شرح شذور الذهب للجوجريصفحات 371-400

باب المرفوعات

صفحات 371-400
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وظاهر كلام المصنف في الشرح1 تقييد جواز حذفها مع اسمها ب (إن) و (لو) فإنه قال: " وشرطه أن يتقدمها إنْ ولو".
وقد عرفت2 أنه لا يمتنع حذفهما بعد غير3 (إنْ) و (لو) لكنه قليل.
تتمَّة4: تحذف (كان) مع خبرها ويبقى اسمها، وهو ضعيف، كما تقدم.
وتحذف مع اسمها وخبرها، وذلك بعد (إما) 5 في قوله: (افعل هذا إمّا لا) 6 أي إن كنت لا تفعل غيره، ف (ما) عوض من (كان) و (لا) هي النافية للخبر المحذوف.
ص: وحذف نون مضارعها المجزوم إلا قبل ساكن أو ضمير متصل.
ش: ومن الأمور التي اختصت بها (كان) أن نون مضارعها يجوز حذفها، ولكن بشروط:

أحدها أن يكون المضارع مجزوما، فلا تحذف من المرفوع والمنصوب. ثانيها أن يكون جزمه بالسكون، لا بالحذف، فلا تحذف مما جزم بحذف الآخر1.
ثالثها: ألاّ يتصل آخرها بضمير نصب، فلا تحذف من نحو "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيهِ" 2 رابعها: ألا تتصل بساكن، فلا تحذف من نحو ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ 3. وخالف في هذا الشرط يونس4، متمسكا بنحو قوله:

46- فإن لم تَكُ المِرآةُ أبدت وَسَامةً ... فقد أبدت المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ1 فحذفت مع اتصال2 آخرها بساكن، وحمله الجماعة على الضرورة3.
قال ابن مالك رحمه الله: "وبقوله أقول، لأنه ليس بضرورة، إذ كان يمكنه أن يقول: فإن تكن4 المرآة أخفت وسامة"5.
قلت: وفيه نظر، لأن المرآة لا تتصف بإخفاء شيء، فلا يصح أن يراد هذا.
والله أعلم.
تنبيهان: الأول: لا فرق في هذا الحكم بين (كان) 6 الناقصة والتامة، ومن الحذف في التامة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ 7.

الثاني: أطلق المصنف في المتن والشرح1 الجزم، ولم يقيده بالسكون ولابد منه، لكنه ترك القيد لأن الجزم بالسكون هو الأصل، فهو المتبادر عند الإطلاق.
ص: السادس اسم أفعال المقاربة، وهي كاد وكَرَب وأوشك لدنو الخبر، وعسى واخلولق وحَرَى، لترجّيه، وطفِق وعَلَق وأنشأ وأخذ وجعل وهَبْ وهَلْهَلَ2 للشروع فيه.
ش: الباب السادس من المرفوعات اسم هذه الأفعال.
وتسميتها أفعال المقاربة مجاز من باب تسمية الشيء باسم جزئه3 تغليبا كتسميتهم الكلام كلمة، وذلك لأنها ثلاثة أقسام: قسم يدل على قرب الخبر، وهي الثلاتة الأول4، وقسم يدل على ترجّي الخبر5 وهي الثلاثة التي تليه6، وقسم يدل على الشروع فيه، وهو7 بقية الأفعال المذكورة، وكلها مشتركة في رفع الاسم ونصب

الخبر، ك (كان) . وإنما جُعِل لها باب على انفرادها لِمَا اشْتُرط في خبرها زيادة على خبر (كان) كما سيأتي بيانه في المنصوبات إن شاء الله تعالى.
ص: السابع اسم ما حمل على (ليس) وهي أربعة (لات) في لغة الجميع ولا تعمل إلا في الحين بكثرة، أو الساعة أو الأوان بقلة، ولا يجمع بين جزأيها والأكثر كون المحذوف اسمها، نحو ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ 1. ش: السابع من المرفوعات اسم هذه الأحرف الأربعة التي حُمِلت على (ليس) فعملت عملها، وإنما حملت عليها لمشابهتها لها في نفي الحال غالبا. فمنها (لات) وأصلها (لا) ثم زيدت التاء لتأنيث اللفظ والمبالغة في معناه2.
قال في التوضيح: "وعملها إجماع من العرب"3.
وهو معنى قوله هنا: (في لغة الجميع) . ويشترط له شرطان: الأول أن يكون 29/ب معمولاها اسمي زمان، وذكر المصنف

أن1 الأكثر أن يكون ذلك الزمان لفظ الحين، ويقل كونه الساعة والأوان.
وهذا منه كالتوسط في المسألة، فإن سيبويه2 رحمه الله نص على أنها لا تعمل إلا في الحين.
فأخذ بعضهم3 بظاهره، وقصر عملها على لفظ الحين.
وقال بعضهم4: المراد أسماء الزمان مطلقا، وهو ظاهر عبارة ابن مالك في التسهيل5حيث قال: "وتختص بالحين أو مرادفه".
الثاني من الشرطين ألا يجتمع جزآها، أي اسمها وخبرها في الكلام، بل يجب حذف أحدهما.
ويكثر حذف اسمها وإبقاء خبرها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ 6 [بنصب (حين) ] 7 أي ليس الحين حين مناص.

ويقل عكسه، وعليه قُرئ ﴿وَلاتَ حِينُ مَنَاصٍ﴾ برفع حين1.
ص: وما ولا النافيتان في لغة أهل الحجاز، و (إنْ) النافية في لغة أهل العالية، وشرط إعمالهن نفي الخبر وتأخيره، والاّ يليهنّ معموله وليس ظرفاً ولا مجروراً، وتنكير معمولي (لا) ، وألاّ يقترن اسم (ما) بإن الزائدة نحو ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ 2 و (لا وَزَرٌ مما قضى اللهُ وَاقِيا) و (إنْ ذلك نافعَكَ ولاضَارّك) . ش: ذكر في هذا الكلام بقية الأحرف العاملة عمل (ليس) ، وهي ثلاثة (ما) و (لا) النافيتان في لغة الحجازيين3.
و (إنْ) النافية أيضا في لغة أهل العالية4.

ولما اشتركت هذه الثلاثة1 في بعض الشروط واختص بعضها ببعض أخذ يذكر2 الشروط المشتركة أولاً، ثم ذكر الشروط المختصة.
فأما الشروط المشتركة فهي ثلاثة: الأول نفي خبرهن، فلو انتقض النفي بإلا امتنع إعمالهن3، نحو ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ 4 ولا5 رجلٌ إلا قائمٌ، وإنْ ذلك إلاّ نَافِعٌ لك.
الثاني تأخر أخبارهن عن أسمائهن، كما مثل به، فلو تقدمت أخبارهن امتنع العمل.
الشرط الثالث ألاّ يليهن معمول أخبارهن [بألاَّ يتقدم على أسمائهن وذلك لضعفهنّ في العمل، فلا يُتصرف في معمول أخبارهنّ] 6 بالتقديم.
اللهم إلا أن يكون معمول أخبارهن ظرفا أو مجرورا، فإنه يجوز أن يَلِيهِنّ، ويتقدم على أسمائهنّ، لأنهم توسعوا في الظروف والمجرورات ما لم يتوسعوا في غيرها7.

وأما المختص من الشروط فمنه أنه يشترط1 في (لا) خاصة أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، فلا تعمل في معرفة، فلا يقال: (لا زيد قائما) إلا قليلا كقوله: 47-.... .... لا الدارُ داراً ... ولا الجيرانُ جيرانًا2 ويشترط في (ما) خاصة ألا يقترن اسمها بإنْ الزائدة.
فإن اقترن بها امتنع عملها، نحو قول الشاعر: 48- بني غدانة مَا إنْ أنتم ذهبٌ ... ولا صريفٌ ولكن أنتم الخزفُ3 وقد روي (ذهبا) بالنصب4، وأُوِّلَ على أنّ (إنْ) نافية مؤكدة ل (ما) لا زائدة5.

وقوله: (نحو) إلى آخره ذكر ثلاثة أمثلة للثلاثة الأحرف مستجمعة للشرائط مثالا ل (ما) وهو1 قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ 2 ف (هذا) اسمها و (بشرا) خبرها ومثله ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 3. ومثالا ل (لا) وهو قول الشاعر: 49- ... .................. ... ولا وَزَرٌ مما قضى اللهُ واقِيا4 ومثله الشطر السابق عليه، وهو قوله: 49- تعزَّ فلاَ شيءٌ على الأرض باقيا ... .................................... ف (شيء) و (وَزَر) اسمان و (باقيا) و (واقيا) خبران.
ومثالا ل (إن) وهو قوله: (إنْ ذلك نافِعَكَ) 5 ومثله القراءة الشاذة6

﴿إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالُكُمْ﴾ 1. ف (ذلك) و (الذين) اسمان، و (نافعك) و (عبادا) خبران2.
ص: الثامن خبر (إنّ) وأخواتها (أَنَّ) و (لكنَّ) و (كَأَنَّ) و (ليتَ) و (لعلَّ) نحو ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ 3. ش: الباب الثامن من المرفوعات خبر هذه الأحرف الستة التي تدخل على المبتدأ، فتنصبه ويسمى اسمها4، وعلى الخبر فترفعه، ويسمَّى خبرها5، وهذا طريقة البصريين6 من أنها عاملة في الجزأين.
وطريقة الكوفيين7 30/أأنها ليست عاملة في الخبر، أي بل هو باق على رفعه، وقد تقدم نظير ذلك في (كان) وأخواتها8.

فالأول (إنَّ) بالكسر والتشديد، والثاني أَنَّ1 بالفتح والتشديد.
ومعناهما التوكيد للنسبة ونفي الشك والإنكار عنها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ 2، وكقولك: إنّ زيدًا3 قائم.
فإن قولك: زيد قائم بدونها4 يتطرق إلى النسبة في مثله شك وإنكار من السامع، فإذا جئت ب (إنَّ) أو (أنَّ) فقد أكدت تلك النسبة وصيرتها5، بحيث لا يليق معها شك أو إنكار لها6.
والثالث (لكنّ) 7 وهو للاستدراك، نحو زيد شجاع لكنه بخيل، وللتوكيد نحو لو جاءني لأكرمته لكنه لم يجئ.
والرابع (كأنّ) ومعناه التشبيه المؤكد8، لتركيبه من الكاف المفيدة للتشبيه و (أَنَّ) المفيدة للتوكيد9.
والخامس (ليت) ومعناه التمني10، وهو طلب ما لا طمع فيه،

كقولك: ليت الشبابَ يعودُ، أو ما فيه بعد، كقول مَنْ لا يرجو مالا 1: ليت لي مالا فأحج منه. والسادس (لعل) ومعناه التوقع، ولا يكون إلا في الممكن، وهو الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه2.
ص: ولا يجوز تقديمه مطلقا، ولا توسطه إلا إن كان ظرفا أو مجرورا نحو ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ 3 ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً﴾ 4. ش: هاتان مسألتان مختصتان5 بخبر هذه الأحرف. المسألة الأولى: أنه لا يجوز تقديم خبرها عليها مطلقا، أي سواء كان ظرفا أو مجرورا أو غيرهما، فلا يقال: قائم إن زيدا ولا في الدار إن زيدا. وسبب ذلك ضعف هذه الأحرف عن تقديم معموليها، وإن كانت عاملة عمل الأفعال، أي رافعة وناصبة، لكونها لم تَقْو قوتها6.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز توسط خبرها بينها وبين اسمها، لضعفها أيضا، إلا أن يكون الخبر ظرفا أو مجرورا فيجوز، لأجل التوسع في الظروف

والمجرورات كما تقدم، فلا يقال: إنّ قائمٌ زيدًا، ويجوز إنّ في الدار زيدًا وإنّ عندك عمرًا1 ومثله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ 2 و ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً﴾ 3. وقد يجب ذلك4 لعارض، نحو إنّ في الدار صاحبَها، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة 5. ص: وتكسر (إن) في الابتداء وفي أول الصلة والصفة والجملة الحالية والمضاف إليها ما يختص بالجمل، والمحكية بالقول وجواب القَسَم والمخبر بها عن اسم عين، وقيل اللام المعلقة.
ش: ذكر في هذا الكلام المواضع التي يجب كسر همزة (إنّ) 6 فيها وضابط ذلك أنه لا يجوز6 أن يسد المصدر مسدّها ومسدّ معموليها وذكر المصنف من صور هذا الضابط تسعة 7: الأولى: أن تقع (إن) في الابتداء، إما حقيقية، نحو {إنّا

أَنْزَلْنَاهُ} 1 أو حكمها، نحو ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ 2: الثانية: أن تقع في ابتداء الصلة، نحو جاء الذي إنه فاضل، لأن الصلة لا تكون إلا جملة.
بخلاف الواقعة في أثناء الصلة، نحو [جاء3] الذي عندي أنه فاضل؛ لأنها هي ومعمولاها حينئذ في تأويل المصدر، أي عندي فضله.
الثالثة: أن تقع في ابتداء الصفة، نحو جاءني رجلٌ إنه فاضلٌ 4 بخلاف الواقعة في أثناء جملة الصفة، نحو جاء رجل عندي أنه فاضل.
الرابعة: أن تقع في أول الجملة الحالية، سواء اقترنت بالواو، كجاء زيد وإنه راكب، أو لم تقترن بها، نحو ﴿إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام﴾ 5. بخلاف الواقعة في أثنائها، كجاء زيد وعندي أنه ماش 6.

الخامسة: أن تقع في أول الجملة المضاف إليها ما يختص بالجُمل، ك (إذْ) و (حيثُ) نحو جلست إذْ إن زيدًا جالس. فإن وقعت في أثناء هذه الجملة فُتِحت، نحو جلست حيث 30/ب اعتقادي أنك جالس1.
وقوله: والصفة والمضاف إليها وما بينهما مجرورات بالعطف على الصلة فيستفاد تقييد كسر (إن) لوقوعها في أول كل 2 منها.
السادسة: أن تقع محكية بالقول3، نحو ﴿وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُم﴾ 4. فإن ذُكرتْ بعد القول للتعليل فُتحت، لأنها حينئذ غير محكية، نحو (أَخصُّك بالقول أنك وَليٌّ) أي لأنك.
وعن هذه احترز بقوله: (والمحكية) . السابعة: أن تقع جوابا لقَسَم، سواء كان مع اللام، نحو ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ 5: أو بدون اللام نحو ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ 6. فإن قيل: أطلق المصنف وجوب الكسر في جواب القسم، وقد ذكر في

توضيح الألفية1 أنه يجوز الوجهان بعد فعل القسم، حيث لا لام، نحو قوله: 50- أو تحلفي بربِّكِ العَلِيِّ ... أنِّي أَبُو ذَيَّا لِكِ الصَّبِيِّ 2 وهو ينافيه.
فالجواب لا منافاة لأن من فتح3 جعلها مجرورة ب (على) أي على أني4 فإطلاقه صحيح. الثامنة: أن تقع خبرا عن اسم عين، نحو زيد إنه فاضل5.
بخلاف اسم المعنى، لأن الواقعة خبرا عنه فيها تفصيل ستعلمه 6، إن شاء الله تعالى7.
التاسعة: أن تقع قبل لام معلّقة للفعل 8، نحو {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ

وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 1. ص: وتكسر أو تفتح بعد (إذا) الفجائية والفاء الجزائية، وفي نحو أول قولي إني أحمد الله.
ش: ذكر أن (إن) يجوز فيها الوجهان أي الكسر والفتح في ثلاث مسائل.
وضابطها أن يصح اعتبار أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها واعتبار عدمه، كما أن ضابط وجوب الفتح أن يتعين اعتبار مسد المصدر مسدها ومسد معموليها كما سيتبين لك 2. المسألة الأولى: أن تقع بعد (إذا) الفجائية، كقولك: (خرجت فإذا إنَّ زيدًا واقف) فيجوز فتح (إن) وكسرها.
فالفتح على التأويل بمصدر مرفوع بالابتداء والخبر محذوف، أي فإذا وقوفه حاصل، والكسر على عدم التأويل، أي فإذا هو واقف.
قال ابن مالك 3: والكسر أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير 4. المسألة الثانية: أن تقع فاء الجزاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 5

بعد قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ . وقد قرىء بالوجهين1 فالكسر2 على جعل ما بعد الفاء جملة تامة.
والفتح على التقدير بمصدر هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فجزاؤه الغفران والرحمة، أو مبتدأ خبره محذوف أي فالغفران والرحمة جزاؤه.
قال ابن أم قاسم: (والكسر أحسن في القياس) 3. المسألة الثالثة: نحو (قولي: إني أحمد الله) مما وقعت فيه خبرا عن قول ومخبر عنها بقول، وقائل4 القولين واحد.
فيجوز الكسر على معنى أول قولٍ أفتتح به هذا المفتتح بأني 5. فلا يصدق على حَمْد بغير هذا اللفظ.
والفتح على تقدير أول قولي حَمْدُ الله، فيصدق على أي قول تضمن حمداً.
فلو لم تقع خبرا عن قول نحو (عملي6 أني أحمد الله)

فُتحت1 أو لم يخبر عنها بقول، نحو قولي: إني مؤمن، وجب الكسر 2 أو اختلف القائل، نحو قولي إنّ زيدا يحمد الله، كسرت 3 أيضا.
ص: وتفتح في الباقي.
ش: لما ذكر مواضع الكسر ومواضع جواز الوجهين ذكر أنّ [أنّ] 4 تُفتح في الباقي أي وجوبا، كما اقتضاه كلام المتن، وصرح به في الشرح5.
يعني أنه يتعين فتح (أنَّ) فيما عدا ما ذكره من مواضع وجوب الكسر ومواضع جواز الوجهين.
وهذا يشكل بذكرهم6 جواز الوجهين في مواضع أخر 7 غير هذه الثلاثة التي ذكرها المصنف، كأن تقع في موضع التعليل، نحو قوله تعالى: 31/أ ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ 8 فالكسر على أنه تعليل

مستأنف، والفتح على تقدير لام العلة، أي لأنه.
وكالواقعة بعد (حتّى) أو بعد أمّا1 أو بعد (لا جرم) 2 أو بعد فعل3 قَسَم لا لام بعده4 أو بعد واو مسبوقة بمفرد صَلُح5 للعطف عليه، نحو ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ 6. قال بعضهم7، بعد أن حكى ما في8 شرح الشذور9 من10 الاقتصار على الثلاثة المواضع11 المذكورة، وما في التوضيح12 من كون

مواضع الوجهين تسعة: " والظاهر أن المذكور في شرح الشذور هو الوجه، لأن حكم هذه المسائل الثلاثة1 غير معلوم2 من وجوب الكسر ولا من وجوب الفتح3 وما ذكر فيه جواز الوجهين غير هذه الثلاثة فحكمه معلوم إما4 من وجوب الكسر وإما من وجوب الفتح"5 انتهى.
وفيه نظر، لأن كل واحد من المواضع التسعة التي ذكر فيها جواز الوجهين لا يخرج بوجه الكسر فيه عن المذكور في مواضع الكسر كما أنه لا يخرج بوجه الفتح فيه عن المذكور في مواضع6 الفتح، فتأمّل.
إذا علمت ذلك فمما يتعين فتح (أَنَّ) فيه أن تقع فاعلة أو مفعولة أو نائبة عن الفاعل أو خبرا عن اسم معنى7 أو مبتدأة أو مجرورة بالحرف أو الإضافة أو بدلا أو معطوفة.
لتعين مسد المصدر مسدها ومسد معموليها، في8

هذه المواضع. ولا يجوز الكسر في شيء منها لما علمت1.
الأمثلة ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ 2 ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ 3 ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ 4، (اعتقادي أنه فاضل) 5 ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ 6 ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ 7 ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ 8 ﴿وَإِذْ

يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} 1 ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ 2. ص: التاسع خبر (لا) التي لنفي الجنس، نحو لا رجلَ أفضلُ من زيد، ويجب تنكيره كالاسم، وتأخيره، ولوظرفا، ويكثر حذفه إن عُلم، وتميم لا تذكره حينئذ.
ش: التاسع من المرفوعات خبر (لا) التي لنفي الجنس، لأنه تقدم3 أنها تعمل عمل (إن) إذا كانت نافية للجنس4 على سبيل التنصيص.
فإذا كانت غير نافية5 فلا عمل لها.
وإذا كانت نافية للوحدة أو للجنس لا على سبيل التنصيص عملت عمل (ليس) . مثال المستجمعة6 للشرائط (لا رجلَ أفضلُ من زيد) .

وقوله: (ويجب تنكيره) إلى آخره ذكر فيه ثلاثة أحكام1 تتعلق بخبر (لا) 2. الحكم الأول: أنه يجب تنكيره كما يجب تنكير اسمها لما قدَّمنا من أنها لا تعمل إلا في النكرات مطلقا.
الحكم الثاني: أنه يجب تأخيره عن الاسم، لضعفها في العمل فضعفت3 عن تقدم أخبارها.
وإنما قلنا: إنها ضعيفة في العمل لأنها حرف مشترك، أي يدخل على الأسماء وعلى الأفعال، والقاعدة أن الحروف التي ليست مختصة لا تعمل.
لكنها عملت على غير القياس الرفعَ تارة4 والنصبَ أخرى5، كما تقدم.
فلا يجوز أن يتقدم خبرها على اسمها، ولو كان خبرها ظرفا أو مجرورا.
الحكم الثالث: أنه يكثر حذفه6 إن عُلم، لأنه حَذْفٌ لدليل.
بخلاف7 ما إذا جُهل، فإنه يجب ذكره عند جميع العرب8، لأنه

حذف لغير دليل.
وسواء في ذلك الظرف وغيره على الصحيح1، خلافا لمن فصّل2.
ومثال الحذف قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ 3. وما ذكر من جواز ذكره إن عُلِم هو مذهب الحجازيين4.
ومذهب التميميين والطائيين5 وجوب حذفه حينئذ6، استغناء عن ذكره بالعلم به7.
وهذا معنى قوله: (وتميم لا تذكره) . ص: العاشر المضارع إذا تجرد عن ناصب وجازم.
ش: العاشر من المرفوعات الفعل المضارع المجرد من الناصب

والجازم، الآتي بيانهما. وقد اختلف 31/ب في رافعه1.
فذهب البصريون2 إلى أنه حلوله محل الاسم.
وذهب الكوفيون3 إلى أنه تجرده من الناصب والجازم.
وذهب ثعلب4 إلى أنه مضارعته للاسم.
وذهب الكسائي5 إلى أنه حرف المضارعة.
ورجح ابن مالك رحمه الله تعالى مذهب الكوفيين6، قال7: (لسلامته مما يرد على مذهب البصريين من النقض، وبيانه إما أن8 يريدوا بمحل الاسم محلا هو للاسم9 بالأصالة، وإن مَنَعَ الاستعمال منه أو10

يريدوا محلا هو للاسم1 مطلقا.
فإن أرادوا الأول انتقض ب (لو) وأدوات التحضيض، فإنه يرتفع بعدها مع أنه ليس للاسم بالأصالة.
وإن أرادوا الثاني انتقض ب (إنْ) الشرطية، فإنه لا يرفع بعدها، مع أن الاسم يقع بعدها في الجملة، نحو ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 2 انتهى3.
فإن قال قائل4: إن ما ذكره الكوفيون باطل أيضا، لأن التجرد أمر عَدَمي والرفع وجودي، والعَدَمي لا يُعَلَّل به الوجودي.
أجيب5 بأنا لا نُسَلَّم ذلك، بل يجوز تعليل الأمور الوضعية بالأعدام.
سلّمنا6 أنه لا يجوز، فلا نسلم أن التجرد من الناصب والجازم عَدَمي، لأنه عبارة عن استعمال المضارع على أوّل أحواله، مخلصا عن لفظ يقتضي تغييره،

واستعمال الشيء والمجيء به على صفة ما ليس عدميا1.
وقد يكون الفعل المضارع مجزوما بجازم مقدر، فيُظن أنه مجزوم مع تجرده، كقوله: 51- محمدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِن شَيءٍ تَبَالاَ2 أي لتفد3.
وقد تحذف الضمة4 لضرورة الشعر، فيسكّن5 ويصير على صورة

المجزوم المجرد، كقول امرىء القيس: 52- فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثمًا من الله ولا وَاغِل1 والله أعلم 2.

المجلد الثاني

جارٍ التحميل