توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 1595-1634

مقدمة الألفية

صفحات 1595-1634
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

تنبيه: ما ذكره المصنف من أن لام فُعْلَى إذاكانت واوا تبدل ياء في الصفة وتسلم في الاسم مخالف لقول أهل التصريف، فإنهم يقولون: إن فُعْلَى إذا كانت لامها واوا تقلب في الاسم دون الصفة ويجعلون "حُزْوَى" شاذا، وقال المصنف في بعض كتبه: النحويون يقولون: هذا الإعلال مخصوص بالاسم ثم لا يمثلون إلا بصفة محضة أو بالدنيا، والاسمية فيها عارضة، ويزعمون أن تصحيح حزوى شاذ كتصحيح "حَيْوَة"، وهذا قول لا دليل على صحته، وما قلته مؤيد بالدليل وموافق لقول أئمة اللغة.
حكى الأزهري عن الفراء وابن السكيت أنهما قالا: ما كان من النعوت مثل الدنيا والعليا فإنه بالياء، فإنهم يستثقلون الواو مع ضمة أوله، وليس فيه اختلاف، إلا أن أهل الحجاز أظهروا الواو في القصوى، وبنو تميم قالوا: القصيا.
انتهى.
وأما قول ابن الحاجب بخلاف الصفة كالغُزْوى يعني تأنيث الأغزَى، قال ابن المصنف: هو تمثيل من عنده، وليس معه نقل، والقياس أن يقال: الغزيا كما يقال العليا.

فصل "إذا اجتمعت الواو والياء وسكن ما قبلها":

إن يَسْكُنِ السابقُ من واو وَيَا... واتصلا ومن عُرُوض عَريَا فياءً الواوَ اقلبنَّ مُدْغِما... وشذَّ معطى غير ما قد رُسِمَا حاصل هذا الفصل أن الواو والياء إذا اجتمعا وسكن سابقهما وجب إبدال الواو ياء ثم الإدغام، وذلك مشروط بشروط: الأول: أن يتصلا، أعني: أن يكون في كلمة واحدة، فلو كانا في كلمتين نحو: "فويوسفُ" وهذا "فويزيد" لم يجز الإبدال والإدغام. الثاني: أن يكون سكون السابق أصليا، فلو كان عارضا نحو قَوْى مخفف قوى لم تبدل ولم تدغم. الثالث: ألا يكون الساكن بدلا غير لازم نحو رُويَة مخفف رُؤْية، فلا يبدل لعروضه، وحكى الكسائي الإدغام في رويا إذا خففت، وسمع من يقرأ: "إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّيَّا تَعْبُرُونَ"1.
فإن كانت بدلا لازما نحو ايّم وهومثال أُبْلُم من الأيمة أصله أؤيم، فأبدلت الهمزة الثانية واوا؛ لانضمام التي قبلها فصار أويم، وهذا بدل لازم فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار أيم، وهذان الشرطان مأخوذان من قوله: "ومن عروض عريا" أي: من عروض ذات أو من عروض سكون.
فمثال ما اجتمعت فيه الشروط سيّد وأصله سَيْوِد؛ لأنه فيعل من ساد يسود، ومرمي أصله مرموي؛ لأنه مفعول من رمى يرمي، فأبدلت الواو فيهما ياء ثم أدغمت أولى الياءين في الأخرى.
تنبيهات: الأول: لوجوب الإبدال في هذا النوع شرط رابع لم ينبه عليه هنا، وهو ألا يكون الثاني واوا تحركت لفظا في إفراد وتكسير غير لازم بعد ياء التصغير نحو جدول، فلك في تصغيره وجهان:

أحدهما: جُدَيِّل بالإبدال والإدغام على القياس، وهو الأرجح. والآخر: جُدَيْول -بالتصحيح. وقوله: "وشذ معطى غير ما قد رسما" يشمل ثلاثة أضرب: أحدها: ما أبدل وأدغم ولم يستوفِ الشروط كقولهم في الرؤيا: ريّا، وقد قرأ بعضهم: "إن كنتم للريَّا تعبرون"، وحكى الفراء في روية مخفف رؤية ريّة -بالإدغام- وقال في شرح الكافية: وحكى بعضهم اطرادهم على لغة، وقاس بعضهم عارض السكون على عارض البدلية فقال: في قوى مخفف قوى في -بالإدغام- وهو ضعيف. الثاني: ما صحح مع استيفاء الشروط كقولهم للسِّنَّور ضَيْوَن، وعوى الكلب عَوْية، ويوم أَيْوَم1.
والثالث: ما أبدل فيه الياء واوا وأدغمت الواو في الواو كقولهم: عوى الكلب عَوَّة، وهو نَهو عن المنكر.
من واو أو ياء بتحريك أصل... ألفًا ابدل بعد فتح متصل يجب إبدال كل ياء أو واو تحركت بعد فتح ألفا بشروط: الأول: أن يكون التحريك أصليا، احترازا من أن يكون عارضا نحو جَيَل وتَوَم مخففي جَيْئَل وتَوْءَم.
والثاني: أن يكون الفتح متصلا احترازا من أن يكون منفصلا بحرف نحو زاي وواو، فإن الألف فاصلة، أو يكون من كلمة أخرى نحو إن يزيد ومق، فإنه لا يؤثر.
والثالث: أن يكون اتصاله أصليا احترازا من نحو بناء مثل عُلَبِط2 من الرمي أو الغزو فتقول فيه: رُمِيٍ وغُزَوٍ -منقوصا- ولا تقلب الواو والياء ألفا؛ لأن اتصال

الفتحة بها عارض بسبب حذف الألف؛ إذ الأصل رُمَايِي وغُزَاوِي؛ لأن علبطا أصله علابط.
فإن قلت: لا يؤخذ هذا الشرط من النظم.
قلت: بل من قوله: "متصل" فإن هذا منفصل تقديرا واتصاله عارض، فيكون المعنى بعد فتح متصل لفظا وتقديرا، فهذه الشروط لا بد من اعتبارها في الإعلال المذكور، ولا يشترط معها في إعلال اللام إلا شرط واحد وهو ألا يتصل بها ألف ولا ياء مشددة، وأما العين فيشترط في إعلالها مع هذه الشروط الثلاثة شروط آخر.
أولها: ألا يسكن ما بعدها، وثانيها: ألا يكون ما هي فيه فعلا على فعل ذا أفعل أو متصرفا منه، وثالثها: ألا يكون ما هي فيه فعلا واويا على افتعل بمعنى تفاعل أو مصرفا منه، ورابعها: ألا يعل ما وليها، وخامسها: ألا يكون ما هي فيها اسما مختوما بزيادة تختص بالأسماء، وسادسها: ألا تكون هي بدلا من حرف لا يعل، وسيأتي الكلام على هذه الشروط مفصلا إن شاء الله تعالى.
فمثال ما يعل لاستيفاء الشروط وهي لام رمى ودعا أصلهما رمي ودعو، فقلبت الياء والواو ألفا لما تقدم.
ومثال ذلك وهو عين باع وقال: أصلهما بيع وقول، فقلبت الياء والواو ألفا لذلك، وقد أشار إلى أول هذه الشروط الستة بقوله: إن حُرك التالي وإن سُكن كف... إعلال غير اللام.............. يعني: أن إعلال الياء والواو بالإعلال المذكور إذا كانا غير مشروط بأن يتحرك تاليهما كما مثلنا به، فإن سكن تاليهما منع الإعلال وكفه مطلقا نحو بيان وغيور وطويل وخَوَرْنَق، وأما اللام فقد بين حكمها بقوله: .................................... وهي لا يكف إعلالها بساكن غير ألف... أو ياء التشديد فيها فيها قد أُلف

لما كانت اللام محل التغيير لم يكف إعلالها الساكن كما كف إعلال العين ما لم تكن ألفا أو ياء مشددة فإنهما يكفان إعلالها دون غيرهما من السواكن، فالألف نحو رَمَيَا وغَزَوَا، والياء المشددة نحو عَلويّ؛ لأنهم لو أعلوا قبل الألف لاجتمع ساكنان، فيحذف أحدهما فيصير اللفظ رمى وغزا، فلا يُدرى للمثنى هو أم للمفرد.
وأما: رحيان وعصوان، فمحمول عليه لأنه من باب، وأما نحو علويّ، فلا تبدل واوه ألفا لأنها في موضع تبدل فيه الألف واوا، فإن ولي اللام غير الألف والياء المشددة من السواكن أعلت نحو يَخْشَوْن أصله يخشيون، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وكذلك تقول في جمع عصا -مسمى به- قام عَصَوْن، والأصل عَصَوُون، ففعل به ما ذكر في يخشون، وعلى هذا لو بنيت من الرمي مثل عنكبوت قلت رَمْيَوْت والأصل رَمْيَيُوت ثم قلب وحذف لملاقاة الساكن وسهل ذلك أمن اللبس إذ ليس في الكلام فَعْلَوْت، وذهب بعضهم إلى تصحيح هذا؛ لكون ما هي فيه واحدا، ثم أشار إلى ثانيها بقوله: وصحَّ عينُ فَعَل وفَعِلا... ذا أفْعَل كأَغْيَد وأَحْوَلا ما كان من الأفعال على فَعَل وعينه ياء أو واو واسم فاعله على أفعل لزم تصحيحه حملا على افعلّ لموافقته له في المعنى؛ لأن فعل من هذا النوع مختص بالألوان والخلق نحو غيد فهو أغيد1 وحول فهو أحول، ومصدر فعل هذا محمول عليه في التصحيح أيضا نحو غيد غيدا وحول حولا.
واحترز بقوله: "ذا أفعل" من نحو خاف ونحوه فإن وزنه فَعِل، ولكن فاعله متزن بفاعل، ثم أشار إلى ثالثها بقوله: وإن يَبِنْ تَفَاعُلٌ من افْتَعَلْ... والعينُ واو سَلِمَتْ ولم تُعَل

إذا كان افتعل واوي العين بمعنى تفاعل صح حملا على تفاعل؛ لكونه بمعناه نحو اجْتَوَرُوا وازدرجوا بمعنى تجاوروا وتزاوجوا، واحترز بقوله: "وإن يَبِن تفاعل من افتعل" من أن يكون افتعل لا يدل على التفاعل، وهو الاشتراك في الفاعلية والمفعولية، فإنه يجب إعلاله مطلقا نحو اختان بمعنى خان واجتاز بمعنى جاز، واحترز بقوله: "والعين واو" من أن تكون عينه ياء فإنه يجب إعلاله.
ولو كان دالا على التفاعل، نحو: امتازوا وابتاعوا واستافوا1 أي: تضاربوا بالسيوف؛ لأن الياء أشبه بالألف من الواو، فكانت أحق بالإعلال منها، ثم أشار إلى رابعها بقوله: وإِنْ لحرفين ذا الإعلال اسْتُحق... صُحِّح أول وعكس قد يَحِق إذا اجتمع في الكلمة حرفا علة واوان أو ياءان أو ياء وواو، وكل منهما مستحق لأن يقلب ألفا لتحركه وانفتاح ما قبله، فلا بد من تصحيح أحدهما لئلا يجتمع إعلالان والآخر أحق بالإعلال، فاجتماع الواوين كالحوى مصدر حَوِيَ إذا اسودّ، ويدل على أن ألف الحوى منقلبة عن واو قولهم في مثناه: حووان، وفي جمع أحوى: حُوّ، وفي مؤنثه: حواء، فأصل الحوى حوو، فكل واحدة من الواوين تستحق الانقلاب، فإن قلبناهما لالتقى ألفان فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين، ثم حذف الآخر لملاقاة التنوين فيبقى اسم متمكن على حرف واحد، وذلك ممتنع، وما أفضى إلى الممتنع ممتنع، فلما امتنع إعلالهما معا وجب إعلال أحدهما، وكان الثاني أحق بذلك لأن الطرف محل التغيير والعين متحضنة بوقوعها حشوا واجتماع الياءين كالحيا للغيث، وأصله حيي، فأعلت الياء الثانية لما تقدم، واجتماع الواو والياء كالهوى، أصله هَوَي، فأعلت الياء على ما ذكر في الحوى.

وهكذا يفعل في كل ما جاء من هذا النوع إلا ما شذ من نحو غاية وأصله غَيَيَة، فأعلت الياء الأولى وصحت الثانية، وسهل ذلك كون الثانية لم تقع طرفا، ومثل غاية في ذلك ثَاية، وهي حجارة صغار يضعها الراعي عند متاعه فيثوى عندها، وطاية وهي السطح والدكان أيضا، وكذلك آية عند الخليل أصلها أيية، فأعلت العين شذوذا، وفي آية خمسة مذاهب غير مذهب الخليل ذكرتها في غير هذا الموضع، وإلى غاية وأخواتها أشار بقوله: "وعكس قد يحق"، ثم أشار إلى خامسها بقوله: وعينُ ما آخره قد زِيدَ ما... يخص الاسم واجبٌ أن يَسْلَما لما كان الإعلال فرعا والفعل فرع كان أحق به من الاسم؛ ولهذا إذا كان آخر الاسم زيادة تختص بالأسماء وجب سلامة عينه إذاكانت واوا أو ياء تحركتا وانفتح ما قبلهما؛ لأنه بتلك الزيادة بعد شبهه بما هو الأصل في الإعلال، وذلك نحو: جَوَلان وسَيَلان، فإنهما قد ختما بزيادة تختص بالأسماء، وهي الألف والنون فصحت عينهما لذلك، وما جاء من هذا النوع معلا عد شاذا نحو: داران وماهان1 وقياسهما دَوَران ومَوَهان، وخالف المبرد في هذا فزعم أن الإعلال هو القياس، وعليه جاء داران وماهان، والصحيح الأول، وهو مذهب سيبويه.
تنبيهات: الأول: زيادة تاء التأنيث غير معتبرة في التصحيح؛ لأنها لا تخرجه عن صورة فعل؛ لأن تاء التأنيث تلحق الماضي، فلا يثبت بلحاقها مباينة في نحو: قَالَة وبَاعَة، وأما الْحَوَكَة فتصحيحه شاذ باتفاق.

الثاني: اختلف في ألف التأنيث المقصورة في نحو صَوَرَى -وهو اسم ماء- فذهب المازني إلى أنها مانعة من الإعلال؛ لاختصاصها بالاسم.
وذهب الأخفش إلى أنها لا تمنع الإعلال؛ لأنها لا تخرجه عن شبه الفعل؛ لأنها في اللفظ بمنزلة ألف فَعَلا، فتصحيح صَوَرَى عند المازني مقيس، وعند الأخفش شاذ لا يقاس عليه؛ فلو بني مثلها من القول لقيل على رأي المازني: قَوَلَى، وعلى رأي الأخفش: قَالَا، وقد اضطرب اختيار الناظم في هذه المسألة، فاختار في التسهيل مذهب الأخفش، وفي بعض كتبه مذهب المازني، وبه جزم الشارح، واعلم أن ما ذهب إليه المازني هو مذهب سيبويه.
الثالث: لم ينبه الناظم هنا على الشرط السادس، وهو ألا تكون العين بدلا من حرف لا يُعل وقد ذكره في التسهيل، واحترز به عن قولهم في شجرة: شَيَرة، فلم يعلوا لأن الياء بدل من الجيم، قال الشاعر1: إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى... فأبعدكن الله من شَيَرات الرابع: قال في الكافية: وقد يكف سبب الإعلال أن... يُناب عن حرف بتصحيح قَمِن

فهذا شامل لنوعين: أحدهما: ما هو بدل من حرف لا يعل نحو: شيرة في شجرة، وقد تقدم.
والثاني: ما هو حال محل حرف لا يعل، وإن لم يكن بدلا نحو: أيس بمعنى يئس، فيضعون الهمزة موضع الياء، والياء موضع الهمزة، ويصححون الياء، وإن تحركت وانفتح ما قبلها؛ لأنها وقعت موقع الهمزة، والهمزة لو كانت في موضعها لم تبدل، فعوملت الياء معاملتها لوقوعها موقعها، هكذا قال في شرح الكافية.
وهذا النوع الثاني لم يخرج بشيء من الشروط الستة المتقدمة، فيكون هذا شرطا سابعا.
وذكر بعضهم: أن أيس إنما لم يعل لعروض اتصال الفتحة به؛ لأن الياء فاء الكلمة، فهي في نية التقديم والهمزة قبلها في نية التأخير، وعلى هذا فيستغنى عن هذا الشرط بما سبق من اشتراط أصالة اتصال الفتحة.
الخامس: ذكر ابن بابشاذ لهذا الإعلال شرطا آخر، وهو ألا يكون التصحيح للتنبيه على الأصل المرفوض، قال: واحترز من مثل الخونة والحوكة.
انتهى، وهو غير محتاج إليه؛ لأن هذا مما شذ مع استيفائه الشروط، ومثل ذلك في الشذوذ قولهم: رَوَح وغَيَب جمع رائح وغائب، وعِفَوة جمع عِفُوْ -وهو الجحش- قال الشارح: لأن تاء التأنيث غير مختصة بالأسماء، يعني: في عفوة.
وقبل با اقلب ميما النون إذا... كان مسكنا كمن بت انبذا في النطق بالنون الساكنة قبل الباء عسر؛ لاختلاف مخرجيهما مع مباينة لين النون وغنتها لشدة الباء، فذلك وجب إبدالها قبل الباء ميما؛ لأنها من مخرج الباء ومثل النون في الغنة، ولا فرق في ذلك بين المنفصلة والمتصلة، وقد جمعها في قوله: "كمن بت انبذا" أي: من قطعك فألقه عن بالك واطرحه.
وألف "انبذا" بدل من نون التوكيد الخفيفة.

تنبيهات: الأول: عبر بعضهم عن إبدال النون ميما بالقلب كما فعل الناظم، والأولى أن يعبر بالإبدال؛ لأن القلب في الاصطلاح إنما يكون في حروف العلة غالبا، وتقدم بيان ذلك.
الثاني: نقل أبو علي بن أبي الأحوص أحد تلاميذ الشلوبين عن الفراء أن النون الساكنة تخفى عند الباء، ولا يحمل على ظاهره، فإن ذلك شيء لم ينقله أحد من النحويين عن العرب، وإنما يحمل على أنه تجوز، فسمي الإبدال هنا إخفاء.
الثالث: قد تبدل النون ميما ساكنة ومتحركة دون باء، وذلك شاذ، فالساكنة كقولهم في حنظل: حَمظل، وأمْغَرَت الشاة أنغرت1، والمتحركة كقولهم في بنان: بنام، قال رؤبة2: يا هَاَل ذات المنطق التمتام... وكفك المخضب البنام

فصل "إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح":

لساكن صح انقل التحريك من... ذي لين آت عين فِعْل كأَبِنْ إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح وجب نقل حركة العين إليه، لاستثقالها على حرف العلة، نحو: "يقوم ويبين" والأصل: يَقْوُم ويَبْيِن -بضم الواو وكسر الياء- فنقلت حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما؛ أعني: القاف في يقوم والباء في يبين فسكنت الواو والياء. ثم اعلم أنه إذا نقلت حركة العين إلى الساكن قبلها؛ فتارة تكون العين مجانسة "للحركة المنقولة، وتارة تكون غير متجانسة"1.
"فإن كانت مجانسة"2 لها لم تغير بأكثر من تسكينها بعد النقل، وذلك بأن تكون الحركة ضمة والعين واوا، أو كسرة والعين ياء، وقد تقدم تمثيلها بيقوم ويبين.
وإن كانت غير متجانسة لها أبدلت حرفا يجانس الحركة، فإن كانت الحركة فتحة والعين واوا أو ياء أبدلت العين ألفا نحو أقام وأبان، أصلهما أقوَم وأبيَن، فلما نقلت الفتحة إلى الساكن بقيت العين غير مجانسة لها، فقلبت ألفا.
وإذا كانت الحركة كسرة والعين واوا نقلت الكسرة، ثم قلبت الواو ياء لتجانس الكسرة نحو يُقِيم أصله يُقْوِمُ، ففعل به ما ذكر، ولهذا النقل شروط: الأول: أن يكون الساكن المنقول إليه صحيحا، فإن كان حرف علة لم ينقل إليه نحو: قَاوَل وبَايَع وعَوَّق وبَيَّن، وكذا الهمزة لا ينقل إليها نحو: يَأْيَس مضارع أيس؛ لأنها معرضة للإعلال بقلبها ألفا، نص على ذلك في التسهيل.
فإن قلت: لم يستثن الهمزة هنا؟ قلت: الهمزة قد عدها المصنف من حروف العلة؛ فقد خرجت بقوله: "صح".

الثاني: ألا يكون الفعل فعل تعجب، نحو: ما أبْيَن الشيء وأقومه، وأبين به وأقوم به، حملوه على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو أفعل التفضيل.
الثالث: ألا يكون من المضاعف اللام، نحو: ابيضَّ واسودَّ، وإنما لم يعُلوا هذا النوع لئلا يلتبس مثال بمثال، وذلك أن ابيض لو أعلت عينه بالإعلال المذكور، لقيل فيه: بَاضَّ، وكان يظن أنه فاعل من البضاضة، وهي نعومة البَشَرة، وذلك خلاف المراد فوجب صون اللفظ مما يؤدي إليه.
الرابع: ألا يكون في المعتل اللام، نحو أهْوَى، فلا يدخله النقل لئلا يتوالى إعلالان، وإلى هذه الشروط الثلاثة أشار بقوله: ما لم يكن فِعْل تعجب ولا... كابيض أو أهوى بلام عُلِّلا وزاد في التسهيل شرطا آخر، وهو ألا يكون موافقا لفعل الذي بمعنى افعَلّ نحو: يعْوَر ويَصيد مضارعا عَوِرَ وصيد، وكذا ما تصرف منه نحو: أعوره الله، وكأنه استغنى عن ذكره هنا بذكره في الفصل السابق في قوله: "وصح عين فَعَل وفَعِلا.... ذا أَفعَل" فإن العلة واحدة.
ومثل فِعْل في ذا الإعلال اسم... ضَاهى مضارعا وفيه وَسْم يعني: أن الاسم المضاهي للمضارع -وهو الموافق له في عدد الحروف والحركات- يشارك الفعل في وجوب الإعلال بالنقل المذكور، وبشرط أن يكون فيه وسم يمتاز به عن الفعل، فاندرج في ذلك نوعان: أحدهما: ما وافق المضارع في وزنه دون زيادته كمقام، فإنه موافق للفعل في وزنه وفيه زيادة تنبئ عن أنه ليس من قبيل الأفعال وهي الميم؛ فأعل، وكذلك نحو مُقيم ومُبين ولو بنيت من البيع مَفْعَلة -بالفتح- قلت: مباعة، أو مَفْعِلة -بالكسر- قلت: مَبِيعة، أو مَفْعُلة -بالضم- فعلى مذهب سيبويه تقول: مَبِيعة أيضا، وعلى مذهب الأخفش تقول: مَبُوعة.
وسبق ذكر مذهبهما.

والآخر: ما وافق المضارع في زيادته دون وزنه، كبناء مثل تحلئ من البيع فتقول فيه تبيع بالإعلال المذكور لكونه موافقا للفعل في عد حروفه وحركاته وزيادته إلا في وزنه؛ لأن تفعلا -بكسر التاء- ليس من الأبنية المخصوصة بالأسماء، وإذا بنيت من البيع مثل تُرْتُب1 قلت: تُبِيع على مذهب سيبويه، وتُبوع على مذهب الأخفش؛ لأن تفعلا -بضم التاء- ليس من أوزان الأفعال، بل هو من الأوزان المخصوصة بالأسماء كتفعل -بكسر التاء.
وأما ما شابه المضارع في وزنه وزيادته معا، فيجب تصحيحه نحو ابيض واسود وأطول منه وأبين، ولو بنيت من البيع مثل تضرب أو تقتل قلت: تَبِيع بالتصحيح لموافقته للفعل في الأمرين معا.
والحاصل أنه لا يعل الاسم المشابه للفعل حركة وسكونا إلا إذا خالفه في حركة نحو تبيع مثال تحلئ من البيع أو زيادة في أوله نحو مقام.
فإن قلت: ولِمَ كان ذلك؟ قلت: لأنه إذا شابه الفعل من كل وجه وأعل توهم كونه فعلا فوجب تصحيحه لئلا يلتبس بالفعل.
فإن قلت: ينتقض هذا بنحو: يزيد وتزيد -علمين- فإنهما أُعلا مع موافقة الفعل في الأمرين.
قلت: هذان ونحوهما مما نقل من الفعل بعد الإعلال، لا أنه أعل بعد تقديره اسما.
ومن ذلك: أبان عند من لم يصرفه، فإنه وزنه أفعل أعل في حال الفعلية ثم سمي به، وأما من صرفه فهو عنده فعال، وليس من هذا الباب.
وبهذا تعلم أن استدلال بعضهم على أنه فعال بأنه لو كان أفعل لم يعل؛ لأنه من قبيل الأسماء ضعيف؛ لأنه كيزيد ونحوه مما نقل بعد الإعلال.

تنبيه: ما تقدم من إعلال نحو تبيع مثال تحلئ؛ لكونه خالف المضارع بكسر أوله هو مذهب النحويين كافة إلا المبرد فإنه يصحح ذلك ونحوه؛ لأنه ليس مبنيا على فعل، فتقول تبيع -بالتصحيح- وتقول في مثل ترتب من القول تقول -بالتصحيح أيضا- وكذلك يشترط في إعلال نحو مقام مناسبة الفعل، وتقول: إن مقاما ومباعا ونحوهما مما خالف الفعل بزيادته، وإنما اعتلت لأنها مصار لفعل أو اسم مكان، لا لأنها على وزن الفعل، ومدين ومريم ومَكْوَرة، عنده وارد على القياس؛ إذ لا فعل لها فتحمل عليه وهي عند غيره مما شذ من الإعلال، والصحيح مذهب الجمهور، ويدل على فساد ما ذهب إليه إعلال عين معيشة ومثوبة وليسا بمصدرين ولا اسمي مكان، إنما هما اسمان لما يعاش به من خير أو شر: ومِفْعَلٌ صُحِّحَ كالمِفْعَالِ كان حق مفعل أن يعل لأنه على وزن تعلم، وزيادته خاصة بالأسماء أعني الميم، فكان فيه موافقة الفعل من وجه ومخالفته من وجه، وذلك يقتضي إعلاله، لكنه صحح لشبهه لفظا ومعنى بما يستحق التصحيح وهو مفعال؛ لأنه غير موازن للفعل لأجل الألف التي قبل لامه، أما شبهه به لفظا فواضح، وأما شبهه به معنى فلأن كلا منهما يكون آلة كمِخْيط ومكيال، وصفة مقصودا بها المبالغة كمهمز ومحضار، فسوى بينهما في التصحيح، وإلى سبب تصحيح مفعل أشار بقوله: "كالمفعال" فعلة تصحيحه عنده شبهه بمفعال، وقد صرح بذلك في غير هذا النظم، وقد ذكر كثير من أهل التصريف أن علة تصحيحه كونه مقصورا من مفعال، فهو هو غير أنه قصد.
.......................... وألف الإِفْعَال واسْتِفْعَال أَزِلْ لذا الإعلال والتاء االزم عِوَضْ... وحذفها بالنقل ربما عَرَضْ إذا كان المصدر على إفعال أو استفعال، مما أعلت عينه، حمل على فعله في الإعلال فتنقل حركة عينه إلى فائه، ثم تقلب ألفا لتجانس الفتحة، فيلتقي ألفان، فتحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، ثم تعوض عنها تاء التأنيث، وذلك نحو: إقامة

واستقامة، أصلهما: إِقْوَام واستقوام، فنقلت فتحة الواو إلى القاف، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، فالتقى ألفان الأولى بدل العين والثانية ألف إفعال واستفعال فوجب حذف إحداهما.
واختلف النحويون أيتهما المحذوفة؟ فذهب الخليل وسيبويه إلى أن المحذوفة ألف إفعال واستفعال؛ لأنها الزائدة، ولقربها من الطرف، ولأن الاستثقال بها حصل، وإلى هذا ذهب الناظم؛ ولذلك قال: "وألف الإفعال واستفعال.... أزل... ". وذهب الأخفش والفراء إلى أن المحذوفة بدل عين الكلمة، والأول أظهر، ولما حذفت الألف عوض عنها تاء التأنيث فقيل: إقامة واستقامة.
وأشار بقوله: "وحذفها بالنقل ربما عرض" إلى أن هذه التاء التي جعلت عوضا قد تحذف، فيقتصر في ذلك على ما سمع، ولا يقاس عليه، كقولهم: أراء إراء واستقام استقاما، قال الشارح: ويكثر ذلك مع الإضافة كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ فهذا على حد قوله1: ................................. وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

وقال في شرح الكافية: وامتنع حذفها إلا بسماع كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ 1 قلت: وتقدم مذهب الفراء في باب الإضافة، قيل: وحَسَّن حذف التاء في الآية مقارنته لقوله تعالى بعد: ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ 2. تنبيه: قد ورد تصحيح إفعال واستفعال وفروعهما في ألفاظ: منها أَعْوَل إعوالا، وأغيمت السماء إغياما، واستحوذ استحواذا، واستغيل الصبي استغيالا3، وهذا عند جمهور النحويين شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وذهب أبو زيد إلى أن ذلك لغة يقاس عليها، وحكى الجوهري عنه أنه حكي عن العرب تصحيح أفعل واستفعل تصحيحا مطردا في الباب كله، وقال الجوهري في موضع آخر: تصحيح هذه الأشياء لغة فصيحة صحيحة، وذهب في التسهيل إلى مذهب ثالث، وهو أن التصحيح مطرد فيما أهمل ثلاثيه، كاستنوق استنواقا، لا فيما له ثلاثي نحو استقام.
وما لإفعال من الحذف ومن... نقل فمفعول به أيضا قمن نحو مبيع ومصون وندر... تصحيح ذي الواو وفي ذي الياء اشتهر إذا بني مفعول من ثلاثي معتل العين فعل به ما فعل بإفعال واستفعال من نقل حركة عينه وحذف مدته، فإذا بني مفعول من قال وباع فقيل: مقول ومبيع، والأصل: مقوول ومبيوع، فنقلت حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما، فالتقى ساكنان الأول عين الكلمة والثاني واو مفعول الزائدة فوجب حذف إحداهما، واختلف في أيهما حذف، فذهب الخليل وسيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول؛ لزيادتها ولقربها من الطرف، وذهب الأخفش إلى أن المحذوف عين الكلمة؛ لأن واو مفعول لمعنى، ولأن الساكنين إذا التقيا في كلمة حذف الأول.

فأما ذوات الواو نحو مقول، فليس فيها عمل غير ذلك؛ لأنه لما حذفت منه إحدى الواوين بقي مقول على لفظه.
وأما ذوات الياء نحو مبيع فإنه لما حذفت واوه على رأي سيبويه بقي مبيع بياء ساكنة بعد ضمة، فجعلت الضمة المنقولة كسرة لتصح الياء، وأما على رأي الأخفش فإنه لما حذفت ياؤه كسرت الفاء وقلبت الواو ياء، فرقا بين ذوات الواو وذوات الياء.
قيل: وقد خالف الأخفش أصله في هذا، فإن أصله أن الفاء إذا ضُمت وبعدها ياء أصلية باقية قلبها واوا لانضمام ما قبلها إلا في الجمع نحو بيض، وقد قلب هاهنا الضمة كسرة مراعاة للعين التي هي ياء مع حذفها، ومراعاتها موجودة أجدر.
فإن قلت: هل يظهر لخلاف الشيخين في المحذوف ثمرة لفظية؟ قلت: نعم.
قال أبو الفتح: سألني أبو علي عن تخفيف مَسُوء فقلت: أما على قول أبي الحسن فأقول: رأيت مَسُوًّا، كما تقول في مقروء: مَقْرُو؛ لأنها عنده واو مفعول، وأما على مذهب سبيويه فيقال: رأيت مَسوًا كما تقول في خَبْء: خَبٌ، فنحرك الواو لأنها في مذهبه العين، فقال لي أبو علي: كذلك هو.
وقوله: "وندر تصحيح ذي الواو" أشار به إلى قول بعض العرب: ثوب مصوون، ومسك مدووف1، وفي القياس على ذلك خلاف منعه الجمهور وأجازه المبرد في أحد قوليه، وذكر الجوهري: أن بعض النحويين يقيس الإتمام في الواو، وأنه لغة لبعض العرب، وقال الأستاذ أبو علي: حكي ذلك عن الكتاب وقاس عليه.
وقوله: "وفي ذي الياء اشتهر" يعني: أن التصحيح في ذوات الياء كثير مشتهر

بخلاف الواو، وذلك لثقل الواو وخفة الياء، ومثال ذلك في الياء كقولهم: "خُذه مَطيُوبة به نفسًا"1.
وقال شاعر2: كأنها تفاحة مطيوبة وتصحح ذوات الياء لغة تميمة حكاها المازني وغيره، وقال علقمة وهو تميمي3: ............................... يوم الرَّذاذ عليه الدجن مغيوم قال سيبويه: وبعض العرب يخرجه عن الأصل فيقول: مخيوط ومبيوع، ولا نعلمهم أتموا في الواو لأنها أثقل، وخالف أبو العباس في تصريفه فقال: إنا أجازوا رد مبيع إلى أصله في الضرورة ولم يجعله لغة.
وصحح المفعول من نحو عدا... وأعلل إن لم تتحرَّ الأجودا

إذا بني المفعول من فعل معتل اللام لم يخل من أن تكون لامه ياء أو واوا.
فإن كانت ياء وجب إعلاله بالإبدال والإدغام وتحويل الضمة كسرة نحو مرمي والأصل مرموي، فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون وأدغمت في لام الكلمة، وكسرت الميم لتصح الياء.
وإن كانت واوا فهي على ثلاثة أقسام: قسم يجب إعلاله، وقسم يختار إعلاله، وقسم يختار تصحيحه.
فالذي يجب إعلاله هو ما عينه واو، فإذا بنيت اسم المفعول من نحو قَويَ قلت: مَقْوِي، والأصل: مَقْوُووٌ، فاستثقل اجتماع ثلاث واوات في الطرف مع الضمة، فقلبت الأخيرة ياء ثم قلبت المتوسطة ياء؛ لأنه قد اجتمع ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون، ثم قلبت الضمة كسرة لأجل الياء، وأدغمت الياء في الياء فقيل: مَقْويّ.
والذي يختار إعلاله هو ما كان فعله على فعل -بكسر العين- كمرضي، فهذا فيه الإعلال والتصحيح، والإعلال أولى؛ لأن فعله قد قلبت فيه الواو ياء في حالة بنائه للفاعل وفي حالة بنائه للمفعول، فكان إجراء اسم المفعول على الفعل في الإعلال أولى من مخالفته له؛ ولهذا جاء الإعلال في القرآن دون التصحيح، قال تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ 1 ولم يقل: مَرْضُوَّة مع كونه من الرضوان. وقال بعضهم: "مَرْضُوّة" وهو قليل، هذا ما ذكره المصنف؛ أعني: ترجيح الإعلال على التصحيح في نحو مَرْضِيّ، وذكر غيره أن التصحيح في ذلك هو القياس وأن الإعلال فيه شاذ، وصرح بعض المغاربة بعد اطراد الإعلال فيه "وظاهر كلام سيبويه اطراده قال: والوجه في هذا النحو الواو، والأخرى عربية كثيرة"2.
والذي يختار تصحيحه هو ما كان من فعل وليست عينه واوا، ولا هو على فعل -بكسر العين- كالمفعول من نحو عدا، فيجوز فيه التصحيح حملا على فعل

الفاعل فتقول: مَعْدُوٌّ، فتصححه كما صح فعل الفاعل، ويجوز فيه الإعلال حملا على فعل المفعول فتقول: مَعْدِيّ، فتعله كما أعل فعل المفعول، والتصحيح أولى؛ لأن الحمل على فعل الفاعل أولى.
ويُروى بالوجهين قول الشاعر1: وقجد عَلِمَتْ عِرْسِي مُليكة أنني... أنا الليث مَعْديًّا عليه وعاديا وأنشده المازني: "مَعْدُوًّا" بالتصحيح، وأنشده غيره بالإعلال.
تنبيهات: الأول: لم يذكر الناظم في هذا البيت إلا هذا القسم الأخير؛ أعني: ما يترجح فيه التصحيح، وأحال على المثال فخرج بقوله: "من نحو عدا" ما عينه واو نحو قوي، فإن المفعول منه يجب إعلاله، وما هو على فعل نحو رضي، فإن المفعول منه يترجح إعلاله عند المصنف.
فإن قلت: لم ترك هنا ذكر المفعول مما لامه ياء نحو رمى؟ قلت: لأن حكمه قد تقدم بيانه.
الثاني: ظاهر كلامه أن الإعلال مطرد في نحو معدي، وإن كان التصحيح أجود، وقال بعض النحويين: إن الإعلال فيه شاذ لا يطرد.

الثالث: اختلف في تعليل إعلال الواو في هذا النوع، فقيل: إنه أعل حملا على فعل المفعول، وهو قول الفراء وتبعه المصنف، وقيل: أعل تشبيها بباب أدل؛ وذلك لأن الواو الأولى ساكنة زائدة خفيفة بالإدغام فلم يعتد بها حاجزا، فصارت الواو التي هي لام الكلمة كأنها وليت الضمة، وقلبت ياء على حد قلبها في أدل، قال الزمخشري: كما فعلوا في الكساء نحو فعلهم في العصا، واعترض تعليل الفراء بوجوب القلب في المصدر، نحو عَتَا عَتِيًّا، والمصدر ليس بمبني على فعل المفعول.
كذاك ذا وجهين جا الفعُول من... ذي الواو لام جمع أو فرد يعن إذا كان الفُعُول مما لامه واو ولم يخل من أن يكون جمعا أو مفردا، فإن كان جمعا فقد جاء فيه الإعلال والتصحيح، إلا أن الإعلال أكثر نحو عصِي ودلِي جمع عصى ودلو، وأصلهما: عُصُووٌ ودُلُووٌ، فأبدلت الواو الأخيرة ياء حملا على باب أدل وأعطيت الواو التي قبلها ما استقر لمثلها من إبدال وإدغام.
وقد ورد بالتصحيح ألفاظ، وهي أُبوٌّ جمع أب وأُخو جمع أخ، ونُحو جمع نحو، وحكي عن بعضهم: إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة، ونُجُوٌّ جمع نجو -بالجيم- وهوالسحاب الذي هراق ماءه، وقال ابن سيده: ولم يسمع فيه إلا الإعلال، ونُهُو جمع نهو، وذكر من ذلك بنو جمع ابن، وقنو جمع قنا على خلاف في لامهما، ومذهب سيبويه أنها ياء، وقول ابن عصفور: شذ من هذا الجمع لفظان وهما نجو في جمع نجو، وقنو في جمع قنا، يوهم أنه لم يشذ غيرهما، وليس كذلك.
فإن كان مفردا فقد جاء فيه أيضا الإعلال والتصحيح إلا أن التصحيح أكثر نحو: علا علوًّا ونما نموًّا، وقد جاء بالتصحيح قولهم: عتا الشيخ عتيا، أي: كَبِرَ، وقسا قسيا، أي: قسوة.
فإن قلت: ظاهر كلام الناظم التسوية بين فعول المفرد وفعول الجمع في الوجهين وليسا بسواء؛ لأن الإعلال في الجمع أكثر، والتصحيح في المفرد أكثر.
قلت: سوى بينهما في مجيء الوجهين في كل منهما، ولم يسو بين الوجهين في الكثرة، وقد صرح بتفاوتهما في غير هذا الكتاب، قال في الكافية:

ورُجِّح الإعلال في الجمع وفي مفرد التصحيحٌ أولى ما قُفِي فإن قلت: لِمَ كان الإعلال في الجمع أرجح والتصحيح في المفرد أرجح؟ قلت: لثقل الجمع وخفة المفرد.
تنبيهان: الأول: لا إشكال في اطراد الإعلال في الجمع والتصحيح في المفرد، وأما تصحيح الجمع فمذهب الجمهور أنه لا يقاس عليه، وإلى هذا ذهب في التسهيل قال: ولا يقاس عليه خلافا للفراء، انتهى.
وضعف مذهب الفراء بقلة ما ورد من ذلك، وأما إعلال المفرد فظاهر التسهيل اطراده، والذي ذكره غير أنه شاذ لا يطرد.
الثاني: ما تقدم في فُعول من التصحيح مشروط بألا يكون من باب قَوِيَ، فلو بني من القوة فعول لزم أن يفعل به ما فعل بمفعول من القوة، وقد تقدم.
وشاع نحو نُيَّم في نُوَّم... ونحو نُيَّام شذوذه نُمِي يعني: أنه قد كثر في فعَّل جمع فاعل الذي عينه واو الإعلال، فيقال في نُوَّم جمع نائم: نُيَّم، وفي صُوَّم جمع صائم: صُيَّم، وفي جُوَّع جمع جائع: جُيَّع قال1: ........................... عَجَّلْتُ طبختَه لقوم جُيَّع

ووجه ذلك أن العين شُبهت باللام لقربها من الطرف، فأعلت كما تعل اللام فقلبت الواو الأخيرة ياء "ثم قلبت الواو الأولى ياء"1، وأدغمت الياء في الياء، والتصحيح في ذلك هو الأصل، وأما فُعَّال -بالمد- نحو: صوام وقوام، فالتصحيح فيه متعين لبعد عينه عن الطرف بسبب زيادة الألف.
وقد شذ الإعلال في لفظ واحد لا يقاس عليه وهو نُيام جمع نائم.
قال الشاعر2: ألا طرقتنا مية بنة منذر... فما أرق النُّيَّام إلا كلامها تنبيهان: الأول: قوله: "وشاع" يفيد الكثرة وليس بنص على اطراده، وقد نص غيره من النحويين على أنه مطرد، ولاطراده شرط لم يذكره المصنف، وهو ألا يكون معتل اللام نحو شاو وشُوَّى، فهذا لا يجوز إعلاله كراهة لتوالي الإعلال.
والثاني: يجوز في فاء فُعَّل المعل العين الضم والكسر، والضم هو الوجه الأَوْلَى.

فصل: "إذا كان فاء الافتعال حرف لين":

ذو اللين فا تا في افتعال أبدلا... وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا إذا كان فاء الافتعال حرف لين -أعني واوًا أو ياءً- وجب في اللغة الفصحى إبدالها تاء في الافتعال وفروعه، أعني الفعل واسمى الفاعل والمفعول.
مثال ذلك في الواو: اتّعد يتّعدا اتّعادًا فهو متعد، ومثاله في الياء: اتّسر يتّسر اتّسارًا فهو متّسر.
وإنما أبدلوا الفاء في ذلك تاء؛ لأنهم لو أقروها لتلاعبت بها حركات ما قبلها فكانت تكون بعد الكسرة ياء، وبعد الفتحة ألفًا، وبعد الضمة واوًا، فلما رأوا مصيرها إلى تغيرها لتغير أحوال ما قبلها أبدلوا منها حرفا جلدًا لا يتغير لما قبله، وهو التاء، وهو أقرب الزوائد من الفم إلى الواو، وليوافق ما بعده فيدغم فيه.
تنبيهات: الأول: قال بعض النحويين البدل في اتّعد، إنما هو من الياء؛ لأن الواو لا تثبت مع الكسرة في اتّعاد وفي اتّعد وحمل المضارع واسم الفاعل واسم المفعول منه على الماضي والمصدر.
الثاني: قوله "ذو اللين" يشمل الواو والياء كما تقدم، وأما الألف فلا مدخل لها في ذلك؛ لأنها لا تكون فاء ولا عينًا ولا لامًا.
الثالث: من هل الحجاز قوم يتركوا هذا الإبدال، ويجعلون فاء الكلمة على حسب الحركات قبلها، فيقولون: ايتَعَد ياتَعِد فهو مُوتَعِد، وايتَسَر ياتَسِر فهو مُوتَسِر.
الرابع: حكى الجرمي أن من العرب من يقول ائتسر وائتعد -بالهمز- وهو غريب.
وقوله: "وشذ في ذي الهمز" أي: وشذ إبدال فاء الافتعال تاء فيما أصله الهمزة والقياس فيه ألا يبدل، وذلك نحو ايتكل ياتكل ايتكالًا؛ لأنه افتعل من الأكل، ففاء الكلمة همزة ولكنها خففت بإبدالها حرف لين لاجتماعها مع الهمزة

التي قبلها فأقرت على ما يقتضيه التصريف، ولم تبدل لأنها ليست بأصل، وإنما هي بدل من همزة، والهمزة لا تدغم، فينبغي أن يكون بدلها كذلك، وأيضًا فلأن إبدالها وهي بدل من الفاء يؤدي إلى توالي إعلالين وشذ إبدال الياء والواو في هذا تاء، كقول بعضهم اتزر، أي: لبس الإزار، فالتاء في هذا بدل من الياء المبدلة من الهمزة "وقال بعضهم: اؤتُمِن اتَّمِن، فالتاء في هذا بدل من الواو المبدلة من الهمزة" واللغة الفصيحة في ذلك عدم الإبدال.
تنبيهات: الأول: قوله "وشذ" يقتضي أن الإبدال في ذي الهمز ليس بلغة فلا يصح القياس عليه، وهذا هو المعروف، وحكى عن البغداديين أنهم أجازوا الإبدال في ذي الهمزة، وحكوا من ذلك ألفاظًا وهي: اتَّزر واتَّمن، من الإزار والأمانة، واتَّهل من الأهل، ومنه عندهم اتَّخذ من الأخذ، وقال بعضهم: هي لغة رديئة متنازع في صحة نقلها، قال أبو علي: هذا خطأ في الرواية، فإن صحت فإنما سمعت من قوم غير فصحاء لا ينبغي أن يؤخذ بلغتهم، ولم يحك هذا سيبويه، ولا الأئمة المتقدمون العارفون بالصيغة وتحري النقل.
قلت: وفي الحديث "وإن كان قصيرًا فليتزر به" كذا الجميع رواه الموطأ بالإبدال والإدغام، وفي حديث عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرني إذا حضت أن أتزر" -بالإدغام.
فإن قلت: فما يصنع أبو علي بقولهم: اتخذ وهو من الأخذ؟.
قلت: خرجه على أن تاءه الأولى أصلية؛ لأن العرب قالت: تخذ بمعنى اتخذ، قال الله تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ 1 وأنشد2:د وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها... نسيفًا كأُفْحُوصِ القطاةِ الْمُطَرِّق

ونازع الزجاجي في وجود مادة تَخِذَ، وزعم أن أصله اتخذ، وحذف، وصحح ما ذهب إليه الفارسي بما حكاه أبو زيد من قولهم: تَخِذَ يتخذ تَخَذًا، وذهب بعض المتأخرين إلى أن اتّخذ مما أبدلت فاؤه تاء على اللغة الفصحى؛ لأن فيه لغة وهي وخذ بالواو، وهذه اللغة وإن كانت قليلة إلا أن بناءه عليها أحسن؛ لأنهم نصوا على أن اتّمن لغة رديئة.
الثاني: ظاهر تمثيله بائتكل -أنه مما سمع فيه الإبدال شذوذًا، ويحتمل أن يريد أن الإبدال سمع فيما هو من جنسه، وإن كان لم يسمع فيه، ونص الشارح على هذا قال: ولا يريد أنه يقال في افتعل من الأكل ايتكل.
قلت: وفي كلام بعضهم ما يدل على أنه مسموع.
طا تا افتعال رد إثر مطبق......................... يعني أنه إذا بنى الافتعال وفروعه مما فاؤه أحد الحروف المطبقة -وهي الصاد والضاد والطاء والظاء- وجب إبدال تائه طاء، كقولك في بناء افتعل من طعن وظلم وصبر وضرب، اطعنوا واظلموا واصطبروا، واضطرب، والأصل في ذلك اطتعنوا واظتلموا واصتبروا واضترب، ولكن استثقل اجتماع التاء مع الحرف المطبق لما بينهما من تقارب المخرج وتباين الصفة إذا التاء مهموسة مستقلة، والمطبق مجهور مستعل، فأبدل من التاء حرف استعلاء من مخرجها وهو الطاء.
="نسيفًا" بفتح النون وكسر السين -أثر ركض الرجل بجنبي البعير إذا انحسر عنه الوبر "كأفحوص" -بضم الهمزة وسكون الفاء وضم الحاء، مجثم القطاة، أي: مبيتها؛ سمي بذلك لأنها تفحصه، "القطاة" طائر مشهور "المطرق" -بضم الميم وفتح الطاء وتشديد الراء المكسورة، من طرقت القطاة إذا حَانَ خروج بيضها.
الإعراب: "وقد" للتحقيق "تخذت" فعل ماضٍ "رجلي" فاعل والياء مضاف إليه "لدى" منصوب على الظرف "جنب" مضاف إليه وأيضًا جنب مضاف إلى غرزها "نسيفًا" مفعول تخذت "كأفحوص" الكاف للتشبيه والأفحوص مجرور بها "القطاة" مضاف إليه "المطرق" صفة للقطاة.
وإنما ذكره مع أن القطاة مؤنث؛ لأنه لا يقال ذلك في غير القطاة على رأي أبي عبيد، وأما على رأي غيره فيكون على إرادة النسبة، والتقدير: ذات التطريق، وأما على رواية من رواه بفتح الراء فيكون صفة للأفحوص بمعنى المعدل.
الشاهد: قوله: "تخذت" فإن أصله أتخذت.

تنبيه: إذا أبدلت الياء طاء بعد الطاء وجب الإدغام لاجتماع المثلين، وإذا أبدلت بعد الظاء في نحو اظَّلم ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: البيان فيقال اضطلم، والثاني: إدغام الظاء في الطاء فتقول اطلَّم بطاد مشددة، والثالث: أن تجعل موضع الطاء ظاء معجمة ثم تدغم فيقال اظّلم.
وينشد بالأوجه الثلاثة قول زهير1: هو الجواد الذي يعطيك نائله... عفوًا ويظلم أحيانًا فيظطَلِم وإذا أبدلت بعد الصاد ففيه وجهان: البيان فيقال اصطبروا، والإدغام بقلب الثاني إلى الأول فيقال: اصبروا -بصاد مشددة.
قال سيبويه: وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ: "أَنْ يُصَّلحَا"2 يريد أن يصطلحَا.

وإذا أبدلت بعد الضاد فتلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، فيقال اضطجع واضجع واطجع، وهذا الثالث، قال ابن هشام الخضراوي: هو نادر شاذ، وقد استثقل بعضهم اجتماع الضاد والطاء لما بينهما من التقارب، فقلب الضاد لامًا فقال: الطجع، وبالأوجه الأربعة ينشد قوله1: ........................ مال إلى أرطاة حقق فالطجع ......................... في ادَّان وازدد وادَّكر دالًا بقي يعني أنه إذا بنى الافتعال مما فاؤه دال نحو دَانَ، أو زاي نحو زاد، أو ذال نحو ذكر، وجب إبدال تائه دالًا فيقال: ادّان وازداد، وادَّكر، والأصل: ادتان، وازتاد، واذتكر، فاستثقل مجيء التاء بعد هذه الأحرف، فأبدلت دالًا.
تنبيهات: الأول: إذا أبدلت تاء الافتعال دالًا بعد الدال وجب الإدغام، لاجتماع المثلين، فليس في ادَّان إلا وجه واحد.
وإذا أبدلت دالًا بعد الزاي فوجهان: الإظهار والإدغام بقلب الثاني إلى الأول فيقال: ازّجَّر، ولا يجوز العكس؛ لأن الزاي لا تدغم فيما ليس من

مخرجها وإذا أبدلت دالًا بعد الذال فثلاثة أوجه: الإظهار، والإدغام بوجهيه فيقال: ازدكر، وادكر، واذكر، بذال معجمة.
الثاني: مقتضى اقتصار النظم على إبدال تاء الافتعال طاء بعد الأحرف الأربعة المذكورة، ودالًا بعد الثلاثة أنها تقر بعد سائر الحروف ولا تبدل، وقد ذكر في التسهيل أنها تبدل ثاء بعد الثاء فيقال: أثرد -بثاء مثلثة- وهو افتعل من ثرد أو تدغم فيها الثاء فيقال: اترد -بتاء مثناة، وقال سيبويه: والبيان عندي جيد -يعني الإظهار، فيقال اثترد، ولم يذكر المصنف هذا الوجه، وذكر في التسهيل أيضًا أنها قد تبدل دالًَا بعد الجيم كقولهم في: اجتمعوا: اجدمعوا، وفي احتز: اجدز، قال الشاعر1: فقلت لصاحبي: لا تحبسانا... بنزع أصوله واجدزّ شِيحًا وهذا لا يقاس عليه، وظاهر كلام المصنف في بعض كتبه أنه لغة لبعض العرب، فإن صح أنه لغة جاز القياس عليه.
وهذا آخر ما ذكره الناظم من باب الإبدال وما يتعلق به من أوجه الإعلال.
وقد علم مما ذكره أن الهمزة تبدل من ثلاثة أحرف وهي: الألف والواو والياء.

والياء تبدل من ثلاثة أحرف، هي: الهمزة والألف والواو.
والواو تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الهمزة والألف والياء.
والألف تبدل من ثلاثة أحرف، وهي الهمزة والواو والياء.
والميم تبدل من النون، والتاء تبدل من حرفين وهما: الواو والياء.
والطاء تبدل من التاء، والدال تبدل من الباء، على ما سبق ذكره من التفصيل.
وقد تبدل بعض هذه الحروف من غير ما ذكر، وإنما قصد هنا ذكر الضروري، ولذلك لم يتكلم على إبدال الهاء مع أنه ذكرها في حروف البدل؛ لأن ذكر الهاء ليس بضروري؛ ولهذا قال في التسهيل: والضروري في التصريف هجاء "طويت دائمًا" وأسقط الهاء، وقد تقدم أول الباب الإعلام بأن حروف الإبدال الشائع اثنان وعشرون حرفًا، وهي المجموعة في قوله: "لجدٍّ صَرْفُ شَكس آمن طيَّ ثوب عزَّتِه" وأن الإبدال قد وقع في غيرها أيضًا، ولكنه ليس بشائع، وقد رأيت أن أذيل ما سبق ذكره باستيفاء الكلام على إبدال جميع الحروف على سبيل الإيجاز مرتبًا للحروف على ترتيبها في المخارج، فأقول وبالله التوفيق: الهمزة، أبدلت من سبعة أحرف، وهي الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين، والغين، والخاء، أما إبدالها من أحرف اللين فمنه مطرد كإبدال الهمزة من الألف في حمراء ومن الواو في كساء ومن الياء في رداء، وقد تقدم بيانه مستوفًى.
ومنه غير مطرد كإبدال الهمزة من الألف في الخاتم والعالم، وفي الواو في إشاح واحد، خلافًا للمازني في إشاح فإن إبدال الهمزة من الواو فيه مطرد عنده ومن الياء في قولهم: قطع الله أديه، في أسنانه ألل -أي: يلل وهي قصر الأسنان العليا، وقيل: انعطافها إلى داخل الفم.
وأما إبدالها من الهاء وما بعدها فمقصور على السماع، فمثال إبدالها من الهاء قوله: ماء وأصله ماه، ومن العين قولهم: أباب بحر والأصل عباب بحر، ومن الخاء قولهم: صَرَأ.
أي صرخ، حكاه الأخفش عن الخليل، ومن الغين

قولهم: رَأْنَة بمعنى رَغْنَة حكاه النضر بن شميل1 عن الخليل، وإبدالها من هذين الحرفين غريب جدًّا.
الألف: أبدلت من أربعة أحرف، وهي الياء نحو باع، والواو نحو قال، والهمزة نحو كاس في كأس، والنون الخفيفة نحو ﴿لَنَسْفَعًا﴾ 2. والهاء أبدلت من خمسة أحرف، وهي: الهمزة نحو هياك في إياك وهو كثير، والألف كقوله من ها هنا ومن هُنْة أي من هنا، والواو في حرفين محتملين: أحدهما هنية تصغير هنة أصله هنيوة، ويحتمل أن تكون الهاء مبدلة من الياء المبدلة من الواو، والآخر: قولهم: يا هناء عند أبي الفتح، وفيه أقوال مشهورة، والياء في هذه وهنية على أحد الوجهين، والتاء في طلحة في الوقف على مذهب البصريين، وإبدال الهاء في جميع ذلك غير مطرد إلا في نحو طلحة.
العين: أبدلت من حرفين: الحاء في قولهم: ضَبَعَ بمعنى ضبح والهمزة في نحو "عَنَّ زيدًا قائم" أعني أن زيدًا قائم، وهي عنعنة تميم.
والغين: أبدلت من حرفين لخاء كقولهم: "غَطَر بيديه يغطر" بمعنى خطر يخطر حكاه ابن جني، والعين كقولهم: لَغَنَّ في لَعَنَّ.
الحاء: أبدلت من العين قالوا: "ربح" في ربع، وذلك قليل.
الخاء: أبدلت من حرف واحد، وهو الغين في قولهم: "الأخنّ" يريدون الأغنّ3 فقد وقع التكافؤ بينهما، وذلك في غاية القلة.
القاف -أبدلت من حرف واحد وهو الكاف كقولهم: وقنة في وكنة الطائر- وهي مأواه من الجبل، حكاه الخليل.

والكاف -أبدلت من حرفين: القاف في قولهم "عربي كحّ" أي: قحّ، وفسر الأصمعي القح فقال: وهو الخالص من اللؤم، وإبدال الكاف من القاف أكثر من عكسه والتاء في قول الراجز1: يا ابن الزبير طالما عَصَيْكَا.......................... أي: عصيت.
أنشده أبو علي.
الجيم -أبدلت من الياء مخففة ومشددة، والأكثر كون الياء المبدل منها الجيم مشددة أو مسبوقة بعين، وهي عجعجة قضاعة.
الشين: أبدلت من ثلاثة أحرف: كاف المؤنث في نحو أكرمتك قالوا: اكرمتش، والجيم، قالوا مدمش في مدمج قال2: إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش أي: مدمج، والسين قالوا: جعشوش في جعسوس، وهو القميء الذليل، يجمع بالمهملة دون المعجمة، وبذلك علم الإبدال.

الياء: وهي أوسع حروف الإبدال، ذكروا أنها أبدلت من ثمانية عشر حرفًا: وهي: الألف نحو دنينير في تصغير دينار، والواو نحو أعزيت وما يتصرف منه، والهمزة نحو بير في بئر، والهاء نحو دهديت في دهدهت، والسين في سادي وخامي ودساها وأصلها سادس وخامس ودسسها، والباء في الأراني والثعالي، والأصل الأرانب والثعالب، والراء في قيراط وشيراز عند بعضهم، والنون في أناسي وظرابي جمع إنسان وظربان وفي تظنيت وهو من الظن، والصاد في قصَّيت أظفاري والضاد في قولهم"1: .......................... تقضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ واللام في أمليت وأصله أمللت، والميم في ائتميت وأصله ائتممت، والعين في ضفادي أي ضفادع، والدال في تصدية2، والتاء في ايتصلت، والثاء في الثالي أي: الثالث، والجيم في دياجي، وشيرة في شجرة، والكاف في مكاكي3.

والصاد: أبدلت من اللام في قولهم: رجل جصد -أي: جلد.
اللام -أبدلت من حرفين- وهما النون في أصيلان والضاد في الطجع بمعنى اضطجع.
والراء -أبدلت من اللام في قولهم: نثرة- بمعنى نثلة، ورعل بمعنى لعل.
النون: أبدلت من ثلاثة أحرف: وهي اللام كقولهم لعن في لعل "ونابن فعلت كذا" في لا بل فعلت كذا، والميم كقولهم للحية: أيم وأين -بالنون والميم- حكاه الأصمعي، وقالوا: أسود قاتم وقاتن، والهمزة كقوله في النسبة إلى صنعاء وبهراء صنعاني وبهراني، وحكى الفراء: حنان في حناء، وهو الذي يخضب به.
الطاء: أبدلت من حرفين: التاء في الافتعال بعد حروف الإطباق، وقد تقدم ذكره، والدال حكى يعقوب عن الأصمعي "قط الحرف" ومده والإبعاط في الإبعاد.
والدال: أبدلت من أربعة أحرف: وهي التاء في الافتعال بعد الدال والذال والزاى والجيم في نحو اجدمعوا.
والطاء كقولهم: المردى في المرطى وهو حيث يمرط الشعر حول السرة، والذال في قولهم: ذكر في جمع ذكرة.
التاء: أبدلت من ستة أحرف وهي: الطاء في فستاط والأصل فسطاط كقولهم في الجمع: فساطيط دون فساتيط، والدال في قولهم: "ناقة تربوط" والأصل دربوط، أي: مذللة؛ لأنه من الدربة، والواو في "تراث وتُجاه" ونحوهما، والياء في ثنتين وكيت وذيت، والصاد في لصت والسين في ست1.

قال في التسهيل: وربما أبدلت من هاء السكت، ومثاله ما تأوله بعضهم في قوله1: العَاطِفُونَةَ حين ما من عَاطِفٍ............................. أنه أراد العاطفونه -بهاء السكت، ثم أبدلها تاء وحركها للضرورة، ومثله بعضه بنحو "جنت ونعمت" لأنه جعل الهاء أصلًا.
الصاد: أبدلت من السين في نحو "صراط".
والزاى: أبدلت من السين نحو يزدل في يسدل، والصاد نحو يزدق في يصدق.
والسين: أبدلت من ثلاثة أحرف: التاء في استخذ على أحد الوجهين وأصله اتخذ، والشين في نحو مشدود قالوا: مسدود، واللام في "استقطه" أي: التقطه، وهو في غاية الشذوذ.
الظاء -لم أجد في إبدالها شيئًا.

الذال: أبدلت من الدال في قراءة من قرأ "فَشَرِّذْ بِهِمْ"1 بالمعجمة، وفيه احتمال، ومن الثاء في قولهم: "تلعذم الرجل" أي: تلعثم، إذا أبطأ في الجواب. الثاء: أبدلت من الفاء في مغثور وأصله مغفور، ومن الذال في قولهم في الجذوة من النار: جثوة. الفاء: أبدلت من الثاء في قولهم: "قام زيد فُمَّ عمرو" أي: ثم عمرو، حكاه يعقوب. وقولهم: "فوم" بمعنى ثوب، ومن الباء في قولهم "خذه بإفانه" أي بإبانه. الباء: أبدلت من الميم في قولهم: "با اسمك؟ " يريدون: ما اسمك؟ وهي لغة بني مازن، ومن الفاء قولهم: "البسكل" في الفسكل2.
الميم: أبدلت من أربعة أحرف وهي: الواو في فم عند أكثرهم، والنون في نحو عمبر، والبنام في البنان، ومن الباء في قولهم: "ما زلت راتِمًا على هذا" أي: راتبًا، أي: مقيمًا، ويدل على البدل أنهم قالوا: رتب ولم يقولوا رتم، واللام التي للتعريف في لغة حمير.
الواو: أبدلت من ثلاثة أحرف: الألف نحو ضويرب تصغير ضارب والياء نحو موقن، والهمزة نحو مومن.
والله أعلم.

فصل: في الإعلال بالحذف

فا أمرٍ أو مُضَارِعٍ منْ كَوَعَدْ... احذف وفي كعدة ذاك اطرد اعلم أن الحذف وجه من وجوه الإعلال، وهو ضربان: مقيس، وشاذ.
فالمقيس هو الذي تعرض لذكره في هذا الفصل، وهو ثلاثة أنواع: الأول: حذف الواو من مضارع ثلاثي فاؤه واو استثقالًا، لوقوعها ساكنة بين ياء مفتوحة وكسرة لازمه، كقولك في مضارع وعَد يَعد والأل يَوْعِد، وحذفت الواو لما ذكر، وحمل على ذي الياء أخواته، نحو أعد ونعد وتعد، والأمر نحو عد، المصدر الكائن على فعل -بكسر الفاء وسكون العين- نحو عدة فإن أصله وعد على وزن فعل، فحذفت فاؤه حملًا على المضارع، وحركت عينه بحركة الفاء وهي الكسرة؛ ليكون بقاء كسرة الفاء دليلًا عليها، وعوضوا منها تاء التأنيث؛ ولذلك لا يجتمعان.
وتعويض التاء هنا لازم، وقد أجاز بعض النحوين حذفها للإضافة مستدلًا بقول الشاعر1: وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا يعني عدة الأمر، وهو مذهب الفراء، وخرجه بعضهم على أن عدا جمع عدوة أي: ناحية، وأخلفوك نواحي الأمر الذي وعدوا.
تنبيهات: الأول: فهم من قوله "من كوعد" أن حذف الواو المذكورة مشروط بشروط: أولها: أن تكون الياء مفتوحة؛ فلا تحذف من يوعد مضارع أوعد، ولا من يوعد -مبنيًّا للمفعول، إلا ما شذ من قولهم: "يدع، ويذر"2 في لغة.

وثانيها: أن تكون عين الفعل مكسورة، فلو كانت مفتوحة نحو يوجل أو مضمومة نحو يوضُؤُ لم تحذف الواو، إلا ما شذ من قول بعضهم يجد.
قال الشاعر1: لو شئتِ قد نقَعَ الفؤاد بشَرْبَةٍ... تَدَعُ الصوادي لا يجدن غَلِيلًا وهي لغة عامرية.
فإن قلت: قد جاء الحذف فيما عينه مفتوحة كيقع ويسع.
قلت: ما يقع فإن ماضيه وقع -بالفتح- فقياس مضارعه يفعل -بالكسر- فعدل عن القياس، ففتحت عينه لأجل حرف الحلق فكان الكسر فيه مقدرًا، فحذفت الواو منه لذلك، وأما يسع فماضيه وسع -بالكسر- فقياس مضارعه الفتح فيقال: يوسع لكنه لما حذفت الواو منه دلّ ذلك على أنه كان مما يجيء على يفعل -بالكسر- نحو ومق يمق.
وإلى هذا أشار في التسهيل بقوله: بين ياء مفتوحة وكسرة ظاهرة كيعد أو مقدرة كيقع ويسع، إلا أن في جعلها مقدرة تجوزًا.
وثالثها: أن يكون ذلك في فعل، فلو كان في اسم لم تحذف الواو؛ لأن الحذف في الفعل إنما كان لاستثقال ذلك في ثقيل بخلاف الاسم، فعلى هذا تقول في مثال يقطين من وعد: يوعيد.

الثاني: فهم من قوله: "كعدة" أن حذف الواو من فعلة المشار إليها مشروط بشرطين: أحدهما: أن تكون مصدرًا كعدة، فلو كانت غير مصدرية لم تحذف واوها، إلا ما شذ، وذلك قولهم: رقة -للفضة- وحشة للأرض الموحشة، ولدة1، وفيها احتمال وهو أن تكون مصدرًا وصف به، ذكره الشلوبين.
وقوله: في التسهيل: وربما أعل بذا الإعلال أسماء كرقة وصفات كلدة، فيه نظر؛ لأن مقتضاه وجود أقل الجمع من النوعين، أما الأسماء فقد وجد رقة، وحشة، وجهة، عند من جعلها أسماء، وأما الصفات فلا يحفظ فيها غير لدة، وقد أنكر سيبويه مجيء صفة على حرفين.
وثانيهما: ألا تكون لبيان الهيئة، نحو الوعدة والوقفة، المقصود بهما الهيئة، فإنه لا يحذف منهما، وقد احترز عن هذا في الكافية بقوله: والفعلة الأصل احذف.
الثالث: قد ورد إتمام فعلة -المصدر المذكور- وهو شاذّ، قالوا: وتره وترًا ووترة2 -بكسر الواو- وحكاه أبو علي في أماليه، وقال الجرمي: ومن العرب من يخرجه على الأصل، فيقول: وعدة، ووثبة ووجهة.
قلت: أما وجهة فذهب المازني والمبرد والفارسي إلى أنه اسم للمكان المتوجه إليه، فعلى هذا لا شذوذ في إثبات واوه؛ لأنه ليس بمصدر، وذهب قوم إلى أنه مصدر، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه، ونسب إلى المازني أيضًا، وعلى هذا فإثبات الواو فيه شاذ، قال بعضهم: والمسوغ لإثباتها فيه دون غيره من المصادر أنه مصدر غير جار على فعله، إذ لا يحفظ وَجَهَ يَجِهُ، فلما فقد مضارعه لم يحذف منه، إذ لا موجب لحذفها إلا حمله على مضارعه، ولا مضارع والفعل المستعمل

منه تَوَجَّه واتَّجه، والمصدر عليه التَّوَجُّهُ، فحذفت زوائده: وقيل: وجهة، ورجح الشلوبين القول بأنه مصدر، وقال: لأن وِجْهَة وَجِهَة -بمعنى واحد، ولا يمكن أن يقال في جهة أنها اسم للمكان، إذ لا يبقى للحذف وجه.
الرابع: فهم من تخصيص هذا الحذف بما فاؤه واو، أن ما فاؤه ياء لاحظ له في هذا الحذف، إلا ما شذ من قول بعضهم يئس وهو مضارع يئس، وأصله ييئس، فحذف الياء، وشذ أيضًا يئس مضارع ييس، ثم انتقل إلى النوع الثاني فقال: وَحَذْفُ هَمْزِ أَفْعَلَ استمرَّ فِي... مُضارِعٍ وَبِنْيَتَي مُتَّصِفِ مما اطرد حذفه أفعَلَ من مضارعه، واسمي فاعله ومفعوله، وإليهما الإشارة بقوله: "وبنيتي متصف" فتقول: أكرَم يُكرِم فهو مُكرِم ومُكرَم، وكان حق أفعل أن يجيء مضارعه على يؤفعل بزيادة حرف المضارعة على أول الماضي كما فعل في غيره من الأمثلة نحو: ضارب يضارب، وتعلم يتعلم، إلا أنه لما كان من حروف المضارعة همزة المتكلم حذفت همزة أفعل معها، لئلا يجتمع همزتان في كلمة واحدة، حمل على ذي الهمزة أخواته واسما الفاعل والمفعول.
تنبيهان: فإنه أهل لأن يؤكرما الأول: لا يجوز إثبات هذه الهمزة على الأصل إلا في ضرورة أو كلمة مستندرة، فمن إثباتها في الضرورة قوله1:

جارٍ التحميل