مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بأربعة شروط:
الأول: أن يكون بالواو، وقال هشام: تقديم الفاء وثم وأو ولا، جيد.
الثاني: ألا يؤدي إلى وقوع حرف العطف صدرا.
الثالث: ألا يؤدي إلى مباشرة حرف العطف عاملا غير متصرف، فلا يجوز: "أن وزيدا عمرا ذاهبان".
الرابع: ألا يكون المعطوف مخفوضا، ولا يجوز ذلك عند البصريين إلا في الشعر بشروطه.
تنبيهان:
الأول: اختُلف في العامل في التابع، فمذهب الجمهور أن العامل فيه هو العامل في المتبوع إلا البدل، فالجمهور على أن العامل فيه مقدر.
وذهب قوم منهم المبرد إلى أن العامل فيه المبدل منه، واختاره المصنف وهو ظاهر, وهو العامل في مذهب سيبويه.
الثاني: لم يتعرض هنا لبيان "رتب"1 التوابع، وقال في التسهيل: ويُبدأ = الظاء وفتح اللام مخففة- اسم لما يدعيه المظلوم قِبَل ظالمه, "أبى" امتنع, "الأكرمان" مثنى الأكرم، وهو أفعل التفضيل من الكرم, "خاليا" أخو الأم.
الإعراب: "لست" ليس واسمها, "مقرا" خبرها, "للرجال" متعلق بمقر, "ظلامة" مفعول به لمقر, "أبى" فعل ماض, "ذاك" اسم إشارة مفعول به لأبى والكاف حرف خطاب, "عمي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وهو مضاف والياء مضاف إليه, "الأكرمان" نعت لفاعل أبى, "وخاليا" معطوف على عم وياء المتكلم مضاف إليه.
الشاهد فيه: "عمي الأكرمان وخاليا" حيث قدم الشاعر النعت وهو "الأكرمان" على أحد المنعوتين وهو "خاليا", فإن قوله: "الأكرمان" صفة لقوله: "عمي وخاليا".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 392/ 2, وذكره السيوطي في الهمع 120/ 2.
-عند اجتماع التوابع- بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل, ثم بالنسق1, وأجاز بعضهم تقديم التأكيد على الصفة، نقله صاحب البديع.
وقوله:
فالنعت تابع مُتمّ ما سبق... بوسمه أو وسم ما به اعتَلَق
قوله: "تابع" جنس يشمل الخمسة، وقوله: "متم ما سبق" مخرج البدل والنسق، وقوله: "وسمه أو وسم ما به اعتلق" مخرج لعطف البيان والتوكيد، وذلك أنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يُوصِّل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو متعلقه، والتوكيد وعطف البيان ليسا كذلك.
فإن قلت: إنما يشمل قوله: "متم ما سبق" ما جيء به من النعوت؛ لتوضيح وتخصيص، وأما ما جيء لمدح أو ذم أو توكيد أو ترحم فلا.
قلت: لما كان أصل النعت أن يؤتى به للتوضيح والتخصيص, اقتصر عليه.
وقوله:
وليُعطَ في التعريف والتنكير ما... لما تلا كامْرُر بقوم كرُما
يجب تبعية النعت للمنعوت في الإعراب والتعريف والتنكير.
فتنعت المعرفة بالمعرفة نحو: "امرر بالقومِ الكرماءِ", والنكرة بالنكرة نحو: "امرر بقومٍ كرماءَ".
ولا تنعت المعرفة بالنكرة؛ لأن في النكرة إبهاما وفي المعرفة إيضاحا، فتدافَعَا.
تنبيهات:
الأول: لم يتعرض هنا "لموافقة النعت للمنعوت"2 في الإعراب؛ استغناء بقوله أولا: "يتبع في الإعراب".
الثاني: استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس، قال: فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة؛ ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله1:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني... فأعفّ ثم أقول لا يعنيني
إن "يسبني" صفة لا حال؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام، ومثله قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ 2 وقولهم: "ما ينبغي للرجل مثلك -أو خيرٍ منك- أن يفعل كذا" انتهى.
قلت: أما نعته بالجملة, فقد نص عليه في التسهيل وغيره, وسيأتي.
وأما قولهم: ما يحسن بالرجل خير منك، فمذهب الخليل في هذا المثال الحكم بتعريف النعت والمنعوت على نية أل مع خير.
ومذهب الأخفش الحكم بتنكيرهما على زيادة أل في "الرجل".
قال المصنف: وعندي أن أسهل مما ذهبا الحكم بالبداية، وتقدير التابع والمتبوع على ظاهرهما.
الثالث: ما ذكر من وجوب تبعية النعت للمنعوت في التعريف والتنكير, وهو مذهب جمهور النحويين.
وأجاز الأخفش نعت النكرة إذا اختصت بالمعرفة1، وجعل "الأوليان" صفة "آخران" في قوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ 2.
وأجاز بعض النحويين وصف المعرفة بالنكرة.
وأجازه ابن الطراوة بشرط كون الوصف خاصا بذلك الموصوف, كقول النابغة3:
....................... في أنيابها السم ناقع
والصحيح مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه مؤول.
الرابع: لا يمتنع النعت بالأخص في النكرات نحو: "رجلٌ فصيحٌ", و"غلامٌ يافعٌ".
وأما في المعارف, فلا يكون النعت أخص عند البصريين، بل مساويا، أو أعم.
قيل: وسبب ذلك أن الاختصاص مؤثر, فوجب لذلك أن يبدأ بالأخص؛ ليقع الاكتفاء به.
فإن عرض اشتراك, لم يوجد ما يرفعه إلا المساوي.
وقال الشلوبين والفراء: ينعت الأعم بالأخص، قال المصنف: وهو الصحيح, وقال بعض المتأخرين: توصف كل معرفة بكل معرفة, كما توصف كل نكرة بكل نكرة.
وقوله:
وهو لَدَى التوحيد والتذكير أو... سواهما كالفعل فاقفُ ما قَفَوا
يعني: أن النعت "إن"1 رفع ضمير المنعوت, طابقه في الإفراد والتذكير وأضدادهما, سواء كان معناه له أو "لسببيه"2 نحو: "مررت برجل حسن أو حسن = ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به, "ضئيلة" فاعل ساور, "من الرقش" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لضئيلة, والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر كأن, "في أنيابها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم والضمير مضاف إليه, "السم" مبتدأ مؤخر, "ناقع" صفة للسم.
الشاهد فيه: "السم ناقع" حيث إن "ناقع" نكرة وقعت صفة المعرفة, وهو "السم".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 294/ 2, وذكره السيوطي في الهمع 117/ 2.
الوجه" وإن رفع سببيه أفرد مطلقا كرفعه الظاهر، ووافق في التذكير والتأنيث مرفوعه, لا متبوعه نحو: "مررت برجلين حسنة جاريتهما".
فحكم النعت في ذلك كحكم الفعل الواقع موقعه، وهذا معنى قوله: "كالفعل".
فإن قلت: كيف سوّى بينه وبين الفعل، وهو مخالفه في أمرين:
أحدهما: أن الوصف يجوز تكسيره, مسندا إلى السببي المجموع نحو: "مررت برجل كرام غلمانه".
والثاني: أن الوصف الرافع لضمير المنعوت قد يعامل معاملة الرافع للسببي، إذا كان معناه له، فيقال: "مررت برجل حسنة العين", كما يقال: حسُنت عينه؟ حكى ذلك الفراء، ولا يكون ذلك في الفعل.
قلت: أما الأول فظاهر وروده على النظم، وقد ذكر في التسهيل:
أن الجمع في ذلك أولى من الإفراد، ونص على ذلك سيبويه في بعض نسخ الكتاب, وهو مذهب المبرد.
وقيل: الإفراد أحسن، ونسب إلى الجمهور، وفصّل بعضهم فقال: الجمع أولى إن تبع جمعا، والإفراد أولى إن تبع مفردا أو مثنى.
وأما الثاني: فهو وجه ضعيف، ومذهب كثير -منهم الجرمي- منعه.
تنبيهان:
الأول: يجوز تثنية الوصف الرافع السببي وجمعه جمع المذكر السالم على لغة طيئ، فتقول: "مررت برجلين حسنينِ غلاماهما، وبرجال حسنينَ غلمانهم".
وقد يفهم ذلك من قوله: "لفعل" أي: على اللغتين.
الثاني: ما ذكر من أن مطابقة النعت للمنعوت مشروطة بألا يمنع مانع منها, كما في جريح ونحوه وأفْعَل من1.
وقوله:
وانعت بمشتق كصعب وذرب... وشبهه كذا وذي والمنتسِب
المنعوت به قسمان: مفرد وجملة؛ فالجملة ستأتي.
والمفرد قسمان: مشتق وشبهه.
قال في شرح الكافية: والمراد بالمشتق هنا ما كان اسم فاعل أو اسم مفعول أو أحد أمثلة المبالغة أو صفة مشبهة باسم الفاعل أو أفعل تفضيل، وكل ذلك معروف مما سبق "ذكره"1.
ويجمعها كلها أن يقال: المشتق الموصوف به ما دل على فاعل أو مفعول به, مضمنا معنى فعل وحروفه.
انتهى.
وإذا كان هذا مراده بالمشتق, لم يرد عليه اسما الزمان والمكان والآلة, ولا مشاحة في الاصطلاح.
والمراد بشبه المشتق، ما أقيم مقامه من الأسماء العارية من الاشتقاق "وهي"2 قسمان: مطرد وغير مطرد.
فالمطرد ضربان:
أحدهما: جارٍ مجرى المشتق أبدا.
والآخر: جارٍ مجراه في حال دون حال.
فالجاري أبدا كذي بمعنى صاحب وأسماء النسب المقصود، والجاري في حال دون حال كأسماء الإشارة غير المكانية وذو الموصولة وفروعها وأخواتها المبدوءة بهمزة وصل.
وذهب الكوفيون, وتبعهم السهيلي إلى أن أسماء الإشارة لا ينعت بها؛ لجمودها.
وغير المطرد: المصدر والعدد والقائم بمسماه معنى "ملازم"1 ينزله منزلة المشتق كأسد.
وللمصدر مزية عليها, وسيأتي.
ثم ذكر الجملة فقال:
ونعتوا بجملة منكرا
الجملة المؤولة بمفرد نكرة.
فلذلك لا ينعت بها إلا النكرة.
قال في التسهيل: أو معرف بأل الجنسية2, وقال في الشرح: "لأنه"3 معرفة في اللفظ, ونكرة في المعنى.
وفي الارتشاف: لا ينعت بها المعرف بأل الجنسية, خلافا لمن أجاز ذلك.
ثم أشار بقوله:
فأعْطيت ما أُعطيته خبرا
إلى أن الجملة المنعوت بها لا بد من اشتمالها على "ضمير يربطها بالمنعوت"4, وأن حكمه في جواز الحذف للعلم به كحكم الخبرية.
ومن حذفه قوله5:
................... وما شيء حميت بمستباح
تنبيهات:
الأول: ليس حذف العائد من النعت كحذفه من الخبرية في القلة والكثرة، بل ذكر في التسهيل1 أن الحذف من الخبر قليل, ومن الصفة كثير، ومن الصلة أكثر.
الثاني: قال في شرح التسهيل: وقد يغني عنه الألف واللام كقوله2:
كأن حفيف النبل من فوق عَجْسِها... عَوَازِب نحل أخطأ الغارَ مُطْنِف
أي: غارها.
وقد منع ذلك, وأوّل البيت على الحذف "أي: الغار منها"1.
الثالث: إذا نعت بالجملة اسم زمان, جاز حذف عائدها المجرور بفي نحو: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ 2 أي: فيه.
فحذف برمته عند سيبويه, وبتدريج عند الكسائي والأخفش.
الرابع: ذكر في البديع أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى منه بالجملة الاسمية.
الخامس: فهم من قوله: "ما أعطيته خبرا" أنها لا تقترن بالواو، بخلاف الحالية.
فلذلك لم يقل: ما أعطيته حالا، خلافا لمن أجاز اقترانها بالواو كالزمخشري.
السادس: لما كان إطلاق قوله: "ما أعطيته خبرا" يوهم جواز النعت بالجملة الطلبية، إذ يجوز الإخبار بها؛ أزال الإبهام بقوله:
وامنع هُنا إيقاع ذات الطلب.....
وسبب ذلك أنها لا تدل على معنى محصل، فلا يفيد النعت بها.
ثم أشار إلى تأويل ما يُوهم وقوعها نعتا بقوله:
.... وإن أتت فالقول أضمر تُصِب
فيكون القول المقدر هو النعت، والجملة محكية به، ومن ذلك قول الراجز3:
.................... جاءوا بمَذْق هل رأيت الذئب قط؟
أي: بمذق مقول عند رؤيته هذا القول.
ثم انتقل إلى النعت بالمصدر فقال:
ونعتوا بمصدر كثيرا....................
وكان حقه في الأصل ألا ينعت به؛ لجموده, ولكنه من الجاري مجرى المشتق.
فإن قلت: هل يؤخذ من قوله: "كثيرا" أن النعت به مطرد؟
قلت: لا كما قال في الحال بكثرة, وقد صرح بعدم اطراد وقوعه نعتا وحالا.
= اللغة: "جن" ستر الناس, "اختلط" كناية عن انتشاره واتساعه, "مذق" هو اللبن الممزوج بالماء.
المعنى: يصف الراجز بالشح والبخل قوما نزل بهم ضيفا، فانتظروا عليه طويلا حتى أقبل الليل بظلامه، ثم جاءوه بلبن مخلوط يشبه الذئب في لونه؛ لكدرته وغبرته.
الإعراب: "حتى" ابتدائية, "إذا" ظرف تضمن معنى الشرط, "جن" فعل ماض, "الظلام" فاعل والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها, "واختلط" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة عطف على جملة جن الظلام, "جاءوا" فعل ماض وفاعله, "بمذق" جار ومجرور متعلق بجاءوا, "هل" أداة استفهام, "رأيت" فعل ماض وفاعله, "الذئب" مفعول به, "قط" ظرف مبني على ضم مقدر في محل نصب، وسكن للروي.
واستعمله بعد الاستفهام مع أن موضع استعماله بعد النفي الداخل على الماضي، والذي سهل هذا أن الاستفهام قرين النفي في كثير من الأحكام، وجملة: هل رأيت في محل نصب مقول لقول محذوف يقع صفة لمذق.
الشاهد فيه: "بمذق هل رأيت الذئب قط" فإن الظاهر يشعر بوقوع الجملة الاستفهامية نعتا للنكرة وهو "مذق" وليس كذلك, بل جملة الاستفهام معمولة لقول محذوف هو الواقع نعتا، والتقدير: جاءوا بمذق مقول فيه هل رأيت؟
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 369/ 2، وابن هشام 124/ 2، وابن عقيل 150/ 2، والسيوطي ص93, والمكودي 114، وابن الناظم.
وذكره السيوطي في همع الهوامع 117/ 2، والشاهد 76 في الخزانة.
فإن قلت: فهل هما في الكثرة سواء؟
قلت: لا, بل جعل المصدر حالا أكثر من جعله نعتا، ذكر ذلك في شرح التسهيل.
قلت: وأطلق في قوله: "بمصدر" وهو مقيد بألا يكون في أوله ميم زائدة كمزار ومسير، فإنه لا ينعت به، لا باطراد ولا بغيره.
وقوله:
................. فالتزموا الإفراد والتذكير
قال المصنف: كأنهم قصدوا التنبيه على أن أصله ذو عدل، فلما حذف المضاف ترك المضاف إليه على ما كان عليه.
قلت: في النعت بالمصدر طريقان:
إحداهما: أن يقصد المبالغة، فلا يقدر مضاف.
والأخرى: ألا يقصد فيقدر.
والكوفيون يجعلون ضربا وعدلا واقعين موضع ضارب وعادل.
وقوله:
ونعت غير واحد إذا اختلف... فعاطفا فَرِّقْه لا إذا ائتلف
مثال المختلف: "مررت برجلين كريم وبخيل"، ومثال المتفق: "مررت برجلين كريمين".
فالمختلف يفرق بالعطف، والمتفق يستغنى عن تفريقه بتثنيته وجمعه.
قلت: وأورد على إطلاقه اسم الإشارة، فإنه لا يجوز تفريق نعته، فلا يجوز: "مررت بهذين الطويل والقصير"، نص على ذلك سيبويه وغيره كالزيادي، والمبرد، والزجاج.
قال الزيادي: وقد يجوز ذلك على البدل, وعطف البيان.
تنبيهات:
الأول: يندرج في غير الواحد ما هو مفرد لفظا مجموع معنى كقول حسان رضي الله عنه1:
فوافيناهم منا بجمع... كأُسْد الغاب مُرْدَان وشيب
الثاني: قال في الارتشاف: والاختيار في "مررت برجلين كريم وبخيل" القطع.
الثالث: قال في التسهيل2: يُغَلَّب التذكير والعقل عند الشمول وجوبا، وعند التفصيل اختيارا.
وقوله:
ونعت معمولي وحيدَيْ معنى... وعمل أتبع بغير استثنا
إذا قصد نعت معمولين, فإما أن يكونا لعامل واحد أو لعاملين.
فإن كانا لعامل واحد, فثلاث صور:
الأولى: أن يتحد العمل "والنسبة"3 نحو: "قام زيد وعمرو العاقلان", فهذه يجوز فيها الإتباع والقطع في أماكنه من غير إشكال.
الثانية: أن يختلف العمل والنسبة "نحو: "ضرب زيد عمرا الكريمان""1, فهذه يجب فيها قطع من غير إشكال.
والثالثة: أن يختلف العمل وتتحد النسبة من جهة المعنى نحو: "خاصم زيد عمرا الكريمان".
فالقطع في هذه, واجب عند البصريين.
وأجاز الفراء وابن سعدان2 الإتباع، والنص عن الفراء أنه إذا أتبع غُلِّب المرفوع، فتقول: "خاصم زيد عمرا الكريمان".
ونص ابن سعدان على جواز إتباع أي شئت؛ لأن كلا منهما مخاصِم ومخاصَم.
والصحيح مذهب البصريين، قيل: بدليل أنه لا يجوز: "ضارب زيد هندًا العاقلةُ" برفع العاقلة نعتا لهند.
قلت: ذكر في باب أبنية الفعل من شرح التسهيل أن الاسمين في نحو: "ضارَبَ زيدٌ عمرًا" ليس أحدهما أولى من الآخر بالرفع ولا بالنصب، قال: ولو أتبع منصوبهما بمرفوع، أو مرفوعهما بمنصوب لجاز.
ومنه قول الراجز3:
قد سالَمَ الحيَّاتُ منه القَدَما... الأُفْعُوَانَ والشجاع الشجْعَمَا
فنصب "الأفعوان" وهو بدل من "الحيات"، وهو مرفوع "لفظا"1؛ لأنه منصوب معنى؛ لأن كل شيئين تسالما فهما فاعلان مفعولان.
وهذا التوجيه أسهل من أن يكون التقدير: قد سالم الحيات منه القدم، وسالمت القدمُ الأفعوانَ، انتهى.
وإن كان لعاملين لم يخل العاملان من أن يتحدا في المعنى والعمل، أو يختلفا فيهما أو في أحدهما.
فإن اتحدا في المعنى والعمل جعل النعت تابعا للمعمولين في الرفع والنصب والجر، سواء اتفق لفظ العاملين نحو: "ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان", أو اختلف نحو: "ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان".
فالإتباع فيهما جائز، وهذا مفهوم من النظم، إذ لم يشترط اتحاد اللفظ.
وذهب ابن السراج إلى منع الإتباع في الثاني، وفصّل في الأول فقال: إن قدرت الثاني عاملا فالقطع, أو توكيدا والأول هو العامل جاز الإتباع.
وإن اختلف العاملان في المعنى والعمل، أو في أحدهما وجب القطع, فيرفع على إضمار مبتدأ، وينصب على إضمار فعل.
= ومجرور متعلق بمحذوف حال من القدم, "القدما" مفعول به لسالم منصوب بالفتحة الظاهرة, "الأفعوان" بدل من الحيات منصوب بالفتحة, "والشجاع" معطوف على الأفعوان, "الشجعما" نعت للشجاع منصوب بالفتحة.
الشاهد فيه: "قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان" فإن قوله: "الأفعوان" المنصوب -بدليل أنه عطف عليه المنصوب وهو "الشجاع والشجعما"- قد وقع بدلا من "الحيات" وهو مرفوع؛ لكونه فاعلا لسالم.
وقد علم أن الفاعل مرفوع، فاختلف إعراب البدل عن إعراب المبدل منه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 399/ 2. وذكره سيبويه 145/ 1، والسيوطي في الهمع 165/ 1، والشاهد في المقاصد النحوية 4/ 80.
مثال المختلفين في المعنى والعمل: "جاء زيد ورأيت عمرا العاقلين".
ومثال المختلفين في المعنى دون العمل: "جاء زيد وذهب عمرو العاقلين".
ومثال المختلفين في العمل دون المعنى: "مررت بزيد وجاوزت عمرا العاقلين".
يجوز في ذلك "العاقلان" على تقدير: هما، و"العاقلين" على تقدير: أمدح، والإتباع في ذلك يمتنع عند الجمهور، إذ العمل الواحد لا يمكن نسبته إلى عاملين, من شأن كل واحد منهما أن يستقل.
فإن قلت: قوله: "وحيدي" صفة لماذا؟
قلت: لمحذوف تقديره: ونعت معمولي عاملين وحيدي معنى وعمل.
فإن قلت: هل يعني بقوله: "أتبع" إيجاب الإتباع أو الإعلام بجوازه؟
قلت: لا يصح حمله على الإيجاب، فإن القطع في ذلك منصوص على جوازه.
فإن قلت: ما معنى قوله: "بغير استثنا"؟
قلت: يعني في الرفع والنصب والجر كما قال الشارح، وكأنه يشير بذلك إلى مذهب من خصص جواز الإتباع بنعت فاعلين وخبري مبتدأين، ولا وجه للتخصيص.
وقوله:
وإنْ نعوتٌ كثُرت وقد تلت... مفتَقِرا لذكرهن أُتبعت
إذا كثرت نعوت الاسم، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون مفتقرا إلى جميعها, لا يتميز بدونها.
والثاني: أن يكون مستغنيا عنها, متميزا بدونها.
والثالث: أن يكون مفتقرا إلى بعضها دون البعض.
فإن كان مفتقرا إلى جميعها وجب إتباع الجميع، وإن كان متعينا بدونها جاز فيه ثلاثة أوجه:
إتباع الجميع، وقطع الجميع، وإتباع بعض وقطع بعض.
وإن كان مفتقرا إلى بعض دون بعض, وجب إتباع المفتقر إليه وجاز فيما سواه الإتباع والقطع.
هذا ما ذكره المصنف.
فإن قلت: كيف يفهم ذلك من النظم؟
قلت: أما الأولى فظاهر من قوله: "وإن نعوت.... البيت".
وأما الثانية فمن قوله: واقطع أو اتبع إن يكن معينا.... بدونها.
وأما الثالثة فمن قوله: أو بعضها اقطع معلنا.
قال الشارح بعد أن ذكر الصورة الثالثة: وإلى هذا الإشارة بقوله: "أو بعضها اقطع معلنا" أي: وإن يكن معينا ببعضها اقطع ما سواه، وفيه نظر.
تنبيه:
إذا قُطع بعض النعوت دون بعض, قُدِّم المُتبَع على المقطوع ولا يعكس، وفيه خلاف.
قال ابن الربيع: والصحيح المنع، وقال صاحب البسيط: والصحيح جوازه.
ثم بيّن وجهي القطع بقوله:
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
يعني: أنه يجوز القطع إلى الرفع وإلى النصب، فإذا رفع فهو خبر مبتدأ واجب الحذف، وإذا نصب فبإضمار فعل واجب الحذف.
وإلى وجوب إضمار المبتدأ والفعل الناصب, أشار بقوله: "لن يظهرا".
تنبيه:
قد يوهم كلام الناظم أن القطع مشروط بتكرار النعوت, كما أوهمه كلام غيره، وليس ذلك بشرط، وإنما ذكر مسألة كثرة النعوت لما فيها من التقسيم والأوجه المتقدمة.
وتلخيص الكلام على القطع، أن يقال: المنعوت قسمان: معرفة ونكرة.
فالمعرفة إن كان نعته لمدح أو لذم أو ترحم, جاز القطع بالرفع على إضمار مبتدأ، وبالنصب على إضمار فعل لائق، فيقدر في المدح: أمدح وفي الذم: أذم وفي الترحم: أرحم1.
ولا يجوز إظهار المبتدأ، ولا الفعل كما سبق.
وخالف يونس في الترحم, فلا يجوز القطع وإن كان لتوكيد كقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ 2 أو ملتزما نحو: "الشِّعْرى العَبُور"3 أو جاريا على مشار به نحو: "هذا العالم" لم يجز القطع.
وإن كان لتخصيص وليس أحد الثلاثة نحو: "مررت بزيد الخياطُ", جاز قطعه إلى الرفع على إضمار "هو"، وإلى النصب على إضمار "أعني", ويجوز إظهارهما، بخلاف نعت المدح والذم والترحم.
وأما النكرة فيشترط في جواز قطع نعته تأخره عن آخر, كقول أبي الدرداء: "نزلنا على خالٍ لنا ذو مال وذو هيبة".
فإن لم يتقدمه نعت آخر, لم يجز القطع إلا في الشعر.
وما ذكرته من جواز قطع نعت التخصيص على الوجه المذكور, نص عليه ابن أبي الربيع وهو مفهوم من التسهيل4.
قوله:
وما من المنعوت والنعت عُقل... يجوز حذفه وفي النعت يقل
يعني: أنه إذا علم النعت أو المنعوت جاز حذفه، ويكثر ذلك في المنعوت، ويقل في النعت.
فمن الأول: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ 1, ومن الثاني قول العباس بن مرداس2:
...................... فلم أعط شيئا ولم أمنع
تنبيه:
إنما يكثر حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه بشرطين:
أحدهما: أن يعلم جنس المنعوت إما باختصاص النعت به نحو: "مررت بكاتب", وإما بمصاحبة ما يعينه نحو: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ 1.
والآخر: أن يكون صالحا لمباشرة العامل.
فلو كان جملة أو شبهها لم يقم مقامه في الاختيار؛ لكونه غير صالح لها إلا بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن، حكى سيبويه: "ما منهما مات حتى رأيته يفعل كذا" فهذا مثال الجملة.
ومثال شبهها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ 2.
وقوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ 3.
التقدير: أحد مات، وإن أحد من أهل الكتاب، وقوم دون ذلك، فهذا ونحوه كثير مطرد.
وقول الشارح: وهو مطرد في النفي، يفهم أنه غير مطرد في الإيجاب، وليس كذلك.
وأما نحو قوله4:
لو قلت ما في قومها لم تيثم... يفضُلُها في حَسَب ومَيْسَم
فأجازه المصنف في الاختيار, وجعل الجر بفي كالجر بمن، وجعله ابن عصفور ضرورة.
فلو لم يكن المنعوت بالجملة وشبهها بعض ما قبلها من مجرور بمن أو في, لم تقم الجملة أو شبهها مقامه إلا في الضرورة كقوله1:
..................... لكم قُبصه من بين أثرى وأقترا = "تيثم" جواب الشرط, "يفضلها" الجملة صفة لأحد المحذوفة, "في حسب" جار ومجرور متعلق بيفضلها, "وميسم" عطف عليه.
الشاهد فيه: "ما في قومها.... يفضلها" حيث إن جملة "يفضلها" جاءت نعتا لمنعوت محذوف وهو "أحد", وهو بعض اسم مقدم مجرور بفي وهو "قومها".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 400/ 2، وابن هشام 132/ 3، وذكره ابن يعيش 59/ 3، وسيبويه 375/ 1، والسيوطي في الهمع 120/ 2، والشاهد 344 في الخزانة.
التوكيد
:
التوكيد مصدر سمي به التابع لأنه يفيده، ويقال: أكّد تأكيدا، ووكّد توكيدا, وهو: معنوي ولفظي.
فالمعنوي تابع بألفاظ مخصوصة؛ فلذلك استغني عن حده بذكرها.
ثم المعنوى نوعان:
أحدهما: يرفع توهم الإضافة إلى المتبوع.
والثاني: يرفع توهم إرادة الخصوص بما ظاهره العموم.
والأول بالنفس والعين, والثاني بكل وأخواته.
وبدأ بالأول فقال:
بالنفس أو بالعين الاسم أُكِّدا
فتقول: ""جاء زيد"1 نفسه أو عينه" والمراد بهما حقيقته, وينفردان عن سائر ألفاظ التوكيد بجواز جرهما بباء زائدة2.
فإن قلت: فهل يجوز الجمع بينهما؟
قلت: نعم.
وإنما عطف بأو؛ للتنبيه على أن كلا منهما يصح التوكيد به وحده.
فإن قلت: فبأيهما يبدأ عند الاجتماع؟
قلت: بالنفس؛ لأنها عبارة عن جملة الشيء، والعين مستعارة في التعبير عن الجملة.
فإن قلت: هل هذا التركيب لازم, أم على سبيل الأولوية؟
قلت: الظاهر أنه لازم، وقيل: إنه على طريق الأحسنية.
ثم قال:
.............. مع ضمير طابق المؤكَّدَا
فنبه على أنه لا بد من إضافة النفس والعين إلى ضمير المؤكد, مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما, وتمثيل ذلك سهل.
ثم قال:
واجمعهما بأفْعُل إن تبعا... ما ليس واحدا تكن مُتَّبعا
وإنما قال: بأفعُل احترازا عن جمع الكثرة، فإنه لا يؤكد بنفوس ولا عيون.
وهو أولى من قوله في التسهيل: جمع قلة1, فإن عينا جمع على أعيان ولا يؤكد به.
وشمل قوله: "ما ليس واحدا" المثنى نحو: " قام الزيدان أو الهندان أنفسهما", والجمع نحو: "قام الزيدون أنفسهم والهندات أنفسهن".
وترك الأصل في المثنى كراهة اجتماع تثنيتين، وعدل إلى الجمع؛ لأن التثنية جمع في المعنى.
تنبيه:
قال الشارح بعد ذكره أن الجمع في المثنى هو المختار: ويجوز فيهما أيضا الإفراد والتثنية.
ووهم في ذلك؛ إذا لم يقل به أحد من النحويين.
قلت: وأجاز ابن إياز -في شرح الفصول- التثنية, فقال: ولو قلت "نفساهما" لجاز.
وكان الناظم أشار إلى منع الإفراد والتثنية بقوله: "تكن متبعا", ثم انتقل إلى النوع الثاني من نوعي التأكيد المعنوي, فقال:
وكُلًّا اذكر في الشمول وكِلَا... كِلْتَا جميعا بالضمير مُوصَلا
وأما كل, فلا يؤكد بها إلا ذو أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه غير مثنى.
وأما كلا وكلتا فللمثنى، وأما جميع فبمنزلة كل.
ثم أشار إلى وجوب إضافة كل وما بعدها إلى ضمير المؤكد بقوله: "بالضمير موصلا".
فتقول: جاء الجيشُ كلُّه، والقبيلةُ كلُّها، والزيدان كلهم، والرجال كلهم أو كلها، أو كله على قياس "هم أحسن الفتيان وأجمله" وهو ضعيف, "وجاء الهندات كلهن أو كلها" وحكى الخليل كلتهن عن بعض العرب، وكذلك تقول في جميع.
وتقول في المثنى: "جاء الزيدان كلاهما، والمرأتان كلتاهما".
وقد فهم من قوله: "بالضمير موصلا" فوائد:
الأولى: "أنه"1 ضمير مطابق للمؤكد؛ لأن أل فيه للعهد السابق في النفس والعين.
الثانية: أنه لا يحذف استغناء بنيته، خلافا للفراء والزمخشري، ونقله بعضهم عن الكوفيين، وجعلوا منه قراءة من قرأ: "إنَّا كُلًّا فيها"2, "أي: إنا كلنا"3.
وخرج على وجهين:
أحدهما: أنه حال من الضمير المرفوع في "فيها"4.
والآخر: "أنه"5 بدل من اسم "إن"6.
الثالثة: أن كلا لا يضاف في التوكيد إلى ظاهر، وعلى ذلك نصوص النحويين, وذكر في التسهيل1 أنه قد يستغنى عن الإضافة إلى الضمير بالإضافة إلى مثل الظاهر المؤكد بكل، وجَعَلَ منه قول كثير2: .................. يا أشبهَ الناس كلِّ الناس بالقمر
ونحوه، قيل: ولا حجة فيه؛ لاحتمال كون "كل" نعتا بمعنى الكاملين، فلم يفضله إلا على الناس الكاملين، وهو أمدح.
تنبيهان:
الأول: ما ذكر أن "كلا" للمذكر و"كلتا" للمؤنث، هو المشهور.
وقال في التسهيل1: وقد يستغنى "بكليهما" عن "كلتيهما".
ومنه قول الشاعر2:
يَمُتّ بقربى الزينبينِ كِلَيْهِما... إليك وقربى خالد وحبيب
وقال ابن عصفور: هو من تذكير المؤنث حملا على المعنى للضرورة، كأنه "قال"3: بقربى الشخصين.
الثاني: ذكر في التسهيل4 أيضا أنه قد يستغنى "بكلهما" عن "كليهما"
و"كلتيهما" في تأكيد المثنى, فيقال على هذا: "جاء الرجلانِ كلُّهُمَا" والمرأتان كلهما.
ثم قال:
واستعملوا أيضا ككل فاعله... من عم في التوكيد مثل النافله
أي: واستعملت العرب في التوكيد وزن "فاعلة من عم" يعني عامة، وتوصل إلى ذكرها بذكر وزنها لتعذر دخولها في النظم.
وأشار بقوله: "ككل" إلى أنها يؤكد بها ما سوى المثنى مما يؤكد بكل، وأنها تضاف إلى ضمير المؤكد.
فيقال: "جاء الجيشُ عامتُهُ، والقبيلة عامتها، والزيدون عامتهم، والهندات عامتهن".
قال في شرح التسهيل: وذكرت مع كل جميعا وعامة كما فعل سيبويه.
وأغفل ذلك أكثر المصنفين سهوا أو جهلا، وإلى ذلك أشار بقوله: "مثل النافلة".
قال الشارح: يعني أن ذكر عامة في ألفاظ التوكيد مثل النافلة أي: الزيادة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، وليس هو في حقيقة الأمر نافلة على ما ذكروه؛ لأن من أجلِّهم سيبويه -رحمه الله- لم يغفله.
انتهى.
قلت: خالف المبرد في "عامة" وقال: إنما "هي"1 بمعنى أكثرهم.
ثم ذكر توابع "كل" فقال:
وبعد كل أكدوا بأجمعا... جَمْعَاء أجمعين ثم جُمَعا
فيقال: جاء الجيشُ كلُّهُ أجمعُ, والقبيلةُ كلُّها جمعاءُ، والزيدون كلهم أجمعون، والهندات كلهن جمع".
وقد فهم من قوله: "وبعد كل" أمران:
أحدهما: واجب، وهو أن "أجمع" وفروعه لا يتقدم على "كل"، وفي الارتشاف بدأت بكل ثم بأجمع مرتبا، وقيل: على طريق الأولوية.
والثاني: غالب لا واجب، وهو أنها لا تستعمل دون "كل".
وقد أشار إلى جوازه بقوله:
ودون كل قد يجيء أجمع... جمعاء أجمعون ثم جمع
وهو معنى قوله في التسهيل1: وقد يغنين عن "كل".
قال الشارح: وهو قليل، وفي الارتشاف كثر ورود "أجمعين" في القرآن بدون "كل"2، فهو توكيد كما يؤكد بكل، وليس من باب الاستغناء عن كل كما زعم ابن مالك.
تنبيهات:
الأول: ذهب الفراء إلى أن "أجمعين" تفيد اتخاذ الوقت، والصحيح أنها ككل في إفادة العموم مطلقا, بدليل قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 3.
الثاني: قد يتبع "أجمع" وأخواته بأكْتَع وكَتْعاء وأكتَعِين وكُتَع, وقد يتبع "أكتع" وأخواته بأبْصَع وبَصْعاء وأبصَعِين وبُصَع4.
وزاد الكوفيون بعد أبصع وأخواته: أبْتَع وبَتْعاء وأبتَعِين وبُتَع.
وإنما لم يتعرض في النظم لذلك؛ لقلة استعماله.
الثالث: قال الشارح: ولا يجوز أن يُتعدَّى هذا الترتيب.
وقال في شرح الكافية: ولا يجاء بأكتع وأخواته غالبا إلا بعد أجمع وأخواته على هذا الترتيب.
انتهى.
ومراعاة هذا الترتيب هو المشهور.
وأجاز ابن كيسان أن تبدأ بأي الثلاثة شئت بعد أجمع, وهو ظاهر قوله في التسهيل1 بهذا الترتيب أو دونه.
وقال ابن عصفور: وأما أبصع وأبتع فلا تبال بأيهما قدمتَ على الآخر.
وأجاز الكوفيون وابن كيسان تقديم أكتع على أجمع.
ومذهب الجمهور أنه لا يتقدم عليه.
وأجاز الكوفيون وابن كيسان أيضا الاستغناء بأكتع وأخواته عن أجمع وأخواته، ومذهب الجمهور المنع.
وقوله2: حولا أكتعا
ونحوه من الضرورات "وشذ"1 قول بعضهم: "أجمع أبصع", وإنما حق أبصع أن يجيء بعد أكتع.
وأشد منه قول بعضهم: "جُمَع بُتَع"، وإنما حق "بتع"2 وأخواته أن يجاء بهن آخرا توابع لأبصع.
الرابع: إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع، وليس الثاني تأكيدا "للتأكيد"3.
الخامس: لا يجوز في ألفاظ التوكيد القطع إلى الرفع، ولا إلى النصب4.
السادس: لا يجوز عطف ألفاظه بعضها على بعض، فلا يقال: "قام زيدٌ نفسُهُ وعينُهُ", ولا "جاء القوم كلهم وأجمعون"، وأجاز العطف بعضهم وهو قول ابن الطراوة.
السابع: ألفاظ التوكيد معارف، أما ما أُضيف إلى الضمير فظاهر, وأما أجمع "وتوابعه"5 ففي تعريفه قولان:
أحدهما: أنه بنية الإضافة، ونسب إلى سيبويه6.
والثاني: أنه بالعلمية عُلِّق على معنى الإحاطة7.
قال محمد بن مسعود الغزني1 في البديع: وتعريفها تعريف علمي كتعريف أسامة انتهى، ولكون هذه الألفاظ معارف منع البصريون نصبها على الحال.
وقوله:
وإن يُفِد توكيد منكور قُبِل... وعن نحاة البصرة المنع شمل
مذهب الكوفيين والأخفش جواز توكيد النكرة إذا كانت مؤقتة "وأجاز بعض الكوفيين مطلقا مؤقتة كانت, أو غير مؤقتة"2, ومنع ذلك البصريون3 وإلى الجواز ذهب المصنف؛ لإفادته ولورود السماع به4.
فإن قلت: على أي "المذهبين"5 يحمل كلامه؟
قلت: ظاهر النظم موافقة الثاني، إذ لم يشترط في الجواز غير الإفادة.
وقوله في التسهيل6: وإن أفاد توكيد النكرة جاز وفاقا للأخفش والكوفيين, يقتضي موافقة الأول إذ الأخفش ومن وافقه من الكوفيين خصوا ذلك بالمؤقتة على ما نقل عنهم.
وقوله: "المنع شمل" المقيد وغيره.
وقوله:
واغْنَ بكلتا في مثنى وكِلَا... عن وزن فَعْلَاء ووزن أَفْعَلا
استغني في تثنية المثنى بكلا وكلتا عن تثنية أجمع وجمعاء، فلا يقال: أجمعان ولا جمعاوان, خلافا للكوفيين وابن خروف في إجازتهم تثنيتهما قياسا معترفين بعدم السماع.
فإن قلت: هل يجري خلافهم في توابع أجمع وجمعاء؟
قلت: في كلام بعضهم ما يشعر بإجراء الخلاف فيها، والقياس يقتضي إجراءه, وقوله:
وإن تؤكد الضمير المتصل... بالنفس والعين فبعد المنفصل
عنيت ذا الرفع...................................
يعني: "أنه"1 إذا أكد الضمير المرفوع المتصل بالنفس أو بالعين, فلا بد من توكيده "قبلها"2 بضمير مرفوع منفصل، فتقول: "قُمْ أنتَ نفسُكَ" و"قمت أنتَ نفسُكَ".
فإن قلت: فهل توكيده بذلك واجب؟
قلت: قال في شرح الكافية: لم يجز إلا بعد توكيده بضمير "مرفوع"3 منفصل.
فلو قلت: "قوموا أنفسكم" لم يجز، وهو موافق لنصوص غيره من النحويين.
وقال في التسهيل4: ولا يؤكد بهما غالبا ضمير رفع متصل إلا بعد توكيده
بمنفصل وأشار بقوله: "غالبا" إلى ما ذكره الأخفش في المسائل من أنه يجوز على ضعف "قاموا أنفسهم" وفي عبارة الفارسي لا يحسن.
"فرع":
إذا قلت: "هلم لكم أنفسكم" جاز دون توكيد للفصل الذي هو "لكم" وهذا بلا خلاف.
فلا يتوهم أنه لا بد فيه من التأكيد, ذكره في الارتشاف.
وقد فهم من قوله: "المتصل" أن المنفصل يؤكد بهما بلا شرط.
ومن قوله: "عنيت ذا الرفع" أن المنصوب والمجرور "يؤكد"1 بهما بلا شرط, فتقول: "رأيتُكَ نفسَكَ" و"مررت بِكَ نفسِكَ".
وإن شئت أكدتهما بالمنفصل.
وقوله:
....... وأكدوا بما... سواهما والقيد لن يُلتزما
يعني: أن ما سوى النفس والعين من ألفاظ التوكيد إذ أكد "بها"2 ضمير الرفع المتصل, لم يلتزم توكيده بمنفصل، وهو المعني بالقيد، ولكن يجوز فتقول: "قوموا كلكم".
ولو قلت: "أنتم كلكم", لكان حسنا.
ولما فرغ من التوكيد المعنوي, انتقل إلى التوكيد اللفظي فقال:
وما من التوكيد لفظي يجي... مكررا كقولك ادْرُجي ادْرُجي
التوكيد اللفظي: إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنى.
فالأول كقولك: "ادرجي ادرجي" ويكون في الاسم والفعل والحرف والمركب غير الجملة, والجملة، نحو: "جاء زيد زيد".
..................... أتاكِ أتاكِ اللاحقون1
ونَعَمْ نَعَمْ.
................ وحَتَّامَ حَتَّامَ العناء المطول2
.................. و... لكَ الله لكَ الله1
قال الشارح: وأكثر ما يجيء مؤكد لجملة.
والثاني: نحو: انزل نزال.
قال2:
................ صَمِّي لما فعلت يهود صَمَام3
ومنه توكيد الضمير المتصل بالمنفصل.
ومنه قوله1:
................. أَجَلْ جير إن كانت أُبيحت دعاثره
فإن قلت: عبارته ظاهرة في تناول الأول دون الثاني لقوله: "مكررا".
قلت: إذا حمل على تكرار معنى المؤكد، ولم يختص بتكرار لفظه كما ذكر الشارح تناولهما.
فإن قلت: ما إعراب صدر البيت؟
قلت: "ما" موصولة و"لفظي" خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة, و"يجي" خبر الموصول.
أي: والذي هو من التوكيد لفظي, يجيء مكررا.
قوله:
ولا تُعِدْ لفظ ضمير متصل... إلا مع اللفظ الذي به وُصِل
تقول: "قمتُ قمتُ" ونحوه؛ لأن إعادته مجردا تخرجه عن الاتصال.
ثم قال:
"كذا الحروف" يعني: أن الحرف لا يعاد إلا مع ما اتصل به أولا؛ لكونه كالجزء منه نحو: "إن زيدا قائم, إن زيدا قائم" و"في الدار, في الدار زيد" ولا يعاد وحده إلا ضرورة، نص عليه ابن السراج كقوله1:
.. ولا لِلِما بهم أبدا دواء
وأجاز الزمخشري: "إن إن زيدا قائم", وتبعه ابن هشام.
قال في شرح التسهيل: وقوله مردود؛ لعدم إمام يستند إليه وسماع يعتمد عليه.
ولا حجة له في قول الشاعر1:
إن إن الكريم يحلُم ما لم... يَرَيَنْ من أجاره قد ضِيما
فإنه من الضرورات.
تنبيه:
قال في التسهيل1: لم يعد في غير ضرورة إلا معمولا بمثل عامله أولا أو مفصولا.
ومثّل الفصل بقوله2:
حتى تراها وكأنّ وكأنْ... أعناقها مشددات بقرن
وبقوله3:
ليت شعري هل ثم هل آتيَنْهم
قال: ومن الفصل المسموع, الفصل بالوقف كقوله1: = السابق, "آتينهم" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة والفاعل ضمير مستتر وضمير الغائبين مفعول به, "أم" حرف عطف, "يحولن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة, "دون" ظرف متعلق بيحول, "ذاك" ذا مضاف إليه والكاف حرف خطاب, "الحمام" فاعل يحول مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد فيه: "هل ثم هل" حيث أكد "هل" الأولى بهل الثانية مع الفصل بينهما بالحرف "ثم", ولكنه لم يأت بمدخول المؤكد فاصلا وهو "آتينهم" وهذا شاذ, ومع شذوذه فهو أخف من غيره لوجود الفاصل، ولو وافق القياس لقال: "هل آتينهم, ثم هل آتينهم".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 410/ 2, وذكره السيوطي في الهمع 125/ 2.