مقدمة الألفية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أم قاسم المرادي
- الكتاب
- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
- المؤلف
- أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: 749هـ)شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر
- الناشر
- دار الفكر العربي
- الطبعة
- الأولى 1428هـ - 2008م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
احفَظْ وديعتَك التي استُودِعْتَها... يَوْمَ الأعازِبِ إن وصَلْتَ وإن لَمِ
الثالث: إن "لم" تصحب أدوات الشرط نحو "إن لم" و"لو لم" بخلاف "لما".
الرابع: إن "لم" قد يفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، كقوله1:
..................................... كأن لم سِوَى أهل من الوحش تُؤْهَلِ
قال في التسهيل: وقد يلي لم معمول مجزومها اضطرارا، ولم يذكر ذلك في "لما".
وقال في شرح الكافية وانفردت "لم" بأشياء: = اللغة: "يوم الأعازب" يوم معهود من أيام العرب.
الإعراب: "احفظ" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه "وديعتك" مفعول به ومضاف إليه "التي" اسم موصول نعت للوديعة "استودعتها" ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، وهي مفعوله الأول و"ها" مفعول ثان "يوم" منصوب على الظرفية "الأعازب" مضاف إليه "إن" شرطية "وصلت" فعل الشرط -روي بالبناء للمجهول وللمعلوم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله "وإن" الواو عاطفة إن حرف شرط جازم "لم" جازمة أو نافية.
الشاهد: قوله: "وإن لم" حيث حذف الفعل الذي دخلت عليه لم، والتقدير: وإن لم تصل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 576/ 3، وابن هشام 294/ 3، وفي المغني 280/ 1، وذكره السيوطي في الهمع 56/ 2.
منها أن الفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، فهذا تصريح بانفراد "لم" بذلك، وفي الارتشاف: ولا يفصل بينها وبين معمولها إلا في الشعر.
قلت: ذكر المصنف في باب الاشتغال من شرح التسهيل أن "لن" و"لم" و"لما" الجازمة لا يلي الاسم واحدا منها إلا في ضرورة، وحكمه حينئذ أن يضمر له على سبيل الوجوب فعل يفسره ما بعده كما قال1:
ظُنِنتُ فقيرا ذا غنًى ثم نِلتُه... فلم ذا رجاء ألقه غيرَ واهبِ
فسوى بين الثلاثة في الفصل باسم الاشتغال للضرورة.
الخامس: أن "لم" قد تلغى فلا يجزم بها، قال في التسهيل: حملا على "لا" وفي شرح الكافية: حمل على "ما" وهو أحسن "لأن ما"2 ينفي بها الماضي كثيرا، بخلاف "لا".
وأنشد الأخفش على إهمالها3:
لولا فوارسُ من ذُهْل وأسرتهم... يوم الصُّليفاء لَمْ يُوفُون بالجارِ
ولم يذكر ذلك في "لما".
فإن قلت: فهل إهمال "لم" ضرورة أو لغة؟
قلت: نص بعض النحويين على أنه ضرورة، وقال في الكافية: وشذ، وفي التسهيل: وقد لا يجزم بها فلم يخصه بالضرورة، وصرح في أول شرح التسهيل بأن الرفع لغة قوم.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: ومنها "لم" ولما أختها، يعني من الجوازم، فقيد لما بقوله: "أختها" احترازا من "لما" بمعنى "إلا" ومن "لما" التي هي حرف وجود لوجود، وكذلك فعل الشارح، فقال: احترزت بقولي: أختها، من لما الحينية نحو: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ 1، ومن "لما" بمعنى "إلا" نحو: "عزمت عليك لما فعلت" أي: إلا فعلت.
المعنى: ما أسألك إلا فعلت "قوله: الحينية"2 هو على مذهب الفارسي.
فإن قلت: فهلا قيد في النظم؟
قلت: لا يحتاج إليه؛ لأن التي بمعنى "إلا" يليها ماضي اللفظ مستقبل المعنى، والتي هي حرف وجود لوجود يليها ماضي اللفظ والمعنى، وقد ذكر ذلك في شرح التسهيل، فلا يحتاج إلى التقييد؛ لأنهما لا يليهما مضارع.
الثاني: حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بلم، وقال في شرح الكافية: زعم بعض الناس أن النصب بلم لغة؛ اغترارا بقراءة بعض السلف: "أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ"3 -بفتح الحاء- وبقول الراجز4:
في أيّ يَومَى من الموت أفِر... أيَومَ لم يقدَرَ أم يوم قُدِر
وهو عند العلماء محمول على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة، ففتح لها ما قبله، ثم حذفت ونويت.
الثالث: اختلف في "لما" فقيل: مركبة من لم وما، وهو مذهب الجمهور، وقيل: بسيطة.
ثم انتقل إلى ما يطلب فعلين من الجوازم فقال:
واجْزِمْ بإِنْ ومَنْ وما ومهما... أيٍّ متى أيانَ أينَ إِذْمَا
وحيثما أنَّى وحَرفٌ إذْمَا... كإِنْ وباقي الأدوات اسْمَا
هذه أدوات الشرط الجازمة، وهي كَلِمٌ وضعت لتعليق جملة بجملة تكون الأولى سببا والثانية مسببا.
وهذه الكلم حرف واسم.
فالحرف إن وهي أم الباب وإذما عند سيبويه، وذهب المبرد في أحد قوليه وابن السراج والفارسي إلى أنها ظرف زمان زيد عليها ما.
قال في شرح الكافية: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، فعلى مذهب سيبويه تكون إذما كإن في "أنهما موضوعان"1 للتعليق المذكور من غير إشعار بأمر آخر.
وعلى مذهب القائلين بأنها الظرفية تكون مشعرة بالزمان، ويجزم بها في الاختيار خلافا لمن خص ذلك بالضرورة.
والاسم ظرف وغير ظرف، فغير الظرف من وما ومهما، فمن لتعميم أولي العلم، وما لتعميم ما تدل عليه وهي موصولة، وكلتاهما مبهمة في أزمان الربط، ومهما بمعنى ما ولا تخرج عن الاسمية خلافا لمن زعم أنها تكون حرفا، ولا عن = الإعراب: "في أي" جار ومجرور متعلق بأفر "يوميّ" مثنى.
فأي مضاف ويومي مضاف إليه "من الموت" جار ومجرور متعلق بأفر "أيوم" الهمزة للاستفهام ويوم منصوب على الظرفية "لم يقدر" نصب الفعل بعد لم على لغة "قدر" فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله "لم يقدر" -بنصب الراء- وذلك لغة بعض العرب ينصبون بلم.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 578/ 3، وابن هشام في المغني 277/ 1.
الشرطية خلافا لمن زعم أنها تكون استفهاما، ولا تجر بإضافة ولا حرف جر بخلاف من وما، وقد وهم ابن عصفور فزعم أنه يجوز أن يدخل عليها حرف الجر، وذكر في الكافية وفي التسهيل أن ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد أبياتا1.
قال ابنه بدر الدين: ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه يصح تقديرها بالمصدر.
وقال الزمخشري: هذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول: "مهما جئتني أعطيتك" وهذا من وضعه وليس من كلام واضح العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ 2 بمعنى الوقف، فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين النظار في كتاب سيبويه، انتهى.
واختلف في "مهما" فقيل: إنها بسيطة وإنها فعلى وألفها إما للتأنيث وإما "للإلحاق"3 وزال التنوين للبناء فهي على هذا من باب سلس، وقال ابن إياز: لو قيل: إنها مفعل تحاميا لذلك، لم أرَ به بأسا.
وقال الخليل: مركبة من ماما الأولى للجزاء والثانية التي تزاد بعد الجزاء، فأبدلوا من ألف الأولى هاء كراهة التكرير.
وقال الأخفش والزجاج ومن وافقهما: مركبة من مَهْ بمعنى اكفف وما الشرطية، وأجازه سيبويه.
وأما "أي" فهي عامة في ذوي العلم وغيرهم، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف مكان كانت ظرف مكان، أو إلى ظرف زمان كانت ظرف زمان، أو إلى غيرهما لم تكن ظرفا، والظرف: مكاني وزماني.
فالزماني: متى، وأيان، فمتى لتعميم الأزمنة، وأيان كمتى، وقد تستعمل في الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، وكسر همزة أيان لغة سليم، وقرئ بها شاذا، والجزم بها محفوظ خلافا لمن أنكره، ولم يحفظه سيبويه لقلته.
وأما المكاني: أين وحيثما، هما لتعميم الأمكنة، وأنَّى ذكروها في ظروف المكان بمعنى أين.
وقال بعضهم: هي لتعميم الأحوال.
تنبيهات:
الأول: "قد"1 فهم من كلامه أن حيث وإذ لا يجزمان إلا مقترنين بما كما لفظ بهما، وأجاز الفراء الجزم بإذ وحيث دون ما، وأما غيرهما فقسمان:
قسم لا تلحقه "ما" "وهو": مَنْ وما ومهما وأنَّى.
وقسم يجوز فيه الأمران وهي: إن وأي ومتى وأين وأيان، وأجاز الكوفيون زيادة "ما" بعد من وأنى، ومنع بعض النحويين زيادتها بعد أيان، والصحيح ما تقدم.
الثاني: ذكر في الكافية والتسهيل: أَنَّ "إِنْ" قد تهمل حملا على لو، كقراءة طلحة: "فَإِمَّا تَريْنَ"2 بياء ساكنة ونون مفتوحة، وإن متى قد تهمل حملا على إذا ومثل بها بحديث: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس" 3. وفي الارتشاف: ولا تهمل حملا على إذا خلافا لمن زعم ذلك ويعني متى.
الثالث: لم يذكر هنا من الجوازم إذا وكيف ولو.
أما إذا فالمشهور أنه لا يجزم بها إلا في الشعر لا في قليل من الكلام ولا في الكلام إذا زيد بعدها ما، خلافا لزاعم ذلك، وقوله في التسهيل: وقد يجزم بإذا
الاستقبالية حملا على متى يقتضي ظاهره جواز ذلك في قليل من الكلام، وقال في الكافية1:
وذَا في النثر لن يُسْتَعْمَلا
وأما "كيف" فيجازى بها معنى لا عملا، خلافا للكوفيين، فإنهم أجازوا الجزم بها قياسا، ووافقهم قطرب.
وأما "لو" فذهب قوم منهم ابن الشجري إلى أنها يجزم بها في الشعر، ورده المصنف في الكافية2.
وقال في التسهيل في آخر عوامل الجزم: والأصح امتناع حمل لو على إن، وقال في فصل: لو لم يجزم بها إلا اضطرارا، وزعم اطراد ذلك على لغة، فظاهره موافقة ابن الشجري ويتحصل فيه ثلاثة مذاهب، وذكر بعضهم أن من الجوازم "مهمن"3، وقال قطرب: لم يحمل الجزم "بها"4 عن فصيح.
فِعلَيْنِ يَقْتَضِينَ شرطٌ قُدِّما... يتلو الجزاءُ وجوابًا وُسِمَا
يعني: أن كلا من أدوات الشرط تقتضي جملتين تسمى الأولى شرطا والثانية جزاء وجوابا أيضا.
ويجب كون الأولى فعلية، وأما الثانية: فمنها "أيضا" أن تكون فعلية، وقد تكون اسمية، وسيأتي.
فإن قلت: فلمَ قال "فعلين" ولم يقل جملتين؟
قلت: للتنبيه على أن حق الشرط والجزاء أن يكونا فعلين، وإن كان ذلك لا يلزم في الجزاء.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "يتلو الجزاء" أنه لا يتقدم، وإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه، وليس إياه، هذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد وأبو زيد إلى أنه الجواب نفسه، والصحيح الأول.
الثاني: قد يؤخذ من قوله: "يقتضين" أن أداة الشرط هي الجازمة للشرط والجزاء معا لاقتضائها لهما، أما الشرط فنقل الاتفاق على أن الأداة جازمة له.
وشذ المازني: فعنه في قول: إنه مبني هو وفعل الجزاء، وفي قوله: إنه معرب وفعل الجزاء مبني.
وأما الجزاء ففيه أربعة أقوال:
الأول: أن الأداة هي الجازمة له، قيل: وهو مذهب المحققين من البصريين وعزاه السيرافي إلى سيبويه، وذهب الأخفش إلى أن الجزم بفعل الشرط، واختاره في التسهيل، وقيل: بالأداة والفعل معا، ونسب إلى سيبويه والخليل، وقيل: بالجواز، وهو مذهب الكوفيين.
وماضِيَيْنِ أو مُضارعَيْنِ... تُلفِيهِمَا أو مُتخالِفَيْنِ
إذا كان الشرط والجزاء فعلين فلهما تسع صور؛ لأن الشرط له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون ماضي اللفظ أو مضارعا عاريا من لم ومصحوبا بها، والجزاء كذلك.
والحاصل من ضرب ثلاثة في ثلاثة تسعة منها ثمانية تجوز في الاختيار وواحد مختلفين فيه، وهو أن يكون الشرط مضارعا، والجزاء ماضيا عاريا من لم، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز إلا في الشعر، ومذهب الفراء والمصنف جوازه في الاختيار، واستدل المصنف بقوله صلى الله عليه وسلم: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، ويورد ذلك في أبيات لم يضطر قائلها إلى ذلك1.
ثم تلك الثمانية الجائزة في الاختيار منها راجح ومرجوح، فإن كونهما ماضيين وضعا أو بمصاحبة لم أحدهما أو كلاهما، أو مضارعين دون لم، أَوْلَى من سوى ذلك.
وبَعْدَ ماضٍ رفعُك الجزا حَسَنْ... ورفعُه بعد مضارعٍ وَهَنْ
يعني: أن الجزاء إذا كان مضارعا والشرط ماضيا جاز جزمه ورفعه، ومن الجزم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ 1.
ومن الرفع قول زهير2:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة... يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ
ونص الأئمة على جوازه في الاختيار مطلقا، وزعم بعضهم أنه لا يجيء في الكلام الفصيح إلا مع كان.
وقال بعض المتأخرين: لا أعلمه جاء في الكلام، وقد صرح الناظم بأن الرفع حسن.
فإن قلت: فأي الوجهين أحسن؟
قلت: زعم بعض المتأخرين أن الرفع أحسن من الجزم، والصواب عكسه، وقال في شرح الكافية: الجزم مختار، والرفع جائز كثير.
فائدة:
اختلف النحويون في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أنه على تقدير التقديم وجواب الشرط محذوف، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه على تقدير الفاء وهو الجواب، وذهب قوم إلى أنه ليس على التقديم والتأخير، ولا على حذف الفاء، بل لما لم يظهر لأداءة الشرط تأثير في فعل الشرط؛ لكونه ماضيا ضعف عن العمل في الجواب.
وإذا كان الشرط والجزاء مضارعين وجب جزمهما نحو: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ 1.
وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم كقوله2:
يا أقرعُ بن حابس يا أقرعُ... إنك إن يُصرَعْ أخوك تُصرَعُ
وإليه الإشارة بقوله: "ورفعه بعد مضارع وهن" أي: ضعف.
فإن قلت: فهل يطرد أم يخص بالضرورة؟
قلت: نصوا على أنه ضرورة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال: وقد جاء في الشعر.
وقال ابن الأنباري: في "إن تزرني أزرك" الاختيار الجزم، وإنما يحسن الرفع هنا إذا تقدم ما يطلب الجزاء قبل "إن" كقولهم: "طعامك إن تزرنا نأكل" وتقديره: طعامك نأكل إن تزرنا. انتهى.
وصرح في بعض نسخ التسهيل: أنه ضرورة، وفي بعضها بقتله، ولم يخصه بالضرورة، وقال في شرح الكافية: وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم، ومنه قراءة طلحة بن سليمان: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"1.
تنبيهات:
الأول: اختلف في تخريج الرفع بعد المضارع، فذهب المبرد إلى أنه على حذف الفاء مطلقا، وفصل سيبويه بين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه نحو: "إنك" في البيت، فالأولى أن يكون على التقديم والتأخير، وبين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه، فالأولى أن يكون على حذف الفاء، وجوز العكس، وقيل: إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء، وإلا فعلى التقديم والتأخير.
الثاني: أطلق في قوله: بعد مضارع، وقيد في بعض نسخ التسهيل بألا يكون منفيا بلم، وجعل رفع الجزاء بعد المنفي بلم كثيرا؛ لرفعه بعد الماضي.
الثالث: قد يظهر من قوله: "رفعك الجزا" موافقة المبرد في أنه على تقدير الفاء لتسميته جزاء، ويحتمل أن يكون سماه جزاء باعتباره حالة الجزم وإن لم يكن جزاء إذا رفع.
واقْرُنْ بفا حَتْمًا جوابا لو جُعِلْ... شرطا لإِنْ أو غيرها لم يَنْجَعِلْ
أصل جواب الشرط أن يكون فعلا صالحا لجعله شرطا، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، وذلك إذا كان ماضيا متصرفا مجردا من قد وغيرها، أو مضارعا مجردا أو منفيا بلا ولم.
قال الشارح: ويجوز اقترانه بها، فإن كان مضارعا رفع، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ 3. انتهى.
وهو معترض من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله: "ويجوز اقترانه بها" يقتضي ظاهره أن الفعل هو الجواب مع اقترانه بالفاء.
والتحقيق حينئذ أن الفعل خبر مبتدأ محذوف، والجواب جملة اسمية، قال في شرح الكافية: فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدأ، ولولا ذلك لحكمنا بزيادة الفاء وجزم الفعل إن كان مضارعا.
وقال الشيخ أبو حيان: ولو قيل: ربط الجملة الشرطية بالمضارع له طريقان:
أحدهما: بجزمه، والآخر: بالفاء ورفعه، لكان قولا.
والثاني: أن ظاهر كلامه جواز اقتران الماضي مطلقا، وليس كذلك، بل الماضي المنصرف المجرد على ثلاثة أضرب:
ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى ولم يقصد به وعد أو وعيد نحو: "إن قام زيد قام عمرو".
وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو ما كان ماضيا لفظا ومعنى نحو: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وقد معه مقدرة.
وضرب يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى وقصد به وعد أو وعيد نحو: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ 1.
وقد نص المصنف على هذا التفصيل في شرح الكافية.
والثالث: أنه مثل ما يجوز اقترانه بالفاء بقوله تعالى: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ وليس كذلك، بل هو مثال الواجب، وإذا كان الجواب لا يصلح لأن يجعل شرطا وجب اقترانه بالفاء؛ ليعلم ارتباطها بالأداة.
وذلك إذا كان جملة اسمية أو فعلية طلبية، أو فعلا غير متصرف أو مقرونا بالسين أو سوف أو قد منفية بما أو لن أو إن، أو يكون قسما أو مقرونا برب2.
فهذه الأجوبة تلزمها الفاء؛ لأنها لا يصلح جعلها شرطا، وخطب التمثيل سهل.
وقد تحذف الفاء الواجب ذكرها للضرورة كقوله1:
مَنْ يفعلِ الحساتِ اللهُ يشكرها................................
وقال الشارح: لا يجوز تركها إلا في الضرورة أو ندور، ومثل الندور بما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها" 2، وعن المبرد إجازة حذفها في الاختيار، وقد جاء حذفها وحذف المبتدأ في قوله3:
بني ثُعَل من ينكَعِ العنزَ ظالم
فإن قلت: ما هذه الفاء التي في جواب الشرط؟
قلت: هي فاء السبب الكامنة في نحو: "يقوم زيد فيقوم عمرو" وتعينت هنا للربط لا للتشريك، وزعم بعضهم أنها عاطفة جملة على جملة، ولا تخرج عن العطف، وهو بعيد.
وتَخْلُفُ الفاءَ إِذَا المفاجَأَهْ... كإِنْ تَجُدْ إذا لنا مُكَافَأَهْ
يعني: أن إذا المفاجأة قد تقوم مقام الفاء وتخلفها في الربط ولا يكون ذلك إلا في الجملة الاسمية.
وقد فهم من قوله: "وتخلف الفاء" فائدتان:
الأول: أن الربط بإذا نفسها خلافا لمن ذهب أن الربط بألف مقدرها قبلها.
والثانية: أنه لا يجوز الجمع بين الفاء وإذا في الجواب، وإن كان ذلك جائزا في غيره؛ لكونها نائبة عنها كما نص عليه بعض النحويين.
فإن قلت: أطلق في قوله: "تخلف الفاء" وإنما يكون ذلك في الجملة الاسمية، لا مطلقا، بل بثلاثة شروط:
الأول: ألا تكون طلبية نحو: "إن عصى زيد فويل له".
والثاني: ألا يدخل عليها أداة نفي نحو: "إن قام زيد فما عمرو بقائم".
والثالث: ألا يدخل عليها إن نحو: "إن قام زيد فإن عمرًا قائم".
فكل ذلك لا بد له من الفاء، وذكر الثلاثة في الارتشاف.
= الإعراب: "بني ثعل" منادى مضاف منصوب وحذف منه حرف النداء والتقدير: يا بني ثعل "من" شرطية "ينكع" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى من، وقعت فعل الشرط "العنز" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة "ظالم" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: فهو ظالم.
الشاهد: قوله: "ظالم" حيث حذف منه المبتدأ مع الفاء التي هي جواب الشرط أي: فهو ظالم.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 885/ 3، وسيبويه 436/ 1.
قلت: مثاله يرشد إلى أن ذلك في الجملة الاسمية "وأيضا فقد تقرر أن إذا الفجائية لا تليها غالبا إلا الجملة الاسمية"1، فلم تحتج إلى التنبيه عليها لوضوحه.
وأما الشروط فمثاله قد حازها إلا أنه ليس في كلامه ما يدل على اشتراطها، وقد ذكر الأول في التسهيل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن "إذا" يربط بها بعد "إن" وغيرها من أدوات الشرط، وفي بعض نسخ التسهيل: "وقد تنوب بعد إن إذا المفاجأة عن الفاء" فخصه بإن.
قلت: نصوص النحويين على الإطلاق.
قال الشيخ أبو حيان: ومورد السماع إن، وقد جاءت بعد إذا الشرطية كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ 2.
والفِعْلُ من بعد الجزَا إن يَقْتَرِنْ... بالفا أو الواو بتَثْليثٍ قَمِنْ
إذا أخذت أداة الشرط جوابها، وذكر بعده مضارع مقرون بالفاء أو الواو جاز جزمه عطفا على الجواب ورفعه على الاستئناف ونصبه على إضمار أن، وقرئ بالثلاثة قوله تعالى: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ 3 فالنصب يروى عن ابن عباس، وإنما جاز بعد الجزاء لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
تنبيه:
قوله: "من بعد الجزا" يشمل المجزوم وغيره، وقول الشارح: إذا كان بعد جواب الشرط المجزوم يوهم أن الجزم شرط في جواز الأوجه الثلاثة، وقد قرئ بالثلاثة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ 4.
وجَزْمٌ أو نَصْبٌ لفعل إِثْر فَا... أو واوٍ إِنْ بالجملتَيْنِ اكتُنفا
إذا وقع المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين الشرط وجوابه جاز جزمه عطفا على فعل الشرط ونصبه بإضمار إن، وامتنع الرفع إذ "لا يصح"1 الاستئناف قبل الجزاء.
تنبيه:
ألحق الكوفيون ثم بالفاء والواو، فأجازوا النصب بعدها، واستدلوا بقراءة الحسن: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ 2، وزاد بعضهم أو.
والشرطُ يُغني عن جواب قد عُلم... والعكس قد يأتي إِنِ المعنى فُهم
مثال حذف الجواب للعلم به استغناء بالشرط قوله تعالى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ 3 تقديره -والله أعلم: تطيرتم، وهو كثير، ومثال عكسه قول الشاعر4:
فطلِّقْهَا فلست لها بكُفْءٍ... وإلا يَعْلُ مِفْرقك الحسامُ
أي: وإلا تطلقها.
تنبيه:
فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن ما لم يعلم من شرط أو جواب؛ لكونه لا دليل عليه لا يجوز حذفه، وذلك واضح.
والثانية: أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب؛ لقوله: "لقد يأتي" فإن قد هنا للتقليل، وقد نص على ذلك في شرح الكافية.
والثالثة: أنه لا يشترط في حذف الشرط أن يكون مع إن، وفي الارتشاف: لا أحفظ إلا في إن وحدها.
وقال الشارح: حذفه بدون إن قليل، وحذفه معها كثير، وأنشد على حذفه مع غيرها1:
مَتَى تُؤخَذُوا قَسْرًا بظِنَّةِ عامرٍ... ولا ينجُ إلا في الصِّفَادِ يَزِيدُ
أراد: متى تثقفوا تؤخذوا.
والرابعة: أنه لا يشترط في حذف فعل الشرط تعويض لا من الفعل المحذوف خلافا لابن عصفور والأبدي فإنهما قالا: لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض لا من الفعل المحذوف.
وقال في الارتشاف: قولهما ليس بشيء.
انتهى.
وقد حذف وهو مثبت في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 1.
قلت: وفي بعض نسخ التسهيل: وكذا الشرط المنفي بلا تالية إن فظاهره اشتراط الأمرين.
تنبيهان:
الأول: قال في التسهيل: ويحذفان بعد إن في الضرورة، يعني الشرط والجزاء.
كقوله2:
.................................................... قالت وإننْ
وفي كلام بعضهم ما يدل على جوازه في الاختيار على قلة.
والثاني: لا يجوز حذف إن ولا غيرها من أدوات الشرط خلافا لمن جوز ذلك في إن. قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه1.
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ تارة... فيبدو.....................
وهو ضعيف.
واحذِفْ لدى اجتماعِ شرطٍ وقَسَمْ... جَوَابَ ما أخَّرْتَ فهو مُلْتَزَمْ
القسم كالشرط في احتياجه إلى جواب إلا أن جوابه مؤكد باللام أو إن أو منفي، فإذا اجتمع الشرط والقسم حذف جواب المتأخر منهما استغناء بجواب المتقدم، مثال تقدم الشرط: إن قام زيد والله أكرمه، ومثال تقدم القسم: "والله إن قام زيد لأكرمنه".
هذا إذا لم يتقدم عليهما ذو خبر، فإن تقدم جعل الجواب للشرط مطلقا وحذف جواب القسم تقدم أو تأخر، وقد نبه على ذلك بقوله:
وإن تَوَاليَا وقبل ذُو خَبَرْ... فالشرطُ رَجِّحْ مطلقا بلا حَذَرْ
مثال ذلك: "زيد والله إن يقم يكرمك" و"زيد إن يقم والله يكرمك" فجواب القسم محذوف في المثالين استغناء بجواب الشرط.
وإنما جعل الجواب للشرط مع تقدم ذي خبر؛ لأن سقوطه مخل بمعنى الجملة التي هو منها، بخلاف القسم، فإنه مسوق لمجرد التأكيد.
والمراد بذي الخبر ما يطلب خبرا من مبتدأ أو اسم كان ونحوه.
تنبيه:
وقوله: "رجح" يقتضي أن ذلك ليس على سبيل التحتم، فعلى هذا يجوز أن يجعل الجواب للقسم المتقدم مع تقدم ذي خبر كما ذكر ابن عصفور وغيره، ونص في الكافي والتسهيل على أن ذلك على سبيل التحتم، وليس في كلام سيبويه ما يدل على التحتم.
ثم قال:
ورُبَّما رُجِّحَ بَعْدَ قَسَم... شَرْطٌ بلا ذي خَبَرٍ مُقَدَّم
هذا مذهب الفراء.
أجاز جعل الجواب للشرط المتأخر وإن لم يتقدم ذو خبر، وتبعه المصنف مستشهدا بقول الأعشى1:
لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعْرَكةٍ... لا تُلْفِنَا عن دماءِ القومِ ننفتل
وأبيات أُخَر، ومنع ذلك الجمهور وتأولوا البيت ونحوه على جعل اللام زائدة، وجعل الزمخشري قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ 2 جواب الشرط في قوله: "لئن".
قال في شرح الكافية: فتثبت المزية للشرط من ثلاثة أوجه:
أحدها: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدم ذي خبر.
والثاني: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدمه وعدم تقدم ذي خبر.
والثالث: جواز الاستغناء بجوابه عند تأخره وتقدم ذي خبر.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "واحذف لدى اجتماع شرط" وقيده في التسهيل بغير الامتناعي احترازا من نحو: لو ولولا؛ لأنه يتعين الاستغناء بجوابهما تقدما على القسم أو تأخرا كقوله1:
فأُقْسِم لو أندى الندِيُّ سوادَه... لَمَا مَسَحَتْ تلك المسالاتِ عامرُ
وكقوله2:
والله لولا الله ما اهتدينا.........................
وقد نص على ذلك في الكافية أيضا، وهو الصحيح، وذهب ابن عصفور إلى أن الجواب في ذلك للقسم؛ لتقدمه، ولزوم كونه ماضيا؛ لأنه مغنٍ عن جواب لو ولولا، وجوابهما لا يكون إلا ماضيا، وقوله في باب القسم في التسهيل: "وتصدر -يعني جملة الجواب- في الشرط الامتناعي بلو أو لولا يقتضي أن لو ولولا وما" دخلتا عليه جواب القسم، وكلامه في الفصل الأول من باب عوامل الجزم يقتضي أن جواب القسم محذوف استغناء بجواب لو ولولا، والعذر له في عدم التنبيه هنا على لو ولولا أن الباب موضوع للشرط غير الامتناعي فلم يشملهما كلامه.
والمغاربة لا يسمون "لولا" شرطا ولا "لو" إلا إذا كانت بمعنى إن.
الثاني: إذا تأخر القسم وقرن بالفاء وجب جعل الجواب له، والجملة القسمية حينئذ هي الجواب.
وقوله في الكافية: وبجواب القسم أغنى إن وصل بالفاء.
وفي التسهيل أيضا: فيغني جوابه، يوهم أن جواب الشرط محذوف، وليس كذلك.
الثالث: أجاز ابن السراج أن تنوي الفاء فيعطي القسم المتأخر مع نيتها ما أعطيه مع اللفظ بها، فأجاز "إن تقم يعلم الله لأزورنك" على تقدير: فيعلم الله، ولم يذكر شاهدا.
وينبغي ألا يجوز ذلك؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز عند الجمهور إلا في الضرورة.
الرابع: إذا حذف جواب الشرط لم يكن الشرط حينئذ إلا ماضيا أو مقرونا بلم.
قال في التسهيل: إلا قليلا.
انتهى، وقد ورد في الشعر مضارعا مجردا من لم، ومنه1:
............................. ولديكَ إِنْ هو يستزدكَ مَزِيدُ
وأجاز ذلك الكوفيون إلا الفراء.
الخامس: لم ينبه هنا على اجتماع الشرطين، فنذكره مختصرا.
إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول كتقييده بحال واقعة موقعه، كقوله1:
وإن تَستغيثوا بنا إن تُذْعَرُوا تَجِدوا... منا معاقلَ عِزٍّ زَانَها كَرَمُ = وصدره: يثني عليك وأنت أهل ثنائه المعنى: هو يثني عليك ويشكر نعمتك ولو عاد إليك لوجد معادا؛ إذ لا تضجر ولا تسأم من الأفضال والجود.
الإعراب: "يثني" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "عليك" جار ومجرور متعلق بالفعل "وأنت" الواو للحال وأنت مبتدأ "أهل" خبره "ثنائه" مضاف إليه "ولديك" ظرف خبر مقدم "إن" شرطية "هو" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده "يستزدك" فعل مضارع مجزوم إعطاء للمفسِّر -بالكسر- حكم المفسر -بالفتح- والفاعل ضمير والكاف مفعول به "مزيد" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو دليل الجواب.
الشاهد: قوله "يستزدك" حيث جاء الفعل المضارع مجردا من "لم".
مواضعه: ذكره الأشموني 590/ 3، والسيوطي في الهمع 59/ 2، والشاهد رقم 689 في الخزانة.
وإن تواليا بعطف فالجواب لهما معا، كذا قال المصنف، ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ 1. وقال غيره: إن توالَى الشرطان بعطف بالواو فالجواب لهما نحو: "إن تأتني وإن تحسن إليَّ أحسن إليك" أو بأو فالجواب لأحدهما نحو: "إن جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرمه، أو فأكرمها" أو بالفاء، فنصوا على أن الجواب للثاني، والثاني جوابه جواب الأول، وعلى هذا فإطلاق المصنف محمول على العطف بالواو.
فصل لو
:
على ثلاثة أضرب: شرطية، ومصدرية، وللتمني.
فالشرطية: هي المذكورة في هذا الفصل، وهي قسمان: امتناعية وهي للتعليق في الماضي، وبمعنى إن، وهي للتعليق في المستقبل، وسيأتي الكلام على القسمين.
وأما المصدرية: فلم يذكرها الجمهور، وممن ذكرها أبو علي والفراء، ومن المتأخرين التبريزي وأبو البقاء وتبعهم المصنف، وعلامتها: أن يصلح في موضعها أن كقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ 1 ومن أنكر كونها مصدرية تأول الآية ونحوها على حذف مفعول يود وجواب لو؛ أي: يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر بذلك.
وأما التي للتمني: فذكرها كثير من النحويين، وجعل الزمخشري لو في قوله تعالى: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ للتمني، وهو حكاية لودادتهم ولا إشكال، فإن لو قد ترد في مقام التمني؛ ولذلك ينصب الفعل بعد الفاء في جوابها كما ينصب في جواب ليت كقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ 2، ولكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى أحد القسمين السابقين، في ذلك خلاف، نص ابن الصائغ وابن هشام الخضراوي على أنها قسم برأسه، فلا تجاب بجواب الامتناعية، وذكر غيرهما أنها الامتناعية أشربت معنى التمني.
قيل: وهو الصحيح، وقد جاء جوابها باللام بعد جوابها بالفاء في قوله3:
فلو نُبِشَ المقابرُ عن كلَيْب... فيُخْبَرَ بالذنائب أيُّ زِيرِ
بيوم الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عينا... وكيف لقاءُ مَنْ تحت القبورِ؟
وذهب المصنف إلى أنها مصدرية أغنت عن التمني، بكونها لا تقع غالبا إلا بعد مفهم تمن، قال في التسهيل بعد ذكر المصدرية: وتغني عن التمني، فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء.
وقال في شرحه: أشرت إلى نحو قول الشاعر1:
سَرَينا إليهم في جموع كأنها... جبالُ شَرَوْرَى لو تُعانُ فتَنْهدا
قال: فلك في "تنهدا" أن تقول: نصب لأنه جواب تمن إنشائي كجواب ليت؛ لأن الأصل وددنا لو تعان، فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه، فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار، ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء، بل من باب العطف على المصدر؛ لأن لو والفعل في تأويل مصدر.
انتهى.
ونص على أن لو في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ مصدرية.
واعتذر عن الجمع بينها وبين أن المصدرية بوجهين:
أحدهما: أن التقدير: لو ثبت أن.
والآخر: أن يكون من باب التوكيد.
= "بالذنائب" الباء بمعنى في أي: فيها "أي زير" أي: مبتدأ وزير مضاف إليه وخبره محذوف والتقدير: أي: زير أنا، ويجوز أن يكون أنا مبتدأ وأي زير مقدما خبره "بيوم الشعثمين" جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب حال من أنا المحذوف "لقر" جواب لو بعد جواب آخر بالفاء، وهي جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى كليب "عينا" تمييز "كيف" للاستفهام، ولكنه أخرج مخرج التعجب ومحله الرفع على أنه خبر مقدم "لقاء" مبتدأ مؤخر "من" موصولة مضافة إلى لقاء "تحت القبور" جملة محذوفة الصدر تقديره: من هو تحت القبور، فهو مبتدأ وتحت ظرف خبره والقبور مضاف إليه، والجملة صلة الموصول.
الشاهد: قوله: "لقر" حيث إن جواب لو قد جاء باللام بعد جوابها وهو فيخبر.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 597/ 3، وابن هشام في المغني 267/ 1.
وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الكتاب، والغرض هنا شرح النظم، فقوله:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ..........................
هذا هو القسم الأول من قسمي الشرطية، وهي الامتناعية. يعني: أن لو الامتناعية حرف يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى، فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه؛ إذ لو قُدر حصوله لكان الجواب كذلك، ولم تكن للتعليق في المعنى، بل للإيجاب، فتخرج عن معناها.
وأما جوابها فلا يلزم كونه ممتنعا على كل تقدير؛ لأنه قد يكون ثابتا مع امتناع الشرط، كقوله: "نعم المرءُ صهيبٌ لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ"1.
ولكن الأكثر أن يكون ممتنعا، فلذلك كان قولهم: لو حرف امتناع لامتناع عبارة ظاهرها الفساد؛ لأنها تقتضي كون الجواب ممتنعا في كل موضع، وليس كذلك.
والحاصل: أن لو تدل على امتناع شرطها، وعلى كونه مستلزما لجوابها، ولا يتعرض لامتناع الجواب في نفس الأمر ولا لثبوته، قال في شرح الكافية: العبارة الجيدة في لو أن يقال: حرف يدل على امتناع تالٍ يلزم لثبوته ثبوت تاليه، فقيام زيد من قولك: "لو قام زيد لقام عمرو" محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا يتعرض لذلك، بل الأكثر كون الأول والثاني غير واقعين.
وقال في التسهيل: لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه.
وفي بعض النسخ: لو حرف يقتضي نفي ما يلزم لثبوته ثبوت غيره، وعباراته الثلاث بمعنى واحد، قال ابن المصنف: ولا شك أن ما قاله -يعني ما قاله أبوه- في تفسير لو أحسن وأدل على معنى لو، غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح وافٍ بشرح معنى لو، وهو الذي قصده سيبويه من قوله: لما كان سيقع لوقوع غيره.
يعني: أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره والمتوقع غير واقع، فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو مما قاله غيره، فلنرجع إلى بيان صحته، فنقول: قولهم لم تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين:
الأول: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء منهم على مفهوم الشرط في حكم اللغة لا في حكم العقل.
والثاني: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره؛ لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها أو استلزامه لتاليه فقد دلت على امتناع الثاني لامتناع الأول؛ لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت آخر.
انتهى مختصرا.
وهذا الوجه الثاني هو الذي قرره في شرح الألفية.
................. ويقل... إيلاؤُه مُستقبَلا لَكِنْ قُبِلْ
أي: يقل إيلاء لو فعلا مستقبل المعنى، وما كان من حقها أن يليها، لكن قيل: لورود السماع به كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ 1.
وقد ذكر ابن عصفور وغيره من النحويين أن لو "قد"2 ترد بمعنى أن، وتعقب ذلك ابن الحاجب على ابن عصفور وقال وقال: هذا خطأ.
قال الشارح: وعندي أن لولا تكون لغير الشرط في الماضي، وما تمسكوا به من نحو قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ وقول الشاعر3:
ولو أن ليلى الأخيلية سلَّمتْ
لا حجة فيه لصحة حمله على المعنى.
ثم نبه بقوله:
وَهْيَ في الاختصاصِ بالفعلِ كإِنْ..................................
على أن لولا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة"1، وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر، إلا في الضرورة، كقوله2: = وبعده: لسلمت تسليم البشاشة أو زَقا... إليا صَدى من جانب القبر صائحُ اللغة: "جندل" -بفتحتين بينهما سكون- أي حجر "صفائح" هي الحجارة العراض التي تكون على القبور "البشاشة" طلاقة الوجه "زقا" صاح "الصدى" ذكر البوم.
المعنى: يريد أن ليلى لو سلمت عليه بعد موته وقد حجبته عنها الجنادل والأحجار العريضة، لسلم عليها وأجابها تسليم ذوي البشاشة، أو لناب عنه في تحيتها صدى يصيح من جانب القبر.
الإعراب: "لو" حرف امتناع "أن" حرف توكيد ونصب "ليلى" اسم أن "الأخيلية" نعت لليلى "سلمت" فعل ماض والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولها في تأويل مصدر: إما فاعل لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت تسليم ليلى، وإما أن يكون المصدر مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: ولو تسليم ليلى حاصل، مثلا، على أية حال فهذه الجملة هي جملة الشرط "عليَّ" جار ومجرور متعلق بسلمت "ودوني" الواو للحال ودوني ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وياء المتكلم مضاف إليه "جندل" مبتدأ مؤخر "وصفائح" عطف عليه، والجملة في محل نصب حال.
الشاهد: وقوع الفعل المستقبل في معناه بعد "لو" وهذا قليل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 600/ 3، وابن عقيل 288/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص119، وفي الهمع 64/ 2، وابن هشام في المغني 261/ 1.
أخلايَ لو غيرُ الحِمَامِ أصابكُم...............................
أو نادر، كقول حاتم: "لو ذاتُ سِوارِ لطَمتْني"1.
والظاهر أن ذلك لا يختص بالضرورة والنادر، بل يكون في فصيح الكلام، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ 2 حذف الفعل فانفصل الضمير.
ثم نبه على ما تنفرد به لو من مباشرة أن، فقال:
......................... لكِنَّ لو أنَّ بها قد تَقْتَرِنْ
وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ 3 واختلف في موضع أن بعد لو، فذهب سيبويه إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وشبه شذوذ ذلك بانتصاب غدوة بعد لدن.
وذهب الكوفيون والمبرد والزجاج وجماعة إلى أنها فاعل يثبت مقدرا، وهو أقيس؛ إبقاء للاختصاص، وقوله في شرح الكافية: وزعم الزمخشري أن بين لو وأن ثبت مقدرا، قد يوهم انفراده بذلك.
فإن قلت: إذا جعلت مبتدأ فما الخبر؟ = المعنى: لو أصابكم أحد غير الموت لسخطت عليه ووجدت، وكان لي معه شأن آخر، ولكن الذي أصابكم الموت، ولا عتاب عليه ولا سخط؛ لأنه قدر لا مفر منه.
الإعراب: "أخلاي" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الياء والياء مضافة إليه "لو" شرطية غير جازمة "غير" مبتدأ خبره بعده أو فاعل لفعل محذوف يفسره أصابكم "الحمام" مضاف إليه "أصابكم" فعل ومفعول والفاعل ضمير "عتبت" فعل وفاعل والجملة جواب لو "ولكن" عطف واستدراك "ما" نافية "على الدهر" جار ومجرور خبر مقدم "معتب" مبتدأ مؤخر.
الشاهد: وقوع الاسم وهو "غير" بعد "لو" الشرطية، وذلك قليل.
مواضعه: ذكره الأشموني 601/ 3، وابن هشام 420/ 3، وابن الناظم.
قلت: قال ابن هشام الخضراوي: مذهب سيبويه والبصريين أن الخبر محذوف، وقال غيره: مذهب سيبويه أنها لا تحتاج إلى خبر؛ لانتظام المخبر عنه والخبر بعد أن.
فإن قلت: هل يفهم من قوله: "لكن لو" موافقة سيبويه؟
قلت: ظاهره موافقته في جعلها مبتدأ؛ إذ لو كان الفعل مقدرا لكان الاختصاص باقيا، ولم يكن حاجة إلى الاستدراك.
ويحتمل أن يكون استدراك للتنبيه على أنها تنفرد بمباشرة أن لا غير، فيحتمل المذهبين.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن لولا يليها غير ما ذكر، وقد ذكر في غير هذا الموضع أنها قد وليها مبتدأ وخبر في قول الشاعر1:
لو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ..........................
قلت: إنما ساغ ذلك في الضرورة، ولقلته لم يذكره هنا، وقد تأول ابن خروف البيت على إضمار "كان" الشانية، وتأوله الفارسي على أن حلقى فاعل فعل مقدر يفسره شرق، وشرق خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شرق، وفيه تكلف.
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وقد حمل الزمخشري ادعاءه إضمار ثبت بين لو وأن على التزام كون الخبر فعلا، ومنعه أن يكون اسما، ولو كان بمعنى فعل نحو: "لو أن زيد حاضر" وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ 1 وكقول الراجز2:
لو أن حيا مُدركُ الفلاح..........................
قلت: وقد نُقل ذلك عن السيرافي، وأقول: الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الزمخشري أن يمنع كون خبرها اسما مشتقا، ويلتزم الفعل حينئذ؛ لإمكان صوغه قضاء لحق طلبها بالفعل، وأما إذا كان الاسم جامدا فيجوز لتعذر صوغ الفعل منه كما فعل الشيخ أبو عمرو.
ألا ترى قوله في المفصل، لو قلت: "لو أن زيدا حاضر لأكرمته" لم يجز؟
ولم يتعرض لغير المشتق، وإذا حمل على هذا لم يرد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾.
ولا نحو3:
ولو أنها عصفورة.......................................
وإنما يرد عليه نحو: لو أن حيا مدركُ الفَلاحِ.
وله أن يجيب بأنه نادر.
وإِنْ مضارعٌ تلاها صُرِفَا... إلى المضيِّ نَحْوُ لو يَفِي كَفَى
"يعني أن المضارع إذا وقع بعد لو صرف معناه إلى المضي.
فمعنى لو يفي كفى: لو وفا كفى"1، ومثله2:
لو يسمعونَ كما سمعتُ حديثَها... خَرُّوا لعزة رُكعا وسُجُودا = اللغة: "لحسبتها" لظننتها "مسومة" معلمة "عبيدا" -بضم العين- بطن من الأوس "أزنما" بطن من بني يربوع، إليهم تنسب الإبل الأزتمية.
الإعراب: "ولو" للعطف والشرط "أنها" أن حرف توكيد ونصب والهاء اسمها "عصفورة" خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، والضمير يرجع إلى الأسودة التي ترى من بعيد "لحسبتها" فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول أول لحسبت "مسومة" مفعول ثانٍ والجملة وقعت جوابا للو "تدعو" جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب "عبيدا" مفعول به "وأزنما" عطف على عبيدا، والألف للإشباع لأجل القافية.
الشاهد: قوله: "عصفورة" حيث وقع خبرا لأن الواقعة بعد لو وهو اسم جامد.
مواضعه: ذكره الأشموني 603/ 3، وابن هشام في المغني 27/ 1.
تنبيهان:
الأول: "لو" الصارفة إلى المضي هي الامتناعية.
وأما التي بمعنى إن فتصرف الماضي إلى المستقبل، فإذا وقع بعدها مضارع فهو مستقبل المعنى، كقوله1:
لا يُلْفِكَ الرَّاجُوك إلا مُظهِرا... خُلُقَ الكرام ولو تكونُ عَدِيمَا
الثاني: لا يكون جواب لو إلا فعلا ماضيا مثبتا أو منفيا بما أو مضارعا مجزوما بلم.
والأكثر في الماضي المثبت اقترانه باللام، وقد تحذف كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ 2 وقد تصحب المنفي بما، كقول الشاعر3:
كذبتُ وبيت الله لو كنتَ صادقا... لما سَبَقتْنِي بالبكاءِ حمائمُ
وإن ورد ما ظاهره خلاف ذلك جعل الجواب محذوفا.
فصل أمَّا ولَوْلا ولَوْمَا:
أمَّا كمهما يكُ من شيء وَفَا... لتِلْوِ تلوها وُجُوبا ألِفَا
أما حرف بسيط فيه معنى الشرط يؤول بمعنى: مهما يك من شيء؛ لأنه قائم مقام أداة الشرط وفعل الشرط، ولا بد بعده من جملة هي جواب له، فالأصل في قولك: "أما زيد فمنطلق" مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فحذف فعل الشرط وأداته، وأقيمت أما مقامهما، وكان الأصل أن يقال: أما زيد منطلق، فتجعل الفاء في صدر الجواب، وإنما أخرت لضرب من إصلاح اللفظ.
وإلى هذا أشار بقوله:
............. وفا... لتلو تلوها.......
تنبيهات:
الأول: يؤخذ من قوله: "لتلو تلوها" أنه لا يجوز أن يتقدم الفاء أكثر من اسم واحد، فلو قلت: "أما زيد طعامه فلا تأكل" لم يجز، كما نص عليه غيره.
الثاني: لا يفصل بين "أما" والفاء بجملة تامة، إلا إن كان دعاء، بشرط أن يتقدم الجملة فاصل نحو: "أما اليوم رحمك الله فالأمر كذا".
الثالث: قول الشارح: يفصلون بين أما والفاء بجزء من الجواب، فإن كان الجواب شرطيا فصل بجملة الشرط، وإن كان غير شرطي فصل بمبتدأ أو خبر أو معمول فعل أو شبهه أو معمول مفسر به يقتضي ظاهره أنه لا يفصل بغير ذلك، وليس كذلك، بل قد يفصل بالظرف والمجرور والحال والمفعول له معمولا لأما أو لفعل الشرط المحذوف.
الرابع: ما ذكر من قوله: "أما كمهما يك" لا يعني به أن معنى أما كمعنى مهما وشرطها؛ لأن أما حرف فكيف يصح أن تكون بمعنى اسم وفعل؟ وإنما المراد أن موضعها صالح لهما، وهي قائمة "مقامهما"1؛ لتضمنها "معنى الشرط"2.
الخامس: تقديرها بمهما كما ذكر قول الجمهور.
وقال بعض النحويين: إذا قلت: "أما زيد فمنطلق" فالأصل إن أردت معرفة حال زيد فزيد منطلق، حذفت أداء الشرط وأنيبت أما مناب ذلك.
السادس: قال في التسهيل: أما حرف تفصيل، وكذا قال كثير من النحويين، ولم يذكروا لها غير هذا المعنى، وقال بعضهم: "وقد ترد حيث لا تفصل نحو: "أما زيد فمنطلق" وقال بعضهم"1: وهي حرف إخبار مضمن معنى الشرط.
وقوله "وجوبا" يعني: في غير ما سيذكر في قوله:
وحَذْفُ ذي الفا قّلَّ في نَثْرٍ إذَا... لم يكُ قَوْلٌ معها قد نُبِذَا
يعني: أن حذف هذه الفاء في النثر قليل وكثير.
فالكثير: أن تحذف مع قول استغنى عنه بمحكيه كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ 2 أي: فيقال لهم: أكفرتم.
والقليل: أن تحذف لا مع قول نحو ما خرجه البخاري من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد، ما بالُ جالٍ".
قد فهم من قوله: في نثر، أنها تحذف للضرورة كقوله3:
فأما القتالُ لا قتالَ لديكُمُ...........................
والحاصل أن حذفها على ثلاثة أضرب كثير، ونادر، وضرورة.
تنبيه:
لم ينبه في الكافية والتسهيل على ندور حذفها في النثر دون قول، فهو من زيادات الألفية:
لولا ولوما يلزمان الابتدا... إذا امتناعا بوجود عَقَدَا
للولا ولوما حالان:
أحدهما: يختصان فيه بالأسماء، وذلك إذا دلا على امتناع شيء لوجود غيره.
"وقد"1 يقال أيضا: لوجوب غيره، وهذا معنى قوله: "إذا امتناعا بوجود عقدا" أي: إذا ربطا امتناع شيء بوجود غيره، وفهم من قوله: "يلزمان الابتدا" فائدتان:
الأولى: أنهما لا يليهما الفعل.
والثانية: أن الاسم بعدهما مرفوع بالابتداء، وتقدم الكلام على خبره في باب الابتداء.
فإن قلت: فقد ولي لولا الفعل في قوله2: = "سيرا" هو اسم للكن وخبرها هو المحذوف، وتقدير الكلام على هذا: ولكن لكم سيرا "في" حرف جر "عراض" مجرور بفي، والجار والمجرور متعلق بسير، وعراض مضاف و"المواكب" مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الشاهد: قوله: "لا قتال لديكم" حيث حذف الفاء من جواب "أما" مع أن الكلام ليس على تضمن قول محذوف، وذلك ضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 605/ 3، وابن هشام 425/ 3، وابن عقيل 292/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص151، وذكره السيوطي في الهمع 671/ 2، وابن هشام في المغني 56/ 1.
.............................. فقلت بلى لولا يُنازعني شُغْلي
قلت: يُؤول على وجهين:
أحدهما: أن لولا مؤولة بلو وليست مركبة، بل لو على حالها ولا نافية للماضي.
والآخر: أن تكون المختصة بالابتداء وإن مقدرة بعدها وموضعها رفع بالابتداء.
وثاني الحالين: يختصان فيه بالأفعال، وذلك إذا دلا على التحضيض "ويشاركهما في ذلك الأحرف المذكورة في قوله"1:
وبهما التحضيضَ مِزْ وَهَلا... ألَّا، ألا وأولِيَنْها الفِعْلا
المشهور أن حروف التحضيض أربعة وهي: لولا، ولوما، وهلا وألا -بالتشديد- وأما ألَا -بالتخفيف- فهي حرف عرض، وذكره لها مع حروف التحضيض يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد "به"2 أنها تكون للتحضيض بمعنى هلَّا في بعض المواضع لا مطلقا؛ لأنه ذكر في غير هذا الموضع أنها تكون للعرض.
والثاني: أن يكون ذكرها مع أدوات التحضيض لمشاركتها لهن في الاختصاص بالفعل "وقرب معناها من معناهن، وإن لم تكن موضوعة لمعناهن".
ويؤيده قوله في شرح الكافية وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل3: "ألا تزورنا" ثم قال: = والهاء مفعوله والجملة في محل رفع خبر أن "فقلت" فعل وفاعل "بلى" حرف جواب "لولا" حرف امتناع لوجود "ينازعني" فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول به "شغلي" فاعل والياء مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "لولا ينازعني" حيث ولي لولا الفعل.
مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب 276/ 2.
وقَدْ يليها اسْمٌ بفِعْلٍ مُضْمَرِ... عُلِّقَ أو بظاهرٍ مُؤخَّرِ
مثال الأول: "هلَّا زيدًا تضربه" فزيدًا علق بفعل مضمر، بمعنى أنه معمول للفعل المضمر.
ومثال الثاني: "هلَّا زيدًا تضربُ" فزيدًا علق بفعل ظاهر مؤخر، بمعنى أنه معمول للفعل الذي بعده؛ لأنه مفرغ له.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن حروف التحضيض لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر أو فعل مؤخر.
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقول الشاعر1:
......................... فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُهَا
قال: والأجود أن ينوي بعدها "كان" الشأنية.
قلت: وعلى هذا "الوجه"1 خرجه ابن طاهر، وخرجه بعضه على جعل ما بعدها فاعلا بفعل مقدر تقديره: فهلا شفعت نفس ليلى، وشفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها، وفيه تكلف.