باب المنصوبات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجوجري
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
- المحقق
- نواف بن جزاء الحارثي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
- الكتاب
- رسالة ماجستير للمحقق)
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فخرج نحو (زيد ضارب أبوه عمرا) فليس منها1.
لأنه يمتنع أن يقال فيه: (ضارب أبيه) لالتباسه بالمفعول به2 ونحو (زيد كاتبٌ أبوه) فإنه لا يحسن فيه إضافة (كاتب) إلى (الأب) وإن فات اللبس3.
وسبب عدم حسن ذلك أن الصفة لا تضاف لمرفوعها حتى يقدر تحويل4 إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها.
والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أنهم لو لم يقدّروا ذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه5.
والثاني: أنهم يؤنثون6 الصفة في نحو (هند حسنة الوجه) فحينئذ لم يحسن أن يقال: (كاتب الأب) لأن من كتب أبوه لان يصح إسناد الكتابة
إليه وحسن أن يقال: (حسن الوجه) لأن من حسن وجهه صح1 إسناد الحسن إلى جملته، / فيقال: (زيد حسن) فيكون في (حسن) ضمير عائد على (زيد) هو فاعل، ويصح لك حينئذ أن تذكر بعده2 (الوجه) أو (وجهه) منصوبا3.
ولا يصح أن يكون تمييزا4 لتعريفه، فيكون منصوبا على أنه مشبه بالمفعول به، لأن عامله وهو الصفة وإن كان قاصرا5، شُبّه باسم فاعل الفعل المتعدي.
ووجه الشبه بينهما الوصفية وقبول التثنية والجمع والتأنيث وطلب كل منهما بعد استيفاء فاعله ما بعده6.
ص: السابع الحال، وهو وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه أو تأكيده أو تأكيد عامله7 أو مضمون الجملة قبله، نحو ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ 8 {لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ
جَمِيعاً} 1 ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً﴾ 2 ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ 3 وقوله 4: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي.
ش: السابع من المنصوبات الحال، وهي5 قسمان:
مؤسِّسة، وهي مالا يستفاد معناها6 بدونها.
ومؤكِّدة، وهي بخلاف ذلك، أي ما استفيد معناها من غيرها7.
وكان الأحسن تقسيمها وإفراد8 كل قسم بحدّ.
لكن المصنف كثيرا ما يراعى الاختصار، ويحدّ الشيء المختلف الأقسام بحد واحد ويأتي فيه ب (أو) الدالة على تنويع المحدود وانقسامه، ومنه ما ذكره في هذا المحل.
فقوله: (وصف) كالجنس، يدخل فيه الخبر في نحو (زيد قائم) والمبتدأ ك (القائم أخوك) والنعت في (جاءني رجلٌ راكبٌ) والتمييز في نحو (لله دَرّه9 عالماً)
ويخرج به (القهقرى) 1 في نحو (رجع زيد القهقرى) فإنه ليس بوصف.
وقوله: (فضلة) كالفصل مخرج للخبر والمبتدأ.
وقوله: (مسوق) إلى آخره فصل أخرج به النعت والتمييز المذكورين، فإن النعت مذكور لتخصيص المنعوت، والتمييز لبيان جنس المتعجب منه1 وبيان الهيئة وقع بهما ضمنا لا قصدا2.
وقوله: (هيئة صاحبه أو تأكيده) بيان لأنواع الحال3، وهي كما تقدم مؤسِّسة وهي المسوقة لبيان هيئة 37/أصاحبها.
ومؤكِّدة وهي أنواع:
مؤكِّدة لصاحبها، ومؤكِّدة لعاملها، ومؤكِّدة لمضمون جملة قبلها.
مثال المبيِّنة للهيئة ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ 4 ومثله قولك: جاء زيدٌ راكباً.
ومثال المؤكِّدة لصاحبها قوله تعالى: ﴿لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ 5. (القهقرى) اسم بمعنى الرجوع إلى الخلف.
ينظر لسان العرب 5/121 (قهر) .
ومثال المؤكِّدة لعاملها قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾ 1 وقوله2 ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ 3.
وذكر لها المصنف هذين المثالين إشارة إلى أن المؤكدة لعاملها قد تكون مؤكِّدة له معنى فقط، كالمثال الأول4، أو لفظا ومعنى كالمثال الثاني.
ومثال المؤكِّدة لمضمون الجملة قولك: زيد أبوك عطوفا، وقول سالم بن دارة اليربوعي5:
58- أنا ابنُ دارةَ معروفاً بها نسبي ... وهل بدارةَ يالَلناسِ من عارِ6
فقوله: (عطوفا) مؤكد1 لمضمون جملة (زيد أبوك) .
وقوله: (معروفا) مؤكد2 لمضمون جملة (أنا ابن دارة) .
ولابد في هذه الجملة أن يكون جزآها اسمين معرفتين جامدين، ولابد أن يتأخر الحال عنها، فلا يتقدم عليها، ولا يتوسط بين جزءيها3.
وعامل هذه الحال محذوف وجوبا4، لتنزيل الجملة المذكورة بدلا من اللفظ به، وتقديره في نحو (زيد أبوك عطوفا) مما المبتدأ فيه (أنا) : أَحُقّه5 أو أعرفه وفي نحو (أنا ابن دارة) 5 مما المبتدأ فيه غيرُ (أنا) : أحق أو أعرف، أو أحقني أو أعرفني.
تنبيهان:
الأول: يؤخذ اعتبار شروط الجملة المذكورة من المثال.
وقد يقال: يؤخذ اشتراط تعريف جزأيها1 من ذكر التأكيد في الحال الحاصلة عنها، لأن التأكيد إنما يكون لشيء عُرف.
ويؤخذ اشتراط الجمود من جعلها مؤكدة بالحال، لأنه إذا كان أحد جزأيها مشتقا أو شبيها به كان عاملا في الحال، وكانت مؤكدة لعاملها لا لمضمون الجملة.
ويستفاد وجوب تأخير هذه الحال من قوله: (قبله) .
التنبيه الثاني: كما تكون الحال مفردة تكون جملة اسمية أو فعلية، وظرفا، ومجرورا2.
وشمل ذلك قوله في الحدّ: (وصف) .
فإن 37/ب المراد به، كما قال3: وصف باللفظ أو بالقوة.
ص: ويأتي من الفاعل ومن المفعول، ومنهما مطلقا، ومن المضاف إليه إن كان المضاف بعضه، نحو: ﴿لحمَ أخيهِ مَيْتاً﴾ 4 أو كبعضه: نحو ﴿مِلّةَ
إِبرَاهِيمَ حَنِيفاً} 1 أو عاملا فيها، نحو ﴿إليهِ مَرجعُكمْ جَمِيعاً﴾ 2.
ش: لما قسم الحال باعتبار وصفها القائم بها من التأسيس والتأكيد أخذ يقسمها باعتبار صاحبها، وهو تقسيم له3 أيضا، فقال:
إنها تأتي من الفاعل4، أي يكون صاحب الحال فاعلا نحو جاء زيد راكبا، ونحو ﴿فَخَرَجَ مِنْها خَائِفاً﴾ 5.
وتأتي من المفعول، أي يكون صاحب الحال مفعولا، نحو ضربتُ اللِّصَّ مكتوفاً، ونحو ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ 6.
ومن الفاعل والمفعول، نحو لقيته راكبين.
وقوله: (مطلقا) أي تأتي الحال من الفاعل ومن المفعول ومنهما بلا شرط.
بخلاف مجيئها من المضاف إليه، فإنه مشروط بأن يكون المضاف بعضه7، أي بعض المضاف إليه، نحو قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} 1 وقولك: أعجبني وجهها مسفرة.
ونحو2 قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ 3.
أو يكون كبعضه، أي يكون المضاف كبعض4 المضاف إليه، بأن يستقيم الكلام بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، نحو قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ 5.
أو عاملا، أي أو يكون6 المضاف عاملا في الحال، نحو أعجبني انطلاقك منفردا، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ 7 ونحو هذا شاربُ السويقِ ملتوتًا.
واعلم أن بعضهم1، منع مجيء الحال من المضاف إليه في الصورتين الأولَيين2، أعني إذا كان المضاف بعضا3، أو كبعض منه.
لأنه يصير العامل في الحال غير العامل في صاحبها، وهو ممتنع4.
والصواب اعتباره5، لأنه إذا كان بعض المضاف إليه أو كبعضه كانا كالشيء الواحد، وصح مجيء الحال منه، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غِلّ6، واتَّبِعوا إبراهيمَ حنيفا، 38/ألكان سائغا حسنا.
ص: وحقها أن تكون نكرةً، منتقلةً، مشتقةً، وأن يكون صاحبُها معرفةً أو خاصا، أو عاما، أو مؤخرا، وقد يتَخَلَّفْنَ.
ش: لما فرغ7 من ذكر الحال وأقسامها أخذ يذكر لها أوصافا معتبرة فيها.
فمنها أن تكون نكرة.
وإنما كان كذلك لأنه سيأتي8 أن الغالب في الحال أن تكون9
مشتقة، وصاحبها معرفة، فإذا كانت معرفة فربما توهم أنها صفة1.
وقد يتخلف كونها نكرة بأن تتعرَّف في اللفظ، إما باللام، كجاؤوا الأولَ فالأولَ2، و:
59- أرسلَها العِراكَ3 ... ...........................
أو بالضمير، ك (جاءَ وحدَهُ) 4.
ومع ذلك فيحكم بتنكيرها معنى بتقدير (أل) زائدة، وأن الإضافة لا تفيد تعريفا.
هذا1 هو مذهب الجمهور2.
وأجاز يونس3 والبغداديون4 أن تكون معرفة5.
وقاسوا على نحو (ادْخلوا الأوّلَ فالأوّلَ) .
وحينئذ فحكم المصنف بتخلف التنكير أراد به تخلفه في اللفظ، ليوافق مذهب الجمهور، ولو حُمل على التخلف لفظا ومعنى لصح ووافق المذهب الآخر.
ومنها أن تكون منتقلة، أي غير لازمة للمتصف بها، كما في جاء زيدٌ راكباً، وضربْتُ اللِّصّ مكتوفاً.
وهذا الوصف6 غالب، لا لازم، لورودها بدونه فيما إذا كانت مؤكدة لمضمون7 الجملة، ك (زيد أبوك عطوفا) 8.
أو دل عاملها على تجدد صاحبها، نحو (خلقَ اللهُ الزَّرافةَ يدَيها أطوَلَ مِن رجلَيها) 1. وفي غير ذلك2 أيضا، نحو قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالقِسْطِ﴾ 3 ونحو ﴿وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ 4.
ومنها أن تكون مشتقة، أي مصوغة من مصدر للدلالة على متصف.
وهذا الوصف أيضا غالب، لا لازم.
فتقع جامدة مؤولة بالمشتق، نحو بدت الجاريةُ قمرًا وتثنَّتْ غصنًا أي مضيئةً ومعتدلةً.
وغير مؤولة بالمشتق، نحو ﴿قُرآناً عرَبيًّا﴾ 5 ونحو هذا حديدُك خاتَمًا وهذا مالُك 38/ب ذهباً6.
ومنها أن يكون صاحبها معرفة.
لأن الحال وصاحبها في المعنى خبر ومخبر عنه، فالأصل في صاحبها التعريف7، كما في المبتدأ.
وقد8 يأتي8 نكرة بمسوّغ، كالمبتدأ.
فمن مسوغات1 تنكير صاحب الحال أن يكون خاصا أي مخصوصا، إما بوصف، نحو قول الشاعر:
60- نجَّيتَ يا ربِّ نوحاً واستَجبْتَ له ... في فُلُكٍ ماخرٍ في اليمِّ مشحُونَا2
أو بإضافة، نحو قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ 3 أو بمعمول نحو (عجبتُ مِن ضَرْبٍ أخوك4 شديداً) .
ومن المسوغات لتنكيره أيضا أن يكون عاما، كأن يتلو نفيا أو شبهه وهو النهي والاستفهام.
مثال النفي قولك: ما جاء أحدٌ راكباً.
ومثال النهي قول الشاعر:
61- لا يركنَنْ أحدٌ إلى الإحجَامِ ... يومَ الوَغَى مُتخوِّفاً لحِمامِ1
ومثال الاستفهام قول الشاعر:
62- يا صاحِ هلْ حُمَّ عيشٌ باقياً فترى ... لنفسك العذرَ في إبعادِها الأملا1
ومن المسوغات لتنكيره2 أيضا أن يتأخر [عن] 3 الحال، نحو في
1 البيت من الكامل، وهو لقطرئ بن الفجاءة، وقد ورد في (ج) : (لا تركننْ أبدا) وهو لا يصح شاهدا لأن صاحب الحال فيه يكون معرفة.
الإحجام: التأخر عن لقاء العدو، الوغى: الحرب، الحمام، بالكسر: الموت.
ينظر شعر الخوارج ص 171. والبيت من شواهد شرح العمدة لابن مالك ص 423 وشرح الألفية لابن الناظم ص 320 والمساعد 2/18 والعيني 3/150 والتصريح 1/377 والهمع 1/240 وشرح الأشموني 2/175 والخزانة 10/160. والشاهد نصب (متخوفا) على الحال من (أحد) وهو نكرة وسوغ ذلك سبقه بالنهي.
الدار جالسا رجل، وقول الشاعر:
63- لِمَيَّة مُوحشاً طَلَلُ ... يَلوحُ كأنّه خَلَلُ1
وقد يأتي صاحب الحال نكرة بغير مسوّغ، كقوله: (عليه مائةٌ بِيضاً) 2 وفي الحديث3: "صلّى رجالٌ قياماً"4.
تنبيهان:
الأول: أشار إلى تخلف الأوصاف المذكورة، أو تخلف بعضها بقوله:
(وقد يتخلفْنَ) أي وقد تتخلف1 جميع الأوصاف المذكورة وقد يتخلف2 مجموعها في حال من الأحوال، لكنها ليست سواء في تخلفها.
فإن منها ماتخلفه شاذ، ومنها ما تخلفه مطّرد، وإن كان قليلا.
الثاني: يؤخذ من قوله: (مشتقة) 3 بالمعنى الذي عرفته أن الحال لا يكون مصدرا، لأن المصدر ليس بمشتق، بل مشتق منه.
ولئلا يلزم الإخبار عن الذات بالمعنى.
وإنما كان كذلك لأن الحال وصاحبها في المعنى خبر ومخبر عنه، كما تقرر4، فحق الحال أن تدل على ما يدل عليه نفس صاحبها، كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ، فلذلك يصح (جاء زيد ضاحكا) 5 ويمتنع (جاء ضِحكًا) 6.
لكن قد ورد من كلامهم ما وقع فيه المصدر حالا، قليلا في المعارف ك (جاء وحدَه) 7 39/أو (أرسلها العراكَ) وكثيرا في النكرات، ك (طَلَع
بغتةً) و (جاء ركْضًا) 1 وأُوِّلَ بالوصف، أي مباغتا2 وراكضا.
وأجمع الفريقان البصريون3 والكوفيون4 على عدم اطراده إلا المبرد5 فقاسه فيما كان نوعا من العامل، ك (جاء سرعة) بخلاف (جاء ضِحكا) 6.
وقاسه ابن مالك7 أيضا في مثل (أمّا علمًا فعالم) وفي نحو (زيدٌ زهيرٌ شعرًا) ، وفي مثل (أنت الرجل علمًا) 8.
وقد يعرب المنصوب في هذه الثلاثة تمييزا1.
ص: الثامن التمييز، وهو اسم نكرة فضلة، يرفع إبهامَ اسمٍ أو إجمال نسبة
ش: الباب الثامن من المنصوبات التمييز.
وهو لغة فصل الشيء من غيره، وفي الاصطلاح ما قاله المصنف.
فقوله: (اسم) إعلام بجنسيته، وأنه ليس كالحال في كونه ظرفا أو مجرورا أو جملة.
وقوله: (نكرة) فصل2 مخرج لنحو (زيدٌ حسنٌ وجهَهُ) 3 وأما قوله:
64-. ................................ ... صددت وطِبْتَ النّفسَ ياقيسُ عن عمرٍو4
فخُرّج على زيادة (أل) 1.
وقوله: (فضلة) مخرج لنحو قائم من (زيد قائم) فإنه اسم نكرة ولكنه2 ليس فضلة.
وقوله: (يرفع إبهام اسم) إلى آخره يخرج الحال، نحو (جاء زيدٌ راكباً) . فإنه ليس رافعا لإبهام اسم ولا لإجمال نسبة، وإنما هو مبيّن للهيئة، ويفيد أن التمييز على نوعين3:
نوع رافع إبهام اسم، ك (رَطْلٌ زيتاً) .
ونوع رافع إجمال نسبة، ك (طبتَ نفساً) .
وقد أُورد على هذا الحد (طويلا) من قولك: رأيتُ رجلا طويلاً4 فإنه اسم نكرة رافع إبهام اسم، وهو (رجل) لأنه ذات مبهمة
بالوضع صالح لكل فرد من أفراد الرجال، فبذكر أحد أوصافه تمييز1 عما يخالفه.
ويمكن أن يجاب بأن الإبهام المرتفع بالتمييز هو فيما يرجع إلى الجنس.
ألا ترى أنك إذا قلت: (عندي رطلٌ) ولم تذكر تمييزا تُرُدّد في جنس ذلك الرطل، فإذا قلت: (زيتا) ارتفع ذلك الإبهام، بخلاف (رأيت رجلا طويلا) فإن الإبهام المرتفع بالوصف بالنسبة إلى أمر زائد على الجنس فإن2 (رجلا) 3 يفيده4 , الله أعلم.
ص: فالأول بعد 39/ب العدد، الأحد عشر فما فوقها إلى المائة، و (كم) الاستفهامية نحو 5 كَمْ عبداً ملكْتَ، وبعد المقادير، ك (شبر أرضاً) و (قفيز بُرًّا) وشبههن، نحو ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ 6 و (نحيٌ سمْناً) و (مثلُها زُبداً) و (مَوضعُ 7 راحةٍ سحاباً) وبعد فرعه، نحو (خاتمٌ حديداً) .
ش: لما ذكر أن التمييز نوعان أخذ يبين كل نوع على جهة التفصيل فذكر هنا النوع الأول، وهو الرافع إبهام1 اسم.
فمنه الواقع بعد عدد، صريحا كان ذلك2 العدد، كالأحد عشر والإحدى عشرة وأخواتها3 والعشرين وأخواتها إلى آخر التسعين وهو المراد بقوله: (إلى المائة) كقوله تعالى ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ 4 وقوله: ﴿اثْنَي عَشَرَ نقيباً﴾ 5 وقوله: ﴿ثلاثينَ ليلةً﴾ 6 و ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ 7و ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ 8 و ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ 9.
أو غير صريح، وهو (كم) الاستفهامية، كقوله: كمْ عبداً ملكتَ وكمْ شخصا رأيت 10.
ومنه1 الواقع بعد ما يفيد مقدارا، وهو المراد بقوله: (بعد المقادير) . وهو إما أن 2 يفيد مساحة3 ك (شبر أرضا) أو كيلا، نحو (قفيز بُرًّا) أو وزنا نحو4 (مَنَوانِ عَسَلاً) 5. ومنه الواقع بعد ما يفيد شبه المقادير، وهو المراد بقوله: (وشبههنّ) . وهذا تارة يشبه الوزن، نحو ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً﴾ 6 أو يشبه الكيل، نحو (نحْي سَمْنًا) 7.أو يشبه المساحة، نحو (موضعُ راحةٍ سَحَابًا) 8 أو يحتمل مشابهة المساحة والوزن، نحو (على التمرةِ مثْلُها زُبْدًا) 9. ومنه الواقع بعد ما هو فرع له، نحو (خَاتَمٌ حَدِيداً) . فإن الخاتم فرع
الحديد.
ومثله (بابٌ سَاجًا) 1 و (جُبّةً خَزًّا) .
وقيل في هذا: إنه حال 2.
تنبيهان:
الأول تمثيله في (كم) الاستفهامية ب (كم عبدا ملكت) يفهم أمرين:
أحدهما تعيّن إفراده 3، وهو الصحيح 4.
وقيل: يجوز جمعه مطلقا 5.
وقيل: يجوز إن كان السؤال عن الجماعات، نحو كم غلمانا لك.
إذا أردت أصنافا من الغلمان.
وهذا مذهب الأخفش 6.
ثانيهما تعين نصبه7، وهو مذهب بعض النحويين8، سواء جُرَّت
(كَمْ) أم لم تُجَرّ.
وقيل: يجوز جره مطلقا، 40/أسواء أيضا جُرَّتْ أَمْ لاَ1، حملا على (كَمْ) الخبرية.
وقيل: يجوز إن جُرَّتْ2، ويمتنع إن لم تجر، وهذا هو الصحيح3، وينبغي حمل كلام الشيخ عليه لتمثيله ب (كم) غير مجرورة.
الثاني: الناصب للتمييز الرافع لإبهام الاسم هو ذلك الاسمُ المبهمُ4.
والله أعلم.
ص: والثاني إما محولٌ 5 عن الفاعل، نحو ﴿واشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبًا﴾ 6 أو عن المفعول، نحو ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ 7 أو عن غيرهما، نحو ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً﴾ 8. أو غير محول، نحو لِلهِ دَرُّهُ فَارِسًا.
ش: هذا بيان للنوع الثاني وهو الرافع لإبهام النسبة.
وهو على نوعين 1: محوّل وغير محوّل2.
النوع الأول المحوَّل، وهو أقسام.
لأن النسبة المبهمة إما نسبة الفعل إلى الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبًا﴾ 3 أي اشتعل من جهة الشيب.
والأصل: واشتعل شيبُ الرأسِ، فحوّل الإسناد إلى الرأس، ونصب (شيب) 4 على التمييز.
ومثله (طاب زيد نفسا) أصله طابت نفسُ زيد.
وإما نسبة الفعل إلى المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً﴾ 5 والأصل: وفجرنا عيونَ الأرض، ثم أوقع الفعل على (الأرض) ونصب (العيون) على التمييز 6.
ومنه غَرَسْتُ الأَرْضَ شَجَراً، أصله غرست شجرَ الأرضِ
وإما نسبة الخبر إلى المبتدأ، نحو (زيدٌ أكثرُ مالاً) .
والأصل: مال زيد أكثر، ثم حول الإسناد إلى (زيد) ونصب (مالا) على التمييز ومثله (عمرو أطيب نفسا) ، أصله نفس عمرو أطيب1.
النوع الثاني غير المحوَّل، وهو الواقع بعد ما يفيد التعجب، نحو (لِلهِ دَرُّهُ فارِساً) و (ما أَحْسَنَه رَجُلاً) و (أحْسِنْ به أباً) .
تنبيه:
الناصب للتمييز الرافع لإبهام النسبة2 هو المسند من الفعل أو شبهه3.
خاتمة:
يجوز في التمييز الرافع لإبهام الاسم أن يجُرّ بإضافة ذلك الاسم إليه ك (شبر أرض) و (قفيز برٍّ) 4. إلا أن يكون الاسم عددا، نحو (عشرين
رجلا) أو مضافا، نحو (مثلها زبدا) 1.
ويجوز أيضا أن تجرّه ب (مِنْ) ك (رطل من زيت) و (قفيز من برّ) 2 إلا في 40/ب العدد، كما تقدم.
وأما الرافع لإبهام النسبة 3 فلا يجر بالإضافة أصلا.
ويجر ب (مِنْ) في نحو (ما أحسنه رجلا) و (لله دره فارسا) 4 لا في5 نحو (ما أحسنه أدبا) و (طاب نفسا) 6و ﴿فَجَّرْنَا الأَرْضَ﴾ 7.
ص: التاسع المستثنى ب (ليس) أو ب (لا يكون) 8 أو ب (ما
خلا) أو ب (ما عدا) مطلقا.
ش: الباب التاسع من المنصوبات المستثنى. وهو المذكور بعد (إلا) أو إحدى أخواتها.
والمستثنى من حيث هو قد يكون منصوبا، وقد يكون غير منصوب، وقد ذكر هنا مع المنصوب غيره استيفاء للأقسام، وتتميما للفائدة.
والأدوات التي يستثنى بها ثمانية ألفاظ1.
حرفان وهما (إلاَّ) عند الجميع2 و (حاشا) عند سيبويه 3وفعلان، وهما (ليس) و (لا يكون) .
ومترددان4 بين الحرفية والفعلية5، وهما (خلا) و (عدا) 6 واسمان، وهما (غير) و (سوى) .
وبدأ بالكلام على المستثنى ب (ليس) وما ذكر معها في هذا الكلام لتعين نصبه على كل تقدير، وفي كل حال، على ما سنبينه، ولذلك قال: (مطلقا) فكان تقديمه أهمّ.
فأما المستثنى ب (ليس) و (لايكون) فهو واجب النصب، كقولك: قام القوم ليس زيدا ولا يكون زيدا.
وإنما وجب نصبه لأنه خبرهما، واسمهما ضمير مستتر فيهما عائد إما على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، أي ليس هو أي1 القائم زيدا أو على البعض المدلول عليه بكلّه السابق، أي ليس هو أي بعض القائمين زيدا، والأول مذهب الكوفيين2، والثاني مذهب البصريين3.
واختلفوا في جملة الاستثناء 4، هل لها محل أم لا 5؟
فقيل: محلها النصب على الحالية 6.
وقيل: لا 1، لأنها مستأنفة 2، وصححه ابن عصفور 3.
وأما المستثنى ب (خلا) و (عدا) الواقعتين بعد (ما) فهو متعين النصب4 لتعين فعليتهما حينئذ، لأن (ما) مصدرية ولا يليها حرف جر.
وبعضهم5 قدّرها زائدة، فجوز الجر 6.
وهو شاذ7، لأنه لم يعهد زيادة (ما) قبل حروف الجر8، وإنما عهدت الزيادة9 بعدها.
وموضع (ما) وصلتها نصب بلا خلاف.
وإن اختلفت، 41/أهل هو على الحال 1، أو على الظرفية على حذف مضاف2 فتقدير3 (قاموا ماعدا زيدا) أي مجاوزين زيدا، أو وقت4 مجاوزتهم زيدا.
ص: أو ب (إلا) بعد كلام تام موجب، أو غير موجب وتقدَّم المستثنى نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ 5 و (مالي إلا آل أحمدَ شيعَةٌ) .
ش: للمستثنى بإلا أحوال، لأنه6 تارة يكون الكلام تاما وتارة غير تام وإذا كان تاما فتارة يكون واجب النصب، وتارة يكون راجحه، وتارة يكون مرجوحه.
وسنبين هذا كله إن شاء الله تعالى.
وقدم المصنف ذكر ما يجب نصبه.
فقوله: (أو بإلا) معطوف على قوله في الكلام السابق: (بليس) أي يجب نصب المستثنى بعد (ليس) وما ذكر معها مطلقا، وبعد (إلا) في حالتين7:
الحالة الأولى أن يكون بعد كلام تام موجب.
والكلام التام1 هو الذي اشتمل على ذكر المستثنى منه.
والموجب هو الذي لم يسبق بنفي أو شبهه، وهو النهي2 والاستفهام.
ومثل له3 بقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ 4 ونحوه (قام القوم إلا زيدا) .
الحالة الثانية أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، وهذا5 على قسمين: القسم الأول أن يكون الكلام موجبا، نحو (قام إلا زيدا القوم) فهذا واجب النصب6 باتفاق.
والقسم الثاني أن يكون الكلام غير موجب، نحو (ما قام إلا زيدا القوم) . ومنه ما مثل به المصنف، وهو قول كُميت بن زيد الأسدي7 يمدح بني هاشم وأهل البيت:
65- ومالي إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ومالي إلا مذهبَ الحقِّ مذهبُ1
فإن تقديم المستثنى وقع في كل من شطريه2.
وهذا واجب النصب أيضا3.
إلا أن بعضهم4 جوّز فيه تفريغ العامل له5، وجعل المستثنى منه بدلا6.
قال سيبويه7: "حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم8 يقولون:
(مالي إلا أبوك ناصرٌ) فيجعلون ناصراً1 بدلا" انتهى.
وهو قليل، ولذلك لم يذكره الشيخ.
تنبيهان:
الأول: اقتصاره، في غير الموجب حيث تقدّم المستثنى الذي هو محل 41/ب الخلاف، على وجوب النصب، يفهم منه الوجوب في الموجب، والحالة هذه من باب الأولى.
ويجوز أن يكون معنى الكلام: يجب نصب المستثنى ب (إلا) بعد كلام تام موجب، سواء تقدم المستثنى، والبعدية حينئذ تقديرية2 أو لم يتقدم، والبعدية حينئذ حقيقية (أو غير موجب) إذا تقدم المستثنى.
ولو حذف قوله: (أو غير موجب) وقال: (أو تقدم المستثنى) لوفَّى بما ذكر مع الاختصار.
التنبيه الثاني 3: إنما وجب نصب المستثنى من الموجب التام لأن التفريغ لا يجوز فيه، والإبدال لا يجوز لأن المبدل منه في حكم الساقط فيؤدي إلى التفريغ في الإثبات4 فلم يبق إلا النصب.
واختلف في الناصب للمستثنى.
فقيل: هو (إلا) وهو مذهب المبرد1 والزجاج2، واختاره بعض المتأخرين3 واستدل له بما يطول ذكره.
وبه يُشعر قول المصنف في الاستثناء المفرغ: (فلا أثر لإلاّ) .
وقال الكسائي4: هو منصوب ب (أن) مقدرة، محذوفة الخبر4.
وقال البصريون العامل فيه5 الفعل المتقدم أو معنى الفعل بتوسط (إلا) .
وقيل1: هو منصوب بأستثنى مضمرا.
ص: وغير الموجب إن ترك فيه المستثنى منه فلا أثر فيه2 ل (إلا) ويسمى مفرغا، نحو ما قام إلا زيد.
ش: لما فرغ من ذكر حكم الاستثناء3 من الكلام التام الموجب أخذ يتكلم على الاستثناء المفرغ، وهو مقابله من الوجهين، أعني أن اللفظ السابق عليه غير تام وغير موجب.
وسمّي مفرغا لأن ما قبل إلاَّ تفرَّغ4 للعمل فيما بعدها، كما سنبين.
وغير التام هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه.
وغير الموجب كما تقدم أن يتقدمه نفي أو نهي أو استفهام.
تقول في النفي: (ما قام إلا زيد) ، فترفع (زيد) ب (قام) و (ما رأيت إلا زيدا) فتنصبه ب (رأيت) و (ما مررت إلا بزيد) فتجره بالباء وصار الحكم معها كالحكم5 بدونها.
ومثال النهي ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاّ الْحَقّ﴾ 6. ومثال الاستفهام {فَهَلْ 42/ب
يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} 1.
ص: وإن ذكر، وكان الاستثناء متصلا فإتباعه للمستثنى منه أرجح نحو ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ 2. أو منقطعا فتَمِيم تجيز إتباعه إن صح التفريغ.
ش: ذكر في هذا الكلام ما كان نصبه مرجوحا، وما كان نصبه راجحا من المستثنى بإلاَّ.
فأما الأول فهو المستثنى من كلام تام، وإليه أشار بقوله: (وإن ذكر) أي المستثنى منه، بشرط أن يكون غير موجب. وهذا معلوم من كونه جعله قسما من غير الموجب. وأن يكون الاستثناء متصلا، كما صرح به، أي المستثنى من جنس المستثنى منه.
والأرجح إتباعه للمستثنى منه بدل بعض عند البصريين3.
وعطف نسق4 عند الكوفيين5.
ونصبه على الاستثناء مرجوح، مع أنه عربي جيد1.
مثاله قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ 2 قريء بالرفع3 على الإبدال، وبالنصب4 على الاستثناء.
وأما الثاني، وهو ما كان النصب فيه راجحا فهو المستثنى من5 كلام تام غير موجب إذا كان منقطعا، أي المستثنى من غير جنس المستثنى منه، وصح فيه التفريغ.
ومعنى صحة التفريغ أن يمكن تسلّط العامل السابق (إلا) 6 على المستثنى7.
نحو قوله:
66- وبلدَةٍ ليسَ بها أنِيسُ ... إلاّ اليَعافِيرُ وإلاّ العِيسُ8
فإن المستثنى منه، وهو (أنيس) يصح إسقاطه وتسليط عامله وهو (ليس) على ما بعد (إلا) وهو (اليعافير) .
والنصب فيه راجح عند تميم، وواجب عند الحجازيين1.
فإن فقد الشرط الأخير، وهو صحة التفريغ نحو (ما زادَ هذا المالَ إلاّ ما نَقَصَ) 2 إذ لا يصح أن يقال3: (زاد النقصُ) تعيّن النصبُ إجماعاً4.
ص: والمستثنى بغير وسوى مخفوض، وبخلا وعدا وحاشا مخفوض