مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وأما قوله: "نعم الفتى" فهو مثال "ثانٍ"1 كمل به البيت, والأول يغني عنه2.
ثم قال:
وبعد فعلٍ فاعلٌ فإن ظهر... فهو وإلا فضمير استتر
مرتبة الفاعل أن يكون بعد فعله لكونه كالجزء منه، فإن ظهر المسند إليه بعد الفعل فهو الفاعل نحو: "قام زيد" و"قمتُ", وإن لم يظهر بعده بل قبله نحو: "زيد قام" أو لم يظهر قبله ولا بعده نحو: "قم" فهو ضمير مستتر؛ لأن الفعل لا يخلو "من"3 "الفاعل"4, ولا يتأخر عنه5.
فإن قلت: ليس قوله: "وبعد فعل فاعل" على إطلاقه, فإن بعض الأفعال لا يرفع فاعلا فليس بعده فاعل، وذلك الفعل الزائد نحو: "كان" الزائدة, خلافا لمن قال فيها ضمير المصدر.
والمستعمل استعمال الحرف نحو: "قلما" المراد بها النفي في الأشهر، والمؤكد في نحو: "قام قام زيد" في أحد الأوجه، وللمبني للمفعول نحو: "ضرب زيد".
قلت: المراد بقوله: "وبعد فعل فاعل" أن الفاعل يكون بعد الفعل لا قبله، وليس المراد أن كل فعل يكون بعده فاعل "فيلزمه"6 ما ذكرت.
فإن قلت: لا بد في الشرط والجزاء من مغايرة ولم يفد الجزاء في البيت إلا ما أفاد الشرط؛ لأن التقدير: فإن ظهر الفاعل فهو الفاعل.
قلت: الضمير في قوله: "ظهر" للفاعل في المعنى، وخبر "هو" الفاعل في الاصطلاح "فتغايرا"1.
والمعنى: فإن ظهر بعد الفعل ما هو له في المعنى, فهو الفاعل في الاصطلاح.
فإن قلت: قوله: "وإلا فضمير استتر" ليس بجيد؛ لأن الفاعل قد يكون ضميرا "بارزا"2, نحو: "فعلت".
قلت: الضمير البارز شمله قوله: "فإن ظهر", فإن المراد بالظاهر "هنا"3 الملفوظ به, لا مقابل الضمير.
فإن قلت: مقتضى قوله: "وإلا فضمير استتر" أن الفاعل إما ظاهر وإما "مضمر"4 مستتر، وبقيت حالة أخرى, وهو أن يكون "ضميرا"5 محذوفا في باب النيابة وباب المصدر وباب التعجب.
قلت: قد ذكر ذلك في باب النيابة، وباب التعجب، وأما المصدر فلا يرد هنا6؛ لأنه إنما تكلم على فاعل الفعل على أن في التعجب والمصدر خلافا، وقد ذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل مطلقا.
ثم قال:
وجَرِّدِ الفعل إذا ما أُسندا... لاثنين أو جَمْع "كفاز الشهدا
أي: إذا أسند الفعل إلى فاعل ظاهر مثنى أو مجموع، جرد في اللغة المشهورة من علامة التثنية والجمع فتقول: "فاز الشهيدان, وفاز الشهداء".
فإن قلت: أطلق في قوله: "لاثنين أو جَمْع", وإنما يعني منه الظاهر.
قلت: قيد ذلك بمثاله، وأيضا بقوله في البيت الذي يليه "والفعل للظاهر بعد مسند"؛ لأن المسألة واحدة.
فإن قلت: لا فائدة في تخصيصه ذلك بالاثنين والجمع؛ لأن المسند إلى المفرد مجرد أيضا.
قلت: لم تختلف العرب في فعل المفرد، وإنما اختلفوا في فعل الاثنين والجمع، فنبه على مواضع الخلاف.
ثم أشار إلى اللغة الأخرى:
وقد يُقال: سَعِدا وسَعِدوا... والفعل للظاهر -بعدُ- مُسنَد
هذه اللغة ينسبها النحويون إلى: "أكلوني البراغيث"، وحمل المصنف عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم1: "يتعاقبونَ فيكم ملائكةٌ بالليل, وملائكةٌ بالنهار" 2 وقد نُوزع في ذلك.
وقال السهيلي: ألفيتُ في كتب الحديث المروية الصحاح ما يدل على كثرة هذه اللغة.
وجردها، وذكر آثارا, منها قوله عليه الصلاة والسلام: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل, وملائكةٌ بالنهار" أخرجه مالك في الموطأ.
ثم قال: لكني أقول في حديث مالك: "إن"3 الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولا مجردا4.
فقال فيه: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم" ا. هـ.
وحكى بعض النحويين أنها لغة طيئ، وحكى بعضهم أزد شَنوءَةَ ولا يقبل قول من أنكرها1.
ثم قال:
ويرفع الفاعلَ فعلٌ أُضمرا... كمثل "زيدٌ" في جواب "من قرا
يعني: أن الفاعل قد يحذف رافعه.
وحذفه، على قسمين: جائز نحو: "زيد" في جواب "من قال"2: من قرأ؟ أي: قرأ زيد.
وهذا المثال يحتمل أن يكون "زيد" فيه مبتدأ محذوف الخبر, أي: زيد القارئ، وهو الأظهر؛ لأن الأولى مطابقة الجواب للسؤال.
والأحسن أن يقال: كمثل زيدٌ في جواب: هل قرأ أحد؟
وواجب نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 3 أي: وإن استجارك أحد.
وتجوَّز المصنف فعبر عن الحذف بالإضمار.
وفهم من كلامه أن الرافع للفاعل هو "المسند"4, أعني الفعل وما جرى مجراه، وهذا أصح الأقوال5.
ثم قال:
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا... كان لأنثى كأبت هندُ الأذى
إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث, ولو بتأويل لحقته "تاء" ساكنة تدل على تأنيث فاعله.
ولحاقها على ضربين: جائز وواجب، وقد بين ذلك بقوله:
وإنما تلزم فعل مضمر... متصل أو مفهم ذات حِرِ
يعني: أن هذه التاء لا تلزم الفعل إلا في حالين:
الأول: أن يسند إلى "ضمير"1 متصل سواء كان حقيقي التأنيث نحو: "هند قامت", أو مجازيه نحو: "الشمس طلعت".
فإن كان منفصلا نحو: ما "قام"2 إلا أنتِ, ضعف إثبات التاء.
الثاني: أن يسند إلى ظاهر حقيقي التأنيث متصل, غير جمع ولا جنس, نحو: "قامت هند", و"قامت الهندانِ".
فإن كان مجازي التأنيث نحو: "طلعت الشمس", أو منفصلا نحو: ""قامت"3 اليوم هند", أو جنسا نحو: "نعمت المرأة", أو جمعا نحو: "قامت الهنود" لم تلزم التاء على "سببين"4.
وقد فهم القيد الأول وهو: أن يكون حقيقي التأنيث, من قوله: "أو مفهم ذات حر": والحر: فرج المرأة5.
ونبه على القيد الثاني؛ أعني الاتصال بقوله:
وقد يبيح الفصل ترك التاء في... نحو: "أتى القاضيَ بنت الواقف
ولكن يختار إثبات التاء في "غير الحقيقي المتصل، وفي الحقيقي"1 المفصول بغير "إلا".
فقولك: "أتت القاضيَ بنتُ الواقف" أحسن من "أتى".
فإن كان الفصل "بإلا" فبالعكس، وقد نبه عليه بقوله:
والحذف مع فصل بإلا فُضِّلا... كما زكا إلا فتاةُ ابن العلا
فما زكا إلا فتاة, أجود مما زكت.
وبعضهم لا يجيز ثبوتها مع الفصل "بإلا" إلا في الضرورة، والصحيح جوازه في النثر على قلة, ومنه قراءة مالك بن دينار2 وأبي رجاء الجحدري3: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ 4 ذكرها أبو الفتح.
ثم نبه على أنه قد ورد الحذف مع الحقيقي المتصل, ومع ضمير المجازي بقوله:
والحذف قد يأتي بلا فصل، ومَعْ... ضمير ذي المجاز في شعر وقعْ
أما الحذف مع الحقيقي المتصل فذكره سيبويه5, وحكى: قال فلانة.
وذكر المصنف أنه لغة بعضهم، وقال بعضهم: هو شاذّ، لا يجوز إلا حيث سمع.
وأما الحذف مع ضمير المجازي, فقد ورد في الشعر كقوله:
............. ولا أرضَ أبقلَ إبقالها1
وقوله:
إن السماحة والمروءة ضمنا... قبرا بمرو على الطريق الواضح2
وقوله:
............. فإن الحوادث أودى بها1 = الشرح: "بمرو" في محل النصب على أنها صفة لقبر, أي: قبرًا كائنًا بمدينة مرو، وهي قصبة خراسان وبها كان سرير الملك، وهي مدينة عظيمة بينها وبين نيسابور اثنا عشر يوما.
الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب, "السماحة" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة, "والمروءة" معطوف عليه, "ضمنا" ضمن فعل ماضٍ مبني للمجهول, وألف الاثنين فاعل مبني على السكون في محل رفع، وهو المفعول الأول, "قبرا" مفعول ثانٍ لضمن, "بمرو" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقبر, "على الطريق" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية لقبر, "الواضح" صفة للطريق.
الشاهد: في "ضمنا"؛ فإن ضمن فعل ماضٍ مسند إلى ضمير المؤنث وهو الألف العائدة إلى السماحة والمروءة، والقياس فيه أن يقول: "ضمنتا" بتاء التأنيث؛ لأنها خبر عن السماحة والمروءة, وهما مؤنثتان، وهو محمول على الضرورة خلافا لابن كيسان.
مواضعه: ذكره داود في شرحه للألفية، وابن هشام في شذور الذهب ص153.
وهو من ضرائر الشعر, خلافا لابن كيسان في القياس عليه.
ثم أشار إلى القيد الثالث -أعني: كونه غير جمع- بقوله:
والتاء مع جمع سوى السالم من... مذكر, كالتاء مع إحدى اللَّبِن
يعني: أن حكم التاء مع المسند إلى غير المذكر السالم حكمها مع المجازي التأنيث "كإحدى اللبن" وهي لبنة, فيجوز إثباتها وحذفها.
فعلى هذا تقول: قام الرجال وقامت الرجال وقام الهندات وقامت الهندات؛ لأن قوله: "سوى السالم من مذكر" يشمل الجمع المكسر والسالم من المؤنث.
فالتذكير على تأولهم بجمع والتأنيث على تأولهم بجماعة، وما ذكره في جمع التكسير متفق عليه.
وأما المؤنث السالم؛ فإما أن يكون واحده مذكرا "كالطلحات", أو مغيرا وهو "بنات" فحكمه أيضا في جواز الأمرين حكم التكسير.
وإما أن يكون غير ذلك "كالهندات" فحكمه حكم واحده. فلا يقول: "قام الهندات" إلا من يقول: "قام فلانة", هذا هو الصحيح وإليه ذهب في التسهيل1.
وأجاز الكوفيون: "قام الهندات" كجمع التكسير، واختاره أبو علي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ 2.
وأجيب بأن حذفها في الآية للفصل، وكلامه هنا موافق مذاهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين.
= الشاهد: في "أودى" حيث لم يلحق تاء التأنيث بالفعل الذي هو قوله: "أودى"، مع كونه مسندا إلى ضمير مستتر, عائدا إلى مؤنث وهو "الحوادث" الذي هو جمع حادثة.
فإن قلت: فإني لم أجد لهذا الشاعر ضرورة ألجأته إلى حذف التاء؛ لأنه لو قال: "أودت بها" لم يتغير الوزن, قلت: الجواب عن ذلك أن ننبهك إلى هذه الألف المنطوق بها قبل الباء في "أودى بها" فالقافية مؤسسة، والتأسيس هو الألف الواقع قبل حرف الرويّ بحرف متحرك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، وابن هشام 1/ 355، السندوبي، الأشموني 1/ 174، ابن يعيش في شرح المفصل 4/ 95، والشاهد رقم 952 من خزانة الأدب، وسيبويه في كتابه ج1 ص339.
وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز إلحاق التاء معه، إذا لم يسمع؛ ولذلك استثناه خلافا للكوفيين, فأجازوا الوجهين في الجموع الثلاثة.
ويستثنى من ذلك البنون, فحكمه حكم التكسير1 لتغير واحده.
واعلم أن اسم الجمع كالجمع المكسر.
ثم نبه على القيد الرابع، أعني: كونه غير مقصود به الجنس, بقوله:
والحذف في نعم الفتاةُ استحسنوا... لأن قصد الجنس فيه بين
يعني: أنهم استحسنوا الحذف في "نعم وبئس", فيقول: "نعم الفتاة" من لا يقول: "قال فلانة"؛ لأن المقصود به جنس الفتاة، و"أل" فيه جنسية، خلافا لمن زعم أنها عهدية.
ولا يعني أن الحذف أحسن "من"2 الإثبات بل هو حسن، والإثبات أحسن منه.
والأصل في الفاعل أن يتصلا... والأصل في المفعول أن ينفصلا
يعني: أن الأصل في الفاعل أن يتصل بفعله؛ لأنه كالجزء منه, والأصل في المفعول أن ينفصل عنه بالفاعل نحو: "ضرب زيدٌ عمرًا".
ثم قال:
وقد يُجاء بخلاف الأصل.............
أي: يقدم المفعول على الفاعل نحو: ضرب عمرًا زيدٌ.
وتقديمه على الفاعل, على ثلاثة أقسام: جائز كما مثل، وواجب، وممتنع, وقد نبه عليها، فقال:
...........
وقد يجي المفعول قبل الفعل
وهو على ثلاثة أقسام: جائز نحو قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ 3, وواجب
نحو: "من أكرمت؟ "؛ لأن اسم الاستفهام له الصدر، وممتنع ويمنعه ما أوجب تأخره أو توسطه.
ثم قال:
وأخِّر المفعول إن لبس حُذر... أو أُضمر الفاعل غير منحصر
يجب تأخير المفعول في ثلاث مسائل:
الأولى: إذا خِيف التباسه بالفاعل؛ لخفاء الإعراب فيهما ولا قرينة, نحو:
"ضرب موسى عيسى" فيتعين كون الأول فاعلا "كذا"1 قال ابن السراج.
وتظافرت2 على ذلك نصوص المتأخرين، ونازعهم في ذلك ابن الحاج3 في نقده على ابن عصفور, وقال: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية، ولا يبعد أن يقصد قاصد "ضرب أحدهما" من غير تعيين4, فيأتي باللفظ المحتمل، ولا يمنع أن يتكلم به لغة ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة5.
نعم، يمكن أن يقال: إذا أجملا6.
فينبغي أن يبقى مع الظاهر من تقديم الفاعل، لكن ليس هذا قطعا على منعه.
قال الزجاج في معانيه7 في قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ 8﴾ 9:
يجوز أن تكون "تلك" في موضع رفع على "أنها"1 اسم "زالت" وفي موضع نصب على خبر "زالت", ولا خلاف بين النحويين في جواز الوجهين ا. هـ. مختصرا وبعضه بالمعنى.
ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية الكريمة، جواز مثل ذلك في: "ضرب موسى عيسى"؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها، وذلك واضح2 فلو زال "الالتباس"3 بقرينة معنوية نحو: "ولدت هذه هذه" تشير بالأولى إلى الصغرى، أو بقرينة لفظية نحو: "ضربتْ"4 موسى سعدى, جاز التقديم.
الثانية: أن يكون "الفاعل"5 ضميرا "متصلا"6 غير محصور، نحو: "أكرمت زيدا", فلو كان محصورا وجب تأخيره "نحو"7: "وما ضرب زيدا إلا أنا".
الثالثة: أن يحصر "المفعول"8 بإلا أو بإنما نحو: "ما ضرب زيد إلا عمرا"، و"إنما ضرب زيد عمرا".
ويجب تقديم المفعول على الفاعل لثلاثة أسباب:
الأول: أن يحصر "الفاعل"9 بإلا أو بإنما نحو: "ما ضرب زيدا إلا عمرو" و"إنما ضرب زيدا عمرو".
والثاني: أن يكون "المفعول"10 ضميرا متصلا وفاعله ظاهر نحو: "أكرمك زيد".
الثالث: أن يعود عليه ضمير متصل بالفاعل نحو: "ضرب زيدا غلامه" عند الأكثرين.
وقد نبه المصنف على وجوب تأخير ما حصر, فاعلا كان أو مفعولا, بقوله:
وما بإلا أو بإنما انحصر... أُخر....
فأما المحصور "بإنما" فلا خلاف في وجوب تأخيره.
وأما المحصور "بإلا" فنقل المصنف أنه يجب تأخيره خلافا للكسائي، فإنه أجاز تقديمه, فاعلا كان أو مفعولا، ووافقه ابن الأنباري على جواز تقديم المفعول "بخلاف"1 الفاعل.
والحاصل ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا وهو مذهب الكسائي، والمنع مطلقا وهو مذهب الجمهور2، والتفصيل وهو مذهب ابن الأنباري.
ونقل غيره أن مذهب البصريين والفراء والكسائي إجازة تقديم المفعول إذا حصر "بإلا" "3" 4.
وكلام المصنف هنا يقتضي موافقة الكسائي5.
........ وقد يسبق إن قصد ظهر
واحترز بقوله: "إن قصد ظهر" من المحصور "بإنما"6, فإنه لا يظهر قصد الحصر معها إلا بالتأخير.
ولم ينبه على باقي أسباب تقديم المفعول، وهو مستفاد من قوله: "أو أُضمر الفاعل غير منحصر"؛ لأن العلة واحدة، وهي أن الاتصال لا يجوز مع إمكان الانفصال في غير المواضع المستثناة.
ثم قال:
وشاع نحو: "خاف ربَّه عمر
أي: كثر تقديم المفعول الملتبس بضمير الفاعل عليه؛ لأن الفاعل في نية التقديم نحو: "خاف ربَّه عمرُ".
ثم قال:
............ وشذ نحو: زانَ نورُه الشجر
أي: شذ تقديم الفاعل الملتبس بضمير المفعول عليه؛ لما يلزم من عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة1.
قال المصنف: والنحويون -إلا أبا الفتح- يحكمون بمنع "مثل"2، هذا والصحيح جوازه3.
واستدل على ذلك بالسماع، وأنشد ستة أبيات4, وأنشد غيره أبياتا أخر.
وذكر لجوازه وجها من القياس5, وقد أجازه قبله وقبل أبي الفتح، الأخفش من البصريين، والطوال من الكوفيين6.
وتأول المانعون بعض الأبيات بما هو خلاف الظاهر، وقد أجازه بعضهم في الشعر دون النثر، وهو الإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر7، والله أعلم.
النائب عن الفاعل
:
قال:
ينوب مفعول به عن فاعل... فيما له كنِيلَ خيرُ نائل
قد يحذف الفاعل لغرض لفظي كالإيجاز "والتصحيح"1 والتوافق والتقارب2، أو معنوي: كالعلم به والجهل والإبهام والتعظيم والتحقير والخوف منه أو عليه3، وينوب عنه بعد حذفه "أحد"4 خمسة أشياء: مفعول به، ومصدر، وظرف زمان أو مكان، ومجرور، خلافا لمن منع إقامة المجرور.
ولا ينوب عن الفاعل خبر كان, "ولا حال"5, ولا تمييز، ولا مشبه بالمفعول خلافا لمن أجاز ذلك.
وما أقيم مقام الفاعل نائب عنه في جميع أحكامه، كالرفع ووجوب التأخير وامتناع الحذف "وتنزيله"6 منزلة الجزء والإغناء عن الخبر في نحو: "أمضروب العبدان؟ ".
واتصال تاء التأنيث بفعله, إذا كان مؤنثا.
إلا أن نيابة ما ذكر عن الفاعل مشروطة "بتغير"7 الفعل عن صيغته الأصلية إلى صيغة تنبيه على ذلك.
وقد أشار إلى كيفية التغيير فقال:
فأول الفعل اضْمُمَنْ..............
يعني: ماضيا كان أو مضارعا.
فإن قلت: منه ما يكسر أوله نحو: "قيل" في الفصحى, و"رِد" في لغة.
قلت: لم يكسر إلا بعد تقدير ضمة كما سيأتي، والأصل: "قُول" و"رُدِدَ".
ثم قال:
......... والمتصل... بالآخر اكسِر في مُضِيّ كوُصل
المتصل بالآخر هو الحرف الذي قبله, كالصاد من "وصل".
فإن قلت: فنحو: "قيل" و"رد" لا يكسر ما قبل آخره.
قلت: بل كسر تقديرا, كما سبق في ضم أوله.
ثم قال:
واجعله من مضارع منفتحا................
أي: واجعل المتصل بالآخر منفتحا لفظا أو تقديرا كما سبق، ثم مثّله فقال:
............... كينتحي المقولِ فيه يُنتحَى
المقول بالجر صفة للفظ "ينتحي"1 الذي يقال فيه إذا بني للمفعول: "يُنتحَى" فيضم "أوله"2 ويفتح ما قبل آخره.
فهذان العملان -أعني: ضم أول الفعل وكسر ما قبل آخره في الماضي أو فتحه في المضارع- مطردان في كل فعل "مبني"3 لما لم يسم فاعله.
وقد يضاف إليهما في بعض الأفعال عمل آخر، وقد نبه على ذلك فقال:
والثاني التالي تا المطاوعَهْ... كالأول اجعله بلا منازعَهْ
أي: اجعل الحرف الثاني الذي يتلو "تاء" المطاوعة كالأول فتضمه كما تضم الأول نحو: "تَعَلّم" فتقول: "تُعُلِّم" بضم أوله وثانيه، وكذلك كل فعل أوله "تاء" مزيدة معتادة، وإن كانت لغير المطاوعة نحو: ""تبختر"1 وتكبر وتوانى وتحكم".
فإن قلت: فتقييد المصنف: التاء بالمطاوعة، ليس بجيد.
قلت: هو كذلك، والعذر له، أن التاء فيما ذكرناه من الأفعال شبيهة بتاء المطاوعة، فاكتفى بذكرها.
فإن قلت: قوله في التسهيل: ومع ثانيه إن كان ماضيا مزيدا أوله "تاء"2 عبارة صحيحة لشمولها.
قلت: لكنها شملت غير المقصود أيضا "كالتاء"3 في قولهم: "تُرمِّس الشيء" بمعنى رمَّسه4, فإنها مزيدة وهو لا يضم ثانيه5 لكونها "تاء" زيادتها غير معتادة.
"فالأولى أن يقال: مزيدا أوله "تاء" معتادة"6, ثم قال:
وثالث الذي بهمز الوصل... كالأول اجعلنّه كاستُحلي
إذا كان أول الماضي همزة وصل, ضم أوله وثالثه فتقول: في "استحلى"، "استُحلي" وذلك واضح.
فإن قلت: ليس ذلك على إطلاقه؛ لأن الأفصح في "اختار وانقاد" أن يقال: "اختِير وانقِيد" وسيذكره7.
قلت: الجواب عنه كالجواب عن كسر "قيل", وقد تقدم.
ثم قال:
واكسر أو اشمِمْ فا ثلاثي أُعِلْ... عينا وضم جا كبُوع فاحتُمِلْ
إذا كان الماضي ثلاثيا معتل العين معلها نحو: "قال وباع" وقُصد بناؤه للمفعول فُعل فيه تقديرا ما يقتضيه القياس, فيضم أوله ويكسر ما قبل آخره, فيقال: "قُوِل وبُيِع".
إلا أن العرب قصدوا تخفيفه؛ لثقل الكسرة على حرف العلة، فمنهم من حذف ضمة الفاء ونقل كسرة العين إلى مكانها, فسلمت الياء من "بيع" وقُلبت الواو من "قول"، "ياء" لسكونها"1 بعد كسرة فصار اللفظ: "قيل وبيع".
ففي ذوات الياء عملان، وفي ذوات الواو ثلاثة، وهذه أفصح اللغات.
ومنهم من فعل ما تقدم من حذف الضمة ونقل الكسرة, إلا أنه يشم الفاء "للضم"2 ومعنى الإشمام هنا: شوب الكسرة شيئا من صوت الضمة؛ ولهذا قيل: ينبغي أن يسمى رَوْمًا.
قلت: وقد عبر عنه بعض القراء بالروم.
فإن قلت: ما كيفية اللفظ بهذا الإشمام؟
قلت: ظاهر كلام كثير من النحويين والقراء أنه يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة ممتزجة من حركتين: ضمة وكسرة على سبيل الشيوع.
والأقرب ما حرره بعض المتأخرين.
فقال: كيفية اللفظ أن يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين, إفرازا لا شيوعا.
جزء الضمة مقدم, وهو الأقل يليه جزء الكسرة, وهو الأكثر.
ومن ثم تمحضت الياء.
وهذه اللغة -أعني لغة الإشمام- فصيحة تلي لغة الكسر في الفصلة.
ومنهم من يحذف كسرة العين، إذ منها ينشأ الثقل وتبقى الفاء على ضمها, فتسلم "الواو"1 في "قول" وتقلب الياء واوا في "بيع" لانضمام ما قبلها2.
وهذه اللغة أضعف اللغات3, وعليها قول الراجز:
ليت شباب بوعَ فاشتريت4...............
تنبيه: وإنما قال: "أُعل" دون "اعتل"؛ ليخرج ما عينه حرف علة ولم يعل، نحو: "عور في المكان" وصِيد فيه، فإن حكمها حكم الصحيح.
ثم قال:
وإن بشكل خِيفَ لَبْس يجتنب........................
إذا خِيف التباس فعل المفعول بفعل الفاعل بسبب شكل، وهو ضم الفاء "أ"1 وكسرها وجب حينئذ ذلك الشكل الذي بسببه وقع اللبس، فتقول في "بيع": "بعت يا عبد" بإخلاص الضم أو بالإشمام، وفي "عوق"2: "عقت يا زيد" بإخلاص الكسر أو بالإشمام، إذ لو أخلصت الكسر في "بعت" والضم في "عقت" لالتبس فعل المفعول بفعل الفاعل.
وما ذكره من اجتناب الشكل الملتبس لم يتعرض له سيبويه، بل ظاهر كلامه جواز الأوجه الثلاثة مطلقا3.
ويؤيده ما حكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: غُثنا ما شئنا "وهو فُعلنا"4؛ لأنه يقال: غيث القوم.
ثم قال:
.............. وما لباع قد يُرَى لنحو حب
يعني: أن الثلاثي المضاعف المدغم يجوز في فائه ما جاز في فاء "باع" من إخلاص الكسر والضم والإشمام نحو: "حِبّ ورُدَّ" وقرئ: "هذه بضاعتنا رِدَّتْ إلينا"5 ولكن الأفصح في المضاعف الضم. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والصحيح الجواز6.
فإن قلت: هل يعرض في المدغم "من الإلباس"7 ما عرض في نحو: "قيل وبيع"؟
قلت: لا؛ لأن المضاعف إذا بني للفاعل فتحت فاؤه إلا فيما كان على "فعل" إذا نقلت ضمة عينه إلى الفاء نحو: "حب"8 فيعرض اللبس بإخلاص الضم.
فقياس من راعى إزالة اللبس أن يقول: "حِبّ" بالكسر أو بالإشمام.
ثم قال:
وما لفا باع وما العين تلي... في اختار وانقاد وشبه ينجلي
يعني أن "ما اعتلت"1 عينه من الفعل الماضي الموزون بافتعل نحو: "اختار" أو بالفعل نحو: "انقاد" يُفعل بثالثه.
وهو الذي تليه العين ما فعل بفاء باع من الكسر والضم والإشمام, فيقال: "اختِير واختُور" وبالإشمام، ومن كسر الثالث كسر الهمزة, ومن ضم الثالث ضم الهمزة، ومن أشمه أشمها.
واعلم أن ما لم تعل عينه من هذا النوع, فحكمه حكم الصحيح كما سبق في الثلاثي، نحو: "اعتور".
ولما فرغ من "بيان"2 الكيفية, شرع في ذكر بقية الأشياء التي تنوب عن الفاعل, فقال:
وقابل من ظرف أو من مصدر... أو حرف جر بنيابة حري
أشار بقوله: "وقابل" إلى أن من الظرف والمصدر "وحرف الجر"3 ما لا يقبل النيابة.
أما الظرف, فلا يقبلها إلا بشروط:
الأول: أن يكون مختصا, فلا يجوز: "سِيرَ وقت، ولا جُلِس مكان".
والثاني: أن يكون متصرفا, فلا يجوز: "جلس عندك" خلافا للأخفش4.
والثالث: أن يكون ملفوظا به, خلافا لابن السراج في إجازته نيابة الظرف المنوي.
وأما المصدر فلا يقبلها "أيضا"5, إلا بشروط:
الأول: أن يكون متصرفا، فلا يجوز نيابة "سبحان" ونحوه.
والثاني: أن يكون لغير مجرد التوكيد, فلا يجوز: "ضُرب ضُرب" لعدم الفائدة.
والثالث: أن يكون ملفوظا به, أو مدلولا عليه بغير العامل نحو: "بلى سِير" لمن قال: ما سير سير شديد، فلو دل عليه "العامل"1 لم ينب, خلافا لبعضهم.
وأما المجرور, فلا يقبلها إلا بشرطين:
الأول: "ألا يلزم"2 الحرف الجار له وجها واحدا في الاستعمال, كمذ "ومنذ"3 ورب والكاف وما خص بقسم واستثناء, فلا ينوب شيء من ذلك كما لا ينوب الظرف غير المتصرف.
والثاني: ألا يكون للتعليل "كاللام والباء ومن" إذا دلت على التعليل.
ذكر ذلك بعض النحويين، وقد أجاز "بعضهم"4 ذلك في قوله:
يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته5..............
وذكر ابن إياز أن الباء الحالية في نحو: "خرج زيد بثيابه" لا تقوم مقام الفاعل, كما أن الأصل الذي ينوب عنه كذلك. وكذلك المميز إذا كان معه "مِن" كقولك: "طبت من نفس"، فإنه لا يقوم مقام الفاعل أيضا1.
قلت: دخول "من" في هذا المثال غير جائز, وسيأتي في بابه2.
فإن قلت: قوله: "أو حرف جر" يقتضي أن النائب إنما هو حرف جر، فيكون في محل رفع كما نقل عن الفراء.
قلت: مذهب البصريين، أن النائب إنما هو المجرور لا الحرف ولا المجموع، ولما كان الحرف "ملازما"3 للمجرور اكتفى بذكره.
وظاهر كلامه في الكافية4 والتسهيل أن النائب هو الجار والمجرور معا.
ثم قال:
ولا ينوب بعض هذي إن وجد... في اللفظ مفعول به وقد يرد
الإشارة "بهذي" إلى الظرف والمصدر "وحرف الجر"5.
= "فما" الفاء للتفريع، ما حرف نفي, "يكلم" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو, "إلا" حرف استثناء لا عمل له, "حين" ظرف زمان متعلق بيتكلم, "يبتسم" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو.
الشاهد: في "ويغضى من مهابته"؛ لأن النائب عن الفاعل فيه هو ضمير المصدر أي: هو الإغضاء.
وكلمة "من" للتعليل أي: لأجل مهابته وهو مفعول له؛ فلذلك لم ينب عن الفاعل.
وذهب الأخفش إلى أن قوله: "من مهابته" نائب فاعل يغضى مع اعترافه بأن "من" حرف جر للتعليل، وعنده أنه لا تمنع نيابة المفعول لأجله عن الفاعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 1/ 277، 2/ 131، وداود، والسندوبي، والأشموني 1/ 183, وذكره ابن يعيش في شرح المفصل 2/ 53.
مذهب جمهور البصريين: أنه لا يجوز نيابة شيء منها مع وجود المفعول به.
ومذهب الكوفيين: جواز ذلك مطلقا، ونقله المصنف عن الأخفش، ونقل بعضهم عنه أنه "إنما"1 يجيز نيابة غير المفعول به إذا تقدم على المفعول به.
فالمذاهب على ثلاثة.
قال المصنف: وبقول الكوفيين أقول؛ إذ لا مانع من ذلك مع أنه وارد عن العرب، ومنه قراءة أبي جعفر2: "ليُجْزَى قوما بما كانوا يكسبون"3, وفي هذا ونحوه أشار بقوله: "وقد يرد".
وإذا فقد المفعول به جازت نيابة كل واحد من هذه الأشياء، قيل: ولا أولوية لشيء منها، وقيل: المصدر أولى4 وقيل: المجرور5، وقال الشيخ أبو حيان6: ظرف المكان أولى"7" 8.
ثم قال:
وباتفاق قد ينوب الثانِ من... باب كسا فيما التباسه أُمِن
المتعدي إلى مفعولين, ثلاثة أنواع: باب كسا، وباب ظن، وباب اختار.
فباب كسا: كل "فعل"1 متعدٍّ بنفسه إلى مفعولين, ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب ظن: كل "فعل"2 متعد بنفسه إلى مفعولين, أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب اختار: كل "فعل"3 متعد إلى واحد بنفسه وآخر بإسقاط حرف الجر.
ولا خلاف في "جواز"4 نيابة المفعول الأول في الأبواب الثلاثة.
وأما الثاني فنقل المصنف الاتفاق على جواز نيابته في باب كسا بشرط أمن اللبس؛ فتقول: "أُعطِي زيدا درهم" ولا يجوز نحو: "أعطي زيد عمرا" إلا بنيابة الأول لأنه يلبس.
وحكي "عن"5 الفارسي: منع إقامة الثاني إذا كان نكرة والأول معرفة, وهو نقل غريب وسيأتي الخلاف في باب ظن.
وأما باب اختار، فلم يتعرض له هنا.
وقال في التسهيل: ولا يمنع نيابة المنصوب بسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل.
ا. هـ.6, وهذا مذهب الفراء، ومذهب الجمهور تعيين رفع المنصوب بنفس الفعل.
ثم قال:
في باب ظن وأرى المنع اشتهر... ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
تقدم بيان باب ظن، وأما باب "أعلم" فكل متعدٍّ إلى ثلاثة.
قال المصنف: منع الأكثرون نيابة ثاني المفعولين من باب "ظن وأعلم"1, والصحيح عندي جواز ذلك إن أمن اللبس2، ولم يكن ثاني المفعولين جملة ولا ظرفا ولا "مجرورا"3 ا. هـ.
وأما الثالث من باب "أعلم" فلم يتعرض له، إلا أن قوله في التسهيل: ولا يمنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقا4 ا. هـ يقتضي جوازه.
وقد نقل جوازه عن بعضهم, فأجاز: "أعلم زيدا فرسك مسرج".
ونقل ابن هشام الخضراوي5 وابن أبي الربيع وابن المصنف، منع نيابته باتفاق"6" 7.
ثم قال:
وما سوى النائب مما عُلَّقا... بالرافع النصب له محقَّقَا
يعني: أن ما تعلق بالفعل ولم يكن نائبا عن الفاعل فهو منصوب لفظا، كالمصدر والظرف والمفعول به أو فيه أو له أو معه والحال والتمييز والمستثنى بشرطه، أو محلا كالمجرور بحرف نحو: "مررت بزيد".
فإن قلت: ينبغي أن يقول: وما سوى الفاعل والمشبه به والنائب عنه كما ذكر في التسهيل1, فإن هذه الثلاثة مرفوعة.
قلت: عنى بالرافع رافع النائب لا الفعل مطلقا, فلم يحتج إلى ذكر الفاعل ولا "المشبه"2 به, والله أعلم.
اشتغال العامل عن المعمول
:
المراد بالعامل هنا ما يجوز عمله فيما قبله "فيشمل"1 الفعل المتصرف واسم الفاعل واسم المفعول دون الصفة المشبهة والمصدر واسم الفعل والحرف؛ لأنه لا يفسر في هذا الباب إلا ما يصلح للعمل فيما قبله.
ثم قال:
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل... عنه بنصب لفظه أو المحل
تقدير البيت: إن شغل "مضمر اسم"2 سابق فعلا.
فقوله: "مضمر اسم" فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر، وقوله: "سابق" صفة لاسم, و"فعلا" مفعول شغل، وقوله: "عنه" أي: عن الاسم السابق، وقوله: "بنصب لفظه أو المحل" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بنصب لفظه الضمير، أو محله، فنصب لفظه نحو: "زيدا ضربتُهُ" ونصب "محله"3: "زيدًا مررتُ به".
والثاني: أن يكون المراد بنصب لفظ، الاسم السابق أو محله.
وعلى هذا, فالباء بمعنى "عن" وهو بدل اشتمال من الهاء في عنه بإعادة العامل, والتقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن نصب لفظ ذلك الاسم نحو: "زيدا ضربته" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب "زيدا" أو نصب محله نحو: "زيدا مررتُ به" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب محل "زيد" فنقول: "بزيد مررت", فيكون محل المجرور نصبا.
فإن قلت: أي الاحتمالين أرجح؟
قلت: الأول هو ظاهر لفظه، ويؤيده قوله في التسهيل: إذا انتصب لفظا أو محلا ضمير اسم سابق ا. هـ4. إلا أنه يلزم منه تجوز في موضعين:
أحدهما: قوله: "عنه", فإنك إذا قلت: "زيدا مررتُ به" لم يشغله الضمير عن نصب "زيد"؛ لأنه فعل لازم، لو سلط عليه لم ينصبه، ولكن قد يقال: شغله الضمير عن "زيد" بتجوز بمعنى: شغله عن العمل في محله.
والآخر: قوله: "بنصب لفظه" والضمير لا ينصب لفظه؛ لأنه مبني، ويلزم منه أيضا تكرار، فإنه يقال بعد:
وفصل مشغول بحرف جر... أو بإضافة كوصل يجري
فذكر حرف الجر على هذا التقدير تكرار؛ لأنه قد علم من قوله: "أو المحل".
وأما الاحتمال الثاني، فلا يلزم منه شيء من ذلك, فتأمله1.
ويؤيده قوله في شرح الكافية: إذا "قدم"2 اسم على فعل صالح لنصبه لفظا أو محلا، فلم يجعل التقسيم في الضمير بل في الاسم السابق.
ا. هـ3.
وهذا وجه ظاهر, لولا ما فيه من استعمال البناء بمعنى "عن" في قوله: "بنصب", على أن استعمال الباء بمعنى "عن" كثير.
فإن قلت: يرد على كلامه كما قيل نحو: "زيد ما أحسنه", فإنه فعل اشتغل بضمير اسم سابق وليس من الباب بإجماع.
قلت: لا يرد؛ لأن الضمير "لا"4 يشغله عن الاسم السابق؛ لأن فعل التعجب لا يعمل فيما قبله فخرج بقوله: "عنه".
ثم قال:
فالسابقَ انصبْهُ بفعل أُضمرا... حتما................
يعني: أن الاسم السابق إذا نصب، فالناصب له عند الجمهور فعل مضمر, لا يجوز إظهاره.
ولهذا قال "حتما" أي: إضمارا حتما؛ لأن الظاهر كالعوض منه، فلا يجمع بينهما.
فإن قلت: مقتضى عبارته إيجاب نصبه، وليس نصبه يوجب في كل صورة كما سيذكر.
قلت: المراد: انصبْهُ بالمضمر "حتما" حيث يصح النصب، وليس المراد: "نصبه"1 حتما, وذلك واضح.
وقوله:
......................... مُوَافِق لما قد أُظهرا
يعني: موافقا له في المعنى واللفظ إن أمكن، نحو: "زيدا ضربته", فالتقدير: ضربت زيدا ضربته، أو في المعنى دون اللفظ إن تعذر، نحو: "زيدا مررت به" "أي: جاوزت زيدا"2.
واعلم أن الاسم الواقع بعده فعل ناصب لضميره, على خمسة أقسام:
واجب النصب، وواجب الرفع، وراجح النصب، ومستوٍ فيه الأمران، وراجح الرفع.
فأشار إلى الأول بقوله:
والنصب حَتْم إن تلا السابق ما... يختص بالفعل كإن وحيثما
يعني: أن النصب واجب إذا ولي الاسم السابق شيئا يختص بالفعل كأدوات الشرط وأدوات التحضيض وأدوات الاستفهام إلا الهمزة، فإن النصب بعدها راجح لا واجب.
وقد "مثل"3 بإن نحو: "إن زيدا ضربته" "وحيثما" نحو: حيثما زيدا لقيته "فأكرمه"4.
ثم أشار إلى الثاني بقوله:
وإن تلا السابق ما بالابتدا... يختص فالرفع التزمه أبدا
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد... ما قبل معمولا لما بعد وجد
يعني أن الرفع يجب لسببين1:
أحدهما: أن يتقدم على الاسم ما يختص بالابتداء2، ومثّل المصنف ذلك "بإذا" الفجائية، و"ليتما" نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو, و"ليتما بشر كلمتُه".
أما "إذا" ففي اسم "الاشتغال"3 بعدها مذاهب:
جواز نصبه وهو ظاهر كلام سيبويه، ووجوب رفعه؛ "لأنها"4 لا يليها فعل ولا معمول فعل، وإنما يليها مبتدأ أو خبر.
و"إن" المفتوحة: مؤولة بمبتدأ أو المكسورة؛ لأن الكلام معها بمنزلة مبتدأ أو خبر.
فمن "أولاها"5 غير ذلك فقد خالف كلام العرب.
قال في شرح التسهيل: ولا يلتفت إليه، وإن كان سيبويه، رحمة الله عليه.
والتفصيل: فإن كان الفعل مقرونا بقد جاز النصب "بعدها"6, وإن لم يكن مقرونا بها وجب الرفع؛ لأن الأخفش قد حكى عن العرب إيلاءها الفعل المقرون بقد.
قيل: وهو الصحيح.... وأما "ليتما" فمذهب الجمهور أنها لا يليها فعل ولا معمول فعل.
وقد أجاز بعضهم وقوع الجملة الفعلية بعدها، وعلى هذا "لا"7 يمتنع النصب.
وذكر بعضهم مما يختص بالابتداء واو الحال، نحو: "خرجت وزيد يضربه عمرو" ولا يجوز: "زيدا يضربه عمرو".
والثاني: أن يكون بين الاسم والفعل شيء لا يعمل ما بعده فيما قبله؛ كأدوات الاستفهام والشرط والتحضيض والموصول والموصوف و"إلا" في الاستثناء والحروف الناسخة وكم الخبرية ولام الابتداء و"ما" النافية.
وأما "لا", فعلى المذاهب في تقديم معمول ما نفي بها1.
مثال ذلك: "زيد هل لقيته؟ " فالرفع في هذا المثال ونحوه واجب؛ لأن "هل" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لكونها من أدوات الصدر, وتمثيل سائرها سهل2 فلا نطول "به"3.
وتقدير البيت: كذا إذا "تلا الفعل شيئا لن"4 يرد ما قبله مفعولا لما وجد بعده.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
واختير نصب قبل فعل ذي طلب... وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
يعني: أن النصب يترجح على الفعل بثلاثة أسباب:
الأول: أن يقع اسم الاشتغال قبل فعل ذي طلب, وهو الأمر والنهي والدعاء نحو: "زيدًا اضربه، وعمرًا لا تهنه"، و"اللهم عبدَك ارحمه".
والثاني: أن يكون الاسم بعد شيء غلب إيلاؤه الفعل "كالاستفهام بالهمزة، وحيث, وما، ولا، وأن" نحو: "أزيدًا ضربته" و"حيث زيدًا تلقاه أكرمه"، و"ما زيدًا لقيته".
والثالث: أن يكون الاسم بعد عاطف على جملة فعلية، وهو المراد بقوله:
وبعد عاطف بلا فصل على... معمول فعل مستقر أولا
واحترز بقوله: "مستقر أولا" من ذات الوجهين وستأتي.
مثال ذلك: "لقيت زيدا وعمرا كلمته"، إنما رجح النصب للمشاكلة بعطف فعلية على مثلها.
واحترز بقوله: "بلا فصل" "من"1 نحو: "قام زيد وأما عمرو فأكرمته" فلا أثر للعطف مع الفصل بأما؛ لأنها من أدوات الصدر, "فالكلام"2 بعدها منقطع عما قبلها.
فالرفع بعدها أرجح ما لم يوجد مرجح النصب نحو: "وأما زيد فأكرمه".
تنبيهان:
الأول: تجوز المصنف في قوله: "على معمول فعل" وليس كذلك, وإنما "العطف"3 على الجملة الفعلية.
الثاني: لترجيح النصب أسباب أخر, لم يذكرها هنا:
أحدها: أن "يكون"4 اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على جملة فعلية نحو: "أتيتُ القومَ حتى زيدُا مررتُ به" فحتى هنا حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها شابهت العاطفة.
فلو قلت: "ضربت زيدا حتى عمرو ضربته" "تعين"5 رفع عمرو لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة.
إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض، ذكره في شرح التسهيل.
والثاني: أن يجاب به استفهام بمفعول ما يليه, أو بمضاف إليه مفعول ما يليه.
مثال الأول: قولك في جواب: "أيهم ضربتَ؟ ": "زيدًا ضربتُهُ".
ومثال الثاني: قولك في جواب: "غلامَ أيهم ضربت؟ ": "غلام زيد ضربتُهُ".
والثالث: أن يكون رفعه يوهم وصفا مُخلا, كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 1, فالنصب فيه راجح؛ لأن الرفع يوهم أن يكون "خلقناه" صفة مخصصة، والنصب يرفع ذلك التوهم، إذ الصفة لا تفسر ناصبا لما قبلها.
وإذا لم تكن صفة فهو خبر, فيلزم عموم خلق الأشياء بقدر, فهو مذهب أهل السنة.
وقد قرئ بالرفع2 ثم أشار إلى الرابع بقوله:
وإن تلا المعطوفُ فعلا مُخْبَرا... به عن اسم فاعطفَنْ مخيَّرا
يعني: أنه إذا وقع اسم الاشتغال بعد عاطف على جملة ذات وجهين, وهي الابتدائية التي خبرها فعل نحو: "زيد قام" و"عمرًا أكرمته", فيجوز الرفع مراعاة لصدرها، والنصب مراعاة لعجزها، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ لأن في كل منهما مشاكلة.
فإن قلت: ينبغي ترجيح النصب؛ لترتبه على أقرب "المشاكلتين"3.
قلت: قد رجّحه بعضهم على الرفع لذلك، ولا ينهض؛ لأن الرفع "مترجح"4 بعدم الإضمار، ولكل منهما مرجح فتساويا، وقد حكي عن الفارسي ترجيح الرفع.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: "بلا فصل" كما قال في البيت السابق؛ احترازا من نحو: "زيد قام وأما عمرا فأكرمته", فالرفع فيه راجح، ولا أثر للعطف.
قلت: استغني بتقديم الاحتراز عنه.
فإن قلت: ما المراد بقوله: المعطوف؟
قلت: إن أراد اسم الاشتغال "فقد"5 تسامح في العبارة، وإن أراد جملة الاشتغال فهو صحيح.
تنبيه:
حكم شبه العاطف في هذه المسألة، حكم العاطف نحو: "زيد أتى القومَ حتى عمرًا مر به" وقد سبق بيان ذلك.
وحكم شبه الفعل إذا وقع خبرا1 في هذه المسألة, حكم الفعل "نحو"2: "هذا ضارب عبد الله وعمرو يكرمه".
ثم أشار إلى الخامس بقوله:
والرفع في غير الذي مر رجح... فما أُبيح افعل ودع ما لم يُبَح
مثال: "زيد ضربته"؛ لأنه خلا من موجب النصب، وموجب الرفع، ومرجح النصب، ومستوي الأمرين، وإنما رجح رفعه؛ لأنه لا إضمار فيه.
ثم قال:
وفصل مشغول بحرف جر... أو بإضافة كوصل يجري
يعني: أن الأقسام الخمسة المتقدمة مع الفعل المباشر للضمير جارية مع ما منع من مباشرته حرف جر أو إضافة، فمثل "إن زيدًا رأيته" في وجوب النصب: "إن زيدا مررت به", أو "رأيت أخاه" وقس على ذلك بقية المسائل.
فإن قلت: كيف يصح ذلك في جميع المسائل؟ وقد ذكروا أن النصب في نحو: "زيدًا ضربته" أحسن منه في: "زيدًا ضربت أخاه" والنصب في: "زيدا ضربت أخاه" أحسن منه في: "زيدا مررت به" لوصول ضربت بنفسه، وعكس ابن كيسان، والنصب في: "زيدا مررت به" أحسن منه في: "زيدا مررت بأخيه".
قلت: "كل"3 هذه المسائل "متساوية"4 في ترجيح الرفع على النصب، وتفاوت مراتب النصب فيها لا ينافي ذلك.
ثم قال:
وسَوِّ في ذا الباب وصفا ذا عمل... بالفعل إن لم يَكُ مانع حصل
يعني: "أن"5 حكم الوصف "العامل"6 في تفسير ناصب الاسم السابق, حكم الفعل.
والذي يستوي بالفعل في هذا الباب من الأوصاف، اسم الفاعل واسم المفعول1.
واحترز بالوصف مما يعمل عمل الوصف, وليس بوصف كالمصدر المقدر، وحرف مصدري، واسم الفعل.
وأما المصدر النائب في فعله, فعلى الخلاف في جواز تقديم معموله.
وبقوله: "ذا عمل" من اسم الفاعل بمعنى الماضي، فإنه لا عمل2، وبقوله: "إن لم يك مانع حصل"3 من اسم الفاعل الواقع صلة لأل، فإنه لا يعمل فيما قبل "أل"؛ لأنها موصولة، وما لا يعمل لا يفسر عاملا في هذا الباب.
فإن قلت: يرد عليه الصفة المشبهة, فإنها لا تقع في باب الاشتغال.
قلت: هي "كاسم"4 الفاعل الواقع صلة "لأل"؛ لأنها لا يتقدم معمولها عليها فالعلة واحدة.
ثم قال:
وعُلْقَة حاصلة بتابع... كعلقة بنفس الاسم الواقع
يعني: أن الشاغل إذا كان أجنبيا وله تابع سببي, فالحكم معه كالحكم مع السببي المحض، فأطلق في التابع وهو مقيد بالنعت نحو: "هند ضربت رجلا "يحبها"5" وعطف البيان نحو: "زيدا ضربت عمرا أخاه" "فلو"6 جعلت أخاه بدلا امتنع7، وعطف "النسق"8 بالواو خاصة نحو: "زيد ضربت عمرا أخاه"؛ لإفادتها معنى الجمع, فلو كان العطف بغيرها امتنع9.
تعدي الفعل ولزومه
:
قال:
علامة الفعل المُعَدَّى أن تصل... "ها" غير مصدر به نحو: "عمل"
الفعل قسمانِ: متعدٍّ ولازم.
فعلامة المتعدي صلاحيته لأن يتصل به ضمير يعود على غير المصدر نحو: "عمل" فتقول: "الخيرُ عمله زيد".
وإنما احتُرز عن "هاء" المصدر؛ لأنها تتصل بالمتعدي واللازم, فليست عاملة لواحد منهما.
فإن قلت: كان ينبغي أن يستثنى "ضمير"1 ظرفي الزمان والمكان, فإنه يتصل بالفعل اللازم كضمير المصدر نحو:
ويوما شهدناه2.....................................
و"الميل سرته".
قلت: لا يتصل باللازم ضمير الزمان ولا المكان حتى يتوسع فيه، وينصب ذلك الضمير نصب المفعول به.
فإن قلت: يرد عليه نحو: "كنته", فإن الضمير خبر "كان" وهو ضمير غير المصدر, ولا يطلق على "كان" وأخواتها أنها أفعال متعدية.
قلت: إنما لم ينبه على هذا لوضوحه، وأيضا فكان وأخواتها مشبّهة بالمتعدي وربما أطق على خبرها المفعول.
ثم قال:
فانصِبْ به مفعوله إن لم ينُب... عن فاعل نحو: تدبرت الكتب
قوله: "فانصب به" تصريح بأن ناصب المفعول به هو الفعل، وهذا هو الصحيح. وشرط في نصبه ألا ينوب عن فاعل نحو: "تدبرت الكتب", فلو ناب عن الفاعل رفع كما تقدم في نائبه1.
ثم قال:
ولازم غير المعدَّى..............................
يعني: أن ما سوى المتعدي هو اللازم, ولا ثالث لهما.
فإن قلت: ثم قسم "ثالث2" صالح للتعدي واللزوم كما ذكر في التسهيل3.
قلت: هو غير خارج عن القسمين.
ثم أشار إلى أن من اللازم ما يستدل على لزومه بمعناه, ومنه ما يستدل على لزومه بزنته, فقال:
.......... وحُتِمْ... لزوم أفعال السجايا كنهم
أفعال السجايا: ما دل على معنى قائم بالفعل "لازم له"4 "كشجُع5" وجبُن وحسُن وقبُح، ونَهِم إذا كثر أكله.
ثم قال:
كذا افعللَّ.....................
نحو "اقشعرّ" و"اشمأزّ"1 و"اطمأنّ".
والمضاهي اقْعَنْسَسَا...............................
يعني: ما كان على وزن "افعنْلَل" "كاحرنْجمت الإبل" أي: اجتمعت، وكذا ما ألحق بافعنلل، كاقعنسس البعير: امتنع من أن يقاد، واحْرَنْبَى الديك، أي: انتفش.
والمضاهي: يعني المشابه، وينبغي أن يكون "اقعنسس" فاعلا بالمضاهي والمفعول محذوف، أي: وكذلك الفعل الذي ضاهاه "اقعنسس" كاحرنجم؛ لأن اقعنسس ملحق باحرنجم.
ثم قال:
................. وما اقتضى: نظافة أو دَنَسا
نحو: "نظُف" و"وضُأ" و"طهُر" ونحو: "نجُس" و"رجُس" و"قذُر".
أو عرضا......................................
وهو ما ليس حركة جسم من معنى قائم بالفاعل, غير ثابت فيه "كمرِض وكسِل" و"نشِط" و"حزِن" و"فرِح".
.......... أو طاوع المعدَّى... لواحد.................
المراد بالمطاوع: ما دل على قبول الأثر نحو: "مددت الثوب فامتد، ودحرجت الشيء فتدحرج".
واحترز بقوله: "لواحد" من مطاوع المتعدي إلى اثنين، فإنه متعدٍّ إلى واحد.
ثم قال:
وعَدِّ لازما بحرف جر
يعني: أنه إذا علق اللازم بمفعول به معنى, عدي بحرف الجر نحو: "ذهبتُ بزيد" بمعنى: أذهبته، ونحو: "رغبت في الخير" و"أعرضت عن الشر".
وقد جاء "تعدية"2 المتعدي إلى واحد بالباء إلى ثانٍ، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ 3.
ثم قال: .............. وإن حُذف فالنصب للمنجَرّ يعني: أن حرف الجر إذا حذف1 نصب المجرور، وقد يحذف ويبقى عمله, وهو ضربان: شاذ كقوله: .............. أشارت كُلَيْب بالأكف الأصابع2 ومطرد نحو: وليلٍ كموج البحر3.................