مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أن يكون العامل فيه هذا.
وذهب الجرجاني إلى أن ناصبه الواو نفسها؛ لاختصاصها بالاسم، ورُد بأنها لو كانت ناصبة، لاتصل الضمير بها1.
ولم يشترط "تقديم"2 فعل أو شبهه، وإليه أشار بقوله: "بالواو", وفهم من قوله: "سَبَق" أن المفعول معه لا يتقدم على عامله, "وهذا"3 متفق عليه.
وأما تقديمه على مصاحبه نحو: "استوى والخشبةَ الماءُ" فمذهب الجمهور، والصحيح منعه، وأجازه ابن جني4.
= مفعول مبني على الفتح في محل نصب, "أثوابي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه, "فقد" الفاء للتعليل, وقد حرف تحقيق, "جمعت" فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي, "هذا" ها حرف تنبيه, وذا اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون في محل رفع, "ردائي" خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وهي مضاف إليه, "مطويا" حال من رداء منصوب بالفتحة الظاهرة, "وسربالا" الواو للمعيّة, وسربالا مفعول معه منصوب بفتحة ظاهرة.
الشاهد: في "هذا.... سربالا", "حيث إن سربالا مفعول معه ولم يتقدمه الفعل, بل قد تقدمه ما يتضمن معنى الفعل وحروفه وهو هذا".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص116, والأشموني 1/ 244.
ثم قال:
وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب... بفعل كون مضمر بعض العرب
من كلامهم: "كيف أنت, وقصعة من ثريد" و"ما أنت وزيدٌ" برفع ما بعد الواو على أنها العاطفة، وبعضهم ينصب على أنها التي للمعية وما قبلها مرفوع بفعل مضمر هو الناصب لما بعدها، تقديره: كيف يكون؟ وما يكون؟ والصحيح أن "كان" المقدرة ناقصة، وكيف خبر مقدم، وكذلك "ما".
واعلم أن الصالح؛ لكونه مفعولا معه على ثلاثة أقسام:
قسم: يجوز فيه العطف والنصب على المعية، والعطف أرجح.
وقسم: يجوز فيه الأمران, والنصب على المعية أرجح.
وقسم: يمنع فيه العطف.
فالأول: "هو"1 ما أمكن فيه العطف بلا ضعف من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى نحو: "قمت أنا وزيد" وإن شئت نصبت.
والثاني: ما لا يمكن فيه العطف إلا بضعف من جهة اللفظ نحو: "قمت وزيد"؛ لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل بغير توكيد أو فصل ضعيف، أو من جهة المعنى كقولهم: "لو تركتَ الناقةَ وفصيلَها لرضعَها", فإن العطف فيه ممكن على تقدير: لو تركت الناقة ترأَمُ فصيلها وترك فصيلها لرضاعها لرضعه2.
هذا تكلف وتكثير عبارة3، فهو "ضعيف"4, والوجه النصب على معنى: لو تركت الناقة مع فصيلها.
والثالث: "هو"1 ما لا يمكن فيه العطف لمانع لفظي نحو: "ما لك وزيدًا؟ " فإن العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور, أو معنوي نحو: "سرت والجبل" مما لا يصلح للمشاركة.
فهذا ونحوه يجب فيه النصب على المعية، ويمتنع "فيه"2 العطف.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق.................................
وإلى الثاني بقوله:
................. والنصب مختار لدى ضعف النَّسَق
وإلى الثالث بقوله:
والنصب إن لم يجُز العطف يجب..................................
وأما قوله:
...................... أو اعتقد إضمار عامل تُصِب
فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون "تخييرا"3 فيما امتنع عطفه بين نصبه على المعية وبين إضمار عامل، حيث يصح إضماره, كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ 4.
فإنه لا يصح جعله معطوفا؛ لأن أجمع بمعنى عزم, "فلا"5 ينصب "إلا"6 الأمر والكيد ونحوهما.
ولك أن تجعل "شركاءكم" مفعولا معه، و"لك"7 أن تجعله مفعولا به بفعل مقدر.
تقديره: وأجمعوا من جمع؛ لأن جمع بمعنى ضم المتفرق، فينصب الشركاء ونحوه.
وقد حكي أن أجمع بمعنى جمع, فعلى هذا يصح العطف.
والثاني: أن يكون تنويعا.
والمعنى: أن ما امتنع فيه العطف نوعان: نوع يجب فيه النصب على المعية، ونوع يضمر له عامل؛ لأن المعية فيه أيضا ممتنعة كقوله:
علفتُهَا تبنا وماء باردا1......................
فماء منصوب بفعل مضمر تقديره: "سقيتها ماء", ولا يجوز عطفه لعدم المشاركة ولا نصبه على المعية لعدم المصاحبة.
ويجوز أن يجعل "قوله"2: "أو اعتقد إضمار عامل" شاملا للناصب كما مثلنا به.
وللجار كقولك: "ما لك وزيد؟ " فيجوز جره لا بالعطف بل بإضمار الجار، كما نص عليه في شرح الكافية1, وكلامه فيه يؤيد هذا الاحتمال "والله أعلم"2.
الاستثناء
:
الاستثناء: إخراج بإلا أو إحدى أخواتها, تحقيقا أو تقديرا.
"فالإخراج" جنس و"بإلا أو إحدى أخواتها" مخرج للتخصيص ونحوه, والمراد بالمخرج "تحقيقا" المتصل، وبالمخرج "تقديرا" المنقطع، نحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ 1, فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو "في"2 تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع.
قال ابن السراج: إذا كان الاستثناء منقطعا, فلا بد أن يكون الكلام الذي قبل "إلا" قد دل على ما يستثنى "بها"3 فتأمل، فإنه يدق. ا. هـ.
وقوله: "ما استثنت "إلا" مع تمام ينتصب".
يجوز أن تكون "ما" موصولة وينتصب خبرها فهو مرفوع، وأن تكون شرطية وينتصب جوابها فهو مجزوم.
والمراد بالتمام أن يكون المخرج منه مذكورا، ويقابله التفريغ.
يعني: أن المستثنى "بإلا" في غير التفريغ ينتصب متصلا كان, أو منقطعا بعد موجب أو غيره. إلا أن نصبه على ثلاثة أقسام: واجب وجائز، وراجح "وجائز مرجوح"4.
فالواجب النصب هو المستثنى بعد إيجاب متصلا أو منقطعا, مؤخرا "كان"5 أو مقدما نحو: "قام القوم إلا زيدا" و"خرج القوم إلا بعيرا" و"قام إلا زيدا القوم".
والمرجوح النصب هو المتصل بعد نفي أو شبه نفي، والمراد به النهي والاستفهام المؤول بالنفي.
فمثال النفي: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ 1, ومثال النهي: "لا يقوم إلا زيد", ومثال الاستفهام: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ 2.
وأكثر ما يكون ذلك في "هل" و"من".
فجميع ذلك يترجح فيه اتباعه للمستثنى منه في رفعه ونصبه وجره بدلا عند البصريين3, وعطفا عند الكوفيين4, وإلى هذا أشار بقوله:
وبعد نفي أو كنفي انتُخب... إِتْباع ما اتصل........
والراجح النصب: هو المنقطع بعد نفي أو كنفي إن صح إغناؤه عن المستثنى منه.
فإن بني تميم يجيزون فيه النصب "والإتباع"5 ويقرءون: "إلا اتباعُ الظن", وذكر بعض النحويين أن نصبه "عندهم أرجح"6.
وأما الحجازيون فالنصب عندهم واجب7, فإن لم يصح إغناؤه عن المستثنى منه تعين نصبه عند الجميع، وهو كل استثناء منقطع لا يجوز فيه تفريغ ما قبل "إلا" للاسم الواقع بعدها نحو: "ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر".
وجعل المصنف منه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ 8, وإلى هذا القسم الثالث أشار بقوله:
.. وانصب ما انقطع... وعن تميم فيه إبدال وقع
ولكنه أطلق فلم يفصل بين ما يصح إغناؤه، وما لا يصح.
ثم قال:
وغير نصب سابق في النفي قد... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
يعني: أن المستثنى "المتقدم"1 على المستثنى منه بعد نفي, فيه وجهان:
أحدهما وهو المختار: نصبه على الاستثناء.
والثاني: أن يفرغ العامل له, ويجعل المستثنى منه بدلا.
قال سيبويه2: حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون: ما لي إلا أبوك ناصر، فيجعلون ناصرا بدلا.
ا. هـ.
وهذا قليل؛ ولذلك قال: "قد يأتي".
واحترز بقوله: "في النفي"3 من أن يكون المقدم في الإيجاب، فإنه واجب النصب كما سبق.
ولما فرغ من بيان التام, شرع في المفرد فقال:
وإن يُفَرَّغ سابق "إلا" لِمَا... بعدُ يكن كما لو "الا" عُدِما
أي: وإن يفرغ ما سبق "إلا" لما بعدها, فحكمه حكم ما لم توجد إلا معه نحو: "ما قام إلا زيد", فقام مفرغ لما بعد "إلا", أعني زيدا فهو فاعل به كما لو عدمت "إلا", وقيل: "ما قام زيد".
وقوله: "سابق" أولى من قوله في التسهيل العامل4؛ لأن السابق قد يكون عاملا كما مثّلنا به، وقد يكون غير عامل نحو: "ما في الدار إلا زيد".
فإن قلت: على ماذا يعود الضمير في يكن؟
قلت: يحتمل أن "يعود"1 على السابق, أي: يكن السابق في طلبه لما بعد "إلا" كما لو عدم "إلا", وأن يعود على "ما" من قوله: "ما بعدُ" أي: يكن ما بعد "إلا" في تسلط ما قبل "إلا" عليه, كما لو عدم "إلا".
تنبيهان:
الأول: لا يكون التفريغ إلا بعد نفي, أو شَبَهه.
الثاني: يصح التفريغ "لجميع"2 المعمولات إلا المصدر المؤكد.
فأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ 3 فمتأول.
ولما كانت "إلا" قد تكرر لتوكيد ولغير توكيد, نبه على ذلك فقال:
وأَلْغِ إلا ذات توكيد..................
وهي التي يصح طرحها، والاستغناء عنها؛ لكون ما بعدها تابعا لما بعد الأولى.
فإن صح إغناء الثاني عنه جعل بدلا، وإن لم يصح عطف بالواو.
فالأول نحو: لا تمرُر بهم إلا الفتى إلا العلا
فإن العلا هو الفتي.
والثاني نحو: "لا تمرر بهم إلا زيدا، وإلا عمرا" وقد اجتمعا في قوله:
ما لَكَ من شيخك إلا عملُه... إلا رسيمُهُ وإلا رملُه4
فإن قلت: ما المراد بإلغائها؟
قلت: جعلها "كأنها"1 لم تذكر, فلا تؤثر في لفظ ولا معنى غير التوكيد.
ثم قال:
.............. وإن تُكَرَّر لا لتوكيد
يعني: لقصد استثناء، وحينئذ لا يخلو ذلك من أن يكون مع تفريغ ما قبل "إلا" من العوامل, أو مع تمامه.
فهاتان حالتان, أشار إلى الأولى بقوله:
................ فمع... تفريغ التأثيرَ بالعامل دع
في واحد مما بإلا استُثني... وليس عن نصب سواه مغني
المراد بالعامل "إلا", وبالتأثير النصب على الاستثناء.
فكأنه قال: دع النصب على الاستثناء "بإلا" في واحد من المستثنيين أو المستثنيات.
"وليس عن نصب سواه مغني" أي: سوى ذلك الواحد.
= المعنى: لا منفعة لك من جملك إلا في نوعين من سيره, وهما: الرسيم والرمل.
الإعراب: "ما" نافية, "لك" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم, "من" حرف جر, "شيخك" مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة وضمير المخاطب مضاف إليه, "إلا" أداة استثناء ملغاة, "عمله" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه, "رسيمه" بدل من عمل والضمير مضاف إليه, "وإلا" الواو حرف عطف, وإلا حرف زائد مبني على السكون لا محل له من الإعراب, "رمله" معطوف على رسيم مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه.
الشاهد: في "إلا رسيمه وإلا رمله" حيث تكررت "إلا" في البدل والعطف ولم تُفِد غير مجرد التوكيد، وقد أُلغيت.
"ما لك من شيخك إلا عمله".
ورد في مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري جـ2 ص289 رقم 3933: "يضرب للرجل حين يكبر؛ أي: لا يصلح أن يكلف إلا ما كان اعتاده وقدر عليه قبل هرمه" ا. هـ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص125, وابن هشام 2/ 67، وابن عقيل 1/ 340، وداود, والسندوبي, والأشموني 1/ 232، والمكودي ص71, والسيوطي ص63، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 277، سيبويه جـ1 ص374.
والحاصل: أن إلا إذا "كررت"1 لغير التوكيد وما قبلها من العوامل مفرقًا, شغل بواحد ونصب ما عداه على الاستثناء نحو: "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا خالدًا".
"وقد"2 فهم من عبارته فوائد:
الأولى: أن الناصب للمستثنى هو "إلا" لقوله بالعامل، ونسبه في التسهيل إلى سيبويه والمبرد3, وزاد في "شرحه"4 الجُرجاني، والخلاف في ذلك شهير5.
الثانية: أن الاسم الذي "يشغل"6 به العامل المفرغ، لا يلزم كونه الأول، بل يجوز أن يكون المتوسط والآخر؛ لقوله: "في واحد" إلا أن شغله بالأقرب أولى.
الثالثة: أن نصب ما سواه واجب؛ لقوله: "وليس عن نصب سواه مغني", "فهو"7 أنص من قوله في التسهيل: ونُصب ما سواه.
ا. هـ8.
فإن قلت: عبارته غير وافية بالمقصود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أمر بترك التأثير "بإلا" في واحد, فعلم أنه لا ينصب على الاستثناء، ولم يعلم ما "يفعل"9 به.
والثاني: أن الحكم "الذي"1 ذكره إنما يكون إذا لم يكن استثناء كل واحد من متلوه, فإن أمكن جعل "كل"2 واحد مخرجا مما قبله نحو: "ما قام إلا أخوتك إلا زيدًا".
والثالث: أن قوله: "وليس عن نصب سواه مغني".
ليس كذلك, بل إذا رفع الأول جاز رفع ما بعده إذا قصد "به"3 بدل البداء.
قلت: الجواب عن الأول: أنه قد علم أن العامل المفرغ "يشتغل"4 به من قوله: "بعدُ يكن كما "لو" الا "عُدما"".
وعن الثاني: أن كلام "المصنف"5 في تكرار إلا مع اتحاد المستثنى منه.
وعن الثالث: أنه جعل "بدل بداء"6 كانت إلا للتوكيد فليس من هذا القسم, بل هو مندرج في قوله: "وألغِ إلا ذات توكيد".
ثم أشار إلى الثانية بقوله:
ودون تفريغ مع التقدم... نصب الجميع احكم به والتزم
مثال ذلك: "ما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا القومُ".
ثم قال:
وانصب لتأخير وجِئْ بواحد... منها كما لو كان دون زائد
يعني أن العامل إذا لم يكن مفرغا وتأخر ما استثني عن المستثنى منه نصب الجميع إلا واحدا منها, فله معها ما له منفردا نحو: "ما قام أحدٌ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا".
ويجوز رفع واحد منها على البدل؛ لأنه بعد نفي، وهو راجح.
فإن قلت: "فهل"1 يجوز رفع الجميع على الإبدال؟
قلت: قد أجاز ذلك الأبدي2.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يبدل منها إلا واحد.
ثم مثّل ذلك بقوله:
كلم يَفُوا إلا امرؤ إلا علي..........................
فيجوز رفع "امرؤ" على البدل ونصبه على الاستثناء كما لو انفرد، "ونصب"3 "عليَّ" ولكنه وقف على لغة ربيعة "فحذف"4 تنوين المنصوب، والأصل: إلا عليا.
وقوله:
................ وحكمها في القصد حكم الأول
يعني في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان موجبا.
تنبيه:
إذا كُررت "إلا" لغير توكيد فتارة يمتنع استثناء كل واحد من متلوه، وتارة "لا يمتنع"5، ولم يتكلم المصنف على الثاني لوضوحه، وقد بينه في الكافية والتسهيل6.
ولما فرغ من حكم المستثنى "بإلا", شرع يذكر سائر أدوات الاستثناء، فقال:
واستثْنِ مجرورا بغير مُعْرَبا... بما لمستثنى بإلا نُسبا
أصل "غير" أن تكون صفة دالة على مخالفة موصوفها لحقيقة ما أضيفت إليه.
وقد تضمن معنى "إلا" فيستثنى بها ولم يكن "به"7 بد من جر ما استثنته
بالإضافة، وأعربت هي بما يستحقه المستثنى "بإلا" من نصب واجب نحو: "قام القومُ غير زيد", أو راجح نحو: "ما لزيد علم غير ظن", أو مرجوح نحو: "ما قام أحدٌ غير زيد", ومن تأثر بعامل مفرغ نحو: "ما قام غيرُ زيد".
فإن قلت: قد تقدم أن "إلا" هي ناصب المستثنى عند المصنف, فما ناصب غير؟
قلت: ناصبها العام الذي قبلها على الحال, وفيها معنى الاستثناء.
هذا اختيار المصنف. قال في شرح التسهيل: وهو الظاهر من قول سيبويه، وإليه ذهب الفارسي في التذكرة1.
والمشهور أن انتصابها على حد انتصاب ما بعد "إلا"2.
فإن قلت: ظاهر قوله: مُعْربا, بما لمستثنى بإلا نُسبا.
اتحاد جهة النصب, فيكون خلاف ما ذكره في شرح التسهيل.
قلت: المفهوم من عبارته أن "غيرا" تعرب بالإعراب المنصوب للمستثنى "بإلا" من نصب أو غيره كما سبق، وليس في ذلك ما يدل على اتحاد جهة النصب.
تنبيهات:
الأول: قد تحمل "إلا" على "غير" فيُوصَف بها، وما بعدها "مغاير ما قبلها"3, كما حملت "غير" على "إلا", فاستثني بها.
وللموصوف بإلا شرطان: أن يكون جمعا أو شبهه، وأن "يكون"4 نكرة أو معرفا بأل الجنسية، فلا يوصف بها مفرد محض ولا معرفة محضة.
وتفارق "غيرا" من وجهين:
أحدهما: أن موصوفها لا يحذف وتقام مقامه، فلا يقال: "جاءني إلا زيدٌ" بخلاف "غير".
والآخر: أنه لا يوصف بها إلا حيث يصح الاستثناء متصلا, أو منقطعا.
فلا "يجوز"1: "عندي درهم إلا جيد"؛ لأنه لا يصح فيه الاستثناء بخلاف "غير".
قال في البسيط: وهل يجوز فيه الحال, كما جاز في "غير"؟
فيه نظر, وأجازه ابن السيد.
الثاني: يجوز في المعطوف على المستثنى بغير اعتبار اللفظ, واعتبار المعنى.
فتقول: "قام القوم غير زيد وعمرو" بالجر على اللفظ، وبالنصب على المعنى.
لأن معنى "غير زيد" "إلا زيدا", وتقول: "ما قام غير زيد وعمرو" بالجر وبالرفع؛ لأنه على معنى "إلا زيد".
وظاهر كلام سيبويه2 أنه من العطف على الموضع، وذهب الشلوبين إلى أنه من باب التوهم3.
الثالث: لا يجوز جر المعطوف على المستثنى "بإلا" نحو: "قام القوم إلا زيدًا" على معنى "غير" خلافا لبعضهم، وما استدل به متأول.
ثم قال:
ولسوى سوى سواء..............................
هذه ثلاث لغات، وزاد بعضهم4 "رابعة"5, وهي المدّ مع الكسر.
وظاهر كلامه أنه يستثنى بالثلاث، وهو ظاهر كلام الأخفش، ولم يمثل سيبويه1 إلا بالمكسورة.
وقال ابن عصفور في الشرح الصغير: ولم يشرب منها معنى "الاستثناء"2 إلا سوى المكسورة السين, فإن استثني بما عداها فبالقياس عليها.
ثم قال:
........... اجعلا... على الأصح ما لغير جُعلَا
أي: اجعل لسوى وأختيها ما جعل "لغير" من كونها تجر المستثنى، وتعرب بإعراب ما بعد "إلا" على ما سبق في "غير" من التفعيل والتمثيل؛ لأنها بمعنى غير.
وأشار بقوله: "على الأصح" إلى مذهب سيبويه وأكثر البصريين، وهو أنها ظرف لا يتصرف إلا في الشعر.
ونقل عن الفراء: قال سيبويه بعد أن مثّل بقوله: "أتاني القوم سواك": زعم الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، إلا أن في سواك معنى الاستثناء.
ا. هـ3.
قال ابن عصفور: ولما كانت الظرفية فيها مجازا لم "يتصرف"4 فيها, واستدل من قال بظرفيتها بوصل الموصول بها نحو: "جاء الذي سواك".
أي: المصنف, وإنما اختار خلاف ما ذهبوا إليه.
قال في شرح الكافية لأمرين:
أحدهما: إجماع أهل اللغة على أن معنى قول القائل: "قاموا سواك, وقاموا غيرك" واحد، وأنه لا أحد منهم يقول: إن "سوى"5 عبارة عن مكان أو زمان.
والثاني: أن من يحكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تتصرف.
والواقع في كلام "العرب"1 نثرا ونظما خلاف ذلك2 ا. هـ.
وأكثر فيه, وفي شرح التسهيل من "الاستشهاد"3 على تصرفها.
وأجاب عن استدلالهم بوقوعها صلة بأنه لا يلزم من وقوعها صلة كونها ظرفا.
وأجاز أن يكون موضعها بعد الموصول رفعا على أنها خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون نصبا على أنه حال وقبله ثبت مضمرا.
قال: ويقوي هذا الوجه قول من قال: "رأيت الذي سواك" بالنصب.
"ولنا"4 أن نجعل سواك بعد الموصول خبر مبتدأ "ومضمر"5 على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبني كما فعل ذلك بغير في قوله:
لُذْ بقيس حين يأبى غيرَه6........................
قلت: هذا خلاصة ما ذكره المصنف نصرة لمذهبه، وهو منقول عن الزجاجي.
ولقائل أن يقول: ما استدل به لا ينهض دليلا على دعواه.
أما ما ذكره من إجماع أهل اللغة فغير مسلم لما نقله سيبويه عن الخليل، وقد تقدم.
وأما ما استشهد به من النظم فلا حجة فيه؛ لأن سيبويه ومن وافقه معترف بتصرفه في الشعر، وقد أنشد سيبويه بعضه1 ولم يذكر من تصرفه في النثر إلا جره بمن في الحديث2, وقول بعض العرب: "أتاني سواك" وحكاه الفراء.
وأما الجر بمن, فقد تقدم أنه لا يعتدّ به في إخراج الظرف عن عدم التصرف.
وأما "أتاني سواك", فهو أقوى ما احتج به.
قال في البسيط: قال البصريون: هذا من "الشاذ"3.
قلت: وكلام حاكيه -أعني الفراء- يدل على قلته، فإنه قال "في"4 "سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك": لا تستعمل أسماء مرفوعة.
ثم قال: وربما رفعوا.
قال أبو ثروان1: "أتاني سواك", وأما تجويزه كون "سواك" بعد الموصول خبر "مبتدأ"2 مضمر فضعيف؛ لأن فيه حذف صدر الصلة من غير3 طول، ولو كان كذلك لجاز في "غير" فصيحا كما جاز في "سوى"، وأيضا فقولهم: "رأيت الذي سواك" بالنصب يضعفه.
وأما ادعاء بنائه لإبهام وإضافته إلى مبني فبعيد، وقد ضعف في باب الإضافة من شرح التسهيل القول بمثل ذلك.
وأما تقدير: ثبت فلا يخفى بعده، وقد اتضح بذلك صحة القول بالظرفية إلا أن الظاهر هو عدم لزومها؛ لكثرة تصرفه في الشعر، ولما حكاه الفراء. فهو إذًا ظرف متصرف مستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا، وهذا مذهب قوم؛ منهم الرماني والعكبري4.
وقوله في الكافية: "ومانع تصريفه من عده ظرفا" هـ, يوهم أن كل من قال بظرفيته قال بمنعه التصرف، وليس كذلك, بل المذاهب ثلاثة، والله أعلم.
فإن قلت: ظاهر قوله: "ما لغير" مساواتها لغير في جميع الأحكام.
وليس كذلك.
بل افترقا في أمرين:
الأول: أن المستثنى بغير قد يحذف إذا فهم المعنى, نحو: "ليس غيرُ" بالضم والفتح وبالتنوين بخلاف "سوى".
الثاني: أن "سوى" يقع صلة للموصول وحدها في فصيح الكلام, بخلاف "غير".
قلت: "إنما ساوى بينهما فيما ذكره لغير من جر المستثنى "وإعرابها بإعراب"1 ما بعد إلا2 في جميع الأحكام.
فإن قلت: يلزمه "أنه"3 يجوز في المعطوف على المستثنى بها اعتبار المعنى, كما جاز في "غير".
قلت: لا يبعد أن "يلتزمه"4 قياسا.
وقوله في التسهيل: تساويها مطلقا سوى, هـ5 بعد ذكره "جوز"6 اعتبار المعنى في المعطوف على مجرور "ظاهر في إجازته".
ثم قال:
واستثْنِ ناصبا بليس وخلا... وبِعَدا وبيكون بعد لا
أما "ليس" و"لا يكون" فالمستثنى بهما خبرهما؛ فلهذا وجب نصبه واسمهما عند البصريين ضمير عائد على البعض المفهوم من الكلام.
والمعنى: ليس هو, أي: بعضهم زيدا.
وعند الكوفيين ضمير عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق؛ ولذلك كان مفردا، والتقدير: ليس هو, أي: "ليس"7 فعلهم فعل زيد, فحذف المضاف، ورد بأنه لا يطرد8.
وفي الارتشاف1: قال ابن مالك, وصاحب البسيط: هو محذوف حذف الاسم؛ لقوة دلالة الكلام عليه.
وهذا مخالف لما اتفق عليه الكوفيون والبصريون من أن "الفاعل"2 مضمر, لا محذوف. ا. هـ.
قلت: قد صرح في شرح الكافية بأن اسمها مضمر مستتر3.
وقوله في التسهيل: واسمها بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف4 ا. هـ. يقتضي ظاهره أنه محذوف لا مضمر، ويمكن أن يكون تجوز في "التعبير" عن الإضمار بالحذف5.
فإن قلت: هل لجملتي "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء "محل من الإعراب"6؟
قلت: في ذلك خلاف.
قيل: هما في موضع نصب على الحال، وقيل: لا محل لهما7، وصححه ابن عصفور8.
وأما "عدا وخلا" فقد ثبت بالنقل الصحيح عن العرب أنهما ينصبان المستثنى ويجرانه, فنقول: "قام القومُ عدا زيدًا و"عدا زيدٍ""9 و"خلا عمرًا" و"خلا"10 عمرٍو.
وقد أشار إلى جواز جر المستثنى بهما بقوله:
واجرُرْ بسابقَيْ يكون إن تُرِد... وهما عدا وخلا
فإن قلت: هل الأرجح نصب المستثنى بهما أو جره؟
قلت: لا إشكال في أن النصب "بِعَدَا" أرجح؛ لأن فعليتها "أشهر"1.
ولذلك التزم سيبويه2 فعليتها, ولم يحفظ حرفيتها.
وأما "خلا" "فالنصب"3 بها أرجح أيضا.
قيل: ولم يعرف سيبويه الجر بها، وليس كذلك, بل ذكر سيبويه4 فيها الجر أيضا.
وقال الأخفش في الأوسط5: كل العرب يجرون "بخلا" وقد زعموا أنه ينصب بها, وذلك لا يعرف.
ا. هـ.
وهو خلاف المشهور.
وقوله:
................. وبعدَ ما انْصِبْ.....
نحو: "ما عدا زيدًا وما خلا عمرًا"، وإنما تعين النصب بعد "ما"؛ لأنها مصدرية فتعينت "فعليتها"6؛ لأنها لا يليها حرف جر، وتعين النصب مع "ما" هو مذهب الجمهور.
وحكى الجرمي الجر مع "ما" في "الفرخ"1 عن بعض العرب، وإليه الإشارة بقوله:
........................ وانجرار قد يَرِد
وأجاز ذلك الكسائي والربعي والفارسي في كتاب الشعر له، وعلى هذا "فما" زائدة لا مصدرية2.
وحيث جُرَّا فهما حرفان.....................
يعني مجردين من "ما", أو مقترنين بها.
فإن قلت: بأي شيء يتعلقان إذا كانا حرفي جر؟
قلت: قيل: بالفعل، أو معنى الفعل، فموضعهما نصب، وقيل: هما في موضع نصب على تمام الكلام.
وقوله:
.................. كما هما إن نصبا فِعْلان
يعني مجردين من "ما" أو "مقترنين"3 بها، وهما فعلان متعديان والمستثنى بهما مفعول به، وفاعلهما عند سيبويه4 وأكثر البصريين ضمير مستكن عائد على البعض المفهوم من الكلام، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وبه جزم في شرح الكافية.
وكلامه في التسهيل يقتضي أنه محذوف, كما تقدم في اسم "ليس" و"لا يكون".
وقال في شرحه: وفيه ضعف؛ لأن قولك: "قاموا عدا زيدًا"، إن جعل تقديره: عدا بعضهم زيدًا، لم يستقم إلا أن5 يراد بالبعض من سوى زيد.
وهذا وإن صح "إطلاق البعض"1 على الكل إلا واحدا، فليس لقلته في الاستعمال "فالأجود"2 أن يجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيقدر في "قاموا عدا زيدا": جاوز قيامهم زيدا.
ا. هـ.
قيل: ولا يطرد, إذ ينتقض في نحو: "القومُ إخوتُك عدا زيدا"؛ لأنه لم يتقدم فعل, ولا "ما"3 يجري مجراه.
وينبغي ألا يجوز تقدير: جاوز بعضهم على مذهب الكسائي وهشام؛ لأن البعض عندهما لا يقع إلا على ما دون النصف.
والصحيح جواز وقوعه على النصف، وعلى "أزيد"4 منه كقوله:
داينتُ أروَى والديون تُقْضَى... فمطلت بعضا وأدَّت بعضا5
وذهب المبرد إلى أن فاعلهما ضمير "عائد"6 على "من" المفهوم من معنى الكلام, أي: عدا من قام زيدا7.
فإن قلت: هل لجملتي "عدا" و"خلا" محل من الإعراب؟
قلت: إن وقعا صلة "لما" فلا محل لهما، وإلا فقولان كما تقدم في "ليس"، وصحح ابن عصفور أنهما لا محل لهما كما صححه في "ليس" و"لا يكون".
فإن قلت: إذا وقعا صلة "لما" المصدرية، فما موضع المصدر والمؤول من الإعراب؟
قلت: نصب بلا خلاف، وإنما اختلفوا في وجه نصبه. فقال السيرافي: هو مصدر موضوع موضع الحال كما يجوز ذلك في المصدر الصريح. وذهب ابن خروف إلى أن انتصابه على الاستثناء انتصاب "غير".
وقيل: انتصابه على الظرف "وما" وقتيّة؛ أي: وقت مجاوزتهم1.
ثم قال:
وكخلا حاشا ولا تصحب ما.............................
يعني: أن "حاشا" مثل "خلا" يجوز نصب المستثنى بها وجره، فإذا نصبت كانت فعلا، والخلاف في فاعلها، وفي محل الجملة كما في خلا.
وإذا جرت كانت حرفا، والكلام على ما يتعلق به كالكلام على "خلا", لا فرق بينهما إلا "في"2 ثلاثة أوجه:
الأول: أن الفراء ذهب إلى أن "حاشا" فعل، ولا فاعل له، والنصب بعده إنما هو بالحمل على "إلا" ولم ينقل عنه ذلك في "عدا" و"خلا", قيل: ويمكن القول فيهما بذلك.
الثاني: أن الجر "بحاشا" هو الأكثر بخلاف "عدا" و"خلا"؛ ولذلك التزم سيبويه حرفيتها3 ولم يجز النصب بها؛ لأنه لم يحفظه.
وقد ثبت بنقل4 أبي زيد
والفراء والأخفش والشيباني وابن خروف, وأجازه "الجرمي"1 والمازني والمبرد والزجاج"2" 3.
الثالث: أن "حاشا" لا تصحب "ما", بخلاف "عدا" و"خلا".
قال سيبويه4: لو قلت: "أتوني ما حاشا زيدًا" لم يكن كلاما، وقد أجازه بعضهم على قلة.
ا. هـ.
وقال في التسهيل: وربما قيل: "ما حاشاه"5, وذكر في شرحه قوله صلى الله عليه وسلم: "أسامة أحب الناس إليَّ ما حاشا فاطمةَ"6.
وأنشد بعضهم على ذلك قوله:
رأيت الناس ما حاشا قريشًا... فإنا نحن أفضلهم فَعَالا7
ثم قال:
............... وقيل حاشَ وحَشَا فاحفظْهما
ظاهره: أن هاتين اللغتين في حاشا التي يستثنى بها.
"وقد سمع الاستثناء بحشا في قوله:
حشا رهطِ النبي فإن منهم... بحورا لا تُكدِّرها الدِّلَاء1
ولم يسمع بحاش"2.
وكلامه في التسهيل ظاهر في أنهما في "حاشا" التي للتنزيه3 وهي التي يليها المجرور باللام نحو: "حاشا لله".
= فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر وجوبا يعود على البعض المفهوم من الكلام السابق, "قريشا" مفعول لحاشا منصوب بالفتحة الظاهرة, "فإنا" الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب، نا: اسمه, "نحن" توكيد للضمير المتصل الواقع اسما لأن "أفضلهم" خبر إن، هم مضاف إليه, "فعالا" تمييز.
الشاهد: في "ما حاشا قريشا" حيث دخلت "ما" المصدرية على "حاشا" وذلك قليل, والأكثر أن تتجرد منها, وهو شاذ والكثير ألا تصحب "ما".
مواضعه: ذكره من شرح الألفية: ابن عقيل 1/ 31، والأشموني 1/ 239. وذكره السيوطي في الهمع 1/ 233, وابن هشام في المغني 1/ 109, والشاهد رقم 223 في خزانة الأدب.
وقد قرئ باللغات الثلاث وأقلها "حشا", وهذه التي يليها المجرور "باللام"1 "ليست"2 حرفا.
قال في "شرح"3 التسهيل بلا خلاف، بل هي إما فعل، وهو مذهب المبرد4، وإما اسم منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل5, ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود6: "حاشَ الله"7 بالإضافة مثل: "سبحانَ اللهِ", وقراءة أبي السمال8: "حاشًا لله" بالتنوين مثل: "رَعْيًا لزيد", والوجه في قراءة من لم ينون أن تكون مبنية لشبهها "بحاشا" الحرفية لفظا ومعنى.
الحال
: قال: الحال وصف فضلة مُنتصِب... مُفْهِم في حال كفردًا أذهب الحال: تذكر وتؤنث، وقوله: "وصف" كالجنس يشمل الحال وبعض الأخبار وبعض النعوت ونحو: "لله دره فارسا" من
التمييز
.
وقوله: "فضلة" "أخرج"1 الخبر، والفضلة ما يجوز الاستغناء عنها إلا لعارض فلا يعترض "بالحال"2 في مثل: "ضربي زيدًا قائمًا", فإن امتناع حذفها لسدها مسد الخبر.
وقوله: "منتصب" "أخرج"3 النعت؛ لأنه "يعني"4 لازم النصب, والنعت تابع المنعوت.
وقوله: "مفهم في حال" أي: في حال كذا، أخرج نحو: "لله دره فارسا" فإن التمييز "يقدر"5 بمن لا بفي.
وقول الشارح: إن هذا التعريف ليس بمانع؛ لأنه يشمل النعت هـ6, غير مسلم لخروجه "بقيد"7 لزوم النصب.
تنبيه: ذكر في الكافية والتسهيل أن الحال قد تجر بباء زائدة, إن نفي عاملها8 كقوله:
...................... فما انبعثت بمزءُود ولا وَكَل9
ونُوزِع في ذلك1.
وذكر في باب حروف "الجر"2 من شرح التسهيل أن من الزائدة ربما دخلت على "الحال"3 ومثّله بقراءة من قرأ: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخَذَ مِن دونك من أولياء"4 مبنيا للمفعول, وفيه نظر.
وقوله: "كفردا أذهب" مثال، وفهم "منه"5 جواز تقديم الحال على عاملها وسيأتي.
ثم قال:
وكونه مُنْتَقلا مشتقا... يغلب لكن ليس مُستحَقا
كون الحال منتقلا أي: غير لازم لصاحبه، ومشتقا أي: مصوغا من مصدر للدلالة على متصف غالب لا واجب.
فمن وروده لازما: ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ 6, ومن وروده غير مشتق: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ "أَوِ انْفِرُوا 7 جَمِيعًا﴾ 8.
وقد اجتمع اللزوم والجمود في قولهم: "هذا خاتَمُك حديدًا" و"هذه "جُبَّتُك"1 خَزًّا" وهما من أمثلة سيبويه2.
وفصل بعضهم في الانتقال, فقال: الحال قسمان: مبينة ومؤكدة.
فالمبينة لا بد أن تكون منتقلة، أو مشبهة بالمنتقلة نحو: "خُلق زيد أشهل"؛ لأنه كان يمكن أن يخلق غير أشهل.
والمؤكدة: يجوز أن تكون غير منتقلة، أي: لازمة.
ثم قال:
ويكثر الجمود في سعر.......................
اعلم أنه يكثر جمود الحال إذا كان مؤولا بالمشتق "تأويلا"3 غير متكلف, وذلك بأن يدل على سعر نحو: "بعته مُدَّا بكذا" أي: مسعرا.
أو مفاعلة نحو: "بعته يدًا بيد" أي: مناجزة، أو "تشبيه"4 نحو: "كر زيد أسدا" أي: مثل أسد، أو ترتيب نحو: "ادخلوا رجلا رجلا" أي: مرتين.
وفي نصب الثاني أقوال, والمختار أنه وما قبله منصوبان بالعامل "المتقدم"5؛ لأن مجموعهما هو الحال، ونظيرهما في الخبر: "الرمان حلوٌ حامضٌ" أو أصالة نحو: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ 6 أو فرعية نحو: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ 7 وهي حال مقدرة, أو تنويع: نحو: "هذا مالك ذهبًا"8.
أو "طور"1 واقع فيه تفضيل: "هذا بُسْرًا أطيب منه رُطَبًا"2.
أو بنعت نحو: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ 3.
وقد اندرج كله تحت قوله:
.............. وفي... مُبْدِي تأول بلا تكلف
فإن قلت: الدال على السعر مندرج في ذلك، وقد أفرده بالذكر.
قلت: هو من "باب"4 عطف العام على الخاص.
ثم قال:
والحال إن عُرِّف لفظا فاعتقد... تنكيره معنى كوحدَكَ اجتهِد
لما كان الغالب اشتقاق الحال وتعريف صاحبه, التزم تنكيره "معنى"5 لئلا يتوهم كونه نعتا.
وقد يجيء على صورة المعرَّف بالأداة, فيحكم بزيادتها نحو: "ادخلوا الأولَ فالأولَ"6.
أو بالإضافة: فيحكم بأنه نكرة لم يتعرف بها نحو: "طلبته جَهْدِي وطاقتي" و"اجتهد وحدَكَ" أي: منفردا.
وإذا قلت في المتعدي: "ضربتُ زيدًا وحدَهُ" فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل, أي: ضربته في حال إيحادي له بالضرب.
وأجاز المبرد أن يكون حالا من المفعول.
ورجح مذهب سيبويه بأن وضع المصدر موضع اسم الفاعل أكثر.
وعين "ابن طلحة كونه"1 حالا من المفعول.
قال: لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: "مررت به وحدي"2 وفي وحده أقوال:
الأول: مذهب سيبويه3 أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فوجد في موضع إيحاد، وإيحاد في موضع موحد.
الثاني: أنه مصدر أوحدته، وهو محذوف الزوائد، وإليه ذهب أبو الفتح.
الثالث: "أنه"4 مصدر لم يلفظ له بفعل.
وعلى هذين القولين, فهو مصدر في موضع الحال.
الرابع: ذهب يونس إلى أنه "منتصب"5 على الظرف؛ لقول العرب: "زيد وحدَهُ" والتقدير: زيد موضِعَ التفرد6.
وأجاز ابن هشام في قولهم: "زيد وحده" وجهين:
أحدهما: ما قاله يونس.
والآخر: أن يكون مصدرا بفعل مقدر هو الخبر, كما قالوا: "زيد إقبالا" أي: يقبل إقبالا.
وقد حكى الأصمعي7: "وَحَدَ يَحِدُ", فعلى هذا هو مصدر لفعل مستعمل8.
تنبيه:
ما تقدم من اشتراط تنكير الحال هو مذهب الجمهور، وأجاز يونس والبغداديون أن يأتي معرفة، وقاسوا على نحو: "ادخلوا الأولَ فالأولَ".
وأجاز الكوفيون أن يأتي على صورة المعرفة، إذا كان فيها معنى الشرط وهي مع ذلك نكرة، وأجازوا: "عبدُ اللهِ المحسنَ أفضل منه المسيءَ"1.
ثم قال:
ومصدر منكَّر حالا يقع... بكثرة كبغْتَةً زيدٌ طلع
من وقوع المصدر موقع الحال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ 2, ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ 3، وقولهم: "قتلته صبرًا"، و"اطلع زيد بغتةً" وهو كثير.
ومع كثرته فنقل إجماع الفريقين على قصره على السماع، وإن اختلفوا في التخريج إلا المبرد، فإنه أجاز القياس "فقيل"4، عنه مطلقا، وقيل: فيما هو نوع الفعل, نحو: "أتيته سُرْعَةً" وهو المشهور عنه5.
واستثني في التسهيل ثلاثة أنواع, لا يقتصر فيها على السماع6:
الأول: قولهم: "أنت الرجل علمًا", فيجوز "أن"7 تقول: "أنت الرجل أدبًا ونبلًا", والمعنى: الكامل في حال علم وأدب ونبل.
وفي الارتشاف: ويحتمل عندي أن يكون تمييزا1.
الثاني: نحو: ""زيد"2 زهير شعرًا"3, قال في الارتشاف: والأظهر أن يكون تمييزا.
هـ4.
الثالث: "أما علما فعالم"5, تقول ذلك لمن وصف عندك شخصا بعلم وغيره منكِرا عليه وصفه بغير العلم، والناصب لهذه الحال هو فعل الشرط المحذوف، وصاحب الحال هو المرفوع "به"6، والتقدير: مهما يُذكر إنسان في حال علم, فالذي وصفت عالم.
ويجوز أن يكون ناصبها ما بعد الفاء، وصاحبها الضمير المستكن فيه, وهي على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يَكُنْ من شيء, فالمذكور عالم في حال علم.
فلو كان ما بعد "الفاء لا يعمل" "فيما قبله"8 نحو: "أما علمًا فهو ذو علم", تعين أن يكون العامل فعل الشرط.
فلو كان المصدر التالي "أما" معرفا بأل فهو عند سيبويه مفعول له9.
وذهب الأخفش إلى أن المنكر والمعرف كليهما بعد "أما" مفعول مطلق.
وذهب الكوفيون -على ما نقله ابن هشام- إلى أن القسمين مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: مهما تذكر علما فالذي "وُصف"10 عالم.7
قال في شرح التسهيل: وهذا القول عندي أولى بالصواب، وأحق ما اعتمد عليه في الجواب.
تنبيهان:
الأول: مذهب سيبويه في المصدر موقع الحال أنه هو الحال.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه مفعول مطلق, وعامله المحذوف هو الحال.
وذهب الكوفيون إلى أنه مفعول مطلق منصوب "بالفعل"1 قبله, وليس في موضع الحال.
وذهب بعضهم إلى أنها مصادر على حذف مضاف، فيقدر في: "أتيته رَكْضًا" إتيانه ركضا.
"وقيل: هي أحوال على حذف مضاف، أي: أتيته ذا ركض"2 وكذا سائرها3.
الثاني: في قوله:
ومصدر منكر حالا يقع... بكثرة....
تنبيه على "أن"4 وقوع المصدر المعرفة حالا بقلة, وهو ضربان:
علم جنس: كقول العرب: "جاءت الخيل بَدَادِ" فيؤول بنكرة أي: متبددة.
وذو أداة كقوله:
فأرسلها العِرَاكَ ولم يذدها5.........................
فيؤول على زيادة "أل".
وفيه "وفي"1 نحوه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه مصدر في موضع الحال، وهو مذهب سيبويه2.
والثاني: أنه معمول لفعل مقدر, أي: تعترك العراكَ، وهو مذهب الفارسي.
والثالث: أنه معمول لحال محذوفة, أي: معتركة العراك.
وذهب ابن الطراوة إلى أن العراك نعت مصدر محذوف, وليس بحال.
أي: الإرسال العراك.
وأنشده ثعلب: "فأوردها العراك", وزعم أن العراك مفعول ثانٍ لأوردها، ونقل عن الكوفيين أن أرسلها مضمن معنى أوردها.
= المعنى: يصف لبيد بهذا البيت حمار الوحش أنه أرسل الأُتُن إلى الماء مزدحمة ولم يُشفِق عليها من نغص الدخال، وهو تكدير الماء بورودها فيه مزدحمة لمداخلة بعضها بعضا.
الإعراب: "فأرسلها" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر، والضمير البارز المتصل مفعول, "العراك" حال, "ولم" الواو عاطفة, ولم حرف نفي وجزم وقلب, "يذدها" فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل ضمير مستتر فيه وها مفعول، والجملة معطوفة على جملة فأرسلها, "ولم" الواو عاطفة كذلك، ولم حرف نفي وجزم وقلب, "يشفق" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون, "على" حرف جر, "نغص" مجرور بعلى والجار والمجرور متعلق بيشفق, "الدخال" مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الشاهد: في قوله: "العراك" حيث وقع حالا مع كونه معرفة -والحال لا يكون إلا نكرة- وإنما ساغ ذلك لأنه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل 1/ 354، وابن هشام 1/ 81, والسندوبي, والأصطهناوي, وذكره ابن يعيش في شرح المفصل 2/ 62, والشاهد رقم 524 في خزانة الأدب، وسيبويه جـ1 ص187، والمقتضب 3/ 227.
ثم انتقل إلى صاحب الحال فقال:
ولم يُنَكَّر غالبا ذو الحال
وذلك لشبهه بالمبتدأ.
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أنه "قد"1 ينكر في المواضع الآتية قليلا2، حكاه سيبويه، وجعله مقيسا بغير شرط، وإن كان الاتباع أقوى.
والقياس قول يونس والخليل، خلافا لمن قال: لا يجوز في غير الموصوف إلا سماعا ما لم يتقدم.
وقوله: إن لم يتأخر.
يعني: عن الحال نحو: "هذا قائمًا رجلٌ" مثّل به سيبويه3.
وأما نحو: "فيها قائمًا رجل" فيظهر من كلام سيبويه4 أن ذا الحال هو المبتدأ "لا"5 الضمير المستكن في الخبر كما ذهب إليه قوم.
قال في شرح التسهيل: وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأن الحال خبر في المعنى, "فجعله"6 لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما، وهذا يستقيم لو تساويا في التعريف.
وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا "لا يضمر"7 فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخر.
وقوله: أو يُخَصَّص.
يعني: بإضافة نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ 1.
أو وصف نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ 2, خلافا لمن شرط وصفين، ولو قيل: إن الحال من الضمير "في الوصف"3 لكان أولى.
وقوله: أو يَبِنْ، أي: يظهر من بعد نفي.
كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ 4, خلافا للزمخشري في جعله الجملة صفة "قرية"5.
"أو مضاهيه" يعني: مشابهة للنفي وهو النهي, كقوله:
لا يركَنَنْ أحد إلى الإحجام... يوم الوَغَى متخوفا لحِمَام6
والاستفهام كقوله:
يا صاحِ هل حُمَّ عيش باقيا فترى... لنفسك العذر في إبعادها الأملا1 = المعنى: لا ينبغي لأحد أن يميل عن الإعراض عن اقتحام الحرب, ويركن إلى التولي متخوفا من الموت.
الإعراب: "لا" ناهية, "يركنن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة, "أحد" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة, "إلى" حرف جر, "الإحجام" مجرور بإلى والجار والمجرور متعلق بيركن, "يوم" ظرف متعلق بيركن, "الوغى" مضاف إليه, "متخوفا" حال من أحد منصوب بالفتحة, "لحمام" جار ومجرور متعلق بمتخوف.
الشاهد: في "متخوفا", حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله: "أحد", والذي سوّغ ذلك وقوع النكرة بعد النهي.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص134، وابن هشام 2/ 85, وابن عقيل 1/ 360, والسندوبي, وداود, والأصطهناوي، والمكودي ص75, والأشموني 1/ 247, وذكره السيوطي في همع الهوامع 1/ 240.