَلْتَقِي بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَأُلْصِقَتْ وَقُوِّرَتْ بَيْنَهَا فِي الْإِلْصَاقِ، وَأَظْهَرَ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شِبْرًا أَوْ أَقَلَّ حَوْلَ الْكُرْسِيِّ؛ لِئَلَّا يَصِلَ الْمَاءُ إِذَا جَاءَ إِلَى الْبِنَاءِ، ثُمَّ جَعَلَ كُرْسِيَّ الْفِضَّةِ وَكُرْسِيَّ الْخَشَبِ، وَسَمَّرُوا بِهِ فَصَارَ ظُهُورُ الْحِجَارَةِ إِذَا كُشِفَ الْمَقَامُ ذِرَاعَيْنِ: ذِرَاعَ بِنَاءٍ، وَذِرَاعَ ارْتِفَاعِ الْمَقَامِ، وَكَانَ مِقْدَارُ مُكْثِ الْمَقَامِ فِي الْكَعْبَةِ إِلَى أَنْ رُدَّ إِلَى مَوْضِعِهِ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ شَهْرًا وَاحِدًا، وَكَانَ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْفُسْطَاطُ عَلَى الْمَقَامِ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْتَتِرٌ وَالنَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْفُسْطَاطِ إِلَّا مَنِ اسْتَقْبَلَ بَابَ الْفُسْطَاطِ، وَكَانَتْ عَلَى الْمَقَامِ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ هَذَا الْعَمَلُ قُبَّةٌ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ قُدِّرَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَقْدِرْ، فَعَمِلُوا لَهُ قُبَّةً أُخْرَى مَنْقُوشَةً مَقْبُوَّةً فَهِيَ عَلَيْهِ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَخَذَ الْأَمِيرُ الذَّهَبَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْمَهْدِيِّ الْقَدِيمِ، فَزَادَ عَلَيْهِ وَعَمِلَ الْمَقَامَ عَمَلًا جَدِيدًا، وَأَقَامَ أَيَّامًا فِي دَارِ الْإِمَارَةِ حَتَّى عُمِلَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ عَمَلِهِ حُمِلَ إِلَى مَوْضِعِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ

جارٍ التحميل