مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فإن قلت: لم لم يذكر علامة رفعه؟
قلت: لأنه بالضمة على الأصل.
ثم ذكر ما ألحق بجمع المؤنث السالم فقال:
كذا أولات والذي اسما قد جعل... كاذرعات فيه ذا أيضا قبل
يعني: أن أولات يكسر في جره ونصبه كالجمع المذكور، وهو اسم جمع؛ لأنه لا واحد له من لفظه فهو في المؤنث نظير أولو في المذكر.
وقوله:
....... والذي اسما قد جعل
يعني: أن ما كان مجموعا بألف وتاء ثم سمي به فجعل اسما مفردا، فإنه يعرب بعد التسمية على اللغة الفصحى بما كان يعرب به قبلها، فيكسر في الجر والنصب وينون.
وقد مثله بأذرعات "وهو بالذال المعجمة"1 اسم موضع2 فتقول: "رأيت أذرعات ومررت بأذرعات" فيستوي جره ونصبه ونحوه "عرفات".
ومن العرب من يمنعه التنوين ويجره وينصبه بالكسرة كما سبق "ومنهم"3 من يمنعه الصرف فيجره وينصبه بالفتحة ولا ينون.
فإن قلت: لم نون أذرعات وعرفات ونحوهما على اللغة الفصحى، وحقهما منع الصرف للتأنيث والعلمية؟
قلت: ليس تنوينهما للصرف؛ وإنما هو تنوين المقابلة وقد تقدم بيانه.
فإن قلت: قد ذكر حكم المجموع بالألف والتاء -إذا سمي به- فما حكم المثنى والمجموع على حدة إذا سمي بأحدهما؟
قلت: أما المثنى ففيه لغتان:
الأولى: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثانية: أن يجعل مثل: "عمران" في التزام الألف وإعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف.
وأما المجموع على حدة ففيه أربعة أوجه:
الأول: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثاني: أن يجعل "كغسلين" في التزام الياء وجعل الإعراب "على"1 نون مصروفا، ولم يذكر سيبويه غير هذين الوجهين2.
والثالث: أن يجعل "كهارون" في التزام الواو وجعل الإعراب على النون غير مصروف للعلمية وشبه العجمة.
والرابع: التزام الواو وفتح النون مطلقا، ذكره السيرافي، وزعم أن ذلك صحيح من لسان العرب.
تنبيهات:
الأول: جعل المثنى "كعمران" والمجموع "كغسلين" أو "هارون" مشروط ألا يتجاوزا سبعة أحرف, فإن تجاوزا السبعة لم يعربا بالحركات3, وقد تنبه على ذلك في التسهيل4.
الثاني: ما تقدم من أن المثنى إذا جعل بعد التسمية "كعمران" يمنع الصرف، قيده ابن جني بغير "ذان وتان" مسمى بهما، فإنهما يصرفان إذ الألف "هنا"5 لم تقع وقع الألف الزائدة.
وفي حواشي مبرمان6 منع صرف "ذان"7 قال: لأن في آخره زيادتين.
والموضع الثاني من "موضعي"1 نيابة الحركة عن حركة أخرى. ما لا ينصرف وهو كل اسم شابه الفعل من كونه فرعا من وجهين كما سيتحقق في موضعه.
فهذا يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فحمل جره على نصبه؛ لأنه لما شابه الفعل منع التنوين والجر بالكسرة.
وإلى هذا أشار بقوله:
وجر بالفتحة ما لا ينصرف
فشمل ذلك: المفرد والجمع المكسر نحو: "مررت بأحمد، وصليت في مساجد".
وسكت عن رفعه ونصبه، "لأنهما الأصل"2.
وقوله:
ما لم يضف أو يك بعد أل "ردف"
يعني: فإنه يجر حينئذ بالكسرة نحو: "مررت بأحسن القوم وبالأحسن".
وشمل قوله: "أل" المعرفة كما مثل، والموصولة نحو:
ما أنت باليقظان ناظره إذا... نسيت بما تهواه ذكر العواقب3
والزائد نحو: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا1....................................... وقال في التسهيل: ما لم يصحب الألف واللام أو بدلهما2 يعني الألف والميم في لغة أهل اليمن كقول الشاعر: ......................................... تبيت بليل أمأرمد اعتاد أولقا3
وقوله "رَدِف" معناه تبع.
فإن قلت: إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته "أل" "و"1 الجر بالكسرة فهل يسمى منصرفا؟
قلت: فيه خلاف مشهور2.
= أقف على اسمه، وهو من الطويل.
وصدره: أأن شمت من نجد بريقا تألقا وفي النسختين أ، ج ذكر الشطر الثاني وفي ب كله.
الشرح: "أأن شمت" من شمت البرق أشيمه شيما إذا نظرته أين يصوب، "بريقا" أي لمعانا, تألقا -بتشديد اللام- يقال تألق البرق إذا لمع، "بليل امأرمد" أراد بليل الأرمد والميم أبدلت من اللام، وهو لغة أهل اليمن كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من امبر امصيام في امسفر", "أولقا" الأولق، المجنون، والبيت من المقلوب.
المعنى: ألئن لاح لك من هذه الجهة أدنى بريق بت بليلة رجل أرمد اعتاده الجنون.
الإعراب: "أأن" الهمزة للاستفهام و"أن" قال العلامة الصبان: يحتمل أن تكون مصدرية حذفت قبلها لام التعليل للاستفهام و"أن" تكون شرطية أتي بجوابها مرفوعا لأن فعل الشرط ماض.
ا. هـ. قلت: وعلى الأول فهمزتها مفتوحة، وعلى الثاني فهمزتها مكسورة، والذي ينساق إلى ذهني أن الأول أحسن معنى وأقرب لمراد الشاعر, "شمت" فعل ماض وفاعله, وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسا والجار والمجرو متعلق بقوله "تبيت" الآتي, "من نجد" متعلق بشمت, "بريقا" مفعول به لشمت, "تألقا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر يعود إلى "بريق" والجملة في محل نصب صفة لبريق, "تبيت" فعل وفاعل, "بليل" جار ومجرور متعلق بتبيت "أمأرمد" مضاف إليه, "اعتاد" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود إلى أمأرمد, "أولقا" مفعول به لاعتاد والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب حال من أمأرمد أو هي في محل جر صفة له لأن المحلى بأل الجنسية معرفا لفظا في قوة النكرة.
الشاهد: في قوله: "بليل أمأرمد" فإن أرمد لا ينصرف، ولكن لما دخله الميم التي هي عوض اللام على لغة أهل اليمن انجر بالكسرة كما ينجر فيما إذا دخله اللام نحو: "مررت بالأحسن".
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 1/ 42، والسيوطي في همع الهوامع 1/ 41.
والتحقيق: أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضافة أو "أل" فمنصرف نحو "مررت بأحمدِكم" وإلا فغير منصرف نحو: "مررت بأحسَنِكم".
ولبيان ذلك موضع هو أليق به، المفهوم من قوة كلامه في النظم أنه باق على منع صرفه.
ولما فرغ من مواضع النيابة في الأسماء أخذ يذكر مواضع النيابة في الأفعال, وقد تقدم أن النائب في الفعل شيئان: الحرف والحذف.
فالحرف هو النون تنوب عن الضمة، والحذف حذف النون وحروف العلة، "فحذف النون ينوب عن الفتحة والسكون"1 وحذف حروف العلة ينوب عن السكون.
وبدأ بمواضع النون فقال:
واجعل لنحو يفعلان النونا... رفعا وتدعين وتسألونا
فنحو "يفعلان" هو كل فعل اتصل به ألف اثنين مخاطبين أو غائبين نحو: "أنتما تفعلان" وهما يفعلان سواء كان ضميرا كما مثل به، أو حرفا نحو "يفعلان الزيدين" في لغة طيئ وأزد شنوءة2.
وقوله: "رفعا" هو مفعول ثان لقوله: "واجعل" أي: صيِّر، وهو تصريح "بأن الرفع بالنون"3 كما هو مذهب الجمهور خلافا لمن زعم أن الإعراب في هذه الأمثلة بحركات مقدرة على لام الفعل.
وقوله "وتدعين" أي: ونحو "تدعين" وهو كل فعل اتصل به ياء "المخاطبة".
وقوله "وتسألون" أي نحو "تسألون", وهو كل فعل اتصل به واو جمع مخاطبين أو غائبين، نحو: "أنتم تفعلون وهم يفعلون" وسواء أكانت ضميرا كما مثل به أو حرفا نحو: "يفعلون الزيدون" في اللغة المشار إليها.
وقوله:
وحذفها للجزم والنصب سمه
أي: وحذف النون علامة للجزم والنصب كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ 1.
وقد مثل بقوله:
كلم تكوني لترومي مظلمه
"فتكوني" مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون "وترومي" منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود وعلامة نصبه حذف النون أيضا.
وبدأ بالجزم؛ لأن النصب محمول على الجزم في علامته، فإن الجزم أحق بالحذف فحمل النصب عليه كما حصل على الجر في الأسماء.
وقوله: "مظلمه" يجوز فيه فتح اللام وكسرها، والفتح هو القياس.
إعراب المعتل من الأسماء والأفعال:
ولما أنهى القول في "بيان"2 إعراب الصحيح من الأسماء والأفعال، شرع في إعراب المعتل من الأسماء والأفعال, فقال:
وسم معتلا من الأسماء ما... كالمصطفى والمرتقي مكارما
فأشار بالمثال الأول إلى كل اسم حرف إعرابه ألف لازمة, وبالثاني إلى كل اسم حرف إعرابه "ياء لازمة قبلها كسرة".
فكلا النوعين يسمى معتلا وليس في الأسماء ما حرف إعرابه واو لازمة قبلها ضمة3.
"ثم أشار"4 إلى أن هذين النوعين وإن اشتركا في الاعتلال، فإن لكل "واحد"5 اسما خاصا وحكما غير حكم الآخر فقال:
فالأول الإعراب فيه قدرا... جميعه وهو الذي قد قصرا
يعني بالألف ما حرف إعرابه ألف لازمة كالمصطفى "وإنما"1 قدر فيه الإعراب جميعه أعني الرفع والنصب والجر، لتعذر تحريك الألف.
فإذا قلت: "جاء الفتى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "رأيت الفتى" فعلامة نصبه فتحة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "مررت بالفتى" فعلامة جره كسرة مقدرة في الألف تعذرا.
وقوله: "وهو الذي قد قصرا" إشارة إلى أن هذا النوع يسمى في الاصطلاح مقصورا؛ لأنه منع المد، ويقابله الممدود، ولذلك لا يسمى نحو "يسعى" مقصورا إذ ليس في الفعل ممدود.
وقيل: سمي مقصورا؛ لأنه قصر عن ظهور الحركات، والقصر المنع.
"والثان منقوص" يعني بالثاني: ما حرف إعرابه ياء لازمة تلي كسرة كالمرتقي.
وسمي منقوصا؛ لأنه تحذف لامه للتنوين نحو "داع ومرتق".
وقيل لأنه نقص "فيه"2 بعض الحركات وظهر فيه بعضها.
ونصبه ظهر نحو قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ 3.
ذلك لخفة الفتحة4.
ورفعه ينوى نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ 5 فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الياء استثقالا لا تعذرا لإمكان النطق بها، وقد ظهر في الضرورة كقول الشاعر:
وعن الفرزدق شر العروق... خبيث الثرى كابي الأزند1
وقوله: كذا أيضا يجر.
أي: يجر بالكسرة "منوية"2 كما رفع بضمة "منوية"3 لثقل الضمة والكسرة على الياء كقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ 4 فعلامة جره كسرة مقدرة في الياء استثقالا, لا "تعذرا"5 لإمكان النطق بها كقول جرير:
فيوما يوافين الهوى غير ماضيٍ6............................................
ثم انتقل إلى المعتل من "الأفعال"1 فقال:
وأي فعل آخر منه ألف... أو واو أو ياء فمعتلا عرف
أي: شرطية وبعدها "كان" التامة مقدرة وآخر منه مبتدأ وألف خبره والجملة خبر كان.
وقوله: "فمعتلا عرف" جواب الشرط، ويحتمل أن تكون "كان" المقدرة ناقصة وآخر اسمها وألف خبرها ووقف عليه بحذف التنوين على لغة ربيعة2.
ويجوز أن تكون "أي" موصولة على مذهب من أجاز إضافتها إلى النكرة.
= الإعراب: "فيوما" منصوب على الظرفية بالفعل بعده, "يوافين" فعل مضارع ونون النسوة فاعله, "الهوى" مفعول به, "غير" قال العيني: هو مفعول ثان أو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا أي يوافين وفاء غير نافذ.
ا. هـ. وعندي أنه على أية حال صفة لموصوف محذوف غير أنك لو قدرت ذلك المحذوف مصدرا كان مفعولا مطلقا كما قدره، ولو قدرته اسما غير مصدر كان مفعولا ثانيا أي يجازين الهوى حديثا غير نافذ أو ما في معنى ذلك, "ماضيٍ" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة, "غير" من الألفاظ المتوغلة في الإبهام فلا تفيده الإضافة تعريفا ومثلها لفظ مثل وما أشبهها, "ويوما" الواو عاطفة يوما منصوب على الظرفية بالفعل بعده.
وقول العيني: إنه معطوف على يوما الأول خطأ؛ لأن الواو عطفت هذه الجملة كلها على الجملة السابقة وإلا لكان اليومان معمولين للفعل السابق, وذلك لم يذهب إليه أحد, "ترى" فعل مضارع وهي بصرية أولى من أن تكون علمية وفاعله ضمير مستتر فيه, "منهن" جار ومجرور متعلق بترى, "غولا" مفعول به, "تغول" فعل مضارع فاعله ضمير الغول المستتر فيه.
والجملة في محل نصب صفة لغولا وإن جعلت علمية كانت هذه الجملة في محل نصب على أنها مفعول ثان.
الشاهد: في "غير ماضيٍ" حيث حركت الياء في الماضي للضرورة، والقياس إسكانها لأنه اسم فاعل من مضى يمضي كقاض من قضى يقضي، فبعد الإعلال يصير ماض فتحذف منه الياء ويكتفي بالتنوين.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الشاطبي والأشموني في 1/ 44 وفي سيبويه 1/ 59.
وحاصل البيت: أن كل فعل آخره ألف نحو: "يخشى" أو واو نحو: "يدعو" أو ياء نحو: "يرمي" فهو معتل قد عرف بهذا الاسم، ولا يقال منقوص ولا مقصور "إلا في الأسماء"1.
وقوله:
فالألف انو فيه غير الجزم
يعني بغير الجزم الرفع والنصب نحو: "زيد يسعى, ولن يسعى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة وعلامة نصبه فتحة مقدرة.
وكل ما قدر في الألف فهو على سبيل التعذر، وإنما استثني الجزم؛ لأنه يظهر بحذف الألف كما سيأتي2.
وقوله:
وأبدِ نصب ما كيدعو يرمي
أي "ويظهر"3 نصب المعتل بالواو "كيدعو" والمعتل بالياء "كيرمي" فتقول: "لن يدعو, ولن يرمي" لخفة الفتحة.
وقوله:
والرفع فيهما انو........
يعني: في المعتل بالواو والياء نحو: "زيد يدعو ويرمي" فعلامة رفعهما ضمة مقدرة في الواو والياء استثقالا كما سبق في المنقوص.
وقوله:
.......... واحذف جازما... ثلاثهن...................
يعني: الألف، والواو، والياء، تحذف الثلاثة للجازم نحو: "لم يخش ولم يرم ولم يغز".
والتحقيق: أن الحذف عند الجازم، لأنه فرع، إذا كان حرف العلة بدلا من همزة نحو: "يقرأ" فإن قدر دخول الجازم قبل الإبدال وجب إقراره4 وإن قدر دخوله بعد الإبدال فقد ذكر ابن عصفور فيه وجهين: الإثبات والحذف، ومنع بعضهم الحذف.
وقوله: "تقض حكما لازما" يعني في غير ضرورة الشعر، وأما في الضرورة فقد تثبت هذه الأحرف ويقدر الجزم.
كقول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي1..................................
وكقول الآخر:
............................................ لم تهجو ولم تدع2
وقول الآخر:
.............................. ولا ترضَّاها ولا تملَّق1
ومنع بعضهم إثبات الألف وهو اختيار ابن عصفور.
وسبب هذا الخلاف، اختلافهم فيما حذفه الجازم، فقيل: الضمة المنوية فعلى هذا لا فرق بين الألف وأختيها، وقيل: الضمة الظاهرة.
لفظ بها ضرورة ثم حذفت، فعلى هذا لا يجوز في الألف2، إذ لا يمكن فيها ذلك.
= الشرح: "زبان" -بفتح الزاي وتشديد الباء الموحدة- اسم رجل، واشتقاقه من الزبب وهو طول الشعر وكثرته.
الإعراب: "هجوت" فعل وفاعل والتاء في رواية أكثر النحاة مفتوحة على أنها ضمير المخاطب.
وهي فيما رواه المرتضى مضمومة على أنها للمتكلم, "زبان" مفعول به, "ثم" حرف عطف, "جئت" فعل وفاعل والجملة معطوفة على الجملة السابقة, "معتذرا" حال من الفاعل, "من هجو" جار ومجرور متعلق بمعتذر, "زبان" مضاف إليه, "لم" نافية جازمة, "تهجو" مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الحركة المقدرة على الواو, "ولم" الواو عاطفة ولم نافية جازمة, "تدع" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر للروي.
الشاهد: في "لم تهجو" حيث أثبت الشاعر الواو مع الجازم للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني: 1/ 46, والشاطبي, وذكره السيوطي في همع الهوامع 1/ 52، وابن يعيش في شرح المفصل 10/ 104، والإنصاف 1/ 16, والخصائص 1/ 323، 327.
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الحروف الثابتة إشباع1 وقد حذفت الحروف الأصلية للجازم، وقد ورد في الضرورة أيضا تقدير نصب الياء والواو -مثال الياء- قول الشاعر: ما أقدر الله أن يدني على شحط... من داره الحزن ممن داره صول2 ومثال الواو قوله: ......................................... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب3
وقد ورد أيضا في الضرورة إظهار رفعهما مثال الياء.
قوله:
.............................................. تساوي عنزي غير خمس دراهم1
ومثال الواو قوله:
إذا قلت عل القلب يسلو قيضت... هواجس لا تنفك تغريه بالوجد12 = أن سيادته من نفسه لأجل كرمه وشجاعته لا أنها وراثة عن آبائه "أبى الله" من الإباء، وهو شدة الامتناع "بأم ولا أب", أي من جهة الآباء والأمهات وزاد كلمة لا -تأكيدا للنفي- وقدم الأم على الأب لأجل القافية.
الإعراب: "فما" نافية "سودتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية والياء مفعول به "عامر" فاعل "عن وراثة" متعلق بسود "أبى الله" فعل وفاعل "أن" مصدرية ناصبة "أسمو" فعل مضارع منصوب بفتحة مقدرة على الواو وفاعله ضمير المتكلم المستتر "بأم" جار ومجرور متعلق بأسمو "ولا" الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي المستفاد من معنى العامل وهو أبي "أب" معطوف على أم.
الشاهد: في قوله "أن أسمو" حيث سكن الشاعر الواو مع النصب، لأن الحق أن يقال أن أسمو بنصب الواو, ولكنه سكنها للضرورة.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية1/ 45، والخصائص 2/ 342.
وربما قدر في "السعة"1 نصب الياء كقراءة بعضهم ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 2 وجزمها كقراءة قنبل3 ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ 4 ونصب الواو كقراءة بعضهم5 ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي﴾ 6.
وبسط الكلام على ذلك لا يليق بهذا المختصر.
والله أعلم.
= الشرح: "عل" أي لعل القلب وهي لغة في لعل "يسلو" من سلوت عنه سلوا إذا برد قلبه من هواه، "قيضت" أي: سلطت، قال تعالى "وقيضنا لهم قرناء" "هواجس" جمع هاجسة من هجس في صدري شيء إذا حدث، والهاجس الخاطر، "تغريه" من الإغراء وهو التحريض.
"بالوجد" وهو شدة الشوق.
الإعراب: "إذا" للشرط, "قلت" فعل وفاعل وقعت فعل الشروط, "عل" لغة في لعل, "القلب" اسم لعل, "يسلو" جملة في محل رفع خبر عل والجملة مقول القول, "قيضت" فعل ماضي مبني للمجهول, "هواجس" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة, "لا تنفك" من الأفعال الناقصة واسمها ضمير مستتر يرجع إلى الهواجس, "تغريه" فعل مضارع والفاعل ضمير والضمير المنصوب مفعوله، وهو يرجع إلى القلب والجملة في محل نصب خبر لا تنفك, "بالوجد" جار ومجرور متعلق بالفعل، ولا تنفك إلى آخره في محل الرفع على أنها صفة لهواجس.
الشاهد: في قوله يسلو حيث أظهر الضمة على الواو فدل هذا على أن المحذوف عند دخول الجازم هو الضمة الظاهرة التي كانت على الواو، وهذا رأي بعض النحاة.
مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع 1/ 53.
النكرة والمعرفة
:
إنما قدم الناظم هذا الباب إلى هذا الموضع، لتوقف كثير من الأحكام الإعرابية عليه، وبدأ بالنكرة؛ لأنها الأصل.
فقال:
نكرة قابل أل مؤثرا... أو واقع موقع ما قد ذكرا
يعني أن النكرة قسمان أحدهما يقبل "أل" المؤثرة أي المعرفة نحو "رجل" "فإنه يقبلها"1 فتقول "الرجل".
والثاني: لا يقبل المؤثرة بنفسه، ولكنه واقع موقع شيء يقبلها نحو: "ذو" بمعنى صاحب، فإنه لا يقبل "أل" ولكنه واقع موقع صاحب وصاحب يقبل "أل"2 فيستدل على تنكير "ذو" بذلك.
واحترز بقوله "مؤثرا" من أل الزائدة والتي للمح الصفة، فإنهما لا يدلان على تنكير ما يدخلان عليه، بل يدخلان على العلم.
"فالزائدة"3 نحو:
باعد أم العمرو من أسيرها4......................................
والتي للمح الصفة "نحو: "الحارث" و"العباس".
فإن قلت: أل في الحارث ونحوه مؤثرة للمح الصفة فهي واردة على إطلاقه.
قلت: التي للمح الصفة1 لم تؤثر في الاسم الذي دخلت عليه أثرا من تعريف ولا غيره، وإنما نبهت عن أصله، وإن كان صفة.
فإن قلت: حصر النكرة، في القسمين غير صحيح، لوجود ثالث لا يقبل "أل" ولا يقع موقع شيء يقبلها وهو نكرة، وذلك "من وما" في الشرط2 والاستفهام خلافا لابن كيسان في "مَن وما" الاستفهاميتين، فإنهما عنده معرفتان.
قلت: الحصر في القسمين صحيح، وما ومن المذكورتان واقعتان موضع شيء يقبل "أل" ولا يشترط أن يكون مساويا لهما في تضمن معنى الشرط "والاستفهام"3, لأن "من وما" لم يوضعا في الأصل لذلك، وتضمن معنى الشرط و"الاستفهام"4 طارئ على معناهما الأصلي فليتأمل5.
ولما فرغ من تعريف النكرة انتقل إلى المعرفة.
فقال: "وغيره معرفة".
أي: وغير النكرة معرفة، إذ لا وساطة بينهما، واستغنى بذلك عن حد المعرفة.
قال في شرح التسهيل: من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه.
ثم أشار إلى أنواع المعارف بالأمثلة وهي ستة أنواع:
مضمر، وعلم، واسم إشارة، وموصول، وذو أداة، ومضاف إلى واحد من هذه إضافة تخصيص.
"وهم" مثال للمضمر، "وذي" مثال لاسم الإشارة، "وهند" مثال للعلم، "وابني" مثال للمضاف، و"الغلام" مثال لذي الأداة "والذي" مثال للموصول, وأعرفها المضمر على الأصح ثم العلم، ثم اسم الإشارة، ثم الموصول، ثم ذو الأداة, وقيل: هما في مرتبة واحدة.
وقيل: ذو الأداة أعرف من الموصول والمضاف إلى واحد منها في مرتبته مطلقا على رأي المصنف "إلا"1 المضاف إلى المضمر، فإنه في مرتبة العلم على رأي أكثرهم2.
وقال في التسهيل: أعرفها ضمير المتكلم ثم المخاطب ثم العلم ثم الغائب السالم عن إبهام "ثم المشار به والمنادى والموصول"3, 4 ومثلها في النظم غير مرتبة، ورتب أبوابها.
فإن قلت: بقي من المعارف قسم سابع وهو النكرة المقصودة في النداء نحو: "يا رجل" فلم تركه؟ "وما"5 مرتبته؟
قلت: لم يدع الحصر بل أتى بكاف التشبيه المشعرة بعدم الحصر، وأيضا فقد ذهب قوم إلى أن نحو: "يا رجل" إنما تعرف بأل المقدرة، وأما مرتبته عند من جعل تعريفه بالمواجهة والقصد فمرتبته اسم الإشارة.
الضمير
:
ثم شرع في الكلام على أن أعرف المعارف وهو المضمر.
فقال:
فما الذي غيبة او حضور... كأنت وهو سم بالضمير
الضمير: هو الموضوع لتعيين مسماه مشعرا بتكلمه أو خطابه أو غيبته، وهذا هو المراد بقوله: "فما الذي غيبة أو حضور" أي: فما وضع لمسمى ذي غيبة أو حضور.
"والحضور"1 يشتمل للمتكلم والخطاب، لكن فيه إيهام إدخال اسم الإشارة.
وأجاب الشارح بأن إفراد اسم الإشارة بالذكر يرفع الإيهام2 ومثل الحاضر: "بأنت" والغائب "بهو".
وقوله "سم بالضمير" هذا هو اصطلاح البصريين يسمى عندهم بالضمير والمضمر، والكوفيون يسمونه الكناية والمكنى.
والضمير قسمان: متصل ومنفصل، والمتصل قسمان: بارز ومستتر.
هذا تقسيم الجمهور.
وأما المصنف فقسمه أولا إلى بارز ومستتر, فالبارز ما له صورة في اللفظ، والمستتر ضده، والبارز قسمان: متصل ومنفصل.
ولما كان المتصل هو الأصل، لكونه أخصر قدمه على المنفصل فقال:
وذو اتصال منه ما لا يبتدا... ولا يلي إلا اختيارا أبدا
أي: الضمير المتصل هو الذي لا يصح وقوعه أول الكلام ولا بعد "إلا" في الاختيار.
والمنفصل بخلافه، أي: يصح وقوعه أول الكلام وبعد "إلا" في الاختيار، وسيأتي تمثيل النوعين:
واحترز بقوله: "اختيارا" من وقوع المتصل بعد "إلا" في ضرورة الشعر، كقول الشاعر:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألا يجاورنا إلاك ديار3
قال آخر:
أعوذ برب العرش من فئة بغت... عليّ فمالي عوض إلاه ناصر1 = الإعراب: "ما" نافية, "نبالي" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه, "إذا" ظرفية شرطية, "ما" زائدة, "كنت" فعل ماض ناقص والتاء ضمير المخاطبة اسمه, "جارتنا" خبر كان والضمير مضاف إليه, "أن" مصدرية ناصبة, "لا" نافية، "يجاورنا" مضارع منصوب بأن والضمير في محل نصب مفعول به ليجاور وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لنبالي, "إلاك" إلا استثنائية والكاف مستثنى تقدم على المستثنى منه, "ديار" فاعل يجاور وهو المستثنى منه.
الشاهد: في قوله: "إلاك" فإنه أتى بالضمير المتصل بعد إلا ضرورة، وكان القياس أن يقول إلا إياك بالضمير المنفصل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص22، وابن عقيل 1/ 47، والشاطبي والسندوبي وداود والأشموني 1/ 48، والسيوطي ص14، والمكودي ص15، وابن هشام 1/ 61, وأيضا ذكره في المغني 2/ 78, والسيوطي في الهمع 1/ 57، وابن يعيش في المفصل 3/ 101، والشاهد رقم 283، في خزانة الأدب والخصائص 1/ 307، 2/ 195.
قال العيني في شرح الشواهد ج1 ص255, لم أقف على اسم قائله وبحثت فلم أعثر على قائله.
وهو من الطويل.
الشرح: "أعوذ" ألتجئ وأتحصن، "من فئة" من جماعة "بغت" من البغي بمعنى الظلم والعدوان، "عوض" ظرف يستغرق المستقبل مثل "أبدا" إلا أنه مختص بالنفي، وهو مبني على الضم كقبل وبعد.
المعنى: إني ألتجئ إلى رب العرش وأتحصن بحماه عن جماعة ظلموني فليس لي معين ولا وزر سواه.
الإعراب: "أعوذ" فعل مضارع فاعله مستتر فيه, "برب" جار ومجرور متعلق بأعوذ, "العرش" مضاف إليه, "من فئة" جار ومجرور متعلق بأعوذ, "بغت" فعل ماض وفاعله مستتر فيه والتاء للتأنيث.
والجملة صفة لفئة, "عليّ" جار ومجرور متعلق ببغى, "فما" نافية, "لي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم, "عوض" ظرف زمان مبنيّ على الضم في محل نصب متعلق بناصر, "إلاه" حرف استثناء والهاء مستثنى مبنيّ على الضم في محل نصب, "ناصر" مبتدأ مؤخر.
الشاهد: في "إلاه" حيث وقع الضمير المتصل بعد "إلا" وهو شاذ لا يجوز إلا في الضرورة الشعرية إلا عند ابن الأنباري ومن ذهب بعد مذهبه فإن ذلك عندهم جائز.
وكان القياس أن يقال: "إلا أياه" وأنكر المبرد وقوع المتصل بعد إلا مطلقا حتى إنه أنكر رواية "إلاك" وأميل إلى رأي ابن الأنباري؛ لأنه على رأي المبرد لا شاهد في البيت.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل 1/ 46، وداود.
تنبيهان:
الأول: منع المبرد "وقوع المتصل بعد إلا مطلقا، وأنشد "سواك ديار" وأنكر رواية "إلاك" وأجازه ابن الأنباري"1 مطلقا.
الثاني: كلام الناظم هنا موافق لمذهب الجمهور، في كون وقوع المتصل بعد "إلا" ضرورة.
وقال في التسهيل2 وشذ "إلاك" فلا يقاس عليه "وصرح في باب الاستثناء من شرح التسهيل، بأن ذلك ليس بضرورة"3 ثم مثل المتصل فقال:
كالياء والكاف من ابني أكرمك... والياء والهاء من سليه ما ملك
المضمر المتصل ثلاثة أقسام: مرفوع ومنصوب ومجرور, وكل من الثلاثة، إما لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب.
فالمرفوع للمتكلم "فعلتُ, فعلنا" والمخاطب "فعلتَ, فعلتِ، فعلتما، فعلتم، فعلتن".
وللغائب "فعل، فعلتْ، فعلا، فعلوا, فعلن" والمنصوب للمتكلم "أكرمني, أكرمنا".
وللمخاطب "أكرمكَ, أكرمكِ, أكرمكما, أكرمكم, أكرمكن".
وللغائب: "أكرمه, أكرمها, أكرمهما, أكرمهم, أكرمهن".
والمجرور للمتكلم: "مرَّ بي, مرَّ بنا" وللمخاطب "مر بكَ, مر بكِ, مر بكما, مر بكم, مر بكن" وللغائب "مر به, مر بها, مر بهما, مر بهم, مر بهن".
فهذه ستة وثلاثون ضميرا متصلا، والسابع والثلاثون "ياء المخاطبة" نحو: "تفعلين يا هند" على مذهب سيبويه4.
وقد أشار الناظم إلى المتكلم بالياء "من ابني" وإلى المخاطب بالكاف من "أكرمك" وإلى الغائب بالياء من "سليه".
وأشار أيضا إلى الرفع من سليه، وإلى النصب بالكاف من أكرمك، وإلى الجر بالياء من ابني.
فقد نبه بهذه الأمثلة الأربعة على الأقسام كلها.
ثم أشار إلى حكم عام لجميع المضمرات فقال:
وكل مضمر له البنا يجب
المضمرات كلها مبنية بالاتفاق، واختلف في سبب بنائها فقيل: "بنيت"1 لشبهها بالحرف في المعنى؛ لأن كل ضمير متضمن معنى التكلم أو الخطاب أو الغيبة وهي من معاني الحروف "وقيل"2 غير ذلك.
وقد ذكر في التسهيل، لبنائه أربعة أسباب:
أولها: شبه الحرف وضعا؛ لأن أكثره على حرف أو حرفين وحمل الباقي على الأكثر.
وثانيها: شبه الحرف افتقارا؛ لأن المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو غيرها.
وثالثها: شب الحرف جمودا، والمراد بالجمود عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى في التصغير وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات.
ورابعها: الاستغناء باختلاف صيغة لاختلاف المعاني.
ا. هـ3.
قال الشارح4: ولعل هذا المعتبر عند الشيخ5 في بناء المضمرات، ولذا عقبه بتقسيمها بحسب الإعراب، كأنه قصد بذلك "إظهار"6 علة البناء، فقال7:
ولفظ ما جر كلفظ ما نصب
أي: الصالح للجر من الضمائر المتصلة هو الصالح للنصب.
وقد "تم"1 تقدم ذكره2.
ثم قال:
للرفع والنصب وجر نا صلح
يعني: أن هذا الضمير، يعني لفظ "نا" صلح للرفع والنصب والجر، ومثل للثلاثة بقوله:
كاعرف بنا فإننا نلنا المنح
فموضع "نا" جر بعد الباء ونصب بعد "إن" ورفع بعد الفعل.
وما سوى ما ذكر من "الصالح"3 للنصب والجر والصالح للثلاثة مختص بالرفع4 فالأقسام ثلاثة وذلك واضح، ثم قال:
وألف والواو والنون لما... غاب وغيره كقاما واعلما
الضمير المتصل بالنسبة إلى المعنى على ثلاثة أقسام: مختص بالحاضر "كالكاف" ومختص بالغائب "كالهاء".
وهذان القسمان ظاهران، وقسم يكون للغائب تارة وللمخاطب أخرى، وهو ثلاثة ضمائر: ألف الاثنين، وواو الجمع، ونون الإناث، ومثل الألف "بقاما واعلما" فالألف في قاما للغائبين وفي اعلما للمخاطبين، ومثال الواو "قاموا واعلموا" والنون "قمن واعلمن".
فإن قلت: قوله "وغيره" أعم من المخاطب.
قلت: لما كانت الألف والواو والنون لا تكون للمتكلم "تعينت"1 إرادة المخاطب وذلك بين.
ثم أشار إلى المستتر فقال:
ومن ضمير الرفع ما يستتر
فعلم من تخصيصه بالرفع أن المستتر لا يكون ضمير نصب ولا جر.
والمستتر ضربان: واجب الاستتار, وهو ما يخلفه الظاهر، وجائز الاستتار وهو ما يخلفه الظاهر.
فالواجب الاستتار في سبعة مواضع: فعل أمر الواحد "كافعل" والمضارع المبدوء بهمزة المتكلم "كأوافق" والمبدوء بتاء الخطاب "التي"2 للمفرد "كتغتبط" والمبدوء بنون المتكلم المعظم نفسه أو المشارك "كنشكر"3، واسم فعل الأمر "كنزال" واسم المضارع "كأف" والمصدر الواقع بدلا من فعله في الأمر نحو: "ضربا زيدا".
فإن قلت: قد أخل الناظم بهذه الثلاثة "الأواخر"4.
قلت: لم يدع الحصر، وإنما مثل ليقاس على تمثيله، وأيضا فاختصر على الأفعال لأصالتها في العمل، واسم الفعل والمصدر نائبان على الفعل في ذلك.
والجائز الاستتار هو "المرفوع"5 بفعل الغائب والغائبة ماضيا ومضارعا6 وبالصفة وباسم الفعل الماضي.
ثم انتقل إلى الضمير المنفصل وهو نوعان: مرفوع ومنصوب، وبدأ بالمرفوع فقال:
وذو ارتفاع وانفصال أنا هو... وأنت والفروع لا تشتبه
ضمير الرفع المنفصل ثلاثة أقسام: متكلم، ومخاطب، وغائب، فلذلك مثل بثلاثة أمثلة.
والمراد بالفروع: ما دل على مؤنث أو مثنى أو مجموع، "فأنا" له فرع واحد هو "نحن".
و"أنت" له أربعة فروع "أنتِ, أنتما, أنتم, أنتن".
و"هو" له أربعة أيضا "هي, هما, هم, هن".
تنبيه:
مذهب البصريين أن ألف "أنا" زائدة، والاسم هو الهمزة والنون، واستدلوا بحذف الألف وصلا، وإنما زيدت وقفا لبيان الحركة، ولذلك عاقبتها هاء السكت في قول حاتم: "هذا فزدي أنه"1.
ومذهب الكوفيين: أن الاسم هو مجموع الأحرف الثلاثة واختاره المصنف2 وفي "أنا" لغات الفصيحة حذف ألفه وصلا وإثباتها وقفا.
والثانية إثباتها وصلا ووقفا وهي لغة تميم3.
والثالثة "هنا"4 بإبدال همزته هاء.
والرابعة: آن بمدة بعد الهمزة.
قال المصنف: من قال "آن" فإنه قلب "أنا" كما قال بعض العرب في رأي راء.
والخامسة: "أن" "كعن"1 حكاها قطرب.
وأما "أنت" وفروعه، فالضمير عند البصريين "أن" والتاء وحرف خطاب "ومذهب الفراء أن "أنت"2 بجملته ضمير"3.
ومذهب جمهور البصريين أن "هو" بجملته ضمير وكذلك، "هي" وأما "هما وهم وهن" فذهب أبو عليّ4: إلى أنها بجملتها ضمائر، وقد قيل غير ذلك مما لا يحتمل ذكره هذا الموضع.
ثم ثنى بالمنصوب فقال:
وذو انتصاب في انفصال جعلا... إياي والتفريع ليس مشكلا
"إيا" هو الضمير المنصوب المنفصل ولواحقه حروف تدل على المراد به من تكلم أو خطاب أو غيبة، هذا مذهب سيبويه5 وذهب الخليل: إلى أن "إيا" ضمير مضاف إلى لواحقه وهو ضمائر وإليه ذهب المصنف6 وفيه مذاهب أخر لا نطول بها.
فللمتكلم: "إياي, إيانا" وللمخاطب "إياك, إياكِ, إياكما, إياكم, إياكن".
وللغائب: "إياه, إياها, إياهما, إياهم, إياهن", وهذا معنى قوله: "والتفريع ليس مشكلا".
ثم قال:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل... إذا تأتي أن يجيء المتصل
لما كان الغرض من وضع المضمر الاختصار، وكان المتصل أخصر لم يستعمل المنفصل مع تأتي المتصل وإمكانه إلا في الضرورة كقوله:
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إياهم الأرض في دهر الدهارير1
وإلى هذا أشار بقوله: وفي اختيار.
ولا بد من ذكر المواضع التي يتعين فيها الانفصال؛ لعدم تأتي الاتصال وهي اثنا عشر موضعا:
الأول: أن يحصر بإلا وشذ "إلاك" فلا يقاس عليه.
الثاني: أن يحصر بإنما كقول الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي1
الثالث: أن يرفع بمصدر مضاف إلى المنصوب كقول الشاعر:
بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد... أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا2
الرابع: أن يرفع بصفة جرت على غير "صاحبها"1 نحو زيد عمرو ضاربه هو، مطلقا عند البصريين2 وبشرط خوف اللبس عند الكوفيين.
الخامس: أن يحذف عامله نحو:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب3................................................
السادس: أن يؤخر عامله نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ 1. السابع: أن يكون العامل حرف نفي نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 2. الثامن: أن يفصله متبوع نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ 3. التاسع: أن تلي واو المصاحبة نحو: ........................................... تكون وإياها "بها"4 مثلا بعدي5 العاشر: أن تلي "أما" نحو: بك أو بي استعان فليل أما... أنا أو أنت ما ابتغي المستعين6
السادس: أن يؤخر عامله نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ 1. السابع: أن يكون العامل حرف نفي نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 2. الثامن: أن يفصله متبوع نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ 3. التاسع: أن تلي واو المصاحبة نحو: .......................................... تكون وإياها "بها"4 مثلا بعدي5 العاشر: أن تلي "أما" نحو: بك أو بي استعان فليل أما... أنا أو أنت ما ابتغي المستعين6
ويدل على جواز الانفصال قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله ملككم إياهم" 1.
ثم قال:
في كنته الخلف انتمى
أي في هاء كنته، والمراد "به"2، ما وقع خبرا لكان أو إحدى أخواتها، واخلف في الاختيار كما بينه في البيت الآتي:
وقوله: كذاك خلتنيه.
يعني أن هاء خلتنيه كهاء كنته في الخلاف المشار إليه، والمراد بها خلتنيه: ما وقع ثاني ضميرين منصوبين بفعل ناسخ.
ثم ذكر اختياره فقال: واتصالا أختار.
يعني في باب كنته وخلتنيه، ووجه أن الأصل الاتصال.
ثم قال: غيري اختار الانفصالا, وهم الأكثرون ومنهم سيبويه3، ووجهه أن الضمير في البابين خبر في الأصل، وحق الخبر الانفصال وكلاهما مسموع، وما اختاره هو اختيار الرماني4 وابن الطراوة5.
تنبيهان:
الأول: وافق في التسهيل1 سيبويه على اختيار الانفصال في "باب"2 خلتنيه قال لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته فإنه خبر في الأصل3 ولكنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع, والمرفوع كجزء من الفعل فكأن الفعل مباشر له فاضطرب اختيار الناظم في باب خلتنيه.
الثاني: يجوز الاتصال والانفصال أيضا فيما وقع من الضمائر منصوبا بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل نحو:
..................................... كان فراقيها أمر من الصبر4
أو مفعول أول نحو:
..................................... ومنعكها بشيء يستطاع5
أو باسم فاعل مضاف إلى ضمير وهو مفعول أول, كقول الشاعر:
لا ترج أو تخش غير الله إن أذى... واقيكه الله لا ينفك مأمونا1 = المعنى: ادفع طمعك في هذه الفرس ودفعنا إياك عنها نقدر ونستطيعه.
الإعراب: "فلا" الفاء للتعليل لا: ناهية "تطمع" فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله ضمير المخاطب مستتر فيه "أبيت اللعن" فعل وفاعل ومفعول به، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب "فيها" جار ومجرور متعلق بتطمع "ومنعكها" الواو واو الحال منع: مبتدأ والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول والضمير العائد إلى الفرس مفعول ثان "بشيء" اختلف العلماء في هذه الباء فذهب قوم منهم أبو الحسن الأخفش إلى أنها زائدة "وشيء" خبر المبتدأ وجعلوا من ذلك قول الله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ فالباء زائدة في الخبر الموجب, وذهب جماعة إلى أن الباء أصلية والجار والمجرور في بمثلها متعلق بمحذوف خبر المبتدأ, وفي "بشيء" يجوز أن يكون متعلقا بمنع، وخبر المبتدأ جملة قوله: "يستطاع" أي: ومنعكها يستطاع بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب.
الشاهد: في "ومنعكها" حيث وصل ثاني ضميرين عاملهما اسم واحد وكان القياس أن يقول ومنعك إياها.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، والشاطبي، وداود، والسندوبي والأشموني 1/ 52، 54، وابن هشام في المغني 1/ 102، والشاهد رقم 883 في خزانة الأدب.
والمختار في هذه الثلاثة الانفصال، ولكنه ترك في هذه الأبيات؛ لأن الوزن لم يتأت به1.
ويجوز الوجهان أيضا في المفعول الثاني من نحو: "أعطيت زيدا درهما" في باب الإخبار فتقول: "الذي أعطيت زيدا إياه درهم والذي أعطيته زيدا درهم".
والمختار فيه عند المازني والمصنف الاتصال؛ لأنه الأصل، وعند غيرهما الانفصال مراعاة لترتيب الأصل.
ثم قال:
وقدم الأخص في اتصال
أي: قدم "في الاتصال"2 المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب؛ لأن المتكلم أخص من المخاطب، والمخاطب أخص من الغائب.
وفهم من ذلك: أن شرط جواز الاتصال في ها سلنيه وخلتنيه ونحوهما.
أن يكون الأول أخص، فإنه متى تقدم غير الأخص وجب الاتصال؛ لأنه مع الاتصال يمتنع تقديم غير الأخص.
والحاصل: أن المبيح لجواز الاتصال والانفصال هو كون الضمير ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع، أو كونه خبر كان وأخواتها.
ثم إذا كان المقدم من الضميرين غير الأخص، فإما أن يكون مخالفا في الرتبة أو مساويا "لها"3 فإن كان مخالفا لم يجز اتصال ما بعده إلا فيما ندر كقول عثمان رضي الله عنه أراهمني الباطل شيطانا4.
وأجاز المبرد وكثير من القدماء تقديم غير الأخص، مع الاتصال نحو: "أعطيتهوك" ولكن الانفصال عندهم أرجح، وإن كان مساويا فسيأتي.
قوله:
وقدمن ما شئت في انفصال
يعني أنه يجوز في الانفصال تقديم الأخص وتقديم غير الأخص، فتقول: "الدرهم أعطيتك إياه" بتقديم الأخص، "وأعطيته إياك" بتقديم غير الأخص، وفي الحديث: "أن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم" 1.
وقوله:
وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا
أي: إذا اتحدت رتبة الضميرين، بأن يكونا لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب لزم انفصال الثاني. فتقول: "ظننتني إياي وعلمتك إياك وحسبته إياه".
ثم نبه على أنهما قد يتصلان غائبين بقوله:
وقد يبيح الغيب فيه وصلا
مثال ذلك ما رواه الكسائي في قول بعض العرب: "هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها"2.
وقال الشاعر:
لوجهك في الإحسان بسط وبهجة... أنالهماه قفو أكرم والد3
تنبيهان:
الأول: شرط الناظم في غير هذا النظم في جواز اتصال الغائبين، أن يختلف لفظهما كمثالين، ولم يذكر ذلك هنا، واعتذر عنه الشارح، بأن قوله: "وصلا" بلفظ التنكير على معنى نوع من الوصل، تعريض، بأنه لا يستباح الاتصال مع الاتحاد في الغيبة مطلقا. بل بقيد. وهو الاختلاف في اللفظ1.
الثاني: أجاز بعضهم الاتصال مع اتحاد الضميرين في المتكلم والخطاب أو الغيبة مطلقا2 وهو ضعيف.
ثم استطرد إلى أن ذكر نون الوقاية للزومها بعض المضمرات فقال:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم... نون وقاية وليسي قد نظم
مذهب الجمهور: أن هذه النون سميت نون الوقاية؛ لأنها تقي الفعل من الكسر.
وقال المصنف: بل لأنها تقي اللبس في نحو: "أكرمني" في الأمر، فلولا النون لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكر بأمر المؤنث: "ففعل"3 الأمر أحق بها من غيره.
= ماض وضمير الاثنين العائد إلى البسط والبهجة مفعول أول وضمير الواحد العائد إلى الوجه مفعول ثان "قفو" فاعل أنال "أكرم" مضاف إليه وهو مضاف و"والد" مضاف إليه.
ورجح الزرقاني أن يكون ضمير التثنية مفعولا ثانيا تقدم على المفعول الأول الذي هو ضمير الوجه، وذلك مبني على أن الأصل في المفعول الأول في باب أعطى من كل فعل ينصب مفعولين ليس أصلما المبتدأ والخبر, أن يكون هو الذي يصلح أن يكون فاعلا وأنت تقول نال وجهك البسط والبهجة فيكون الوجه هو الفاعل فيلزم أن يكون الوجه هو المفعول الأول, وليس ما ذهب إليه بلازم فقد يكون المعنى المبالغة.
الشاهد: في "أنالهماه" فإنه أتى بالضمير الثاني متصلا، والأكثر أنالهما إياه بالانفصال.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص26، وابن هشام 1/ 75 والأشموني 1/ 54، والمكودي ص17، والسيوطي ص16، وأيضا في همع الهوامع 1/ 63.
ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر1.
ومعنى البيت: أن نون الوقاية تلزم قبل ياء المتكلم مع جميع الأفعال نحو: "أكرَمني, يكرمني, أكرِمني" إلا فعلا واحدا "وهو ليس"2، فإنه قد ندر حذف نون الوقاية معه في النظم لضرورة الشعر كقوله:
......................................... إذ ذهب القوم الكرام ليسي3
والوجه: "ليسني" وهو الفصيح كقول بعض العرب: "عليه رجلا ليسني"4 حكاه سيبويه5 وأجاز بعضهم "ليس" في الاختيار.
فإن قلت: قد جاء في "نحو" تأمرونني1 مما2 اجتمع فيه نون الرفع ونون الوقاية ثلاثة أوجه:
الفك، والإدغام، والحذف.
قلت: المحذوف عند المصنف نون الرفع لا نون الوقاية، فلا يرد على إطلاقه وهو مذهب سيبويه.
فإن قلت: قد ندر حذف نون الوقاية أيضا في قول الشاعر:
تراه كالثغام يعل مسكا... يسوء الفاليات إذا فليني3
والأصل فلينني: فحذف النون الثانية وهو نون الوقاية.