مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
والثالث: أن تقع اللام بعدها كقوله1:
فأوقدت ناري كي ليُبْصَرَ ضَوؤُها
فهي هنا حرف جر واللام تأكيد لها وأن مضمرة بعدها، ولا يجوز كونها مصدرية لفصل اللام، وهذا التركيب نادر، ويتعين الثاني إذا وقعت بعد اللام ولم تقع أن بعدها نحو: "جئت لكي أقرأ".
ولا يجوز أن تكون حرف جر؛ لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها "أن" ولا يكون ذلك إلا في الضرورة، كقوله2:
أردت لكيما أن تطير بقِرْبَتي.............................
ترجح كونها حرف جر مؤكدة للام، ويحتمل أن تكون مصدرية مؤكدة بأن. وإنما يترجح كونها جارة لأوجه:
أحدها: أن "أن" أم الباب، فلو جعلت مؤكدة لكي لكانت كي هي الناصبة1.
والثاني: أن ما كان أصلا في بابه لا يجعل مؤكدا لغيره.
والثالث: أن "أن" وليَت الفعل فترجح أن تكون العاملة، ويجوز الأمران في نحو: "جئت كي تفعل" فإن جعلت جارة كانت "أن" مقدرة بعدها، وإن جعلت ناصبة كانت اللام مقدرة قبلها.
تنبيهات:
الأول: ما ذكرته من أن "كي" تكون حرف جر ومصدرية هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها2 ناصبة للفعل دائما، وتأولوا كيمه على تقدير "كي" تفعل ماذا.
وذهب قوم إلى أنها حرف جر دائما، ونقل عن الأخفش.
الثاني: إذا كانت "كي" حرف جر ودخلت على الاسم، فهي بمعنى لام التعليل، وإذا دخلت على الفعل دلت على العلة الغائية فقط، فهي أخص من اللام.
الثالث: أجاز الكسائي تقديم معمول معمولها عليها نحو: "جئت النحو كي أتعلم".
= الشاهد: قوله: "لكيما أن تطير" حيث يجوز أن تكون كي مصدرية وأن مؤكدة لها، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام، ولولا "أن" لوجب أن تكون "كي" مصدرية ولولا وجود اللام لوجب أن تكون تعليلية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 549/ 3، وابن هشام 363/ 3، والإنصاف 341/ 2، وابن يعيش 19/ 7، والشاهد 635 في الخزانة.
ومذهب الجمهور منع ذلك.
الرابع: إذا فصل بين "كي" والفعل لم يبطل عملها، خلافا للكسائي نحو: "جئت كي فيك أرغب" والكسائي يجيزه بالرفع لا بالنصب.
قيل: والصحيح أن الفصل بينها وبين الفعل لا يجوز في الاختيار.
والخامس: زعم الفارسي أن أصل كما في قوله1:
وطَرْفُك إما جئتنا فاحبسنه... كما يَحسبوا أن الهوى حيثُ تنظر
أي: "كيما" فحذفت الياء ونصب بها، وذهب المصنف إلى أنها كاف التشبيه كفت بما ودخلها معنى التعليل فنصبت، وذلك قليل.
وقد جاء الفعل بعدها مرفوعا في قوله2:
لا تَشْتِمِّ الناس كما لا تشتم.............................
وإما أن تكون زائدة ومفسرة ومصدرية، فالزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها فيطرد زيادتها بعد "لما" نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ 1 وبين القسم ولو.
نحو2:
أما والله أن لو كنت حرا
ووقع لابن عصفور أن هذه رابطة والجواب "لو" وما دخلت عليه.
وشذت زيادتها بعد كاف الجر في قوله3:
........................... كأَنْ ظبيةٍ..............
في رواية الجر.
وفائدة زيادتها التوكيد، وزعم الزمخشري والشلوبين أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر وهو أن الجواب يكون بعقب الفعل الذي يليها فتنبه على السببية والاتصال، وليست مثقلة في الأصل خلافا لزاعمه.
والمفسرة: وهي التي يحسن في موضعها أي.
وعلامتها: أن تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ 1.
فلو كان الذي قبلها غير جملة حكم عليها بأنها المصدرية نحو: "إشارتي إليك أن اصبر" ولا تقع المفسرة بعد صريح القول خلافا لبعضهم.
ومذهب الكوفيين أن التفسير ليس من معاني "أن" وهي عندهم الناصبة للفعل والمصدرية هي التي تؤول مع صلتها بمصدر، وتنقسم إلى مخففة من "أن" وناصبة للمضارع فإن كان العامل فيها فعل علم وجب أن تكون المخففة نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ 2 وتقدم ذكرها في بابها.
وإن كان فعل ظن جاز فيها الأمران، وجاز في الفعل بعدها الرفع والنصب بالاعتبارين، إلا أن النصب هو الأكثر؛ ولذلك أجمع عليه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ 3 وقرئ بالوجهين: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ 4.
وإن كان العامل فيها غير العلم والظن وجب أن تكون الناصبة للفعل نحو: "أريد أن تفعل" وإلى هذا التقسيم أشار بقوله:
.............................. لا بَعْدَ عِلْمٍ والتي من بَعْدِ ظَنْ
فانْصِبْ بها والرَّفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ... تَخْفِيفَها مِنْ أنَّ فهو مُطَّرِدْ
أي: فاعتقد تخفيفها من "أن" إذا رفعت الفعل بعدها.
تنبيهات:
الأول: إذا أول العلم بغيره جاز وقوع الناصبة بعده؛ ولذلك أجاز سيبويه "ما علمت إلا أن تقوم" -بالنصب- قال: لأنه كلام خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى قولك: "أشير عليك أن تقوم".
وعن أبي العباس: أن الناصبة لا تأتي بعد لفظ العلم أصلا.
الثاني: أجاز سيبويه والأخفش إجراءها بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف نحو: "خفت أن لا تفعل" أو "خشيت أن تقوم" -بالرفع- ومنع ذلك المبرد.
الثالث: أجاز الفراء وابن الأنباري أن تنصب بعد العلم غير المؤول، ومذهب الجمهور المنع.
الرابع: أجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، مستشهدا بقوله1:
ربَّيتُه حتى إذا تَمَعْدَدَا... كان جزائِي بالعصا أن أُجْلَدَا
قال في التسهيل: ولا حجة فيما استشهد به لندوره، أو إمكان تقدير عامل مضمر.
الخامس: أجاز الأخفش أن تعمل وهي زائدة، واستدل بالسماع كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 1 وبالقياس على حرف الجر الزائد.
ولا حجة في ذلك؛ لأنها في الآية ونحوها مصدرية دخلت بعد "ما لنا" لتأوله بما منعنا.
والفرق بينها وبين حرف الجر أن اختصاص باقٍ مع الزيادة بخلاف "أن" فإنها قد وليها الاسم في "كأن ظبية".
السادس: إذا وصلت "أن" بالماضي والأمر فهي التي تنصب المضارع خلافا لابن طاهر فإنه جعلها غيرها.
السابع: جملة ما ذكر لأن عشرة أقسام: ناصبة للمضارع ومخففة، وزائدة، ومفسرة، وشرطية، وبمعنى لا، وبمعنى لئلا، وبمعنى إذ، وبمعنى أن المخففة، وجازمة.
وقد تقدم الكلام عن الأربعة الأُول ولم يثبت ما سواها.
وأما الجازمة، فقال في التسهيل: ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين، انتهى.
ووافقهم أبو عبيدة.
وحكى اللحياني2 أنها لغة بني صباح؛ وقال الرؤاسي3: فصحاء العرب تنصب بأن وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، وقد أنشدوا على ذلك أبياتا:
وبعضُهم أهملَ أَنْ حَمْلا علَى... ما أخْتِها حيث استحقَّتْ عَمَلا
يعني: أن بعض العرب أهمل أن الناصبة حيث استحقت العمل، وذلك إذا لم يتقدمها علم أو ظن كقوله4:
أَنْ تَقْرآنِ على أسماءَ ويْحَكُمَا... مني السلام وأن لا تُشْعِرَا أَحَدَا
فإن الأولى والثانية مصدريتان غير مخففتين وقد أعملت إحداهما وأهملت الأخرى، ومنه قراءة بعضهم: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَة"1.
ووجه إهمالها حملها على "ما" أختها، أعني: ما المصدرية، هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فهي عندهم "المخففة من الثقيلة"2، وقوله في التسهيل: كونها المخففة أو المحمولة عليها أو على المصدرية يقتضي قولا ثالثا.
فإن قلت: هل يقاس على ذلك؟
قلت: ظاهر كلام المصنف أن إهمالها مقيس.
قال في شرح الكافية: ثم نبهت على أن من العرب من يجيز الرفع بعد أن الناصبة السالمة من سبق علم أو ظن.
ونَصَبُوا بإِذَنِ المسْتَقْبَلا... إن صُدِّرَتْ والفعلُ بعدُ مُوصَلا
"إذن" حرف ينصب المضارع بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مستقبلا، فإن كان حالا رفع؛ لأن النواصب تخلص للاستقبال.
= اللغة: "تقرآن" تبلغان وتقولان "ويحكما" مصدر معناه رحمة لكما.
المعنى: أرجو يا صاحبي أن تبلغا محبوبتي أسماء تحيتي وألا تخبرا بذلك أحدا.
الإعراب: "أن" مصدرية مهملة "تقرآن" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، وهو في محل نصب بدل من حاجة في بيت قبله، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف عائد إلى حاجة، أي: هي أن تقرآن "ويحكما" منصوب بفعل محذوف من معناه، وهو مصدر مضاف إلى ضمير المخاطبين "مني" متعلق بتقرآن "السلام" مفعول تقرآن "وأن لا" أن مصدرية ناصبة ولا نافية "تشعران" فعل مضارع منصوب بأن والألف فاعل "أحدا" مفعول.
الشاهد: قوله: "أن تقرآن" حيث أهملت "أن" عن العمل حملا على أختها ما المصدرية، ورفع الفعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 553/ 2، وابن هشام 365/ 3، والمكودي ص144، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في المغني 201/ 2، وابن يعيش 15/ 7، والإنصاف 229/ 2، والشاهد 642 في الخزانة.
الثاني: أن تكون مصدرة، فإن تأخرت ألغيت حتما، نحو: "أكرمك إذن" وإن توسطت وافتقر ما قبلها لما بعدها فكذلك.
قال في شرح الكافية: وشذ النصب بإذن بين خبر وذي خبر في قول الراجز1:
لا تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرَا... إني إِذَنْ أُهْلَكَ أو أَطِيرَا
قلت: نقل جواز ذلك عن بعض الكوفيين، وتأوله البصريون على حذف الخبر، والتقدير: إني لا أقدر على ذلك، ثم استأنف بإذن فنصب.
وإن تقدمها حرف عطف فسيأتي.
والثالث: ألا يفصل بينها وبين الفعل بغير القسم، فإن فصل بينهما بغيره ألغيت نحو: "إذن زيد يكرمك"، وإن فصل به لم يعد حاجزا نحو: "إذن والله أكرمك".
تنبيه:
أجاز ابن عصفور الفصل بالظرف نحو: "إذن غدا أكرمك" وأجاز ابن بابشاذ: الفصل بالنداء والدعاء نحو: "إذن يا زيد أحسن إليك" و"إذن يغفر الله لك يدخلك الجنة" ولم يسمع شيء من ذلك، فالصحيح منعه.
وأجاز الكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، وفي الفعل1 حينئذ وجهان.
والاختيار عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع.
وقد اشتمل البيت على "ذكر"2 الشروط الثلاثة، ثم أشار إلى أن الفصل بالقسم مغتفر بقوله:
أو قبله اليمينُ
ثم نبه على حكمها بعد العاطف فقال:
........... وانْصِبْ وارْفَعَا... إِذَا إِذَنْ من بعد عَطْفٍ وَقَعَا
والرفع أجود الوجهين وبه قرأ السبعة، وفي الشواذ: "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا"3 على الإعمال.
تنبيهات:
الأول: أطلق في العطف، وفصل بعضهم فقال: إن كان العطف على ماله محل ألغيت نحو: "إن تزرني أزرك وإن أحسن إليك" بجزم أحسن عطفا على جواب الشرط.
وإن كان على ما لا محل له، فالأكثر الإلغاء كالآية.
الثاني: إلغاء إذن مع استيفاء الشروط لغة نادرة حكاها عيسى وسيبويه ولا يقبل قول من أنكرها.
الثالث: مذهب الجمهور أن "إذن" حرف.
وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم وأصلها "إذًا" والأصل أن تقول: "إذا جئتني أكرمك" فحذف ما يضاف إليه وعوض منه التنوين، والصحيح مذهب الجمهور.
ثم اختلف القائلون بحرفيتها؛ فقال الأكثرون: إنها بسيطة، وذهب الخليل في أحد أقواله إلى أنها مركبة من "إذ" و"إن".
ثم اختلف القائلون بأنها بسيطة، فذهب الأكثرون إلى أنها ناصبة بنفسها.
وذهب الخليل فيما روى عنه أبو عبيدة أنها ليست ناصبة بنفسها، وأن مضمرة بعدها، وإليه ذهب الزجاج والفارسي.
الرابع: إذا وقع بعدها الماضي مصحوبا باللام كقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ 1. فالظاهر أن اللام جواب قسم مقدر قبل إذن.
وقال افراء: لو مقدرة قبل إذن.
والتقدير: لو ركنت إليهم لأذقناك، وقدر في كل موضع ما يليق به.
الخامس: قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء "يعني إذن"2 وحمله الشلوبين على ظاهره، وأنها للجواب والجزاء في كل موضع، وتكلف تخريج ما خفي فيه ذلك.
وذهب الفارسي إلى أنها قد ترد لهما، وهو الأكثر، وقد تكون للجواب وحده نحو أن يقول القائل: "أحبك" فتقول: "إذن أظنك صادقا" فلا يتصور هنا الجزاء.
وحمل كلام سيبويه على ذلك كما قال في نعم: إنها عدة وتصديق باعتبار حالين.
وقال بعضهم: إذن وإن دلت على أن ما بعدها متسبب عما قبلها على وجهين؛ أحدهما: أن تدل على إنشاء الارتباط بحيث لا يفهم من غيرها.
والثاني: أن تكون "واردة"3 جوابا ارتبط بمتقدم أو منبهة على سبب "حصل"4 في الحال نحو: "إن أتيتني إذن آتيك" أو "إذن أظنك صادقا" تقوله لمن يحدثك "وهي في الحالين غير عاملة"5.
وبَيْنَ لا ولام جر التُزِمْ... إظهارُ أن ناصبة وإن عُدِمْ
لا فأَنَ اعْمِلْ مُظهِرا أو مُضْمَرا... وبعد نفي كان حتما أُضْمِرَا
"اعلم" أن أقوى نواصب الفعل "أن" لاختصاصها به ولشبهها بأن الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها، وإضمارها على ثلاثة أضرب: واجب، وجائز، وشاذ.
فالواجب بعد ستة أشياء؛ أولها: "كي" الجارة.
وثانيها: لام الجحود.
وثالثها: "أو" بمعنى إلى أو إلا.
ورابعها: حتى.
وخامسها: فاء الجواب.
وسادسها: واو المصاحبة.
والجائز بعد شيئين؛ الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا.
والثاني: العاطف على اسم خالص.
والشاذ: إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع.
والحاصل: أنها لا تعمل مضمرة باطراد إلا بعد حرف جر أو حرف عطف على ما سيأتي بيانه.
فأما "كي" الجارة، فلم ينبه في النظم عليها؛ بل ظاهر كلامه هنا موافقة من يقول: إنها ناصبة بنفسها دائما؛ لأنه ذكرها مع النواصب، ولم يذكرها غير ذلك.
وقد ذكر لها في الكافية وغيرها الحالين.
وقد اشتمل هذان البيتان على حكم "أن" بعد لام كي ولام الجحود.
فأما لام كي فهي لام التعليل، ولأن بعدها حالان، حال يجب فيه إظهارها وذلك مع الفعل المقرون بلا النافية أو الزائدة، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ 1.
وحال يجوز فيه إظهارها وإضمارها، وذلك مع الفعل غير المقرون بلا نحو: "جئت لتكرمني".
ولو أظهرت فقلت: لأن تكرمني، لجاز.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون النصب بعدها بإضمار كي؟
قلت: أجاز ذلك ابن كيسان والسيرافي، ومذهب الجمهور أن كي لا تضمر؛ لأنه لم يثبت إضمارها في غير هذا الموضع.
فإن قلت: لِمَ سميت لام كي؟
قلت: لأنها للسبب كما أن كي للسبب.
وأما لام الجحود، فهي الواقعة بعد كان المنفية الناقصة الماضية لفظا أو معنى نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ 1 و ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ 2.
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واجبة الإضمار، وعلل ذلك بأن إيجاب "ما كان زيد ليفعل" "كان زيد سيفعل" جعلت اللام في مقابلة السين، فكما أنه لا يجمع بين أن والسين كذلك لا يجمع بين أن واللام.
فإن قلت: حاصل كلام الناظم أن لأن بعد لام الجر ثلاثة أحوال: وجوب إظهارها مع المقرون بلا، ووجوب إضمارها بعد نفي كان، وجواز الأمرين فيما عدا ذلك، وهذا غير محرر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يقيد بالناقصة، فأوهم أنه يجب الإضمار أيضا بعد التامة، وليس كذلك؛ لأن اللام بعدها ليست لام الجحود.
الثاني: أنه يوهم "أن"3 اختصاص هذا الحكم بالماضية لفظا، وقد تقدم أن الماضية معنى كالماضية لفظا.
والثالث: أنه أطلق فشمل إطلاقه النفي بكل نافٍ، وليس كذلك؛ لأن النفي هنا لا يكون إلا بما أو بلم ولا يكون بأن ولا بلما ولا بلا ولا بلن.
نص على ذلك في الارتشاف.
قلت: قد يجاب عن الأول بأن استعمال الناقصة أكثر، وذكرها في أبواب النحو أشهر فتوجه كلامه إليها، وتعين حمله عند عدم التقييد عليها.
وعن الثاني: بأنه لم يكن مندرجا في قوله: "ونفى كان" لأن المراد نفي الماضي، ولم تنف الماضي، على أن من النحويين من يرى أنها تصرف لفظ الماضي دون معناه.
وعن الثالث: أن قوله: "نفي كان" لا يشمل كل نافٍ، بل يشمل كل ما ينفي الماضي فخرجت "لن" لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك "لا" فإن نفي غير المستقبل بها قليل، وأما لما فإنها وإن كانت تنفي الماضي تدل على اتصال نفيه بالحال بخلاف "لم" وأما "أن" فهي بمعنى "ما" وإطلاقه يشملها، وفي استثنائها نظر.
بل الظاهر أن لام الجحود تقع بعد النفي بها، ويدل على ذلك قراءة غير الكسائي: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ 1، ونص بعضهم على أن اللام في غير قراءته لام الجحود.
وفي هذه الآية رد على من زعم أن الفعل بعد لام الجحود لا يرفع إلا ضمير الاسم السابق.
وقد فهم من النظم فوائد:
الأول: أن ذلك لا يكون في أخوات كان؛ لتخصيص الحكم بها خلافا لمن أجازه قياسا في أخواتها، ولمن أجازه في ظننت.
والثانية: أن الفعل معها لا يكون موجبا، فلا يقال: "ما كان زيد إلا ليفعل" لأنها إذ ذاك بعد إيجاب لا بعد نفي كان.
الثالثة: أن إظهار أن بعد لام الجحود ممتنع؛ لقوله: "حتما أضمرا"، وهذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فحكى ابن الأنباري عنهم منع ذلك، وحكى غيره عن بعضهم جواز إظهار أن بعدها توكيدا.
تنبيهات:
الأول: أجاز بعض النحويين حذف لام الجحود وإظهار أن مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ 1.
واضطراب ابن عصفور فمرة أجاز ومرة منع، والصحيح المنع، ولا حجة لهم في الآية؛ لأن "أن يفترى" في تأويل مصدر هو الخبر.
الثاني: قد فهم مما تقدم أن لام الجر التي ينصب الفعل بعدها قسمان: لام كي ولام الجحود.
أما لام الجحود فقد تقدم ضابطها.
وأما لام كي فهي ما عداها، وقسم بعضهم ما عدا لام الجحود إلى ثلاثة أقسام كما فعل الشارح: لام كي نحو: "جئت لتحسن إلي" ولام العاقبة نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ 2 ولام زيادة نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ 3.
وأن بعد هذه الثلاثة يجوز إظهارها وإضمارها.
قلت: أما لام العاقبة، وتسمى أيضا لام الصيرورة، ولام المآل، فقد أثبتها الكوفيون والأخفش وذكرها في التسهيل، وتأول جمهور البصريين ما أوهم ذلك، وردوه إلى لام كي.
وأما الزيادة، فذهب قوم إلى أن اللام في نحو: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ 4 ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ 5 زائدة وأن مقدرة بعدها.
وقال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أردت وأمرت، والمختار أنها لام كي.
والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر ليطفئوا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.
الثالث: ما ذكر من أن اللام التي "تنصب الفعل"1 بعدها هي لام الجر، والنصب بأن مضمرة، هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها، وذهب ثعلب إلى أن اللام ناصبة بنفسها لقيامها مقام أن، والخلاف في اللامين -أعني: لام كي ولام الجحود- واحد.
الرابع: اختلف في الفعل الواقع بعدم اللام، فذهب الكوفيون إلى أنه خبر "كان" واللام للتوكيد.
وذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف، واللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف وقدروه: "ما كان زيد مريدا ليفعل"، وإنما ذهبوا إلى ذلك لأن اللام جارة عندهم، وما بعدها في تأويل مصدر، وصرح المصنف بأنها مؤكدة لنفي الخبر -وظاهره موافقة الكوفيين- إلا أن الناصب عنده أن مضمرة، فهو قول ثالث، قال الشيخ أبو حيان: ليس بقول بصري ولا كوفي، ومقتضى قوله مؤكدة أنها زائدة.
وصرح به الشارح، وقال في شرحه لهذا الموضع من التسهيل: سميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة، إذ لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد ما كان زيد مقدرا أوهاما أو مستعدا لأن يفعل.
قلت: ما نقل عن البصريين من أنها متعلقة بالخبر المحذوف يقتضي أنها ليست بزائدة وتقدرهم مريدا يقتضي أنها زائدة مقوية للعامل.
فليتأمل.
الخامس: ذكر في التسهيل أن فتح اللام الجارة الداخلة على الفعل لغة عكل وبلعنبر.
وقال أبو زيد: سمعت من يقرأ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ 2.
ثم انتقل إلى "أو" فقال:
كَذاكَ بعد أو إذا يَصْلحُ في... موضِعِها حتى أَوِ الَّا أَنْ خَفى
يعني: أن "أن" يجب إضمارها بعد "أو" إذا صلح في موضعها حتى أو إلا كما وجب إضمارها بعد لام الجحود.
فإن قلت: حتى "تكون"1 بمعنى إلى وبمعنى كي فأيهما أراد؟
قلت: قال الشارح: حتى التي بمعنى إلى لا التي بمعنى كي، فإن كان ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا فهي بمعنى إلى وإلا فهي بمعنى إلا.
انتهى.
يحتمل أن يريد المعنيين معا، وذلك أن بعضهم قدرها بكي، وبعضهم قدرها بإلى.
وأما سيبويه فقدرها بإلا، فكأنه أشار إلى الأولين بذكر حتى، ويصلح للتقديرات الثلاثة قولهم: "لألزمنك أو تقضيني حقي" فإنه يصلح للتعليل وللغاية وللاستثناء من الأزمان.
ويتعين الأول في نحو: "لأطيعن الله أو يغفر لي".
والثاني في نحو: "لأنتظرنه أو يجيء"، والثالث في نحو: "لأقتلن الكافر أو يسلم"، وبذلك "يضعف"2 قول من قال: إن تقديرا "بإلا مطرد، وقول من قال: إن تقديرها"3 بكي أو إلى مطرد، ويؤيد الاحتمال الثاني أنه لو أراد حتى التي بمعنى إلى فقط لصرح بإلى والوزن موات له على ذلك.
تنبيهات:
الأول: احترز بقوله: "إذا يصلح في موضعها "حتى أو إلا " من التي لا يصلح في موضعها"4 أحد الحرفين، فإن المضارع إذا ورد بعدها منصوبا جاز إظهار أن كقوله5:
ولولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزةٌ... وآلُ سُبيع أو أسوءَك عَلْقَمَا
الثاني: ما ذكر من تقدير حتى أو إلا في مكان أو تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" الناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بأو على المقدر قبلها فتقدير "لأنتظرنه أو يقدم": ليكونن انتظارٌ أو قدومٌ.
الثالث: ذهب الكسائي إلى أن "أو" المذكورة ناصبة بنفسها، وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أن الفعل انتصب بالمخالفة، والصحيح أن النصب بأن مضمرة بعدها؛ لأن "أو" حرف عطف فلا عمل لها ولكنها عطفت مصدرا مقدرا على مصدر متوهم، ومن ثَمَّ لزم إضمار أَنْ بعدها.
الرابع: قوله: "إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا" أجود من قول الشارح بعد أو بمعنى إلى أو إلا، فإنه يوهم أن "أو" ترادف الحرفين، وليس كذلك، بل هي أو العاطفة التي لأحد الشيئين.
ثم انتقل إلى حتى فقال:
وبعد حتى هكذا إضمارُ أن... حَتْمٌ كجُدْ تَسُرَّ ذا حَزَنْ
حتى في الكلام على ثلاثة أضرب: عاطفة، وابتدائية، وجارة.
فالعاطفة: تعطف بعضا على كل، وتقدمت في حروف العطف.
= اللغة: "رزام" -بكسر الراء وتخفيف الزاي- هو أبو حي من تميم واسمه رزام بن مالك بن عمرو بن تميم.
الإعراب: "ولولا" الواو للعطف ولولا حرف امتناع لوجود "رجال" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "من رزام" جار ومجرور صفة لرجال والتقدير: لولا رجال كائنون من رزام "أعزة" صفة أخرى وخبر المبتدأ محذوف أي: كائنون "وآل" عطف عليه "سبيع" مضاف إليه "أو أسوءك" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد أو العاطفة والفاعل ضمير مستتر فيه والكاف مفعول "علقما" منادى مرخم تقديره: يا علقمة، فحذف حرف النداء فصار علقمة ثم رخمه فصار علقم -بفتح الميم- على ما كان ثم أشبع الفتحة ألفا.
الشاهد: قوله "أو أسوءك" حيث نصب الفعل بعد أو بتقدير أن.
مواضعه: ذكره الأشموني 559/ 3، والسيوطي في الهمع 10/ 2، وسيبويه 429/ 1.
والابتدائية: تدخل على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها كقوله1:
.......... حتى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ
وليس المعنى أنه يجب أن يكون بعدها المبتدأ والخبر، بل المعنى على الصلاحية، فمتى كان بعدها جملة فعلية مصدرة بماض نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ 2 أو بمضارع مرفوع تقول: "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" أطلق عليها حرف ابتداء.
والجارة: تدخل على الاسم الصريح بمعنى إلى وتقدمت في حروف الجر، وتدخل على المضارع ويجب حيئنذ إضمار أن بعدها ناصبة؛ لتكون مع الفعل في تأويل مصدر مجرور بحتى ولا يجوز إظهار أن بعدها.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح التسهيل عند ذكر حتى الجارة ومجرورها إما اسم صريح نحو: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ 3 أو مصدر مؤول من أن وفعل ماض نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أو مضارع نحو: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 4.
ونوزع في الماضي فإن حتى قبله ابتدائية وأن غير مضمرة.
الثاني: ذهب الكوفيون إلى أن حتى ناصبة بنفسها وأجازوا إظهار أن بعدها توكيدا كما أجازوا ذلك بعد لام الجحود.
الثالث: إذا انتصب المضارع بعد حتى، فالغالب أن تكون للغاية؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ 1 وعلامتها "أن يصلح في موضعها إلى، وقد تكون للتعليل نحو: "جد حتى تسر ذا حزن" وعلامتها"2 أن يحسن في موضعها كي، وزاد في التسهيل: أنها تكون بمعنى إلا أن، كقوله3:
ليس العطاءُ من الفضول سماحةً... حتى تجودَ وما لديك قليلُ
وهذا معنى غريب، وممن ذكره ابن هشام وحكاه في البسيط عن بعضهم.
ولا حجة في البيت لإمكان جعلها فيه بمعنى إلى.
ثم نبه على أن "الفعل بعدها لا يكون إلا مستقبلا حقيقة"4 أو حكما.
وتِلوَ حتى حالا أو مؤولا... به ارفعَنَّ وانصب المستقبلا
مثال الحال قولهم: "سألت عنك حتى لا أحتاج إلى سؤال"، ومثال المؤول بالحال كقراءة نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 5.
والمراد بالمؤول بالحال أن يكون الفعل قد وقع فيقدر اتصافه بالدخول فيه فيرفع؛ لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال، وقوله: "وانصب المستقبلا" يعني: حقيقة أو بتأويل.
فالمستقبل حقيقة نحو: "لأسيرن حتى أدخل المدينة" والمؤول كقراءة غير نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾ "والمراد"1 به أن يكون الفعل قد وقع فيقدر المخبر به اتصافه بالعزم فينصب؛ لأنه "مستقبل بالنسبة إلى تلك الحال"2.
تنبيهات:
الأول: إذا كان الفعل حالا أو مؤولا به فحتى ابتدائية وإذا كان مستقبلا أو مؤولا به فهي الجارة وأن مضمرة بعدها كما تقدم.
الثاني: علامة كونه حالا أو مؤولا به صلاحية جعل الفاء في موضع حتى، ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة مسببا عما قبلها.
الثالث: قد فهم مما ذكر أن الرفع يمتنع في نحو: "كان سيري حتى أدخلها" إذا جعلت ناقصة؛ لأنه لو رفع لكانت حتى ابتدائية، فتبقى كان بلا خبر، وفي نحو: "سرت حتى تطلع الشمس" لانتفاء السببية خلافا للكوفيين، وفي نحو: "ما سرت أو أسرت حتى تدخل المدينة" مما يدل على حدث غير واجب؛ لأنه لو رفع لزم أن يكون مستأنفا مقطوعا بوقوعه وما قبلها سبب له، وذلك لا يصح لأن ما قبلها منفي في "ما سرت" ومشكوك في وقوعه في "أسرت" فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب أو الشك فيه، وأجاز الأخفش الرفع في نحو: "ما سرت حتى أدخل المدينة" فقيل: هي مسألة خلاف بينه وبين سيبويه، وقيل: إنما أجازه على أن يكون أصل الكلام واجبا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره، فنفيت أن يكون سير كان عنه دخول.
قال ابن عصفور: وهذا الذي قاله جيد وينبغي ألا يعد هذا خلافا.
الرابع: ذهب أبو الحسن إلى أن حتى إذا كانت بمعنى الفاء فهي عاطفة وتعطف الفعل على الفعل، وذلك إذا دخلت على الماضي أو المستقبل على جهة السبب نحو: "ضربت زيدا حتى بكى" و"لأضربنه حتى يبكي".
ومذهب الجمهور أنها ابتدائية كما سبق؛ لأنها إنما تعطف المفردات.
وثمرة الخلاف أن الأخفش يجيز الرفع في يبكي على العطف، والجمهور لا يجيزون فيه إلا النصب، ثم انتقل إلى فاء الجواب فقال:
وبَعْدَ فَا جوابِ نَفْي أو طَلَبْ... مَحْضَيْنِ أَنْ وسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني: أن "أن" تنصب الفعل مضمرة بعد فاء جواب نفي نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ 1 أو طلب وهو أمر أو نهي أو دعاء أو استفهام أو عرض أو تحضيض أو تمن، فالأمر نحو: "اضرب زيدا فيستقيم" والنهي: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ 2 والدعاء: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ 3 والاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ 4 والعرض قول بعض العرب: "ألا تقع الماء فتسبح" يريد: في الماء.
والتحضيض: "هلا أمرت فتطاع" والتمني: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ 5.
والتمني يكون بليت كما مثل أو بألا نحو: "ألا رسول لنا منا فيخبرنا"، وبلو كقوله6: لو نُعان فننهدا.
ومنع المصنف كون لو للتمني وقال: التقدير: وددنا لو نعان، فهو جواب تمن إنشائي كجواب ليت.
وقد فهم من كلامه أنه لا يجوز النصب بعد شيء من ذلك إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الفاء مقصودا بها "الجواب"1 لإضافتها إلى الجواب احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: "ما تأتينا فتحدثنا" بمعنى: ما تأتينا فما تحدثنا؛ فيكون الفعلان مقصودا نفيهما، وبمعنى: ما تأتينا فأنت تحدثنا، على إضمار مبتدأ، فيكون المقصود نفي الإتيان وإثبات الحديث، وإذا قصد بها معنى الجزاء والسببية لم يكن الفعل بعدها إلا منصوبا على معنى: ما تأتينا محدثا، فيكون المقصود نفي اجتماعهما أو على معنى: ما تأتينا فكيف تحدثنا، فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول.
الثاني: أن يكون النفي والطلب محضين، واحترز بذلك "عن"2 النفي الذي ليس بمحض نحو: "ما أنت تأتينا إلا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا".
ومن الطلب الذي ليس بمحض، والمراد بالطلب المحض أن يكون بفعل أصل في ذلك، فاحترز من أن يكون بمصدر نحو: "سقيا" أو باسم فعل نحو: "صه" أو بلفظ الخبر نحو: "رحم الله زيدا" فلا يكون لشيء من ذلك جواب منصوب، وسيأتي الخلاف في بعض ذلك.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح الكافية: النفي الذي لا جواب له منصوب لكونه ليس نفيا خالصا بأربعة أمثلة: "ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا" و"ما قام فيأكل إلا طعامه" وقول الشاعر3:
وما قام مِنَّا قائمٌ في ندينا... فينطِقُ إلا بالتي هيَ أعرفُ
وتبعه الشارح في التمثيل بها، فأما الأولان فالتمثيل بهما صحيح، وأما الآخران فالنصب فيهما جائز، فإن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب.
نص على ذلك سيبويه، وعلى النصب أنشد:
فينطِقَ إلا بالتي هي أعرفُ
الثاني: ذهب بعض الكوفيين إلى أن ما بعد الفاء منصوب بالمخالفة، وبعضهم إلى أن الفاء هي الناصبة كما تقدم في أو، والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفاء عاطفة فلا عمل لها؛ لأنها في ذلك عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم، والتقدير في نحو: "ما تأتينا فتحدثنا" ما يكون منك إتيان فحديث، وكذلك يقدر في جميع المواضع.
الثالث: شرط في التسهيل في نصب جواب الاستفهام ألا يتضمن وقوع الفعل احترازا من نحو: "لِمَ ضربتَ زيدا فيجازيك؟ " لأن الضرب قد وقع فلم يمكن سبك مصدر مستقبل منه، وهو مذهب أبي علي، ولم يشترط ذلك المغاربة، وحكى ابن كيسان "أين ذهب زيد فتتبعَه؟ " بالنصب، والفعل في ذلك محقق = اللغة: "ندينا" -بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء- على وزن غني: مجلس القوم ومكان حديثهم "إلا بالتي هي أعرف" أي: بالأشياء التي هي معروفة.
المعنى: إذا نطق منا ناطق في مجلس جماعة عرف صواب قوله فلم ترد مقالته.
الإعراب: "وما قام" الواو عاطفة وما نافية "قام" فعل ماض "منا" جار ومجرور في محل رفع صفة لقائم "قائم" فاعل لقام، والتقدير: وما قام قائم كائن منا، والأحسن أن يكون "منا" في محل نصب على الحال "في ندينا" جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ أي: كائن في ندينا أو كائنا على الحال "فينطق" -بالرفع- عطفا على قوله "قام" وإنما لم ينصب؛ لأن النفي ليس بخالص "إلا" أداة استثناء من النفي فيكون إثباتا "بالتي" اسم موصول صفة لمحذوف؛ أي: بالأشياء التي "هي" ضمير منفصل مبتدأ "أعرف" خبر المبتدأ والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.
الشاهد: قوله: "فينطق" حيث رفعه الشاعر؛ لأن من شرط النصب بعد النفي أن يكون النفي خالصا، وهاهنا ليس كذلك.
مواضعه: ذكره الأشموني 564/ 3، وابن الناظم، وسيبويه 420/ 1، والشاهد 666 في الخزانة.
الوقوع، فإذا لم يمكن سبك مصدر من الجملة سبكناه من لازمها، والتقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا.
ثم انتقل إلى الواو فقال:
والواوُ كالفَا إن تُفِدْ مفهومَ مَعْ... كَلا تكُنْ جَلْدًا وتُظْهِرَ الجزَعْ
يعني: أن الواو تضمر أن بعدها وجوبا بعد النفي والطلب بشرطهما، كما أضمرت بعد الفاء بشرط أن تفيد المعية، كقوله: "لا تكن جلدا وتظهر الجزع" أي: لا تجمع بين الأمرين، وهي يومئذ عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم كما تقدم في الفاء وأو.
واحترز من أن يقصد التشريك بين الفعلين فتكون عاطفة فعلا على فعل نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بالجزم أو بقصد الاستئناف نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" -بالرفع- وأمثلة النصب بعد الواو معلومة من أمثلة الفاء، فلا نطول بذكرها.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أحفظ النصب جاء بعد الواو في الدعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع.
تنبيهات:
الأول: الخلاف في الواو كالخلاف في الفاء، وقد تقدم.
الثاني: قد علم أن النصب بعد الواو ليس على معنى النصب بعد الفاء، وقولهم: تقع الواو في جواب كذا وكذا تجوز ظاهر، وزعم بعضهم أن النصب بعد الواو، وهو على معنى الجواب، وليس بصحيح.
وبعدَ غيرِ النفي جَزْمًا اعْتَمِدْ... إنْ تسقُطِ الفا والجزاءُ قد قُصِدْ
انفردت الفاء بأن الفعل بعدها سنجزم عند سقوطها بشرط أن يقصد الجزاء نحو1:
قِفَا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وذلك إنما يكون بعد الطلب، والأمثلة ظاهرة.
وأما النفي فليس له جواب مجزوم، فإنه يقتضي تحقيق عدم الوقوع كما يقتضي الإيجاب تحقق الوقوع، فلا يجوز بعده كما في الإيجاب؛ ولذلك قال: وبعد غير النفي جزما.
واحترز من ألا يقصد الجزاء، فإنه لا يجزم بل يرفع، إما مقصودا به الوصف نحو: "ليت لي مالا أنفق منه" أو الحال أو الاستئناف "ويحتملها"1 قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ 2.
تنبيه:
إذا جزم الفعل بعد سقوط الفاء، ففي جازمه أقوال:
الأول: أن لفظ الطلب ضمن معنى حرف الشرط فجزم، وإليه ذهب ابن خروف، واختاره المصنف ونسبه إليه الخليل وسيبويه.
والثاني: أن الأمر والنهي وباقيها نابت عن الشرط؛ أي: حذفت جملة الشرط وأنيبت هذه في العمل منابها فجزمت، وهو مذهب السيرافي والفارسي وابن عصفور.
= اللغة: "بسقط اللوى" -بكسر السين وسكون القاف- منقطع الرمل، واللوى -بكسر اللام- حيث يلتوي الرمل ويرق.
وإنما خص منقطع الرمل وملتواه؛ لأنهم كانوا لا ينزلون إلا في صلابة من الأرض؛ ليكون ذلك أثبت لأوتاد الأبنية "والدخول والحومل" بلدان.
المعنى: يأمر صاحبيه أن يقفا معه ليعاوناه على البكاء عند منازل أحبابه التي كان يلقاهم فيها وليجدد الذكريات القديمة.
الإعراب: "قفا" فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعل "نبك" فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبكي "حبيب" مضاف إليه "ومنزل" عطف على حبيب "بسقط" جار ومجرور متعلق بقفا "اللوى" مضاف إليه "بين" ظرف مكان "الدخول" مضاف إليه "فحومل" عطف على الدخول.
الشاهد: قوله: "نبكِ" فإنه جواب الأمر فلذلك جزم وهو غير مقترن بالفاء.
مواضعه: ذكره الأشموني 567/ 3، وابن هشام في القطر ص78.
والثالث: أن الجزم بشرط مقدر دل عليه الطلب، وإليه ذهب أكثر المتأخرين.
والرابع: أن الجزم بلام مقدرة، فإذا قال: "ألا تنزل تُصِبْ خيرا".
"فمعناه: لتصب خيرا"، وهو ضعيف، ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف.
والمختار القول الثالث، لا ما اختاره المصنف لأربعة أوجه:
أحدها: أن ما ذهب إليه يستلزم أن يكون العامل جملة، وذلك لا يوجد في موضع.
والثاني: أن الإضمار أسهل من التضمين؛ لأن التضمين زيادة بتغيير الوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير، فهو أسهل.
والثالث: أن التضمين لا يكون إلا لفائدة، ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام.
والرابع: أن الشرط لا بد له من فعل، ولا يجوز أن يكون هو الطلب بنفسه ولا مضمنا له "مع معنى"1 حرف الشرط؛ لما في ذلك من التعسف، ولا مقدرا بعده لقبح إظهار بدون حرف الشرط، بخلاف إظهاره معه.
وشَرْطُ جَزمٍ بعد نهي أَنْ تَضَعْ... إِنْ قَبْلَ لا دونَ تَخالُفٍ يَقَعْ
يعني: أن شرط جزم الجواب بعد النهي أن يصح إقامة شرط منفي مقامه، وعلامة ذلك أن يصح المعنى بتقدير إن قبل لا النافية نحو: "لا تدنُ من الأسد تسلم" "فهذا يصح جزمه لأن المعنى: إن لا تدن من الأسد تسلم"2 بخلاف "لا تدن من الأسد يأكلك" فإن هذا لا يصح جزمه لعدم صحة المعنى بتقدير إن لا تدن، هذا مذهب الجمهور، وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقا، ولا يشترط تقدير إن قبل لا، بل يقدر: إن تدن من الأسد يأكلك.
وذكر في شرح الكافية أن غير الكسائي لا يجيز ذلك.
قلت: وقد نسب "ذلك"3 إلى الكوفيين.
واستدل الكسائي بالقياس على النصب؛ لأن المنصوب بعد الفاء جاء فيه ذلك كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ 1 وبالسماع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا يقربنَّ مسجدنا يُؤذِنا بريح الثوم"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقول أبي طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشرفْ يُصبْك سهمٌ".
وأجيب بأن القياس على المنصوب لا يحسن؛ لأن النصب بعد الفاء يكون في النفي ولا جزم فيه.
وأما السماع فمحمول على إبدال الفعل من الفعل مع أن الرواية المشهورة "يؤذينا" و"يضرب" -بالرفع- ويحتمل أن يكون يضرب بعضكم على الإدغام نحو: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ 2.
تنبيه:
شرط الجزم بعد الأمر بتقدير إن تفعل، كما أن شرطه بعد النهي بتقدير إن لا تفعل فيمتنع الجزم في نحو: "أحْسِن إليّ لا أحسن إليك" فإنه لا يجوز: "إِنْ تُحسنْ إليّ لا أحسن إليك" لكونه غير مناسب، وكلام التسهيل يوهم إجراء خلاف الكسائي فيه.
والأمرُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ افْعَلْ فَلا... تَنْصِبْ جَوَابَهُ وجَزْمَهُ اقْبَلا
إذا دل على الأمر بخبر بفعل ماض أو مضارع أو باسم فعل أو باسم غيره جاز جزم الجواب اتفاقا، كقولهم: "اتقي الله امرؤٌ فَعَلَ خيرا يُثَبْ عليه"، وقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ 3، وقول الشاعر4:
مكانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتريحي
وقولهم: "حسبُك ينم الناس"؛ لأن المعنى: ليتق وآمنوا واثبتي واكفف.
وأجاز الكسائي النصب نحو: "صه فأحدثك" و"حسبك فينام الناس".
ومذهب الجمهور منع ذلك؛ لأن النصب إنما هو بإضمار "أن" والفاء عاطفة على مصدر متوهم، وحسبك وصه ونحوها لا تدل على المصدر؛ لأنها غير مشتقة؛ ولذلك قال: فلا تنصب جوابه.
تنبيهات:
الأول: ذكر في شرح الكافية: أن الكسائي انفرد بجواز النصب بعد الفاء المجاب بها اسم أمر نحو: "صه" أو خبر
بمعنى الأمر نحو: "حسبك".
قلت: وافقه ابن عصفور في جواز نصب جواب نزال ونحوه من اسم الفعل المشتق، وحكاه ابن هشام عن ابن جني، والذي انفرد به الكسائي ما سوى ذلك.
الثاني: أجاز الكسائي "أيضا"1 نصب جواب الدعاء المدلول عليه بالخبر نحو: "غفر الله لزيد فيُدخلَه الجنةَ".
= المعنى: إن همتي وشجاعتي جعلتني أقول لنفسي: كلما فزعت وضجرت من مشقات الحرب اثبتي تحمدي بالصبر والشجاعة، أو تستريحي عن عناء الدنيا بالقتل في موطن الشرف والفخار.
الإعراب: "وقولي" الواو عاطفة وقولي مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه "كلما" ظرف زمان متعلق بقولي منصوب و"ما" حرف مصدري "جشأت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "وجاشت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "مكانك" اسم فعل أمر بمعنى اثبتي والفاعل أنت والكاف حرف خطاب، أو اسم مضاف إليه باعتبار ما قبل النقل، والجملة مقول القول خبر المبتدأ "تحمدي" فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه حذف النون وياء المخاطبة فاعل "أو تستريحي" أو حرف عطف تستريحي فعل مضارع معطوف على تحمدي مجزوم بحذف النون والياء فاعل.
الشاهد: قوله "تحمدي" حيث جزم النون لوقوعه في جواب الأمر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 569/ 3، وابن هشام 384/ 3، والمكودي ص146، وذكره ابن هشام في الشذور ص360، والقطر ص263.
الثالث: "حسبك" في قولك: "حسبك ينم الناس" مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر، والجملة متضمنة معنى اكفف، وزعمت جماعة -منهم ابن طاهر- أنه مبتدأ بلا خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه، وقال بعضهم: لو قيل: إنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، وضم لأنه كان معربا فحمل في البناء على قبل وبعد، لم يبعد.
والفعلُ بعد الفاء في الرَّجَا نُصِبْ... كنَصْبِ ما إلى التمني يَنْتَسِبْ
قال في شرح الكافية: ألحق الفراء الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا، وبقوله أقول: لثبوت ذلك سماعا، ومنه قراءة حفص عن عاصم: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ 1 انتهى، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ 2.
ومذهب البصريين أن الرجاء ليس له جواب منصوب، وتأولوا ذلك بما فيه بُعد.
وقول أبي موسى: وقد أشْرَبَها معنى ليت مَن قرأ: "فأطلعَ" نصبا يقتضي تفصيلا3.
فإن قلت: فهل يجوز جزم جواب الترجي إذا أسقطت الفاء عند مَن أجاز نصبه؟
قلت: نعم، وفي الارتشاف، وسمع الجزم بعد الترجي فدل على صحة مذهب الكوفيين.
وإِنْ على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ أن ثابتًا أو مُنْحَذِفْ
قد تقدم أن "أن" تضمر جوازا في موضعين:
أحدهما: بعد لام كي إذا لم يكن معها "لا" وقد سبق بيانه.
والآخر: بعد العاطف على اسم خالص، وهو المذكور في البيت، والعاطف المذكور هو: "الواو" و"الفاء" و"ثم" و"أو".
فالواو كقوله1:
لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
والفاء كقوله2:
لولا توقُّعُ مُعترٍّ فأرضِيَهُ
وأو كقراءة غير نافع: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 1.
وثم كقوله2:
إني وقَتْلِي سُلَيْكًا ثم أَعْقِلَهُ...........................
ونص بعضهم أن ذلك لا يجوز في غير هذه الأحرف.
= فعل ماض ناقص واسمه "أوثر" فعل مضارع وفاعله ضمير والجملة في محل نصب خبر كان وجملة كان واسمه وخبره جواب لولا "إترابا" مفعول لأوثر "على ترب" متعلق بأوثر.
الشاهد: قوله: "فأرضيه" حيث نصب الفعل بأن مضمرة جوازا بعد الفاء التي تقدم عليها اسم صريح وهو توقع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 571/ 3، وابن عقيل 267/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص116، والمكودي ص147، وابن هشام 388/ 3، وفي الشذور ص329.
تنبيهات:
الأول: إنما قال على اسم ولم يقل على مصدر، كما قال بعضهم: ليشمل غير المصدر، فإن ذلك لا يختص به، فتقول: "لولا زيدٌ ويُحْسِنَ إليَّ لهلكتُ".
الثاني: المراد بالخالص ما ليس مؤولا بالفعل، واحترز من نحو: "الطائرُ فيغضبُ زيد الذباب" فإنه معطوف على اسم، ولا ينصب لأن الطائر بمعنى الذي يطير، ويخرج أيضا بذكر الخالص العطف على مصدر متوهم، فإنه يجب "فيه"1 إضمار أن كما تقدم.
الثالث: تجوز في قوله: "فعل عطف" فإن المعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر.
الرابع: أشار بقوله: "ثابتا أو منحذف" إلى جواز إظهار أن وإضمارها بعد العاطف المذكور.
الخامس: أطلق في العاطف ولم يسمع في غير الأحرف الأربعة "المذكورة"2 كما تقدم.
وشذَّ حذفُ أن ونَصْبٌ في سوَى... ما مرَّ فاقبلْ منه ما عَدْلٌ رَوَى
يعني: أن حذف "أن" مع النصب في غير المواضع المنصوبة المذكورة شاذ لا يقبل منه إلا ما نقله العدول، كقول العرب: "خذ اللص قبل يأخذك" و"مُرْهُ يحفرَها" وقرأ الحسن: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدَ"3، ومنه قول الشاعر4:
ونَهْنَهْتُ نفسي بعدما كِدْت أفْعَلَه
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "فاقبل منه ما عدل روى" أنه مقصور على السماع، ولا يقاس عليه، ونص على ذلك في غير هذا الموضع، وقال في التسهيل: وفي القياس عليه خلاف.
انتهى.
والجواز مذهب الكوفيين ومَن وافقهم، والصحيح قصره على السماع؛ لقلته.
الثاني: قد يفهم من قوله: "وشذ حذف أن ونصب" أن حذفها ورفع الفعل ليس بشاذ، وهو ظاهر كلامه في شرح التسهيل، فإن جعل منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ 1 قال: ويريكم صلة لأن حذفت وبقي يريكم مرفوعا، وهذا هو القياس؛ لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بَطَلَ عمله. انتهى.
وهذا مذهب أبي الحسن، أجاز "أن" ورفع الفعل دون نصبه، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾، وذهب قوم إلى أن حذف "أن" مقصور على السماع مطلقا، فلا ينصب ولا يرفع بعد الحذف إلا ما سمع، وإليه ذهب متأخرو المغاربة، قيل: وهو الصحيح.
والثالث: ما ذكره من أن حذف "أن" والنصب في غير ما مر شاذ، ليس على إطلاقه؛ بل هو مقيد بالنصب بعد الفاء والواو وبعد الشرط والجزاء، وسيأتي2.
= أن يكون مفعولا، وقوله: "خباسة واجد" بدل من مثلها ومضاف إليه.
والآخر: أن يكون مثلها صفة خباسة ولكن لما تقدم عليها انتصب على الحال "نهنهت" فعل وفاعل "نفسي" مفعول به والياء مضاف إليه "بعد" منصوب على الظرفية "ما" مصدرية "كدت" كاد واسمها "أفعله" جملة في محل نصب خبر كاد.
الشاهد: قوله: "أفعله" حيث حذفت "أن" وبقي عملها وهو نصب أفعله؛ لأن أصله أن أفعله.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 572/ 3، وابن الناظم، والمكودي ص147، والهمع 33/ 1، وسيبويه 155/ 1، والإنصاف 328/ 2.
عوامل الجزم
:
هي ضربان: أحدهما: يطلب فعلا واحدا، والآخر: يطلب فعلين.
فالأول أربعة أحرف ذكرها في قوله:
بلا ولامٍ طالبا جَزْما... في الفعل هكذا بلَمْ ولَمَّا
أما "لا" فتكون للنهي نحو: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ 1 وللدعاء نحو: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ 2.
وأما "اللام" فتكون للأمر نحو: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ 3 والدعاء نحو: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ 4.
ولذلك قال "طالبا" فشمل الأمر والنهي والدعاء، واحترز به من "لا" غير الطلبية وهي النافية والزائدة، ومن لام غير طلبية كاللام التي ينتصب المضارع بعدها.
فأما "لا" فقال الشارح: تصحب فعل المخاطب والغائب كثيرا، وقد تصحب فعل المتكلم، فسوى بين المخاطب والغائب في الكثرة، ولم يفصل في المتكلم بين فعل الدعاء "وفعل"5 المفعول، وهو موافق لظاهر الكافية والتسهيل، وفصل بعضهم فقال: إذا بنى الفعل للمفعول جاز دخول "لا" عليه سواء كان لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب، وإذا بنى للفاعل فالأكثر أن يكون للمخاطب ويضعف للمتكلم نحو6:
لا أعْرِفَن رَبْرَبا حُورا مَدَامِعُها
والغالب نحو: "لا يخرج زيد".
وأما "اللام" فتدخل على فعل المفعول مطلقا نحو: "لأعن بحاجتك ولتعن بحاجتي وليعن زيد بالأمر".
وتدخل على فعل الفاعل مسندا إلى الغالب نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ 1 وإلى المتكلم مشاركا نحو: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ 2 أو مفردا كقوله في الحديث: "قوموا فلأصَلِّ لكم" وذكر الشارح: أن دخولها على مضارع الغائب والمتكلم كثير، وذكر في الكافية: أن دخولها على مضارع المتكلم قليل، لكن أكثر من دخول "لا".
وأما مضارع المخاطب المبني للفاعل فدخولها عليه قليل استغناء بصيغة أفعل، قالوا: وهي لغة رديئة.
وقال الزجاجي: هي لغة جيدة، ومن دخولها قراءة عثمان وأبي وأنس: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"3.
= المعنى: لا يكن نساء جميلات تشبه الغزلان أو بقر الوحش في الرشاقة وخفة الحركة وحور العين فأعرفها، قد ركبن خلف الراكبين على مؤخَّر الرحل، فأقيم المسبب مقام السبب، وكان عادة العرب أن يجعلوا النساء المسببات مردفات خلف من استباهن.
اللغة: "ربربا" اسم للقطيع من بقر الوحش أو الظباء "حورا" جمع حوراء من الحور وهو شدة سواد العين مع شدة بياضها "مدامعها" جمع مدمع -اسم مكان- والمراد العيون؛ لأنها أماكن الدمع "مردفات" مركبات خلف الراكبين "أكوار" -جمع كور- وهو الرحل بأداته "أعقاب" -جمع عقب- وهو المؤخر من كل شيء.
الإعراب: "لا" ناهية "أعرفن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل ضمير مستتر، ويجوز جعل "لا" النافية "ربربا" مفعول أعرفن "حورا" صفة لها "مدامعها" مرفوع بحورا ومضاف إليه "مردفات" حال من "ربربا" أو صفة ثانية "على أعقاب" جار ومجرور متعلق بمردفات "أكوار" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "لا أعرفن" فإن لا ناهية والمضارع المجزوم بها محلا للمتكلم، وهو مبني للمعلوم، وذلك شاذ.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 573/ 3، وابن هشام 391/ 3، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب 199/ 1.
وقوله في الحديث: "لتأخذوا مصَافكُمْ".
تنبيهات:
الأول: زعم بعصهم أن أصل "لا" الطلبية لام الأمر زيدت عليها ألف فانفتحت، وزعم السهيلي: أنها لا النافية، والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها، وحذفت كراهة اجتماع لامين في اللفظ وهما زعمان ضعيفان.
الثاني: لا يفصل بين "لا" ومجزومها "بمعموله"1 إلا في ضرورة كقوله2:
.......................... ولا ذا حَقَّ قومِكَ تَظْلِمِ
أراد: ولا تظلم ذا حق قومك.
قال في شرح الكافية: وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور.
انتهى.
قال في التسهيل: وقد يليها معمول مجزومها "ولم ينبه على اختصاصه بالضرورة، وقد أجازه بعضهم في قليل من الكلام نحو: "لا اليومَ تضرِب زيدًا"".
الثالث: في كلام ابن عصفور والأبدي ما يدل على جواز حذف "مجزومها"3 إذا دل عليه دليل "قالا"4 كقولك: "اضرب زيدا إن أساء" وإلا فلا، أي: فلا تضربه.
قال في الارتشاف: ويحتاج إلى سماع.
الرابع: حركة لام الطلب الكسرة، قال في التسهيل: وفتحها لغة.
قلت: فتحها حكاه الفراء عن بني سليم، فحكي عنه مطلقا كما في التسهيل، وعنه تفتح لفتحة الياء بعدها، فظاهر هذا أنها لا تفتح إذا انضم ما بعدها نحو: "ليكرم" أو انكسر نحو: "لتأذن"، وعنه أيضا ما نص عليه في سورة النساء، وهو قوله: وبنو سليم يفتحونها إذا استؤنفت، يريد: أنهم لا يفتحونها إلا إذا لم يكن قبلها واو أو فاء أو ثم.
الخامس: يجوز تسكين لام الطلب بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها، وليس بضعيف بعد ثم، ولا ضرورة، خلافا لمن زعم ذلك.
ومذهب الأكثرين أن تسكينها حمل على عين فَعِل، ورده المصنف بأن ذلك إجراء منفصل مجرى متصل، ومثله لا يكاد يوجد مع قلته إلا في الاضطرار، وهو عند رجوع إلى الأصل؛ لأن لهذا اللام الأصالة في السكون من وجهين؛ أحدهما: مشترك، وهو كون السكون مقدما على الحركة.
والثاني: مختص، وهو أن يكون لفظها مشاكلا لعملها كما فعل بباء الجر.
السادس: مذهب الجمهور أن لام الأمر لا تحذف إلا في الشعر، ومنع المبرد حذفها في الشعر أيضا وإن كان النحويون أنشدوا1:
مُحمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ
فإنه لا يعرف قائله، ويحتمل أن يكون خبرا وحذفت الياء استغناء بالكسرة، وأجاز الكسائي حذفها بعد الأمر بالقول كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ 1. وذكر في شرح الكافية: أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها على ثلاثة أضرب:
كثير مطرد، وهو حذفها بعد أمر بقول كالآية.
وقليل جائز في الاختيار، وهو حذفها بعد قول غير أمر، كقوله2:
قلتُ لبوَّابٍ لديه دارُها... تِيذَنْ فإني حَمُوها وجارُهَا
قال: وليس مضطرا؛ لتمكنه من أن يقول: ائذن، وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك، على أن يكون الفعل مستحقا للرفع، فسكن اضطرارا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن الفاء، فكان يقول: "تأذَن إني".
وقليل مخصوص بالاضطرار، وهو الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر ولا بخلافه، كقول الشاعر3:
فلا تَسْتَطِلْ مني بقائي ومُدَّتِي... ولكن يكنْ للخير منكَ نَصِيبُ
وقال في التسهيل: ويلزم في النثر في فعل غير الفاعل المخاطب، وفي بعض النسخ مطلقا، خلافا لمن أجاز حذفها في "نحو"1: "قل له لِيفعل" وهو خلاف ما في الكافية وشرحها.
وأما "لم" و"لما" أختها، فينفيان المضارع ويصرفان معناه إلى المضي وفاقا للمبرد وأكثر المتأخرين، لا لفظ الماضي إلى المضارع خلافا لأبي موسى ومَن وافقه، "وقد"2 نسب إلى سيبويه.
ويختلفان في أمور:
الأول: أن النفي بلم لا يلزم اتصاله اتصاله بالحال، بل قد يكون منقطعا نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ 3، وقد يكون متصلا نحو: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ 4 بخلاف "لما" فإنه يجب اتصال نفيها بالحال.
الثاني: أن الفعل بعد "لما" حذفه اختيارا، وهو أحسن ما تخرج عليه قراءة: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ 5، ولا يجوز حذفه بعد "لم" إلا في الضرورة، كقوله6: = ما قبله وقيل: إن بقائي بيان لقوله: مني أو بدل منه "ولكن" لاستدراك "يكن" أصله ليكن وهو فعل مضارع من كان الناقصة "للخير" جار ومجرور خبر يكن تقدم على اسمه "نصيب" اسم يكن مرفوع بالضمة الظاهرة "منك" في موضع النصب على الحال من نصيب، والتقدير: حال كون النصيب منك، ويجوز أن يكون في محل رفع صفة لنصيب، والتقدير: ليكن نصيب كائن منك لأجل الخير.
الشاهد: قوله: "يكن" أصله ليكن فحذفت لام الأمر للضرورة وأبقى عمله.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 575/ 3، وابن الناظم.