توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 624-663

مقدمة الألفية

صفحات 624-663
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

أي: ورب ليل.
وسيأتي بيانه في باب حروف الجر.
وأما حذفه ونصب المجرور, فهو نوعان: مقصور على السماع, ومطرد.
والمقصور على السماع "مخصوص"1 بالضرورة, ووارد في السعة.
فالمخصوص بالضرورة كقوله: ....................... وأخفي الذي لولا الأُسَا لقضاني2 = الإعراب: "وليل" الواو واو رب، ليل: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد, "كموج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لليل، وموج مضاف، و"البحر" مضاف إليه, "أرخى" فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الليل, "سدوله" مفعول به لأرخى وهو مضاف وضمير الغائب مضاف إليه, "عليَّ" جار ومجرور متعلق بأرخى, "بأنواع" جار ومجرور متعلق بأرخى, "الهموم" مضاف إليه, "ليبتلي" اللام لام التعليل ويبتلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد اللام.
الشاهد: في "وليل" حيث حذفت رب بعد الواو, وبقي عملها وهو مطرد.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص153 في حروف الجر، وابن هشام 2/ 103، وداود، والإصطهناوي، والأشموني 2/ 300، والمكودي ص84، والسيوطي ص73, وذكره ابن هشام في مغني اللبيب 2/ 35.

أي: لقضي عليَّ.
والوارد في السعة كقوله: "شكرتُه ونصحتُه" في أحد الأقوال، وكقولهم: "ذهبتُ الشامَ" أي: إلى الشام.
والمطرد حذفه مع "أنّ وأنْ"1 بشرط أمن اللبس نحو: "عجبت أنك فاضل" أي: من أنك فاضل، و"عجبت أن يَدُوا" أي: يغرموا الدية, وهذا معنى قوله: نقلا وفي أَنَّ وأَنْ يطرد... مع أمن لبس، كعجبت أن يدوا واحترز "بأمن اللبس" من نحو: "رغبتُ في أن تفعل" فلا يجوز حذفه؛ لئلا "يتوهم"2 أن المراد: عن أن "تفعل"3.
فإن قلت: فقد حذف في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ 4 قلت: عنه جوابان: أحدهما: أن يكون حذف اعتمادا على القرينة "الرافعة"5 للبس، وقد أشار إلى هذا في "منهج"6 السالك7.
والآخر: أن يكون حذف لقصد الإبهام؛ ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.

وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين, والله أعلم1.
ثم قال: والأصل سَبْق فاعل معنى "كمن"... من ألبسَنْ من زاركم نَسْجَ اليَمَن الكلام هنا على المتعدي من غير بابي ظن وأعلم، وهو ضربان: متعدّ إلى واحد نحو: "ضربت زيدًا", ومتعدّ إلى اثنين نحو: "أعطيت زيدًا درهمًا".
فأشار إلى أن الأصل في باب أعطى تقديم ما هو فاعل في المعنى من مفعوليه "كزيد" من: "أعطيت زيدا درهما" و"من" من قوله: ألبسن من زاركم نسج اليمن ثم قال: ويلزم الأصل لموجب عرا......................... يعني: أن الأصل المذكور وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى, قد يكون واجبا؛ وذلك لأسباب: منها خوف اللبس نحو: "أعطيت زيدا عمرا" أو حصر الثاني نحو: "ما أعطيت زيدا إلا درهما" وكون الأول ضميرا متصلا والثاني ظاهرا نحو: "أعطيتك درهما".
وقوله: "عرا" أي: وجد.
ثم قال: ............... وتَرْك ذاك الأصل حتما قد يُرَى يعني: أنه قد يجب تأخير ما هو فاعل في المعنى على خلاف الأصل؛ وذلك لأسباب:

منها حصر الأول نحو: "ما أعطيت درهما إلا زيدا", وكون الثاني ضميرا متصلا والأول ظاهرا نحو: "الدرهم أعطيته زيدا", واتصال ضمير بالأول يعود على الثاني نحو: "أعطيت الدابة راكبها", وما خلا "من"1 الموجب والمانع جاز بقاؤه على الأصل، وجاز خروجه عن الأصل كما ذكر في الفاعل.
ثم قال: وحذف فَضْلة أَجِزْ إن لم يَضِرْ... كحذف ما سِيقَ جوابا أو حُصِر المفعول من غير باب "ظن" فضلة, فيجوز حذفه اختصارا كما جاز ذلك في مفعولي "ظن".
ويجوز حذفه اقتصارا, بخلاف باب "ظن" فتقول: "ضربت".
ويحذف المفعول لغير دليل.
وكذلك "أعطيت" يجوز حذف مفعوليه معا اقتصارا، وحذف أحدهما اقتصارا، وإن كان ذلك ممتنعا في باب "ظن".
ثم نبه على أن حذف الفضلة مشروط بألا يضر2، فإن كان حذفه يضر امتنع، ومثله بالمجاب به كقولك: "زيدا" في جواب "من ضربت؟ ", وبالمحصور كقولك: "ما ضربت إلا زيدا". وما يمتنع حذفه ما حذف عامله نحو: "إياك والأسدَ"3.
ثم قال: ويُحذَف الناصبها إن عُلما..........................

يعني: أنه يجوز حذف الفعل الناصب للفضلة بشرط أن يعلم جوازا في نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ 1, ووجوبا في باب الاشتغال، والنداء، والتحذير، والإغراء بشرطه، وما كان مثلا، أو كالمثل2.
وإلى هذا أشار بقوله: ...................... وقد يكون حذفه مُلْتَزَما واحترز بقوله: "إن عُلما" مما لا دليل عليه، فلا يجوز حذفه, والله أعلم.

التنازع في العمل

: إِنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَل... قبلُ فللواحد منهما العمل قوله: "إن عاملان" يعني: من الفعل وشبهه؛ كاسم الفاعل والمفعول واسم الفعل، ولا مدخل للحرف في هذا الباب.
وشمل قوله: "عاملان" الفعلين نحو: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ 1، والاسمين نحو: عُهدْتَ مغيثا مغنيا من أجرته2.......................

والاسم والفعل نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ 1. وعكسه نحو: .................. لقيت فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعا2

وقال في التسهيل: فصاعدا؛ ليشمل تنازع أكثر من اثنين.
قيل: ولم يوجد أكثر من ثلاثة, كقوله: أتاني فلم أُسرِر به حين جاءني... كتاب بأعلى القُنَّتَيْن عجيب1 فإن قلت: هل يُشترط هنا كون الفعل متصرفا؟ قلت: شرطه ابن عصفور، ولم يشترطه المصنف.
وأجاز في التسهيل2: تنازع فعلي التعجب, لكن "بشرط"3 إعمال الثاني "حتى"4 لا يفصل بين الأول ومعموله، وأجازه المبرد على إعمال كل منهما5.
وقوله: "اقتضيا" يخرج عن قول امرئ القيس:

................ كفاني ولم أطلب قليل من المال1 على جعل الواو عاطفة، فإن الثاني لم يقتضِ قليلا، والمراد: كفاني قليل ولم أطلب الملك, فليس من "باب"2 التنازع.
ويخرج به -أيضا- العاملان, المؤكد أحدهما بالآخر نحو: ................ أتاك أتاك اللاحقون3.......

فإن الثاني "منهما"1 "لا اقتضاء"2 له إلا التوكيد, فلا عمل له، وإنما العمل للأول.
وأجاز المصنف مع هذا الوجه أن ينسب العمل "لأحدهما"3؛ لكونهما شيئا واحدا، وعلى التقديرين ليس من التنازع، إذ لو كان منه لقِيل: أتاك أتوك, أو أتوك أتاك4.
وأجاز بعضهم أن يكون منه, ويكون قد أضمر في أحد الفعلين مفردا كما حكى سيبويه5: "ضربني وضربتُ قومَك".
وقوله: "في اسم عمل" يخرج به: "ضربت زيدا, وأكرمت عمرا"، فإن كلا منهما متوجه إلى غير ما توجه إليه الآخر, فلم يقتضيا "العمل"6 في اسم واحد.
فإن قلت: ينبغي أن يقول: "في اسم فأكثر"؛ ليشمل تنازع المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة.
= الإعراب: "فأين" اسم استفهام مبني على الفتح في محل جر بإلى محذوفة, يدل عليها ما بعدها والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم, "إلى أين" توكيد لفظي, "النجاة" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة, "ببغلتي" جار ومجرور متعلق بالنجاة, "أتاك" فعل ماض والكاف مفعول, "أتاك" توكيد لفظي, "اللاحقون" فاعل, "احبس" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه, "احبس" توكيد لفظي.
الشاهد: في "أتاك أتاك اللاحقون"، أن ذلك ليس من التنازع؛ لأن أتاك الثانية لم يؤت بها إلا للتوكيد, فلم تطلب المعمول.
مواضعه: ذكره من شرَّاح الألفية: ابن الناظم ص104، وابن هشام 2/ 24، والمكودي ص61، والأشموني 1/ 201، والسيوطي في همع الهوامع 2/ 111، والخصائص 3/ 103، 109.

قلت: قد منع بعض النحويين التنازع "في"1 المتعدي إلى اثنين, وإلى ثلاثة, والمختار الجواز؛ لسماعه في المتعدي إلى اثنين2.
والقياس في المتعدي إلى ثلاثة.
وعبارة المصنف لا تأبى ذلك؛ لأن المراد بقوله: "اقتضيا في اسم" أن يتوجه كل من العاملين إلى الاسم الذي توجه إليه الآخر، ولا يمتنع أن يتوجها بعده إلى اسم آخر, فيتنازعا في الاسمين معا.
فإن قلت: قد شرط في التسهيل في الاسم المتنازع فيه أن يكون غير سببي مرفوع3, نحو قول الشاعر: ............... وعزة ممطولٌ مُعَنّى غريمها4

لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحدهما إلى السببي والآخر إلى ضميره, فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ، وإنما يحمل ذلك على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين قبله. قلت: لم يذكر أكثرهم هذا الشرط, فلذلك لم يذكره هنا. وأجاز بعض النحويين في البيت التنازع1.
وقوله: "عمل" يشمل الرفع والنصب، فقد يطلبان رفعا نحو: "قام وقعد زيد", وقد يطلبان نصبا نحو: "رأيت وأكرمت زيدا", وقد يطلب الأول رفعا والثاني نصبا نحو: "قام وأكرمت زيدا", وقد يكون بالعكس نحو: "أكرمت وأكرمني زيد", فالصور أربع.
وقوله: "قبلُ" تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا عنهما, "فلو"2 تقدم عليهما نحو: "زيد قام وقعد" "فلا"3 تنازع؛ لأن كلا "أخذ"4 مطلوبه، أعني: ضمير الاسم السابق، هذا معنى ما علل به المصنف وغيره، وهي علة قاصرة.
ومقتضى ذلك ألا "يمتنع"5 تقديم مطلوبهما, إذا طلبا نصبا.
وقد أجاز الفارسي التنازع مع توسط المعمول6، وأجازه بعضهم مع التقديم7.
وقوله: فللواحد منهما العمل, يعني: في لفظ المتنازع فيه؛ لأن الآخر له عمل، ولكن في ضميره.
وذهب الفراء في نحو: "قام وقعد زيد" إلى أن العمل لكليهما, "فزيد" مرفوع بالفعلين معا والصحيح أنه لأحدهما.

ثم قال: والثانِ أولى عند أهل البَصْرَه... واختار عكسا غيرهم ذا أَسْرَه عمل كل "واحد"1 منها مسموع، والخلاف في الترجيح.
فقال البصريون: إعمال الثاني أرجح لقربه، وقال الكوفيون: إعمال الأول أرجح "لسبقه"2, وقال بعض النحويين: يتساويان.
وفصل أبو ذر الخشني3 فقال: إن كان إعمال الثاني يؤدي إلى الإضمار في الأول فيختار إعمال الأول، وإلا فيختار إعمال الثاني. والصحيح مذهب البصريين؛ لأن إعمال الثاني هو الأكثر وإعمال الأول قليل, نقل ذلك سيبويه عن العرب4.
ثم قال: وأَعْمِلِ المُهْمَل في ضمير ما... تنازعاه والتزِمْ ما التُزِما المهمل: هو الذي لم يسلط على الاسم الظاهر, فيعمل في ضميره مطابقا له.
ثم إن كان الثاني أضمر فيه المرفوع وجوبا والمنصوب على المختار، ومن حذفه قول الشاعر: بعكاظ يُعْشَى الناظرين... إذا هم لمحوا شعاعه5 أي: لمحوه.

وقيل: إن حذفه مخصوص بالضرورة، والصحيح جوازه في الاختيار، وإن كان الأول ففيه تفصيل سيأتي.
فإن قلت: ما معنى قوله: "والتزم ما التزما"؟ قلت: "يحتمل"1 ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد: "والتزم ما التزما" من مطابقة الضمير للظاهر، وهو رأي الشارح2.
والثاني: أن يكون المراد: "والتزِم ما التزِم" مما سيذكره من وجوب حذفه من الأول في بعض الأحوال، وتأخيره في بعضها.
والثالث: أن يكون المراد: "والتزم ما التزم" وهو العمدة، فلا تحذفه، بخلاف الفضلة.
فيؤخذ منه جواز حذف ضمير المفعول معمولا للثاني، وهو حسن فليس هذا الكلام كما قيل حشوا.
ثم قال: كيُحسنان ويسيء ابناكا..................... هذا مثال لإعمال الثاني, "ولذا"3 أضمر في الأول فقال: "يحسنان".
= الإعراب: "بعكاظ" مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث... "يعشى" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء, "الناظرين" مفعول به منصوب بالياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم, "إذا" ظرفية تضمنت معنى الشرط, "لمحوا" فعل ماض وواو الجماعة فاعل, "شعاعه" فاعل يعشى مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه.
الشاهد: في "يعشى... لمحوا شعاعه" حيث تنازع كل من الفعلين شعاعه، فالفعل الأول "يعشى" يطلب فاعلا له، والفعل الثاني "لمحوا" يطلب مفعولا، وقد أعمل فيه الأول، وأعمل الثاني في ضميره ثم حذف ذلك الضمير ضرورة، وأصل الكلام قبل تقديم العاملين: "يعشى الناظرين شعاعه إذا لمحوه" ثم صار بعد تقديمهما: "يعشى الناظرين إذا لمحوا شعاعه".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 2/ 27، وابن عقيل 1/ 311, والسندوبي، والأشموني 1/ 26، والسيوطي ص57.

ثم قال: ................ وقد بغى واعتديا عبداكا هذا مثال لإعمال الأول؛ ولذلك أضمر في الثاني فقال: "واعتديا", وهذا المثال متفق على جوازه، ومنع الكوفيون المثال الأول؛ لأن مذهبهم منع الإضمار قبل الذكر في هذا الباب. وحاصل مذهبهم أن الأول إذا طلب مرفوعا لم يجُز إعمال الثاني والإضمار في الأول سواء طلب الثاني مرفوعا نحو: "يحسنان ويسيء ابناكا", أو منصوبا نحو: "ضرباني وضربت الزيدين". فإن قلت: قد تقدم أن كلا من الفريقين أجاز إعمال الأول وإعمال الثاني, وإنما اختلفوا في الترجيح. وقد ذكرت أن الكوفيين منعوا إعمال الثاني إذا طلب الأول مرفوعا, فلا يكون الاختلاف في الترجيح إلا مع طلب الأول منصوبا1.
قلت: إنما منعوه إذا أُضمر المرفوع في الأول، وقد أجاز الكسائي إعمال الثاني بشرط حذف فاعل الأول، وأجاز الفراء إعماله بشرط "تأخر"2 فاعل الأول.
فنقول على مذهب الكسائي: "يُحسن ويُسيء ابناك", و"ضربني وضربتُ الزيدين".
وعلى مذهب الفراء: "يحسن ويسيء ابناك هما" و"ضربني وضربت الزيدين هما".
وقد أجاز الفراء "أيضا"3 أن يرتفع الاسم بهما في نحو: "يحسن ويسيء ابناك", وقد تقدم "ذكر"4 مذهبه أول الباب 5. والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من جواز الإضمار قبل الذكر في هذا الباب؛ لسماعه.

حكى سيبويه1: "ضربوني وضربت قومك".
فإن قلت: قد قيل: إنه لم ينقله عن العرب, بل هو مثال "مخرج"2 على مذهبه.
قلت: هو خلاف الظاهر، وأيضا فقد سمع نظيره في الكلام الفصيح كقوله: جَفَوني ولم أَجْفُ الأخلّاء إنني... لغير جميل من خليليَّ مُهْمِل3

وليس هذا بضرورة؛ لتمكنه من أن يقول: "جفاني ولم أجف الأخلاء" فيعمل الأول ويحذف "مفعول"1 الثاني لأنه فضلة.
ثم قال: ولا تَجِئْ مع أول قد أُهملا... بمضمر لغير رفع أُوهِلا بل حذفه الزمْ إن يكن غير خبر... وأَخِّرَنْه إن يكن هو الخبر إذا أهمل الأول, فإما أن يطلب مرفوعا أو منصوبا.
إن طلب مرفوعا أضمر فيه خلافا للكوفيين كما سبق2، وإن طلب منصوبا فإما أن يكون فضلة أو غير فضلة. فإن كان فضلة وجب حذفه عند الجمهور؛ لأنه مستغنى عنه فلا حاجة لإضماره قبل الذكر، ولم يوجب في التسهيل حذفه, بل جعله أولى3.
ومن إثباته قول الشاعر: إذا كنت تُرضيه ويُرضيك صاحب... جِهَارا فكن في الغيب أحفظ للود4

ووافق هنا مذهب الجمهور، وإن كان غير فضلة، كالمفعول من باب ظن جيء به مؤخرا؛ ليؤمَن من الإضمار قبل الذكر، أو حذف ما هو عمدة.
أما تقديمه, فقال الشارح: لا يجوز عند الجميع.
ا. هـ1. قلت: وظاهر التسهيل جوازه2، وقد حكى ابن عصفور عنه ثلاثة مذاهب: أحدها: إضماره مقدما كالمرفوع نحو: "ظننته أو إياه وظننت زيدا قائما". والثاني: الإضمار مؤخرا, كما جزم به المصنف هنا. والثالث: حذفه؛ لدلالة المفسر عليه. قال: وهذا أسدّ المذاهب؛ لسلامته من الإضمار قبل الذكر والفصل3.
تنبيهان: الأول: قد ظهر مما ذكر أن كلامه هنا "مخالف"4 التسهيل من وجهين: أحدهما: أنه جزم هنا بحذف الفضلة, وهو المراد بقوله: "غير خبر".
= الغيبة مفعول به, "ويرضيك" الواو حرف عطف, يرضي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء وكاف الخطاب مفعول به, "صاحب" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة, "فكن" الفاء واقعة في جواب إذا, "كن" فعل أمر ناقص واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت, "في الغيب" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اسم كن, "أحفظ" خبر كن منصوب بالفتحة الظاهرة, "للود" جار ومجرور متعلق بأحفظ, والجملة من كن واسمها وخبرها لا محل لها من الإعراب جواب إذا.
الشاهد: في "ترضيه ويرضيك صاحب" حيث تنازع كل من "ترضي" و"يرضي" الاسم الذي بعدهما وهو "صاحب", فإن الأول يطلبه مفعولا والثاني يطلبه فاعلا, وقد أعمل فيه الثاني وأعمل الأول في ضميره الذي هو الهاء.
مواضعه: ذكره من شرّاح الألفية: ابن الناظم ص105، وابن عقيل 1/ 130، وابن هشام 2/ 31، والسندوبي، والأشموني 1/ 205، والسيوطي ص57.

والثاني: أنه جزم بتأخير الخبر ولم يجزم بهما في التسهيل, بل أجاز التقديم.
"والتنبيه"1 الثاني: أن قوله: "غير خبر" قد يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان مفعولا أولا في باب ظن, يجب حذفه.
وليس كذلك, بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزوم التأخير؛ ولذلك قال الشارح: لو قال بدله: واحذفْهُ إن لم يَكُ مفعول حسب... وإن يكن ذاك فأخِّرْه تصب لسلم.
ا. هـ2. قلت: قوله: "مفعول حسب" يوهم أن غير مفعول "حسب" يجب حذفه, "وإن"3 كان خبرا وليس كذلك.
لأن خبر كان لا يحذف أيضا, بل يؤخر كمفعول حَسِب نحو: "زيد كان, وكنتُ قائما إياه" وهذا مندرج تحت قول المصنف: "غير خبر", ولو قال: بل حذفه إن كان فضلة حتم... وغيرها تأخيره قد التُزم لأجاد"4" 5. ثم قال: وأَظْهر إن يكن ضمير خبرا... لغير ما يطابق المفسِّرا يعني: أن الإضمار "ممتنع"6 إذا تخالف صاحب الضمير ومفسره "كأن"7 يكون الضمير خبرا لمثنى ومفسره مفرد، وقد مثّل ذلك بقوله: نحو أظن ويظناني أخا... زيدا وعمرا أخويْنِ في الرَّخا

"فزيدا وعمرا" مفعول أول لأظن، "وأخوين" مفعوله "الثاني, والياء من "يظنان" مفعول أول له، و"أخا" مفعوله الثاني"1, وهو خبر "له"2 في الأصل. فلو أضمر، فإما أن يجعل مطابقا للمفسر وهو ثاني مفعولي "يظنان", أو لصاحبه وهو أول مفعولي "أظن". فإن جعل مطابقا للمفسر فقيل: "إياه", فيلزم الإخبار بمفرد عن مثنى، وإن جعل مطابقا لصاحبه قيل: "إياهما" فيلزم عود ضمير مثنى على مفرد، وكلاهما غير جائز. فتعين الإظهار خلافا للكوفيين في إجازة إضماره مطابقًا لصاحبه، وإن خالف المفسر3.
وفي إجازة حذفه نحو: "أظنُّ ويظناني أخا زيدا وعمرا", وعلى الإظهار تخرج هذه المسألة من التنازع.

المفعول المطلق

: المفاعيل خمسة: مفعول به وقد تقدم1, ومفعول مطلق، ومفعول له, وفيه, "ومفعول"2 معه، وهذا أول الكلام على هذه الأربعة.
وبدأ بالمطلق، وسمي مطلقا؛ لأنه لم يقيد بأداة بخلاف غيره، فقال: المصدر اسم ما سوى الزمان من... مدلولَي الفعل كأمْنٍ مِنْ أَمِن مدلولا الفعل: هما الحدث والزمان، والمصدر هو اسم الحدث، وهو معنى قوله: "اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل".
فإن ما سوى الزمان من مدلوليه هو الحدث "كأمن من أمن".
قال: "أمن" فعل يدل على حدث وزمان، والأمن اسم لذلك الحدث، فهو مصدر.
فإن قلت: هل المفعول المطلق والمصدر مترادفان؟ قلت: لا، بل بينهما عموم من وجه وخصوص من وجه.
فقد يكون المفعول "المطلق"3 غير مصدر, بل "جاريا"4 مجراه كاسم المصدر والآلة, وغير ذلك مما سيذكر.
وقد يكون المصدر غير مفعول مطلق نحو: "يعجبني ذهابك".
ثم قال: بمثله أو فعل أو وصف نُصب............................ مثال نصبه، أي: بمصدر، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ 5. ومثال نصبه بفعل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ 6.

ومثال نصبه بوصف: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ 1. وينبغي أن يحمل قوله: "بمثله" على المماثل2 في المعنى؛ ليشمل نحو: "يعجبني إيمانُك تصديقًا".
ثم قال: .................. وكونه أصلا لهذين انتُخب أي: وكون المصدر أصلا للفعل والوصف، هو المختار، فالفعل والوصف مشتقّانِ منه, وهو مذهب البصريين, وخالف بعضهم في الوصف فجعله مشتقا من الفعل, فهو فرع الفرع.
ومذهب الكوفيين أن الفعل هو الأصل، والمصدر مشتق منه.
وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان"3" 4. ثم قال: توكيدا أو نوعا يُبين أو عدد... كُسرتُ سَيْرتين سَيْر ذي رَشَد المصدر: يؤتى به مع ناصبه "لثلاث"5 فوائد: الأولى: توكيده نحو: "سِرْتُ سيرا" ويسمى المبهم.
والثانية: بيان عدده نحو: "سرت سيرتين" ويسمى المعدود.
والثالثة: بيان نوعه, ويسمى المختص.

واختصاصه إما بإضافة نحو: "سرت1 سير ذي رَشَد", وإما بنعت نحو: "سيرًا شديدًا", وإما "بأل" نحو: "سرت السير" أي: السير الذي تعرفه، كذا قسم بعضهم.
والظاهر أن المعدود مندرج تحت المختص, كما فَعَلَ في التسهيل.
فالمصدر "على هذا قسمان"2: مبهم ومختص.
والمختص قسمان: معدود وغير معدود.
ثم قال: وقد ينوب عنه ما عليه دل... كجِدَّ كل الجد وافرح الجذَل المصدر ضربان: مؤكد ومبين كما سبق.
أما المؤكد, فينوب عنه أحد ثلاثة أشياء: الأول: "مرادفه"3 نحو: "قعدت جلوسًا".
وظاهر كلام المصنف أن نصبه بالفعل المذكور وهو مذهب المازني، ونقل عن الجمهور أن ناصبه فعل من لفظه مقدر.
الثاني: "ملاق"4 في الاشتقاق نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ 5. ذكره الشارح6, فعلى هذا ناصبه "الفعل"7 المذكور وهو مذهب المازني أيضا، ومذهب الجمهور أن ناصبه مقدر كما سبق.
وزعم ابن خروف أنه مذهب سيبويه، وفصل بعضهم بين المرادف نحو:

"قعدت جلوسًا" فنصبه بالظاهر، وبين "الملاقي"1 نحو: "أنبتكم من الأرض نباتًا" فنصبه بالمقدر وهو قول حسن2.
والثالث: اسم مصدر غير علم نحو: "اغتسلت غُسلا".
وأما المبين, فينوب عنه أحد ثلاثة عشر شيئا: الأول: نوع، نحو: ""رجع"3 القهقرى".
والثاني: وصف، نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ 4. ومذهب سيبويه في هذا ونحوه أنه حال5.
والثالث: "هيئة"6 نحو: "يموت الكافر ميتةَ سوء".
والرابع: آلة، نحو: "ضربته سوطا", وهو مطرد في "آلة"7 الفعل دون غيرها, فلا يجوز: "ضربته خشبة".
والخامس: كل، نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ 8. والسادس: بعض، نحو: "ضربته بعض الضرب".
والسابع: ضمير، نحو: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ 9. والثامن: اسم الإشارة، نحو: "ضربته ذلك الضرب".
قال في شرح التسهيل: ولا بد من جعل المصدر تابعا "له"10, وظاهر كلام سيبويه أن ذلك لا يشترط.

والتاسع: وقت، كقوله: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا1........................... أي: اغتماض ليلة أرمد, وهو عكس: "فعلته طلوعَ الشمس"، إلا أنه قليل. والعاشر: "ما" الاستفهامية، نحو: "ما تضربُ زيدا". والحادي عشر: "ما" الشرطية، نحو "ما شئتَ فقم". ذكر هذه الأحد عشر في التسهيل2.
والثاني عشر: المرادف، نحو: "افرحِ الجذل" والخلاف في ناصبه كما تقدم.
والثالث عشر: العدد، نحو: "ضربته ثلاثين ضربة".

وزاد بعض المتأخرين اسم المصدر العلم, نحو: "بَرّ بَرَّه وفَجَر فجَارِ"1, وفي شرح التسهيل: أن اسم المصدر "العلم"2 لا يستعمل مؤكدا ولا مبنيا3.
ثم قال: وما لتوكيد فَوَحِّدْ أبدا...................... لأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع.
ثم قال: ...................... وثَنِّ واجمعْ غيره وأَفْرِدا هو المختص معدودا كان, أو غير معدود.
أما المعدود, فلا خلاف في جواز تثنيته "وجمعه"4 قياسا5.
وأما غيره من المختص, ففي تثنيته وجمعه خلاف؛ منهم من قاسه لاختلاف أنواعه، ومنهم من لم يقسه وهو مذهب سيبويه6.
ثم قال: وحذف عامل المؤكد امتنع........................... قال في شرح الكافية: لأن المصدر "المؤكد"7 يقصد بتقوية عامله وتقرير معناه، وحذفه منافٍ لذلك وقد نُوزع في هذا8.

ثم قال: .................... وفي سواهُ لدليل متسع لا خلاف في جواز حذف عامل المصدر المختص, معدودا كان أو غير معدود, إذا دل عليه دليل، نحو: "بلى ضربتين, أو ضربا شديدا" في جواب: "ما ضربت"؟ وقد يجب الحذف, وذلك إذا كان المصدر بدلا من اللفظ بفعله، وقد نبه على ذلك بقوله: والحذف حتم مع آتٍ بَدَلا... من فِعْله كنَدْلا اللَّذْ كانْدُلا أي: وحذف العامل واجب مع المصدر "آت" بدلا من فعله, كقول الشاعر: على حين ألهى الناس جُلُّ أمورهم... فندلًا زريق المال ندل الثعالب1 فندلًا نائب عن أندل.

وإنما وجب حذف عامله1؛ لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه، يقال: ندل الشيء، إذا اختطفه بسرعة.
ثم قال: وما لتفصيل كإما مَنَّا... عامله يحذف حيث عَنَّا إذا قصد بالمصدر تفصيل عاقبة ما قبله, وجب حذف عامله كقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 2 أي: فإما تمنون منا, وإما تفادون فداء.
ثم قال: كذا مكرَّر وذو حصر ورد... نائب فعل لاسم عين استُند إذا ناب المصدر عن خبر اسم عين بتكرير نحو: "زيد سيرًا سيرًا"3, أو حصر نحو: "إنما أنت سيرًا" وجب حذف عامله, وجعل التكرير عوضا من إظهاره وأقيم الحصر مقام التكرير.
فلو لم يكن مكررا ولا محصورا جاز الإضمار والإظهار، نحو: "زيد سيرًا وزيد يسير سيرًا" احترز باسم العين، من اسم المعنى نحو: "أمرُك سير سير", فإن المصدر يرفع ويجعل خبره.
ثم قال: ومنه ما يدعونه مؤكِّدا... لنفسه أو غيره......... أي: ومن الواجب حذف عامله، قسم يسميه النحويون مؤكدا, وهو نوعان: مؤكد لنفسه، وهو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، وسمي بذلك لأنه بمنزلة "إعادة"4 الجملة، فكأنه نفسها.
ومؤكد لغيره: وهو الواقع بعد جملة صائرة به نصا، وسمي بذلك لأنه أثر في الجملة فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير "المؤثَّر"5.

"فمثل"1 "المبتدأ" به, وهو المؤكد لنفسه بقوله: نحو له عليَّ ألفٌ عُرْفًا.................... أي: اعترافًا. ومثل "والثان" بقوله: ..................... كابني أنت حقا صِرْفا ثم قال: كذاك ذو التشبيه بعد جمله... كلي بكًا بكاءَ ذات عُضْلَه من الملتزم إضمار ناصبه المصدر المشبه به, بخمسة شروط: الأول: أن يكون بعد جملة. والثاني: أن تكون حاوية معناه. الثالث: أن تكون "حاوية فاعله"2.
الرابع: أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل.
الخامس: أن يكون المصدر مشعرا بالحدوث.
مثال ذلك قولهم: "له صوتٌ صوتَ حمار" فهذا قد استوفى الشروط؛ لأن له صوت جملة، وقد اشتملت على معنى المصدر، وهو "صوت" وعلى فاعله, وهو "الهاء" في "له", ولا صلاحية في المصدر الذي اشتملت عليه للعمل؛ لأن "شرط"3 إعمال "المصدر"4 غير الواقع بدلا من أن يقدر بالفعل وحرف مصدري.
وقوله: "صوت حمار" مشعر بالحدوث، فالناصب فعل واجب الإضمار، ومثله بقوله: "لي بكا بكاء ذت عضله".
فلو "كان"5 بعد مفرد, لم يجُز النصب نحو: "صوته صوت حمار" ولو لم

"يشتمل"1 على معنى المصدر لم يصحّ، ولو لم يشتمل على فاعله ضعف النصب نحو: "في الدار صوتٌ "صوتُ"2 حمار" و"صراخ "صراخ"3 "ثكلى"4, ولم يمتنع لأنك إذا قلت: "فيهما"5 صوت علم أن فيها مصوتا "صوت حمار"6.
ولو كان ما اشتملت عليه صالحا للعمل نحو: "هو مصوت صوتَ حمار", فإنه ينتصب بمصوت لا بمحذوف، ولو لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث لم ينصب نحو: "له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء".
لأن صوتا ونحوه، إنما انتُصب لكون ما قبله بمنزلة يفعل, مسندا إلى فاعل.
فقولك: "له صوت" بمنزلة "يصوت"، وليس قولك: "له ذكاء" بمنزلة "هو يفعل", وإنما "أخبرت"7 بأنه ذو ذكاء, "فتنزل"8 ذلك منزلة قولك: "له يدٌ يدُ أسد" والله أعلم.

المفعول له

: يُنصب مفعولا له المصدر إن... أبان تعليلا "كجُدْ شُكرًا وَدِن "المفعول"1 له: هو علة الفعل، ولجواز نصبه شروط: الأول: أن يكون مصدرا.
والثاني: أن يتحد وقته ووقت عامله، وهو المعلل به.
والثالث: أن يتحد فاعلهما, ولو تقديرا.
فمثال ما استوفى الشروط: "ضربته تأديبًا" و"جُدْ شكرًا".
ومثال اتحاد فاعلهما تقديرا: قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ 2؛ لأن معنى يريكم: يجعلكم ترون.
وفي بعض هذه الشروط خلاف.
ثم قال: وإن شرطٌ فُقد... فاجررْه باللام أي: إذا فقد شرط من الشروط الثلاثة, وجب جر ما علل به الحرف الدال على التعليل، وهو اللام أو ما يقوم مقامها وهو "من و"في"3 والباء", فتقول: "جئت للمال"؛ لأنه ليس بمصدر، و"جئت أمس لإكرامك غدًا" لاختلاف الزمان, و"أحسنت إليك لإحسانك إليَّ"؛ لاختلاف الفاعل.
وقوله: وليس يَمتنع... مع الشروط يعني: أنه لا يمتنع جره بالحرف مع استيفائه للشروط نحو: "قنع هذا للزهد", "فإن هذه الشروط"4 ليس اجتماعها موجبا للنصب, بل مسوغ له.
ثم هو بعد ذلك على ثلاث مراتب: راجح النصب، وراجح الجر، ومستوٍ فيه الأمران.

فأشار إلى الأول بقوله: وقلّ أن يصحبها المجرد يعني: أن المجرد من أل والإضافة يترجح نصبه، وقل أن يصحب الحرف, فقوله: "ضربته تأديبًا" أرجح من قولك: ""ضربته"1 "لتأديب"2" ومنع الجزولي3 جر المجرد.
قيل: ولم يقل به غيره.
وأشار إلى الثاني بقوله: والعكس في مصحوب أل يعني: أن الأرجح في مصحوب "أل" جره بالحرف, فقولك: "ضربته للتأديب" أرجح من قولك: ""ضربته"4 التأديب".
ثم ذكر شاهد نصب مصحوب "أل" من كلام العرب, فقال: لا أقعدُ الجبنَ عن الهَيْجَاء... ولو توالت زُمَر الأعداء5 وسكت عن المضاف فلم يعزُه إلى راجح النصب, ولا إلى راجح الجر.
فعلم أنه يستوي فيه الأمران نحو: "جئتُكَ ابتغاءَ الخيرِ، ولابتغاءِ الخيرِ".

تنبيه: إذا دخلت "أل" على المفعول له، أو أُضيف إلى معرفة تَعَرَّفَ "بأل" "أ"1, وبالإضافة خلافا للرياشي2 والجرمي والمبرد في قولهم: إنه لا يكون إلا نكرة وإن "أل" فيه زائدة، وإضافته غير محضة3.
فإن قلت: هل يجوز تقديم المفعول له على عامله؟ قلت: هو جائز سواء كان منصوبا, أو مجرورا4.
وهو مستفاد من قوله: كلزهد ذا قنع, فمثل به "مقدما"5، والله أعلم.

المفعول فيه, وهو المسمى ظرفًا:

قال: الظرف: وقت أو مكان ضُمِّنا... في باطِّراد: كهُنا امكثْ أزمُنا "وقت أو مكان" جنس "ضمن" مخرج لوقت أو مكان لم يضمن معناه نحو: "يومنا يوم مبارك", و"نحن في مكان حسن".
"ثم قال"1: "باطراد"؛ احترازا مما نصب بدخل من المكان المختص نحو: "دخلت الدار" فهو منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا، لا نصب الظرف، إذ لو كان ظرفا لم يختص بدخل؛ لأن "الظرف"2 لا يختص بعامل دون عامل.
بل الظرف غير المشتق من اسم الحدث, يتعدى إليه كل فعل.
قال الشارح: وإذا كان كذلك, فلا حاجة إلى الاحتراز "عنه"3 بقيد الاطراد؛ لأنه يخرج بقولنا: "مضمن معنى في" ا. هـ4. قلت: وفي نصب المختص من المكان بعد دَخَلَ ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا كما سبق، وهو مذهب الفارسي والمصنف، ونسبه إلى سيبويه.
والثاني: أنه منصوب على الظرفية تشبيها له بالمبهم, ونسبه الشلوبين إلى "سيبويه5 ونسب"6 إلى الجمهور.

والثالث: أنه مفعول به ودخل, تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف الجر، وهو مذهب الأخفش"1" 2. وقوله: "كهنا" مثال لظرف المكان, "وأزمنا" مثال لظرف الزمان.
ثم قال: فانصبه بالواقع فيه مُظْهَرا... كان وإلا فانْوِهِ مقدَّرا يعني: أن حكم الظرف النصب، وأن الناصب له هو الواقع فيه من فعل أو ما "في"3 معناه, وأن الناصب له يكون ظاهرا نحو: "جلست أمام المسجد" و"سرت يومَ الخميس", وقد يكون مقدرا إما جوازا نحو: "يوم الجمعة" لمن قال: "متى قدمتَ؟ ". وإما وجوبا كالواقع خبرا أو صفة أو حالا أو صلة4.
ثم قال: وكلّ وقت قابل ذاك........................... يعني: أن جميع أسماء الزمان قابلة للظرفية؛ مبهمها ومختصها.
وأما المعدود فهو من المختص, خلافا لمن جعله قسما ثالثا.
فالمبهم: ما دل على قدر من الزمان غير معين كحين، والمختص بالمحدود: ما له مقدار من الزمان معلوم نحو: "يومين".
والمختص غير المعدود: كأعلام الأيام, وما اختص "بأل"5 أو بالصفة أو بالإضافة، ثم قال:

........ وما... يقبله المكان إلا مبهما يعني: أن أسماء المكان لا تقبل الظرفية إلا إذا كانت مبهمة، فإن كانت مختصة لم تقبل الظرفية نحو: "الدار" و"المسجد".
ثم قال: نحوُ الجهات والمقادير، وما... صِيغَ من الفعل كمرمَى مِن رَمَى فمثّل المبهم بثلاثة أنواع: الجهات: نحو: خلف "وقُدَّام"1 وأمام. والمقادير: نحو: "ميل" و"فرسخ"2.
وما صيغ من اسم الحدث نحو: "مرمى ومذهب".
فظاهره أن هذه الثلاثة أنواع للمبهم, أما الجهات فلا إشكال في أنها مبهمة.
وأما المقادير فظاهر كلام الفارسي أنها داخلة تحت المبهم، وصححه بعض النحويين.
وقال الشلوبين: ليست داخلة تحته، وصحح بعضهم "أنها شبيهة"3 بالمبهم, لا مبهم.
وأما ما صيغ من "اسم"4 الحدث، فالظاهر أنه من المختص, لا من المبهم كما نص عليه غيره، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية.
قال فيه: وأما المكان فلا يكون من أسمائه "ظرفا"5 صناعيا إلا ما كان مبهما أو مشتقا من اسم الحدث6 ا. هـ. فجعله قسيمه.
قلت: وقد قسم المصنف المصدر إلى مبهم ومختص، وصرح بأن المعدود من المختص, وقياسه أن يجعل المعدود في الظرف من المختص أيضا.

فإن قلت: ما يعنى بالفعل في قوله: "وما صيغ من الفعل"؟ قلت: ظاهر كلامه أنه الفعل الصناعي؛ لقوله: "كمرمى من رمى" وليس ذلك بجيد؛ لأنه لم يصغ من الفعل وإنما صيغ من المصدر, "وإن"1 حمل على الفعل اللغوي وهو المصدر "فهو صحيح"2, "لولا"3 "أن"4 قوله: "من رمى" يبعده.
ثم قال: وشرط كون ذا مَقِيسا أن يقع... ظرفا لما في أصله معه اجتمع الإشارة إلى ما اشتق من اسم الحدث, يعني: أن هذا النوع لا يكون ظرفا مقيسا إلا إذا كان العامل فيه موافقا له في الاشتقاق نحو: "رميت مرمى زيد"، "وقعدت مقعده", "فلذا"5 عد من الشواذ قولهم: "هو مني مقعد القابلة"6 ونحوه7.
وتقدير قوله: "لما في أصله معه اجتمع" مع الظرف في أصله, وهو اسم الحدث.
فإن قلت: يخرج من كلامه نحو: "سرني "جلوسي"8 مجلسك"؛ لأن العامل فيه أصله لا شيء اجتمع معه في أصله.
قلت: هذا, وإن لم تشمله عبارته فقد "تقرر"9 أن المصدر يعمل عمل فعله.

ثم قال: وما يرى ظرفا وغير ظرف... فذاك ذو تصرف في العرف كلٌّ من ظرف الزمان وظرف المكان "قسمان"1: متصرف وغير متصرف: فالمتصرف: ما لا يلزم, بل يستعمل ظرفا تارة وغير ظرف أخرى نحو: "يوم وليلة" من الزمان، و"يمين وشمال" من المكان.
وغير المتصرف: ما لا يخرج عن الظرفية أصلا "كقَطّ" و"عَوْض"2, أو لا يخرج عنها إلا "إلى"3 "شبهها"4.
والمراد بشبه الظرفية الجر "بمن".
وإنما يثبت تصرف الظرف بالإخبار عنه والجر بغير "من" "في الاختيار"5؛ لأن "من" كثرت زيادتها فلم يعتد بها.
فلذلك حكم على "قبلُ وبعدُ وعندَ ولدُن" بعدم التصرف مع "أنها تجر"6 بمن.
وإلى هذا أشار بقوله: وغير ذي التصرف.... البيت ثم قال: وقد ينوب عن مكان مصدر... وذاك في ظرف الزمان يكثر نيابة المصدر عن الظرف من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وشرط "ذلك"7 إفهام تعيين "وقت"8 أو مقدار، وذلك قليل في المكان كقولهم: "جلست قرب زيد، وقصده" أي: مكان قربه, ومكان قصده.

وكثير في الزمان نحو: "كان"1 ذلك "خفوق"2 النجم، و"طلوع الثريا" أي: وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الثريا.
وكثرته تقتضي القياس عليه.

المفعول معه

: قال: يُنصَب تالي الواو مفعولا معه... في نحو سيري والطريق مسرعه المفعول معه: هو الاسم المنصوب بعد "واو بمعنى"1 مع، نحو: "سيري والطريقَ" أي: مع الطريق.
وهذا الباب مقيس على الأصح2، وقد فهم ذلك من قوله: "نحو".
ثم قال: بما من الفعل وشَبَهه سبق... ذا النصب لا بالواو في القول الأحقّ ناصب المفعول معه: إما فعل نحو: "استوى الماءُ والخشبةَ", وإما اسم يشبهه نحو: "زيد سائرٌ والطريقَ".
ومذهب سيبويه3 أنه لا يعمل فيه العامل المعنوي كاسم الإشارة وحرف التشبيه4 والظرف المخبر به.
وأجاز أبو علي في قول الشاعر: ................................ هذا ردائي مطويا وسربالا5

جارٍ التحميل