مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ومثّل النهي بقوله:
......... كلا
يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا
فهذه ستة مسوغات على التفصيل.
وزاد في التسهيل ثلاثة1:
أحدها: أن تكون الحال جملة "مقرونة"2 بالواو نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ 3؛ لأن الواو رفعت توهم النعتية.
والثاني: أن يكون الوصف به على خلاف الأصل, نحو: "هذا خاتم حديدًا".
والثالث: اشتراك المعرفة مع النكرة في الحال, نحو: "هؤلاء ناسٌ وعبدُ اللهِ منطلقينَ", وقد جعل سيبويه لهذه المسألة بابا4.
ثم قال:
وسَبْق حالٍ ما بحرف جُر قد... أبوا ولا أمنعه فقد ورد
صاحب الحال مرفوع ومنصوب ومجرور.
"فتقديمها"5 على المرفوع والمنصوب جائز عند البصريين ما لم "يمنعه مانع"6 كالحصر، ومنع الكوفيون تقديمها على المرفوع الظاهر.
فقيل: عنهم مطلقا، وقيل: إن تقدمت على رافعه.
ومنعوا تقديمها على المنصوب الظاهر أيضا، فقيل: مطلقا, وقيل: إن لم تكن فعلا.
وأما المجرور: فإن كان بإضافة لم يجز تقديم الحال عليه "عند أكثر النحويين"7.
قال في شرح التسهيل: "فإن كانت الإضافة غير محضة جاز كقولك: "هذا شارب السويق ملتوتًا الآن أو غدا"1, وإن كان مجرورا بحرف لم يجز تقديم الحال عليه عند أكثر النحويين"2.
وقال المصنف: الصحيح الجواز لثبوته سماعا3، ولضعف دليل المنع إلا أن تقديمه ضعيف مع جوازه.
وفصل الكوفيون؛ فقالوا: إن كان المجرور ضميرا نحو: "مررتُ ضاحكةً بها"4, أو كانت الحال فعلا نحو: "مررتُ تضحكُ بهند" جاز، وإلا امتنع5.
واستدل المصنف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ 6, وبأبيات ظاهرة فيما ادعاه7.
فإن قلت: أطلق "المصنف"8 في قوله: "بحرف".
وينبغي أن يقيد بغير الزائد؛ لأنه موضع الخلاف.
قلت: العذر له, إن الزائد لا يقيد به؛ فلذلك أهمل التنبيه عليه لوضوحه9.
فإن قلت: على ماذا يعود الضمير في قوله: "أبوا"؟
قلت: ظاهره أنه عائد على جميع النحويين ولا يصح حمله على ذلك؛ لأن منهم من أجاز، وقد نقل الجواز عن الفارسي, وابن كيسان، وابن برهان1, على أن "ابن"2 الأنباري "ذكر"3 الإجماع على المنع, فتعين صرف الضمير إلى الأكثر.
فإن قلت: قوله: "ولا أمنعه" يوهم انفراده بجوازه.
قلت: لا يلزم من قوله: "أمنعه" انفراده.
والمراد "و"4 لا أمنعه, وفاقا لمن أجاز؛ لأنه قد نقل الخلاف في غير هذا الموضع.
فإن قلت: قوله: "فقد وَرَد" دعوى لم يقُم عليها دليل، إذ لم يرد نص بذلك لأن الآية التي استدل بها، والأبيات محتملة للتأويل5.
قلت: ظاهرها يدل على دعواه، والاحتمال في بعضها بعيد جدا، ولا عدول عن الظاهر مع مساعدة القياس، فليس هذا موضع الكلام على الآية, ولا على الأبيات6.
ثم قال:
ولا تُجِزْ حالا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ما له أُضيفا... أو مثل جزئه فلا تَحيفا
حاصل هذين البيتين أنه لا يجوز الحال من المضاف إليه, إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: إذا كان المضاف عاملا في الحال، نحو: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ 1, فهذا جائز.
قال في شرح الكافية: بلا خلاف2 هـ.
والثاني: أن يكون المضاف جزء المضاف إليه, نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ 3 "فإن إخوانا حال من الضمير المخفوض بالإضافة"4.
الثالث: أن يكون مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء عنه "به"5, نحو: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ 6.
فلو لم يكن أحد هذه الثلاثة لم يجز، قال في شرح التسهيل: بلا خلاف، = هذا هو الأصح في الجميع.
أما المجرور بالإضافة فلا يجوز تقديم الحال عليه "كعرفت قيام هند مسرعةً" فلا يقدم مسرعة على هند؛ لئلا يفصل بين المضاف والمضاف إليه، ولا على قيام الذي هو المضاف؛ لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فلا يقدم عليه شيء من معمولاته.
وسواء كانت الإضافة محضة كالمثال, أم غير محضة نحو: هذا شارب السويق ملتوتًا الآن أو غدا".
كما قال ابن هشام في الجامع: "إنه الأصح".
نحو: "ضربت غلام هند جالسة"، وحكى غيره عن "بعض"1 البصريين إجازته2.
ونُوزِع المصنف في إجازة الحال من المضاف إليه، إذا كان المضاف جزأَهُ أو كجزئه؛ لأنه ما استدل به لا حجة فيه؛ لاحتمال كون "إخوانا" منصوبا على المدح, و"حنيفا" حال من ملة، وذكر على معنى الدين3.
فإن قلت: عَلَامَ يعود الضمير في قوله: "عمله"؟
قلت: على الحال, أي: إلا إذا اقتضى المضاف نصب الحال.
ثم قال:
والحال إن يُنصَب بفعل صُرِّفا... أو صفة أشبهت المصرَّفا
فجائز تقديمة كمسرعًا... ذا راحل، ومخلصًا زيد دعا
يجوز تقديم الحال على عاملها، إذا كان فعلا متصرفا نحو: "مخلصا زيد دعا"4, خلافا للجرمي في منع تقديمها عليه5, وللأخفش في نحو: "راكبًا زيد جاء" لبعدها عن العامل وهو كمثال المصنف، ولبعضهم في منع تقديم المؤكدة.
ومنع المغاربة تقديم الجملة الحالية المصدرة بالواو, نحو: والشمسُ طالعةٌ جاء زيدٌ".
ونص ابن "أصبغ"6 على أنه لا يمتنع عند الجمهور.
أو صفة تشبه الفعل المتصرف، بقبول علامات الفرعية كاسمي الفاعل والمفعول, والصفة المشبهة نحو: "مسرعًا ذا راحلٌ".
ونص سيبويه على جواز تقديمها على الفعل واسم الفاعل ونحوه, واحتُرز بقوله: "صُرِّفا" من غير المتصرف نحو: "ما أحسنَ هندًا متجردة".
فلا يجوز تقديمها عليه "لضعفه"1.
وبقوله: "أشبهت المصرفا" من أفعل التفضيل، فإنه لا يقبل علامات الفرعية مطلقا.
فجعل موافقا "للجوامد من"2 منع تقديم الحال عليه، ما لم يتوسط بين حالين كما سيذكر.
تنبيه: جواز تقديم الحال على العامل المتصرف مشروط بعدم المانع، كوقوعه صلة "أل" أو حرف مصدري.
ثم قال:
وعامل ضُمِّن معنى الفعل لا... حروفه، مؤخَّرا لن يعملا
كتلك ليت وكأن.....................
لا يجوز تقديم الحال على عاملها إذا كان جامدا ضمن معنى المشتق، وذلك أنواع:
الأول: الإشارة نحو: "تلك".
والثاني: حرف التمني نحو: "ليت".
والثالث: حرف التشبيه نحو: "كأَنَّ".
والرابع: حرف الترجي، وهو: "لَعَلَّ".
والخامس: حرف التنبيه نحو: "هَا".
= ومن تصانيفه: كتاب أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ، وغرائب مالك, وغير ذلك.
مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة 340 أربعين وثلاثمائة.
والسادس: "أما" في نحو: "أما علمًا فعالمٌ".
السابع: الاستفهام المقصود به التعظيم نحو:
................ يا جارتا ما أنتِ جارَهْ1
وأجاز الفارسي فيه الحال والتمييز.
الثامن: الجنس المقصود به الكمال نحو: ""هو"2 الرجل علمًا".
التاسع: "المشبه"3 نحو: "هو زهير شعرًا".
ونص المصنف على أن جميع هذه تعمل في الحال, خلافا للسهيلي في اسم الإشارة4 وله، ولابن أبي العافية5 في حرف التنبيه6, ولبعضهم في "كأن", ووفاقا للزمخشري وابن عصفور في ليت و"لعل".
وصحّح بعضهم1 أن "ليت" و"لعل" وباقي الحروف لا تعمل إلا "كأنّ" وكاف التشبيه2.
وتقدم بيان العامل في الحال بعد "أما" ونسبة العمل إلى "أما" مجاز.
وقد اندرج تحت قوله:
وعامل ضُمِّن معنى الفعل لا... حروفه.......
نوع عاشر: وهو الظرف وشبهه، إذا ضُمنا الاستقرار, فإنهما يعملان في الحال نحو: "زيد في الدار قائمًا".
وللحال في هذا ثلاثة أحوال:
تأخر، ولا إشكال في جوازه.
وتقدم على الجملة نحو: "قائمًا زيدٌ في الدار" "وهو"3 لا يجوز4, قال في شرح الكافية: بإجماع تبعا لابن ظاهر.
وأجاز الأخفش في قولهم: "فداء لك أبي وأمي" أن يكون فداء حالا، والعامل "فيه"5 لك.
وأجاز ابن برهان "التقديم"6 إن كانت الحال ظرفا, قال في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ 7 "هنالك" ظرف في موضع الحال, و"الولاية" مبتدأ والخبر "لله", وهو عامل في "هنالك"8.
وتوسط, وله صورتان:
إحداهما: أن تكون بين الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر نحو: "في الدار قائما زيد", ولا خلاف في جوازها.
والأخرى: بالعكس, وهي المشار إليها بقوله:
نحو: سعيدٌ مستقرًّا في هَجَرْ
وفيها مذاهب:
المنع مطلقا، وبه قال جمهور البصريين.
والجواز مطلقا، وإليه ذهب الفراء والأخفش في أحد قوليه.
والجواز بقوة إن "كانت"1 الحال ظرفا أو حرف جر، ويضعف إن كانت غيرهما وهو مذهب في التسهيل2.
والجواز إن كانت من مضمر, نحو: "أنت قائما في الدار" وهو مذهب الكوفيين.
فهذه أربعة مذاهب.
وقوله: "ندر" ظاهره "مما"3 لا يقاس عليه.
وصرح الشارح بذلك4 فقال: و"ما"5 جاء منه مسموعا حفظ, "ولا يقاس"6 عليه هـ. وهو خلاف ما ذهب إليه في التسهيل.
واستدل المجيز بقراءة من قرأ: "والسمواتُ مطوياتٍ بيمينه"7.
"وقول"1 ابن عباس2: نزلت عليه الآية ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- متواريًا بمكة.
وبأبيات منها قول النابغة3:
رهط ابن كوز مُحْقِبي أدراعهم... فيهم ورهط ربيعة بن حُذَار4
وتأويل المانع5 وليس هذا موضع بسطه.
ثم قال:
ونحو:
زيد مفردًا أنفع من... عمرو مُعَانًا مستجازٌ لن يَهِن
لما كان لأفعل التفضيل مزية على الجامد بتضمن حروف الفعل رجع عليه فاغتفر "توسطه"1 بين حالين نحو: "زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا"2؛ فمفردا حال من الضمير المستكن في "أنفع" و"معانا" حال من "عمرو", والعامل فيهما "أنفع" على المختار، وهو سيبويه والمازني وطائفة3.
ثم قال:
والحال قد يجيء ذا تعدُّد... لمفرد -فاعلم- وغير مفرد
فهاتان صورتان:
مثال الأولى: "جاء زيدٌ راكبًا مسرعًا", فهما حالان من "زيد" خلافا لابن عصفور في منعه تعدد الحال في هذا النحو, ما لم يكن العامل أفعل التفضيل.
ونقل المنع عن الفارسي وجماعة؛ "فمسرعا" في المثال عندهم نعت لراكب, أو حال من الضمير في "راكب".
والثانية: قد يكون بجمع نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ 1, وقد تكون بتفريق، وله طريقان:
إحداهما: أن تولي كل حال صاحبه نحو: "لقيت مصعدا زيدا منحدرا" "ولا إشكال فيها"2.
"والأخرى: أن تؤخرهما نحو: "لقيت زيدا مصعدا منحدرا"3"4.
فإن لم تكن قرينة تعين, جعل الأولى للثاني "والثانية"5 للأول، لتتصل إحداهما "بصاحبه"6 خلافا لمن عكس.
وإن وجدت قرينة عمل بها، نحو:
خرجت بها أمشي تجر وراءنا7.....................
ثم قال:
وعامل الحال بها قد أكدا
الحال نوعان:
مُبَيِّنة ومؤكدة خلافا للفراء والمبرد والسهيلي في إنكار المؤكدة1.
ثم المؤكدة ضربان:
مؤكدة لعاملها، ومؤكدة لمضمون الجملة.
المؤكدة لعاملها: قد توافقه معنى لا لفظا، وهو الغالب نحو: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ 2.
وقد توافقه معنى ولفظا، وهو قليل، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ 3, والمؤكدة لمضمون جملة: شرطها أن تدل على معنى لازم أو شبيه باللازم في تقدم العلم به بعد جملة جزآها معرفتان جامدان جمودا محضا نحو قوله:
أنا ابن دارةَ معروفًا بها نَسَبِي4......................
فإن قلت: أطلق في قوله: "وإن تُؤَكِّد جملة" ولم يشترط تعريف جزأيها ولا جمودها، قلت: أما اشتراط التعريف فقد يفهم من تسميتها مؤكدة؛ لأنها إنما تؤكد شيئا قد عرف.
وأما اشتراط الجمود, فمن قوله: "وإن تؤكد جملة".
لأنه إذا كان أحد الجزأين مشتقا أو في حكمه كان عاملا فيها، وكانت مؤكدة لعاملها لا لمضمون جملة.
ولذلك جعل في شرح التسهيل قولهم: "زيد أبوك عطوفًا" و"هو الحق بَيِّنًا" من قِبَل المؤكدة لعاملها، "وهي"1 موافقة معنى لا لفظا.
قال: لأن "الأب والحق" صالحان للعمل.
وقوله: فمضمر عاملها.
يعني: بعد الجملة وتقديره: "أحقه وأعرفه" إن كان المخبر عنه غير "أنا", وإن كان أنا فالتقدير: "أحق أو أعرف أو اعرفني".
وكون عاملها مقدرا هو الصحيح2 وهو مذهب سيبويه, خلافا للزجاج في جعله عاملها هو الخبر مؤولا بمسمى.
وخلافا لابن خروف في جعله عاملها هو المبتدأ مضمنا تنبيها.
فإن قلت: "هل"3 إضمار عاملها واجب أو جائز4؟ = لأنه اسم مفعول, "وهل" استفهام إنكاري, "بدارة" جار ومجرور متعلق بمحذوف مقدم, "من" زائدة, "عار" مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد, "يا للناس" يا للنداء واللام للاستغاثة, وهذا اعتراض بين المبتدأ والخبر.
الشاهد: في "معروفا", فإنه حال أكدت مضمون الجملة التي قبلها, والتقدير: أحق معروفا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص140, وابن عقيل 1/ 369، والسندوبي، وداود، والأشموني 1/ 252، وسيبويه جـ1 ص257، والسيوطي ص68.
قلت: بل واجب، ويؤخذ ذلك من جزمه بالإضمار.
وقوله: ولفظها يُؤخَّر يعني: أنه لا يجوز تقديمها على الجملة، ولا على أحد جزأيها لشبهها بالتوكيد، ولأنهم تجوّزوا حذف عاملها، فلا يضم إليه تجوز آخر بالتقديم.
فإن قلت: قد تقدم أن الحال نوعان: مبينة ومؤكدة.
وقد ذكر النحويون أنواعا أُخَر، وهي المستصحبة نحو: "هذا زيدٌ راكبًا"، والمحكية نحو: "رأيت زيدا أمس ضاحكًا"، والمقدرة نحو: "مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدا"1, والموطئة نحو: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ 2.
قلت: لا تستخرج هذه عن النوعين السابقين.
ولما كان أصل الحال الإفراد, نبه على أنها قد تكون جملة بقوله:
وموضع الحال تجيء جمله
ولوقوع الجملة مواقع الحال, شرطان:
أحدهما: أن تكون خبرية.
فإن وقعت طلبية قدر القول كما في النعت, كقول أبي الدرداء3: "وجدت الناس أخبر تَقله"4 أي: "مقولا"5 فيهم: أخبر تقله، وفي البسيط جوز الفراء وقوع الأمر ونحوه حالا.
والآخر: ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال "كلن وحرف التنفيس".
ثم مثّل فقال:
كجاء زيد وهو ناوٍ رحله
وهذا مثال مجمع على جوازه, ثم شرع في التفصيل فقال:
وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضمير ومن الواو خلت
يعني: أن الجملة الحالية إذا صدرت بمضارع مثبت, وجب حينئذ اشتمالها على ضمير صاحب الحال، وخلوها من الواو نحو: "جاء زيد يضحك", ولا يجوز: "ويضحك"؛ لأن المضارع مشابه للاسم, فلا تدخل عليه الواو كما لا تدخل على الاسم.
تنبيه:
ويشترط في خلوه من الواو مع الإثبات شرط آخر, وهو أن يعرى من "قد" -ذكره في التسهيل1- فإن قرن بها:
قال الشارح: لزمته الواو نحو: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ 2.
ثم قال:
وذات واو بعدها انْوِ مبتدا... له المضارع اجعَلَنَّ مسندا
يعني: أن الجملة المصدرة بالمضارع المثبت العاري من "قد" إذا وردت بالواو نوى3 الأصح بعدها، أي: بعد الواو، مبتدأ، وجعل المضارع خبرا عنه؛ لتصير جملة اسمية كقولهم: "قمتُ وأصكُّ عينَهُ" أي: وأنا أصك4.
ثم قال:
وجملة الحال سوى ما قُدِّما... بواو أو بمضمر أو بهما
الذي قدم هو الجملة الفعلية المصدرة "بالفعل"5 المضارع المثبت ""وسوى
ما" يشمل"1 الجملة الاسمية، مثبتة أو منفية، والفعلية المصدرة بالمضارع المنفي, وبالماضي مثبتا ومنفيا.
ومقتضى قوله:
بواو أو بمضمر أو بهما
جاز الأوجه الثلاثة في ذلك كله، وليس على إطلاقه فلا بد من بيانه.
أما الجملة الاسمية، فإن كانت مؤكدة لزم فيها الضمير، والخلو من الواو نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ 2 وكذا إن عطفت على حال كقوله تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ 3 وإن كانت غير مؤكدة، ولا معطوفة جازت الأوجه الثلاثة.
إلا أن الأكثر مجيئها بالواو مع الضمير، وأقل منه انفراد الواو، وأقل منه انفراد الضمير. وليس انفراد الضمير مع قلته بنادر خلافا للزمخشري، وقبله الفراء بل هو فصيح4.
وجعل في الكشاف5 قوله تعالى6: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ 7 ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ 8 في موضع النصب على الحال.
وأما المصدَّرة بالمضارع المنفي، فإن كان النافي "لا" فهو كالمثبت في لزوم الضمير, والتجرد عن الواو.
فإن ورد بالواو قدر المبتدأ على الأصح، كقراءة ابن ذكوان1: "فاستقيما ولا تَتَّبِعَانِ"2 "نص"3 على ذلك في التسهيل4.
وقول الشارح5: "وقد تجيء بالضمير واو" هـ, ظاهره عدم التأويل.
وإن كان النافي غير "لا"6 جاءت الأوجه الثلاثة، والمسموع من ذلك: "لم ولما وما", والقياس يقتضي "إلحاق"7 إن "بما"8، وأما "لن" فلا مدخل لها هنا.
وذكر في التسهيل9 أن المضارع المنفي "بما" لا تغني فيه الواو عن الضمير, وفي كلام غيره التمثيل "بجاء زيد, وما تطلع الشمس".
وأما المصدرة بالماضي المثبت، فإن كان تاليا "لإلا" نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ 10.
أو متلوًّا "بأو" نحو:
#كن للخليل نصيرا جارَ أو عَدَلا1.................................
أو أصله الشرط نحو: "لأضربَنَّ زيدا ذَهَبَ أو مَكَثَ"2, لزم الضمير والخلو عن الواو، وامتنع دخول قد.
وقوله:
متى يأتِ هذا الموت لا يُلْفِ حاجة... لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءَهَا3
نادر.
"أو"1 كانت الحال مؤكدة, نحو: "أبو بكر الخليفة قد علمه الناس" تركت الواو أيضا.
وإن كان غير ذلك, جازت الأوجه الثلاثة.
فإن انفرد الواو, لزمته "قد" نحو:
فجئت وقد نَضَّت لنوم ثيابها2............................. = الإعراب: "متى" اسم شرط جازم يجزم فعليه وهو ظرف زمان, "يأت" فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف الياء, "هذا" فاعل يأت, "الموت" بدل من هذا أو عطف بيان أو نعت, "لا" حرف نفي, "يلف" فعل مضارع مبني للمعلوم جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والفاعل ضمير مستتر فيه, ويروى بالبناء للمجهول, "حاجة" بالنصب على أنها مفعول يُلْفِ وبالرفع نائب فاعل لتُلْفَ, "لنفس" اللام حرف جر والنفس مجرور بها وياء المتكلم مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لحاجة, "إلا" أداة استثناء ملغاة, "قد" حرف تحقيق, "قضيت" فعل وفاعل, "قضاءها" مفعول به وضمير الغائبة مضاف إليه.
الشاهد: في "قضيت قضاءَهَا", فإنها جملة وقعت حالا مصدرة بكلمة "قد", وفيها الضمير يرجع إلى ذي الحال، وقد علم أن الجملة الفعلية الماضية المثبتة التالية "لإلا" إذا وقعت حالا لا بد أن يكون فيها ضمير، وأن تكون خالية عن الواو, وعن كلمة "قد".
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 1/ 259.
وإن انفرد الضمير أو اجتمعا, جاز إثبات "قد" وحذفها فهي أربع صور, وترتيبها في الكثرة: "جاء زيد وقد قام أبوه" ثم: "جاء زيد قام أبوه" ثم: "جاء زيد قد قام أبوه" ثم: "جاء زيد وقام أبوه"1.
وجعل الشارح الثالثة أقل من الرابعة، وهو خلاف ما في التسهيل2.
وذهب قوم؛ منهم الفراء، والمبرد، وأبو علي، إلى3 اشتراط "قد" مع الماضي ظاهرة أو مقدرة4، والمختار أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لكثرة ما ورد من ذلك5.
وأما المصدرة بالماضي المنفي, فيجوز فيها الأوجه الثلاثة.
وقد تركت تمثيل "أكثر"6 هذه المسائل لوضوحها, وخشية الإطالة.
ثم قال:
والحال قد يُحذَف ما فيها عَمِل... وبعض ما يُحذَف ذكره حُظِل
يعني: أن عامل الحال قد يحذف، وحذفه على ضربين: جائز وواجب.
فالجائز: ما حذف لحضور معناه كقولك للراحل: "راشدًا مهديًّا"7, أو لتقدم ذكره من استفهام أو غيره كقولك: راكبا, لمن قال: كيف جئتَ؟
الواجب: إذا جرت مثلا كقولهم:
"حَظِيِّين بَنَاتٍ صَلِفِينَ كَنَّاتٍ"1 أي: عرفتهم.
أو بينت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا, مقرونة بالفاء أو بثم, نحو: "بعته بدرهم فصاعدا" أي: فذهب الثمن صاعدا.
أو نابت عن خبر نحو: "ضربي زيدًا قائمًا"2, أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل نحو: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى؟ "3.
وإلى هذه المواضع أشار بقوله:
وبعض ما يحذف ذكره حظل
"أي: منع"4 "والله أعلم"5.
التمييز
:
قال:
اسم بمعنى "مِنْ" مبين نكرة............................
"اسم" جنس، و"بمعنى من" يخرج ما سوى التمييز، والمشبه بالمفعول نحو: "الحسن الوجه", واسم "لا" التبرئة نحو: "لا رجل", ونحو: "ذنبا"، من:
أستغفر الله ذنبا1.................................
فكل ذلك "مشارك"2 التمييز في أنه على معنى "من".
"ومبين" يخرج اسم "لا" والمنصوب "باستغفرت"، و"نكرة" يخرج المشبه.
وذهب الكوفيون وابن الطراوة إلى جواز تعريف التمييز1, وما أوهم ذلك مؤول عند البصريين.
ثم ذكر حكمه فقال:
............... يُنصَب تمييزا بما قد فسره
وفهم من قوله: "بما قد فسره" أن عامل التمييز هو المميز, وهو ما قبله من المبهمات المفتقرة إليه، وأقول: التمييز نوعان:
الأول: تمييز مفرد، وهو: ما رفع إبهام اسم قبله مجمل الحقيقة, نحو: "رطل "سمنا"2 و"عشرين درهما"".
ولا خلاف أن العامل في هذا النوع "هو"3 مميزه كما ذكر.
والثاني: تمييز الجملة، وهو ما رفع إبهام نسبة في جملة أو "شبهها"4.
وعامل هذا النوع عند سيبويه5 والمازني والمبرد ومن وافقهم هو الفعل، وما جرى مجراه من مصدر ووصف واسم فعل، نحو: "طاب زيدٌ نفسًا" و"عجبتُ من طيب زيد نفسًا" و"زيد طيبٌ نفسًا" و"سرعان ذا إهالةً"6.
وذهب قوم إلى أن
العامل فيه هو الجملة التي انتصب عن تمامها, لا الفعل وما جرى مجراه، واختاره ابن عصفور، ونسبه إلى المحققين.
فإن قلت: ظاهر قوله: "بما فسره" يقتضي موافقة من جعل العامل في هذا النوع هو الجملة؛ لأن التمييز لم يفسر "الفعل"1 ولا جرى مجراه.
قلت: لا يصح حمل كلامه على ذلك؛ لنصه في غير هذا الموضع على أن عامله الفعل، وقد صرح بذلك آخر الباب2.
فإن قلت: فكيف يندرج الفعل في قوله: "بما فَسَّره"؟
قلت: لما كان التمييز قد رفع إبهام نسبة إلى فاعله أو مفعوله, فكأنه رفع الإبهام عنه, "فاندرج"3 بهذا الاعتبار4.
ثم "مَثَّل"5 تمييز المفرد فقال:
كشبرٍ أرضًا وقفيز بُرًّا... ومَنَوَيْنِ عسلًا وتمرا
المفرد الذي يفسره التمييز، إما مقدار وهو المسموع, نحو:
"شبرٌ أرضًا", والمكيل نحو: "قفيزٌ بُرًّا".
والموزون نحو: "منوين عسلًا"6.
= قال في مجمع الأمثال للميداني جـ1 ص336 رقم 1798: "سرعان بمعنى سرع, نقلت فتحة العين إلى النون فبني عليها.... وسرعان ثلاث لغات: فتح الفاء وضمها وكسرها.... وأصل المثل أن رجلا كانت له نعجة عجفاء وكان رغامها يسيل من منخريها لهزالها, فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟ فقال: ودكها، فقال السائل: سرعان ذا إهالة، نصب إهالة على الحال، وذا إشارة إلى الرغام، أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة، ويجوز أن يحمل على التمييز على تقدير نقل الفعل مثل قولهم: تصبَّب زيدٌ عرقًا" ا. هـ.
والموزون نحو: "خمسة عشر رطلا" وجعله بعضهم من المقادير.
أو مفهم "غيرية"1 نحو: لنا غيرُها إبلًا.
أو مثلية نحو: لنا أمثالها شاء.
أو تعجب نحو: "الله دره فارسًا"2.
وإنما اقتصر في "هذا"3 البيت على التمثيل بالمقدار؛ لكثرة انتصاب التمييز عنه.
ثم قال:
وبعد ذي وشبهها اجرُرْه إذا... أضفتها كمد حنطة غِذَا
"الإشارة بذي إلى المثل السابقة ونحوها؛ كل ما دل على مساحة أو كيل أو وزن، فيجوز في ذلك "جره"4 بإضافة المميز إليه، فتقول: "شبر أرض وقفيز بر ومنوا عسل", وقد مثل بقوله: كمد حنطة غذا"5.
ثم قال:
والنصب بعد ما أُضيف وجبا... إن كان مثل "ملء" الأرض ذهبا
يعني: أن جواز جر التمييز بالإضافة مشروط بخلو التمييز من إضافته إلى غير التمييز.
فإن أضيف إلى غيره6 وجب النصب نحو: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ 7.
فإن قلت: ما فائدة الشروط في قوله: "إن كان"؟
قلت: التنبيه على أن تمييز المضاف له حالتان:
إحداهما: ألا يصح إغناؤه عن المضاف إليه، فهذا يجب نصبه كالمثال المذكور، إذ لو قيل فيه: "ملء ذهب" لم يستقم المعنى.
والأخرى: ألا يصح إغناؤه عنه, فيجوز جره بالإضافة؛ لأن حذف "المضاف إليه"1 غير ممتنع نحو: "زيد أشجعُ الناسِ رجلًا"2 فلك في هذا أن تقول: "هو أشجعُ رجلٍ".
فإن قلت: كيف جعل النصب بعد المضاف المذكور واجبا, وقد ذكر "بعده3 جواز جره "بمن"؟
قلت: يعني "بشرط"4 خلوه من "مِنْ" وذلك مفهوم من قوله: "إن كان مثل ملء الأرض ذهبًا" أي: "إن"5 كان كالمثال المذكور في امتناع إغنائه عن المضاف إليه وفي تجرده من "مِنْ".
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم تمييز العدد.
قلت: لأن له بابا يذكر فيه.
ثم انتقل إلى بيان موضعين من تمييز الجملة فقال:
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا... مُفضِّلا كأنت أعلى منزلا
النكرة الواقعة بعد أفعل التفضيل نوعان:
أحدهما: فاعل في المعنى وهو السببي, وعلامته أن يصلح للفاعلية عند
جعل أفعل "التفضيل"1 فعلا، نحو: "أنت أعلى منزلًا", فإنه يصلح لذلك فتقول: "علا منزلك" فهذا النوع ينصب على التمييز.
والآخر: أن يكون فاعلا في المعنى، وهو ما أفعل التفضيل بعضه، وعلامته أن "يحسن"2 وضع بعض موضع "أفعل"3 ويضاف إلى جمع قائم مقام النكرة نحو: "أنت أفضلُ فقيهٍ", فإنه يحسن فيه ذلك فتقول: "أنت بعضُ الفقهاء".
فهذا النوع يجب جره بالإضافة، إلا أن يكون أفعل التفضيل مضافا إلى غيره، فينصب نحو: "أنت أكرمُ الناس رجلًا".
ثم قال:
وبعد كل ما اقتضى تعجبا... ميز "كأكرِمْ بأبي بكر أبا
يعني: أنه يجوز انتصاب التمييز بعد كل ما دل على تعجب نحو: "أكرم بأبي بكر أبا"4, "وما أكرمه أبا"، وغير ذلك من الصيغ الدالة على التعجب نحو: "لله دره فارسا".
قال في شرح الكافية: والمراد بأبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عن أبي بكر صاحبه5.
ولما كان كل منصوب على التمييز فيه معنى "من" وبعضه يصلح لمباشرتها وبعضه لا يصلح, بين ذلك بقوله:
واجرُرْ بمِنْ إن شئت غير ذي العدد... والفاعل المعنى كطب نفسًا تفد
أي: يجوز في كل تمييز أن يجر "بمن" إلا تمييز العدد، وما كان فاعلا في المعنى، فإنهما لا يجران "بمن" فلا يجوز "عندي عشرون من درهم"، ولا "طاب زيد من نفس", ويجوز فيما سواهما نحو: "عندي قفيز من بُرٍّ".
فإن قلت: هذا الضابط غير مستقيم من أوجه:
الأول: أن تمييز العدد لا يمتنع جره "بمن" مطلقا, "لكن"1 يشترط أن يجمع نحو: "عندي عشرون من الدراهم".
الثاني: أنه أطلق فيما هو فاعل في المعنى, وهو مقيد.
قال الشارح2: لا يجوز جره "بمن" إلا في تعجب أو شبهه.
قولهم: "لله دره من فارس".
وقال الشاعر:
...................... فنِعْمَ المرءُ من رجل تَهَامي3
الثالث: أن إجازته جر غير هذين النوعين "بمن"1 ليس على إطلاقه, بل يستثنى من ذلك ما كان "منقولا"2 من الفعل نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ 3, "فلا يجوز جره بمن"4.
قلت:
أما الأول فلا يرد؛ لأن تمييز العدد متى جمع لم يبق تمييزا اصطلاحيا، فإن شرطه الإفراد.
وأما الثاني فهو على إطلاقه، ولا نسلم صحة استثناء الشارح5؛ لأن التمييز في نحو: "لله دره فارسًا" و"نعم المرء من رجل تهامي" تمييز مفرد لا تمييز جملة, "والمنقول عن الفاعل لا يكون إلا تمييز جملة"6.
ويلزم الشارح جواز الجر بمن في نحو: "زيد أحسن "به"7 وجهًا"؛ لأنه في تعجب, وقد نص غير المصنف على منعه.
وأما الثالث فالظاهر وروده، ولا يقال: لعل المصنف ممن لا يثبت المنقول "عن"8 المفعول كالشلوبين، فإن المصنف أثبته في شرح التسهيل9.
فإن قلت: ما معنى "من" الداخلة على التمييز؟
قلت: هي للتبعيض1.
وقال الشلوبين: يجوز أن تكون بعد المقادير وما أشبهها زائدة عند سيبويه، كما زيدت: "ما جاءني من رجل"، قال: "إلا أن المشهور من مذهب النحويين -ما عدا الأخفش- أنها لا تزاد إلا في غير الواجب"2.
قال في الارتشاف3: ويدل على صحة ذلك -يعني الزيادة- أنه عطف على موضعها نصبا4, قال الحطيئة:
طافت أمامة بالرُّكبان آونة... يا حسنه مِن قَوَامٍ ومنتقبا5
قال:
وعامل التمييز قدم مطلقا... والفعل ذو التصريف نَزْرا سُبِقا
عامل التمييز إن لم يكن فعلا متصرفا, لم يجز التمييز عليه, قال المصنف بإجماع.
وأما قوله:
ونارنا لم يُرَ نارًا مثلُها1.........................
فضرورة، وتأوله بعضهم على أن الرؤية علمية، ونارا مفعول ثانٍ.
وإن كان فعلا متصرفا, فذهب سيبويه والفراء وأكثر البصريين والكوفيين إلى منع تقديمه عليه, وذكروا لمنع تقديمه عللا2.
وذهب الكسائي والجرمي والمبرد إلى جواز "ذلك"1, ووافقهم المصنف لورود السماع به2 كقوله:
أنفسًا تطيب بنيل المنى... وداعي المنون ينادي جهارا3؟
وأبيات أخر4.
فإن قلت: ظاهر قوله: "نزرا سبقا" أنه قليل, فلا يقاس عليه.
قلت: "لا يلزم من قلته ألا يقاس عليه"1, بل هو عنده مَقِيس وفاقا لمن ذكروا.
ورُدَّ عليه "أن"2 ما ذكره من أن التمييز قد يسبق الفعل المتصرف، ليس على إطلاقه؛ إذ لنا فعل متصرف ولا يسبقه التمييز بإجماع، وهو "كفى" في نحو: "كفى "بزيد"3 ناصرًا" "فلا يجوز تقديم "ناصرا" على "كفى" وإن كان فعلا متصرفا؛ لأنه بمعنى فعل غير متصرف، وهو فعل التعجب، فمعنى قولك: "كفى بزيد ناصرًا" ما أنصره رجلًا4"5, وهو عند المصنف منتصب عن تمام الجملة.
حروف الجر
:
قال:
هاك حروف الجر وهي من إلى... حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا... والكاف والبا ولعل ومتى
هذه عشرون حرفا مشتركة في جر الاسم ولكل منها تفصيل يأتي، إلا "خلا، وحاشا، وعدا" فإن حكمها تقدم في الاستثناء.
وإلا "كي، ولعل، ومتى"؛ لغرابة الجر بهن.
أما "كي" فتجر ثلاثة أشياء:
الأول: "ما" الاستفهامية "كقولهم"1 في السؤال عن "علة"2 الشيء: كَيْمَهْ؟ بمعنى: لِمَهْ؟
الثاني: "أن" المصدرية مع صلتها في نحو: "جئت كي تفعل"3 في أحد الوجهين4.
الثالث5: "ما" المصدرية مع صلتها في قوله:
................... يراد الفتى كَيْمَا يضر وينفع6
وهو نادر.
وأما "لعل" فتجر في لغة عقيل ثابتة "الأول ومحذوفته"1 ومفتوحة الآخر "و"2 مكسورته3, خلافا لمن أنكر الجر بها4.
وأما "متى" "فتجر"5 في لغة هذيل بمعنى من6, ومن كلامهم: "أخرجها متى كُمِّه" أي: من كمه.
وصدر البيت: إذا أنت لم تنفع فضُر فإنما وهو من الطويل.
المعنى: إذا لم تستطع نفع من يستحق النفع فضر من يستوجب الإيذاء, فإن المرء لا يقصد منه إلا أحد هذين.
الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان, "أنت" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده, "لم" حرف نفي وجزم وقلب, "تنفع" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت, "فضر" الفاء واقعة في جواب إذا، ضر فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين وللتخفيف, "فإنما" الفاء للتعليل, إنما حرف دال على الحصر, "يراد" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة, "الفتى" نائب فاعل يراد مرفوع بضمة مقدرة على الألف, "كيما" كي: حرف تعليل وجر، ما حرف مصدري, "يضر" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هو, "وينفع" الواو عاطفة، ينفع فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر تقديره هو.
الشاهد: في دخول "ما" المصدرية على "كي" وهو نادر، وهو تخريج الأخفش، وهي عند غيره كافة لكي عن عمل النصب في الفعل المضارع، والفعل مؤول بالمصدر على القولين بواسطة "ما" على الأول، وبواسطة "كي" على الثاني.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص147، وابن هشام 2/ 120، والأشموني 2/ 283، والمكودي ص81، وداود، والسندوبي.
تنبيه:
عد بعضهم من حروف الجر "ها" التنبيه، وهمزة الاستفهام, وهمزة القطع إذا جعلت عوضا من حروف الجر في القسم1.
قال في التسهيل2: وليس في الجر في التعويض بالعوض، خلافا للأخفش ومن وافقه ا. هـ. وذهب الزجاج والرماني إلى أن ايمُن في القسم حرف جر وشذَّا في ذلك.
"وعد"3 بعضهم منها الميم "مثلثة"4 في القسم نحو5: مَُِ الله، وجعلها في التسهيل بقية "أامُن".
قال: وليست6 بدلا من الواو، ولا أصلها "من" خلافا لمن زعم ذلك.
"وذكر"7 الفراء أن "لات" "قد"8 تجر الزمان، وقرئ: "ولات حِينِ مناص"9 بالجر.
وزعم الأخفش أن "بَلْهَ" حرف جر بمعنى "مِنْ", والصحيح أنها اسم10.
وذهب سيبويه11 إلى أن "لولا" حرف جر إذا وليها ضمير متصل نحو: لولاك ولولاي "ولولاه"12.
ومذهب الأخفش والكوفيين، أن الضمير بعدها مرفوع الموضع, استعير ضمير الجر للرفع1.
ثم قال:
بالظاهر اخصُصْ منذُ مذُ وحتى... والكاف والواو ورُبَّ والتا
حروف الجر نوعان: نوع يجر الظاهر فقط، ونوع يجر الظاهر والمضمر.
فالأول: هو الأحرف المذكورة في هذا البيت، ولعل وكي ومتى.
والثاني: ما عداها.
وقوله: واخصص بمذ ومنذ وَقْتًا, "يعني: أن مذ ومنذ لا يجران إلا الزمان, وسيأتي الكلام عليهما"2.
وقوله: وبرُبَّ مُنَكَّرا.
يعني أن "رب" لا تجر إلا نكرة, وسيأتي دخولها على الضمير.
وأجاز بعضهم أن تجر المعرف بأل، وأنشد:
ربما الجامل المؤبل3............................
بخفض الجامل وصفته
فإن صحت الرواية, حمل على زيادة "أل".
وشذ "رب أبيه" و"رب أخيه" و"رب أمه"1.
واختلف في معنى "رب", فقيل: للتقليل، وقيل: للتكثير، ونسب كل منهما2 إلى سيبويه.
وقيل: تكون "لهما"3, وقيل4: حرف إثبات لم يوضع لتقليل ولا لتكثير5, وفي التسهيل: وللتقليل بها نادر.
هـ6.
وقوله: "والتاء لله ورب".
يعني: أن التاء مختصة باسم الله, نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ 7. = المعنى: يصف نفسه بالكرم, وأنه لا يبخل على من معه بأحسن ما عنده من الإبل المتخذة للقنية والخيل الجياد التي بينها أولاد.
الإعراب: "ربما" رب: حرف تقليل وجر, ما: زائدة كافة, "الجامل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة, "المؤبل" صفة مرفوعة بالضمة الظاهرة, "فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ, "وعناجيج" الواو عاطفة، عناجيج مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف يدل على ما قبله, والتقدير: وعناجيج فيهم, "بينهن" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم والضمير مضاف إليه, "المهار" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع صفة لقوله: "عناجيج" وهي التي سوَّغت الابتداء بالنكرة.
الشاهد: في "ربما الجامل" حيث دخلت رب المكفوفة بما على الجملة الاسمية وهو نادر.
قال العيني: ولأجل هذا قال أبو علي: يجب أن تقدر "ما" اسما مجرورا على معنى شيء والجامل خبر لمبتدأ محذوف وتكون الجملة صفة لما، والتقدير: رب شيء هو الجامل المؤبل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص153، وابن هشام 2/ 161، وابن عقيل 2/ 25, والأشموني 2/ 298, وداود, والسيوطي ص73, وفي همعه 2/ 26.
وحكى الأخفش دخولها على الرب, قالوا: "تربِّ الكعبة", وقالوا أيضا: "تالرحمن" و"تحياتك" وهو شاذ.
وقالوا: إنها بدل من واو القسم.
وقوله:
وما رَوَوْا من نحو رُبَّهُ فتى... نزر...................
أشار "به"1 إلى أنه قد ورد دخول رب على المضمر, وأنه قليل.
ومنه قول الشاعر:
................. ورُبَّهُ عطبا أنقذت من عَطَبه2
وروي: "وربه عطبٍ" بالجر على نية من, وهو شاذ.
فإن قلت: إنما أورد النحويون ذلك على أنه "فصيح"3 مقيس "عليه"4, فكيف قال: "نزر"؟