توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 906-945

مقدمة الألفية

صفحات 906-945
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

والصحيح أنه لا يقاس عليه؛ لقلته.
وأجاز الفراء أن يكون مضافا إلى نكرة كقوله1: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم ونقل إجازته عن الكوفيين وابن السراج، وخصه عامة النحويين بالضرورة.
وزعم صاحب البسيط أنه لم يرد نكرة غير مضافة، وليس كما زعم، بل ورد، ولكنه أقل من المضافة.
وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة, ومنه قوله2: ونعم نيم.

وقد جاء ما ظاهره أن الفاعل علم أو مضاف إلى علم كقول بعض العبادلة: "بئس" عبد الله أنا "إن كان كذا", وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم عبد الله خالد بن الوليد" 1. وقول سهل بن حنيف: "شهدت صفين, وبئست صفّون".
قال ابن عصفور: وأجاز الجرمي أن يقال: "نعم عبدُ الله هذا".
والصحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن عبد الله ليس معرفا بالألف واللام, ولا مضافا إلى ما تعرف بهما.
فأما قول الشاعر2: بئس قوم الله قوم طُرقوا... فقروا جارهم لحما وحر فضرورة.
= اللغة: "قمر" القمر المعروف, "ريم" ولد الظبية ويهمز, "نياف القرط" -بضم القاف وسكون الراء- ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي، وأراد بكونها نياف القرط أنها بعيدة مهواه، وذلك مما يكنى به عن طول العنق, "غراء الثنايا" الثنايا: الأسنان التي في مقدم الفم, "ريد النساء" الترب, "نيم" النعمة التامة, ومن يؤتنس به.
الإعراب: "نياف" خبر لمبتدأ محذوف، هي نياف, "القرط" مضاف إليه, "غراء" معطوف على نياف بعاطف مقدر, "الثنايا" مضاف إليه, "وريد" عطف على نياف, "للنساء" متعلق بمحذوف صفة لريد, "ونعم" فعل ماض لإنشاء المدح, "نيم" فاعل نعم، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هم نعم نيم.
الشاهد فيه: "نيم" حيث وقع فاعل نعم اسما منكرا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 372/ 2.

وكأن الذي سهل ذلك كون قوم يقع على ما يقع عليه القوم معرفا بالألف واللام, وهو مع ذلك مضاف في اللفظ إلى ما فيه الألف واللام، وإن لم يكن تعريفه بهما. وأجاز المبرد والفارسي: إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية1.
ومنع ذلك الكوفيون وجماعة من البصريين منهم: ابن السراج وأبو عمر2 في الفرخ.
قال: ولم يرد به سماع، والقياس المنع؛ لأن كل ما كان فاعلا لنعم وكان فيه أل, كان مفسرا للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه و"الذي" ليست كذلك.
قال في شرح التسهيل: ولا ينبغي أن يمنع؛ لأن "الذي" جعل بمنزلة الفاعل؛ ولذلك اطرد الوصف به.
الثاني: اعلم أن ما ورد مما يوهم ظاهره أن الفاعل علم, أو مضاف إلى علم يمكن تأويله على أن الفاعل ضمير مستتر حُذف مفسره، والعلم أو المضاف إليه هو المخصوص.
ذكر هذا التأويل في شرح التسهيل، وهو مبني على جواز حذف التمييز في الإعراب: "بئس" فعل ماض لإنشاء الذم, "قوم" فاعل, "الله" مضاف إليه, "قوم" المخصوص بالذم, "طرقوا" فعل ماض مبني للمجهول وواو الجماعة للتخلص من التقاء الساكنين, "جارهم" مفعول به أول لقروا وهو مضاف والضمير مضاف إليه, "لحما" مفعول ثانٍ, "وحر" صفة للحم منصوب بالفتحة وسكّن للوقف.
الشاهد فيه: "بئس قوم الله" حيث ورد فاعل بئس اسما مضافا إلى علم, وهو لفظ الجلالة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 372/ 2.

نحو ذلك، وسيأتي بيانه، ويمكن أن يحمل على هذا أيضا ما أوهم كون فاعلهما نكرة، إلا أن حكاية الأخفش أن1 ذلك لغة لقوم وتدفع التأويل.
الثالث: "أل"2 في فاعل نعم, ذهب الأكثرون أنها جنسية ثم اختلفوا: فقيل: حقيقة، فإذا قلت: "نعم الرجل زيد", فالجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس؛ لأنه فرد من أفراده، ولهؤلاء في تقريره قولان: أحدهما: أنه لما كان الغرض المبالغة في إثبات المدح للممدوح جُعل المدح للجنس الذي هو منهم، إذ الأبلغ في إثبات الشيء جعله للجنس؛ حتى لا يتوهم كونه طارئا على المخصوص.
والثاني: أنه لما قصدت المبالغة, عدوا المدح إلى جنس المقصود بسببه.
فكأنه قيل: ممدوح جنسه لأجله، وقيل: مجاز.
فإذا قلت: "نعم الرجل زيد" جعلت زيدا جميع الجنس مبالغة، ولم تقصد غير مدح زيد.
وذهب قوم إلى أنها عهدية، ثم اختلفوا فقيل: المعهود ذهني كما تقول: "اشتر اللحم" ولا تريد الجنس ولا معهودا تقدم، وأراد بذلك أن يقع إبهام يأتي التفسير بعده تفخيما للأمر، وقيل: المعهود هو الشخص الممدوح.
فإذا قلت: "زيد نعم الرجل", فكأنك قلت: زيد نعم هو.
واستدل هؤلاء بتثنيته وجمعه.
وعلى القول بأنها للاستغراق بأن المعنى أن هذا المخصوص يَفْضُل أفراد هذا الجنس, إذا ميزوا رجلين رجلين, أو رجالا رجالا.
وعلى القول بأنها للجنس مجازا, بأن كل واحد من الشخصين على حِدَته جنس، فاجتمع جنسان فثُنِّيا.

وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع. الرابع: لا يجوز إتباع فاعل نعم وبئس بتوكيد "معنوي"1.
قال في شرح التسهيل: باتفاق.
قال: وأما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وأما النعت فمنعه الجمهور، وأجاز أبو الفتح في قوله2: لبئس الفتى المدعوّ بالليل حاتمُ قال في شرح التسهيل: وأما النعت فلا ينبغي أن يُمنع على الإطلاق, بل يمنع إذا قُصد به التخصيص مع إقامة الفاعل مُقَام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ منافٍ لذلك المقصد.

وأما إذا تؤول بالجامع لأكمل الخصال, فلا مانع من نعته حينئذ؛ لإمكان أن ينوى في النعت ما نوي في المنعوت، وعلى هذا يُحمل قول الشاعر1: نعم الفتى المُرِّي أنت إذا هُمُ... حضروا لدى الحُجرات نار الموقد وحمل ابن السراج وأبو علي مثل هذا على البدل، وأَبَيَا النعت، ولا حجة لهما.
انتهى.
وأما البدل والعطف, فظاهر سكوته في شرح التسهيل جوازهما.
وينبغي ألا يجوز فيهما إلا ما تباشره نعم.
ولما بين الظاهر, شرع في "بيان"2 المضمر فقال: ويرفعان مضمرا يفسره... مميز كنعم قومًا معشره

فاعل "نعم" في المثال ضمير مبهم مفسر بالتمييز بعده, و"معشره" هو المخصوص بالمدح، وسيأتي إعرابه.
ولهذا الضمير أحكام: أحدها: أنه لا يبرز في تثنية ولا جمع؛ استغناء بتثنية تمييزه وجمعه.
وأجاز قوم من الكوفيين تثنيته وجمعه، وحكاه الكسائي عن العرب.
ومنه قول بعضهم: "مررت بقوم نعمُوا قوما" وهو نادر.
الثاني: أنه لا يُتبع لشبهه بضمير الشأن، وأما نحو: "نعم هم قوما أنتم" فهم تأكيد للضمير المستكن، وذلك شاذ لا يعرج عليه.
الثالث: أنه إذا فُسِّر بمؤنث لحقته تاء التأنيث فتقول: "نعمت امرأة هند" كذا مثله في شرح التسهيل.
وقال ابن أبي الربيع: لا تلحق، وإنما يقال: "نعم امرأة هند" استغناء بتأنيث المفسِّر، ونص خطاب على جواز الأمرين.
الرابع: ذهب القائلون بأن فاعل "نعم" الظاهر يراد به الشخص، إلى أن المضمر كذلك، وأما القائلون بأن الظاهر يراد به الجنس، فذهب أكثرهم إلى أن المضمر كذلك، وذهب بعضهم إلى أن المضمر لشخص، قال: لأن المضمر على التفسير, لا يكون في كلام العرب إلا شخصا.
ولمفسر هذا المضمر شروط: الأول: أن يكون مؤخرا عنه، فلا يجوز تقديمه على نعم وبئس.
الثاني: أن يتقدم على المخصوص, فلا يجوز تأخيره عنه عند البصريين.
وأما قولهم: "نعم زيد رجلا" فنادر.
الثالث: أن يكون مطابقا للمخصوص في الإفراد وضدَّيه، وفي التذكير وضده.

الرابع: أن يكون قابلا لأل، فلا يفسر بمثل وغير وأيّ وأفعل التفضيل؛ لأنه خلف عن فاعل مقرون بأل, فاشتُرط صلاحيته لهما، وسيأتي الكلام على التمييز بما.
الخامس: أن يكون نكرة عامة، فلو قلت: "نعم شمسا هذه "الشمس""1 لم يجز؛ لأن الشمس مفرد في الوجود، ولو قلت: "نعم شمسا شمس هذا اليوم" لجاز.
ذكره ابن عصفور.
تنبيهان: الأول: نص سيبويه على لزوم ذكر هذا التمييز، وصحح بعضهم أنه لا يجوز حذفه، وإن فهم المعنى، ونص بعض المغاربة على شذوذ "فبها ونعمت".
وقال في التسهيل: لازم غالبا2؛ استظهارا على نحو: "فبها ونعمت"3.
وممن أجاز حذفه لفهم المعنى ابن عصفور.
الثاني: ما ذكر من أن فاعل "نعم" قد "يضمر"4 فيها هو مذهب الجمهور، وذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع بعد النكرة المنصوبة فاعل نعم, والنكرة عنده منصوبة على الحال, ويجوز عنده أن تتأخر فيقال: "نعم زيدٌ رجلًا", وذهب الفراء إلى أن الاسم المرفوع فاعل كقول الكسائي، إلا أنه جعل النكرة المنصوبة تمييزا منقولا.
والأصل في قولك: "نعم رجلا زيد": "نعم الرجلُ زيدٌ" ثم نقل الفعل إلى اسم الممدوح فقيل: "نعم رجلًا زيدٌ" ويقبح عنده تأخيره؛ لأنه وقع موقع الرجل المرفوع وأفاد إفادته.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لوجهين: أحدهما: قولهم: "نعم رجلا أنت" و"بئس رجلا هو", فلو كان فاعلا لاتصل بالفعل.
والثاني: قولهم: "نعم رجلا كان زيد", فأعملوا فيه الناسخ.
قوله: وجمع تمييز وفاعل ظهر... فيه خلاف عنهُمُ قد اشتهر في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر ثلاثة مذاهب: المنع وهو مذهب سيبويه، إذ لا إبهام يرفعه التمييز.
والجواز وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي.
قال المصنف: وهو الصحيح، واستدل بالقياس والسماع.
فالقياس أن التمييز قد ورد مؤكدا, لا لرفع الإبهام في نحو قوله1: ولقد علمتُ بأن دين محمد... من خير أديان البريّة دينا فلا يمتنع مع الفاعل الظاهر للتوكيد "لا لرفع الإبهام"2.

والسماع قوله1: تزود مثل زاد أبيك فينا... فنعم الزاد زاد أبيك زادا وقول الآخر2: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم... فحلا............

وقول الآخر1: نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت... رد التحية نطقا أو بإيماء وحكي من كلام العرب: "نعم القتيلُ قتيلًا أصلح بين بكر وتغلب"2.
وهذا وارد في الاختيار.
وتأول المانع السماع.
أما فحلا وفتاة وقتيلا فحال مؤكدة، وأما زادا فمصدر محذوف الزوائد، أو مفعول به "وقيل"3: حال.

قال الشيخ أبو حيان: وعندي تأويل أقرب من هذا، وذلك أن يدعى أن في نعم وبئس ضميرا، وفحلا وفتاة وزادا تمييز تأخر عن المخصوص، وفحلهم وهند وزاد أبيك إبدال. والمذهب الثالث التفصيل، فإن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز نحو: "نعم الرجل رجلًا عالمًا" ومنه في الأثر: "نعم المرءُ من رجل لم يطأ لنا فراشا, ولم يفتش لنا كنفا منذ أتانا"1.
ومنه قوله2: .................... فنعم المرء من رجل تهامي

وقوله1: وقائلة نعم الفتَى أنت من فتًى................ لأن المعنى: من مُتَفَتٍّ أي: كريم.
فأفاد ما لا يفيده الفاعل، وإلا لم تجز، وصححه ابن عصفور.
تنبيه: ما نقل عن سيبويه من المنع هو المعروف من مذهبه، وتأول الفارسي كلامه على أنه إنما عنى أنه لا يكون الفاعل ظاهرا حيث يلزم التمييز, بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير، وفيه بعد.
وقوله: ومما مُمَيِّز وقيل فاعل... في نحو نعم ما يقول الفاضل إذا وقعت ما بعد نعم وبئس, فتارة يليها فعل نحو: "نعم ما صنعت", وتارة يليها اسم نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ 2.

فإن وليها فعل ففيها عشرة أقوال, ومرجعها إلى أربعة: أحدها: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز. والثاني: أنها في موضع رفع على الفاعلية. والثالث: أنها المخصوص. والرابع: أنها كافة. فأما القائلون بأنها في موضع نصب على التمييز, فاختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها والمخصوص محذوف، وهو مذهب الأخفش والزجاج والفارسي في أحد قوليه والزمخشري وكثير من المتأخرين. والثاني: أنها نكرة غير موصوفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف1.
والثالث: أنها تمييز والمخصوص "ما" أخرى موصولة "محذوفة"2, والفعل صلة لما الموصولة المحذوفة, ونُقل عن الكسائي.
وأما القائلون بأنها الفاعل, فاختلفوا على خمسة أقوال: الأول: أنها اسم معرفة تام أي: غير مفتقر إلى "صلة"3، والفعل بعدها صفة لمخصوص, والتقدير: نعم الشيء شيء صنعت، وقال به قوم منهم ابن خروف, ونقله في التسهيل عن سيبويه والكسائي4.
والثاني: أنها موصولة، والفعل صلتها, والمخصوص محذوف، ونُقل عن الفارسي.

والثالث: أنها موصولة، والفعل صلتها، وهي فاعل يكتفى بها وبصلتها عن المخصوص. ونقله في شرح التسهيل عن الفراء والفارسي. والرابع: أنها مصدرية ولا حذف هنا، وتأويله: بئس صنعك، وإن كان لا يحسن في الكلام: بئس صنعك حتى تقول: بئس الصنع صنعك، كما تقول: أظن أن تقوم، ولا تقول: أظن قيامك. والخامس: أنها نكرة موصوفة في موضع رفع1.
"وأما القائل بأنها المخصوص, فقال: إنها موصولة وهي المخصوص وما أخرى محذوفة، والأصل: نعم ما ما صنعتَ، والتقدير: نعم شيئا الذي صنعته, وهذا قول الفراء"2.
وأما القائل بأنها كافة, فقال: إنما كفت نعم كما كفت قلّ, فصارت تدخل على الجملة الفعلية.
وإن وليها اسم, ففيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز, والفاعل مضمر والمرفوع "بعد "ما""3 هو المخصوص.
قيل: وهو مذهب البصريين.
قلت: ليس هذا النقل على إطلاقه؛ لما سيذكر.
والثاني: أنها معرفة تامة، وهي الفاعل، وهو ظاهر مذهب سيبويه، ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي، وهو قول الفراء.
والثالث: أن "ما" ركبت مع الفعل، فلا موضع لها من الإعراب والمرفوع بعدها هو الفاعل، وقال به قوم وأجازه الفراء.

تنبيهات: الأول: قد ظهر مما ذكرته أن قوله: "وما مميز" صادق على ثلاثة أقوال, وأن قوله: "وقيل: فاعل" صادق على خمسة "أقوال"1 إلا أن الظاهر أنه "إنما"2 أراد الأول من الثلاثة والأول من الخمسة؛ لاقتصاره عليهما في شرح الكافية.
الثاني: يندرج في كلامه صورتان -أعني: ما وليه الفعل وما وليه الاسم- فإن القول بأن "ما" تمييز أو فاعل جاز فيهما.
الثالث: ظاهر عبارته هنا يشير إلى ترجيح القول الذي بدأ "به"3 وهو أن "ما" تمييز, وكذا عبارة الكافية، وذهب في التسهيل4 إلى أنها معرفة تامة وأنها فاعل، ونقله عن سيبويه والكسائي, واستدل بأوجه: أحدها: أن "ما" مساوية للضمير في الإبهام، فلا تكون تمييزا.
والثاني: أنه كثر الاقتصار عليها في نحو: "غسلته غسلا نعما", والنكرة التالية نعم لا يقتصر عليها إلا نادرا.
والثالث: أن التمييز في هذا الباب, وفي غيره أيضا لا بد أن يكون قابلا لأل, ونص ابن عصفور وغيره على أن التمييز لا يكون إلا بالأسماء المتوغلة في البناء, لا بالمتوغلة في الإبهام "كَسِيّ"5 ولا أدخل في الإبهام، والبناء من ما.
الرابع: جزم المصنف بنقل هذا المذهب عن سيبويه نظرا, فإن مستنده قول سيبويه "في"6: دققته دقا نعما، أي: نعم الدق.
وفي فنعما هي: نعم الشيء إبداؤها, وهو محتمل لأن يكون تفسير معنى، لا تفسير إعراب.

وقوله في الكافية: والرفع بعضهم نمى، لسيبويه, وادعى التعريف مع تمام ما وظاهر قد اتبع، ظاهر في عدم الجزم.
وقوله: ويُذكر المخصوص بعد مبتدا... أو خبر اسم ليس يبدو أبدا المخصوص هو المقصود بالمدح بعد "نعم", وبالذم بعد "بئس".
وله ثلاث أحوال: الأولى: أن يذكر بعد فاعلها نحو: "نعم الرجلُ زيدٌ" وفي إعرابه حينئذ ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره.
والثاني: أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار.
وهذا معنى قوله: "ليس يبدو أبدا".
والثالث: أن يكون مبتدأ حُذف خبره.
"والأول هو الصحيح"1 وبه جزم سيبويه.
قال ابن الباذش2: لا يجيز سيبويه أن يكون المخصوص بالمدح أو الذم إلا مبتدأ.
وأجاز الثاني جماعة, منهم السيرافي وأبو علي والصيمري.
وذكر في شرح التسهيل أن سيبويه أجازه، وعبارة سيبويه فيها احتمال، ومن تأمّل كلامه لم يجد فيه ذكرا له.

قال في شرح التسهيل: والأول أولى، بل هو عندي متعين؛ لصحته في المعنى وسلامته من مخالفة أصل بخلاف الثاني، فإنه يلزم منه أن ينصب لدخول كان عليه، وأما الثالث فأجازه قوم منهم ابن عصفور، وقال في شرح التسهيل: هو غير صحيح؛ لأن هذا الحذف ملتزم ولم نجد خبرا يلتزم حذفه إلا ومحله مشغول بشيء يسد مسده.
وذهب ابن كيسان إلى أن المخصوص بدل من الفاعل، وردّ بأنه لازم وليس البدل بلازم، وبأنه لا يصلح لمباشرة نعم.
والثانية: أن يذكر قبل نعم وبئس، وهو حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر, سواء أقيل بفعلية نعم وبئس أم باسميتهما، وجوّزوا على القول بالاسمية أن يكونا مبتدأين والمخصوص الخبر والعكس.
فإن قلت: إذا جعل المخصوص مبتدأ والجملة خبره, فما هو الرابط؟ قلت: الرابط عند الجمهور هو العموم الذي في الفاعل, ويجوز دخول نواسخ الابتداء عليه كقول الشاعر1:

إذا أرسلوني عند تعذير حاجة... أمارس فيها كنتُ نِعْمَ الممارسُ وكقول الآخر1: إن ابن عبد الله نِعْمَ... أخو الندى وابن العشيرهْ والثالثة: أن يحذف للدلالة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ 2. وإلى هذا أشار بقوله: وإن يُقَدَّم مشعر به كفى فإن قلت: قد ظهر بما قدمته أن المخصوص لا يجب تأخيره.
وقوله: ويذكر المخصوص بعد، يقتضي أن يكون متأخرا.
قلت: ما ذكرته من جواز تقديمه, صرح به ابن عصفور والمصنف في التسهيل, وعبارته هنا وفي الكافية وشرحها تُوهِم منع تقديمه, بل قوله: وإن يقدم مشعر به كفى... كالعلم نعم المقتنَى والمقتفَى

تصريح بأن المتقدم ليس هو المخصوص, بل مشعر به.
والظاهر أن هذا المثال مما تقدم فيه المخصوص، لا مما حذف فيه لدلالة ما قبله.
فإن قلت: كيف خير المصنف بين جعله مبتدأ وجعله خبرا وليسا سواء؛ لأن الأول متفق عليه والثاني قد منعه بعضهم, ومن أجازه فهو أضعف عنده من الأول.
قلت: التخيير بينهما يقتضي جوازهما لا استواءهما في القوة، مع أنه يحتمل ألا يكون تخييرا, بل حكاية خلاف، وقد جرت عادة كثير بعطف الأقوال بأو.
فإن قلت: يحتمل قوله: "مبتدأ" القولين السابقين, "فإنما"1 يحمل كلامه عليه.
قلت: على أن خبره ما قبله؛ إذ لو أراد الآخر لبين أن الخبر محذوف.
تنبيه: للمخصوص شرطان: أحدهما: أن يختص وهو شرط غالب كقولهم: "نِعْمَ البعير جمل".
الثاني: أن يكون أخص من الفاعل.
وقوله: واجعل كبئس ساء...... يعني: معنًى وحكمًا, فتقول: "ساء الرجل أبو جهل", و"ساء رجلًا هو".
فإن قلت: ما وزن ساء؟ قلت: فَعُل -بضم العين- بدليل أنها للمبالغة في الذم؛ ولذلك قيل: لا حاجة لإفراد ساء بالذكر؛ لأنها من أفراد النوع الآتي، وألفها عن واو.
وهي فعل لا يتصرف.

وقوله: ...... واجعل فَعُلا... من ذي ثلاثة كنعم يجوز بناء فعل -بضم العين- من كل فعل ثلاثي، ويجعل مثل نعم وبئس في عدم التصرف، وإفادة المدح والذم, واقتضاء فاعل كفاعل نعم وبئس، فيكون ظاهرا مصاحبا لأل أو مضافا إلى صاحبها أو ضميرا مفسَّرا بتمييز على ما تقدم من التفصيل.
وسواء في ذلك ما وضع على فَعُل كقوله تعالى: ﴿... كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ 1, أو وضع على فعَل أو فعِل ثم حُول نحو: "قَضُوَ الرجل فلان" و"علُم الرجل زيد".
وقوله: "مسجلا" قال الشارح: أي: بلا قيد، يقال: أسجلت الشيء, إذا أمكنت من الانتفاع مطلقا.
فإن قلت: كيف قال: "مسجلا" وبناء فَعْل من الثلاثي؛ لقصد المدح والذم, مشروط بأن يكون مما يتعجب منه بقياس؟ نص على ذلك ابن عصفور, وحكاه عن الأخفش.
قلت: لعل قوله: "مسجلا" يعني به أن فعل المذكور يجعل مثل نعم مطلقا, أي: في جميع أحكامها.
ويحتمل أن يكون قال: "مسجلا" ليشمل "المصوغ"2 على فعُل, والمصوغ على فعَل أو فعِل.
فإن قلت: مقتضى كلامه أن معنى فعل المذكور إذا قصد به المدح كمعنى نعم, وإذا قصد به الذم كمعنى بئس، وليسا بسواء لأن العرب لا تبني فعُل المذكور وتُضَمِّنه معنى المدح أو الذم, إلا إذا أرادوا معنى التعجب، نص على ذلك ابن عصفور.
فهو إذن يدل على المدح والذم, وزيادة معنى التعجب.

قلت: لا نسلم أن مقتضى كلامه أن فعل المذكور بمعنى نعم وبئس, بل يكون قوله: واجعل فعلا كنعم, يعني: في الحكم لا في المعنى، ويؤيده أنه لم يذكر في النظم بئس. وليس كل فعل للمدح, فكيف يجعل مثل نعم في المعنى؟ وقد ذكر في التسهيل أن فعل المذكور مضمن معنى التعجب1.
فإن قلت: وفي جعل فعُل المذكور مثل نعم في جميع أحكامها نظر؛ لأن من أحكامها أن فاعلها لا يكون إلا مقرونا بأل أو مضافا إلى المقرون بها أو مضمرا يفسره تمييز إلا ما ندر.
وفَعُل المشار إليه يكثر انجرار فاعله بالباء واستغناؤه عن أل وإضماره على وفق ما قبله, كما ذكر في التسهيل2 خلاف نعم3.
قلت: ذكر أبو الحسن الأخفش أن من العرب من يجري فعل المذكور مجرى نعم وبئس, فيجعل فاعله كفاعلهما؛ رعيًا لما تضمنه من معنى المدح والذم.
ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعله كفاعل نعم وبئس؛ رعيا "لما فيه"4 من معنى التعجب.
وظاهر هذا أنهما لغتان.
تنبيه: مثل في شرح الكافية وشرح التسهيل بعلُم الرجل، وذكر ابن عصفور أن العرب شذت في ثلاثة ألفاظ فلم تحوِّلها إلى فَعُل، بل استعملتها استعمال نعم من غير تحويل، وهي: عَلِم وجَهِل وسَمِع.

وقوله: ومثل نعم حَبَّذا.
يعني: أن حبذا بمنزلة نعم وفاعلها في إفادة المدح.
فإن قلت: مقتضى عبارته أن "حبذا" بمجموعه مثل "نعم" وليس كذلك، بل حب بمنزلة نعم، وإذا بمنزلة فاعل نعم.
قلت: كأنه قصد التنبيه على أن حب الذي هو بمنزلة نعم "هو"1 المقرون بذا.
فلذلك لم يقل: "ومثل نعم حب".
فإن قلت: ليس حبذا مثل نعم كما ذكر؛ لأن حبذا يشعر مع دلالتها على المدح العام، بأن الممدوح محبوب وقريب من النفس بخلاف نعم.
قال في شرح التسهيل: والصحيح أن "حب" فعل يقصد به المحبة والمدح.
وجعله فاعله "ذا"؛ ليدل بذلك على الحضور في القلب.
قلت: إنما جعلها مثلها في إفادة المدح العام، فلا ينافي ذلك إشعارها بما ذكر.
وقوله: "الفاعل ذا" هو "ظاهر"2 مذهب سيبويه، وهو المختار.
قال ابن خروف بعد أن مثّل بحبذا زيد: حب فعل وذا فاعلها، وزيد مبتدأ وخبره حبذا, هذا قول سيبويه.
وأخطأ عليه من زعم غير ذلك.
وفي قوله: "الفاعل ذا" تعريض بالرد على القائلين بتركيب حب مع ذا, ولهم مذهبان: أحدهما: أن التركيب أزال فاعلية "ذا", فصار "ذا"3 مع حب اسما واحدا مرفوعا بالابتداء وخبره ما بعده.
وهو مذهب المبرد وابن السراج ووافقهما ابن عصفور، ونسبه إلى سيبويه.
وأجاز بعضهم كون "حبذا"4 خبرا مقدما.

والآخر: أن التركيب أزال اسمية "ذا", فصار مع حب فعلا فاعله المخصوص, وإليه ذهب قوم منهم الأخفش.
والصحيح: القول بعدم التركيب؛ لأن فيه إقرار كل من اللفظين على ما كان عليه.
وقوله: وإن تُرِدْ ذما فقل لا حبذا يعني: أنه إذا أُريد الذم أدخلت "لا" النافية؛ لأن نفي المدح ذم.
قال في شرح التسهيل: وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى, وقد تقدم بيان ما يشعر به حبذا مما لا يدل عليه نعم, ولا بئس.
وقوله: وأول ذا المخصوص...... يعني: اجعل المخصوص بالمدح أو الذم تابعا لذا.
ففُهم من ذلك أنه لا يتقدم، وهذا فرق بينه وبين نعم وبئس، فإن "مخصوصهما"1 لا يمتنع تقديمه.
قال في شرح التسهيل: أغفل أكثر النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب.
فإن قلت: ما سبب امتناعه؟ قلت: ذكر ابن بابشاذ أن سبب ذلك خوف توهم كون المراد من "زيد حبذا": "زيد حب هذا".
قال في شرح التسهيل: وتوهم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله، بل المنع من أجل إجراء "حبذا" مجرى المثل.
وقوله: "أيا كان" يعني: أي شيء كان المخصوص, مذكرا كان أو مؤنثا،

مفردا كان أو مثنى أو مجموعا، فنقول: "حبذا زيد" و"حبذا الزيدان" و"حبذا الزيدون" و"حبذا هند" و"حبذا الهندان" و"حبذا الهندات".
وقوله: "لا تعدل بذا" يعني: أن لفظ "ذا" لا يغير في تأنيث ولا تثنية ولا جمع.
فلا يقال: "حبذي هند" ولا "حبذان الزيدان" ولا "حبَّ أولاء الزيدون", واختلف في علة ذلك فقيل: لأنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا تُغير.
وإليه أشار بقوله: فهو يضاهي المَثَلا.
وقال الفارسي: "ذا" جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نعم.
يعني: إذا كان ضميرا.
وقال ابن كيسان: إنما لم يختلف؛ لأن الإشارة فيه أبدا إلى مذكر محذوف، والتقدير في حبذا هند: حبذا حُسنُ هند، وكذا باقي الأمثلة.
ورُدّ بأنه دعوى لا دليل عليها.
تنبيهان: الأول: إنما يُحتاج إلى الاعتذار عن عدم مطابقته1 على قول من جعل "ذا" فاعلا، وأما على التركيب فلا يحتاج إلى اعتذار.
الثاني: لم يذكر هنا إعراب المخصوص بعد "حبذا"، وأجاز في التسهيل2 أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وأن يكون خبر مبتدأ واجب الحذف.
وإنما لم يذكر ذلك هنا؛ استغناء بتقديم الوجهين في مخصوص نعم.
وقال ابن كيسان: هو بدل من "ذا".

ورُدّ بلزومه على القول بأن "ذا" فاعل، وأما على القول بالتركيب فتقدم إعرابه.
فإن قلت: إذا أعرب المخصوص مبتدأ والجملة قبله خبره، فما الرابط؟ قلت: الرابط الإشارة أو العموم إذا قلنا: إن "ذا" أريد به الجنس.
الثالث: بين مخصوص حبذا, ومخصوص نعم فروق: أولها: أن مخصوص حبذا لا يتقدم، بخلاف مخصوص نعم، وقد سبق بيانه.
وثانيها: أنه لا تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص نعم.
وثالثها: أن إعرابه خبر مبتدأ محذوف أسهل منه في باب "نعم"؛ لأن ضعفه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء عليه، وهي هنا لا تدخل.
قاله في شرح التسهيل.
ورابعها: أنه يجوز لك التمييز قبله وبعده نحو: "حبذا رجلًا زيدٌ" و"حبذا زيدٌ رجلًا".
قال في شرح التسهيل: وكلاهما سهل يسير، واستعماله كثير، إلا أن تقديم التمييز أولى وأكثر.
انتهى.
وذلك بخلاف مخصوص "نعم"، فإن تأخير التمييز عنه نادر كما سبق.
وقوله: وما سوى ذا ارفع بحُبَّ أو فَجُر يعني: أن "حب" قد تفرد عن "ذا" مع إرادة المدح, فيجيء فاعلها مرفوعا نحو: "حب زيد", ومجرورا بباء زائدة نحو: "حب بزيد".
قال في شرح التسهيل: وهذا الاستعمال جائز في كلام ثلاثي, مضمن معنى التعجب.
وقوله: ودون ذا انضمام الحا كثُر

يعني: كثر ضم الحاء إذا أفردت من "ذا", فيقال: "حب زيد" بنقل حركة العين إلى الفاء، والفتح جائز، وبالوجهين ينشد قوله1: ...................... وحُبّ بها مقتولة حين تُقتَل وأما مع "ذا", فلا يجوز إلا الفتح.
فإن قلت: قوله2 لا يدل على أنه أكثر من الفتح.
وقال الشارح: وأكثر ما يجيء "حب"3 مع غير "ذا" مضمومة الحاء.
قلت: قال في شرح الكافية: وهذا التحويل مطرد في كل فعل مقصود به المدح.
وقال في التسهيل: وكذا كل فعل حَلْقي الفاء مراد به مدح أو تعجب4.

أفعل التفضيل

: صُغْ من مصوغ منه للتعجب... أفعل للتفضيل وَأْبَ اللذ أُبِي سوت العرب بين أفعل التفضيل وفعل التعجب فيما يصاغان منه؛ لما بينهما من التناسب، فما جاز صوغ التعجب منه جاز أفعل التفضيل منه، وما لا يجوز صوغ فعل التعجب منه لفقد بعض الشروط لا يجوز صوغ أفعل التفضيل منه.
ولهذا قال: وأب اللذ أبي.
واعلم أن ما شذ في التعجب؛ لكونه من غير فعل أو من فعل ولم يستوف "الشروط"1 جاز استعماله في التفضيل محكوما بشذوذه, "وكذلك ما شذ في التفضيل, جاز استعماله في التعجب محكوما بشذوذه"2 أيضا فتقول: "ما ألصه" و"ألصص به". وإن كان منه غير فعل كقولهم: "هو ألص من شِظاظ"3.
وقوله: وما به إلى تعجب وُصل... لمانع به إلى التفضيل صل يعني: أنه يتوصل إلى التفضيل فيما لا يجوز بناء أفعل من لفظه بمثل ما توصل به إلى التعجب من أشد, وما جرى مجراه.
ولكن أشد في التعجب فعل وهنا اسم، وينصب هنا مصدر الفعل المتوصَّل إليه تمييزا، فتقول: "زيد أشد استخراجًا من عمرو" ونحو ذلك.
وقوله: وأفعل التفضيل صله أبدا... تقديرا أو لفظا بمن إن جُرِّدا أفعل التفضيل: مجرد ومضاف ومعرف بأل.

فالمجرد يلزم اقترانه بمن جارة للمفضول لفظا نحو: "زيد أفضل من عمرو", أو تقديرا نحو: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ 1. "وأما"2 المضاف والمعرف بأل, "فيمتنع"3 اقتران "من" بهما.
تنبيهان: الأول: اختلف في معنى "من" المصاحبة لأفعل التفضيل.
فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها لابتداء الغاية، وذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية أيضا، وأشار إلى أنها مع ذلك تفيد معنى التبعيض.
فقال: "هو أفضل من زيد", فضله على بعض ولم يعم.
وذهب في شرح التسهيل إلى أنها لمعنى المجاوزة، فإن القائل: "زيد أفضل من عمرو" كأنه قال: جاوز زيدٌ عمرًا في الفضل.
قال: ولو كان الابتداء "مقصودا"4, لجاز أن يقع بعدها "إلى".
قال: ويُبطل كونها للتبعيض أمران: أحدهما: عدم صلاحية بعض موضعها.
والآخر: صلاحية كون المجرور بها عاما, نحو: "الله أعظم من كل عظيم".
وأقول: الظاهر كونها لابتداء الغاية، ولا تفيد معنى التبعيض، كقول المبرد.
وما رد به المصنف من أن الابتداء لو كان مقصودا لجاز أن يقع بعدها قد رد به ابن ولاد5 قبله، وليس بلازم؛ لأن الانتهاء قد يُترَك الإخبار به؛ لكونه لا يعلم، أو لكونه لا يُقصَد الإخبار به، ويكون ذلك أبلغ في التفضيل، إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء.

الثاني: إذا وقع أفعل التفضيل خبرا, كثر حذف "من" ومجرورها بعده نحو: ﴿.... ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ 1. وإن لم يكن خبرا, قل الحذف كالحال والصفة2.
الثالث: قوله: "صله" يقتضي أنه لا يُفصل بين أفعل وبين من، وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل.
وقد فُصل بينهما بلو, وما اتصل بها كقوله3: ولفوكِ أطيب لو بذلت لنا... من ماء موهبة على خمر

ولا يجوز بغير ذلك.
الرابع: إذا بُني أفعل التفضيل مما يتعدى بمن, جاز الجمع بينها وبين الداخلة1 على المفضول, مقدمة أو مؤخرة، نحو: "زيد أقربُ من عمرو من كل خير، وأقربُ من كل خير من عمرو".
الخامس: قد تقدم أن المضاف, والمعرف بأل يمتنع اقترانهما بمن المذكورة، فأما قوله2: نحن بغرس الوديّ أعلمُنا... منا بركض الجياد في السدف فإنه أراد أعلم, فأضاف ناويا "اطراح"3 المضاف إليه، كما تدخل الألف واللام في بعض الأمكنة، وينوى سقوطها، قاله في شرح التسهيل.
وأما قول الأعشى4:

ولستَ بالأكثر منهم حصى.......................... فأول على ثلاثة أوجه: أحدها: أن "أل" زائدة.
والثاني: أنها متعلقة بأكثر مقدرا, مدلولا عليه بالموجود.
الثالث: أنها للتبيين، لا لابتداء الغاية، كأنه قال: "ولست بالأكثر من بينهم".
وقوله: وإن لمنكور يضف.
قد تقدم أن أفعل التفضيل: مجرد ومعرف بأل ومضاف.
فأما المجرد فيلزم فيه الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل" و"الزيدان أفضل" و"الزيدون أفضل" وكذلك في المؤنث.
= وتمامه: وإنما العزة للكاثر اللغة: "حصى" عددا, "الكاثر" الكثير، والأكثر حصى كناية عن عدد الأعوان والأنصار، "العزة" القوة والغلبة.
المعنى: لست يا علقمة أكثر من عامر عددا وأعوانا وأنصارا، وإنما تكون الغلبة ويتم النصر لمن عنده جنود أكثر وأعوان ونصراء.
الإعراب: "لست" فعل ماض ناقص وتاء المخاطبة اسمه, "بالأكثر" خبر ليس, "منهم" متعلق بالأكثر, "حصى" تمييز, "وإنما" أداة حصر, "العزة" مبتدأ, "للكاثر" متعلق بمحذوف خبر.
الشاهد فيه: "بالأكثر منهم" فإن ظاهره أنه جمع بين "أل" الداخلة على أفعل التفضيل, و"من" الجارة للمفضول عليه.
وقد أجاز الجمع بينهما أبو عمرو الجرمي, مستدلا بهذا البيت.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 386/ 2, وابن هشام 196/ 3، وابن عقيل 135/ 2، والسيوطي ص90، وابن الناظم.
وذكره ابن يعيش 103/ 5, والشاهد رقم 607 في الخزانة, وفي المغني 140/ 2.

وأما المعرف بأل فيلزم فيه المطابقة، فتقول: "زيدٌ الأفضلُ" و"الزيدانِ الأفضلانِ" و"الزيدونَ الأفضلونَ أو الأفاضلُ" و"هند الفُضْلى" و"الهندان الفضليان" و"الهندات الفضليات أو الفُضَّل".
وأما المضاف فنوعان: مضاف إلى نكرة, ومضاف إلى معرفة.
"فالمضاف"1 إلى نكرة كالمجرد يلزم الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل رجل" و"الزيدان أفضل رجلين" و"الزيدون أفضل رجال" وكذلك في المؤنث.
والمضاف إلى معرفة ثلاثة أقسام: قسم يقصد به زيادته على ما أضيف إليه، وقسم يقصد به زيادة مطلقة، وقسم يؤول بما لا تفضيل فيه من اسم فاعل أو صفة.
فالأول: ينوى فيه معنى "من", وفيه قولان: أحدهما: أنه يلزم الإفراد والتذكير كالمجرد، وهو مذهب ابن السراج ومن وافقه.
والثاني: أنه يجوز فيه الأمران: المطابقة؛ لشبهه بالمعرف بأل، وعدم المطابقة لشبهه بالمجرد؛ لنية معنى "من"، وإليه ذهب المصنف، واستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: "ألا أخبرُكم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقا" فأفرد أحب وأقرب, وجمع أحسن.
قال المصنف: ومعنى "من" مراد في الثلاثة.
وجعل الزمخشري "أحاسنكم" من القسم الثاني الذي قصد به زيادة مطلقة؛ فلذلك جمع بخلاف أحب وأقرب، فإنهما مما نوى معنى "من"؛ فلذلك أفردهما.
والثاني والثالث لا ينوى فيهما معنى "من" وتلزمهما المطابقة؛ لشبههما بالمعرف بأل في الإخلاء عن لفظ "من" ومعناها.

ومما "يتحملها"1 قولهم: "الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان"2.
وإضافة هذين النوعين لمجرد التخصيص، كما يضاف "ما لا تفضيل"3 فيه؛ ولذلك جازت إضافة أفْعَلَ فيهما إلى ما ليس هو بعضه بخلاف المنوي فيه "معنى "من", فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه"4؛ فلذلك يجوز: "يوسف أحسن إخوته" إن قصد الأحسن من بينهم، أو قصد حسنهم، ويمتنع إن قصد: أحسن منهم.
تنبيه: قد يرد أفعل التفضيل مجردا عاريا عن معنى التفضيل، كقوله تعالى: ﴿.... هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ 5. وأجاز المبرد استعمال أفعل التفضيل, مؤولا بما لا تفضيل فيه قياسا. قال في التسهيل: والأصح قصره على السماع6.
وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد القول بورود أفعل7 مؤولا بما لا تفضيل فيه، ولم يسلم "له"8 النحويون هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل "التفضيل"9 من التفضيل، وتأولوا ما استدل به.

قال في شرح التسهيل: والذي سُمع منه، فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير, وقد يُجمع إذا كان ما هو له جمعا، كقوله1: إذا غاب عنكم أسود العين كنتم... كراما, وأنتم ما أقام ألائم قال: وإذا صح جمع "أفعل" العاري؛ لتجرده من معنى التفضيل، جاز أن يؤنث فيكون قول ابن هانئ2:

كأن صغرى وكبرى.................... إذا تقرر ما ذكره، فاعلم أن الناظم أشار إلى حكم المجرد والمضاف إلى النكرة بقوله: وإِنْ لمنكور يُضف أو جُرِّدا... أُلزِم تذكيرا وأن يُوَحَّدا وإلى المعرف بأل بقوله: "وتلو أل طبق".
وإلى المضاف لمعرفة بقوله: ............ وما لمعرفة... أضيف ذو وجهين ولما كان مراده "القسم"1 الذي ينوى فيه "من", قيده بقوله: هذا إذا نويتَ معنى من وقوله: "وإن لم تنو" يشمل القسمين الآخرين من أقسام المضاف إلى المعرفة؛ لأن حكمهما واحد وذلك واضح.
تنبيه: أفعل التفضيل بمعنى بعض إن أضيف إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيف إلى نكرة؛ ولهذا يقال: "أفضل الرجلين زيد" و"أفضل رجلين الزيدان".
= اسم كأن منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر, "وكبرى" عطف على صغرى منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر, "من" حرف جر, "فقاقعها" مجرور بمن صفة لصغرى وكبرى, وضمير الغائبة مضاف إليه, "حصباء" خبر كأن, "در" مضاف إليه, "على أرض" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لحصباء, "من الذهب" جار ومجرور صفة الأرض.
الشاهد: "صغرى وكبرى" حيث جاء اسم التفضيل مؤنثا وهو مجرد من أل والإضافة, وهذا ألحن.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 386/ 2، وابن عقيل، وابن هشام 100/ 3.

وقوله: وإن تكن بتِلْو مِنْ مستفهما... فلهما كن أبدا مُقدِّما لا يخلو المجرور بمن بعد أفعل "التفضيل من أن يكون"1 اسم استفهام أو مضافا إليه أو غيرهما.
فإن كان اسم استفهام أو مضافا إليه وجب تقديمه نحو: "من أي الناس أنت أكرم؟ " و"من غلام أيهم أنت أجمل؟ ". لأن الاستفهام له الصدر.
ذكر هذه المسألة الفارسي في التذكرة.
قال المصنف: وهي من المسائل المغفول عنها.
قال الشيخ أبو حيان: وينبغي أن ينبه على أنه يسبق أيضا ما أفعل خبر له كما مثل.
ولم يذكر هذا المضاف إلى اسم استفهام؛ لوضوحه، ومثل اسم الاستفهام بقوله: ممن أنت خير؟ وإن كان المجرور غيرهما "فالأصل"2 تأخيره، وقد نبه على أنه قد ندر التقديم بقوله: ...... ولدى... إخبار التقديم نزرا وَرَدَا وقد ورد ذلك في أبيات منها قوله3: ........................ بل ما زوَّدت منه أطيب

وقوله: .......... ورفعه الظاهر نزر اعلم أن أفعل التفضيل يرفع الضمير، وأما الظاهر ففي رفعه "به"1 لغتان: إحداهما: أنه يرفع الظاهر مطلقا، فتقول: "مررت برجل أكرمَ منه أبوه" حكاه سيبويه.
وأشار إليها بقوله: ....... ورفعه الظاهر نزر والأخرى, وهي لغة جمهور العرب: أنه لا يرفع الظاهر، إلا إذا ولي نفيا وكان مرفوعه مفضلا على نفسه باعتبارين نحو: "ما رأيت رجلا أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد" ففي هذه الصورة ونحوها يرفع الظاهر عند جميع العرب.
وعلة ذلك أن أفعل التفضيل إنما قصُر عن رفع الظاهر؛ لأنه ليس له فعل بمعناه, وفي هذا المثال ونحوه يصح أن يقع موقعه فعل بمعناه, فتقول: "ما رأيت رجلا يحسُنُ في عينه الكحلُ كحسنه في عين زيد".
= الإعراب: "فقالت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر, "لنا" متعلق به, "أهلا وسهلا" منصوبان بفعل محذوف، والأصل فيهما: أنهما وصفان لموصوف محذوف, أي: أتيتم قوما أهلا ونزلتم موضعا سهلا, "وزودت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه, "جنى" مفعول, "النحل" مضاف إليه, "بل" حرف إضراب إبطالي, "ما" اسم موصول مبتدأ، وجملة زودت وفاعله المستتر فيه لا محل له صلة الموصول والعائد محذوف، أي: زودته, "منه" جار ومجرور متعلق بأطيب, "أطيب" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد فيه: "منه أطيب" حيث قدم المجرور بمن على أفعل التفضيل, والحال أنه غير الاستفهام، والتقدير: أطيب منه, وهذا قليل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 389/ 2، وابن عقيل 139/ 2, والمكودي ص112, وابن الناظم.
وذكره السيوطي في الهمع 104/ 2.

وإلى ذلك أشار بقوله: ومتى عاقب فعلا فكثيرا ثَبَتَا وأيضا لو لم يجعل المرفوع فاعلا لوجب كونه مبتدأ، فيلزم الفصل بين أفعل ومن بأجنبي, ثم مثّل بقوله: كلن ترى في الناس من رفيق... أولى به الفضل من الصديق والأصل: أولى به الفضل منه بالصديق، فاختصر.
تنبيهان: الأول: قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي, ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي, كقوله: "لا يكن غيرك أحبَّ إليه الخيرُ منه إليك، وهل في الناس رجلٌ أحقُّ به الحمد منه بمحسن لا يَمُنّ؟ "1. الثاني: لا ينصب أفعل التفضيل مفعولا به، وما أوهم ذلك يؤول.
فإن أول أفعل "التفضيل"2 بما "لا تفضيل"3 فيه, جاز على رأي أنه ينصبه.
ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته"4.

النعت

: يَتْبَع في الإعراب الأسماء الأول... نعت وتوكيد وعطف وبدل التابع هو المشارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر.
فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، والحال المنصوب, ونحو ذلك.
ولكن يرد عليه "حامض" ونحوه من قولك: "هذا حلو وحامض", فخرج بزيادة غير خبر1.
والتابع جنس، يشمل خمسة أنواع، وهي: النعت، و

التوكيد

، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل, ودليل الحصر الاستقراء.
فإن قلت: كيف قال: "يتبع في الإعراب الأسماء" وبعض التوابع قد يتبع غير الاسم؟ قلت: لا دليل في كلامه على اختصاصها بالأسماء، وسنبين أن التوكيد اللفظي والبدل وعطف النسق يتبع غير الاسم.
فإن قلت: ما معنى قوله: "الأول"؟ قلت: فيه إشارة إلى وجوب تقديم المتبوع على التابع.
وأجاز صاحب البديع تقديم الصفة على الموصوف إذا كانت لاثنين أو جماعة وقد تقدم أحد الموصوفين، تقول: "قام زيدٌ العاقلانِ وعمرٌو".
ومنه قول الشاعر2: .................. أبى ذاك عَمِّي الأكرمانِ وخاليا1

جارٍ التحميل