توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 500-539

مقدمة الألفية

صفحات 500-539
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فأولَى كان "إياهم" وهو معمول الخبر.
وهذا ونحوه متأول عند البصريين، وقد أشار إلى تأويله بقوله: ومضمر الشان اسما انو إن وقع... موهم ما استبان أنه امتنع يعني: "إذا"1 وقع شيء موهم جواز ما منعناه كالبيت المتقدم، فانو في العامل ضمير شأن يحول بينه وبين المعمول، والجملة بعده خبر، فيكون اسم كان في البيت ضمير شأن منوي "وعطية" مبتدأ و"عود" خبره, "وإياهم" معمول عود والجملة خبر كان.
وقد قيل في البيت غير هذا.
ووافق بعض البصريين على جواز إيلاء المعمول هذه الأفعال إن تقدم الخبر على الاسم نحو: "كان طعامك آكلا زيد".
ثم قال: وقد تزاد كان في حشو كما... كان أصح علم من تقدما = المعنى: هؤلاء قوم شبيهون بالقنافذ يمشون ليلا وراء البيوت للخيانة والفجور مشية الشيخ الهرم لئلا يشعر بهم أحد، وقد اكتسبوا هذه الصفة الذميمة من عطية أبي جرير لأنه علمهم ذلك وعودهم إياه.
الإعراب: "قنافذ" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم, "هداجون" صفة له, "حول" ظرف متعلق بهداجون, "بيوتهم" مضاف إليه، والضمير مضاف إليه, "بما" الباء حرف جر وما يحتمل أن تكون موصولا اسميا، والأوضح أن تكون موصولا حرفيا, "كان" فعل ناقص, "إياهم" مفعول مقدم على عامله وهو عود, "عطية" اسم كان, "عودا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر فيه وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر "كان".
الشاهد: في "بما كان إياهم عطية عودا" حيث تقدم معمول خبر كان وهو "إياهم", وليس بظرف ولا جار ولا مجرور على رأي الكوفيين, وارتضيت رأي البصريين، وخرج البيت على ما يأتي "وخرج على زيادة "كان" أو إضمار الاسم مرادا به الشأن، أو راجعا -الضمير- إلى ما وعليه فعطية مبتدأ، وقيل ضرورة".
ا. هـ. أوضح المسالك 1/ 117، والأشموني 1/ 116. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص57، وابن هشام 1/ 175، وابن عقيل 1/ 160، والأشموني 1/ 17، والمكودي ص35، والسيوطي ص22، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 118، والشاهد 739 في خزانة الأدب.

"ما" مبتدأ "وأصح" خبره "كان" زائدة بين جزءي الجملة.
وفهم من قوله: "تزاد كان" أنها إنما تزاد بلفظ الماضي1 وقد "ندر"2 زيادتها بلفظ المضارع في قول أم عقيل: أنت تكون ماجد نبيل3............................... وفهم من قوله: "في حشو" أنها لا تزاد في غيره خلافا للفراء في إجازته زيادتها آخرا4.
وفهم من تخصيص الحكم بها أن غيرها لا يزاد، وقد شذ زيادة "أصبح، وأمسى"5.
وأجاز بعضهم زيادة "أضحى" وسائر أفعال الباب إذ لم ينقص المعنى.
ثم قال: ويحذفونها ويبقون الخبر... وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر

كثر في "كلامهم"1 حذف "كان" مع اسمها وإبقاء خبرها بعد "إن" الشرطية كقولهم "المرء مجزئ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر" أي: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير.
وفي هذا المثال ونحوه أربعة أوجه: الأول: نصب الأول ورفع الثاني، وهو أرجحها؛ لأن فيه إضمار "كان" واسمها بعد "إن" وإضمار مبتدأ بعد فاء الجزاء وكلاهما كثير مطرد.
والثاني:2 عكسه، وهو أضعفها؛ لأن فيه إضمار "كان" وخبرها بعد "إن" وإضمار ناصب مع المبتدأ بعد الفاء، وكلاهما قليل.
"ولذلك"3 لم يذكره سيبويه4.
والثالث: رفعهما.
والرابع: نصبهما وهما متوسطان.
ومذهب الشلوبين: أنهما متكافئان, وقال ابن عصفور: إن رفعهما أحسن من5 نصبهما، والمسألة مشهورة.
وبعد "لو" كقوله: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السهل والجبل6

أي: ولو كان الباغي ملكا.
وقل حذفها "مع"1 غير "إن" و"لو" ومنه قول الراجز: من لد شولا فإلى إتلائها2 أي: من لد أن كانت شولا3.
ثم قال: = "ولو" الواو عاطفة على محذوف لو حرف شرط غير جازم "ملكا" خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير: ولو كان الباغي ملكا وجملة كان واسمها وخبرها هي شرط لو والجواب محذوف والتقدير: لو كان الباغي ملكا فلا يأمن الدهر "جنوده" مبتدأ ومضاف إليه "ضاق" فعل ماض "عنها" متعلق بضاق "السهل" فاعل ضاق "والجبل" عطف عليه، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ.
الشاهد: في "ولو ملكا" حيث حذف "كان" مع اسمها وأبقى خبرها بعد لو الشرطية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص58، وابن هشام 1/ 185، والأشموني 1/ 119، والمكودي ص35، والسيوطي ص33.

وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب... كمثل أما أنت برا فاقترب يعني: أن "كان"1 حذفت أيضا بعد "أن" المصدرية، "وأبقى"2 اسمها وخبرها وعوض عنها "ما" فصار حذفها واجبا، إذ لا يجمع بين العوض والمعوض خلافا للمبرد في إجازته "أما أنت منطلقا انطلقت"3 ويجعل "ما" زائدة.
والأصل في قوله: أما أنت برا فاقترب، لأن كنت برا.
فحذف لام التعليل لأن حذفها مع "أن" مطرد، ثم حذف "كان" فانفصل الضمير المتصل بها لحذف عامله ثم عوض "عنها"4 "ما" فأنت اسمها وبرا خبرها.
ثم قال: ومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم مضارع "كان" يكون, فإذا دخل "عليه"5 الجازم سكنت نونه، ثم حذفت الواو، لالتقاء الساكنين نحو "لم يكن"6، ثم بعد ذلك يجوز حذف نونه تخفيفا لكثرة الاستعمال مطلقا عند يونس وبشرط أن يكون بعدها متحرك عند سيبويه7, ويشهد ليونس قول الشاعر: فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم8

قال المصنف: وبقوله أقول؛ إذ لا ضرورة في البيت لإمكان أن يقال: فإن لم تكن المرآة أخفت وسامة1، إلا أن الإثبات قبل الساكن أكثر وبه ورد القرآن2.
فإن قلت: هل حذف النون مخصوص بالناقصة؟ قلت: لا، بل هو كثير في الناقصة.
ومن وروده في التامة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ 3. = بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الغين وهو الأسد، وأصل اشتقاقه من الضغم، وهو العض والياء فيه زائدة للإلحاق بجعفر.
المعنى: كان هذا الشاعر قد نظر في المرآة فلم يرقه منظره ولا أعجبه شكله فأراد أن يسلي نفسه بأنه إن لم تكن صفاته الظاهرة على ما يروق ويعجب فإن صفاته الباطنة من الشجاعة والإقدام ونحوهما فوق الإعجاب.
الإعراب: "إن" شرطية, "لم" حرف نفي, "تك" فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف, "المرآة" اسم تكن, "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل نصب خبر تكن وجملة تكن واسمها وخبرها في محل جزم فعل الشرط, "فقد" الفاء داخلة على جواب الشرط قد حرف تحقيق, "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث, "المرآة" فاعل, "جبهة" مفعول به, "ضيغم" مضاف إليه والجملة في محل جزم جواب الشرط.
الشاهد: في "لم تك المرآة" حيث حذف النون من مضارع "كان" المجزوم بالسكون مع أنه قد وليها حرف ساكن وهو اللام من "المرآة" لأن الألف ألف الوصل فلا حركة لها حين الوصل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص59، وابن هشام 1/ 191، والأشموني 1/ 120، والسيوطي في همع الهوامع 1/ 122.

فصل في "ما ولا ولات وإن المشبهات بليس":

هذه الأحرف من باب "كان" وإن فصلت عنها؛ لأنها "حروف"1 وتلك أفعال.
قال: إعمال ليس أعملت ما دون إن... مع بقا النفي وترتيب زكن "ما" النافية حرف مهمل عند "بني"2 تميم، وهو القياس، لعدم اختصاصه3.
وألحقه أهل الحجاز بليس؛ لأنها لنفي الحال غالبا, فأعملوه عملها، وبه "ورد"4 القرآن، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ 5, ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 6. ومن أعملها شرط في إعمالها شروطا: الأول: فقد "إن" الزائدة، فلو وجدت بطل العمل نحو: "ما إن زيد قائم".
قال في شرح التسهيل: دون خلاف، وحكى غيره عن الكوفيين إجازة النصب.
والثاني: بقاء النفي، فلو انتقص "النفي"7 بإلا بطل العمل نحو: "ما زيد إلا قائم".
والثالث: الترتيب، وهو "تقديم"8 الاسم على الخبر، فلو تقدم الخبر "عليه"9 بطل العمل نحو "ما قائم زيد".

وفي هذين الشرطين خلاف. قال في شرح التسهيل: وقد تعمل متوسطا خبرها، وموجبا بإلا, وفاقا لسيبويه في الأول، وليونس في الثاني. والرابع: ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها ما لم يكن ظرفا أو مجرورا، فإن تقدم وليس بظرف ولا مجرور بطل العمل نحو: "ما طعامك زيد آكل"1.
وأجاز ابن كيسان نصب "آكل" ونحوه "مع"2 تقديم المعمول. فإن قيل: وينبغي لمن أجاز تقديم الخبر، أن يجيز تقديم "معموله"3.
"قلت: ليس بلازم"4؛ "لأنه"5 يلزم من تقديم المعمول إيلاء العامل معمول غيره، ولا يلزم ذلك "مع"6 تقديم الخبر.
فإن كان المعمول ظرفا أو مجرورا جاز تقديمه على الاسم مع بقاء العمل نحو: "ما عندك أحد قائما"، "وما بي أنت معنيا".
فإن قلت: من أين يؤخذ "هذا"7 الشرط الرابع من كلامه؟ قلت: من قوله: وسبق حرف جر.... البيت، فإن مفهومه أن معمول الخبر إن لم يكن ظرفا أو مجرورا، فإن لا يجوز تقديمه مع بقاء العمل، ثم قال: ورفع معطوف بلكن أو ببل... من بعد منصوب بما الزم حيث حل

إذا عطف على منصوب ما وهو خبرها "ببل أو لكن" وجب رفع المعطوف وجعل خبر مبتدأ محذوف، لأن المعطوف بهما موجب و"ما" لا تعمل في الموجب، فإن عطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء "نصب المعطوف"1.
واعلم أن الناظم تجوز في تسمية ما بعد "بل ولكن" معطوفا، وليس "هو"2 بمعطوف بل هو خبر مبتدأ "وبل ولكن" حرفا ابتداء.
ثم قال: وبعد ما وليس جر البا الخبر... وبعد لا ونفي كان قد يجر مثاله بعد "ما" ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ 3. "ولا خلاف في زيادة "الباء" بعد "ما" الحجازية، ومنع الفارسي والزمخشري زيادتها بعد "ما" التميمية، والصحيح الجواز لوجود ذلك في أشعار بني تميم"4.
وبعد "ليس" "نحو"5 ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ 6. وبعد "لا" قول سواد بن قارب: فكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب7

"واختلف في زيادتها بعد "لا" النافية للجنس، فأجازه بعضهم مستدلا بقول: "لا خير بخير بعده النار"1 ومنعه آخرون وجعلوا الباء ظرفية"2.
وبعد نفي "كان" كقوله: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل3 = عمل ليس "ذو" اسمها مرفوع بالواو, "شفاعة" مضاف إليه, "بمغن" الباء زائدة مغن خبر لا, وهو اسم فاعل يرفع فاعلا وينصب مفعولا وفاعله ضمير مستتر فيه, "فتيلا" مفعول "عن سواد" جار ومجرور متعلق بمغن, "من" صفة لسواد "قارب" مضاف إليه.
الشاهد: في "بمغن" حيث أدخل الباء الزائدة في خبر "لا" العاملة عمل "ليس" كما تدخل في خبر ليس.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص60, وابن عقيل 1/ 176, والأصطهناوي, والأشموني 1/ 123, والمكودي ص36, وابن هشام 1/ 209, وأيضا ذكره في المغني 2/ 67، 146، والسيوطي في همع الهوامع 1/ 127.

وهو كثير بعد "ليس" و "ما" "وقلَّ"1 بعد "لا" و"كان المنفية" ولذلك قلله بقد.
ثم قال: في النكرات أعملت كليس لا يعني: أن "لا" تعمل عمل "ليس" فترفع الاسم وتنصب الخبر، بشرط أن يكون "اسمها"2 نكرة كقوله: تعز فلا شيء على الأرض باقيا3........................................... خلافا للمبرد ومن وافقه في منعهم إعمالها "عمل"4 "ليس"5 وأما قول النابغة الجعدي:

وحلت سواد القلب لا أنا باغيا... سواها ولا في حبها متراخيا1 فظاهره أنه أعملها في المعرفة. وأجاز في شرح التسهيل القياس عليه، وأجازه ابن جني وتأوله المانعون2.
ثم قال: وقد تلي لات وإن ذا العملا يعني أن "لات" "وإن" "قد"3 يرفعان الاسم وينصبان الخبر.
أما "لات" فأثبت سيبويه4 والجمهور عملها، ونقل "منعه"5 عن الأخفش، وهي مركبة عند سيبويه من "لا" النافية "والتاء"6.

وأما "إن" فأجاز إعمالها إعمال "ليس" الكسائي وأكثر الكوفيين وطائفة من البصريين، ومنعه جمهور البصريين، واختلف عن سيبويه والمبرد، والصحيح الإعمال1, وقد سمع في النثر والنظم, فمن النثر، قولهم: ""إن"2 ذلك نافعك ولا ضارك، وإن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية"3.
وقال أعرابي: "إن قائما" يريد إن أنا قائما.
وجعل ابن جني من ذلك قراءة سعيد بن جبير4: "إنِ الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم"5، 6. والنظم قوله: إن هو مستوليا على أحد7.....................................

وقول الآخر: إن المرء ميتا بانقضاء حياته... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا1 وبهذا تبين بطلان قول من قال إنه لم يأت منه "إن هو مستوليا" وتخصيصه ذلك بالضرورة.
ونص المصنف على أن "عمل"2 "لا" أكثر من عمل "إن" والعكس أقرب إلى الصواب3.
= الإعراب: "إن" نافية تعمل عمل ليس "هو" اسمها "مستوليا" خبرها "على أحد" جار ومجرور متعلق بقوله مستوليا "إلا" أداة استثناء "على أضعف" جار ومجرور يقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق "المجانين" مضاف إليه.
الشاهد: في "إن هو مستوليا" حيث أعمل "إن" النافية عمل "ليس" فرفع بها الاسم الذي هو الضمير المنفصل، ونصب خبرها الذي هو "مستوليا".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص61، ابن عقيل 1/ 181، ابن هشام 1/ 208، الأشموني 1/ 126، المكودي ص37، السيوطي ص34، وأيضا في الهمع ج1 ص125, والشاهد رقم 297 في خزانة الأدب.

ثم قال: وما للات في سوى حين عمل يعني أن "لات" تختص بأسماء الأحيان فلا تعمل في غيرها.
ثم أشار إلى أن حذف اسمها وإبقاء خبرها كثير، وأن عكسه قليل بقوله: وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل فمن حذف مرفوعها قوله تعال: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ 1. ومن حذف منصوبها قراءة من قرأ: "ولا حين مناص" "بالرفع"2 ولم يثبتوا بعدها الاسم والخبر جميعا.

أفعال المقاربة

: سميت أفعال المقاربة، وإن كان منها ما ليس للمقاربة تغليبا.
وهي ثلاثة أقسام: قسم لرجاء الفعل وهي "عسى وحرى واخلولق" فهذه الثلاثة للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء.
وقسم لمقاربة الفعل وهو "كاد وكرب وأوشك".
وقسم للشروع فيه وهو "أنشأ وطفق وأخذ وجعل وعلق".
وهذه الأفعال من باب "كان" لأنها ترفع الاسم وتنصب الخبر، إلا أن خبرها لا يكون في الغالب إلا فعلا مضارعا.
وقد أشار إلى ذلك بقوله: ككان كاد وعسى.
يعني أنهما مثل "كان" في رفع الاسم ونصب الخبر.
ثم قال: ................. لكن ندر... غير مضارع لهذين خبر فأشار إلى الفرق بينهما وبين "كان".
ومن وروده غير مضارع قوله: ......................................... لا تكثرن إني عيسيت صائما1

وقول الآخر: فأبت إلى فهم وما كدت آئبا1...................................... وذلك منبهة على الأصل.
ثم قال: وكونه بدون أن بعد عسى... نزر............................ يعني أن الأكثر في المضارع الواقع خبر عسى اقترانه "بأن" وكونه بدون "أن" قليل، ومنه: عسى الكرب الذي أمسيت فيه... يكون وراءه فرج قريب2

وجمهور البصريين على "أن" حذف أن بعد "عسى" ضرورة، وظاهر كلام سيبويه1 "أنه"2 لا يختص بالشعر.
ثم قال: ... وكاد الأمر فيه عكسا يعني: أن اقتران المضارع بعدها بـ"أن" قليل.
ومنه: ............................................... قد كاد من طول البلى أن يمصحا3 = أمسى، والجملة من أمسى واسمه وخبره لا محل لها صلة الموصول, "يكون" فعل مضارع ناقص واسمه ضمير مستتر فيه, "وراءه" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم والهاء مضاف إليه, "فرج" مبتدأ مؤخر, "قريب" صفة والجملة في محل نصب خبر يكون، والجملة من يكون واسمها وخبرها في محل نصب خبر عسى.
الشاهد: في "يكون وراءه... " حيث وقع خبر "عسى" فعلا مضارعا مجردا من "أن" المصدرية وذلك قليل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص62، ابن عقيل 1/ 178، السندوبي، الأصطهناوي، والأشموني 1/ 129, المكودي ص38، وابن هشام 1/ 224, وأيضا ذكره في المغني 1/ 123، والسيوطي ص35, وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 130، والشاهد رقم 150 في خزانة الأدب، وابن يعيش في شرح المفصل 7/ 117، وسيبويه ج1 ص478, والمقتضب للمبرد 3/ 70.

وظاهر كلام المصنف جواز ذلك، وخصه المغاربة بالضرورة.
ثم قال: وكعسى حرى, أي: في المعنى؛ لأنها للرجاء كما سبق.
............... ولكن جعلا... خبرها حتما بأن متصلا فيقال "حري زيد أن يفعل"، ولا يجوز "حري زيد يفعل"، وقل من ذكر "حري".
ثم قال: وألزموا اخلولق أن مثل حري فيقال: "اخلولق زيد أن يفعل"، ولا يجوز "اخلولق زيد يفعل".
ثم قال: وبعد أوشك انتفا "أن" نزرا, فهي مثل "عسى" في ذلك ومن انتفاء "أن" بعدها قوله: يوشك من فر من منيته... في بعض غراته يوافقها1 ثم قال: ومثل كاد في الأصح كربا

يعني: أن إثبات "أن" بعدها قليل ومنه: ....................................... وقد كربت أعناقها أن تقطعا1 ولم يذكر سيبويه2 في خبر "كرب" إلا التجرد، وإليه أشار بقوله: "في الأصح" والمشهور "في "كرب" فتح الراء وقد حكي كسرها.
ثم قال: وترك أن مع ذي الشروع وجبا وذلك لأن الفعل معها حال "وأن" للاستقبال, ثم ذكر أفعال الشروع فقال: كأنشأ السائق يحدو وطفق... كذا جعلت وأخذت وعلق

أو يقال: "طفق" بكسر الفاء وفتحها, وطبق بالباء أيضا, فإن قلت: فقد ذكر في التسهيل من أفعال الشروع "هب وقام"1.
قلت: هما غريبان، وأيضا "فإنه"2 لم يدع الحصر.
قال: واستعملوا مضارعا لأوشكا... وكان لا غير وزادوا موشكا جميع أفعال المقاربة لا تتصرف "إلا‍"3 "كاد وأوشك" فإن لهما مضارعا وهو "يكاد ويوشك" واسم فاعل وهو "موشك وكائد"4.
ولم يذكر هنا اسم فاعل "كاد" وقال في "الكافية"5 الكبرى "واحفظ كائدا وموشكا".
ذكر الجوهري6 مضارع "طفق"7 قال المصنف: ولم أره لغيره، والظاهر أنه قال رأيا، وقد حكى مضارع "جعل"8.

ثم قال: بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد... غنى بأن يفعل عن ثان فقد يجوز إسناد هذه الثلاثة إلى "أن يفعل" فتستغنى به عن الخبر نحو "عسى أن يقوم" فأن وصلتها في موضع رفع "بعسى"1, وسدت مسد الجزأين.
فإن قلت: إذا أسندت هذه الثلاثة إلى "أن" والفعل, فهل هي تامة أو ناقصة؟.
قلت: فيها خلاف2، ذهب قوم إلى أنها تامة، والمرفوع فاعلها.
قال في شرح التسهيل: الوجه عندي أن تجعل "عسى" ناقصة أبدا، وإذا أسندت إلى "أن" والفعل وجه بما يوجه به وقوع حسب عليهما في نحو: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ 3. ثم قال: وجردن عسى أو ارفع مضمرا... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا إذا بنيت هذه الثلاثة على اسم قبلها جاز إسنادها إلى ضميره، وجعل أن يفعل خبرا وجاز إسنادها "إلى أن يفعل"4 مكتفى به، وتكون مجردة من الضمير5.

ويظهر أثر ذلك في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على الأول: "هند عست أن تفعل" "والزيدان عسيا أن يفعلا", "والزيدون "عسوا"1 أن يفعلوا".
وتقول على الثاني: "عسى" بالتجريد في الأحوال كلها.
ثم قال: والفتح والكسر أجز في السين من... نحو عسيت وانتقا الفتح زكن يجوز كسر سين "عسى" وفتحها، إذا اتصل بها ضمير مرفوع لمتكلم، أو مخاطب أو "غائبات"2 والفتح أكثر، ولذلك قال: "وانتقا الفتح زكن". أي: واختيار الفتح علم، وبالكسر قرأ نافع3.
ثم انتقل إلى القسم الثاني من نواسخ الابتداء فقال:

إن وأخواتها

: لإن أن ليت لكل لعل... كأن عكس ما لكان من عمل يعني: أن "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الأحرف تنصب الاسم وترفع الخبر خلافا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، وبعض العرب ينصب بهذه الأحرف الجزأين معا، وحكى ابن السيد1 أن ذلك لغة2.
وأما معاني هذه الأحرف "فإن وأن" للتوكيد, "ولكن" للاستدراك، وليست مركبة على الأصح, "وليت" للتمني, ويكون في الممكن والمستحيل ولا يكون في الواجب، "لعل" للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، ولا يكون إلا في الممكن, ولا تكون للتعليل3 ولا للاستفهام4، ولا للشك عند البصريين خلافا لمن قال بذلك5، وليست مركبة على الأصح6.
و"كأن" للتشبيه ولا تكون للتحقيق ولا للتقريب، ولا للظن7, خلافا لمن قال بذلك، وهي مركبة من "كاف" التشبيه، "وأن" قيل: بلا خلاف، وليس بصحيح8 بل "قيل"9 ببساطتها.

ثم مثل بقوله: كإن زيدا عالم بأني... كفء ولكن ابنه ذو ضغن وتمثيل البواقي سهل، قال: وراع ذا الترتيب إلا في الذي... كليت فيها أو هنا غير البذي الإشارة إلى تقديم الاسم وتأخير الخبر.
يعني: أنه لا يجوز تقديم خبرها على اسمها لضعفها إلا إذا كان ظرفا نحو "ليت هنا غير البذي" أو مجرورا نحو "ليت فيها غير البذي".
وإنما جاز تقديم الظرف والمجرور للتوسع فيهما، ولأنهما في الحقيقة ليسا بالخبر بل معمولاه.
قال في العمدة1: ويجب أن يقدر العامل في الظرف بعد الاسم كما يقدر الخبر وهو غير ظرف.
ثم قال: وهمز إن افتح لسد مصدر... مسدها وفي سوى ذاك اكسر "إن" المكسورة أصل، والمفتوحة فرعها على أصح الأقوال، فلذلك يستدام كسرها ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فتفتح وجوبا إن لزم التأويل نحو "بلغني أنك فاضل" أي: فضلك، وجوازا إن لم يلزم, وذلك في مواضع ستأتي.
وقد نبه "على مواضع"2 الكسر فقال: فاكسر في الابتدا...... يعني: في ابتداء الكلام حقيقة نحو: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 3 أو حكما نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ 4. ثم قال: ...... وفي بدء صله

يعني: أول صلة موصول كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ 1 واحترز بالبدء من نحو: "جاء الذي في ظني أنه فاضل".
ثم قال: وحيث إن ليمين مكمله يعني: إذا وقعت جواب قسم مطلقا مع "اللام" أو دونها نحو: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ 2 ونحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ 3. فإن قلت: فقد ذكر بعد هذا جواز الفتح والكسر "بعد"4 اليمين إذا لم توجد "اللام" فيكون إطلاقه هنا مقيدا بما بعد كما قال بعضهم. قلت: الصحيح وجوب كسرها إذا وقعت جواب القسم مطلقا، فإطلاقه صحيح ولا يعارضه إجازته للوجهين بعد؛ لأن من فتح لم يجعلها جوابا، وسيأتي بيانه5.
ثم قال: أو حكيت بالقول...... مثاله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ 6: فإن سيقت بعد القول للتعليل فتحت، لأنها غير محكية نحو: "أخصك بالقول أنك ذكي" أي لأنك "ذكي"7 وعنه احترز بقوله "حكيت".
واحترز أيضا من القول "المضمن"8 معنى الظن، فإنه يجوز بعد الفتح والكسر.
بقوله: أتقول إنك بالحياة ممتع9..................................

فمن فتح جعل القول عاملا و"إن" غير محكية، ومن كسر حكى به، لأن الحكاية بالقول مع استيفاء شروط إجرائه مجرى الظن جائزة.
ثم قال: أو حلت محل حال..... يعني: مع واو، ونحو قوله "كزرته وإني ذو أمل" أو دون "واو" كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ 1. وكسروا من بعد فعل علقا... باللام كاعلم إنه لذو تقى حق أن بعد أفعال القلوب أن تفتح ما لم يعلق الفعل باللام فيجب كسرها نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ 2، وكقوله "اعلم إنه لذو تقى" فلولا اللام لفتحت, فهذه ستة مواضع يجب "فيها"3 كسرها.
وزاد المصنف في غير هذا الكتاب سابعا، وهو أن تقع خبر اسم عين4 نحو: "زيد أنه فاضل".
= الشرح: "تقول" يحتمل أنه مضارع القول بمعنى الظن، أو مضارع القول بمعنى النطق والتكلم "ممتع": اسم مفعول من قولهم: متعه الله بكذا، ويقال متعه -بتضعيف العين- وأمتعه وتمتع به, قال تعالى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾, وأصل هذه المادة المتوع بضم الميم, وهو الامتداد والارتفاع.
يقال: متع النهار، ومتع النبات، إذا ارتفع.
"مستسلم" منقاد خاضع.
الإعراب: "أتقول" الهمزة للاستفهام تقول فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه, "إنك" حرف توكيد والكاف اسمه, "بالحياة" جار ومجرور متعلق بممتع, "ممتع" خبر إن.
وإن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول إذا اعتبرت تقول بمعنى التكلم فالجملة محكية والملة سدت مسد مفعولي تقول إذا جعلته مأخوذا من القول بمعنى الظن, "وقد" الواو للحال, قد حرف تحقيق, "استبحت" فعل وفاعل, "دم" مفعول به, "امرئ" مضاف إليه, "مستسلم" صفة لامرئ.
الشاهد: في "أتقول أنك" حيث روي بكسر همزة "إن" على اعتبار الجملة محكية بتقول، وبفتحها على إجراء "تقول" مجرى تظن.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه الألفية 1/ 128.

وزاد غيره ثامنا وهو بعد "حيث"1.
"قال وقد أولع عوام الفقهاء بالفتح بعدها".
قلت2: "ويتخرج على مذهب الكسائي"3.
ثم انتقل إلى مواضع الوجهين فقال: بعد إذا فجاءة أو قسمِ... لا لام بعده بوجهين نمي مثال ذلك بعد "إذا" قول الشاعر: وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا... إذا أنه عبد القفا واللهازم4 يروى بالكسر على عدم التأويل، وبالفتح على تأويل أن "ومعموليها"5 بمصدر مرفوع بالابتداء والخبر محذوف.

قال المصنف: والكسر أولى؛ لأنه لا يحوج إلى تقدير.
قلت: وذهب قوم إلى أنها هي الخبر، وعلى هذا فلا تقدير في الفتح أيضا فيستوي الوجهان.
ومثال ذلك بعد القسم قول الشاعر: أو تحلفي بربك العلي... أني أبو ذيالك الصبي1 يروى بالكسر على جعل أن جواب القسم "وبالفتح على تأويل أن بمصدر معمول لفعل القسم"2 بإسقاط الخافض.
أي: على أني.
وقد اتضح بهذا: أن من فتح لم يجعلها الجواب، وذلك لأن الفتح متوقف على كون المحل "معنيا"3 فيه المصدر عن "أن" وصلتها، وجواب القسم ليس كذلك؛ فإنه لا يكون إلا جملة4.

قال في شرح التسهيل: فإن ورد الفتح في جواب قسم حكم بشذوذه، "وحمل"1 على إرادة "على".
فإن قلت: فهل يجوز الفتح في نحو: "والله إن زيدا قائم"؟ قلت: قد حكى عن الكوفيين تفضيله على الكسر "في"2 هذا المثال وعن بعضهم تفضيل الكسر عليه. ومذهب البصريين أن الكسر لازم، وهو الصحيح3.
قال ابن خروف: لم يسمع فتحها بعد اليمين "ولا"4 وجه له، وهو كما قال: وشبهة من أجاز الفتح في المثال المذكور ونحوه سماع الفتح في نحو "حلفت أن زيدا قائم".
فكما جاز الفتح مع التصريح بالفعل "كذلك"5 يجوز مع تقديره؛ لأن الفعل مقدر في المثال المذكور ونحوه.
قيل: وذلك غلط؛ لأن من فتح بعد "حلفت"6 لم يجعلها قسما بل إخبارا عن قسم، ولا يتصور ذلك في حلفت المضمرة؛ لأن العرب لا تضمر حلفت وتريد بها غير القسم.
ثم كمل مواضع الوجهين فقال: مع تلو فا الجزا.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ 7 فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 8 الفاء جواب قوله من عمل، وقد قرئ بالوجهين فالكسر على جعل ما بعد الفاء جملة تامة, والفتح على

تقديرها بمصدر هو خبر مبتدأ محذوف.
أي: فجزاؤه "الغفران"1 أو مبتدأ وخبره محذوف.
والكسر أحسن في القياس.
قال المصنف: ولذلك لم يجئ الفتح في القرآن إلا مسبوقا "بأن" المفتوحة.
.......................... وذا يطرد... في نحو خير القول أني أحمد فالكسر على تقدير: "أول قول أفتتح به هذا المفتتح أني، والفتح على تقدير"2 أول قولي حمد الله.
فعبارة الفتح تصدق على كل لفظ تضمن حمدا، وعبارة الكسر لا تصدق على حمد بغير هذا اللفظ الذي أوله "إني" وقد قيل: في وجه الكسر غير هذا، وما ذكرته هو التحقيق.
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "إن" خبر قول "ويكون"3 خبرها قولا فلو كان غير قول تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب". ثم قال: وبعد ذات الكسر تصحب الخبر... لام ابتداء نحو إني لوزر دخول هذه "اللام" بعد "إن" المكسورة متفق عليه، وأجاز بعضهم دخولها بعد المفتوحة، وحكى عن المبرد، وهو خلاف شاذ، وما سمع منه محمول على الزيادة4.
وأجاز الكوفيون: دخولها بعد "لكن" وما احتجوا به متأول5.
وقوله "لام ابتداء" يعني أن هذه اللام هي لام الابتداء، وإنما أخرت إلى الخبر كراهة الجمع بين حرفين لمعنى واحد خلافا لمن قال: هذه غير تلك.

وقوله: "تصحب الخبر" مقيد بقوله: ولا يلي ذا اللام ما قد نفيا... ولا من الأفعال ما كرضيا والخبر ضربان: مثبت ومنفي.
فالمنفي لا تدخل عليه اللام إلا نادرا كقوله: وأعلم إن تسليما وتركا... للا متشابهان ولا سواء1 والمثبت إما أن يكون ماضيا متصرفا عاريا من "قد" أو غيره، فإن كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل اللام عليه، فإن وجد مثل: "إن زيدا لقام"، فاللام لام القسم.
"وكذلك"2 لو تقدم "على"3 "أن" ما يقتضي فتحها لفتحت مع هذه اللام نحو: "علمت أن زيدا لقام"، وإن كان غير ذلك دخلت اللام "عليه"4.
فتدخل على الخبر المفرد نحو: "إن زيدا لقائم" والفعل المضارع نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ 5 والجملة الاسمية نحو: "إن زيدا لأبوه فاضل" والماضي غير

المتصرف نحو: "إن زيدا لنعم الفتى" والمتصرف المقرون بقد نحو "إن زيدا لقد قام".
وإلى هذا أشار بقوله: وقد يليها مع قد كإن ذا... لقد سما على العدا مستحوذا وإنما جاز دخولها عليه مع "قد"؛ لأن "قد" تقرب الماضي من الحال خلافا لخطاب الماوردي1 في منعه دخولها مع "قد" فإذا وجد "إن زيدا لقد قام" فهي عنده لام القسم2.
ثم أشار إلى بقية مواضع اللام بقوله: وتصحب الواسط معمول الخبر... والفصل واسما حل قبله الخبر يعني: أن هذه "اللام" يجوز دخولها على معمول الخبر المتوسط بينه وبين الاسم نحو: "إن زيدا لطعامَك آكلٌ".
وشرطه: أن يكون الخبر صالحا لها، فلو كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل "عليه"3 نحو: "إن زيدا عمرا ضرب" لأن دخولها على المعمول فرع دخولها على الخبر، خلافا للأخفش, وتدخل أيضا على الضمير المسمى بالفصل, كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ 4. وعلى الاسم إذا تأخر عن الخبر نحو: "إن في الدار لزيدا" وإنما يصح ذلك إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا، لأنه لا يتقدم إن كان غيرهما وإنما اشترط في دخولها "على الخبر"5 مشروطا أيضا بأن يتأخر ولم ينبه عليه.

قلت: اشتراط ذلك في الاسم منبه على اشتراطه في الخبر، إذ العلة واحدة.
ثم قال: ووصل ما بذي الحروف مبطل... إعمالها وقد يُبَقَّى العمل1 إذا اتصلت "ما" الزائدة بهذه الأحرف ففيه وجهان: أحدهما: أن تكون كافة فتبطل عملها نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ 2. والثاني: أن تجعل ملغاة فيبقى العمل لعدم الاعتداد بها, وهذا مسموع في "ليت"3 وقد حكي في "إنما" وأجازه ابن السراج "والزجاج"4 قياسا في سائرها ووافقهم المصنف، ولذلك أطلق في قوله: "وقد يبقى العمل".
ومذهب سيبويه5 جواز الوجهين في "ليت" خاصة6، ومنع الثاني في سائر أخواتها؛ لأن "ما" قد أزالت اختصاصها بالأسماء بخلاف ليت فإنها باقية على اختصاصها، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى وجوب الإعمال في "ليتما" وبهذا يبطل قوله في شرح التسهيل: يجوز إعمالها وإهمالها بإجماع.
ثم قال: وجائز رفعك معطوفا على... منصوب إن بعد أن تستكملا بمعنى أنه يجوز رفع المعطوف على اسم "إن" المكسورة بشرط أن تستكمل خبرها ويكون المعطوف بعد الخبر نحو: "إن زيدا ذاهب وعمرو" والنصب هو الوجه الظاهر.
ولذلك قال: "وجائز رفعك".

ففهم أن النصب هو الأصل، فإن عطفت قبل الخبر تعين النصب خلافا للكسائي في إجازته الرفع قبل الخبر مطلقا، والفراء في إجازة ذلك بشرط خفاء إعراب الاسم1.
ثم قال: وألحقت بإن لكن وأن... من دون ليت ولعل وكأن أي: ألحقت "لكن وأنَّ المفتوحة" بإن المكسورة، في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد الخبر نحو: "لكنَّ زيدا قائم وعمر"، و"علمت أنَّ زيدا قائم وعمرو".
أما إلحاق "لكنَّ" بها فمتفق عليه، وأما إلحاق "أنَّ" المفتوحة، فمنعه بعض وأجازه بعض.
قال في التسهيل: وأن في ذلك كإن على الأصح.
ا. هـ2. فأطلق كما أطلق هنا، وقيد ذلك في شرحه بأن يتقدمها على كقوله: وإلا فاعلموا أنا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق3

أو معناه كقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ 1، 2 وهذا هو الصحيح.
لأن "أنَّ" ههنا وما عملت فيه بتأويل الجملة فصح أن يعطف على محلها كالمكسورة.
وقوله: من دون ليت ولعل وكأن يعني: أنه لا يجوز في المعطوف على اسم هذه الثلاثة إلا النصب، ولا يجوز الرفع لا قبل الخبر ولا بعده؛ لأن معنى الابتداء قد يغير بدخولها بخلاف "إن وأن ولكن" فإنها لا تغير معناه, أجاز الفراء الرفع مع الستة بعد الخبر مطلقا وقبله بشرط خفاء إعراب الاسم.
وتلخيص هذه المسألة أن نصب المعطوف بعد الخبر وقبل الخبر جائز في الجميع.
وأما رفعه فيجوز بعد الخبر لا قبله في "إنّ ولكنّ" باتفاق.
"وأنّ" بعد العلم أو ما في معناه على المختار.
فإن قلت: قد ورد الرفع قبل الخبر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ 3. قلت: حمل سيبويه4 هذه الآية، وما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير.

قال المصنف: وأسهل منه تقدير خبر قبل العاطف، مدلول عليه بخبر ما بعده1.
فإن قلت: ما وجه رفع المعطوف على اسم إن وما ألحق بها؟ قلت: مذهب المحققين: أنه مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة خبر "إن" عليه، وهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وقد أوضح ذلك في شرح التسهيل. فإن قلت: ظاهر قوله: وجائز رفعك معطوفا على... منصوب إنَّ.................. يخالف ما ذكرته. قلت: تجوز في تسميته معطوفا على الاسم؛ لأن صورته صورة المعطوف. ثم قال: وخففت إن فقل العمل إهمالها: إذا خففت هو القياس؛ لزوال اختصاصها، وإعمالها ثابت بنقل سيبويه2.
ومنه: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ 3. ثم قال: وتلزم اللام إذا ما تهمل علة لزومها الفرق بين "إنْ" المخففة و"إن" النافية، وتسمى هذه اللام الفارقة.
فإن قلت: هل هي لام الابتداء أم غيرها؟ قلت: مذهب سيبويه4 أنها لام الابتداء ألزمت للفرق وهو اختيار المصنف وهو مفهوم من قوله هنا "وتلزم اللام" يعني اللام المتقدم ذكرها بعد المشددة.

وذهب الفارسي إلى أنها غيرها1 ثم قال: وربما استغنى عنها إن بدا... ما ناطق أراده معتمدا مثال ذلك قول الشاعر: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك... وإن مالك كانت كرام المعادن2 ثم قال: والفعل إن لم يك ناسخا فلا... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا إذا خففت "إن" فالغالب "فيها"3 أن يليها فعل ناسخ للابتداء نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ 4 ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ 5 ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ 6 قال في شرح التسهيل: ولا يكون غالبا إلا بلفظ الماضي.

وأشار بقوله "غالبا" إلى أنه قد يليها فعل غير ناسخ كقوله: شلت يمينك إن قتلت لمسلما1............................................ قال الشارح2 "وأما نحو"3 ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 4 وقوله: "إن قتلت لمسلما" فقليل، وأقل منه "إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه"5.
ثم قال: وإن تخفف أن فاسمها استكن... والخبر اجعل جملة من بعد أن إذا خففت "أن" المفتوحة لم تلغ كما ألغيت "إن"6 المكسورة.
ولكن ينوى اسمها ولا يلفظ به إلا في ضرورة كقوله:

فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتِني... طلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديق1 "ولكون"2 عملها لا يظهر غالبا تجوز بعضهم فقال: ألغيت، ومراده ما ذكرت.
وتجوز المصنف في قوله "استكنَّ"؛ لأن الضمير المنصوب لا يستكن، والحرف لا يستكن فيه الضمير وإنما هو محذوف لا مستكن.
وقوله: والخبر اجعل جملة..... يشمل الاسمية والفعلية.
أما الاسمية فلا تحتاج إلى فاصل بينها وبين "أن" كقوله: في فتية كسيوف الهند قد علموا... أن هالك كل من يحفى وينتعل3

جارٍ التحميل