مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فصل مضاف شبه فعل ما نصب... مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
فصل يمين....
مذهب أكثر البصريين أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع إلا في الشعر, وذهب المصنف إلى أنه يجوز في السعة بشيئين:
الأول: ما نصبه المضاف المشابه للفعل من مفعول به أو ظرف "أو مجرور"1.
فمن الفصل بالمفعول به قراءة ابن عامر2: "قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ"3.
وبالظرف قول الشاعر:
......................... كناحت يوما صخرة بعسيل4
وبالمجرور قول الآخر:
لأنت معتاد في الهيجا مصابرة1.......................
قال في شرح التسهيل: فهذا من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف، ويدل على جوازه في2 الاختيار قوله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ " 3.
وقول من يوثق بعربيته: "ترك يوما نفسِك وهواها، سعيٌ لها في رداها"4.
وقوله: "شبه فعل" "يشمل"5 المصدر واسم الفاعل، ومن الفصل بالمفعول
مع اسم الفاعل قراءة بعض السلف: "فلا تحسبنّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ"1 بنصب الوعد وخفض الرسل2.
وقوله: "فصل" "مفعول"3 مقدم لأجز، وقوله: "شبه فعل" صفة لمضاف.
وقوله: "ما نصب" فاعل بالمصدر الذي هو فصل، وقوله: "مفعولا أو ظرفا" "حالان"4 من "ما".
والتقدير: أجز أن يفصل المضاف المشابه للفعل عما أضيف إليه منصوبه حال كونه مفعولا "به"5 أو ظرفا وفي حكمه المجرور.
الثاني: القسم نحو ما حكاه الكسائي من قولهم: "هذا غلامُ والله زيدٍ"6, وإليه أشار بقوله: "ولم يُعَب فصل يمين".
وزاد في الكافية الفصل بإما، وقال: "الفصل بإما مغتفر" هـ, كقوله:
هما خطتا إما إسار ومنة7........................
في رواية من جر1, 2.
ثم نبه على أن "الفصل"3 بغير ذلك مخصوص بالضرورة, فقال:
واضطرارا وُجدا... بأجنبي أو بنعت، أو ندا
الأجنبي: ما ليس بمعمول "للمضاف"4 من مفعول "به"5 "أ"6 وظرف "أ"7 ومجرور "أ"8 وفاعل.
مثال المفعول قول الشاعر:
تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها9...................................
والظرف كقوله:
كما خُط الكتاب بكف يوما... يهودي يقارب أو يزيل1
والمجرور كقوله: = مفعول أول "لتسقي", وندى مضاف "وريقة" مضاف إليه, ففصل بالمفعول الثاني بين المضاف "ندى" والمضاف إليه "ريقة", "وريقة" مضاف والضمير مضاف إليه, "كما" الكاف حرف تشبيه وجر داخلة على المصدر "ما" مصدرية, "تضمن" فعل ماض, "ماء" مفعول به لتضمن وماء مضاف والمزنة مضاف إليه, "الرصف" فاعل لتضمن "وما" المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالكاف.
الشاهد: في "المسواك", فإنه نصب على المفعولية لتسقي، وفصل به بين المضاف وهو "ندى" وبين المضاف إليه وهو "ريقها"، والتقدير: تسقي ندى ريقتها المسواك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص167، وابن هشام 2/ 2231، والأشموني 2/ 328، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي في الهمع 3/ 52.
هما أخوا في الحرب من لا أخا له1 والفاعل كقوله: أنجب أيامَ والداه به... إذ نجلاه فنعم ما نجلا2
وكذا لو كان الفاعل مرفوعا بالمضاف، فإن الفصل به مخصوص بالضرورة كقوله:
نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي... ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم1
فإن قلت: لا تؤخذ هذه الصورة من كلامه هنا.
قلت: قد يفهم من قوله: "ما ينصب"، فعلم أن المرفوع لا يسوغ الفصل به اختيار، ومثال النعت قول الشاعر:
نجوت وقد بلّ المرادي سيفه... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب1
أراد: من "ابن"2 أبي طالب شيخ الأباطح.
ومثال النداء قول الشاعر:
وفاق كعب بجير منقذ لك من... تعجيل تهلكة والخلد في سَقَرَا3
وزاد في التسهيل الفصل بفعل ملغى هـ1. أنشد ابن السكيت2: بأي تراهم الأرضين حلوا3............................. وزاد غيره الفصل بالمفعول لأجله نحو: معاود جرأة وقت الهوادي4...........................
أي: معاود وقت الهوادي جرأة.
وحكى ابن الأنباري: هذا غلام إن شاء الله "تعالى"1 ابن أخيك؛ ففصل بإن شاء الله، والله أعلم2.
= المعنى: يصف الشاعر رجلا بأنه يظهر الكبر ويعاود الحرب وقت ظهور الهوادي جمع هادٍ أي: أعناق الخيل لأجل جرأته في الحرب, والجرأة بضم الجيم ا. هـ. صبان.
الإعراب: معاود خبر مبتدأ محذوف والتقدير هو معاود, "جرأة" مفعول لأجله ومعاود مضاف, "وقت" مضاف إليه ووقت مضاف, "الهوادي" مضاف إليه, "أشم" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو خبر بعد خبر عند من يجيز ذلك, "كأنه" كأن واسمها, "رجل" خبر كأن والجملة نعت لـ "أشم" نعت لرجل مرفوع.
الشاهد: في "معاود جرأة وقت", حيث فصل بين المضاف وهو "معاود" وبين المضاف إليه وهو "وقت" بقوله: "جرأة" منصوب على المفعولية.
والتقدير: معاود وقت الهوادي جرأة.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 2/ 329, والسيوطي في الهمع 2/ 53.
المضاف إلى ياء المتكلم
:
آخر ما أُضيف للياء اكسر إذا... لم يك معتلا كرام وقذى
يجب كسر آخر المضاف "إلى ياء"1 المتكلم, "إن"2 لم يكن منقوصا أو مقصورا أو مثنى أو مجموعا على حدة كقولك في "غلام": غلامي.
وفيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه معرب بحركات "مقدرة"3 في الأحوال الثلاثة.
والثاني: أنه معرب في الرفع والنصب بحركة مقدرة، بالجر بالكسرة الظاهرة, واختاره في التسهيل.
والثالث: أنه مبني.
والرابع: أنه لا معرب ولا مبني, وإليه ذهب ابن جني.
والأول مذهب الجمهور.
ويجوز في الياء "بعد المكسور"4 وجهان: الفتح والإسكان، فقيل: الفتح أصل, وقيل: الإسكان أصل "جمع"5 بينهما "بأن"6 الإسكان أصل أول إذ هو أصل كل مبني، والفتح أصل ثانٍ، إذ هو أصل ما هو على حرف واحد.
وأما المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة, فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح الياء في اللغة المشهورة، فتقول في "قذى": قذايَ، وفي "رامٍ": راميَّ, وفي "ابنين": ابنيَّ، وفي "زيدين": زيديَّ.
وإلى ذلك أشار بقوله:
........... فذي... جميعها اليا بعد فتحها احتُذِي
الإشارة "بذي" إلى الأنواع الأربعة, و"احتذي" تبع.
ثم بين حكم آخر المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة إذا أضيف للياء فقال: "وتدغم اليا فيه" أي: وتدغم اليا "من"1 آخر المنقوص والمثنى والمجموع "على حدة"2 نصبا وجرا فيه أي: في ياء المتكلم، ولا يغير ما قبلها من فتح أو كسر فتقول: رأيت راميَّ وابنيَّ وزيديَّ، وتفتح الياء كما سبق.
ثم قال: "والواو" أي: وتدغم الواو أيضا في ياء المتكلم, يعني "بعد"3 قلب الواو ياء.
فإن كان ما قبلها فتحة لم تغير نحو: "مصطفَون" فتقول فيه: "هؤلاء مصطفيّ", وإن كان "ما"4 قبلها ضمة قلبتها كسرة لتصبح الياء نحو: "مسلمون" فتقول فيه: مسلميّ, بقلب الواو ياء والضمة كسرة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أَوَمخرجِيّ هم" 5.
وإلى هذا أشار بقوله:
............. وإن... ما قبل واو ضُم فاكسره يهن
ثم قال: "وألفا سلم" أي: سلم الألف من الانقلاب.
وشمل ذلك ألف المثنى نحو: "هذان غلامايَ" ولا خلاف فيه، وألف المقصور
نحو: "هي عصايَ"1 وفيه لغتان: إقرار الألف "وهي المشهورة"2, وقلبها ياء وهي لغة هذيل "وحكاها"3 عيسى بن عمر4 عن قريش.
وقرأ الحسن5: "يا بِشْرَى"6, وإليها أشار بقوله:
............. وفي المقصور عن... هذيل انقلابها ياء حسن
وينبغي أن يستثنى من ذلك ألف "لدى" و"على" الاسمية، فإن الأكثر فيه القلب مع ياء المتكلم.
فإن قلت: فهل يجوز للقلب ألف المثنى في لغة من التزمها مطلقا؟
قلت: قال في الارتشاف: يحتاج في جوازه إلى سماع7.
الجزء الثالث
:
إعمال المصدر
:
بفعله المصدر ألحق في العمل
أي: ألحق المصدر بفعله في عمله, فيعمل عمل الفعل في اللزوم والتعدي بنفسه وبالحرف، وخطب التمثيل في ذلك سهل.
"تنبيه":
"يخالف"1 المصدر "فعله"2 في أمرين:
أحدهما: أن في رفعه "نائب الفاعل"3 خلافا، ومذهب جمهور البصريين جوازه, وإليه ذهب في التسهيل.
الثاني: "أن"4 فاعل المصدر يجوز حذفه بخلاف فاعل الفعل، وإذا حذف لم يتحمل "ضميره"5، خلافا لبعضهم.
ثم قال:
مضافا أو مجردا أو مع أل
فهو ثلاثة أحوال، وإعماله مضافا أكثر نحو: ﴿.... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ....﴾ 6 ولا خلاف فيه، وفي كلام بعضهم ما يشعر بالخلاف.
وإعماله مجردا "من"1 الإضافة وأل أقل من المضاف نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ 2.
وفيه خلاف أجازه البصريون, ومنعه الكوفيون.
فإن "وقع بعده"3 مرفوع أو منصوب, فهو محمول عندهم على فعل مضمر، وإعماله مع أل أقل من المجرد، ومنه قول الشاعر4:
ضعيف النكاية أعداءه... يخال الفرار يراخي الأجل
وفيه خلاف؛ أجازه سيبويه ومن وافقه، ومنعه الكوفيون وبعض البصريين كابن السراج، وأجازه الفارسي على قبح، وفصّل ابن طلحة بين أن
يكون بأل معاقبة "للضمير"1, فيجوز نحو: "إنك والضرب خالد المسيء إليه" وإلا فلا يجوز نحو: "عجبت من الضرب عمرا", ثم نبه على "شرط"2 عمل المصدر بقوله:
إن كان فعل مع "أن" أو "ما" يحل محله
شرط إعمال المصدر غير الواقع بدلا من اللفظ بفعله، أن يصح تقديره بالفعل مع حرف مصدري.
فإن أريد به غير الحال جاز أن يقدر بأن "أو"3 بما، وإن أريد به الحال قدر بما ولم يقدر بأن؛ لأن مصحوبها لا يكون حالا؛ فلذلك لم يقتصر على أن كما فعل بعضهم.
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل "معهما"4 "أن" المخففة، ومثله بنحو: "علمتُ ضربَكَ زيدًا" تقديره: علمت أن قد ضربت زيدا، فأن "هذه"5 مخففة؛ لأنها واقعة بعد العلم، وهي موضع غير صالح للمصدرية6.
قلت: ذكر "ما" المصدرية مغنٍ عنها، فإنها يصح وقوعها بعد العلم، ولم يقدر سيبويه في الباب بغير "أن" الثقيلة مع ضمير الشأن.
فإن قلت: ظاهر قوله: "إن كان" وقوله في الكافية:
حيث ما يصح حرف مصدري تمما
أن هذا الشرط لازم، وقد جعله في التسهيل غالبا7, وقال في شرحه: وليس تقديره بأحد الثلاثة شرطا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك، ومن
وقوعه غير مقدر بأحدها قول العرب: "سَمْعُ أذني زيدا يقول ذلك"1 وذكر مثلا آخر.
قلت: المشهور أن تقديره بذلك شرط وما ذكره من المثل لا يتعذر فيه التقدير، وكلام صاحب البسيط موافق للمصنف في عدم اشتراط ذلك.
"تنبيه":
لإعمال المصدر شروط لم يذكرها هنا:
الأول: أن يكون مظهرا، فلو أضمر لم يعمل؛ لعدم حروف الفعل، خلافا للكوفيين، وأجاز ابن جني في الخصائص والرماني إعماله في المجرور ونقل عن الفارسي، وقياسه في الظرف.
الثاني: أن يكون مكبرا، فلو صُغِّر لم يعمل.
الثالث: أن يكون غير محدود, فلو حُدّ بالتاء لم يعمل، فإن ورد حكم بشذوذه كقوله2:
يحايي به الجلد الذي هو حازم... بضربة كفيه الملا نفس راكب
فنصب الملا بضربة كفيه وهو محدود، ونصب نفس بيحايي.
ومعناه: يصف الشاعر مسافرا معه ماء فتيمم, وأحيا بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا.
الرابع: أن يكون غير منعوت قبل تمام عمله؛ لأن معمول المصدر بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يفصل بينهما بالنعت، فإن ورد ما يوهم ذلك قدر فعل بعد النعت يتعلق به المعمول المتأخر، فلو نعت بعد تمامه لم يمنع.
والأولى أن يقال: "غير متبوع" بَدَل "غير منعوت"؛ لأن حكم سائر التوابع حكم النعت.
الخامس: أن يكون مفردا.
ذكره في البسيط عن بعضهم ولم يشترطه في التسهيل1, وقال في الكافية:
وأهمل المضمر والمحدود... ومصدر فارقه التوحيد
ورب محدود ومجموع عمل... وبسماع لا قياس قد قبل
وصرح بجوازه في شرح التسهيل:
ومن إعماله مجموعا قوله2:
قد جربوه فما زادت تجاربهم... أبا قدامة إلا المجد والفنعا = المعنى: يصف مسافرا معه ماء فتيمم, وأحياء بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا.
الإعراب: "يحايي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء, "به" متعلق بيحايي, "الجلد" فاعل مرفوع, "الذي" نعت الجلد, "هو" ضمير منفصل مبتدأ, "حازم" خبر مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول, "بضربة" جار ومجرور متعلق بيحايي وضربة مضاف، وكفي من "كفيه" مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله مجرور بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وهو مضاف وضمير الغائب العائد إلى الجلد مضاف إليه, "الملا" مفعول به لضربة, "نفس" مفعول به ليحايي وهو مضاف و"راكب" مضاف إليه.
الشاهد فيه: "بضربة كفيه", فإن ضربة مصدر محدود أضيف إلى فاعله ونصب الملا وهو مفعول، وهو شاذ؛ لأن المصدر المحدود لا يعمل، فإن ورد حُكم بشذوذه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 335/ 2، والسيوطي ص81, وذكر في قطر الندى ص268, وهمع الهوامع 92/ 2.
واختلف النحويون في "جوازهم"1 إعمال المجموع، فأجازه قوم، واختاره ابن عصفور، ومنعه قوم ومنهم ابن سيده.
فإن قلت: فهل يشترط في إعماله أن يكون بمعنى الحال والاستقبال, كاسم الفاعل؟
قلت: لا يشترط ذلك؛ لأنه عمل لكونه أصلا، فلم يتقيد بزمان بخلاف اسم الفاعل، قاله المصنف.
وقال غيره: لأنه عمل بالنيابة عن الفعل، والفعل لا يشترط فيه ذلك.
وحكي عن بعض المتأخرين أنه منع إعماله ماضيا، وليس بصحيح.
وقوله: ولاسم مصدر عمل.
يعني أن اسم المصدر يعمل عمل فعله، وهو قليل، وإلى قلته أشار بتنكير "عمل" واختلف في إعمال اسم المصدر، فأجازه الكوفيون ومنعه البصريون، قال بعضهم: إلا في ضرورة، وتأولوا ما ورد من ذلك على إضمار فعل.
ومن عمله قول عائشة رضي الله عنها: "من قبلة الرجل امرأتَه الوضوءُ"2 وظاهر كلامه في التسهيل أنه مَقِيس3, وقال الشارح: وليس ذلك بمطرد في اسم المصدر, ولا فاشٍ.
= الإعراب: "قد" حرف تحقيق, "جربوه" فعل ماض وواو الجماعة فاعله وضمير الغائب العائد إلى الممدوح مفعول به, "فما" الفاء عاطفة وما حرف نفي, "زادت" فعل ماض والتاء للتأنيث, "تجاربهم" فاعل زادت وضمير الغائبين مضاف إليه, "أبا" مفعول به لتجارب لأنه مصدر الفعل المتعدي, "قدامة" مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث, "إلا" أداة استثناء ملغاة, "المجد" مفعول به لزادت, و"الفنعا" معطوف على المجد، والألف للإطلاق.
الشاهد فيه: "تجاربهم أبا قدامة", حيث إن "تجاربهم" عمل مجموعا في "أبا قدامة".
مواضعه من شراح الألفية: الأشموني 335/ 2.
"تنبيهان":
الأول: أطلق في قوله: "ولاسم مصدر عمل" وهو مقيد بغير العَلَم، فالعلم لا يعمل، وهو ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام؛ لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة وفجار1.
الثاني: عرف اسم المصدر في التسهيل إذ قال: ويعمل عمله اسمه غير العلم, وهو ما دل على معناه وخالفه بخلوه -لفظا وتقديرا دون عوض- من بعض ما في فعله, مثال ذلك:
"توضأ وضوءا" و"تكلم كلاما"؛ فالوضوء والكلام اسمان للمصدر، لا مصدران؛ لخلوهما -لفظا وتقديرا- من بعض ما في فعلهما.
وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة نحو: "توضأ توضؤا" أو بزيادة نحو: "أعلم إعلاما".
واحترز بقوله: "أو تقديرا" من نحو: "قاتل قتالا" فإنه مصدر لا اسم مصدر، إذ لم يخل تقديرا، فإن أصله: "قيتالا", فالمدة مقدرة وقد "ثبتت"2 لفظا.
وبقوله: "دون عوض" من نحو: "عدة", فإنه مصدر مع خلوه من الواو؛ لأن التاء عوض "منها"3.
من نحو: "كلّم تكليما" فإنه مصدر مع خلوه من التضعيف؛ لأن "التاء"4 عوض منه.
قال الشارح: اعلم أن اسم المعنى الصادر عن الفاعل كالضرب، أو القائم بذاته كالعلم، ينقسم إلى مصدر واسم مصدر.
فإن كان أوله ميما مزيدة لغير مفاعلة كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي كالغسل والوضوء، فهو اسم للمصدر، وإلا فهو المصدر.
قلت: الذي أوله الميم المذكورة، وإن أطلق بعضهم عليه اسم المصدر فإنه يعمل عمل فعله، وليس هو موضع الخلاف، ولا المراد هنا.
والنوع الثاني وهو ما كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي, هو المذكور في التسهيل1.
قال الشيخ أبو حيان: وهذا الثاني عندنا مصدر، لا اسم مصدر، قال: واسم المصدر يقال باصطلاحين:
أحدهما: "ما ينقاس"2 بناؤه من الثلاثي على مفعل، "وما زاد"3 على صيغة اسم المفعول وهذا يعمل عمل فعله.
الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والكلام والدهن والخبز، فهذه وضعت لما يثاب به ولما يعطى وللجمل "المقولة"4 ولما يدهن به ولما يخبز به.
وفي هذا النوع اختلف الكوفيون والبصريون، وتحقيق الخلاف بين الفريقين:
هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازا على المصدر ويعمل عمل المصدر, أو لا؟
فقال البصريون: لا, إلا أن يضطر شاعر.
وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.
قلت: وصرح في شرح التسهيل بأن ثوابا وعطاء مصدران؛ لقرب ما بينهما وبين الأصل، وهو إثواب وإعطاء.
قوله:
وبعد جره الذي أُضيف له... كمل بنصب أو برفع عمله
للمصدر المضاف خمسة أحوال:
الأول: أن يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله نحو: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ....﴾ 1.
الثاني: أن يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله نحو: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ... ﴾ 2.
الثالث: أن يضاف إلى فاعله ثم يكمل عمله بنصب مفعوله نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ 3.
الرابع: أن يضاف إلى مفعوله ثم يكمل عمله برفع فاعله نحو قوله عليه الصلاة والسلام: "... وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" 4.
وهو قليل، قيل: ولم يجئ في القرآن إلا ما روي عن ابن عامر أنه قرأ: "ذكر رحمةِ ربك عَبْدُهُ زَكَرِيَّاءُ"5 -برفع الدال والهمزة- وليس ذلك مخصوصا بالضرورة على الصحيح.
والأكثر في المصدر إذا أضيف إلى مفعوله أن يحذف فاعله.
الخامس: أن يضاف إلى الظرف, فيرفع وينصب كالمنون نحو: "عجبت من انتظار يوم الجمعة زيدٌ عمرًا".
وقوله: "كمل" يعني: إن أردت؛ لأن "ذاك"1 غير لازم. وقوله:
وجُر ما يتبع ما جُر ومن... راعى في الاتباع المحل فحسن
المضاف إليه المصدر، إن كان فعلا فمحله رفع، وإن كان مفعولا فهو في موضع نصب، إن قدر المصدر بأن وفعل الفاعل، وفي موضع رفع إن قدر المصدر بأن وفعل المفعول، خلافا لمن منع تقديره بفعل المفعول.
فلك في التابع الجر على اللفظ والرفع على المحل، إن كان فاعلا أو نائبه، والنصب على المحل إن كان مفعولا به, تقول: "عجبت من أكل الخبز واللحم" بالجر والرفع والنصب.
فالجر على اللفظ، والنصب على المحل؛ لأنه مفعول به، والرفع على تقدير: إن أُكل الخبز "واللحم"2.
"تنبيه":
ظاهر كلام المصنف جواز الإتباع على المحل في جميع التوابع، وهو مذهب الكوفيين، وطائفة من البصريين، وذهب سيبويه ومن وافقه من أهل البصرة إلى أنه لا يجوز الإتباع على المحل، وفصل أبو عمرو فأجاز في العطف والبدل ومنع في التوكيد والنعت، والظاهر الجواز لورود السماع، والتأويل خلاف الظاهر.
إعمال اسم الفاعل
:
اسم الفاعل: هو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه, أو معنى الماضي.
فالصفة: جنس، والدالة على فاعل: مخرج لاسم المفعول وما بمعناه، وجارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها: مخرج للجارية على الماضي نحو: "فرح"، وغير الجارية نحو: "كريم".
وقوله: في التذكير والتأنيث: مخرج لما كان من الصفات على أفعل نحو: "أهيف", فإنه لا يجري على المضارع إلا في التذكير، وقوله: لمعناه أو معنى الماضي: مخرج لنحو: "ضامر الكشح" من الصفة المشبهة وقوله:
كفعله اسم فاعل في العمل
يعني: إن كان فعله لازما فهو لازم، وإن كان فعله متعديا إلى واحد فأكثر فهو كذلك.
وقوله:
إن كان عن مضيه بمعزل
يعني: أن شرط عمل اسم الفاعل عمل فعله أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، فإن كان بمعنى الماضي لم يعمل خلافا للكسائي، فإنه أجاز عمله مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ....﴾ 1 ورد بأنه حكاية حال، ووافقه على إجازة ذلك هشام وابن مضاء.
"تنبيه":
هذا الخلاف في عمل الماضي دون أل بالنسبة إلى المفعول به، فأما بالنسبة إلى الفاعل، فذهب بعضهم إلى أنه لا يرفع الظاهر, وبه قال ابن جني والشلوبين، وذهب قوم إلى أنه يرفعه، وهو ظاهر كلام سيبويه، واختاره ابن عصفور.
وأما المضمر: فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه، وحكى غيره عن ابن طاهر وابن خروف أنه لا يرفعه، وهو بعيد.
وقوله:
وولي استفهاما أو حرف ندا
يعني: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على أحد الأشياء المذكورة، والاستفهام نحو قوله1:
أناوٍ رجالك قتل امرئ... من العز في حبك اعتاض ذلا؟
وحرف النداء نحو: "يا طالعًا جبلًا" ولم يذكره في الكافية، ولا في التسهيل.
وقال الشارح: المسوّغ لإعمال "طالع" هنا اعتماده على موصوف محذوف تقديره: رجلا طالعا جبلا، وليس المسوغ الاعتماد على حرف النداء؛ لأنه ليس كالاستفهام والنفي في التقريب من الفعل.
والنفي: "ما ضارب الزيدان عمرا".
ومثال كونه صفة: "جاءني رجل مكرم عمرا", "أو مسندا" يعني خبرا: "زيد مكرم عمرا", فالواقع صفة معتمد على الموصوف، والواقع خبرا معتمد على المخبر عنه.
فإن قلت: أهمل المصنف اعتماده على صاحب الحال نحو: "جاءني زيد ضاربا عمرا".
قلت: استغنى عن ذكره بذكر الصفة؛ لأنه صفة في المعنى.
"تنبيهان":
الأول: اعتماد اسم الفاعل على ما ذكر شرط في صحة عمله عند جمهور البصريين، وذهبالأخفش والكوفيون إلى أنه لا يشترط.
والثاني: ذكر المصنف هنا لعمله شرطين:
الأول: أن يكون بمعزل عن المضي، والثاني: الاعتماد.
وزاد في التسهيل شرطين1:
أحدهما: أن يكون غير مصغر، خلافا للكسائي في إجازته إعماله مستدلا بقول بعضهم: "أظنني مرتحلا وسُوَيِّرا فرسخا" ولا حجة لأن فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، قيل: والجواز مذهب الكوفيين إلا الفراء، وتابعهم أبو جعفر النحاس، وقال المتأخرون: إن لم يحفظ له مكبر جاز إعماله كقوله2:
....................... ترقرق في الأيدي كُمَيْتٍ عصيرُها
في رواية من جر كميت.
والآخر: ألا يكون موصوفا, خلافا للكسائي في إجازته إعماله مطلقا.
قال في شرح التسهيل: ووافق بعض أصحابنا الكسائي في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأن ضعفه يحصل بعد ذكرها لا قبلها، ونقل غيره أن مذهب البصريين والفراء هذا التفصيل، وأن مذهب الكسائي وباقي الكوفيين إجازة ذلك مطلقا, والحاصل ثلاثة مذاهب.
وقوله:
وقد يكون نعت محذوف عُرف... فيستحق العمل الذي وصف
يعني: أن اعتماد اسم الفاعل على موصوف محذوف مسوغ لعمله عمل فعله كاعتماده على موصوف مذكور، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ....﴾ 1.
وقوله:
وإن يكن صلة أل ففي المضي... وغيره إعماله قد ارتُضي
ما تقدم من اشتراط إرادة الحال والاستقبال إنما هو في المجرد من أل, وأما ما وقع صلة لها فهو صالح للعمل بمعنى الماضي والحال والاستقبال، قال الشارح: باتفاق، وفي شرح الكافية: وأما الملتبس بهما فلا خلاف في إعماله، وحكى الخلاف في التسهيل2.
والحاصل أربعة مذاهب:
الأول: "أنه"3 يعمل مطلقا لوقوعه موقعا يجب تأويله بالفعل، وهو المشهور.
والثاني: أن المنتصب بعده مشبه بالمفعول "به"4؛ لأن أل ليست موصولة بل حرف تعريف، ودخولها يبطل عمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنه يبعد
عن الفعل، وهذا مذهب الأخفش، وأصحاب الأخفش يقولون: إن قصد بأل العهد فالنصب على التشبيه، وإن قصد معنى الذي، فالنصب باسم الفاعل.
والثالث: أنه لا عمل له، والمنصوب بعده منصوب بفعل مضمر.
والرابع: أنه يعمل بمعنى المضي خاصة وهو مذهب الرماني.
وقوله:
فَعَّال أو مِفْعَال أو فَعُول... في كثرة عن فاعل بديل
إذا قصد التكثير والمبالغة باسم الفاعل الثلاثي حول إلى فعال "كعقار"1 أو مفعال كمنحار، أو فعول كضروب, أو فعيل كعليم, أو فعل كحذر، وقد ذكرهما في البيت الآتي، فإن قلت: ما معنى قوله: "في كثرة"؟
قلت: يعني أن هذه المثل إنما يعدل عن فاعل إليها؛ للدلالة على الكثرة والمبالغة2.
فإن قلت: من أين يعلم من كلامه اختصاص ذلك بالثلاثي؟
قلت: من قوله: "عن فاعل", فإن اسم فاعل غير الثلاثي لا يكون على فاعل، وقد يبنى فعّال ومفعال وفعول وفعيل من أفعَل كقولهم: درَّاك, ومِهْوان، وزهوق، ونذير، من أدرك وأهان وأزهق وأنذر، وذلك قليل.
وقوله:
فيستحق ما له من عمل
يعني: هذه الأمثلة تستحق ما لاسم الفاعل من العمل بالشروط المذكورة, على التفصيل المتقدم.
وقوله:
وفي فعيل قل ذا وفعل
الإشارة إلى عمل اسم الفاعل, أي: قل في فعيل وفعل أن يعمل عمل اسم الفاعل، ومذهب سيبويه جواز إعمال هذه الأمثلة الخمسة، ومنع أكثر البصريين منهم المازني والمبرد إعمال فعيل وفعل.
وفصّل الجرمي فأجاز إعمال فَعِل؛ لأنه على وزن الفعل، ومنع إعمال
فعيل، ومنع الكوفيون إعمال الخمسة؛ لأنها لما جاءت للمبالغة زادت على الفعل، فلم تعمل عندهم لذلك.
والصحيح مذهب سيبويه ومن وافقه؛ لورود السماع بذلك نظما ونثرا.
مثال فعّال قول من سمعه سيبويه: "أما العسل فأنا شرّاب".
وقول الشاعر1:
أخا الحرب لبَّاسًا إليها جِلَالها
ومثال مفعال قول بعض العرب: "إنه لمِنْحار بوائكَها" أي: سمانها.
وقول الشاعر2:
شُمّ مهاوينُ أبدان الجَزُور مخا... ميص العشيات لا خُور ولا قَزَم
فمهاوين جمع مِهْوان.
ومثال فعول قول بعضهم: "أنت غَيُوظ ما علمت أكباد الإبل" حكاه الكسائي, وقول الشاعر1:
ضَرُوبٌ بنصل السيف سُوق سمانها
ومثال فعيل قول بعضهم: "إن الله سَمِيع دعاء من دعاه" وقالوا: "هو حَفِيظ وعلمه وعلم غيره".
= والمراد: أنهم سادات كبار, "مهاوين" جمع مهوان -بكسر الميم- وهو الضامر البطن، وأراد به الجائع, "العشيات" جمع عشي, "لا خور" -بضم الخاء وسكون الواو- جمع أخور وهو الضعيف, "قزم" بفتح القاف والزاي.
المعنى: وصف قوما بالعزة والكرم فيقول: هم شم الأنوف أعزة, ويهينون للأضياف والمساكين أبدان الجزور، ويؤخرون العشاء تربصا على ضيف يطرق، فبطونهم خميصة في عشياتهم لتأخيرهم الطعام.
الإعراب: "شم" خبر مبتدأ محذوف أي: هم شم, "مهاوين" -بالرفع- إما صفة وإما خبر بعد خبر, "أبدان" مفعول لمهاوين, "الجزور" مضاف إليه, "مخاميص" خبر بعد خبر, "العشيات" مضاف إليه, "لا خور" عطف على ما قبله من المرفوع, "ولا قزم" عطف عليه.
الشاهد فيه: "مهاوين أبدان الجزور", فإن "مهاوين" جمع اسم فاعل الذي للمبالغة, وقد عمل عمل فعله حيث نصب "أبدان الجزور".
مواضعه: ذكره سيبويه 59/ 1، وابن يعيش 74/ 6, والهمع 97/ 2.
وقول الشاعر1:
فتاتان أما منهما فشبيهة... هلالا، وأخرى منهما تشبه البدرا = يعقر الإبل السمان للضيفان إذا أعسر الناس، ولم يجدوا زادا.
الإعراب: "ضروب" خبر لمبتدأ محذوف أي: أنت ضروب, "بنصل" متعلق بضروب, "السيف" مضاف إليه، وفي ضروب ضمير مستتر فاعله, "سوق" مفعول به لضروب, "سمانها" مضاف إليه, "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان, "عدموا" فعل وفاعل, "زادا" مفعول به، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة إذا إليها, "فإنك" الفاء واقعة في جواب إذا وإن حرف توكيد ونصب وضمير المخاطب اسم إن, "عاقر" خبر إن, وجملة إن واسمها وخبرها لا محل لها جواب إذا.
الشاهد فيه: "ضروب.... سوق", فإن "ضروب" صيغة مبالغة للضارب وقد عَمِل عَمَل فعله حيث نصب "سوق"، وقد اعتمد على مخبر عنه محذوف، أي: أنت ضروب.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 342/ 2، وابن هشام 17/ 3, والسيوطي ص82, والمكودي ص96، وذكره سيبويه 57/ 1, والمفصل 70/ 6, والشذور ص408, والقطر ص280, والشاهد 602 في الخزانة.
ومثال فَعِل قول الشاعر1:
حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمن... ما ليس منجيَه من الأقدار
أنشده سيبويه، والقدح فيه من وضع الحاسدين.
ومن إعمال فعل قول زيد الخيل2:
أتاني أنهم مَزِقُون عِرْضي
فأعمل مزقون عرضي وهو جمع مزق محول؛ للمبالغة من مازق.
قوله:
وما سوى المفرد مثله جُعِل... في الحكم والشروط حيثما عَمِل
ما سوى المفرد هو المثنى والمجموع فحكمهما حكم المفرد في العمل بالشروط المذكورة، فضاربان وضاربون مثل ضارب، وذلك واضح فيما ذكر، وضروبان وضروبون مثل ضروب فيما ذكر, وذلك قوله:
وانصب بذي الإعمال تِلْوا واخفض
احترز "بذي الإعمال" عن المراد به المضي، فإنه يضاف وجوبا كإضافة الجوامد.
وفهم من تقديمه النصب أنه أولى، وهو ظاهر كلام سيبويه، وقال الكسائي: = المعنى: بلغني أن هؤلاء القوم يتطاولون عليَّ وينالون عرضي بالقدح والذم، ولست أعبأ بهؤلاء، فهم عندي كالجحوش التي تَرِد هذا الماء وتتزاحم عليه، وهي تنهق وتصيح وتحدث جلبة.
الإعراب: "أتاني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول, "أنهم" حرف توكيد ونصب والضمير اسمه, "مزقون" خبر أن، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل أتى, "عرضي" مفعول لمزقون, "جحاش" خبر لمبتدأ محذوف أي: هم جحاش, "الكرملين" مضاف إليه, "لها" متعلق بمحذوف خبر مقدم, "فديد" مبتدأ مؤخر, والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال من جحاش.
الشاهد فيه: "مزقون عرضي", أعمل "مزقون" وهو جمع مزق -بفتح الميم وكسر الزاي- الذي هو صيغة مبالغة بمعنى ممزق في قوله: "عرضي" عمل فعله.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 342 / 2، وابن هشام 18/ 3, وابن عقيل 88/ 2, وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 77/ 2.
هما سواء، قيل: والذي يظهر أن الإضافة أولى بالوجهين قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ....﴾ 1.
ويعني بقوله: "تلو" المفعول الذي يليه، فلو فصل تعين نصبه نحو: ﴿... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... ﴾ 2 وقد أضيف مع الفصل في قراءة من قرأ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ... ﴾ 3 وقد تقدم في الإضافة.
تنبيه:
ما ذكره من جواز الوجهين إنما هو في الظاهر، وأما المضمر المتصل فيضاف إليه اسم الفاعل المجرد وجوبا نحو: "هذا مكرمك", وذهب الأخفش وهشام إلى أنه في محل النصب كالهاء من واقيكه4.
وقد فهم من قوله: "تلوا" أنه إنما يجوز الوجهان في المفعول الذي يليه، فلو فصل زيدا تعين نصبه به؛ ولذلك قال:
وهو لنصب ما سواه مقتضي
مثال ذلك: "زيد معطي عمرو درهما ومعلمُ خالدٍ عمرا فاضلا".
"تنبيه":
إذا أضيف اسم الفاعل بمعنى المضي، واقتضى مفعولا آخر نحو: "معطي زيدٍ درهما أمس" نصب بفعل مضمر عند الجمهور، وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي؛ لأنه اكتسب بالإضافة شبها بمصحوب أل.
وقوله:
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض... كمبتغي جاهٍ ومالُا من نهض
فالجر على اللفظ والنصب على المحل، ومن منع إتباع المحل في نحو ذلك أضمر فعلا، وهو قول سيبويه.
فإن قلت: قوله: "الذي انخفض" لا يصح على إطلاقه؛ لأن المخفوض بإضافة الذي بمعنى الماضي لا يصح في تابعه اعتبار المحل، إذ لا محل له، بل إن نصب تابعه بفعل مقدر.
قلت: إنما كلامه في المخفوض بإضافة ذي الإعمال لقوله: "وانصب بذي الإعمال" وهذا البيت من تتمة الكلام عليه.
وقوله:
وكل ما قُرِّر لاسم فاعل... يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
أي: فيعمل إن كان صلة لأل مطلقا، وإن كان مجردا فبشرط إرادة الحال أو الاستقبال والاعتماد على ما تقدم ذكره, وقوله:
فهو كفعل صيغ للمفعول في... معناه...........
يعني: أن اسم المفعول يعمل عمل فعل مصوغ للمفعول موافق له في المعنى نحو "مضروب", فإنه يعمل عمل ضرب، فيرفع نائب الفاعل فتقول: "زيدٌ مضروبٌ أبوهُ"1 كما تقول: "ضُرب أبوه".
فإن كان من متعدٍّ إلى اثنين أو ثلاثة, رفع واحدا ونصب ما سواه.
وقد مثل المتعدي لاثنين بقوله:
كالمعطى كفافا يكتفي
فأل موصولة ومعطى صلتها، وهي مبتدأ ويكتفي خبره، وأول مفعولي المعطى ضمير أل وثانيهما كفافا، واستتر الأول؛ لنيابته عن الفاعل.
وقوله:
وقد يضاف ذا إلى مرتفع
معنى.......
يعني: أن اسم المفعول انفرد عن اسم الفاعل بأنه تصح إضافته إلى مرفوعه في المعنى؛ فتقول: "هذا مضروب العبد" بالرفع نيابة عن الفاعل، وبالجر لأنك "أسندت"1 المفعول إلى ضمير المبتدأ، وبالنصب أيضا على التشبيه بالمفعول به، وقد مثل بقوله: كمحمود المقاصد الورع أي: الورع محمود المقاصد, اسم المفعول من المتعدي إلى واحد يلحق بالصفة المشبهة في رفع السببي ونصبه وجره كما مثل.
أبنية المصادر
:
اعلم أن الفعل الثلاثي مجرد، وزائد على الثلاثة.
فالثلاثي المجرد له ثلاثة أبنية: فَعَل وهو متعد نحو ضَرَبَ، ولازم نحو قَعَدَ، وفَعِل وهو متعد نحو فَهِم ولازم نحو فَرِح، وفَعُل وهو لازم أبدا إلا بتضمين أو تحويل نحو سَهُل.
وأبنية مصادر الثلاثي كثيرة، واقتصر هنا على الغالب, فقال:
فَعْل قياس مصدر المعدى... من ذي ثلاثة كرد ردا
شمل "قوله"1: "المعدى من ذي ثلاثة" فعَل وفعِل, فقياس مصدرهما فعل -بفتح الفاء وإسكان العين- نحو: ضرَب ضرْبا وفهم فهما، وظاهره أنه مقيس فيهما بلا قيد، وقيد الفعل -المكسور العين- في التسهيل بأن يُفْهِم عملا بالفم نحو: شَرِب شَرْبا, ولقم لقما2.
ولم يقيده سيبويه أو الأخفش, بل أطلقا.
"تنبيه":
اختلف في معنى القياس هنا، فقيل: إنما يقاس على فعل فيما ذكر عند عدم سماع غيره، فإن سمع غيره وقف عنده، وهو مذهب سيبويه والأخفش، وقيل: يجوز القياس مع ورود السماع بغيره وهو ظاهر قول الفراء.
ثم قال:
وفَعِل اللازم بابه فَعَل
يعني: قياس مصدر فعل اللازم فعل -بفتح الفاء وكسر العين- لا فرق في ذلك بين الصحيح نحو فرح فرحا، والمعتل نحو: جوي جوى، والمضعف نحو: شل شللا، فإن أصله شلل بكسر اللام.
تنبيه:
أطلق الناظم في فعل اللازم، وينبغي أن يقيد بألا يكون لونا؛ لأن فُعلة هو الغالب فيه كالشُّهلة والسمرة.
ثم قال:
وفَعَلَ اللازم مثل قعدا... له فُعُول باطراد كغدا
تقول: غدا غُدوا ومثله: قعد قعودا وجلس جلوسا، واطراد فعول في فعل اللازم مشروط بألا يكون مستوجبا لأحد الأوزان المذكورة في قوله:
ما لم يكن مستوجبا فِعَالا... أو فَعَلانا فادر أو فُعَالا
فهذه ثلاثة أوزان، وسنذكر رابعا متى استوجب فعل اللازم واحدا منها لم يأت مصدره على فعول إلا نادرا.
ثم قال:
فأول لذي امتناع كأبى
الأول فعال -بكسر الفاء- وهو مقيس فيما دل على امتناع نحو: أبى إباء, ونفر نفارا.
................... والثان للذي اقتضى تقلبا
والثاني هو فعلان -بتحريك العين- وهو مقيس فيما دل على تقلب نحو: جال جولانا, ولمع لمعانا.
وقوله:
للدا فُعَال أو لصوت
يعني: أن فعالا -بضم الفاء- وهو الثالث لنوعين:
أحدهما: ما دل على داء نحو: زَكم زُكاما وسعل سعالا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: نَعق نُعاقا ونبح نباحا.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس فيهما.
وقوله:
........... وشمل... سيرا وصوتا الفعيل كصهل
يعني: أن فعيلا، وهو الوزن الرابع، لنوعين أيضا:
أحدهما: ما دل على سير نحو: ذَمَل ذميلا ورَحَل رحيلا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: صَهَل صهيلا ونَهَق نهيقا.
وذكر ابن عصفور أنه يطرد في الأصوات.
والحاصل أن فعل اللازم يطرد في مصدره فعول إلا إذا دل على هذه المعاني الخمسة "وهي"1 الامتناع والتقلب والداء والصوت والسير، فالغالب في الامتناع فِعال، وفي التقلب فَعَلان، وفي الداء فُعال، وفي الصوت فُعال أو فَعِيل، وقد يجتمعان نحو: نَعَقَ نُعاقا ونَعِيقا، وقد تنفرد فُعال نحو: بَغَم بُغَاما، وقد تنفرد فعيل نحو صهل صهيلا، واطرد انفراد فُعال "في الفعل اللازم"2 نحو: رغاء وفي السير فعيل.
تنبيه:
يستثنى أيضا من فعل اللازم ما دل على حرفة وشبهها، فإن الغالب في مصدره فِعَالة نحو: تجر تجارة، وأمر إمارة.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس في الولايات والصنائع.
وقوله:
فُعُولة فَعَالة لفعُلا... كسَهُل الأمر وزيد جَزُلا
فعولة وفعالة مطردان في مصدر فعل نحو: سهل سهولة, وجزل جزالة.
وقال بعضهم: فعولة غير مقيس.
وقوله:
وما أتى مخالفا لما مضى... فبابه النقل كسُخْط ورضا
فسخط مصدر سخط وقياسه سخط -بالفتح والتحريك- ورضا مصدر رضي وقياسه رضى بالفتح.
وكلامه مقيد في فعالة بالحرف, وشبهها كما تقدم.
ولما فرغ من بيان مصادر الثلاثي, شرع في بيان ما زاد عليه فقال:
وغير ذي ثلاثة مقيس... مصدره.........
أي: كل فعل زاد على ثلاثة, فله مصدر مقيس لا يتوقف في استعماله على سماع.
وقوله: كقدس التقديس.
يعني: أن ما كان على فُعِّل صحيح اللام فمصدره تفعيل نحو: قدس تقديسا, كلم تكليما.
وقوله: وزكه تزكية, يعني: أن ما كان فعّل معتل اللام فمصدره تفعلة نحو: زكى تزكية وغطى تغطية.
وقوله:
............. وأجملا... إجمال من تجمُّلا تَجَملا
يعني: أن مصدر أفعل الصحيح إفعال، نحو: أجمل إجمالا وأكرم إكراما، ومصدر تفعَّل تفعُّلا نحو تجمل تجملا.
واستعذ استعاذة
أصل استعاذ، استعوذ على وزن استفعل.
قياس مصدره استعواذ، فأعلت الواو، فنقلت حركتها وقلبت ألفا، فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما وهي الزائدة عند الخليل وسيبويه، وبدل العين عند الأخفش والفراء, فصار استعاذ ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.
وقوله:
........ ثم أقم... إقامة.......
أصل أقم أقوِم كأكرم, فقياس مصدره إقوام، فلما اعتلت الواو بالنقل والقلب اجتمع ألفان، فحذف أحدهما على الخلاف المتقدم, فصار إقاما, ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.