توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 1151-1190

مقدمة الألفية

صفحات 1151-1190
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ولا يدخل في هذا الباب نكرة ولا اسم إشارة.
قال سيبويه: ولا يجوز أن يذكر إلا اسما معروفا، ولم يقع المختص مبنيا إلا بلفظ أيها وأيتها، وأما غيرهما فالمنصوب والناصب واجب الإضمار تقديره أخص.
وأما أيها وأيتها فمذهب الجمهور أنهما في موضع نصب بأخص مضمرا أيضا.
وذهب الأخفش إلى أنه منادى.
قال: ولا ينكر أن ينادي الإنسانُ نفسَه، ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أفعل كذا، هو أيها الرجل، أي: المخصوص به.
والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
والأكثر في هذا الاختصاص أن يلي ضمير متكلم كما سبق، وقد يلي ضمير مخاطب كقولهم: "بك اللهَ نرجو الفضلَ" و"سبحانك الله العظيمَ"، ولا يكون بعد ضمير غائب.
= اللغة: "الضباب" -بفتح الضاد وتخفيف الباء- هو شيء كالغبار يكون في أطراف السماء.
المعنى: ضرب الضباب مثلا لغمة الأمر وشدته أي: بنا تكشف الشدائد في الحرب وغيره.
الإعراب: "بنا" جار ومجرور متعلق بيكشف "تميما" منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما "يكشف" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة "الضباب" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد: قوله: "تميما" فإنه منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 479/ 2، وذكره سيبويه 255، 327/ 1 والسيوطي في الهمع 171/ 1، والشاهد 150 في الخزانة.

وأما ما وقع في الكتاب "على المضارب الوضيعة أيها البائع"1 فقال الفارسي: لا علم لي بوجه ذلك، وفي كتاب الصفَّار: أن هذا فساد وقع في الكتاب وقد أول بأنه وضع الظاهر موضع المضمر، ويكون المعنى: عليَّ الوضيعة أيها البائع، وقد روي كذلك.
ولما ذكر أن الاختصاص كالنداء في الصورة نبه على أنه قد خالف النداء من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لا يستعمل معه "يا" ولا غيرها من حروف النداء، وإلى هذا أشار بقوله: "دون يا".
الثاني: أنه لا يستعمل مبدوءا به، فهم ذلك من قوله: "بإثر ارجونيا".
الثالث: أنه استعمل معرفا بأل، وإلى هذا اشار بقوله: وقد يُرى ذا دون أي تِلْوَ أل... كمثل نحنُ العرب أسخى مَن بَذَلْ إنما قال "دون أي" لأن استعمال المعرف بأل صفة لأي مشترك بين النداء والاختصاص نحو: "يأيها الرجل".
قلت: وجه رابع، وهو أن "أيا" توصف في النداء باسم الإشارة، وهنا لا توصف باسم الإشارة.
ووجه خامس: وهو أن المازني أجاز نصب صفة أي في النداء، ولم يحكوا هنا خلافا في وجوب رفع صفتها، وفي الارتشاف: لا خلاف في متبوعها أنه مرفوع.

التحذير والإغراء

: إياك والشرَّ ونحوَه نَصَبْ... مُحذِّرٌ بما استتارُه وَجَبْ إنما ذكر التحذير والإغراء بعد باب النداء؛ لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل لا يجوز إظهاره كالمنادى، على تفصيل سيأتي.
والتحذير: هو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز منه، ويكون بثلاثة أشياء: بإياك وأخواته، وبما ناب عنها من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب، وبذكر المحذر منه.
فإن كان بإياك وأخواته وجب إضمار ناصبه مطلقا، أعني في إفراده وتكراره والعطف عليه، وقد مثل العطف "عليه"1 بقوله: "إياك والشر" فإياك مفعول بفعل واجب الإضمار تقديره: اتق، ونحوه.
فإن قلت: هل يقدر قبل إياك أو بعده؟ قلت: قيل: يجب تقديره بعده؛ لأنه لو قدر قبله لاتصل به فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب وما ألحق بها.
وقيل: كان الأصل: اتقِ نفسك، فلما حذف الفعل استغني عن النفس وانفصل الضمير.
واختلف في إعراب ما بعد الواو.
فقيل: هو معطوف على إياك، والتقدير: اتقِ نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك.
"وهذا"2 مذهب كثير منهم السيرافي واختاره ابن عصفور.
فإن قلت: كيف جاز عطفه على إياك وهما مختلفان في الحكم؛ لأن الأول محذر والثاني محذر منه؟

قلت: الجواب أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في المعنى الذي كان إعرابه بسببه، والتقدير السابق يوضح ذلك.
وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن الثاني منصوب بفعل آخر مضمر، فهو عندهما من قبيل عطف الجمل، واختار في شرح التسهيل مذهبا ثالثا وهو أن الثاني معطوف عطف مفرد لا على التقدير الأول، بل على تقدير: اتقِ تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قال: ولا شك في أن هذا أقل تكلفا فكان أولى.
ومثال التكرار: "إياك إياك من الشر"، ومثال الإفراد: "إياك من الشر".
وقد نبه على وجوب إضمار ناصب "إيا" في الإفراد بقوله: ودون عطف ذا لإيا انْسُبْ........................... وإن كان التحذير بغير "إيا" لم يلزم الإضمار إلا مع العطف نحو: "مازِ رأسك والسيف، والشيطان وكيده".
أو التكرار نحو: "رأسك رأسك" و"الأسد الأسد".
فإن عدم العطف والتكرار جاز الإظهار والإضمار نحو: "رأسك" وإن شئت: قِ رأسك والأسد، وإن شئت: احذر الأسد، وإلى هذا أشار بقوله: ................... وما... سواه سَتْرُ فعله لن يلزما إلا مع العطف أو التكرار ومثل التكرار بقوله: ................................ كالضيغمَ الضيغمَ يا ذا الساري والضيغم: الأسد.
فإن قلت: ما علة التزام الإضمار مع "إيا" مطلقا، ومع غيرها في العطف والتكرار؟ قلت: علة التزامه مع "إيا" كثرة الاستعمال فشابهت بذلك الأمثال، وغيرها ليس كذلك، إلا أن العطف والتكرار جعلا كالبدل من اللفظ بالفعل؛ فذلك وجب إضماره معهما.

تنبيهات: الأول: أجاز بعضهم إظهار العامل مع المكرر، وقال الجزولي: يقبح ولا متنع. الثاني: شمل قوله: "وما سواه" يعني: النوعين المتقدم ذكرهما، أعني: ما ناب عن إيا من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب منه. وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي عدم لزوم الإضمار مع التكرار في الأول من هذين النوعين، فإنه قال: ونحوُ رأسَك كإياك جُعل... إذا الذي يُحْذَرُ معطوفا وُصِلْ وقال في الشرح: فلو لم يذكر المعطوف جاز الإظهار والإضمار، وقد صرح الشارح بوجوب الإضمار في نحو "رأسك" رأسك؛ لأجل التكرار. الثالث: لا يعطف في هذا الباب إلا بالواو1.
الرابع: لا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن نحو: "إياك من الشر" "وتقديرها مع أن تفعل"2 كاف نحو: "إياك أن تفعل" أي: من أن تفعل.
فأما بيت الكتاب وهو3: فإياكَ إياكَ المراءَ فإنه... إلى الشر دَعَّاءٌ وللشر جَالِبُ

فقيل: هو على حذف الجار للضرورة، وقيل: على حذف العاطف للضرورة أيضا، وقيل: إنه بدل من إياك، وقيل: أضمر له ناصب آخر بعد إياك، فقوله: إياك إياك مستقل بنفسه، ثم أضمر بعد إياك فعلا تقديره: اتقِ المراء، على هذا حمله سيبويه.
قال في شرح التسهيل: وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر.
انتهى.
وقوله: في باب التحذير من التسهيل1: ولا يحذف العاطف بعد إيا إلا والمحذر منصوب بإضمار فعل أو مجرور بمن.
يقتضي جواز إياك المراء ونحوه على إضمار فعل؛ لتسويته بينه وبين الجر بمن.
قال أبو البقاء العكبري: في نحو: "إياك الشر" المختار عندي أن يضمر له فعل يتعدى إلى مفعولين نحو: "جنب نفسك الشر" "فإياك في موضع نفسك"2، ومثل الشارح إفراد إيا بقوله: "إياك الشر" وقال: تقديره أحذرك الشر، وهو نظير "إياك المراء" وظاهر تقديره أن الناصب لهما فعل واحد متعد إلى اثنين فهو نحو مما قاله أبو البقاء.
فإن قلت: إذا جعل ناصب المراء فعلا مضمرا بعد إياك فهل يكون إضماره واجبا أم جائزا؟ قلت: قال ابن عصفور: إن حذفت الواو لم يلزم إضمار الفعل نحو: "فإياك إياك المراء".
تقديره: دَعِ المراء، ولو كان في الكلام لجاز إظهار هذا الفعل.
انتهى.
وشذ إياي، وإياه أشذ.......................

الشائع في التحذير أن يراد به المخاطب.
وقد ورد للمتكلم كقول من قال: "إيايَ وأن يحذِفَ أحدُكم الأرنبَ"1 أي: إياى نح عن حذف الأرنب ونح حذف الأرنب عن حضرتي، فعلى هذا هو جملة واحدة.
وقال الزجاج: إن ذلك جملتان، والتقدير: إياي وحذف الأرنب وإياكم وحذف أحدكم الأرنب، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني "وحذف"2 من الثاني ما أثبت نظيره في الأول، وقال بعضهم: إياي ليس على "معنى فعل أمر بل على معنى"3 إياي باعد، فجعله خبرا.
وقد ورد للغائب في قولهم: "إذا بلغ أحدكم الستين فإياه وإيا الشواب"4، وإليه أشار بقوله: "وإياه أشذ" أي: أشذ من إياي، وفي هذا المثل شذوذ من وجه آخر، وهو إضافة "إيا" إلى الظاهر. وعن سبيل القَصْد مَنْ قاس انتبَذْ يقتضي منع القياس "على إياي وعلى إياه فلا يستعمل إلا حيث سمع"5.
"قلت: ظاهر كلامه في التسهيل جواز القياس"6 على المتكلم؛ لأنه قال بنصب تحذير إياي وإيانا معطوفا عليه المحذور، فلم يصرح بشذوذه، وذكر إيانا معه.
وكمُحذِّرٍ بلا إيا اجْعَلا... مُغْرًى به في كل ما قصد فُصِّلا الإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يُحمد عليه، والمغرى به: منصوب بفعل مضمر، وحكم ناصبه في وجوب الإضمار وجوازه كحكم ناصب المحذر به، فيجب إضماره مع العطف نحو: "الأهل والولد" والتكرار نحو7:

أخاكَ أخاكَ..................................... ولا يجب مع الإفراد بل يجوز إظهاره نحو: الزم أخاك.
إلا أن الإغراء لا يكون بلفظ إياك وأخواته، فلهذا قال: بلا إيا.
تنبيه: قد يرفع المكرر في الإغراء والتحذير كقوله1: لجديرون بالوفاء إذا قا... ل أخو النجدة السلاحُ السلاحُ وأجاز الفراء الرفع في قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ 2 على إضمار هذه.
= اللغة: "الهيجا" الحرب، وهي تمد وتقصر.
المعنى: الزم أخاك ولا تفارقه واحرص عليه، فالشخص الذي ليس له أخ يعينه ويقصده كمن يذهب إلى الحرب وليس معه عدتها ولا أداتها.
الإعراب: "أخاك" منصوب على الإغراء بتقدير الزم محذوفا وجوبا للتكرار "أخاك" الثاني توكيد "من" اسم موصول اسم إن "لا" نافية للجنس "أخا" اسمها مبني على فتح مقدر على الألف "له "جار ومجرور خبرها، وقيل: الأحسن أن يكون خبر لا محذوفا و"أخا" مضاف إلى ضمير "له" واللام زائدة، أي: إن لا أخاه موجود، والجملة ومعمولاها صلة الموصول "كساع" متعلق بمحذوف خبر إن "إلى الهيجا" متعلق به.
الشاهد: قوله: "أخاك" فإنه نصب على الإغراء بعامل واجب الحذف لأنه مكرر، أي: الزم أخاك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 482/ 2، وابن هشام 288/ 3، والسيوطي ص170/ 1، وفي شذور الذهب ص23، والقطر ص296، والشاهد 176 في الخزانة.

أسماء الأفعال والأصوات

: الكلام على أسماء الأفعال يحتاج إلى مقدمة تشمل ثلاث مسائل: الأولى: مذهب جمهور البصريين أنها أسماء، وقال بعض البصريين: أفعال استعملت استعمال الأسماء، وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال حقيقية، والصحيح أنها أسماء لقبولها بعض علامات الأسماء كالتنوين والتصريف، ولعدم قبولها علامات الأفعال، ولورودها على أوزان تخالف أوزان الأفعال.
الثانية: اختلف القائلون باسميتها في مدلولها، فقيل: مدلولها لفظ الفعل لا الحدث والزمان، بل تدل على ما يدل على الحدث والزمان، وقيل: مدلولها المصادر إلا أنها دخلها معنى الأمر ومعنى الوقوع بالمشاهدة.
ودلالة الحال في غير الأمر فتبعه الزمان، وقيل: إنها دالة على ما يدل عليه الأفعال من الحدث والزمان، إلا أن دلالتها على الزمان بالوضع لا بالصيغة.
قيل: وهو ظاهر مذهب سيبويه وأبي علي وجماعة.
فهذه ثلاثة مذاهب، فصَهْ مثلا على الأول اسم للفظ اسكت، وعلى الثاني اسم لقولك سكوتا، وعلى الثالث اسم لمعنى الفعل، إلا أن دلالة الفعل على الزمان بالصيغة، ودلالتها على الزمان بالوضع.
الثالثة: ذهب كثير منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لا من الإعراب، وهو مذهب المصنف ونسبه بعضهم إلى الجمهور، وذهب المازني ومن وافقه إلى أنها في موضع نصب، ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان، وذهب بعض النحويين إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وأغنى مرفوعها عن الخبر كما أغنى في "أقائم الزيدان" وقد عرفهما بقوله: ما ناب عن فعل كشَتَّان وصَهْ... هو اسم فعل وكذا أوَّهْ ومَهْ قوله: "ما ناب عن فعل" جنس يشمل اسم الفعل وغيره مما ينوب عن الفعل، وقوله: "كشتان وصه" يعني كونه غير معمول ولا فضلة، وهو تمثيل تمم به الحد، فخرج به ما ناب عن الفعل وهو معمول كالمصدر العامل، أو فضلة كالحرف العامل عمل الفعل، فإنهما ليسا كشتان وصه، وهذا قوله في الكافية: نائب فعل غير معمول ولا فضلة اسم الفعل.

تنبيه: اسم الفعل نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل ظرفا "ومجروره"1 أو حرف جر ومجروره، وسيأتي. والآخر: ما ليس كذلك، وهو ضربان: ضرب مختلف في القياس عليه، وضرب مقصور على السماع. فالمختلف في قياسه ثلاثة أنواع: الأول: بناء فعال من الثلاثي المجرد. مذهب سيبويه والأخفش أنه مقيس، ومذهب المبرد أنه لا يقاس عليه. الثاني: بناء فعال من أفعل أجاز ابن طلحة القياس عليه، كما أجاز البناء منه في التعجب، وقد سمع منه دراك من أدرك. الثالث: بناء فعلال من الرباعي أجازه الأخفش قياسا على ما سمع من قولهم: "قَرْقار" و"عَرْعَار"2.
ومذهب سيبويه أن ذلك لا يقاس عليه، وهو الصحيح لقلته، وأنكر المبرد سماع اسم الفعل من الرباعي، وذهب إلى أن "قرقار" و"عرعار" حكايتا صوت.
وأما المتفق على قصره على السماع.
فما عدا هذه الأنواع، وهو ألفاظ كثيرة، وأنا أشرح منها ما اشتمل عليه النظم إن شاء الله تعالى.
وقد اشتمل هذا البيت على أربعة ألفاظ "منها"3 وهي: شتان، وصه، وأوه، ومه.
فأما "شتان" فهي اسم فعل بمعنى تباعد أو افتراق، وذهب أبو حاتم والزجاج إلى أن "شتان" مصدر جاء على فعلان، وهو واقع موقع الفعل، فيقال: "شتان زيد وعمرو" و"شتان ما زيد وعمرو" بزيادة "ما" و"شتان ما بين زيد وعمرو".
ونقل ابن عصفور وغيره أن الأصمعي منع "شتان ما بين زيد وعمرو"، ورد عليه

بأنه مسموع، ونقل صاحب البسيط أن الأصمعي جوَّز أن يكون بمعنى بَعُد، فتقول: "شتان ما بين زيد وعمرو"، وإن غيره منع ذلك.
وأما "صه" فاسم فعل بمعنى اسكت، ويقال: صِهْ بكسر الهاء غير منونة، وصهٍ بالتنوين.
وسيأتي أن ما نون فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة، وقد يقال: صاه بالألف قبل الهاء الساكنة.
وأما "أوه" فاسم فعل بمعنى أتوجع، وفيه لغات أخر: أوَّهْ، أوِّهِ، آوْهْ، أوَّهِ، أوَّتَاهْ، آوَّتَاهُ، آهْ، آهِ، أَوِّ، آوِّ، أووه، أَوَأَهْ.
وإذا صرف الفعل منه قيل: أوَّه وتأوه.
وأما "مه" فاسم فعل بمعنى انكفف لا بمعنى اكفف؛ لأنه متعد ومه لا يتعدى، ويقال: مِهِ بالكسر، ومِهٍ بالتنوين، كما تقدم في صه.
وما بمعنى افْعَلْ كآمينَ كَثُرْ... وغيرُهُ كَويْ وهيهات نَزُرْ اسم الفعل ثلاثة أضرب: ضرب بمعنى الأمر وهو كثير، وضرب بمعنى المضارع، وضرب بمعنى الماضي، وكلا هذين الضربين قليل، ومن الذي بمعنى الأمر مقيس كما تقدم، وليس في الذي بمعنى المضارع والماضي شيء يقاس عليه، ومثل الأمر بآمين والمضارع بوي والماضي بهيهات.
أما "آمين" فاسم فعل بمعنى استجب، وفيه لغتان المد والقصر خلافا لابن درستويه في تخصيصه القصر بالضرورة، وإذا مد فقيل وزنه فايل وهو أعجمي.
وقيل: أصله القصر ووزنه فعيل والمد إشباع؛ لأنه ليس في كلام العرب أفعيل ولا فاعيل ولا فيعيل.
حكي ذلك عن أبي علي، وحكى القاضي عياض عن الداودي آمين -بالمد والتشديد- وقال: إنها لغة شاذة، وذكر ثعلب وغيره أن تشديد الميم خطأ.
وأما "وَيْ" فهو اسم فعل بمعنى أعجب و"أن"1 مثلها وا، وواهَا.

قال في شرح الكافية: ووي ووا وواها بمعنى أعجب، وقال غيره: وي بمعنى أعجب وفيها تندم.
ووا بمعنى التعجب والاستحسان.
قال1: وَا بأبي أنْت وفُوكِ الأشْنَبُ وتلحق وي كاف الخطاب كقول عنترة2: قيل الفوارس وَيْكَ عنتر أقدم

وزعم الكسائي أن ويك محذوفة من ويلك، فالكاف على قوله ضمير مجرور، وأما قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1. قال الخليل وسيبويه: هي وي، ثم قال: كأن الله يبسط، وقال أبو الحسن: هي ويك بمعنى أعجب كأن الله "يبسط".
وأما "هيهات" فاسم فعل بمعنى بَعُدَ خلافا لأبي إسحاق2؛ إذ جعلها بمعنى البعد، وزعم أنها في موضع رفع نحو قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ 3 وخلافا للمبرد إذ زعم أنها ظرف غير متمكن وبنى لإبهامه، وتأويله عنده في البعد4.
ويفتح الحجازيون "تا" هيهات فيقفون بالهاء، ويكسرها تميم وأسد ويقفون بالتاء وبعضهم يضمها، وإذا ضمت فمذهب أبي علي أنها تكتب بالتاء، ومذهب ابن جني أنها تكتب بالهاء، وحكى الصغاني5 فيها ستا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيان، وأيهان، وهيهاه، وأيهاه، وكل واحدة من هذه الستة مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير منونة، فتلك ستة وثلاثون وجها.
وحكى غيره "فيها"6 هيهاتا وإيهاك، والكاف للخطاب، وأيهاه وأيها وهيهاه، وقرأ عيسى بن عمر الهمداني "هيهات هيهات" على نية الوقف.
والفعل من أسمائه عليكا... وهكذا دونك مع إليكا يعني: أن من اسم الفعل نوعا هو في الأصل جار ومجرور أو ظرف ومجروره، فالأول عليك وكذاك وكما أنت.

والثاني: عندك ولديك ودونك ووراءك وأمامك ومكانك وبعدك، هذا هو المسموع.
فعليك بمعنى الزم ويتعدى بنفسه، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ 1 وبالباء تقول: "عليك بزيد".
وإليك بمعنى تَنَحَّ، وهو لازم عند البصرين، وزعم ابن السكيت والكوفيون أنها تتعدى فتقول: "إليك زيدا" أي: أمسك زيدا، وكذاك بمعنى أمسك.
كقوله2: ............................ كذاك القول إن عليك عينا وكما أنت بمعنى انتظر، حكى الكسائي "كما أنت زيدا" أي: انتظر زيدا، وكما أنتني أي: انتظرني، وعندك بمعنى خذ، وهي متعدية وترد بمعنى توقف، فتكون لازمة، ولديك بمعنى خذ، وهي متعدية تقول: "لديك زيدا".
ودونك بمعنى خذ فتتعدى، وبمعنى تأخر أيضا، ولا يتعدى، ووراءك بمعنى تأخر، وأمامك بمعنى تقدم، ومكانك بمعنى اثبت.
وسمع الفراء مكانني أي: انتظرني، فتكون ذات تعد ولزوم، وبعدك بمعنى تأخر، وحكى الكسائي الإغراء ببين، وسمع من كلامهم: "بينكما البعير فخذاه" ولا حجة فيه لجواز أن يكون من باب الاشتغال.

تنبيهات: الأول: لا يُستعمل هذا النوع في الغالب إلا متصلا بضمير المخاطب، وشذ عليَّ بمعنى أولني، وإلي معنى أتنحى، وعليه بمعنى ليلزم.
الثاني: أجاز الكسائي قياس بقية الظروف على المسموع بشرط الخطاب نحو: خلفك وقدامك، ونقله بعضهم عن الكوفيين، ومذهب البصريين قصر ذلك على السماع.
الثالث: اختلف في كاف عليك وأخواته فذهب الكسائي أنها في موضع نصب، ومذهب الفراء أنها في موضع رفع، ومذهب البصريين أنها في موضع جر، وهو الصحيح لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء "عَليَّ عبدِ الله زيدًا" بجر عبد الله، فتبين أن الضمير مجرور الموضع، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب.
الرابع: في كل واحد من هذه الأسماء مع الضمير "المجرور"1 ضمير رفع مستتر هو الفاعل، فلك في التوكيد أن تؤكد الكاف بالمجرور فتقول: "عليك نفسك" وأن تؤكد المستتر بالمرفوع فتقول: "عليك أنت نفسك" ولا بد من تأكيده بالمرفوع المنفصل.
كذا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ... ويَعَمْلانِ الخفضَ مصدَرَيْنِ "رويد" يستعمل أمرا وغير أمر، فإذا استعمل أمرا فله حالان: أحدهما: أن يكو مبنيا على الفتح، وإن وليه مفعول نصب نحو "رُويدَ زيدا" فهو هاهنا اسم فعل بمعنى أمهل؛ لأنه لو كان مصدرا لكان معربا، وذكر بعضهم أنه يرد بمعنى دع، ومنه: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد الشعر -أي: فدع الشعر- وما زائدة، ويجوز ألا تزاد كما قال2: رويدَ بني شيبان بعض وعيدكم................................

والآخر: أن يكون معربا منصوبا إما مضافا نحو: "رُويدَ زيد"، وإما منونا منصوبا نحو: "رويدًا زيدًا" فهو هاهنا مصدر؛ لأنه لو كان اسم فعل لكان مبنيا.
وإذا أضيف فتارة يضاف إلى فاعله نحو: "رويد زيد عمرًا" وتارة إلى مفعوله نحو: "رويد زيدٍ".
قيل: ومن الإضافة إلى فاعله قولهم: "رويدك زيدًا" ويحتمل أن يكون اسم فعل، والكاف للخطاب.
وإذا نون نصب المفعول، ومنع المبرد النصب "به"1؛ لكونه مصغرا ورويد تصغير إرواد مصدر رود أي: أمهله تصغير ترخيم، وذهب الفراء إلى أن تصغير رَوْدِ بمعنى المهل، ورد بأن رويدًا يتعدى.
وإذا استعمل غير أمر فله حالان: أحدهما: أن يكون حالا كقولهم: "ساروا رويدا" فقيل: هو حال من الفاعل أي: مُرْوِدِين.
وقيل: من ضمير المصدر المحذوف أي: ساروه رويدا.
والآخر: أن يكون نعتا إما لمصدر مذكور نحو: "ساروا سيرا رويدا" وإما لمصدر محذوف نحو: "ساروا رويدا" وضعف كونه نعتا لمصدر محذوف؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف.
واختلفوا في "رويد" الواقع نعتا، فقيل: هو الذي يستعمل مصدرا وصف به كما وصف برضى.
= اللغة: "رويد" دع أو اترك "سفوان" بفتح السين والفاء: اسم موضع.
الإعراب: "رويد" معناه أميل ومعناه هنا دع أو اترك والفاعل ضمير "بنى" منادى منصوب حذف منه حرف النداء "شيبان" مضاف إليه -نداء جيء به بين الفعل ومعموله- "بعض" مفعول به لوريد "وعيدكم" مضاف إليه وكم مضاف إلى وعيد "تلاقوا" فعل مضارع وفاعله وهو مجزوم في جواب الأمر "غدا" منصوب على الظرفية "خيلي" مفعول به لتلاقوا والياء مضاف إليه "على سفوان" متعلق بتلاقوا.
الشاهد: قوله: "رويد بني شيبان" حيث جاء رويد من غير زيادة كلمة ما بعده.
مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني 86/ 2، وفي شرح المفصل 41/ 4.

وقيل: تصغير رَوْد تصغير الترخيم وليس بمصدر.
وأما "بله" فيكون اسم فعل بمعنى دع وهو مبني نحو: "بله زيدا" وتكون مصدرا بمعنى ترك النائب عن اترك، فتستعمل مضافة نحو: "بله زيد" وهو مضاف إلى المفعول، وقال أبو علي: إلى الفاعل، وروى أبو زيد فيه القلب إذا كان مصدرا تقول: "بَهْلَ زيد" وحكى أبو الحسن الهيثم فتح الهاء واللام فتقول: "بَهْلَ زيدٍ" وأجاز قطرب وأبو الحسن أن يكون بمعنى كيف فتقول: "بله زيد" ويروى1: .......................... بَلْهَ الأكفَّ كأنها لم تُخْلَق بالنصب على أنها اسم فعل، وبالجر على أنها مصدر، وبالرفع، فقيل: هي اسم فعل بمعنى اترك.
وقيل: بمعنى كيف، وأنكر أبو علي الرفع بعدها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن "بله" بمعنى غير، فمعنى: بله الأكف غير الأكف، وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر، وعدها الكوفيون والبغداديون من أدوات الاستثناء، فأجازوا النصب بعدها على الاستثناء.
وما لِمَا تنوبُ عنه مِن عَمَلْ... لها وأخِّرْ ما لذِي فيه العَمَلْ

يعني: أن أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال التي تنوب عنها فترفع الفاعل ظاهرا نحو: "هيهات زيد" ومضمرا نحو: "نزال"، وتنصب المفعول إن نابت عن متعد، وتتعدى إليه بحرف الجر إن نابت عما يتعدى به، وينبغي أن يقول: غالبا، كما قال في التسهيل احترازا من "آمين" فإنها لم يحفظ لها مفعول، وفعلها يتعدى.
وقوله: "وأخر ما لذى فيه العمل" يعني: أنه يجب تأخير معمول أسماء الأفعال، ولا يسوى بينها وبين أفعالها في جواز التقديم، فلا يقال: "زيدا دراكِ" قال الشارح: هذا مذهب جميع النحويين إلا الكسائي فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير.
انتهى.
ونقله بعضهم عن الكوفيين.
تنبيه: مذهب المصنف جواز إعمال اسم الفعل مضمرا، وقال في شرح الكافية: إن إضمار اسم الفعل مقدما لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه.
انتهى.
ومنع كثير من النحويين حذفه وإبقاء معموله، وتأول كلام سيبويه.
واحْكُم بتنكير الذي يُنون... منها وتعريف سواه بَيِّنُ ما نون من أسماء الأفعال فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة وهي ثلاثة أقسام: لازم التعريف كنزال وآمين، ولازم التنكير كواها بمعنى أعجب وويها بمعنى أغْرِ وذو وجهين نحو صه ومه، وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نون منها وما لم ينون تعريف علم جنس، والأول هو المشهور.
ولما فرغ من أسماء الأفعال انتقل إلى أسماء الأصوات، وهي ألفاظ أشبهت أسماء الأفعال في الاكتفاء بها، وهي نوعان: أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل إما لزجر كهلا للخيل، وعدَسْ للبغل، وإما لدعاء كأو للفرس ودَوْه للربع1، وإلى هذا النوع أشار بقوله: وما به خوطب ما لا يعقل من مُشبه اسم الفعل صوتا يُجعل والثاني: ما وضع لحكاية صوت يحوان نحو "غاقِ" للغراب، و"ماء" للظبية، أو غير حيوان نحو "قبْ" لوقع "السيف"2، و"طَق" لوقوع الحجر.
وغلى هذا النوع أشار بقوله: كذا الذي أجدى حكاية كقَبْ أي: أفهم حكاية.

ثم قال: والزَمْ بنا النوعين فهو قد وَجَبْ يحتمل أن يريد بالنوعين أسماء الأفعال والأصوات، ويحتمل أن يريد نوعي الأصوات، وعلة بناء أسماء الأفعال شبهها بالحروف؛ لأنها عاملة غير معمولة كما تقدم أول الكتاب، وعلة بناء أسماء الأصوات أنها ليست عاملة ولا معمولة فأشبهت الحروف المهملة فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال.
تنبيه: هذه الأصوات لا ضمير فيها، بخلاف أسماء الأفعال؛ فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المركبات.

نونا التوكيد

: للفعل توكيدٌ بنونين هُما... كنوني اذهبنَّ واقصدنهما للتوكيد نونان ثقيلة كنون "اذهبن" وخفيفة كنون "اقصدنَهما" وهما أصلان عند البصريين لتخالف بعض أحكامهما، ومذهب الكوفيين أن الخفيفة فرع الثقلية، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من الخفيفة.
وفهم من قوله: "للفعل" اختصاصه بهما، وندر توكيد اسم الفاعل كقوله1: أقائلُنَّ أحضروا الشهودا يؤكدان افعل ويفعل آتيا... ذا طلب أو شرطا إما تاليا نونا التوكيد يؤكدان الأمر والمضارع دون الماضي؛ وقد جاء توكيد الماضي؛ لكونه مستقبل المعنى في قوله2: دامَنَّ سعْدُكِ إن رَحمْتِ متَيَّمَا..............................

فأما الأمر فيؤكدانه بلا شرط نحو "اضربن" وكذا الدعاء نحو1: وأَنْزِلَنْ سكينةً عَلَيْنَا وتوكيد الأمر بالنون جائز لا واجب.
وأما المضارع فإن كان حالا لم تدخل عليه النون؛ ولهذا قال: "آتيا"، وإن كان مستقبلا أكد بها لا مطلقا بل في مواضع مخصوصة: = اللغة: "دامن" من الدوام.
ودخله نون التوكيد على وجه الشذوذ "سعدك" خطاب لمحبوبته "المتيم" -بالتشديد- من تيمه الحب إذا عبده "الصبابة" المحبة والعشق "الجانح" من جنح إذا مال.
المعنى: أدام الله سعدك إن رحمت المتيم ولولا أنتِ موجودة لم يكن المتيم مائلا للصبابة.
الإعراب: "دامن" فعل ماض والنون للتوكيد "سعدك" فاعل والكاف مضاف إليه "إن" شرطية "رحمت" فعل وفاعل -وقعت فعل الشرط- "متيما" مفعول، وجواب الشرط محذوف تقديره: أدام الله سعدك "لولاك" لولا لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، وهي عند الجمهور جارة للضمير وموضع المجرور رفع الابتداء، والخبر محذوف وقد سد مسده جواب لولا وهي الجملة التي بعده.
وقال الخليل: لولا لا تجر، ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع "لم يك" جواب لولا ولم حرف نفي وجزم وقلب وأصله لم يكن فحذفت النون تخفيفا والضمير المستتر فيه العائد إلى المتيم هو اسم يكن "للصبابة" متعلق بجانحا "جانحا" خبر يكن.
الشاهد: قوله: "دامن" حيث دخلت فيه نون التوكيد وهو ماض.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 495/ 2، والشاطبي، وذكره ابن هشام في المغني 22/ 2، والسيوطي في الهمع 99/ 2، والشاهد 83 في الخزانة.

أولها: أن يكون بعدما يقتضي طلبا من لام أمر أو لا نهي أو أداة تحضيض أو عرض أو تمن أو استفهام بحرف أو باسم خلافا لمن خص ذلك بالهمزة وهل1، وقد أشار إلى هذا بقوله: "ذا طلب".
الثاني: أن يكون شرطا لأن مقرونة بما الزائدة نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ 2. وإلى هذا أشار بقوله: "أو شرطا إما تاليا" واحترز من الواقع شرطا لغير إما فإن توكيده قليل كما سنذكر. الثالث: أن يكون جوابا لقسم بخمسة شروط: الأول: أن يكون مستقبلا، فإن الحال لا يؤكد بالنون كما سبق، فإذا أقسم على فعل الحال صدر باللام وحدها كقراءة ابن كثير: "لَا أُقْسِمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"3.
ومن منع الإقسام على فعل الحال أول الآية على إضمار مبتدأ، أي: لأنا أقسم، والمنع مذهب البصريين.
الثاني: أن يكون مثبتا، فإن كان منفيا لم تدخله النون نحو: "والله لا يقوم زيد".
وقد جاء توكيد المنفي في قوله4: تالله لا يُحمدنَّ المرءُ مُجْتَنِبَا... فِعْلَ الكرامِ ولو فَاقَ الورَى حَسبَا

الثالث: أن يكون غير مقرون بحرف تنفيس، فإنه لا يدخله النون نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ 1. الرابع: ألا يكون مقدم المعمول كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ 2. فإنه لا تدخله النون. الخامس: ألا يقترن بقد نحو: "والله لقد أظن زيدا منطلقا"، فإنه لا يجوز توكيده "بالنون"3.
وإلى هذا أشار بقوله: أو مثبتا في قَسَم مُستقبلا.......................... لكنه أخل بشتراط الثلاثة المتأخرة. وقد نبه في الكافية والتسهيل على الثالث والرابع. تنبيه: توكيد المضارع بعد الطلب ليس بواجب اتفاقا، وأما بعد إما فمذهب سيبويه أنه ليس بلازم ولكنه أحسن؛ ولذا لم يجئ في القرآن بعدها إلا مؤكدا، وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين، وهو الصحيح، وقد كثر في الشعر مجيئه غير مؤكد4.
وذهب المبرد والزجاج إلى لزوم نون التوكيد بعد إما، وزعما أن حذفها ضرورة.

وأما بعد القسم فهو واجب عند البصريين بالشروط المذكورة، فلا بد عندهم من اللام والنون، وأجاز الكوفيون تعاقبهما، وقد ورد في الشعر. وقوله: وقَلَّ بعد ما ولم وبعد لا يعني: أن التوكيد بالنون قَلَّ بعد هذه الأربعة: الأول: "ما" والمراد بها الزائدة كقولهم: "بعَيْنٍ ما أَرَيَنَّكَ وبِجُهْدٍ ما تَبْلُغَنْ"1.
وقوله2: ومن عِضَةٍ ما يَنْبُتنَّ شَكيرُهَا وقوله3: قليلا به ما يَحْمَدَنَّك وارِثٌ

وجعل بعضهم في قوله: "ما يحمدنك وارث" نافية، وقال: هو نادر أو ضرورة يندرج في إطلاقه ما الكافة لرب، حكى سيبويه: "ربما يقولن ذلك".
وأما قوله1: رُبَّما أَوْفَيْتَ فِي عَلَم... تَرْفَعْنَ ثَوبِي شَمَالاتُ فبعيد جدا.
فإن قلت: فقد ذكر في الكافية أن التوكيد بعد "ما" الزائدة شاع، وقال في شرحها: وإنما كثر هذا التوكيد بعد "ما" الزائدة لشبهها بلازم القسم.
قال سيبويه: ولا تقع بعد هذه الحروف "إلا" و"ما" زائدة، فأشبهت لام القسم عندهم.
انتهى.
= اللغة: "مغنما" غنيمة - وهو الحصول على الشيء بدون مشقة.
المعنى: قلما يحمد الوارث من ورثه مع أنه يستولي على ما جمعه من المال، وأفنى عمره في الحصول عليه.
فلينظر الإنسان في خير ما ينفق فيه ماله.
الإعراب: "قليلا" صفة لمصدر محذوف منصوب بمحذوف يدل عليه يحمدانك؛ أي: يحمدنك حمدا قليلا ولم يجعل المصدر معمولا ليحمدنك الآتي؛ لأن معمول الفعل المؤكد لا يتقدم عليه "ما" زائدة "به" متعلق بيحمدنك "وارث" فاعل "مغنما" مفعول نال.
والشاهد: قوله: "يحمدنك" حيث أكده الشاعر بالنون الثقيلة بعد "ما" الزائدة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 479/ 2، وابن هشام 310/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص109، وفي همعه 78/ 2.

فكيف قال هنا: قد قلَّت؟ قلَّته إنما هو بالنسبة إلى المواضع السابقة فلا ينافي كونه شائعا.
فإن قلت: فهل هو مطرد؟ قلت: ظاهر كلام المصنف اطراده، وقال بعضهم: لا يقاس على هذه الأمثلة المذكورة.
فإن قلت: فهل يطرد بعد ربما؟ قلت: قال في الكافية: وشذ بعد ربما، وعلل بأن الفعل بعدها ماضي المعنى، ونص بعضهم على أن إلحاق النون بعدها ضرورة، وظاهر كلام سيبويه يشعر بأنه لا يختص بالضرورة، وهو ظاهر التسهيل ومثاله بعد "لم" قوله1: يحسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلَمَا.......................... وهو قليل، ونص سيبويه على أنه ضرورة؛ لأن الفعل بعد لم ماضي المعنى كما كان بعد ربما.

قال في شرح الكافية: وهو بعد ربما أحسن.
ومثاله بعد "لا" والمراد بها النافية قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ﴾ 1 وذلك لشبهها بالناهية.
ومذهب الجمهور منع التوكيد بالنون بعد "لا" النافية إلا في الضرورة، وأجازه المصنف وابن جني.
وتأول المانعون الآية فقيل: "لا" ناهية والجملة محكية بقول: "محذوف هو"2 صفة "فتنة" فتكون نظير3: جاءوا بِمذْقٍ هَلْ رأيتَ الذِّئْبَ قَطْ وقيل: "لا" ناهية أيضا وتم الكلام عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصة عن "التعرض"4 للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأخرج النهي "عن"5 إسناده للفتنة، فهو نهي محول كما قالوا: "لا أريَنَّك هاهنا"6 وهذا تخريج المبرد والفراء والزجاج، وقال الأخفش الصغير: "لا تصيبنّ" هو على معنى الدعاء، وقيل: "لا تصيبن" جواب قسم، والجملة موجبة، والأصل "لتُصيبَنّ" كقراءة ابن مسعود وغيره، ثم أشبعت اللام، وهو ضعيف؛ لأن الإشباع بابه الشعر، وقيل: جواب قسم، ولا: نافية ودخلت النون تشبيها بالموجب وكما دخلت في قوله7: تالله لا يحمدن المرء مجتنبا وقال الفراء: الجملة جواب الأمر، كقولك: "انزل عن الدابة لا تطرَحَنَّكَ" "ولا: نافية ومَن منع النون بعد دخول "لا" النافية منع "انزل عن الدابة

لا تطرحنك""1 ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ورود النون بعد النافية، وقد فصل بينها وبين الفعل بمعموله كقولك2: فلا ذا نعيم يَتْرُكَنْ لنَعِيمِهِ.......................... أو بمعمول مفسره كقوله3: فلا الجارة الدنيا لها تَلْحَينَّهَا............................. فتوكيد "لا تصيبن" أحق بالجواز؛ لاتصاله بلا.
فإن قلت: فهل يطرد التوكيد بعد "لا" مع الفصل؟ قلت: نص غير المصنف على أن ذلك ضرورة.

وقوله: وغير إما من طوالِبِ الْجَزا يشمل "إن" مجردة وغيرها1.
ويشمل كلامه الشرط كقوله2: مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآيبٍ والجواب كقولك3:

..................... متى يأتِك الخيرُ يَنْفَعَا ودخولها في غير شرط إما وجواب الشرط مطلقا ضرورة.
قال سيبويه: بعد إنشاد -فمها تشأ منه فزارة تُعْطِكُم1: وهو قليل في الشعر.
قال في التسهيل2: وقد تلحق جواب الشرط اختيارا.
انتهى.
ولم يخص لحاقها جواب الشرط بالضرورة.
تنبيه: جاء توكيد المضارع في غير ما ذكر لضرورة الشعر، وهو غاية من الندور؛ لذلك لم يتعرض لذكره.
ومنه قوله3: لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ما... قرَّبُوها مَنْشُورةً ودُعِيتُ

ولما فرغ من ذكر ما تدخله النون "على اختلاف أحواله"1 أخذ في بيان ما ينشأ عن دخولها في التغيير فقال: وآخِرَ المؤكدِ افتحْ كابرُزَا أمر بفتح آخر الفعل المؤكد أمرا كان أو مضارعا نحو: "ابرزنّ" و"لا تبرزنّ" وشمل كلامه الصحيح كما مثل، والمعتل بالواو كاغزونّ، وبالياء نحو: ارمينّ، وبالألف نحو: اسعينّ -بعد قلب الألف ياء.
فإن قلت: ومن أين يؤخذ من كلامه "قلب الألف"2؟ قلت: مما سيذكر.
تنبيهات: الأول: أطلق في قوله: "آخر المؤكد" ومراده المجرد من الضمير البارز، علم ذلك مما سيأتي.
الثاني: ذهب قوم إلى أن فتحة آخر المؤكد عارضة لالتقاء الساكنين، ونسبه الزجاج إلى سيبويه، وذهب قوم منهم المبرد وابن السراج إلى أنها فتحة بناء، ونسبه إلى سيبويه أيضا، وهو ظاهر مذهب المصنف، وقال في الغرة: إنه هو الصحيح.
الثالث: لغة فزارة حذف الآخر إذا كان ياء تلي كسرة نحو: "ارمِنَّ يا زيد"، ومنه3:

ولا تُقاسِنّ بعدي الهم والجزَعَا ثم انتقل إلى رافع الضمير البارز فقال: واشْكلهُ قبل مضمر لين بما... جَانسَ من تَحرُّكٍ قد عُلِمَا فأمر بتحريك آخر المؤكد قبل المضمر اللين بحركة تجانسه، والمضمر اللين هو ألف الاثنين وواو الجمع وياء المخاطبة.
فيفتح آخر المؤكد قبل الألف ويضم قبل الواو ويكسر قبل الياء.
وأما حكم المضمر في نفسه، فإن كان ألفا أقرت لخفتها، وإن كان واو أو ياء حذف وتركت الحركة المجانسة دليلا عليهما، وإلى هذا أشار بقوله: والمضمرَ احذفنَّهُ إلا الألفْ فعلم أن الألف تقر نحو: "هل تضربان؟ "، وأن الياء والواو يحذفان نحو: "هل تضربُن يا زيدون؟ " و"هل تضرِبن يا هند؟ ". هذا حكم الصحيح، "وأما"1 المعتل بالواو والياء فتقول: اغزن وارمن، بحذف الواو وإبقاء الضمة دليلا عليها، واغزن وارمن، بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها كما فعلت في الصحيح.
فإن قلت: ليس المعتل بالواو والياء كالصحيح؛ لأن المعتل بهما يحذف آخره، ويجعل الحركة المجانسة على ما قبله بخلاف الصحيح.
قلت: حذف آخر المعتل إنما هو لإسناده إلى الواو والياء، لا لتوكيده، فهو مساوٍ للصحيح في التغيير الناشئ عن التوكيد؛ ولذلك لم يتعرض له الناظم.
وأما المعتل بالألف فليس كالصحيح فيما ذكر؛ بل له حكم آخر نه عليه بقوله: = وصدره: لا تُتْبِعِنْ لوعة إثرى ولا هَلَعَا وهو من البسيط.
الإعراب: "لا تقاسن" نافية وفعل مضارع مسند لياء المخاطبة وحذفت للتخلص من التقاء الساكنين والنون للتوكيد والفاعل ضمير مستتر "بعدي" ظرف والياء مضاف إليه "اللهم" مفعول به "والجزعا" عطف عليه.
الشاهد: قوله: "ولا تقاسن" حيث حذف آخر الفعل؛ لأنه ياء ولي كسرة في لغة فزارة.
مواضعه: ذكره الأشموني 501/ 2، والسيوطي في الهمع 59/ 2.

وإنْ يكُن في آخرِ الفعل ألِفْ... فاجعله منه رافعا غيرَ اليَا والواو ياء كاسعيَنَّ سَعْيَا الضمير في "اجعله" للألف التي هي آخر الفعل، والضمير في منه للفعل وياء ثاني مفعولي اجعل أي: اجعل الألف التي هي آخر الفعل ياء إن كان رافعا غير الياء والواو، فيشمل ثلاثة أنواع: رافع الألف نحو: "اسعيان"، ورافع نون الإناث نحو: "اسعينان"، والمجرد من الضمير البارز نحو: "اسعينّ يا زيد".
ثم ذكر حكم رافع الواو والياء فقال: واحذفه من رافع هاتين وفي أي: واحذف الألف من رافع الياء والواو وتبقى الفتحة قبلها دليلا عليها.
ثم ذكر حكم الواو والياء بعد حذف الألف فقال: واو ويا شكْلٌ مُجانِسٌ قفِي يعني: أن الواو تضم والياء تكسر، وإنما احتيج إلى تحريكهما ولم يحذفا؛ لأن قبلها حركة غير مجانسة، أعني: فتحة الألف المحذوفة، فلو حذفا لم يبقَ ما يدل عليهما.
ثم مثل فقال: نَحْوُ اخْشِينْ يا هِنْدُ بالكَسْرِ ويَا... قَوْمُ اخْشُونْ واضْمُمْ وقِسْ مُسَوِّيَا قوله: "واضمم" يعني الواو.
تنبيهان: الأول: أجاز الكوفيون حذف الياء المفتوح ما قبلها نحو: "اخْشَينَّ" فتقول: "اخشِنَّ يا هند"، وحكى الفراء أنها لغة طيئ.
الثاني: فرض المصنف الكلام على الضمير، وحكم الألف والواو اللذين هما علامة1 كحكم الضمير، وهذا واضح.
ولم تقع خفيفة بعد الألف... لكن شديدة............ قال في شرح الكافية: لو كان المسند إليه ألفا لم يجز أن يؤتى بالنون إلا مشددة، هذا مذهب سيبويه وغيره من البصريين إلا يونس، فإنه يجوز أن يؤتى

بعد الألف بالنون الخفيفة مكسورة، ويعضد قوله قراءة بعض القراء: "فدَمَّرَانِهم تدميرا"1 حكاها ابن جني. ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان: "وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"2.
ومذهب يونس كمذهب الكوفيين في وقوع الخفيفة بعد الألف.
انتهى.
قلت: وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم يلحقونها ساكنة لا مكسورة وهو ظاهر كلام سيبويه.
قال: وأما يونس وناس من النحويين فيقولون: اضربان واضربنان زيدا، فهذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها؛ إذ لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم.
انتهى.
فإن قلت: إذا كان بعدها ما تدغم فيه، فهل يجوز لحاقها على مذهب البصريين لزوال المانع نحو: "اضربان نعمان"؟ قلت: قال الشيخ أبو حيان: نص بعضهم على المنع، ويمكن أن يقال: يجوز.
انتهى، وقد صرح سيبويه بمنع ذلك.
وقوله: "وكسرها ألف" يعني: أن النون الشديدة إذا وقعت بعد الألف كسرت، وإن كانت في غير ذلك مفتوحة، وإنما كسروا مع الألف فرارا من اجتماع الأمثال.
وألفًا زِدْ قبلها مُؤَكِّدا... فِعلا إلى نون الإناثِ أُسْنِدَا فتقول: "اضربنان" وإنما زيدت هذه الألف للفصل بين الأمثال.
والخلاف في التوكيد بالخفيفة بعد الألف كالخلاف بعد ألف الاثنين.
واحذِفْ خفيفةً لساكنٍ رَدِفْ... وبعدَ غيرِ فتحةٍ إذا تَقِفْ يعني: أن الخفيفة تحذف وهي مرادة لأمرين:

أحدهما: أن يليها ساكن نحو: "اضربَ الرجلَ" تريد: اضرِبَنْ.
ومنه قوله1: لا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ... تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ لأنها لما لم تصلح للحركة عوملت معاملة حرف المد2.
وإذا وليها ساكن وهي بعد ألف على مذهب المجيز، فزعم يونس أنها تبدل همزة وتفتح فتقول: "اضرباء الغلام" و"اضربناء الغلام" قال سيبويه: وهذا لم تقله العرب، قال: والقياس "اضرب الغلام، واضربن الغلام"3 يعني: بحذف الألف والنون.

والثاني: أن يوقف عليها بعد غير فتحة، يعني: بعد ضمة أو كسرة، فإنها تحذف إذ ذاك كما يحذف التنوين، ويرد ما حذف لأجلها، أعني: واو الضمير وياءه ونون الرفع أيضا وفي المعرب.
وقد نبه على رد المحذوف بقوله: واردُدْ إذا حَذَفْتَهَا في الوقف ما... من أَجْلِهَا في الوَصْلِ كَان عُدِمَا يعني: أنه يرد إلى الفعل الموقوف عليه بعد حذفها ما حذف في الوصل لأجلها فتقول: "اضربن يا زيدون" و"اضربن يا هند" فإذا وقفت عليهما "قلت"1: اضربوا واضربي، برد واو الضمير ويائه، وتقول في "هل تضربن؟ " و"هل تضربين؟ " إذا وقفت "عليهما"2: هل تضربون؟ وهل تضربين؟ برد الواو والياء ونون الرفع؛ لزوال سبب الحذف.
ثم نبه على حكمها بعد الفتحة فقال: وأبدِلَنْهَا بعد فَتْحٍ أَلِفَا... وقْفًا كما تَقُولُ في قِفَن قِفَا وذلك لشبهها بالتنوين، وقد ندر حذفها لغير ساكن ولا وقف كقوله3: اضربَ عنكَ الهمومَ طارقَها

وكقوله1: كما قِيلَ قَبْلَ اليومِ خَالفَ تُذْكَرَا فإن قلت: ما ذكر من حذف الخفيفة "للوقف"2 بعد غير الفتحة ينافي معنى التوكيد الذي جاءت لأجله؛ إذ لا دليل عليها بعد الحذف.
فينبغي أن يقال: إن التوكيد بها إنما يكون في الوصل خاصة كما أشار إليه بعضهم.
قلت: يرده قلبها بعد الفتحة ألفا في الوقف، فعلم بذلك أن التوكيد بها لا يختص بالوصل.
تنبيهات: الأول: اختلف في الفعل المعرب إذا أكد بالنون على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مبني، والثاني: أنه معرب، والثالث: التفصيل بين أن تباشر فيكون مبنيا، أو لا تباشر فيكون معربا، وهو الصحيح -كما تقدم أول الكتاب- ويدل على صحته رد نون الرفع عند حذف نون التوكيد في الوقف.
فدل على أنها مقدرة في الوصل.

والثاني: أجاز سيبويه إبدالها واوا أو ياء نحو: اخشَوُنْ واخْشَينْ.
فتقول: اخشَوُوا واخْشَيي، وغيره يقول: "اخشوا واخشي".
وقد نقل عنه إبدالها واوا بعد الضمة وياء بعد الكسرة مطلقا.
قلت: وكلام سيبويه يدل على أن يونس إنما قال بذلك في المعتل، فإنه قال: وأما يونس فيقول: اخشَيي واخْشَوُوا، يزيد الواو والياء بدلا من النون الخفيفة من أجل الضمة والكسرة.
وقال الخليل: لا أرى ذلك إلا على قول من قال: هذا عمرو ومررت بعمري - ثم قال: وينبغي لمن قال بقول يونس في اخشي واخشيوا- إذا أراد الخفيفة أن يقول: هل تضربوا؟ بجعل الواو مكان الخفيفة.
والثالث: إذا وقف على المؤكد بالخفيفة بعد الألف على مذهب يونس والكوفيين أبدلت ألفا، ونص سيبويه على ذلك عن يونس ومَنْ وافقه، ثم قيل: يجمع بين الألفين فيمد بمقدارهما، وقيل: بل ينبغي أن تحذف إحداهما ويقدر بقاء المبدلة من النون وحذف الأولى.
وفي الغرة إذا وقفت على "اضربان" على مذهب يونس زدت ألفا عوض النون، فاجتمع ألفان، فهمزت الثانية فقلت: اضرباء.
انتهى.
وقياسه في اضرِبْنان اضربنَاءْ.

ما لا ينصرف

: الأصل في الاسم أن يكون "معربا"1 منصرفا، وإنما يخرجه عن أصله شبهه بالفعل أو بالحرف، فإن شابه الحرف بلا "معاند"2 بُني، وإن أشبه الفعل بكونه فرعا من وجهين من الوجوه الآتية مُنع الصرف.
ولما أراد بيان ما يمنع الصرف بدأ بتعريف الصرف فقال: الصرفُ تنوينٌ أتَى مُبَيِّنَا... معنًى به يكونُ الاسمُ أمْكَنَا فقوله: "تنوين" جنس يشمل جميع أقسام التنوين، وقد تقدمت أول الكتاب، وقوله: "أتى مبنيا... إلخ" مُخرج لسائر أقسام التنوين غير المعبر عنه بالصرف والمراد بالمعنى الذي يكون به الاسم أمكن بقاؤه على أصالته، ومعنى بقاؤه على أصالته سلامته من شبه الحرف وشبه الفعل، فكأنه يقول: الصرف تنوين يبين كون الاسم باقيا على أصالته، أي: غير مشابه فعلا ولا حرفا، فإن هذا هو المعنى الذي يكون الاسم به أمكن؛ أي: زائد في التمكن.
قيل3: وهو أفعل تفضيل من التمكن، وهو شاذ.
تنبيهات: الأول: مذهب المحققين أن الصرف هو التنوين المذكور؛ أعني: تنوين التمكين وحده، وقيل: "الصرف"4 هو الجر والتنوين معا.
الثاني: تخصيص تنوين التمكين بالصرف هو المشهور، وقد يطلق على غيره من تنوين التنكير والعوض والمقابلة صرفا.
الثالث: فهم من تعريفه الصرف أن المنصرف ما يدخله التنوين المسمى بالصرف، وأن غير المنصرف ما لا يدخله ذلك التنوين.

قال الشارح: وفي هذا التعريف مسامحة، فإن من جملة ما لا يدخله التنوين الدال على الأمكنية "باب"1 مسلمات قبل التسمية، وليس من المتمكن أن يقول: إنه غير مصروف؛ لما سنعرفه بعد.
الرابع: اختلف في اشتقاق المنصرف، فقيل: "هو"2 من الصريف، وهو الصوت؛ لأن في آخره التنوين وهو صوت، وقيل: من الانصراف في جهات الحركات، "وقيل: من الانصراف"3 وهو الرجوع، كأنه انصرف عن شبه الفعل.
وقال في شرح الكافية: سمي منصرفا لانقياده إلى ما يصرفه عن عدم تنوين إلى تنوين، وعن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره.
الخامس: جميع ما لا ينصرف اثنا عشر نوعا، منها خمسة لا تنصرف في تعريف ولا تنكير، وسبعة لا تنصرف في التعريف وتنصرف في التنكير، وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
ولما شرع في بيان موانع الصرف بدأ بما يمنع في الحالتين فقال: فألفُ التأنيثِ مُطلقا مَنَعْ... صَرْفَ الذي حواه كيفما وَقَعْ يعني: أن ألف التأنيث مطلقا -مقصورة كانت أو ممدودة- تمنع صرف ما هي فيه كيفما وقع من كونه نكرة أو معرفة، مفردا أو جمعا، اسما أو صفة.
فالمقصورة نحو: ذكرى وسلمى ومرضى وسكرى، والممدودة نحو: صحراء وزكرياء وأشياء وحمراء.
وإنما استقلت الألف بالمنع؛ لأنها قائمة مقام "شيئين"4؛ وذلك لأنها لازمة لما هي فيه، بخلاف التاء فإنها في الغالب مقدرة الانفصال، فهي المؤنث بالألف فرعية من جهة التأنيث، وفرعية من جهة لزوم علامته، بخلاف المؤنث بالتاء.

جارٍ التحميل