توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 1066-1110

مقدمة الألفية

صفحات 1066-1110
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

................ يا عمرَ الجوادا بالفتح.
وخرج على وجهين: أحدهما: أن أصله "يا عمرا" -بالألف- عند من يجيز إلحاقها من غير الندبة والاستغاثة والتعجب.
والآخر: أصله "عمرًا" -بالتنوين- ضرورة، ثم حذفه؛ لالتقاء الساكنين.
الخامس: حكى الأخفش عن بعض العرب: "يا زيدُ بنُ عمرو" بضم النون, إتباعا لضمة الدال.
وقوله: واضمم أو انصب ما اضطرارا نُوِّنا... مما له استحقاق ضم بُيِّنا الذي يستحق البناء على الضم هو المعرفة، فإذا اضطر شاعر إلى تنوينه جاز له فيه وجهان: أحدهما: الضم, تشبيها بمرفوع، اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف.
والثاني: النصب، تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.
وكلاهما مسموع من العرب.
والضم اختيار الخليل وسيبويه، والنصب اختيار أبي عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد.
قال المصنف: وعندي أن بقاء الضم راجح في العلم، والنصب راجح في النكرة المعينة؛ لأن شبهها بالمضمر أضعف.
وقوله: وباضطرار خُص جمع يا وأل... إلا مع الله ومحكِيِّ الجُمَل

يعني: أن الجمع بين حرف النداء وحرف التعريف مخصوص بالضرورة كقوله1: فيا الغلامان اللذان فرا...................... إلا في موضعين: أحدهما: "مع"2 الله، فيجوز "يا الله" بوصل الهمزة وقطعها؛ للزوم أل لهذا الاسم حتى صارت بمنزلة الحروف الأصلية.
والآخر: ما سمي به من الجمل المصدّرة بأل نحو: "يا المنطلق زيد" -في رجل مسمى بذلك- نص عليه سيبويه.
تنبيه: قاس المبرد ما سمي به من موصول مصدر بأل على الجملة نحو: "يا الذي قام", قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح.
انتهى.
ونص سيبويه على منعه.
فإن قلت: أهمل هنا موضعا ثالثا ذكره في التسهيل3 وهو اسم الجنس المشبه به نحو:

"يا الأسدَ شدةً"1.
قلت: إنما لم يذكره هنا لأن مذهب الجمهور منعه، والجواز مذهب ابن سعدان في شرح التسهيل, وهو قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثلَ الأسد, فحسن لتقدير دخول "يا" على غير الألف واللام.
وأجاز الكوفيون والبغداديون دخول حرف النداء على ما فيه "أل" مطلقا، ولا حجة لهم في نحو: "يا الغلامان" لأنه ضرورة.
وقوله: والأكثر اللَّهُمَّ بالتعويض يعني: أن الأكثر في نداء هذا الاسم الشريف تعويض الميم المشددة في آخره عن حرف النداء، فيقال: "اللهم" وهذا من خصائصه.
ثم قال: وشذ يا اللهم في قريض وجه شذوذه أن فيه جمعا بين العِوَض والمعوَّض، ومنه قوله2:

إني إذا ما حَدَثٌ ألمّا... أقول يا اللهم, يا اللهما تنبيهات: الأول: مذهب الكوفيين أن الميم في "اللهم" بقية جملة محذوفة وهي: "أمّنا بخير", وليست عوضا عن حرف النداء؛ فلذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار.
الثاني: شذ أيضا حذف "أل" منه كقوله1: لاهُمَّ إن كنت قَبِلت حجتج................. وهو في الشعر كثير.
الثالث: قال في الارتشاف: لا يستعمل "اللهم" إلا في النداء، وشذ استعماله في غير النداء.

قلت: أنشد الفراء لبعض العرب1: كحلفة من أبي رِيَاح... يسمعها لاهم الكبار وفيه شذوذان: أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنه فاعل يسمعها.
والثاني: تخفيف ميمه.
الرابع: إذا قلت: "اللهم" ففي جواز وصفه خلاف؛ منعه سيبويه والخليل، قال بعضهم: لأنه لما اتصلت به الميم صار بمنزلة صوت كقولك: "يا هناه", وأجازه المبرد والزجاج.
الخامس: قال في النهاية: استعمل "اللهم" على ثلاثة أنحاء:

أحدها: أن "يراد به"1 النداء المحض، كقولهم: "اللهم أمنا".
والثاني: أن يذكره المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، يقول لك القائل: "أزيد قائم؟ " فتقول: اللهم نعم، أو اللهم لا.
الثالث: أن تستعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور, كقوله: "أنا أزورك اللهم إذا لم تدعُني".
ألا ترى أن وقوع "الزيارة"2 مقرونا بعدم الدعاء قليل؟ انتهى.

فصل "في تابع المنادى":

تابع ذي الضم المضاف دون أل... ألزِمْه نصبا كأزيد ذا الحيل اعلم أن المنادى إن كان معربا فتابعه منصوب لا غير، نحو: يا أخانا الفاضلَ "ما لم يكن"1 بدلا أو عطف نسق، فحكمهما بعد المعرب كحكمهما بعد المبني على الضم وسيأتي.
وإن كان مبنيا على الضم نحو: "يا زيدُ" و"يا رجل" و"يا سيبويه" فتابعه إن كان بدلا أو عطف نسق, فسيأتي الكلام عليهما.
وأما غيرهما, فإن كان مضافا غير مقرون بأل لزم نصبه مطلقا، مثال النعت: "يا زيدُ ذا الحِيَل" والتوكيد: "يا زيد نفسَهُ" وعطف البيان: "يا زيدُ عائدَ الكلبِ".
وإن كان مضافا مقرونا بأل, أو مفردا ففيه وجهان: الرفع إتباعا للفظ المنادى, والنصب إتباعا لمحله.
وإلى ذلك الإشارة بقوله: وما سواه ارفع أو انصب فشمل قوله: ما سواه المضاف المقرون بأل نحو: "يا زيدُ الحسنَ الوجهِ", والمفرد نحو: "يا زيد الظريف", و"يا تميم أجمعين", و"يا سعيد كرز", فيجوز في جميع ذلك الرفع والنصب على ما تقدم.
فإن قلت: أما النصب إتباعا للمحل فظاهر؛ لأن المنادى مفعول بفعل مقدر.
وأما الرفع إتباعا للفظ فمشكل؛ لأن ضمة المنادى بناء، وحركة البناء لا تتبع.
قلت: لما كان البناء في باب النداء مشابها للإعراب في اطراد حركته جاز إتباعه.
فإن قلت: فهلا جاز الرفع أيضا في المضاف العاري من أل؟

قلت: لأنه يستلزم تفضيل فرع عن أصل، إذ لو كان منادى لوجب نصبه.
فإن قلت: فلِمَ ألحق المضاف المقرون بأل المفرد في جواز الوجهين؟ قلت: لأن إضافته غير محضة، فلم يعتدّ بها.
فإن قلت: فهل الرفع والنصب في المفرد سيان؟ قلت: لم ينص المصنف على تسوية ولا ترجيح، ولكن النصب أقيس.
وفي الفرخ: أكثر قول العرب الرفع في: "يا زيد العاقل".
تنبيهات: الأول: شمل قوله: "تابع" الخمسة، ومراده النعت والتوكيد وعطف البيان, علم ذلك مما بعد.
الثاني: شمل قوله: "ذي الضم" العلم والنكرة المقصودة والمبني قبل النداء؛ لأنه يقدر ضمة، و"قد"1 تقدم تمثيل الثلاثة. الثالث: أجاز الكسائي والفراء والطوال وابن الأنباري الرفع في نحو: "يا زيدُ صاحبُنا"، والصحيح المنع؛ لأن إضافته محضة2.
وأجاز الفراء رفع التوكيد والمنسوق المضافين, قياسا على النعت.
وقد سمع الرفع في "يا تميمُ كلكم" وحمل على القطع، أي: كلكم مدعوّ.
ثم قال: واجعلا.... كمستقل نسقا وبدلا يعني: أن حكم النسق والبدل في الإتباع حكمهما في الاستقلال، ولا فرق في ذلك بين الواقع بعد مضموم، والواقع بعد منصوب، فما كان منهما مفردا غير معين أو مضافا أو مطولا نصب نحو: "يا زيد رجلا صالحا" و"يا زيد وغلاما" و"يا زيد أخانا" و"يا زيد وأخانا" و"يا زيد خيرا من عمرو" و"يا زيد وخيرا من عمرو".

وما كان منهما مفردا علما أو معينا, بُني على الضم نحو: "يا زيد وعمرو" و"يا زيد ورجل".
وذهب الأخفش وخطاب إلى أنه لا يجوز عطف النكرة المقبل عليها على العلم.
فلا يجوز: يا زيد ورجل.
وإنما جعل البدل والنسق كالمستقل؛ لأن البدل في قوة تكرار العامل, والعاطف كالنائب عن العامل.
تنبيهان: الأول: أجاز المازني والكوفيون النصب في نحو: "يا زيدُ وعمرًا".
قال في شرح التسهيل: وما رواه غير بعيد من الصحة, إذا لم تنوِ إعادة حرف النداء.
فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداء واحد على الاسمين.
قال: ويجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان؛ حال يجعل فيها كالمستقل وهو الكثير نحو: "يا غلام زيد"، وحال يعطى فيها الرفع والنصب لشبهه فيها بالتوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق المقرون بأل في عدم الصحة؛ لتقدير حرف نداء قبله نحو: "يا تميم الرجال والنساء".
الثاني: ما ذكر من أن المنسوق كالمستقل إنما هو في غير المقرون بأل, وأما المقرون بأل فقد ذكر حكمه في قوله: وإن يكن مصحوب أل ما نُسِقا... ففيه وجهان ورفع يُنتقَى إذا كان المنسوق مقرونا بأل, جاز فيه وجهان: الرفع والنصب نحو: "يا زيد والحارث".
وإنما لم يجعل كالمستقل؛ لامتناع مباشرته لحرف النداء.

واختلف في المختار من الوجهين؛ فقال الخليل وسيبويه والمازني: الرفع، ووجهه مشاكلة الحركة، وحكاية سيبويه أنه أكثر، وإليه ذهب الناظم.
وقال أبو عمرو وعيسى بن عمرو الجرمي: النصب، ووجهه أن ما فيه أل لم يَلِ حرف النداء, فلم يجعل كلفظ ما وليه، وإجماع القراء -ما عدا الأعرج- على النصب في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ 1. وقال المبرد: إن كان معرفة فالنصب وإلا فالرفع، ووجهه أن المعرفة بأل تشبه المضاف.
تنبيه: هذا الخلاف في الاختيار, والوجهان مجمع على جوازهما إلا فيما عطف على نكرة مقصودة نحو: "يا رجلُ والغلام", فلا يجوز فيه على مذهب الأخفش ومن تبعه إلا الرفع.
وقوله: وأيها مصحوب أل بعد صفهْ... يلزم بالرفع لدى ذي المعرفهْ إذا نُوديت "أي" فهي نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها "ها" التنبيه مفتوحة الهاء، وضمها إذا لم يكن بعدها اسم إشارة -لغة بني مالك من بني أسد- وقد قُرئ بها.
فإن قلت: لِمَ لزمها "ها"2 التنبيه؟ قلت: لتكون "ها" عوضا مما فات "أيا" من الإضافة، ويلزم وصفها بأحد ثلاثة أشياء: الأول: مصحوب "أل" نحو: "يا أيها الرجل".

والثاني: اسم الإشارة نحو1: أيُّهذانِ كُلا زادكما... ودعاني واغِلًا فيمن وغل والثالث: الموصول المصدَّر بأل نحو: "يا أيها الذي فعل".
وإلى هذين أشار بقوله: وأي هذا أيها الذي وَرَد ثم أشار إلى أن نعت "أي" بغير هذه الثلاثة ممنوع, بقوله: ووصف أيّ بسوى هذا يُرَد فلا يقال: "يا أيها صاحب عمرو".
وقد فهم من النظم فوائد: الأولى: أن "ها" تلزم "أيا"2؛ لنطقه بهما معا.
والثاني: أن تابع "أي" صفة لها، وقيل: عطف بيان، قال ابن السيد: وهو الظاهر.

وقيل: إن كان مشتقا فهو نعت نحو: "أيها الفاضل"، وإن كان جامدا فهو عطف بيان.
والثالثة: أن وصف "أي" بأحد هذه الأشياء الثلاثة لازم؛ لقوله "تلزم".
فإن قلت: ولِمَ لزم نعتها "بأحد الثلاثة"1؟ قلت: لأن "أيا" مبهم، فلا بد من تخصيصه، ولأنه وصلة إلى نداء ما فيه أل، فكان المقصود بالنداء وصفه.
والرابعة: أن صفة "أي" ترفع، ولا يجوز فيها النصب بخلاف صفة غيرها, فهي مستثناة مما تقدم.
هذا مذهب الجمهور، وذهب المازني إلى نصب صفة "أي" قياسا على صفة "غيرها"2 من المناديات المضمومة.
قال الزجاج: لم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله ولا تابعه أحد بعده، وعلة ذلك: أن المقصود بالنداء هو نعتها، وأي وصلة إلى ندائه، وقالوا: والنصب مخالف لكلام العرب.
قلت: ذكر ابن الباذش أن النصب فيه مسموع من كلام العرب.
وإلى التعريض بمذهب المازني أشار بقوله: لدى ذي المعرفه.
تنبيه: نسب الجواز في شرح الكافية إلى المازني والزجاج وتبعه الشارح، ونسبته إلى الزجاج مستبعدة، وقد نقل عنه في شرح التسهيل كلامه المتقدم.
والخامسة: أن اسم الإشارة إذا نعت به "أي" فليس من شرطه أن يكون منعوتا بذي أل, وفاقا لابن عصفور وشاهده البيت السابق.
وذكر غيرهما أن ذلك شرط في صحة النعت به.
قيل: وما ذهب إليه ابن عصفور وابن مالك بنياه على بيت نادر شاذ، لا تُبنَى على مثله القواعد، وهو قول الشاعر: أيهذان كلا زادكما

والسادسة: أن اسم الإشارة المنعوت به "أي" شرطه ألا يصحبه حرف الخطاب؛ لقوله: "وأيهذا" خلافا لابن كيسان، فإنه أجاز: "يا أيها ذاكَ الرجلُ"، وبالمنع قال السيرافي.
فإن قلت: أطلق في قوله: "مصحوب أل" وشرط في التسهيل أن تكون جنسية.
فإذا قلت: "يا أيها الرجل" فأل جنسية وصارت بعد "أي" للحضور, كما صارت كذلك بعد اسم الإشارة.
قلت: اشتراط ذلك صحيح، وليس في كلامه ما يرشد إليه.
وقد أجاز الفراء والجرمي إتباع "أي" بمصحوب أل التي للمح الصفة نحو: "يا أيها الحارث", والمنع مذهب الجمهور.
ويتعين أن يجعل عطف بيان عند من أجازه.
تنبيهات: الأول: تؤنث "أي" لتأنيث موصوفها نحو: "يا أيتها المرأة".
وقال في البديع: الاختيار إثبات التاء, ولا تثنى ولا تجمع.
الثاني: ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أن المرفوع بعد "أي" خبر لمبتدأ محذوف, وأي موصولة بالجملة.
ورُدَّ بأنه لو كان كذلك, لجاز ظهور المبتدأ بل كان أولى، ولجاز وصلها بالفعلية والظرف.
الثالث: ذهب الكوفيون وابن كيسان إلى أن "ها" دخلت للتنبيه مع اسم الإشارة.
وإذا قال: "يا أيها الرجل" يريد: يا أيهذا الرجل، حذف "ذا" اكتفاء بها1.

الرابع: يجوز أن تُوصَف صفة "أي" ولا تكون إلا مرفوعة، مفردة كانت أو مضافة، كقول الراجز1: يا أيها الجاهلُ ذُو التنزي................... وقوله: وذو إشارة كأي في الصفه... إن كان تركها يفيت المعرفه لاسم الإشارة في النداء حالتان: إحداهما: أن يُجعل وصلة لنداء ما فيه أل, فيساوي إذ ذاك "أيا" في لزوم نعته ووجوب رفعه، وأنه لا ينعت إلا بمصحوب أل الجنسية، أو بموصول مصدر بأل فتقول: "يا هذا الرجل" و"يا هذا الذي فعل".
وهو في هذه الحالة غير مكتفٍ به, لو قدر الوقف عليه لفات المراد؛ لأنه وصلة لنداء غيره... والأخرى: أن يقدر مكتفى بندائه، لا وصلة لغيره، فيكون إذ ذاك كغير "أي", فلا يلزم نعته.
ويجوز رفعه ونصبه، وينعت بمصحوب أل وبالمضاف فتقول: "يا هذا الطويل", بالرفع والنصب.

وذلك مفهوم من قوله: إن كان تركها يُفِيت المعرفه فإن قلت: مقتضى قوله: "كأي في الصفة" أن ينعت بما تنعت به "أي" و"أي" تنعت باسم الإشارة، واسم الإشارة لا ينعت بمثله.
قلت: ترك التنبيه به على ذلك؛ لوضوحه.
تنبيه: مذهب السيرافي أن اسم الإشارة إذا لحقته كاف الخطاب لم يجز نداؤه، ومذهب سيبويه وابن كيسان الجواز، وحكى فيه ابن كيسان عن بعض النحويين سماعا من العرب.
وقوله: في نحو سعدُ سعدَ الأوس ينتصب... ثان وضم وافتح أولا تُصِب إذا تكرر لفظ المنادى مضافا نحو1:

يا تيمَ تيمَ عدي لا أبا لكم............... فلا بد من نصب الثاني، وأما الأول ففيه وجهان: ضمه وفتحه.
فإن ضم فإنه منادى "مفرد"1 معرفة، ونصب الثاني حينئذ لأنه منادى مضاف أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو إضمار أعني.
ذكر ذلك المصنف، ونُوزع في التوكيد.
وأجاز السيرافي أن ينصب على النعت, وتأول فيه الاشتقاق.
وإن فتح الأول, ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منادى مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مُقْحَم بين المضاف والمضاف إليه.
فإن قلت: فما وجه نصب الثاني إذا جُعل مقحما؟ قلت: قال بعضهم: إن نصبه على التوكيد.
الثاني: أن الأول منادى مضاف إلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر ونصبه من خمسة أوجه كما سبق.
الثالث: أن الاسمين رُكِّبا تركيب خمسةَ عشرَ، وجعلا اسما واحدا، وفتحتهما فتحة بناء، ومجموعهما منادى "مضاف"2 كما قالوا: "ما فعلتْ خمسة عشر له" وهو مذهب الأعلم.
فإن قلت: أي الوجهين أرجح: أضم الأول أم فتحه؟ قلت: بل ضمه لوضوح وجهه, وقد صرح في الكافية بأنه الأمثل.

فإن قلت: فهل يشترط في ذلك أن يكون الاسم المكرر عَلَمًا كما مثل؟ قلت: مذهب البصريين أنه لا يشترط، بل اسم الجنس نحو: "يا رجلُ رجلَ قوم", والوصف نحو: "يا صاحبُ صاحبَ زيد" كالعلم في جواز ضم الأول وفتحه بلا تنوين.
وخالف الكوفيون في اسم الجنس؛ فمنعوا نصبه, وفي الوصف فذهبوا إلى أنه لا ينتصب إلا منونا، فتقول: "يا صاحبًا صاحب زيد" ولم يختلفوا في جواز الضم في جميع ذلك.

المنادى المضاف إلى ياء المتكلم

: واجعل منادى صح إن يُضَفْ لِيَا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا حكم "المنادى"1 المضاف إلى الياء إذا كان معتل الآخر في النداء, كحكمه في غير النداء وقد تقدم، فاحترز عنه بقوله: "صح".
وأما الصحيح الآخر: فيجوز فيه في النداء ستة أوجه، وقد أشار في النظم إلى خمسة, والسادس: أن يضم اكتفاء بنية الإضافة نحو: "يا عبد".
وأفصحها حذف الياء وإبقاء الكسرة، ثم إثبات الياء ساكنة ومتحركة، ثم قلبها ألفا، ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة.
وأقلها الضم، وقد قرئ: "قَالَ رَبُّ السِّجْنُ"2 و"قال ربُّ احكم" بالضم, وحكى يونس "يا أمُّ لا تفعلي" قال الشلوبين: وهذا إذا لم يلتبس.
يعني بالمنادى المقبل عليه.
فإن قلت: فتعريف المضموم على هذه اللغة بالإضافة أو بالإقبال والقصد.
قلت: كلاهما محتمل.
وقد صرح في النهاية بالثاني فقال: جعلوه معرفا بالقصد فبنوه على الضم، وهذه الضمة كما هي في "يا رجل", إذا قصدت رجلا بعينه.
انتهى.
والأول أظهر لثلاثة أوجه: أحدها: أنهم جعلوه لغة في المضاف، ولو كان تعريفه بالقصد والإقبال لم يكن لغة فيه.
الثاني: لو لم يجعل من قبيل المضاف، لكان مثل "افتدِ مخنوقُ"3, و"أصبِحْ ليلُ"4 وحذف حرف النداء قليل.

والثالث: أنه لو كان غير منوي الإضافة، لكان في الأصل صفة لأي، وأسماء الله تعالى لا توصف بها "أي", فتعين كون الأصل "يا ربي" ثم حُذف المضاف إليه تخفيفا، وبني على الضم؛ لشبهه حينئذ بالنكرة المقصودة، وهذا اختيار المصنف.
تنبيهات: الأول: نقل عن الأكثرين منع الألف؛ اكتفاء بالفتحة نحو: "يا عبد", وأجازه الأخفش والفارسي والمازني.
الثاني: أطلق هنا جواز هذه الأوجه كما أطلقه أكثرهم، وقيده في التسهيل بإضافة التخصيص احترازا من اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال نحو: "يا مُكرِمِي", فإن إضافته إضافة تخفيف، والياء في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به, فيشبه بيا قاضٍ فتشاركها في الحذف، فلا تحذف ولا تقلب، ولا حظ لها في غير الفتح والسكون.
قاله في شرحه، وهو موافق لقول ثعلب في المجالس: "يا غلام أقبل" تسقط من الياء, و"يا ضاربي أقبل" لا تسقط الياء منه.
وذلك فرق بين الاسم والفعل.
وذكر في النهاية: أنه لا يجوز حذف الياء في اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال.
الثالث: إنما كثر تخفيف المضاف للياء في النداء؛ لكثرة إضافة المنادى للياء، والكثرة تستتبع التخفيف.
وأما في غير النداء، فالأصح إثباتها ساكنة ومتحركة، وقد سمع حذفها استغناء بالكسرة نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ 1 وقلبها ألفا كقوله2:

.................... إلى أُمّا ويُروِيني النَّقِيع وأجاز المازني: "قام غلاما", وقال ابن عصفور: هذا في الضرورة.
وحذف الألف استغناء بالفتحة كقوله1: = اللغة: "أطوف" من طوّف تطويفا وتطوافا -والتشديد فيه للتكثير- ومعناه: أكثر من الدوران والطوفان, "آوي" من أوى الإنسان إلى منزله يأوي أويا، "النقيع" -بفتح النون وكسر القاف- اللبن المحض يبرد.
الإعراب: "أطوف" فعل مضارع والفاعل ضمير, "ما أطوف" ما مصدرية, أي: أطوف الطواف الكثير، وأطوف فعل مضارع والفاعل ضمير, "ثم" عاطفة, "آوي" جملة من فعل وفاعل عطف على أطوف, "إلى أما" جار ومجرور, "ويرويني" يروي فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول, "النقيع" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد فيه: "إلى أما" إذ أصله: أمي, فقلبت الياء ألفا.
مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع 53/ 2.

....................... بلهف ولا بِلَيْتَ ولا لَوَ اني وأما الضم في غير النداء نحو: "جاء غلام" وأنت تريد الإضافة, فأجازه أبو عمر وغيره على قلة.
واستدلوا بقوله1: ................... وإنما أهلكت مال يريد: مالي.
وردّه أبو زيد الأنصاري، وتأول ما استدل به أبو عمرو.
الرابع: قال في شرح الكافية: إذا كان آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كبُنَيّ2.

قيل: يا بني أو يا بني لا غير، فالكسر على التزام حذف ياء المتكلم فرارا من توالي الياءات, مع أن الثالثة كان يختار حذفها قبل وجود الياءين، وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه.
والفتح على وجهين: أحدهما: أن تكون ياء المتكلم أُبدلت ألفا ثم التزم حذفها؛ لأنها بدل مستثقل.
والثاني: أن تكون ثانية ياءي بُنَيَّ حذفت, ثم أدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت؛ لأن أصلها الفتح.
قوله: وفتح او كسر وحذف الياء استمر... في يابن أُمَّ يابن عَمَّ لا مفر إذا نُودي المضاف إلى المضاف إلى الياء كان حكم الياء معه كحكمها في غير النداء نحو: "يابن أخي" إلا "ابن أم" و"ابن عم"، فإنهما لما كثُر استعمالهما في النداء خُصا بالتخفيف, فيقال: "يابن أم" بفتح الميم وكسرها.
أما الفتح, ففيه قولان: أحدهما: أن الأصل "أُمَّا" و"عمَّا" -بقلب الياء ألفا- فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلا عليها.
والثاني: أنهما جعلا اسما واحدا مركبا, وبني على الفتح.
والأول قول الكسائي والفراء وأبي عبيدة وحكي عن الأخفش، والثاني قيل: هو مذهب سيبويه والبصريين.
وأما الكسر: فظاهر قول الزجاج وغيره أنه مما اجتزئ فيه بالكسر عن الياء المحذوفة, من غير تركيب.
قال في الارتشاف: وأصحابنا يعتقدون أن "ابن أم" و"ابنة أم" و"ابن عم" و"ابنة عم" حكَمَتْ لها العرب بحكم اسم واحد، وحذفوا الياء كحذفهم إياها من "أحدَ عشرَ" إذا أضافوه إليها.

فإن قلت: ما معنى قوله: "استمر"؟ قلت: يشير إلى أن هذين الوجهين استمرا في كلامهم, واطردا بحيث لا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة، وقد قرئ بهما في السبع.
فإن قلت: فأيهما أجود؟ قلت: نصّ بعضهم على أن الكسر أجود, وهو ظاهر.
فإن قلت: لم يذكر "ابنة أم" و"ابنة عم", وحكمهما حكم "ابن أم" و"ابن عم".
قلت: كأنه استغنى بذكر المذكر عن ذكر فرعه.
فإن قلت: قد يوهم اقتصاره على الكسر والفتح أن غيرهما ممتنع، وقد قال في التسهيل: وربما ثبتت أو قُلبت ألفا1 يعني: الياء.
قلت: الذي يفهم من قوله: "استمرا" أن غيرهما لم يستمر في الكلام, ولم يطرد كاطرادهما.
وهذان الوجهان ضعيفان؛ ولذلك قال: وربما، وفي الكافية: ونَدُرَ، وفي شرحها: ولا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة.
وقال غيره: هما لغتان قليلتان.
ومن إثبات الياء قوله2:

يابنَ أمي ويا شُقَيِّق نفسي.......................... ومن إثبات الألف قوله1: يا ابنةَ عَمَّا لا تلومي واهجعي............................. = منادى منصوب بالفتحة الظاهرة, "نفسي" مضاف إليه وياء المتكلم مضافة إلى نفس, "أنت" ضمير منفصل مبتدأ, "خلفتني" خلف فعل ماض والتاء فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به, والجملة في محل رفع خبر المبتدأ, "لدهر" جار ومجرور متعلق بخلف, "شديد" صفة لدهر.
الشاهد فيه: "يابن أمي" حيث أثبت يا المتكلم في "أمي", وهذا ضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 457/ 2، وابن هشام 248/ 3، والسيوطي ص104، وذكره في الهمع 54/ 2، وسيبويه 318/ 1، وابن يعيش 12/ 2، وفي القطر ص208.

وأما قوله1: كن لي لا عليّ يابنَ عمَّا... نَعِشْ عزيزين ونكف الهما فيحتمل أن تكون الألف فيه للإطلاق.
فإن قلت: فأي هذين الوجهين أجود؟ قلت: قال بعضهم: قلب الياء ألفا أجود من إثباتها.
تنبيه: إذا ثبت الياء ففيها وجهان: الإسكان والفتح.
فالحاصل: خمسة "أوجه"2 ونص بعضهم على أن الخمسة لغات.
وقوله: وفي الندا أبت أُمَّت عَرَض... واكسر أو افتح ومن اليا التا عِوَض إذا "نودي"3 الأب والأم مضافين إلى الياء, جاز فيهما الوجوه الستة المقدمة في نحو: "يا عبد".
وينفردان بتعويض تاء التأنيث من الياء مكسورة ومفتوحة، وبالفتح قرأ ابن عامر, وبالكسر قرأ غيره من السبعة.

ووجه الكسر أن الكسرة كانت مستحقة قبل الياء, فلما عوض عنها التاء -ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا- جعلت الكسرة عليها؛ لتكون المعوض عنه في مجامعة الكسرة بالجملة.
وعن الفراء أن الكسر حصل؛ لأن الياء في النية.
ورده أبو إسحاق وقال: كيف تكون الياء في النية، وليس يقال: يا أبتي؟ ووجه الفتح، أن التاء حركت بحركة الياء؛ لكونها عوضا عنها، وقيل: لأن الأصل: "يا أبتا" فحذفت الألف.
ويرده ما رد قول الفراء.
فإن قلت: فأي الوجهين أكثر؟ قلت: نص المصنف وغيره على أن الكسر أكثر، وذكر الشارح أن الفتح أقيس، قال: إلا أن الكسر أكثر.
وقد فُهم من كلام الناظم فوائد: الأولى: أن تعويض التاء من ياء المتكلم في أب وأم, لا يكون إلا في النداء، لقوله: "وفي الندا".
الثانية: أن ذلك مختصّ بالأب والأم.
الثالثة: أن التعويض فيهما ليس بلازم، فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة، فُهم ذلك من قوله: "عرض".
الرابعة: أنه لا يجوز الجمع بين الياء والتاء؛ لأنها عوض عنها، ولا بين التاء والألف؛ لأن الألف بدل من الياء.
وأما قوله1:

يا أَبَتِي لا زلتَ فينا فإنما... لنا أملٌ في العيش ما دُمْتَ عائشا وأجاز كثير من الكوفيين الجمع بينهما في الكلام، ونظيره قراءة أبي جعفر: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾ 1. فجمع بين العوض والمعوض.
وأما قوله2: ........................ يا أبتا عَلَّك أو عَسَاكَا فجعله ابن جني من ذلك، وهو أهون من الجمع بين التاء والياء؛ لذهاب صورة المعوض عنه.
= للتعليل وإن حرف توكيد وما كفتها عن العمل, "لنا" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم, "أمل" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة, "في العيش" جار ومجرور متعلق بأمل, "ما دمت" ما مصدرية زمانية ودام من أخوات كان والتاء اسمها, "عائشا" خبر دام.
الشاهد فيه: "يا أبتي" حيث جمع فيه بين العوض والمعوض، وهما التاء وياء المتكلم؛ لأن التاء عوض عن ياء المتكلم.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 458/ 2، والمكودي ص128.

وقال في شرح الكافية: الألف فيه هي الألف التي يُوصَل بها آخر المنادى إذا كان بعيدا أو مستغاثا به أو مندوبا، وليست بدلا من ياء المتكلم، وجوّز الشارح الأمرين1.
تنبيهات: الأول: اختلف في ضم التاء في "يا أبت" و"يا أمت"، فأجازه الفراء وأبو جعفر النحاس، ومنعه الزجاج. وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع من العرب من يقول: "يا أمتُ" بالضم. الثاني: مذهب البصريين أن الوقف على هذه التاء بالهاء، ومذهب الفراء بالتاء. وفي التسهيل: وجعلها هاء في الخط والوقف جائز2.
وقرئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء.
الثالث: قال في شرح التسهيل: وقالوا في "أبا" المقصور: "يا أبات".
قال الشاعر3:

........................ كأنك فينا يا أَبَات غريب ولو لم يعوض "لقال: أباي"1.
انتهى.
وزعم بعضهم أنه أراد: "يا أبتي" فقلب، وهو بعيد.
وقيل: يخرج على أن الألف إشباع.

محتويات المجلد الثاني

: الصفحة الموضوع 581 الجزء الثاني 583 الفاعل 598 النائب عن الفاعل 611 اشتغال العامل عن المعمول 620 تعدي الفعل ولزومه 629 التنازع في العمل 644 المفعول المطلق 654 المفعول له 657 المفعول فيه وهو المسمى ظرفا 663 المفعول معه 669 الاستثناء 692 الحال 726 التمييز

الصفحة الموضوع 738 حروف الجر 782 الإضافة 834 المضاف إلى ياء المتكلم 837 الجزء الثالث 839 إعمال المصدر 849 إعمال اسم الفاعل 862 أبنية المصادر 869 أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات 873 الصفة المشبهة باسم الفاعل 885 التعجب 902 نعم وبئس وما جرى مجراهما 933 أفعل التفضيل 945 النعت 967 التوكيد

الصفحة الموضوع 988 العطف 993 عطف النسق 1036 البدل 1051 النداء 1072 "فصل" في تابع المنادى 1083 المنادى المضاف إلى ياء المتكلم

المجلد الثالث

تابع القسم الثاني: تحقيق شرح الفية ابن مالك

الجزء الرابع

أسماء لازمت النداء

: معنى ملازمتها النداء أنها لم تستعمل في غيره إلا "في"1 ضرورة.
وهي ضربان: مسموع، ومقيس.
فمن المسموع: "يا أبت" و"يا أمت" و"اللهم"2 وقد تقدمت.
و"هناه" بالضم والكسر.
كقوله3: وقد رابني قولها يا هناه....................... واختلفوا في مادة هذه الكلمة على قولين: أحدهما: أن أصل مادته "هـ. ن. و" ثم اختلف القائلون بهذا على أربعة مذاهب:

الأول: أن الهاء في "هناه" بدل من لام الكلمة، والأصل هناو، وهو مذهب أكثر البصرين.
والثاني: أنها بدل من همزة مبدلة من الواو فهي بدل "بدل"1 اللام، وهو مذهب ابن جني.
والثالث: أن اللام محذوفة والألف والهاء زائدتان في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر.
والرابع: أن اللام محذوفة "أيضا"2 والألف هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب والهاء للسكت، وهو مذهب الفراء واختيار المصنف وابن عصفور، ويدل على صحته كسرها، لالتقاء الساكنين.
والقول الآخر: أن أصل مادته "هـ. ن. ة" فهو من باب سلس، وهو مذهب أبي زيد.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن أصل "هن" ومادته "هـ. ن. ن" مستدلا بما حكاه أبو الخطاب من قولهم: "يا هنانان" في التثنية يريد: "يا هنان" لكان مذهبا.
ومن المسموع: "فُلُ" وقد أشار إليه بقوله: وفُلُ بعض ما يُخَص بالندا يقال: "يا فل" للرجل، و"يا فلة" للمرأة.
واختلف فيهما، وفمذهب سيبويه أنهما كناية عن نكرتين، ففُلُ: كناية عن رجل، وفُلَةُ: كناية عن امرأة.
وذهب الكوفيون إلى أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورد بأنه لو كان مرخما لقيل فيه "فلا"، ولما قيل في التأنيث فلة.

وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط: إلى أن "فل" كناية عن العَلَم بمعنى يا فلان، وهذا مذهب الناظم، فإنه صرح في شرح التسهيل وغيره، بأن "يا فل" بمعنى يا فلان.
و"يا فلة" بمعنى يا فلانة، قال: وهما الأصل، ولا يستعملان منقوصَيْن في غير نداء إلا في ضرورة.
قلت: وهو موافق لمذهب الكوفيين في أنهما بمعنى فلان وفلانة، مخالف له في الترخيم.
فإن قلت: قوله: وهما الأصل "يعني"1 موافقة الكوفيين "في الترخيم"2.
"قلت: قد رد المصنف مذهب الكوفيين في أنهما ترخيم"3 فلان وفلانة بالوجهين السابقين، فعلم أنه غير موافق لهم على ذلك، بل هما عنده من "قبيل"4 ما حذف منه لغير ترخيم. ومن المسموع: "لُؤمان" و"نَومان" وقد نبه عليهما بقوله: ................... لُؤْمَان نَوْمَان كذا أي: مختصان بالنداء. أما "لؤمان" -بالهمز وضم اللام- فمعناه يا عظيم اللؤم، ومثله: "يا مَلأمُ" و"يا مَلأمَان"5.
وأما "نومان" -بفتح النون- فمعناه يا كثير النوم6.
"تنبيهان": الأول: الأكثر في بناء "مَفْعَلان" نحو "مَلْأَمَان" أن يأتي في الذم. وقد جاء في المدح "يا مَكْرَمَان"7.
حكاه سيبويه والأخفش، و"يا مَطْيَبَان".

وزعم ابن السيد: أنه مختص بالذم، وأن "مَكْرَمَان" تصحيف "مَكْذَبان".
وليس بشيء.
الثاني: قال في شرح الكافية -بعد أن ذكر ملأم، ولؤمان، وملأمان، ومكرمان: وهذه الصفات مقصورات على السماع بإجماع.
انتهى.
وتبعه الشارح، وهو صحيح في غير "مَفْعَلان"، فإن فيه خلافا أجاز بعضهم القياس عليه، فنقول: "يا مَخْبَثان"، وفي الأنثى "يا مَخْبَثانة".
ثم انتقل إلى المقيس فقال: .................................................... واطردا في سب الأنثى وَزْنُ يا خَبَاثِ............................... اطراده مشروط بشرطين: أحدهما: أن يكون في السب.
والثاني: أن يكون من ثلاثي كالنوع الذي يليه.
وسبب بنائه على الكسر شبهه بنزال عدلا وزنة وتأنيثا.
تنبيه: كلام المصنف في الكافية والتسهيل وكلام الشارح يوهم أن في القياس عليه خلافا؛ لنصه على سيبويه وحده.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم فيه خلافا، وفي الارتشاف -في باب ما لا ينصرف- قال بعضهم: لا يقاس، فلا يقال: "يا قباح" قياسا على "فساق".
ثم استطرد فقال: .......................... والأمر هكذا من الثلاثي يعني أن بناء "فَعَال" للأمر مطرد من كل فعل ثلاثي نحو "نَزَالِ" و"تَرَاكِ" هذا مذهب سيبويه، وخالفه المبرد فقال: "لا يقال منه إلا"1 ما سمع.

فإن قلت: أهمل المصنف من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط: الأول: أن يكن مجردا، فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: دراك.
والثاني: أن يكون تاما، فلا يُبنى من الناقص.
والثالث: أن يكون متصرفا.
والرابع: أن يكون كامل التصرف، لا يُبنى من يذر ويَدعُ.
قلت: اشتراط بعض هذه الشروط واضح، فلم يتعرض له، وقوله: "ثلاثي" محمول على المجرد كما تقدم في التعجب.
ثم رجع إلى المسموع فقال: وشاع في سب الذكور فُعَلُ... ولا تَقِسْ................. يعني: أن ما عدل إلى فُعَل في سب الذكور نحو" يا خُبَث" و"يا فُسَق" و"يا غُدَر" و"يا لُكَع" شائع، ومع شياعه لا يقاس عليه، قيل: والمسموع منه هذه الأربعة.
ونص المغاربة "على"1 أنه ينقاس عليه، ونقله في البسيط عن سيبويه، ومن قاس عليه فبالشروط السابقة.
ثم نبه على أن بعض هذه الألفاظ قد استعمل في غير النداء ضرورة، بقوله: .................... وجُرّ في الشعر فُلُ يعني في قول الراجز2:

أمسك فلانا عن فُلِ تنبيهان: الأول: الحاصل من كلام سيبويه أن "فل" في الرجز محذوف من فلان؛ لضرورة الشعر، وليس هو المختص بالنداء، بل هو غيره، ومعناهما مختلف؛ لأن المختص كناية عن اسم جنس، وهذا كناية عن علم، ومادتهما مختلفة.
فالمختص مادته "ف.
ل. ي"، وهو محذوف اللام، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيٌّ".
وهذا مادته "ف.
ل. ن"، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيْنٌ" وتقدم ما ذهب إليه المصنف.
الثاني: ليس مراده أنه لم يستعمل في غير النداء من الألفاظ المذكورة إلا "فل".
اللغة: "الهوجل" المراد هنا المفازة الواسعة التي لا أعلام بها، ويطلق على الرجل الأهوج "لجة" -بفتح اللام وتشديد الجيم- الجلبة واختلاط الأصوات في الحرب.
المعنى: شبه تزاحم الإبل ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة وشر يدفع بعضهم بعضا فيقال: أمسك فلانا عن فلان.
أي: احجز بينهم.
وخص الشيوخ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال.
الإعراب: "تضل" فعل مضارع "منه" جار ومجرور متعلق بتضل "إبلي" فاعل تضل والياء مضاف إليه "بالهوجل" جار ومجرور متعلق به "في لجة" جار ومجرور متعلق به أيضا "أمسك" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة مقول لقول محذوف.
أي: يقال فيها: أمسك... إلخ "فلانا" مفعول به "عن فل" جار ومجرور متعلق بأمسك.
الشاهد فيه: "فل" قد استعمل في غير النداء، وجرها بحرف الجر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني 460/ 2، وابن هشام 249/ 3، وابن عقيل 206/ 2، والمكودي ص129 وابن الناظم.
وذكر سيبويه 333/ 1، 122/ 2، والسيوطي في الهمع 177/ 1.

بل "ذكرها"1.
تنبيها على ورود نظيره، ومنه قوله2: ............ قَعِيدَته لَكَاعِ وخرجه بعضهم على تقديم: يقال لها: يا لكاع، فحذف القول وحرف النداء.

الاستغاثة

: هي نداء من يخلِّص من شدة، أو يعين على مشقة.
وللمستغاث ثلاثة أحوال: أحدها: أن يجر بلام مفتوحة، وهذا أكثر أحواله.
الثانية: أن يجاء في آخره بألف معاقبة للام.
الثالثة: أن يجرد من اللام والألف ويجعل كالمنادى المطلق نحو: "يا زيد لعمرو" وهذه أقلها.
ومنها قوله1: ألا يا قوم لِلعجَبِ العجيبِ............................

جارٍ التحميل