توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالكصفحات 540-583

مقدمة الألفية

صفحات 540-583
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أم قاسم المرادي
الكتاب
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف
أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
الناشر
دار الفكر العربي
الطبعة
الأولى 1428هـ - 2008م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وأما اللفظية ففيها تفصيل.
فإن كانت مصدرة بفعل دعاء أو بفعل متصرف لم يحتج إلى فاصل مثال الدعاء قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ 1 ومثال غير المتصرف: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 2 وإن صدرت بفعل غير هذين غالبا بقد نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ 3. أو حرف تنفيس نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ 4 أو حرف نفي نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ 5 أو لو نحو: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ 6. وإلى هذا أشار بقوله: "وإن يكن فعلا... إلخ".
وأشار بقوله "فالأحسن الفصل"7 إلى أنه قد يرد غير مفصول.
ومنه: علموا أن يؤملون فجادوا... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل8 = الإعراب: "في فتية" جار ومجرور في محل النصب على الحال من كلمة في بيت قبله, "كسيوف" جار ومجرور صفة لفتية, "الهند" مضاف إليه, "قد" حرف تحقيق, "علموا" فعل وفاعل والجملة صفة أيضا لفتية, "أن" مخففة من الثقيلة, "هالك" خبر مقدم, "كل" مبتدأ مؤخر, "من" اسم موصول مضاف إليه, "يحفى" فعل مضارع والفاعل ضمير, و"ينتعل" عطف عليه وجملة يحفى لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والجملة في موضع مفعول علموا.
الشاهد: في "أن هالك": حيث خفف "إن" عن المثقلة وجاء خبرها جملة اسمية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص73، والسندوبي، والمكودي ص43، والسيوطي 39، والشاهد رقم 59 في الخزانة, وسيبويه 10 ص282.

وخصه بعضم بالضرورة.
وأشار بقوله: "وقليل ذكر لو" إلى قلة ذكرها في كتب النحو لا إلى قلة استعمالها في كلام العرب.
ثم قال: وخففت كأن أيضا فنوى... منصوبها وثابتا أيضا روى تخفف "كأن" فلا تلغى "فهي"1 مثل أن المفتوحة، وقد أطلق بعضهم الإلغاء2 عليها واسمها في الغالب منوي كاسم "أن" ولا يلزم في خبرها أن يكون جملة بل يكون جملة ومفردا.
فمثال كونه جملة: ووجه مشرق النحر... كأن ثدياه حقان3 = المعنى: علموا أن الناس يرجون معروفهم فلم يخيبوا وجادوا لهم، ولم يحوجوهم إلى السؤال بل تكرموا عليهم قبل أن يسألوا شيئا بأعظم مسئول.
الإعراب: "علموا" فعل وفاعل, "أن" مخففة من الثقيلة واسمها محذوف, "يؤملون" فعل مضارع مبني للمجهول وواو الجماعة نائب الفاعل، والجملة في محل رفع خبر أن المخففة, "فجادوا" فعل وفاعل, "قبل" ظرف متعلق بجاد, "أن" مصدرية, "يسألوا" فعل مضارع مبني للمجهول وواو الجماعة فاعل وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مضاف إلى قبل, "بأعظم" جار ومجرور متعلق بجاد, "سؤل" مضاف إلى أعظم.
الشاهد: في "أن يؤملون" حيث جاء خبر "أن" المخففة من الثقيلة فعلا مضارعا، ولا فاصل بين "أن" وجملة الخبر -وهو نادر- والكثير: أن سيؤملون.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص73, ابن هشام 1/ 367، ابن عقيل 1/ 221، داود، السندوبي، الأصطهناوي، الأشموني 1/ 147، المكودي ص43، السيوطي ص39، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 143.

ومثال كونه مفردا قوله: ............................................... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم1 = "مشرق اللون" مضيء اللون، "حقان" تثنية حقة وحذفت التاء التي في المفرد من التثنية كما حذفت في "خصية وألية", فقالوا: "خصيان وأليان".
المعنى: إن هذا الصدر مضيء أعلاه، وكأن الثديين فيه حقان في الاستدارة والصغر.
الإعراب: "ووجه" الواو واو رب, وجه مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد, "مشرق" صفة, "اللون" مضاف إليه, "كأن" مخففة من الثقيلة, "ثدييه" اسمها, "حقان" خبرها.
وعلى رواية الرفع "ثدياه حقان" مبتدأ وخبر والجملة في محل رفع خبر كان واسمها محذوف والتقدير: كأنه -أي: الحال والشأن- ثدياه حقان.
الشاهد: في "كأن ثدياه حقان" حيث خففت "كأن" وألغي عملها وحذف اسمها ووقع خبرها جملة، وأصله "كأنه"، والضمير للوجه أو للنحر أو للشأن والجملة الاسمية خبر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص73, وابن هشام 1/ 271, وابن عقيل 1/ 223، والأشموني 1/ 147، والمكودي ص43، وذكره السيوطي في همع الهوامع 1/ 143، وابن يعيش في شرح المفصل 8/ 82، والشاهد رقم 871 من خزانة الأدب.
وسيبويه ج1 ص281، والإنصاف 1/ 125.

على رواية الرفع. وأشار بقوله: وثابتا أيضا روى إلى "كأن ثدييه حقان"، وكأن ظبية في رواية النصب في كلامه في التسهيل يشعر باختصاص ذلك بالشعر. قال فيه: وقد يبرز اسمها في الشعر. فإن قلت: قد ذكر المصنف تخفيف "إنّ وأنّ وكأنّ "وسكت عن" لعلّ ولكنّ" فما حكمهما؟ قلت: أما "لعل" فلا تخفف1.
وأما "لكن" فإذا خففت لم2 تعمل وستأتي في حروف العطف3.
وأجاز يونس والأخفش إعمالها مخففة قياسا4.
وقد حكي عن يونس أنه حكاه عن العرب5.

"لا" التي لنفي الجنس

: قال: عمل إن اجعل للا في نكره اعلم أن "لا" حرف مشترك, فأصلها ألا تعمل، وقد أعملت عمل "ليس" تارة وعمل "إن" أخرى.
وإنما تعمل عمل إن بشروط: الأول: أن يكون اسمها نكرة فلا تعمل في المعارف، وأما نحو: لا هيثم الليلة للمطي1................................ فموؤل بنكرة.
الثاني: أن يتصل بها، فلو فصل بطل عملها.
قال في التسهيل: بإجماع2 وفيه خلاف ضعيف.

الثالث: أن يقصد نفي الجنس على سبيل الاستغراق. فإذا استكملت هذه الشروط عملت عمل "إن" مفردة نحو "لا رجل في الدار" ومكررة نحو "لا حول ولا قوة"1.
ولكن يجب العمل إن أفردت، ويجوز إن كررت.
ثم قال: فانصب بها مضافا أو مضارعه اسم "لا" هذه ثلاثة أقسام: مضاف، ومضارع للمضاف أي: مشابه له ويسمى المطول وهو ما كان عاملا فيما بعده عمل الفعل أو مركبا من معطوف ومعطوف عليه، ومفرد.
فالمضاف ومضارعه منصوبان بها نحو: "لا طالب علم محروم ولا طالعا جبلا ظاهر", والمفرد يأتي حكمه.
ثم قال: وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه أي: اذكر "الخبر"2 بعد نصب الاسم رافعا له "بلا" لأنها تعمل عمل "إن", قال الشلوبين: لا خلاف "في أن رفع الخبر بها"3 عند عدم تركيبها، فإن ركبت مع الاسم ففيه خلاف.
مذهب الأخفش4: أنها أيضا رافعة له، وذكر في التسهيل أنه الأصح5.
ومذهب سيبويه6: أنه مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، وأنها لم تعمل إلا في الاسم.

وفهم من قوله: "وبعد ذاك". أن خبرها لا يتقدم على اسمها, وهو واضح1.
ثم انتقل إلى المفرد فقال: وركب المفرد فاتحا...... سبب بنائه عند سيبويه2 والجماعة تركيبه مع "لا" كخمسةَ عشرَ.
والمفرد في هذا الباب ما ليس مضافا، ولا شبيها به، فشمل المثنى والمجموع.
ويبنى على ما ينصب به، فإن كان ينصب بالفتحة بني عليها نحو: "لا رجل" أو بالياء فكذلك نحو: "لا غلامين, ولا حامدين لزيد" وإن كان ينصب بالكسرة جاز فيه وجهان: استصحاب كسرة وفتحة خلافا لابن عصفور في التزام فتحه.
قال المصنف: والفتح أولى.
ا. هـ3، وبالوجهين روي قوله: ..................................... ولا لذات للشيب4

وخالف المبرد في نحو "لا غلامين ولا حامدين" فقال هما معربان1 وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحا" بل الصواب على ما ينصب به ليشمل ما فصلناه.
ولو قال: وركب المفرد كالنصب لأجاد، ثم مثل: "كلا حول ولا قوة" ثم بين ما يجوز في هذا المثال ونحوه فقال: .................. والثان اجعلا... مرفوعا أو منصوبا أو مركبا يعني: مع فتح الأول، فإن رفع الأول امتنع نصب الثاني، إذ لا وجه له، وجاز رفعه وتركيبه فلهذا قال: وإن رفعت أولا تنصبا فالحاصل خمسة أوجه: الأول: "لا حولَ ولا قوةَ" بفتحهما على التركيب، والكلام جملتان.
الثاني: لا حولَ ولا قوةَ" بفتح الأول على التركيب ونصب الثاني على موضع اسم "لا" باعتبار عملها، وزيادة "لا" الثانية والكلام جملة واحدة.
الثالث: "لا حولَ ولا قوةٌ" بفتح الأول على التركيب أيضا ورفع الثاني عطفا على موضع "لا" واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء، و"لا" الثانية عاملة عمل "ليس" فيكون الكلام جملتين.
= لأنه مصدر، والمصدر لا يثني ولا يجمع, وعلى كل حال فجملة "مجد عواقبه" -سواء أقدرت مبتدأ أم لم تقدر- لا محل لها من الإعراب صلة الموصول, "فيه" جار ومجرور متعلق بنلذ, "نلذ" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه, "ولا" نافية للجنس, "لذات" اسمها مبني على الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم في محل نصب, "للشيب" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "لا".
الشاهد: في "ولا لذات" حيث يجوز في "لذات" البناء على الكسر والفتح جميعا لأن اسم لا إذا كان جمعا بألف وتاء يجوز فيه الوجهان البناء على الفتح والبناء على الكسر والفتح أشهر كذا قاله ابن مالك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل 1/ 226، داود، السندوبي، الأصطهناوي، الأشموني 1/ 151، ابن هشام 1/ 176، وذكره في شذور الذهب 75، والتسهيل لابن مالك ص6.

الرابع: "لا حول ولا قوة" برفع الأول والثاني، فرفع الأول على وجهين1 "على"2 الابتداء و"لا" ملغاة أو إعمالها عمل "ليس", ورفع الثاني على وجهين: إعمال "لا" عمل "ليس" وعطفه على الأول.
الخامس: "لا حولٌ ولا قوةَ" برفع الأول على الوجهين وفتح الثاني على التركيب.
ثم قال: ومفردا نعتا لمبني يلي... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل يجوز في نعت اسم "لا" المبني ثلاثة أوجه: فتحه ونصبه، ورفعه بشرطين: أحدهما أن يكون مفردا، والثاني: أن يتصل بالاسم، ولهذا قال: "يلي" أي: يلي المنعوت فتقول: "لا رجل ظريف" بالفتح على تركيب الصفة مع الموصوف وبالنصب اعتبارا لعمل "لا" وبالرفع اعتبارا لعمل الابتداء.
فلو تفضل عن المنعوت نحو "لا رجل في الدار ظريفا" أو كان غير مفرد أعني: مضافا أو شبيها به نحو "لا رجل طالعا جبلا"3 امتنع البناء على الفتح وجاز النصب والرفع، وهذا معنى قوله: وغير ما يلي وغير المفرد... لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد فإن قلت: هذا حكم نعت المبني, فما حكم نعت العرب؟ قلت: فيه وجهان: الرفع والنصب مطلقا، وقد وهم من منع الرفع.
ثم كمل حكم المعطوف فقال: والعطف إن لم تتكرر لا احكما... له بما للنعت ذي الفصل انتمى يعني: أن المعطوف عطف نسق، إن لم يتكرر معه "لا" جاز رفعه ونصبه كالنعت المفصول.

كقوله: فلا أبَ وابنًا مثلُ مروانَ وابنِه1........................................ وحكى الأخفش فتحه على نية "لا" وهو قليل2.

فإن تكررت "لا" فقد تقدم حكمه.
فإن قلت: قد فهم من كلامه حكم النعت "وحكم"1 النسق فما حكم بقية التوابع؟ قلت: أما البدل الصالح لعمل "لا" وعطف البيان عند من أجازه في النكرات فهما كالنعت المفصول يجوز فيهما الرفع والنصب, فإن كان البدل معرفة تعين رفعه إذ المعرفة لا تصلح لعمل "لا".
وأما التوكيد فقيل لا يدخل في هذا الباب لأن النكرة لا تؤكد.
قلت: إنما يمتنع توكيد النكرة عند البصريين بالتوكيد المعنوي، وأما اللفظي فلا يمتنع.
ثم قال: وأعط لا مع همزة استفهام... ما تستحق دون الاستفهام إذا دخلت الهمزة على "لا" فله أربعة معان: "أحدها"2: وهو الأكثر أن تكون للتوبيخ والإنكار كقوله: ألا طعان ألا فرسان عادية3.....................................

الثاني: أن تكون لمجرد الاستفهام عن النفي كقوله: ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد1 = اسم لا وخبرها محذوف أي: لكم, "ألا" مثل السابقة, "فرسان" اسمها, "عادية" بالنصب صفة لفرسان, وقيل: حال منه وخبر لا محذوف، وبالرفع يجوز أن يكون صفة لاسم لا باعتبار محله مع لا، أو تجعله خبر لا, "إلا" أدة استثناء, "تجشؤكم" يجوز رفعه على أنه بدل من اسم لا باعتبار محله، ويجوز نصبه على الاستثناء المنقطع, "حول" ظرف متعلق بتجشؤ, "التنانير" مضاف إليه.
الشاهد: في "ألا طعان" حيث جاء فيه التوبيخ والإنكار مع بقاء عملها.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص77، والسندوبي، وداود, والأصطهناوي، والأشموني 1/ 153، والسيوطي ص41، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 147، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب 1/ 66، وسيبويه في كتابه ج1 ص358.

وللا مع الهمزة في هذين المعنيين من تركيب وعمل وإلغاء ما لها مجردة من الهمزة.
والثالث: أن تكون للتمني كقوله: ألا عمر ولي مستطاع رجوعه1.......................................... ولها عند المازني والمبرد في التمني مالها مجردة من جميع الأحكام السابقة.
وذهب الخليل وسيبويه2 والجرمي ومن وافقهم إلى أنها تعمل في الاسم خاصة، ولا خبر لها, ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ، ولا تلغى ولا تعمل عمل "ليس"3.

والرابع: أن تكون للعرض والتحضيض, فلا يليها حينئذ إلا فعل ظاهر أو مقدر أو معمول فعل مؤخر, ولا تعمل عمل "إن" ولا عمل "ليس" لأنها مختصة بالفعل. وما ذكره ابن الحاجب من أن التي للعرض تعمل عمل "إن" لم يصح1.
وقد ذهب بعضهم إلى أن التي للعرض ليست مركبة من الهمزة و"لا" النافية بل هي حرف بسيط.
وأما "ألا"2 "التي"3 للاستفتاح فهي غير مركبة على الأظهر خلافا لمن قال بتركيبها. إذا تقرر هذا، فاعلم أن كلام المصنف مناقش من وجهين: أحدهما: أنه أطلق فشمل التي للعرض. فإن قلت: فلعله يقول بأنها غير مركبة من الهمزة ولا فلم يشملها الإطلاق. قلت: قد استثناها في الكافية والتسهيل: فدل على أنها عنده "مركبة"4.
والآخر أن مقتضى كلامه هنا موافقة المازني والمبرد في تسوية التي للتمني بالتي للتوبيخ والإنكار، والتي لمجرد الاستفهام، وهو خلاف ما ذهب إليه في غير هذا الكتاب.
ثم قال: وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر... إذا المراد مع سقوطه ظهر

إذا علم خبر "لا" كثر حذفه عند الحجازيين ووجب عند التميميين والطائيين ومن حذفه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ 1. وإن لم يعلم وجب ذكره عند جميع العرب2، ولذلك قال: "إذَا المراد مع سقوطه ظهر".
ولا فرق بين الظرف وغيره خلافا لمن فصل.
ثم انتقل إلى القسم الثالث من نواسخ الابتداء فقال:

ظن وأخواتها

: انصب بفعل القلب جزأي ابتدا أفعال هذا الباب قسمان: قلبي: وهو ما دل على يقين أو ظن أو عليهما، أو غير قلبي: وهو ما دل على تصيير.
وجميعهما تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين وليس كل فعل قلبي يعمل العمل المذكور، فلذلك قال "أعني أرى".
وهو بمعنى: علم.
وقد تكون للظن، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ 1 أي: يظنونه ونعلمه. فإن كانت بصرية أو من الرأي أو بمعنى أصاب رئته، تعدت إلى واحد، وإن كانت علمية فستأتي2.
ثم قال: "خال" بمعنى ظن، وقد تكون لليقين، فإن كانت بمعنى تكبر أو ظلع.
يقال: "ظلع الفرس" إذا غمز في مشيه فهي لازمة.
ثم قال: "علمت" علم اليقين، فإن كانت بمعنى عرف تعدت إلى واحد وستأتي, وإن كانت بمعنى صار "ذا علم"3 فهي لازمة.
ثم قال: "وجد" بمعنى علم، فإن كانت بمعنى أصاب تعدت إلى واحد وإن كانت بمعنى استغنى أو حزن أو حقد فهي لازمة.
ثم قال: "ظن" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم فيما طريقه النظر؛ فإن كانت بمعنى أنهم تعدت إلى واحد وستأتي.
ثم قال: "حسبت" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم وهو قليل، فإن كانت من الحسبة -وهي لون- فهي لازمة.

ثم قال: "وزعمت" لغير المتيقن، ومصدرها زَعْم وزُعْم وزِعْم1.
قال السيرافي: الزَّعْم قول يقترن به اعتقاده صح أو لم يصح.
فإن كانت بمعنى كفل أو رأس تعدت إلى واحد تارة بنفسها وتارة بحرف الجر.
وإن كانت بمعنى سمن وهزل فهي لازمة.
ثم قال "عد" للظن كقوله: فلا تعدد المولى شريكك في الغنى2.................................................. فإن كانت بمعنى "حسب" من "الحسبان"3 تعدت إلى واحد.
ثم قال: "حجا" للظن، وهي غريبة ومضارعها يحجو، فإن كانت بمعنى غلب من المحاجاة، أو قصد أو رد، أو ساق أو كتم تعدت إلى واحد، فإن كانت بمعنى أقام أو بخل فهي لازمة.

ثم قال "درى" بمعنى علم، وأكثر ما تستعمل معداة بالباء كقولك "دريت به" فإذا دخلت عليه همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها وإلى ثان بالباء كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ 1. فإن كانت بمعنى ختل تعدت إلى واحد يقال: "درى الذئبُ الصيدَ" إذا استخفى له "ليفترسه"2.
ثم قال: "وجعل اللذ كاعتقد" كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ 3 فإن كانت بمعنى صير فستأتي4، وإن كانت بمعنى أوجد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ 5 أو بمعنى "أوجب"6 كقولهم: "جعلت للعامل كذا" أو بمعنى ألقى كقولهم "جعلت بعض "المتاع"7 على بعض"، تعدت إلى واحد، وإن كانت للشروع في الفعل فقد تقدمت في أفعال المقاربة.
ثم قال: "هب" بمعنى ظن ولا تستعمل إلا "بلفظ"8 الأمر كقوله: فقلت أجرني أبا خالد... وإلا فهبني امرأ هالكا9

ثم قال: "تعلم" بمعنى اعلم، ولا تستعمل إلا بصيغة الأمر مثل "هب"، فإن كانت أمرا من تعلمت الحساب "ونحوه"1 تعدت إلى واحد وتصرفت ثم انتقل إلى القسم الثاني، وهو ما دل على تصيير فقال: ................. والتي كصيرا... أيضا بها انصب مبتدًا وخبرا أي: والأفعال التي مثل "صير" وهو ما دل على تحويل كصير وأصار وجعل ورد واتخذ ووهب.
حكى ابن الأعرابي: "وهبني الله فداك" أي: جعلني.
ولا تستعمل إلا بصيغة الماضي.
ثم قال: وخص بالتعليق والإلغاء ما... من قبل هب............... تختص القلبية المتصرفة بالإلغاء والتعليق، ولا "حظ"2 لهب وتعلم في ذلك لعدم "تصريفهما"3، ولا لأفعال التصيير، إذ ليست قلبية. "ولذلك"4.
قال: "ما من قبل هب".
وهي أحد عشر فعلا: والإلغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى لغير مانع، والتعليق ترك العمل لفظا لا معنى لمانع.
= الشاهد: في "فهبني امرأ" فإن "هب" فيه بمعنى الظن وقد نصب به مفعولين أحدهما ياء المتكلم وثانيها "امرأ" والغالب على "هب" بهذا المعنى أن يتعدى إلى مفعولين صريحين كما في بيت الشاهد.
وهب بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف فلا يجيء منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الأمر، فإن كان من الهبة -وهي التفضل بما ينفع الموهوب له- كان متصرفا تام التصرف، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص79، وابن هشام 1/ 300، والسندوبي، وداود، والأشموني 1/ 157، وابن هشام في المغني 2/ 152، وابن عقيل 1/ 245.

فالإلغاء جائز، والتعليق "لازم"1، والمعلق عامل في المحل بخلاف الملغى.
تنبيه: أما اختصاص هذه الأفعال القلبية بالإلغاء فلا إشكال فيه.
وأما التعليق فيشاركهن فيه مع الاستفهام غيرهن من أفعال القلوب نحو: "عرف ونظر وتفكر", وكذلك "سأل وأبصر" وما بمعناهما.
وقوله: ....... والأمر هب قد ألزما... كذا تعلم............. يعني: أنهما ألزما صيغة الأمر, فلا يستعمل بهما ماض ولا مضارع لعدم تصريفهما.
وقوله: ............. ولغير الماض من... سواهما اجعل كل ماله زكن يعني: أن غير الماضي كالمضارع والأمر من سوى "هب وتعلم" يعمل عمل الماضي, فينصب المفعولين ويجوز فيه الإلغاء والتعليق ولهذا قال: "كل ماله زكن".
أي: كلما علم للماضي من الأحكام.
وقوله: وجوز الإلغاء لا في الابتدا فهم من قوله: "وجوز" أن الإلغاء ليس بواجب بل جائز، ولما كان جوازه مشروطا بتوسط الفعل أو تأخره قال: "لا في الابتدا" فشمل ثلاث صور: الأولى: أن يتأخر عن المفعولين نحو: "زيد قائم ظننت" فهذه يجوز فيها الإلغاء والإعمال، والإلغاء أرجح.
الثانية: أن يتوسط بين المفعولين نحو: "زيد ظننت قائم" فهذه يجوز فيها الأمران على السواء.
وقيل: الإعمال أرجح.
الثالثة: أن يتقدم على المفعولين ولا يبتدأ به بل يقدم عليه شيء نحو: "متى ظننت زيد فاضل" فهذه يجوز فيها الأمران، والإعمال أرجح، خلافا لمن منع الإلغاء.

فإن تقدم الفعل على المفعولين ولم يتقدمه شيء, فمذهب البصريين أنه يمتنع الإلغاء، وهو مفهوم قوله: "لا في الابتدا".
وذهب الكوفيون والأخفش إلى جوازه، لكن الإعمال عندهم أرجح، وقد أجازه في التسهيل بقبح1 وقال في شرحه: حكم سيبويه "بقبح"2 إلغاء المتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: "متى ظننت زيد "قائم"؟ "3, وفي درجته الإلغاء في نحو "زيد أظن أبوه قائم".
ثم قال: وانو ضمير الشان أو لام ابتدا... في موهم إلغاء ما تقدما يعني: أنه إذا ورد ما يوهم الإلغاء للمتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وجب عند من منع إلغاءه تأويله على أحد تأويلين: الأول: نية ضمير الشأن فيكون هو المفعول الأول والجملة بعده هي المفعول الثاني وعلى هذا يكون الفعل باقيا على عمله.
والثاني: نية لام الابتداء المعلقة، ويكون التقدير: "ظننت لزيد قائم"، والفعل على هذا معلق، وعلى هذا حمل سيبويه قوله: ....................................... وإخال أنِّي لاحق مستتبع4

بالكسر على تقدير: أني للاحق.
ومن أجاز إلغاء المتقدم لم يحتج إلى تأويل ذلك.
قال في شرح التسهيل: وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو: "ظننت زيد قائم" أولى من الإلغاء.
ا. هـ1. ومن منع الإلغاء في نحو: "متى ظننت زيد قائم" حمل ما أوهم ذلك على أحد التأويلين أيضا كقوله: ............................................ أني رأيت ملاك الشيمة الأدب2 ثم انتقل إلى التعليق فقال: والتزم التعليق قبل نفي ما

فعلم من قوله "والتزم" أن التعليق لازم بخلاف الإلغاء.
ثم ذكر المعلقات وهي ستة: "ما" النافية، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ 1. "وإن" أختها كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلَا﴾ 2 "ولا" النافية، ذكره النحاس، ومن أمثلة ابن السراج "أحسب لا يقوم زيد" ولم يعدها المغاربة من المعلقات.
"ولام" الابتداء.
نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ 3 على أظهر الأوجه و"لام" القسم: نحو: ولقد علمت لتأتين منيتي... إن المنايا لا تطيش سهامها4 = "حتى" ابتدائية, "صار" فعل ماض ناقص, "من خلقي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر صار مقدم, "أني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها, "رأيت" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر أن وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم صار, "ملاك" مبتدأ, "الشيمة" مضاف إليه, "الأدب" خبر المبتدأ.
الشاهد: في "رأيت ملاك الشيمة الأدب" فإن ظاهر أنه ألغى "رأيت" مع تقدمه لأنه لو أعمله لقال "رأيت ملاك الشيمة الأدباء" بنصب "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان ولكنه رفعهما فقال الكوفيون: هو على الإلغاء والإلغاء مع التقدم جوازه مع التوسط والتأخر، وقال البصريون: ليس كذلك, بل هو من باب التعليق ولام الابتداء مقدرة الدخول على "ملاك".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص81، وابن هشام 1/ 320، وابن عقيل 1/ 251، والمكودي ص47، والأشموني 1/ 160، والسيوطي ص43، وأيضا ذكره في الهمع 1/ 153.

ولم يعد بعضهم لام القسم والاستفهام بالحرف نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ 1 وبالاسم نحو: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ 2. والمضاف إلى اسم الاستفهام مثله في ذلك نحو: "علمت غلام أيهم عندك"3.
واعلم أن الجملة بعد المعلق في موضع نصب؛ لأنه عامل في المعنى.
فإن قلت: ما معنى تعلق العلم بالاستفهام في نحو: "علمت أزيد عندك أم عمرو؟ ". قلت: هذا كلام صورته الاستفهام، وليس المراد به الاستفهام؛ لأنه مستحيل الاستفهام عما أخبر أنه يعلمه، وإنما المعنى علمت الذي هو عندك من هذين الرجلين.
= "لتأتين" اللام واقعة في جواب القسم وتأتي فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة, "منيتي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم, "إن" حرف توكيد ونصب, "المنايا" اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر, "لا" حرف نفي, "تطيش" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة, "سهامها" فاعل وضمير الغائبة مضاف إليه والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر إن.
الشاهد: في "علمت لتأتيني منيتي" على أن لام الابتداء علقت علمت عن العمل أي منعته من الاتصال بما بعده والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص82، والمكودي ص47، والسيوطي ص44، وأيضا ذكره في همع الهوامع 1/ 154، وابن هشام 2/ 1543، وأيضا ذكره في مغني اللبيب 2/ 57، وقطر الندى ص325، وشذور الذهب ص279، والأشموني في شرحه للألفية 1/ 161، والشاهد رقم 716 من خزانة الأدب، وسيبويه ج1 ص456.

قال سيبويه1 ما نصه: "كما أنك إذا قلت: قد علمت أزيد ثم أم عمرو وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم".
ا. هـ. وحكى الشلوبين عن بعض المتأخرين: أن هذا الكلام على حذف مضاف، وأن المراد علمت جواب هذا الكلام، وكان يفتي به ويراه في بعض أقرائه.
واعلم أن كلام العرب ثلاثة أقسام: الأول: مطابقة اللفظ للمعنى وهو الأكثر.
والثاني: غلبة اللفظ للمعنى نحو: "أظن أن تقوم" أجمعوا على جوازه، ومنع الأكثر "أظن قيامك" والمعنى واحد، لاشتمال "أن تقوم" على المسند والمسند إليه بخلاف "قيامك".
والثالث: غلبة المعنى للفظ نحو مسألتنا، وغلب فيها جانب المعنى وإن كان اللفظ استفهاما.
وقوله: لعلم عرفان وظن تهمه... تعدية لواحد ملتزمه الأصل في "علم" تعلقها بالنسب الخبرية وهي المتعدية إلى مفعولين، وقد ترد بمعنى العرفان متعلقة بالمفرد فتتعدى إلى واحد, كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ 2. وأما "ظن" فإن كانت للتردد في وقوع الخبر فهي المتعدية إلى "اثنين"3, وكذلك إن استعملت لليقين, وإن كانت للتهمة تعدت إلى واحد كقولك: "ظننت زيدا على المال" أي: اتهمته، ومنه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ 4. فإن قلت: قد ترد "علم"5 لازمة إذا كانت من العلمة6 ولم ينبه على ذلك.

قلت: قد أخرجه بقوله أول الباب: "انصب بفعل القلب"، وبقوله هنا: "لعلم عرفان".
فإن قلت: كان ينبغي أن يقيد سائر أفعال الباب كما قيد علم وظن.
قلت: لما كان الأصل "علم وظن" فإن غيرهما لا يعمل حتى يكون بمعناهما اكتفى بتقييدهما.
وأيضا فقد خرج من قوله: "انصب بفعل القلب" نحو: "رأى" بمعنى أبصر أو أصاب الرئة.
وحسب بمعنى صار أحسب وغير ذلك مما يدل على معنى غير قلبي.
ثم قال: ولرأى الرؤيا انم ما لعلما... طالب مفعولين من قبل انتمى الرؤيا مصدر رأى الحلمية, فقيد الفعل بإضافته إلى مصدره.
يعني: "أن "رأى" الحلمية تتعدى إلى مفعولين كعلم لكونها مثلها في أنها إدراك بالحس الباطن ومنه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ 1 خلافا لمن منع تعديها إلى اثنين، وجعل ثاني المنصوبين حالا ويرده وقوعه معرفة في قوله: أراهم رفقتي حتى إذا ما... تجافى الليل وانخزل انخزالا2

وإنما قيد علم بقوله: "طالب مفعولين" لئلا يعتقد أنه أحال على علم العرفانية ويقال: "نميت الرجال إلى أبيه نميا" نسبته, "وانتمى" هو انتسب. قيل: وليس قوله: "رأى الرؤيا" بنص على المراد؛ لأن الرؤيا تستعمل مصدر لرأى مطلقا حلمية كانت أو يقظية، ولكن المشهور استعمالها مصدرا للحلمية1.
ثم قال: ولا تجز هنا بلا دليل... سقوط مفعولين أو مفعول الحذف "هنا"2 ضربان: اختصار، واقتصار؛ فالاختصار: حذف لدليل، والاقتصار: حذف لغير دليل.
فأما حذف مفعولي هذا الباب، أو حذف أحدهما اختصارا فهو جائز.
فمن حذفهما اختصارا قول الكميت: بأي كتاب أم بأية سنة... ترى حبهم عارا عليّ وتحسب3

ومن حذف الأول اختصارا، قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا﴾ 1 أي: ما يبخلون به هو خيرا لهم.
ومن حذف الثاني اختصارا قول عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره... مني بمنزلة المحب المكرم2 أي: فلا تظني غيره واقعا "مني"3.
ومنع ابن ملكون4 "شيخ الشلوبين"5 حذف أحدهما اختصارا6 وليس بصحيح7.

وأما حذف أحدهما اقتصارا فلا يجوز؛ لأن أصلهما مبتدأ وخبر.
واختلف في حذفهما معا اقتصارا على مذاهب المنع1 والجواز به قال الأكثر2, والجواز3 في "ظننت", وما في معناها، والمنع في "علمت", وما في معناها, وهو مذهب الأعلم.
والجواز4 إن وجدت فائدة كقولهم: "من يسمع يخل"5 فلو لم يقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة لم يجز، كاقتصارك على "أظن" إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما ولا من علم وهذا اختيار المصنف في غير هذا الكتاب ونسبه إلى سيبويه والمحققين ممن يدرى كلامه كابن خروف وابن طاهر6 والشلوبين وظاهر كلامه هنا إطلاق المنع.
ثم قال: وكتظن اجعل تقول إن ولي... مستفهما به ولم ينفصل اعلم أن القول وفروعه مما يتعدى إلى مفعول واحد، ومفعوله له إما مفرد وهو نوعان: مفرد معناه جملة نحو: "قلت شعرا", ومراد به مجرد اللفظ7 نحو:

﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ 1 أي: يطلق عليه هذا الاسم، ولو كان يقال: "مبنيا للفاعل"2 لنصب إبراهيم, خلافا لمن منع هذا النوع، وممن أجازه ابن خروف وصاحب الكشاف3.
وإما جملة فيحكى به ويكون في موضع مفعوله، وقد يجري مجرى الظن فينصب المبتدأ والخبر مفعولين بشروط أربعة عند أكثر العرب: الأول: أن يكون بلفظ المضارع، والثاني: أن يكون مصدرا بتاء الخطاب.
والثالث: أن يكون بعد استفهام، والرابع: ألا يفصل بينه وبين الاستفهام بغير ثلاثة أشياء: بينها بقوله: بغير ظرف أو كظرف أو عمل فالظرف نحو: "أعندك" تقول: زيدا "قائما"4 وشبه الظرف هو المجرور نحو: "أفي الدار تقول: عمرا جالسا".
والعمل: هو المعمول, ونعني به: أحد المفعولين كقوله: أجهالا تقول بني لؤي5.............................. فالفصل بهذه الثلاثة مغتفر، ولهذا قال: وإن ببعض ذي فصلت يحتمل فإن فقد شرط من هذه الشروط تعينت الحكاية.
فإن قلت: لم ينص على الشرطين الأولين.

قلت: نبه عليهما بالمثال.
وزاد السُّهيلي: شرطا آخره, وهو ألا يتعدى باللام نحو: "أتقول لزيد عمرو منطلق" فتتحتم الحكاية.
وزاد في التسهيل: أن يكون حاضرا1 وفي شرحه بأن يكون مقصودا به الحال "فعلى هذا لا ينصب مقصودا به المستقبل"2، ولم يشترط غيره وفيه نظر.
فإن قلت: إعمال القول "عمل الظن"3 بالشروط المذكورة واجب أم جائز؟ قلت: بل جائز والحكاية جائزة.
فإن قلت: إذا عمل القول عمل الظن "فهل"4 هو باق على معناه أو صار بمعنى الظن؟ قلت: فيه خلاف، والظاهر أنه مضمن معنى الظن.
ثم قال: وأجري القول كظن مطلقا... عند سليم نحو قل ذا مشفقا لغة سليم إجراء القول مجرى الظن في العمل مطلقا، أي بلا شرط من الشروط المذكورة، حكاها سيبويه5 فيقولون: "قلت زيدا قائما وقل ذا مشفقا".
= الإعراب: "أجهالا" الهمزة للاستفهام جهالا مفعول ثان مقدم, "تقول" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه, "بني" مفعول أول, "لؤي" مضاف إليه, "لعمر" اللام لام الابتداء "عمر" مبتدأ والخبر محذوف, "أبيك" مضاف إليه والكاف مضاف إليه, "أم" عاطفة "متجاهلينا" معطوف على قوله "جهالا".
الشاهد: في "أجهالا تقول بني لؤي" حيث أعمل تقول عمل "تظن" فنصب مفعولين: أحدهما "جهالا" والثاني "بني لؤي" مع أنه فصل بين أداة الاستفهام وهي الهمزة والفعل، بفاصل وهو "جهالا" وهذا الفصل لا يمنع الإعمال؛ لأنه معمول الفعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص84، وابن هشام 1/ 231، وابن عقيل 1/ 258، والأشموني 1/ 164، وداود، والمكودي 48، والسندوبي، والأصطهناوي، والسيوطي ص45, وذكره في الهمع 1/ 157، والشاهد رقم 716، من خزانة الأدب، وسيبويه ج1 ص63.

أعلم وأرى

: إلى ثلاثة رأى وعلما... عدوا إذا صار أرى وأعلما إذا دخلت همزة التعدية على "علم ورأى" المتعديتين "قبل دخولها"1 إلى مفعولين صارا بدخولها متعديين إلى ثلاثة.
أولها: الذي كان فاعلا قبل النقل.
والثاني والثالث: هما اللذان كانا قبل دخول الهمزة فتقول: "أعلمت زيدا عمرا فاضلا", و""أريت"2 زيدا عمرا فاضلا".
ثم قال: وما لمفعولي علمت مطلقا... للثان والثالث أيضا حققا يعني: للمفعول الثاني والثالث من الأحكام ما لمفعولي "علمت" من جواز حذفهما أو حذف أحدهما اختصارا أو حذفهما معا اقتصارا ومنع حذف أحدهما اقتصارا، وغير ذلك كالإلغاء والتعليق خلافا لمن منع الإلغاء والتعليق، ولمن أجازهما إن بني الفعل للمفعول لا3 إن بني للفاعل, والدليل على الجواز قول بعض من يوثق بعربيته: "البركة أعلمنا الله مع أكابركم"4, وقوله تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ 5 فعلق ينبئ وهو بمعنى يعلم.
وأما المفعول الأول فلا يجوز تعليق الفعل عنه ولا إلغاؤه، ويجوز حذفه اقتصارا واختصارا ومنع ابن خروف حذفه, والاقتصار عليه، والصحيح الجواز.

ثم قال: وإن تعديا لواحد بلا... همزة فلاثنين به توصلا قد تقدم في الباب السابق، أن علم بمعنى عرف، ورأى بمعنى أبصر يتعديان إلى واحد، فإذا دخلت عليها همزة التعدية تعديا بها إلى اثنين نحو: "أعلمتُ زيدًا عمرًا" و"أريت زيدا الهلال" وذكر بعض النحويين أنه لم يحفظ نقل علم العرفانية إلا بالتضعيف نحو: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ 1 كما أنه لم يحفظ نقل علم المتعدية إلى اثنين إلا بالهمزة.
وكلام المصنف نص على جواز نقل علم العرفانية بالهمزة، فإن لم يثبت سماعه فهو بطريق القياس.
فإن قلت: ظاهر مذهب سيبويه "التعدي"2 بالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي وهو الصحيح.
قلت: ظاهر كلام "المصنف"3 في شرح التسهيل أن ذلك قياس في المتعدي إلى واحد أيضا.
ومثل في باب تعدي الفعل ولزومه "بأضربت زيدا عمرا" وهذا مذهب طائفة من النحويين: وذهب الأخفش إلى أن "التعدي"4 بالهمزة قياس مطلقا في اللازم والمتعدي إلى واحد, والمتعدي إلى اثنين من غير باب "أعطى" وذهب قوم إلى أنه سماع مطلقا, فهذه أربعة مذاهب.
وذكر الحريري5 وابن معط: تعدي "علم" إلى ثلاثة بالتضعيف فعدوا من أفعال هذا الباب علم.

والصحيح أن التعدي "بالتضعيف"1 سماع في اللازم والمتعدي وهو ظاهر مذهب سيبويه2 ثم قال: والثان منهما كثاني اثني كسا... فهو به في كل حكم ذو ائتسا يعني أن الثاني من مفعول "أعلم وأرى" المتعديين إلى اثنين بهمزة النقل مثل ثاني مفعولي "كسا" وبابه، وهو كل فعل متعد إلى مفعولين ليس "أصلهما"3 المبتدأ والخبر.
فيجوز الاقتصار عليه وعلى الأول، ويمتنع الإلغاء "كما"4 في باب "كسا".
واعلم أنه ليس5 ثانيهما كثاني مفعولي "كسا" في كل حكم بل يستثنى من ذلك التعليق, فإن تعليق "أعلم وأرى" المذكورتين عن الثاني جائز؛ لأن أعلم قلبية وأرى بصرية، وهي ملحقة بالقلبية في ذلك، ومن تعليق أرى عن الثاني "قوله تعالى"6: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ 7. ثم قال: وكأرى السابق نبا أخبرا... حدث أنبأ كذاك خبرا جملة ما ذكر من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة سبعة: "أعلم، وأرى، نبأ، وأنبأ، وخبر، وأخبر، وحدث".
فأما تعدي "أعلم وأرى" إلى ثلاثة فمجمع عليه وألحق سيبويه "بهما"8 نبأ9.

وزاد الأخفش "أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد" ومستنده القياس1.
وألحق بعضهم2 "أرى" الحلمية سماعا, كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ 3 ومن منع تعديها قبل الهمزة إلى اثنين جعل الثالث حالا.
وألحق الحريري وابن معط "علم" وقد تقدم4, ومما أغفل ذكره مع أفعال هذا الباب وهو منها "أرى" "مبينا"5 للمفعول وهو مضارع أريت بمعنى: أظننت ولم يستعمل أظننت.
وذكر في شرح التسهيل: "أن "أرى" هذه لا ماضي لها وقد ذكره غيره6.

محتويات المجلد الأول

: الصفحة الموضوع 3 مقدمة القسم الأول: "الدراسة" 9 التعريف بالمرادي المعروف بابن أم قاسم الباب الأول: الفصل الأول: 9 العصر المملوكي 11 مصر في عهد المماليك 12 انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك 12 دولتا المماليك 13 حضارة مصر في عهد المماليك 15 الحركة العلمية "انتقال النشاط إلى مصر والقاهرة" 16 عوامل نشاط الحركة العلمية 20 نتائج نشاط الحركة العلمية 21 المؤلفات 23 مؤلفات عربية الفصل الثاني: 27 نبذة عن مصر

الصفحة الموضوع 29 مصر 30 النحو والنحاة في عصر المماليك 32 المعاصرون للمرادي المعروف بابن أم قاسم الباب الثاني: 43 الفصل الأول: 45 صاحب الألفية 48 ألفية ابن مالك الفصل الثاني: 61 التعريف بالمرادي 63 المرادي المعروف بابن أم قاسم 71 الفصل الثالث: 73 شيوخ ابن أم قاسم 85 تلاميذ المرادي المعروف بابن أم قاسم 90 مؤلفاته 117 الفصل الرابع 119 الناقلون عن المرادي الباب الثالث: 181 الفصل الأول: 183 أضواء على الشرح 196 الاعتراضات الواردة على الناظم

الصفحة الموضوع 201 نقله عن شيخه أبي حيان 204 نقله عن سيبويه 207 مدى اعتماده على ابن الناظم في شرحه للألفية الفصل الثاني: 213 اعتماد المرادي على السماع 216 ميوله للبصريين 218 مخالفته لآراء النحاة 221 الفصل الثالث: 223 شواهده 229 اعتماده على القرآن الكريم 230 شرح اللغويات 233 الفصل الرابع: 235 موقفه من ألفية ابن مالك وألفية ابن معط 239 رغبته في توضيح المسائل النحوية 242 مسائل: الظاهر من تعبير المرادي وتعبير النحاة أنه انفرد بها 247 مذهبه النحوي 249 القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك للمرادي: 251 مقدمة المحقق 251 وصف المخطوط 256 منهج التحقيق

الصفحة الموضوع 259 الجزء الأول 261 مقدمة الألفية 267 الكلام وما يتألف منه 296 المعرب والمبني 356 النكرة والمعرفة 358 الضمير 390 العلم 405 اسم الإشارة 416 الموصول 460 المعرف بأداة التعريف 470 المبتدأ والخبر 492 كان وأخواتها 506 ما، لا، لات، إن المشبهات بليس 515 أفعال المقاربة 523 إن وأخواتها 544 لا التي لنفي الجنس 555 ظن وأخواتها 571 أعلم وأرى 575 محتويات المجلد الأول

تابع القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك

:

الجزء الثاني

:

الفاعل

: هو الاسم المسند إليه فعل تام مقدم غير مصوغ للمفعول, أو جارٍ مجراه.
"فالاسم": جنس يشمل الصريح والمؤول، و"المسند إليه" فعل مخرج لما لم يسند إليه كالمفعول، والمسند إليه غير الفعل نحو: "زيد أخوك".
"وتام": مخرج للفعل الناقص نحو: "كان" وأخواتها, فلا يسمى مرفوعها فاعلا حقيقة.
وقد سماه سيبويه1 فاعلا والخبر مفعولا على سبيل التوسع، "مقدم" يخرج نحو: "زيد قام".
قيل: "وهذا"2 حكم مختلف فيه, فلا ينبغي أن يذكر في الحد, "وغير مصوغ للمفعول" يخرج نحو: "ضُرب زيدٌ ويُضرَب" مما هو طريقة فُعِل ويُفعَل، فإن مرفوعهما نائب عن الفاعل وليس بفاعل.
قال المصنف: وقد اضطر الزمخشري إلى تسميته مفعولا بعد أن جعله فاعلا.
"والجاري مجرى الفعل" هو "اسم الفعل"3 والصفات والمصادر والظروف والمجرورات "بشرطها"4.
وقد أشار إلى تعريف الفاعل بمثالين تضمنهما قوله: الفاعل الذي كمرفوعَيْ أتى... زيد" منيرا وجهُهُ نعم الفتى فكأنه قال: الفاعل ما كان كزيد من قولك: "أتى زيد" في كونه اسما أسند إليه فعل تام مقدم غير مصوغ للمفعول، أو كان كوجهه من قولك "منيرا وجهه" في كونه اسما أسند إليه اسم مقدم جارٍ مجرى الفعل المذكور.

جارٍ التحميل