ذِكْرُ غَوْرِ الْمَاءِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ غَيْرَ زَمْزَمَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الفاكهي، أبو عبد الله
- الكتاب
- أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (المتوفى: 272هـ)
- المحقق
- د. عبد الملك عبد الله دهيش
- الناشر
- دار خضر - بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1414
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء في 3 مجلدات [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث، وفي الهامش قطوف من كلام المحقق]
1516 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: ثنا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ الْأَنْصَابَ لِلْحَرَمِ، أَشَارَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مَوَاضِعِهَا " قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ الْفَتْحِ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ جَدَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ تَمِيمٍ، فَجَدَّدَهَا
1517 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَاجٍ قَالَ: بَلَغَنِي فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، " أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اشْتَدَّ بُكَاؤُهُ وَحُزْنُهُ لِمَا كَانَ مِنْ عِظَمِ الْمُصِيبَةِ،
فَعَزَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِخَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ، وَحَرَسَ لَهُ تِلْكَ الْخَيْمَةَ بِالْمَلَائِكَةِ، فَكَانَ مَوْقِفُهُمْ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ صَفًّا وَاحِدًا مُسْتَدِيرُونَ بِالْحَرَمِ كُلِّهِ، وَالْحَرَمُ كُلُّهُ مِنْ دُونِهُمْ، وَلَا يُجَاوِزُهُ جِنٌّ وَلَا شَيْطَانٌ "
1518 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " إِذَا بَلَغَ الْحَاجُّ أَنْصَابَ الْحَرَمِ تَلَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى جَنَبَتَيِ الْحَرَمِ، فَأَشَارُوا بِالسَّلَامِ عَلَى الْجَمَّالَةِ، وَصَافَحُوا الْبَغَّالَةَ، وَاعْتَنَقُوا الرَّجَّالَةَ اعْتِنَاقًا "
1519 - حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّ عَدْنَانَ بْنَ أَدَدَ خَافَ أَنْ يَدْرُسَ الْحَرَمُ فَوَضَعَ أَنْصَابَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَهَا، وَأَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ، أَوْ كُسِيَتْ فِي زَمَانِهِ
1520 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَوْفٍ أَبِي عَمْرٍو الْبِكَالِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " إِنَّ الْحَرَمَ يَحْرُمُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ "
1521 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: ثنا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "
ذِكْرُ الِاسْتِنَادِ بِالْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ
1522 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " اجْتَمَعَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُرَيْشِيَّانِ - هَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قُرَيْشِيَّانِ - وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَيْشِيٌّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الْآخَرَانِ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ
إِذَا جَهَرَنَا؛ فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: 22] الْآيَةَ
1523 - حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو النَّصِيبِيُّ قَالَ: ثنا الْعَطَّافُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ الْهَيْكَلِ بْنِ جَابِرٍ قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ لَمَا غَفَرْتَ لِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا قُلْتَ: بِحُرْمَتِي أَلَا غَفَرْتَ لِي؟ وَالَّذِي أَكْرَمَنِي بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ذَنْبِي عَظِيمٌ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْحَكَ ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْأَرْضُ؟ " قَالَ: بَلْ ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْحَكَ ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ السَّمَاءُ؟ " فَقَالَ: بَلْ ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْحَكَ ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْعَرْشُ "؟ قَالَ: بَلْ ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْحَكَ ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ اللهُ؟ " قَالَ: بَلِ اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ عَظِيمٌ يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّ السَّائِلَ يَأْتِينِي يَسْأَلُنِي، فَكَأَنَّمَا يُشْعِلُنِي بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيْحَكَ تَنَحَّ عَنِّي، لَا تَحْرِقْنِي بِنَارِكَ، فَوَالَّذِي أَكْرَمَنِي بِالْحَقِّ وَدِينِ الْهُدَى لَوْ صُمْتَ وَصَلَّيْتَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ أَلْفًا وَأَلْفَ عَامٍ، وَبَكَيْتَ حَتَّى تَجْرِيَ مِنْ دُمُوعِكَ الْأَنْهَارُ، وَسَقَيْتَ بِهِ الْأَشْجَارَ، ثُمَّ مُتَّ وَأَنْتَ لَئِيمٌ لَأَكَبَّكَ اللهُ تَعَالَى فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِكَ، وَيْحَكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ السَّرْوَ مِنَ
الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجِنَانِ؟ وَيْحَكَ إِنَّ الْبُخْلَ كُفْرٌ، وَالْكُفْرُ فِي النَّارِ، وَيْحَكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: 38] ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] "
1524 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ قَالَ: ثنا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَبْدِ اللهِ شَيْخٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: " بَيْنَمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْتَارِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنَ سَمْعٍ، يَا مَنْ لَا يَغْلَطُهُ السَّائِلُونَ، يَا مَنْ لَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ، أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلَاوَةَ رَحْمَتِكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَعِدْ دُعَاءَكَ هَذَا قَالَ: أَوَقَدْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَادْعُ بِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ وَقَطْرِهَا وَحَصْبَاءِ الْأَرْضِ وَتُرَابِهَا لَغَفَرَ اللهُ لَكَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ "
1525 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الشَّامِيُّ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الْمُحْرِمَ أَنْ يُدْخِلَ رَأْسَهُ بَيْنَ السُّتُورِ وَالْكَعْبَةِ وَقَالَ الْأَخْطَلُ التَّغْلِبِيُّ يَذْكُرُ أَسْتَارَ الْبَيْتِ: [البحر البسيط]
وَقَدْ حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... بِاللهِ رَبِّ سُتُورِ الْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ وَكُلِّ مُوفٍ بِنَذْرٍ كَانَ يَحْمِلُهُ ... مُضَرَّجٌ بِدِمَاءِ الْبُدْنِ مُخْتَضِبِ وَقَالَ الْأَخْطَلُ أَيْضًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ: [البحر الكامل]
وَلَقَدْ حَلَفْتُ بِرَبِّ مُوسَى جَاهِدًا ... وَالْبَيْتِ ذِي الْحُرُمَاتِ وَالْأَسْتَارِ وَبِكُلِّ مُبْتَهِلٍ عَلَيْهِ مُسُوحُهُ ... دُونَ السَّمَاءِ مُسَبِّحٍ جَئَّارِ وَقَالَ الْأَخْطَلُ أَيْضًا فِي الْأَسْتَارِ يَذْكُرُهَا: إِنِّي حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ وَمَا ... أَضْحَى بِمَكَّةَ مِنْ حُجْبٍ وَأَسْتَارِ وَمَا بِزَمْزَمَ مِنْ شُمْطٍ مُحَلِّقَةٍ ... وَمَا بِيَثْرِبَ مِنْ عُونٍ وَأَبْكَارِ لَأَلْجَأَتْنِي قُرَيْشٌ خَائِفًا وَجِلًا ... وَنَوَّلَتْنِي قُرَيْشٌ بَعْدَ إِقْتَارِ
ذِكْرُ أَسْمَاءِ مَكَّةَ وَبَرَكَتِهَا وَصِفَتِهَا وَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَعْطَانِي كِتَابًا عَنْ أَشْيَاخِهِ، فَإِذَا فِيهِ أَسْمَاءُ مَكَّةَ فِيمَا زَعَمَ الْمَكِّيُّونَ وَاللهُ أَعْلَمُ، قَالُوا: هِيَ مَكَّةُ وَبَكَّةُ
وَبَرَّةُ وَبَسَّاسَةُ وَأُمُّ الْقُرَى وَالْحَرَمُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْبَلَدُ الْأَمِينُ
1526 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3] قَالَ: " مَكَّةُ وَقَالُوا: وَمِنْ أَسْمَائِهَا صَلَاحِ " قَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ: نُورٌ تَلَأْلَأَ لِأَوْسَطِ صَلَاحِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: مِنْ أَسْمَائِهَا كُوثَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: [البحر السريع] سَأَلْتُ عَمْرًا فَقُلْتُ لَهُ ... مَتَى لَقِيتَ يَحْيَى وَعِيسَى فَقَالَ أَمَّا يَحْيَى فَرَأَيْتُهُ بِالْفَخِّ ... يَحْلِقُ رَأْسَهُ مُوسَى بِمُوسَى وَأَمَّا عِيسَى فَلَقِيتُهُ دَاخِلًا ... بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا كُوثَى
1527 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " وَعَمَّرَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ، هُمْ سَاكِنُوهَا وَمَنَازِلُها لَهُمْ صَالِحًا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَعْمُرُوهَا، وَكَانَتْ مَكَّةُ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْبَسَّاسَةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَبُسُّ مَنْ بَغَى فِيهَا حَتَّى تُخْرِجَهُ مِنْهَا "
وَيُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَا يَدْخُلُهَا مَلِكٌ فَيُحْدِثُ فِيهَا حَدَثًا إِلَّا أَصْبَحَ وَعُنُقُهُ مَكْسُورَةٌ، وَلَا يُحَدِثُ مُحْدِثٌ إِلَّا بَسَّتْهُ مِنَ الْحَرَمِ حَتَّى تُخْرِجَهُ إِلَى الْحِلِّ وَقَالَ شَاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فِي الْبَكِّ بِمَكَّةَ: [البحر الرجز] يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكَّا ... وَلَا تَمُكِّي مَذْحِجًا وَعَكَّا وَقَالَ آخَرُ فِي مَكَّةَ: [البحر الرمل] أَبْصِرُوا ثَمَّ كَثِيرًا مُولَمًا ... وَأَيَّامًا فِي شُعُوبِ الْحَاطِمَةْ دَمْعُ الْعَيْنِ عَلَيْهِ هَاطِلٌ ... لِرُجُوعِ الدَّاءِ فِيهِ الْآكِلَةْ
ذِكْرُ الْمَقَامِ بِمَكَّةَ وَالْجِوَارِ بِهَا وَمَنْ أَقَامَ بِهَا مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ
1528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ الْمَازِنِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا مَضَى مِنْ هِجْرَتِي إِلَى الْمَدِينَةِ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ فَعَلَيْكُمْ وَالْجِوَارَ وَالرِّبَاطَ " قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ، وَإِنَّ بِالْحَرَمِ لَرِبَاطًا؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَعَمْ، أَفْضَلُ الرِّبَاطِ، إِنَّ الْكَعْبَةَ لَا تَأْمَنُ أَنْ يَأْتِيَهَا عَدُوُّهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، إِذْ مِنْ أَرْجَائِهَا الرِّبَاطُ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ رِبَاطٍ تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ لِمُشَرِّقٍ أَوْ مُغَرِّبٍ "
1529 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ: " فَعَلَيْكُمْ بِالْجِوَارِ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ "
1530 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: [البحر الوافر] فَيُوشِكُ أَنْ يَحُولَ الْمَوْتُ بَيْنِي ... وَبَيْنَ جِوَارِ بَيْتِكَ وَالطَّوَافِ فَكَمْ مِنْ سَائِلٍ لَكَ رَبِّ رَغْبًا ... وَرَهْبًا بَيْنَ مُنْتَعِلٍ وَحَافِي أَتَاكَ الرَّاغِبُونَ إِلَيْكَ شُعْثًا ... يَسُوقُونَ الْمُقَلَّدَةَ الصَّوَافِي
1531 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ فِطْرِ بْنِ
خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ مَكَّةَ قَدِ اشْتَدَّتْ حَالُهَا وَتَعَذَّرَ عَيْشُهَا، وَقَدْ أَرَدْتُ الِانْتِقَالَ مِنْهَا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: " لَا تَخْرُجْ مِنْهَا يَا أَبَا الطُّفَيْلِ وَإِنْ أَكَلْتَ بِهَا الْعِضَاهَ "
1532 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: ثنا مَعْمَرُ بْنُ قَيْسٍ السُّلَمِيُّ،
1533 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، قُلْتُ: إِنِّي دَخَلْتُ مَكَّةَ قَالَ خَالِدٌ: مُعْتَمِرًا فِي رَجَبٍ وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَحَضَرَنِي رَمَضَانُ، وَأَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقْدَمُ مُعْتَمِرًا فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: " طُفْ بِهَذَا الْبَيْتِ؛ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْعُمْرَةِ "
1534 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَ: ثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ بِنَحْوِهِ
1535 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " عُمْرَةٌ بَعْدَ الْحَجِّ كَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ "
1536 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي " أَلَا تَذْهَبُ بِنَا نَعْتَمِرُ؟ فَقَالَ: " غَيْرُ الَّذِي نَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ؟ " يَعْنِي الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
1537 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الزِّبْرِقَانُ أَبُو بَكْرٍ السَّرَّاجُ قَالَ: أَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أُرِيدُ إِتْيَانَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: " لَطَوَافٌ أَطُوفُهُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِتْيَانِ الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ "
1538 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " لَأَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَعْتَمِرَ مِنْهُ "
1539 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مُجَمِّعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ لَا يَرَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةً، وَيَقُولُ: " هُمْ فِي عُمْرَةٍ كُلَّ يَوْمٍ "
1540 - حَدَّثَنِي سَلَامَةُ بْنُ يَزِيدَ الْكِلَالِيُّ، عَنْ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: " وَجَدْتُ قَلْبِي يَصْلُحُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَعَ قَوْمٍ غُرَبَاءَ أَصْحَابِ بُتُوتٍ وَعَبَاءٍ "
1541 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُقَاتِلٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو عَمَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَعَدَّ قَوْسًا فِي الْحَرَمِ لِيُقَاتِلَ بِهِ عَدُوَّ الْكَعْبَةِ كُتِبَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ أَلْفُ حَسَنَةٍ حَتَّى يَحْضُرَ الْعَدُوُّ "
1542 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: " جَاوَرْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِمَكَّةَ فِي بَنِي فِهْرٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ "
1543 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، الْزَمْ هَذَا الْحَرَمَ وَكُنْ حَمَامَةً مِنْ حَمَامِهِ؛ فَإِنَّ أَمْرَنَا إِذَا جَاءَ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ، كَمَا لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّمْسِ خَفَاءٌ إِذَا طَلَعَتْ، مَا يُدْرِيكَ إِذَا قَالَ النَّاسُ: إِنَّهُ يَجِيءُ مِنَ الْمَشْرِقِ أَنْ يَجِيءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَمَا يُدْرِيكَ إِذَا قَالَ النَّاسُ: إِنَّهُ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ أَنْ يَجِيءَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهَا سَتُهْدَى إِلَيْكَ كَمَا تُهْدَى الْعَرُوسُ "
1544 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ مَنْزِلَةً؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَجُلٌ عَلَى مَتْنِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخِيفُونَهُ، أَوْ رَجُلٌ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤَدِّي حَقَّ اللهِ تَعَالَى فِي مَالِهِ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ الْحِجَازِ
1545 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَنْصُورٍ، وَنَسَخْتُ مِنْ كِتَابِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: أَخَذْتُ نُسْخَةَ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ كِتَابِ رَجُلٍ قَالَ: هَذَا كِتَابُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي فَضْلِ مَكَّةَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الزَّهَادَةِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ آدَمَ، وَكَانَ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُوسِرًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ بِمَكَّةَ إِلَّا الْعِبَادَةُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُرَغِّبُهُ فِي الْمَقَامِ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَفِظَكَ اللهُ يَا أَخِي بِحِفْظِ الْإِيمَانِ، وَوَقَاكَ الْمَكْرُوهَ وَوَفَّقَكَ لِلْخَيْرَاتِ، وَأَتَمَّ عَلَيْكَ النِّعْمَةَ، وَجَمَعَنَا وَإِيَّاكَ فِي جِوَارِ الرَّحْمَنِ وَمَنَازِلِ الرِّضْوَانِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا وَمَنْ قِبَلِي مِنَ الْأَقَارِبِ وَالْإِخْوَانِ عَلَى أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ، وَرَبُّنَا مَحْمُودٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا، قَدِ انْتَهَى إِلَيَّ أَنَّكَ قَدْ أَزْمَعْتَ الشُّخُوصَ مِنْ حَرَمِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّحَوُّلَ مِنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فِي سَبَبِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنِّي وَاللهِ كَرِهْتُ ذَلِكَ وَغَمَّنِي، وَاسْتَوْحَشْتُ لِذَلِكَ وَحْشَةً شَدِيدَةً، وَتَعَجَّبْتُ مِنْكَ إِذْ أَطَعْتَ فِي ذَلِكَ الشَّيْطَانَ، فَإِيَّاكَ يَا أَخِي ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَبْرَحَ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الْمَقَامَ بِهَا سَعَادَةٌ، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا شَقَاوَةٌ، فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكَ لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّهُ الْمَنَّانُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ إِيَّاكَ يَا أَخِي وَالظَّعْنَ مِنْهَا؛ فَإِنَّكَ فِي خَيْرِ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبِّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ وَأَفْضَلِهَا وَأَعْظَمِهَا حُرْمَةً،
وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَأَنْزَلَ ذِكْرَهَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِكْرِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 97] وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهَدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ [الحج: 25] ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1] قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ [الحج: 26]
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: 91] وَقَالَ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15] وَقَالَ: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: 57] وَقَالَ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: 112] وَقَالَ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: 158] وَقَالَ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: 3] هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي مَكَّةَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ فِي بَلَدٍ سِوَاهَا، ثُمَّ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ، وَيُقَالُ: خَيْرُ بَلْدَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، يَعْنِي مَكَّةَ وَرُوِيَ أَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْمَلَائِكَةُ