مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقوله: وغالبا ذا التا لزم
أشار إلى أن التاء قد تحذف, كقول بعضهم: أراه إراء1, واستقام استقاما.
قال ابن عصفور: ولا يجوز حذفها إلا حيث ورد، وظاهر كلام سيبويه جوازه، قال: وإن شئت لم تعوض.
وقال الفراء: لا يجوز إلا إذا كانت الإضافة عوضا من التاء نحو: "وإقام الصلاة".
وقوله:
وما يلي الآخر مُدَّ وافتحا... مع كسر تلو الثان مما افتُتحا
بهمز وصل كاصطفى............................
يعني: أن صوغ المصدر من كل فعل مبدوء بهمزة وصل يكون بكسر ثالثه, وهو تلو الثاني وزيادة ألف قبل آخره نحو: اصطفى اصطفاء.
فإن قلت: لا يفهم من قوله: "مد" أن المدة ألف.
قلت: فهم ذلك من قوله: "وافتحا".
وينبغي أن يقيد كلامه بألا يكون أصله تفاعل ولا تفعل نحو: اطّاير واطّير أصلهما: تطاير تطيّر، فإن مصدرهما لا يكسر ثالثه ولا يزاد ألف قبل آخره.
وقوله:
..... وضم ما... يربع في أمثال قد تلملما
يعني: أن مصدر تفعلَل تفعلُل -بضم رابعه- نحو: تلملَم تلملُما وتدحرج تدحرجا.
وقوله:
فعلال أو فعللة لفعللا........................
يعني: أن مصدر فعلل نحو: دحرج وما ألحق به نحو: جلبب وحوقل وبيطر يأتي على فعلال نحو دحراج, وعلى فَعلَلة نحو دحرجة، والمقيس منهما فعللة، ولذلك قال:
واجعل مقيسا ثانيا لا أولا
وكلاهما عند بعضهم مقيس، وهو ظاهر التسهيل، وكثر فعلال في المضاعف نحو الزلزال، وفتح أول الزلزال ونحوه من المضاعف جائز.
قوله:
لفاعل الفِعَال والمفاعله
يعني: أن فاعل له مصدران: فِعال نحو خاصم خِصاما، ومفاعلة نحو: مخاصمة، واللازم له عند سيبويه المفاعلة، وقد يتركون الفعال ولا يتركون المفاعلة، وانفراد مفاعلة بما فاؤه ياء نحو: ياسر مياسرة، وندر الفعال في قولهم: ياومه مياومة، حكاه ابن سيده.
وقوله:
وغير ما مر السماع عادله
أي: كان له عديلا، فلا يقدم عليه إلا بسماع، من ذلك مجيء المصدر المعتل اللام على تفعيل ونحو1:
وهي تنزي دلوها تنزيا
ومجيء مصدر فعل الصحيح اللام على تفعلة نحو: تكرمة وتجربة، وغلب فيما لامه همزة نحو: خطأ تخطئة وهنأ تهنئة, وقد جاء مصدر فعل على فعال نحو: كلم كلاما.
وقوله:
وفَعْلة لمرة كجلسه... وفِعْلة لهيئة كجلسه
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر الثلاثي المجرد بإتيانه على فعلة -بفتح الفاء- وعلى الهيئة بفعلة -بكسر الفاء- وهو مقيد بألا يكون المصدر على فَعلة نحو: رحمة, أو فِعلة نحو: ذِرْبة1, فلا يدل حينئذ على المرة أو الهيئة إلا بقرينة حالية أو وصف.
وقوله:
في غير ذي الثلاث بالتا المرة
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر غير الثلاثي زيادة التاء نحو: انطلق انطلاقة.
تنبيهان:
الأول: إنما تلحق التاء للدلالة على المرة في الأبنية المقيسة.
والثاني: إن ذلك مقيد بأن يكون المصدر مجردا من التاء، فإن بني على التاء دل على المرة فيه بالقرينة لا بالتاء كما سبق في الثلاثي.
وقوله:
وشذ فيه هيئة كالخمره
أي: شذ في غير الثلاثي صوغ فعلة للدلالة على الهيئة كقولهم: "هو حَسن العِمّة والقُمصة" و"هي حسنة الخمرة والنِّقبة" من تعمم وتقمص, واختمرت وانتقبت.
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات
:
تقدم حد اسم الفاعل, ويأتي حد الصفة المشبهة:
كفاعل صغ اسم فاعل ذا... من ذي ثلاثة يكون كغذا
شمل قوله: "من ذي ثلاثة" فَعَل المتعدي نحو ضرب فهو ضارب, واللازم نحو ذهب فهو ذاهب، وفَعِل المتعدي نحو علم فهو عالم, واللازم نحو سلم فهو سالم، وفَعُل نحو فَرُه فهو فاره، وليس نسبته إليها على السواء؛ فلهذا قال:
وهو قليل في فعلت وفَعِل... غير معدى........
"يعني: أن فاعلا قليل في فَعُل -المضموم العين- وفَعِل -المكسور العين- غير المعدى"1, ففهم منه أنه كثير مقيس في فعل مطلقا، وفي فعل المتعدي.
وقوله:
بل قياسه فَعِل... وأَفْعَل فعلان
يعني: أن قياس فعل اللازم أن يكون اسم فعله على أحد الأوزان الثلاثة، ففعِل للأعراض نحو أشر وفرح، وأفعل للألوان والخِلَق نحو أخضر وأجهر -وهو الذي لا يبصر في الشمس- وفَعْلان للامتلاء وحرارة البطن نحو ريان وصديان، وقد نبه على ذلك بالتمثيل.
وقوله:
وفعل أولى وفعيل بفَعُل
يعني: أن هذين الوزنين أولى به من غيره نحو "ضخُم فهو ضَخْم وجَمُل فهو جميل"2, فإن قلت: فهل ينقاس عليهما؟
قلت: أما فعيل فمقيس، وقال في شرح التسهيل: ومن استعمل القياس فيهما لعدم السماع, فهو مصيب.
وقول الشارح: الذي كثر في "استعمال"1 اسم الفاعل حتى كاد "يطرد"2 أن يجيء على فعل أو فعيل, يخالف قوله:
وأفعل فيه قليل وفَعَل
الضمير لفَعْل.
مثال أفعل: أحرش3 المكان فهو أحرش، ومثال فعل: بطل فهو بطل، ولا يقاس عليهما لقلتهما.
وبسوى الفاعل قد يغنى فَعَل
أي: قد يستغني فعل -المفتوح العين- بمجيء اسم فاعله على غير فاعل نحو طاب فهو طيب, وشاخ فهو شيخ, وشاب فهو أشيب, وعف فهو عفيف، ولم يأتوا فيه بفاعل.
فإن قلت: كيف يطلق على هذه الأوزان اسم فاعل، وإنما هي من الصفة المشبهة؟
قلت: يطلق اسم الفاعل في اللغة كثيرا, وفي الاصطلاح قليلا على كل وصف مشارك للفعل في مادة حروف الاشتقاق وتحمل ضمير الفاعل، وفي مشهور الاصطلاح على ما تقدم وحده في بابه.
وقوله:
وزنة المضارع اسم فاعل... من غير ذي الثلاث كالمواصل
مع كسر متلو الأخير مطلقا... وضم ميم زائد قد سبقا
بيّن بهذين البيتين كيفية بناء اسم الفاعل من كل فعل زائد على ثلاثة أحرف, وهو واضح.
وقوله: "وزنة" هو خبر مقدم لقوله: "اسم فاعل", والتقدير: واسم الفاعل من غير ذي الثلاث زنة المضارع، وفهم من قوله: "مطلقا" أنه إذا كان مكسورا قدر كسره, فتكون الحركة غير الحركة.
وقوله:
وإن فتحت منه ما كان انكسر... صار اسم مفعول كمثل المنتظر
فلا فرق بين اسم الفاعل, واسم المفعول فيما زاد على ثلاثة إلا بكسر ما قبل الأخير, وفتحه.
وقوله:
وفي اسم مفعول الثلاثي اطرد... زنة مفعول كآت من قصد
أي: كالمصوغ من قصد، فتقول: مقصود.
وإذا كان الثلاثي لازما قيد مفعوله بالحرف الذي يتعدى به نحو: "ممرور به" ويعني بالثلاثي المتصرف.
وقوله:
وناب نقلا عنه ذو فَعِيل... نحو فتاة أو فتى كحيل
أي: ناب ذو فعيل, يعني: صاحب هذا الوزن عن مفعول نقلا لا قياسا نحو: كحيل بمعنى مكحول، وقتيل وطريح وهو كثير.
قال الشارح: وعلى كثرته لم يقس عليه بإجماع، وفي التسهيل: وليس مقيسا خلافا لبعضهم فنص على الخلاف1, وقال في شرحه: وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل، فقيد في الشرح وأطلق في الأصل.
فإن قلت: فهل يعمل فعيل النائب عن مفعول عمل اسم المفعول؟
قلت: ذكر في التسهيل "أنه ينوب"2 في الدلالة لا العمل3, فعلى هذا لا
يقال: "مررت برجل كحيل عينه ولا قتيل أبوه" وقد أجازه ابن عصفور ويحتاج إلى سماع.
فإن قلت: لِمَ قال: نحو فتاة أو فتى، فمثل بالمؤنث والمذكر؟
قلت: لينبه على أن "فعيل" بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الصفة المشبهة باسم الفاعل
:
صفة استحسن جر فاعل... معنى بها المشبهة اسم الفاعل
تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه.
نحو "حسن الوجه" وذلك خلاف اسم الفاعل، فإنه "لا يصلح لذلك"1.
فإن قلت: يشعر قوله: "استحسن" بأن اسم الفاعل قد يضاف إلى فاعله، ولكنه ليس بمستحسن.
قلت: قال الشارح: إن ذلك "لا يسوغ"2 في اسم الفاعل إلا إن أمن اللبس، فقد "يجوز"3 على ضعف وقلة في الكلام نحو: "كاتب الأب" تريد: كاتب أبوه، انتهى.
وليس على إطلاقه بل نقول: إذا قصد ثبوت اسم الفاعل، فإن كان من غير متعد عُومل معاملة الصفة المشبهة.
"وساغت"4 إضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، فتقول: "زيد قائم الأب" -بالرفع والنصب والجر- على حد الحسن الوجه.
وإن كان من متعد بحرف جر فكذلك عند الأخفش، وصححه ابن عصفور بدليل قولهم: "هو حديث عهد بوجع" ونقل المنع عن الجمهور.
وإن كان من متعد إلى واحد فكذلك عند المصنف بشرط أمن اللبس وفاقا للفارسي، وذهب كثير إلى منعه، وفصّل قوم فقالوا: إن حذف مفعوله اقتصارا جاز وإلا فلا، وهو اختيار ابن عصفور وابن أبي الربيع والسماع يوافقه كقوله5:
ما الراحم القلب ظلاما وإن ظُلما
وإن كان "متعديا"1 إلى أكثر من واحد لم يجز جعله كالصفة، قال بعضهم بغير خلاف.
فإن قلت: لِمَ قال: فاعل معنى؟
قلت: لأنه لا تضاف الصفة إليه إلا بعد إسنادها إلى ضمير الموصوف, فلم يبق فاعلا إلا من جهة المعنى.
= وتمامه: ولا الكريم بمناع وإن حرما اللغة: "ظلاما" على وزن فعال -بتشديد العين- مبالغة ظالم, "مناع" كذلك مبالغة مانع، ولكن المعنى هنا ليس بذي ظلم، وليس المراد به المبالغة, "ظلما" على صيغة المبني للمجهول, "حرما" على صيغة المبني للمجهول.
المعنى: أن من اتصف بالرحمة واستشعر قلبه الرأفة بالناس, لا يقسو عليهم وإن قسوا عليه، ولا يسيئهم وإن أساءوا إليه، وأن من اتصف بالكرم وامتلأت نفسه بمحبة البذل لا يمنع عن أحد رفده، وإن كان الناس لا يعاملونه هذه المعاملة.
الإعراب: "ما" نافية حجازية, "الراحم" اسم ما مرفوع بالضمة, "القلب" مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى فاعله, "ظلاما" خبر ما الحجازية منصوب بالفتحة الظاهرة, "وإن" الواو عاطفة على محذوف، وإن شرطية, "ظلما" فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم والألف للإطلاق، ونائبه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على الراحم القلب، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام, "ولا" الواو عاطفة ولا زائدة لتأكيد النفي, "الكريم" معطوف على اسم ما, "بمناع" معطوف على خبر ما, "وإن" الواو عاطفة، وإن شرطية, "حرما" فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط ونائبه ضمير مستتر، والألف للإطلاق، وجواب الشرط محذوف.
الشاهد فيه: "ما الراحم القلب", فإن الراحم اسم فاعل أضيف إلى فاعله "القلب", وإضافة اسم الفاعل إلى فاعله لا تجوز إلا إذا أمن اللبس وفاقا للفارسي.
وقال جماعة: إن حذف مفعوله اقتصارا جاز وإلا فلا, وفي البيت حذف مفعوله اقتصارا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 346 / 2, وذكره السيوطي في الهمع 101/ 10.
وقوله: "المشبهة اسم فاعل" يجوز أن يكون مبتدأ وصفة خبره، وفي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يكون صفة مبتدأ، وإن كان نكرة لوصفه "والصفة المشبهة"1 خبره, والأول أظهر.
فإن قلت: ما وجه الشبه بينها, وبين اسم الفاعل؟
قلت: من أوجه، أحدها: أنها تدل على حدث, ومن قام به.
الثاني: أنها تؤنث وتذكر.
الثالث: أنها تثنى وتجمع، وكان حقها ألا تعمل عمل فعلها؛ لأنها لا تجري على المضارع، ولا هي معدولة عن الجاري عليه، إلا أنها عملت لمشابهتها اسم الفاعل فيما ذكر.
ثم اعلم أن بين اسم الفاعل والصفة المشبهة فروقا:
الأول: أن الصفة المشبهة لا تكون إلا من فعل لازم بخلاف اسم الفاعل, فإنه يصاغ من المتعدي واللازم.
وإلى هذا أشار بقوله: وصوغها من لازم.
الثاني: أنها لا تكون للماضي المنقطع ولا لما لم يقع ولا "توجد"2 إلا للحاضر، وهو الأصل في باب الوصف؛ لأنها لم توضع لإفادة معنى الحدوث بل لنسبة الحدث إلى الموصوف به على جهة الثبوت بخلاف اسم الفاعل، فإنه كالفعل في إفادة معنى الحدوث والصلاحية لاستعماله بمعنى الماضي والحال والاستقبال؛ ولذلك إذا قصد باسم الفاعل الثبوت عُومِل معاملة الصفة المشبهة كما سبق، وإذا قصد بالصفة الحدوث حُوِّلت إلى بناء اسم الفاعل كقوله3:
وما أنا من رزء وإن جل جازع... ولا بسرور بعد موتك فارح
وإلى هذا أشار بقوله: "لحاضر".
تنبيه:
قد تقدم مما ذكرناه أن كونها للحال ليس شرطا في عملها، ولكن وضعها كذلك؛ لكونها دالة على الثبوت من ضرورته الحال، فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
والاعتماد واقتضاء الحال... شرطان في تصحيح ذا الإعمال
الثالث: أنها غير جارية على المضارع بخلاف اسم الفاعل. نص على ذلك الزمخشري وغيره، وهو ظاهر كلام أبي علي في الإيضاح، ورده المصنف وقال في التسهيل: وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي, ولازمة إن كانت من غيره1.
ولذلك مثل هنا "بطاهر القلب" وهو جارٍ على المضارع, و"بجميل الظاهر" وهو غير جارٍ تنبيها على "مجيئه"2 بالوجهين.
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق... ولا مغرب إلا له فيه مادح الإعراب: "ما" نافية, "أنا" مبتدأ, "من رزء" جار ومجرور متعلق بجازع, "وإن" واصلة بما قبلها, "جل" فعل والفاعل ضمير مستتر يرجع إلى الرزء، وفي الحقيقة هو عطف على محذوف، تقديره: وما أنا جازع من رزء إن لم يجل وإن جل, "جازع" خبر المبتدأ, "ولا بسرور" متعلق بفارح, "بعد" ظرف, "موتك" مضاف إليه، وموت مضاف والكاف مضاف إليه, "فارح" خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ولا أنا فارح بسرور بعد موتك.
الشاهد فيه: "فارح", فإن الصفة المشبهة التي هي "فرح" حولت إلى فارح على صيغة اسم الفاعل؛ لإفادة معنى الحدوث في الزمن المستقبل, وإذا قصد باسم الفاعل الثبوت عومل معاملة الصفة المشبهة.
وإذا قصد بالصفة المشبهة معنى الحدوث حولت إلى بناء اسم الفاعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم.
ومثالها من غير الثلاثي منطلق اللسان, ومطمئن القلب.
قلت: ولقائل أن يقول: إن ضامرا ومنطلقا ومنبسطا ونحوها مما جرى على المضارع أسماء فاعلين قصد بها الثبوت, فعوملت معاملة الصفة المشبهة، وليست بصفة مشبهة.
فإن قلت: قد رد ما ذهب إليه من قال: إنها لا تكون جارية بكونهم متفقين على أن "شاحطا" في قوله1:
من صديق أو أخي ثقة... أو عدو شاحط دارا
صفة مشبهة:
قلت: إن صح الاتفاق فهو محمول على أن حكمه حكم الصفة المشبهة؛ لأنه قصد به الثبوت كما تقدم؛ فلذلك أطلق عليه صفة مشبهة.
الرابع: أن معمولها لا يتقدم عليها؛ لضعفها بخلاف اسم الفاعل2.
الخامس: أن معمولها لا يكون إلا سببيا بخلاف اسم الفاعل، فإنه يعمل في السببي والأجنبي3.
والمراد بالسببي المتلبس بضمير صاحب الصفة لفظا, أو معنى.
وإلى هذين أشار بقوله:
وسبق ما تعمل فيه مجتنب... وكونه ذا سببية وجب
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل أن معمول الصفة المشبهة يكون ضميرا بارزا متصلا1 كقوله2:
حسن الوجه طلقه أنت في السلم... وفي الحرب كالح مكفهر
ولا يطلق عليه سببي.
قلت: إنما احترز بالسببي عن الأجنبي فإنها لا تعمل فيه، وأما عملها في الموصوف فلا إشكال فيه.
وأما قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى... لها...........
فيعني به أنها تنصب فاعلها في المعنى, كما ينصب اسم الفاعل مفعوله.
فإن قلت: كيف قال: وعمل اسم فاعل المعدى لها وبينهما فرق، وهو أن معمول اسم الفاعل مفعول به ومعمولها مشبه بالمفعول، فعملهما إذًا مختلف؟
قلت: هو متحدّ صورة وهو المراد بقوله: على الحد الذي قد حُدَّا, يعني: أن عملها مشروط بالاعتماد, كما شرط ذلك في اسم الفاعل.
فإن قلت: لِمَ أخر قوله: "وسبق ما تعمل فيه... البيت" عن قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى؟
وكان ينبغي العكس؛ لأن ذلك من تتمة الفروع.
قلت: بيان شرط معمولها من "توابع عملها"1؛ فلذلك أخره عنه.
وقوله:
فارفع بها وانصب وجر مع أل
الرفع على الفاعلية2 والنصب على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة، وقيل: يجوز فيه أيضا التشبيه، وأجاز بعض البصريين كون المقرون بأل والمضاف إلى المقرون بها تمييزا وهي نزعة كوفية والجر على الإضافة، وهل هي من نصب أو رفع؟ قولان.
وظاهر كلام المصنف أنها من رفع وإليه ذهب السهيلي، وذهب الشلوبين وأكثر أصحابنا كابن عصفور إلى أنها من المنصوب.
وقوله: "ودون أل".
يعني: أن الصفة المشبهة تعمل الرفع والنصب والجر في السببي مقرونة بأل, ومجردة منها.
ثم قسّم معمولها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: معرف بأل، وإليه أشار بقوله: "مصحوب أل".
والثاني: المضاف، وهو المراد بقوله: "وما اتصل بها مضافا".
أي: وما اتصل بالصفة, ولم ينفصل عنها بأل.
والثالث: المجرد من أل والإضافة.
ثم اعلم أن المضاف أنواع:
الأول: مضاف إلى ضمير الموصوف.
الثاني: مضاف "إلى مضاف" إلى ضميره.
والثالث: مضاف إلى المعرف بأل.
والرابع: مضاف إلى المجرد.
والخامس: مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف.
ذكره في التسهيل1 ويحتاج إلى سماع.
والسادس: مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى، ذكره في شرح التسهيل.
والسابع: مضاف إلى موصول.
والثامن: مضاف إلى موصوف يشبهه.
والمجرد من أل والإضافة يشمل ثلاثة أنواع: الموصول والموصوف وما سواهما، فجملة أنواع معمولها السببي أحد عشر نوعا وهذه أمثلتها على الترتيب:
مثال مصحوب أل "الحسن الوجه", ومثال المضاف إلى ضمير الموصوف "الحسن وجهه", ومثال المضاف إلى المضاف إلى ضميره "الحسن وجه أبيه".
ومثال المضاف إلى المجرد "الحسن وجه أب".
ومثال المضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف "مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه" فالأنف مضاف إلى ضمير الوجه والوجه مضاف إلى جارية والجارية مضاف إلى ضمير الموصوف.
ومثال المضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى "مررت برجلٍ حسن الوجنة جميلٍ خالها" وهو تركيب نادر.
وشاهده قول الشاعر1:
سبتني الفتاة البضة المتجرد الـ... لطيفة كشحه وما خلت أن أسبى
ومثال المضاف إلى الموصول قوله2:
فعجتها قِبَل الأخيار منزلة... والطيبي كل ما التاثت به الأزر
ومثال المضاف إلى الموصوف "رأيت رجلا حديدا سنان رمح يطعن به".
ومثال الموصول قوله1:
وثيرات ما التفّتْ عليه المآزر = و"الطيبي" الواو عاطفة, الطيبي معطوف على الأخيار مجرور بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم, "كل" مضاف إليه, "ما" اسم موصول مضاف إليه, "التاثت" التاث فعل ماض والتاء للتأنيث, "به" متعلق بالتاث, "الأزر" فاعل التاث، والجملة لا محل لها صلة الموصول.
الشاهد فيه: "والطيبي كل ما التاثت", فالطيبي صفة مشبهة مضافة إلى كل الذي هو مضاف إلى موصول, أي: إن معمول الصفة المشبهة التي هي "الطيبي" اسم مضاف إلى الاسم الموصول.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 357/ 2، والمكودي ص103.
ومثال الموصوف قوله1:
أزور امرأ جما نوال أعده... لمن أَمَّهُ مستكفيا أزمة الدهر
وهذان القسمان غريبان:
ومثال المجرد غيرهما "الحسن وجه".
إذا تقرر هذا, فاعلم أن الصفة تعمل في السببي الرفع والنصب والجر مع أل ودون أل, فلها ستة أحوال.
وكل منها على أحد عشر تقديرا في المعمول فهذه ست وستون صورة كلها جائزة إلا ما لزم منها إضافة ما فيه أل إلى الخالي من أل, ومن إضافة إلى المعرف بها أو إلى ضمير المعرف بها فيمتنع "الحسن وجهه" و"الحسن وجه أبيه" و"الحسن وجه أب" و"الحسن وجه" ونحوها.
ويجوز نحو: "الحسن الوجه"؛ لأنه معرف بأل, و"الحسن وجه الأب"؛ لأنه مضاف إلي المعرف بها, و"الكريم الآباء الغامر جودهم"؛ لأن جودا مضاف إلى ضمير المقرون بها، ذكره في التسهيل2.
وإلى هذا أشار بقوله: ولا تجرُرْ بها, أي: الصفة، سُما1.
مع أل سما من أل خلا.
أي: اسما خلا من أل "ومن إضافة لتاليها".
وقوله:
.......... وما... لم يخل فهو بالجواز وسما
يعني: وما لم يخل من أل ومن إضافة لتاليها, فهو موسوم بالجواز.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: أو من إضافة لمضمر المعرف بها, كما ذكره في التسهيل.
قلت: إنما "تركه"2 هنا؛ لأنه تركيب نادر كما مر.
تنبيهان:
الأول: لم يتعرض المصنف لبيان أقسام الجائز، وهو ينقسم إلى قبيح وحسن ومتوسط.
فالقبيح: ما عري عن الضمير، والحسن: ما كان فيه ضمير واحد، والمتوسط: ما تكرر فيه الضمير، إلا ما تقدم امتناعه، وقد بسطته في غير هذا المختصر3.
الثاني: ما ذكره من الحكم إنما هو النسبي، وقد تقدم أن معمول الصفة يكون ضميرا وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل نحو: "مررت برجل حسن الوجهِ جميلِهِ", ونصب إن فُصلت أو قُرنت بأل, فالمفصولة نحو: "قريش بخباء الناس ذرية وكرامُهُموها".
والمقرونة بأل نحو: "زيد الحسنُ الوجهِ الجميله".
التعجب
:
استعظام فعل ظاهر المزية، ويدل عليه بألفاظ كثيرة غير ما يذكر في هذا الباب نحو: "سبحان الله" و"لله دره"، لم يبوب لها في النحو؛ لكونها لم تدل عليه بالوضع بل بقرينة.
والمبوب له من ألفاظه: أفعَل وأفعِل, وقد أشار إلى الأول بقوله:
بأفعل انطق بعد ما تعجُّبا
أي: انطق بوزن أفعل بعد ما؛ لإنشاء التعجب أو في حال تعجبك.
فقوله: "تعجبا" مفعول له أو حال.
وأشار إلى الثاني بقوله:
أو جئ بأفعِل قبل مجرور ببا
يعني: أو جئ بوزن أفعل قبل اسم مجرور بباء الجر.
ثم قال: وتلو أفعل انصبنه
مذهب البصريين أنه مفعول به، وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن نصبه على حد النصب في نحو: "زيدٌ كريمٌ الأبَ".
فإن قلت: شرط المجرور بعد أفعِل والمنصوب بعد ما أفعَل، أن يكون مختصا لتحصل به الفائدة، ولم ينبه على ذلك.
قلت: في تمثيله الآتي إرشاد إليه.
ثم مثل الصيغة الأولى بقوله:
........ كما... أوفى خليلينا.......
وهو نظير: "ما أحسن زيدًا" فما اسم لعود الضمير عليها مبتدأ، قيل: بلا خلاف، وقد روي عن الكسائي: أنها لا موضع لها من الإعراب، وهو خلاف شاذ.
وبعد ثبوت اسميتها وأنها مبتدأ، ففي معناها خلاف.
مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنها اسم تام نكرة، والفعل بعدها خبرها، وهو الصحيح لأن
قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي، وسبب الاختصاص بها خفي، فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصة؛ ليحصل بذلك إبهام متلو بإفهام.
فإن قلت: كيف ساغ الابتداء بما, وهي نكرة لا مسوغ لها؟
قلت: سوغها قصد الإبهام، وقد ذكره في التسهيل من المسوِّغات1.
وقال الشارح: لأنها في تقدير التخصيص.
والمعنى: شيء عظيم أحسن زيدا, أي: جعله حسنا، فهو كقولهم: "شيء جاء بك وشر أهر ذا ناب"2.
انتهى، وفيه نظر.
وذهب الأخفش وطائفة من الكوفيين إلى أنها موصولة, والفعل صلتها والخبر محذوف لازم الحذف, تقديره: الذي أحسن زيدًا شيء عظيم.
ورد بأنه يستلزم مخالفة النظائر من وجهين:
أحدهما: تقدم الإفهام وتأخر الإبهام, والمعتاد فيما تضمن من الكلام إفهاما وإبهاما "أن"3 يقدم الإبهام.
والثاني: التزم حذف الخبر دون شيء سد مسده، وذهب الفراء وابن درستويه إلى أنها استفهامية, ونقله في شرح التسهيل عن الكوفيين.
ورده بأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ 4 وما المشار إليها مخصوصة بالأفعال، وبأنها لو كان فيها معنى الاستفهام لجاز أن يخلفها أي.
وبأن قصد التعجب بما أفعله مجمع عليه والاستفهام زيادة لا دليل عليها, فلا يلتفت إليها.
قلت: وفي الأول نظر.
لأن مذهب الكوفيين أن أفعل اسم, وسيأتي.
وذهب الأخفش في أحد أقواله إلى أنها نكرة موصوفة، وأفعل صفتها والخبر محذوف.
وثاني أقواله: أنها موصولة، وقد تقدم.
وثالثها: كقول سيبويه.
ثم مثّل الصيغة الثانية بقوله: وأصدِقْ بِهِما.
وهو نظير: "أحسِنْ بزيد".
ومذهب جمهور البصريين أن أفعل في نحو: "أحسن بزيد" لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، فمعنى "أحسن بزيد" أحسن زيد, أي: صار ذا حسن وهو مسند إلى المجرور بعده، والباء الزائدة مع الفاعل مثلها في نحو: ﴿..... وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ 1.
وذهب الفراء ومن وافقه إلى أنه أمر باستدعاء التعجب من المخاطب مسندا إلى ضميره، واستحسنه الزمخشري وابن خروف، وذهب ابن كيسان إلى أن المخاطب ضمير الحسن كأنه قيل: يا حسن أحسن بزيد, أي: دم به؛ ولذلك كان الضمير مفردا على كل حال، قال ابن طلحة: وهو حسن، وعلى هذين القولين فالباء زائدة مع المفعول؛ لأن من جعل أفعل أمرا حقيقة فالهمزة عنده للتعدية.
وأجاز بعض المتأخرين أن تكون الباء للتعدية لا زائدة، والهمزة للصيرورة لا للتعدية، وهو أمر للسبب2 أو للشخص على القولين.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور البصريين؛ لسلامته مما يرد على غيره.
ورد المصنف قول الفراء بأربعة أوجه:
أحدها: أنه لو كان أمرا لم يكن الناطق به متعجبا, كما لا يكون الآمر بالحلف ونحوه حالفا، ولا خلاف في كونه متعجبا.
الثاني: أنه لو كان أمرا لزم إبراز ضميره.
الثالث: أنه لو كان مسندا إلى ضمير المخاطب لم يَلِهِ ضمير المخاطب في نحو: "أحسن بك".
الرابع: لو كان أمرا لوجب له من الإعلال ما وجب لأقِمْ وابْنِ.
ورد قول ابن كيسان بأن من المصادر ما لا يكون إلا مؤنثا كالسهولة والنجابة، فلو كان الأمر على ما توهمه، لقيل في أسهل به وأنجب به: أسهلى به وأنجبى، وقد أجيب عما رد به، وليس "هذا"1 موضع ذكره.
تنبيهان:
الأول: الباء بعد أفعل لازمة عند الفريقين، إلا إذا كان المتعجب منه أن وصلتها, كقول الشاعر2:
وأحبِبْ إلينا أن تكون المقدما
الثاني: قال في شرح التسهيل: لو اضطر شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن لزمه أن يرفع، وعلى قول الفراء يلزم النصب.
وقوله:
وحذف ما منه تعجبت استبح... إن كان عند الحذف معناه يضح
يعني: أنه يجوز حذف الاسم المنصوب بعد ما أفعل, والمجرور بالباء بعد أفعل؛ فمثال حذفه بعد ما أفعل قول علي رضي الله عنه1:
جزى الله عنا والجزاء بفضله... ربيعة خيرا، ما أعفَّ وأكرَما
أي: ما أعفهم وأكرمهم.
ومثاله بعد أفعِل قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ....﴾ 1 -أي: بهم- وإنما حذف مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة خلافا للفارسي.
وذهب قوم إلى أنه لم يحذف, ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء.
ورُدّ بوجهين:
أحدهما: لزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع.
والآخر: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من: "أكرم بنا"2.
قال في شرح الكافية: ولا تحذف الباء بعد أفعل إلا مع مجرورها, بشرط كون أفعل مسبوقا بآخر معه الفاعل المذكور كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ... ﴾ 3.
وقد تحذف الباء ومجرورها بعد أفعل مفردا, كقول الشاعر4:
فذلك إن يلق المنية يلقها... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر فإن قلت: كيف أطلق على الاسم متعجبا منه في قوله:
وحذف ما منه تعجبتَ استبِح
والمتعجب منه إنما هو فعله "لا نفسه"1؟
قلت: قد أجاب الشارح بأنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله:
إن كان عند الحذف معناه يضح
شرط في استباحة حذف المتعجب منه بعد ما أفعل, وأفعل "به"2.
يعني: أن جواز حذفه مشروط بأن يكون المراد واضحا عند الحذف للعلم به, فلو كان مجهولا لا دليل عليه لم يجز حذفه؛ لعدم الفائدة.
قوله:
وفي كلا الفعلين قدما لزما... منع تصرف بحكم حُتما
قال في شرح التسهيل: لا خلاف في عدم تصرف فعلي التعجب, انتهى.
وقد أجاز ابن هشام الإتيان بمضارع ما أفعَل, فتقول: "ما يحسن زيدا".
= مستر فاعل, وها مفعول، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ, "حميدا" حال من فاعل يلق المستتر فيه, "وإن" شرطية, "يستغن" فعل مضارع فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر, "يوما" متعلق بيستغن, "فأجدر" الفاء لربط الجواب بالشرط وأجدر فعل ماض جاء على صورة الأمر، وقد حذف فاعله والباء، أي: أجدر به.
الشاهد فيه: "فأجدر" حيث حذف المتعجب منه وهو فاعل أجدر مع حرف الجر من غير أن تكون صيغة التعجب المحذوف معمولها معطوفة على أخرى مذكور معمولها المشابه للمحذوف.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 365/ 2، وابن هشام 70/ 3، وابن عقيل 115/ 2، وابن الناظم.
وهو قياس ولم يسمع, فوجب اطّراحه.
فإن قلت: فهلا جعلوا أفعِل أمرا من أفعَل؟
قلت: المانع من ذلك كون الهمزة في أفعِل للصيرورة، وفي ما أفعل للنقل، هذا تفريع على مذهب الجمهور.
قلت: صرح المصنف في هذا البيت بفعلية صيغتي التعجب.
وأما ما أفعله ففيه خلاف؛ ذهب البصريون والكسائي إلى فعليته, وذهب الكوفيون إلى اسميته ولم يستثنه بعضهم، فلعل له قولين.
والصحيح أنه فعل؛ لبنائه على الفتح، ولنصبه المفعول به، وليس من الأسماء التي تنصبه، وللزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو: "ما أفقرني إلى عفو الله" ذكر ذلك المصنف.
قلت: قد حكى الكوفيون عن العرب حذف هذه النون، ولم يجعلوها لازمة، واستدلوا على الاسمية بعدم تصرفه، وبتصغيره، وبصحة عينه.
وأجيب: بأن امتناع تصرفه؛ لأنه لزم طريقة واحدة، وبأن تصغيره وصحة عينه لشبهه بأفعل التفضيل.
وأما أفعل, فقال المصنف وغيره: لا خلاف في فعليته، وفي كلام ابن الأنباري ما يدل على اسميته، قال: وأحسن لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه اسم، انتهى.
فإن قلت: ما إعراب: "ما أحسن زيدًا" عند القائلين باسمية أفعل؟
قلت: نقل الفراء أن الأصل في "ما أظرف زيدا" ما أظرفُ زيد على الاستفهام, ثم نقلوا الصيغة من زيد وأسندوها إلى ضمير "ما", وانتصب زيد بالظرف فرقا بين الخبر والاستفهام، والفتحة في أفعل فتحة إعراب وهو خبر عن "ما", وإنما انتصب؛ لكونه خلاف المبتدأ الذي هو "ما", إذ هو في الحقيقة خبر عن زيد.
وزعم بعض الكوفيين أن أفعل مبني وإن كان اسما؛ لأنه مضمن معنى التعجب وأصله أن يكون للحرف.
وقوله:
وصفهما من ذي ثلاث صرفا... قابل فضل تم غير ذي انتفا
وغير ذي وصف يضاهي أشهلا... وغير سالك سبيل فعلا
اشتمل هذان البيتان على شروط ما يصاغ منه فعلا التعجب قياسا، وهي ثمانية:
الأول: أن يكون فعلا، فلا يصاغان من غيره، وبذلك ظهر خطأ من يقول من الكلب: ما أكلبه، ومن الحمار: ما أحمره.
وشذ من ذلك قوله: "أَقْمِنْ به" اشتقوه من قَمِن, أي: حقيق.
وذكر المصنف منه قولهم: "ما أذرَعها" بمعنى: ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذَرَاع، قال: ولم يسمع منه فعل.
وحكى ابن القطاع1: "ذُرعت المرأة": خفت يداها في الغَزْل فهي ذراع, فعلى هذا ليس بشاذ.
فإن قلت: فلِمَ ينص الناظم هنا على هذا الشرط؟
قلت: هو مفهوم من قوله: "من ذي ثلاث".
"لأن التقدير: من قبل ذي ثلاث"2, فحذف الموصوف للعلم به.
الثاني: أن يكون ثلاثيا.
ونعني به ثلاثي اللفظ، فلا يصاغان من الرباعي المجرد باتفاق نحو: دحرج، ولم يشذ منه شيء.
وأما الثلاثي المزيد, فإن كان أفعل ففيه مذاهب:
أحدها: جواز صوغهما منه قياسا مطلقا، وهو اختيار المصنف، قال: وهو مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه.
والثاني: منعه إلا أن يشذ شيء فيحفظ, وهو مذهب الأخفش والمازني والمبرد وابن السراج والفارسي ومن وافقهم.
والثالث: التفصيل، فإن كانت همزته للنقل لم يجز، وإن كانت لغيره جاز, وصححه ابن عصفور ونسبه إلى سيبويه، والظاهر أن مذهب سيبويه هو الأول؛ لتمثيله بأعطى والهمزة فيه للنقل، يقال: عطوت بمعنى تناولت، وأعطيت بمعنى ناولت، قلت: والقياس على ذلك عند من أجازه مشروط بعدم مانع آخر، فإن وجد مانع لم يجز نحو: أودى بمعنى هلك، فإنه غير قابل للتفاضل، نحو: أجاب فإنهم استغنوا عنه بما أفعل فعله، فلا يقال: ما أجوبه, بل ما أجود جوابه، ذكره سيبويه.
وإن كان غير أفعل فقد شذ منه ألفاظ, منها: ما أشده من اشتد، وما أشوقه من اشتاق، وما أحوله من احتال، وما أخصره من اختُصر.
وفيه شذوذان؛ لأنه مزيد ومبني للمفعول.
وليس من الشاذ: ما أفقره وما أشهاه وما أحياه، خلافا لأكثرهم؛ لثبوت فَقِرَ وفَقَرَ بمعنى افتقر، وشهي بمعنى اشتهى، وحيي بمعنى استحيا.
ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره.
ونقل عن الأخفش أنه أجاز التعجب في كل فعل مزيد على استكراه، كأنه راعى أصله.
الثالث: أن يكون متصرفا، فلا يصاغان من غير المتصرف كنعم وبئس, وشذ من ذلك قولهم: "ما أعساه" و"أعسِ به".
فإن قلت: ينبغي أن يقال: كامل التصرف؛ احترازا "من"1 نحو: يدع ويذر.
قلت: إذا أطلق المتصرف فهو محمول على كامل التصرف.
الرابع: أن يكون قابلا للتفاضل، فلا يصاغان من فعل لا يقبل ذلك نحو: مات وفني وحدث؛ لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض.
الخامس: أن يكون تاما، فلا يصاغان من الأفعال الناقصة خلافا لمن أجاز صوغهما من كان الناقصة.
السادس: أن يكون مثبتا, فلا يصاغان من فعل مقصود نفيه لزوما كلم يَعِجْ, أو جوازا كلم يَعُجْ كذا.
قال في شرح التسهيل: يعني: أن عاج يعيج بمعنى انتفع لم يستعمل إلا منفيا, وعاج يعوج بمعنى مال استعمل مثبتا ومنفيا.
ونوزع في اختصاص الأول بالنفي، فإنه ورد مثبتا فيما أنشده أبو علي القالي في نوادره, قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي2:
ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه... ولا منظرا أروى به فأعيج
السابع: ألا يكون معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء، فلا يصاغان من شهل وحول، ولا فرق بين أن يكون من المحاسن كالأول، أو من العيوب كالثاني.
وعلة المنع عند الجمهور أن حق ما يصاغان منه أن يكون ثلاثيا محضا.
وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على أفعل.
قال في شرح التسهيل: وعندي تعليل آخر أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على أفعل لم يُبْنَ منه أفعل التفضيل؛ لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، فلما امتنع صوغ أفعل التفضيل امتنع صوغ فعل التعجب؛ لتساويهما وزنا ومعنى, وجريانهما مجرى واحدا في أمور كثيرة.
قال: وهذا الاعتبار بيّن ورجحانه متعيّن.
وشذ من هذا النوع قولهم: "ما أحمقه" و"ما أرعنه" و"ما أهوجه" و"ما أنوكه", بمعنى: ما أحمقه، وما ألده من لد إذا كان عسر الخصومة، ومنه الوصف من كل هذه على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث.
وكلامه في الكافية والتسهيل، يقتضي ظاهره أن صوغهما من فِعْلِ أفعَل إذا فهم جهلا أو عسرا مقيس1.
الثامن: ألا يكون مبنيا للمفعول, فلا تقول: "ما أضرب زيدا" وأنت تتعجب من الضرب الواقع "به"2.
وعلته عند قوم خوف اللبس، وإليه ذهب المصنف؛ فلذلك حكم باطراد صوغهما منه عند أمن اللبس كقولهم: "ما أشغله" من شغل, و"ما أجنّه" من جُنّ, و"ما أولعه" من وُلِع، و"أزهاه" من زُهي.
قال المصنف: وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب.
وعلته عند قوم: أن الفعل المتعجب منه لا بد أن يكون قبل دخول همزة النقل على فعُل أصلا أو تحويلا، وفعُل أبدا لا يكون فِعْل مفعول، وإليه ذهب ابن عصفور؛ فلذلك جعل ما ورد من ذلك شاذا.
قال: وينبغي أن يتأول على أنه متعجب فيه من فعل فاعل في معنى فعل مفعول لم ينطق به.
قلت: بقي شرط تاسع لم يذكره هنا، وهو ألا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو: قال من القائلة, فإنهم لا يقولون: ما أقيَله؛ استغناء بقولهم: "ما أكثر قائلته, وما أنومه في ساعة كذا، كما قالوا: تركت ولم يقولوا: ودَعت، نص على ذلك سيبويه".
وقد ذكر في التسهيل فقال: ويُغني في التعجب فعل عن فعل مستوف للشروط، كما يغني في غيره1, وذكر "ذلك"2 في شرحه.
من ذلك "سكر" و"قعد" و"جلس" ضدي "قام" و"قال" من القائلة، وزاد غيره "قام" و"غضب" و"نام" وممن ذكر السبعة ابن عصفور.
وعَدّ "نام" فيها غير صحيح؛ لأن سيبويه حكى: ما أنومه.
فإن قلت: قد ذكر بعضهم في شروطه أن يكون على فعُل أصلا أو تحويلا، وذكر بعضهم أن يكون واقعا3, وذكر بعضهم أن يكون دائما، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها الناظم.
قلت: أما اشتراط كونه على فعُل, فقد ذهب إليه كثير.
والصحيح أن صيغتي التعجب تبنيان من فعَل وفَعِل ولا تحتاجان إلى تحويل وهذا اختيار المصنف، وظاهر كلام سيبويه، قال: وهي تبنى من فعَل وفعِل وفعُل.
وأما اشتراط الواقع والدوام فليس بصحيح، بل يجوز: ما أحسن ما يكون هذا الطفل، وليس بواقع، وما أشد لمع البرق، وليس بدائم.
وقوله:
وأشدِدْ أو أشدَّ أو شبههما... يخلف ما بعض الشروط عدما
ومصدر العادم بعد ينتصب... وبعد أفعل جره بالبا يجب
يعني: أنه إذا قصد التعجب من فعل عدم بعض الشروط المذكورة, لم يجز صوغ صيغتي التعجب منه، بل يتوصل إلى التعجب منه بصوغهما مما جمع الشروط، ويؤتى بمصدر الفعل الذي عدم بعض الشروط فيعامل معاملة الاسم المتعجب منه فينصب بعد ما أفعل، ويجر بالباء بعد أفعل مضافا إلى اسم المتعجب منه, فيقال في التعجب من استخرج ونحوه: ما أشد استخراجه وأشدد باستخراجه ومن "نحو"1 مات: ما أفجع موته وأفجع بموته.
هذا حاصل البيت.
تنبيه:
هذا العمل يصح في كل متصرف مثبت مصوغ ذي مصدر مشهور, إذا لم يستوف بقية الشروط.
فإن كان غير متصرف لم يكن فيه هذا العمل؛ لأنه لا مصدر له، وإن كان منفيا أو مبنيا للمفعول لم يصح ذلك فيه، إلا بأن يؤتى به صلة لحرف مصدري معطى ما للمتعجب منه، فيقال: ما أقرب ألا يفعل وأقرب بألا يفعل، وما أشد ما ضرب وأشدد بما ضرب.
وإنما فعل ذلك؛ ليبقي لفظ النفي ولفظ الفعل المبني للمفعول.
قال الشارح: ولو أمن اللبس, جاز إيلاؤه المصدر الصريح نحو: ما أسرع نفاس هند, وأسرع بنفاسها.
فإن لم يكن للفعل مصدر مشهور, فالحكم أن يجعل صلة لما أيضا نحو: ما أكثر ما يذر زيد الشر.
وقوله:
وبالندور احكم لغير ما ذُكر... ولا تَقِس على الذي منه أُثر
الإشارة بهذا البيت إلى أنه قد ورد بناء فعل التعجب مما لم يستوف الشروط على وجه الشذوذ "فيحفظ ولا يقاس", وقد تقدم بيان ما شذ من ذلك.
وقوله:
وفعل هذا الباب لن يقدما... معموله ووصله به الزما
قال في شرح الكافية: لا خلاف في منع تقديم المتعجب منه على فعل التعجب، ولا في منع الفصل بينهما بغير ظرف وجار ومجرور، وتبعه الشارح في نفس الخلاف عن غير الظرف والمجرور، قال: كالحال والمنادى.
وليس كما زعما, بل في الحال خلاف.
أجاز الجرمي من البصريين وهشام من الكوفيين الفصل بالحال1, وقد ورد في الكلام الفصيح ما يدل على جواز الفصل بالمنادى, وذلك قول علي رضي الله عنه2:
أعزز عليّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا
وقال في شرح التسهيل بعد ذكر كلام علي رضي الله عنه: وهذا مصحِّح للفصل بالنداء.
وأجاز الجرمي الفصل بالمصدر نحو: "ما أحسن إحسانًا زيدًا" ومنعه الجمهور؛ لمنعهم أن يكون له مصدر.
وأجاز ابن كيسان الفصل بلولا ومصحوبها، نحو: "ما أحسن لولا بخله زيدا" ولا حجة له على ذلك.
وأما الظرف والمجرور, ففيهما خلاف مشهور.
قال في شرح الكافية: والصحيح الجواز؛ لثبوت ذلك عن العرب.
وقال في شرح التسهيل: لم يمتنع ولم يضعف؛ لثبوت ذلك نثرا ونظما وقياسا.
فمن النثر قول عمرو بن معديكرب: "لله در بني سالم, ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللَّزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها"1، ومن النظم قول بعض الصحابة رضي الله عنهم2:
وقال نبي المسلمين تقدموا... وأحبب إلينا أن تكون المقدما
وقول الآخر3:
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها... وأحْرِ إذا حالت بأن أتحولا
ومن القياس أن الفصل بالظرف والمجرور, مغتفر بين المضاف والمضاف إليه فهنا أولى.
وأجاز بعضهم الفصل بهما على قبح.
فالحاصل ثلاثة مذاهب، والجواز مذهب الفراء والجرمي والمازني والزجاج والفارسي وابن خروف والشلوبين.
وإلى المنع ذهب الأخفش والمبرد وأكثر البصريين، ونسبه الصيمري1 إلى سيبويه.
والحق أنه ليس لسيبويه فيه نص، قال الشلوبين: والصواب أن ذلك جائز, وهو المشهور والمتصور.
قلت: وقد أشار في النظم إلى ترجيح الجواز بقوله: "مستعمل"؛ لأن استعماله دليل جوازه.
تنبيه:
جواز الفصل بالظرف والمجرور عند المجيز مشروط بكونهما متعلقين بفعل التعجب، فإن لم يتعلقا به امتنع الفصل بهما كما امتنع بغيرهما, فلا يجوز: "ما أحسن بمعروف آمرا" وذكر في شرح التسهيل أنه لا خلاف في ذلك.
نعم وبئس وما جرى مجراهما:
فعلان غير متصرفين... نعم وبئس رافعان اسمين
قوله: "فعلان" خبر مقدم لنعم وبئس، وفي ذلك خلاف.
وفي نقله طريقان:
أحدهما: أن البصريين والكسائي ذهبوا إلى فعليتهما, واستدلوا بأوجه:
أحدها: اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما عند جميع العرب.
والثاني: اتصال ضمير الرفع البارز بهما في لغة قوم, وحكاها الكسائي والأخفش.
والثالث: بناؤهما على الفتح كسائر الأفعال الماضية.
وذهب الفراء وأكثر الكوفيين إلى أنهما اسمان، واستدلوا بدخول حرف الجر في نحو قوله: "ما هي بنعم الولد"1 و"نعم السير على بئس العير"2.
ويؤول على: بمقول فيها: نعم الولد, وعلى: مقول فيها: بئس العير.
والأخرى: حررها ابن عصفور في تصانيفه المتأخرة, فقال: لا يختلف أحد من النحويين البصريين والكوفيين في أن نعم وبئس فعلان، وإنما الخلاف بينهم بعد إسنادهما إلى الفاعل.
فذهب البصريون: أن "نعم الرجل" جملة فعلية وكذلك "بئس الرجل".
وذهب الكسائي إلى أن قولك: "نعم الرجل" و"بئس الرجل" اسمان محكيان
حيث وقعا بمنزلة تأبط شرا وبرق نحره، فنعم الرجل عنده اسم للممدوح وبئس الرجل اسم للمذموم، وهما جملتان في الأصل نقلتا عن أصلهما وسمي بهما.
وذهب الفراء إلى أن الأصل في قولك: "نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو": رجل نعم الرجل زيد، ورجل بئس الرجل عمرو، فحذف الموصوف الذي هو رجل وأُقيمت الصفة التي هي الجملة من نعم وفاعلها وبئس وفاعلها مقامه.
فحكم لها بحكمه، فنعم الرجل من قولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل من قولك: بئس الرجل عمرو، عندهما رافعان لزيد وعمرو، كما أنك لو قلت: ممدوح زيد ومذموم عمرو، لكان زيد مرفوعا بممدوح، وعمرو مرفوعا بمذموم.
والذي حملهما على ذلك أنهما رأيا العرب قد حكمت لنعم الرجل وبئس الرجل بحكم الأسماء في بعض المواضع، فحملاهما على ذلك في سائر المواضع.
وقوله: "غير متصرفين" سبب عدم تصرفهما لزومهما إنشاء المدح والذم.
وفي نعم أربع لغات: نَعِم وهي الأصل, ونَعْم بالتخفيف, ونِعِم بالإتباع, ونِعْم بالتخفيف بعد الإتباع، قيل: وأفصحها نِعْم وهي لغة القرآن, ثم نِعِم بالإتباع نعم وهي الأصلية وقرئ "بها"1: "فنِعِمَّ هي"2 ثم نعم في المرتبة الرابعة.
وحكى بعضهم: "نعيم الرجل" واستدل به على الاسمية؛ لأن فعيلا من أوزان الأسماء.
ورُد بأن ذلك من باب الإشباع على سبيل الشذوذ، فلا يثبت لغة.
وأما بئس, فنص كثير على أن فيها اللغات الأربع، وقال بعضهم: لم يسمع فيها إلا لغتان: بيس -بالتخفيف بعد الإتباع- وبئس على الأصل، والأخريان بالقياس.
وقال ابن عصفور والمحققون: الهمزة يبدلون منها ياء فيقولون: بيس.
وحكى الأخفش وأبو علي: بيس, بفتح الباء وتسكين الياء.
وقوله: "رافعان اسمين" يعني: أن كلا منهما يقتضي مرفوعا على الفاعلية؛ لأنهما فعلان كما سبق.
فإن قلت: كون المرفوع بعدهما فاعلا، إنما هو على مذهب البصريين، فما وجه رفعه على مذهب الكوفيين؟
قلت: أما على الطريقة الأولى, فقال في البسيط: ينبغي أن يكون تابعا عندهم لنعم إما بدلا أو عطفا، ونعم اسم يراد به الممدوح, فكأنك قلت: الممدوح الرجل زيد, وأما على الثانية فواضح.
وقوله: "مقارني أل" نعت لقوله: "اسمين".
وحاصل كلامه أن فاعل نعم وبئس يكون قسمين: ظاهرا ومضمرا.
فالظاهر شرطه أن يكون معرفا بأل نحو: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ 1.
أو مضافا إلى معرف بهما نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ 2.
"أو مضافا إلى"3 مضاف إلى المعرف بهما نحو4:
فنعم ابن أخت القوم غير مكذَّب... زهير حسامٌ مفردٌ من حمائل
وقد أشار إلى الأول بقوله: "مقارني أل".
وإلى الثاني بقوله: "أو مضافين لما قارنها".
ومثل بقوله: "كنعم عقبى الكرما".
ولم ينبه على الثالث؛ لكونه بمنزلة الثاني, وقد نبه عليه في التسهيل1.
تنبيهات:
الأول: اشتراط كون الظاهر معرفا بأل أو مضافا إلى المعرفة بها "أو إلى"2 المضاف إلى المعرف بها، هو الغالب، وأجاز بعضهم أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه أل كقوله3:
فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها = الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح, "ابن" فاعل نعم, "أخت" مضاف إليه, "القوم" مضاف إليه أيضا, "غير مكذب" حال من ابن ومضاف إليه، والجملة من نعم وفاعلها خبر مقدم, "زهير" مبتدأ مؤخر، أو زهير خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو زهير، وهو المخصوص بالمدح, "حسام مفرد" خبران لمبتدأ محذوف، لا نعتان لزهير؛ لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة, "من حمائل" متعلق بمفرد, وجر بالكسرة للضرورة.
الشاهد فيه: "نعم ابن أخت القوم" حيث جاء فاعل نعم اسما مضافا إلى اسم مضاف إلى مقترن بأل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 371/ 2، وابن هشام 82/ 3، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 85/ 2.