باب الكلام وما يتألف منه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجوجري
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
- المحقق
- نواف بن جزاء الحارثي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
- الكتاب
- رسالة ماجستير للمحقق)
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
حركة أو حرفا أو سكونا، أو حذفا أخذ يبين الأصل من ذلك وغير الأصل.
فذكر أن الأصل في الرفع أن يكون بالضمة، وفي النصب كونه بالفتحة، وفي الجر أن يكون بالكسرة، وفي الجزم كونه بالسكون1.
فإن جاء واحد من هذه الأربعة بغير ما ذكر كان على خلاف الأصل.
وتسمى الأبواب التي جاءت على خلاف الأصل أبواب النيابة.
وهي سبعة كما ذكره المصنف، وهي باعتبار كيفية النيابة فيها أربعة أقسام:
قسم نابت فيه حركة عن حركة في بعض الأحوال2، وهو بابان، باب ما لا ينصرف وباب الجمع بألف وتاء.
وقسم ناب3 فيه حرف عن حركة في جميع الأحوال، وهو ثلاثة أبواب باب الأسماء الستة وباب المثنى وباب جمع المذكر السالم.
وهذان القسمان خاصان بالأسماء.
وقسم ناب فيه4 حرف وحذفه عن الحركة والسكون، وهو باب
الأمثلة الخمسة1.
وقسم ناب فيه حذف حرف عن السكون، وهو باب الأفعال المعتلّة.
وهذان القسمان كما ترى خاصان بالأفعال.
ص: أحدها ما لا ينصرف، فإنه يجر بالفتحة، نحو بأفضل منه إلا إن أضيف أو دخلته (أل) نحو بأفضلكم وبالأفضل.
ش: الباب الأول من أبواب النيابة ما لا ينصرف، وهو الفاقد للصرف.
والصرف عند المحققين هو التنوين وحده2، وليس الجر داخلا في مسماه بدليل أن الشاعر متى3 اضطر إلى صرف الممنوع4 نوّنه5، وقيل6: إنه صرفه لضرورة الشعر مع أنه لا جرّ هناك.
وإنما حذف الجر تبعا لحذف التنوين، لأنه لو بقي مجرورا بعد حذف
التنوين لالتبس بالمبني1، ك (نزال) 2.
وحكمه أنه يُجرّ بالفتحة نحو مررت بأفضل منه، حملا للجر على النصب دون غيره؛ لأن الفتحة إلى الكسرة أقرب منها إلى الضمة، فحُملَتْ على الأقرب.
يوضح ذلك ما قدمناه من أن الحركات أبعاض حروف العلة 7/أوالياء إلى الألف أقرب منها إلى الواو.
وإنما يُمنَع الاسم الصرف إذا وجد فيه علتان فرعيتان من علل تسع أو واحدة منها تقوم مقامهما، كما سيأتي بيانه آخر الكتاب3 إن شاء الله تعالى.
ويستثنى4 من جره بالفتحة مسألتان:
الأولى: أن يضاف، نحو مررت بأفضلكم.
الثانية: أن تدخله (أل) نحو مررت بالأفضل.
تنبيهان:
الأول: استثناء الشيخ لهاتين المسألتين من جر ما لا ينصرف بالفتحة يفهم منه أنه باق على منع صرفه، وهو أحد الأقوال5.
والثاني: أنهما مصروفان1، بناء على أن الصرف هو الجر [بالكسرة2] ، وهو3 ضعيف.
والثالث: وهو التحقيق أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضافة أو (أل) فمنصرف4 نحو مررت بأحمدكم، وإلا فغير منصرف5، نحو مررت بأحسنكم6.
وهذا والمذهب الأول يَدُلاَّنِك على أن الصرف هو التنوين. والله أعلم.
التنبيه الثاني: شمل إطلاقه (أل) المُعَرِّفة، نحو مررت بالأحسن7.
والموصولة نحو:
4- وما أنت باليقظان ناظره إذا ... نسيت بما تهواه ذكر العواقب8
والزائدة نحو: 5- رأيتُ الوليد بن اليزيد مباركا1 ... ................................. وزاد في التسهيل2 بدل (أل) وهي الألف والميم، كقوله: 6-.................................. ... تَبيتُ بِليلِ امْأرْمَدِ اعتاد أوْ لَقَا3
ص: الثاني ما جمع بألف وتاء مزيذتين، ك (هندات) فإنه ينصب بالكسرة، نحو ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ﴾ 1، ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ 2 بخلاف ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ 3، ورأيت قضاةً، وأُلْحِق به (أولات) .
ش: الباب الثاني من أبواب النيابة باب المجموع بألف وتاء مزيدتين.
وسنذكر في باب جمع المذكر السالم4 حد جمع التصحيح الشامل له ولهذا، إن شاء الله تعالى5.
وهذه العبارة1 أحسن من عبارة من قال2: جمع المؤنث السالم لأنها تخرج ما مفرده مذكر، كحمّامٍ وحمّامات3.
والمعنى أن الألف والتاء زيدتا في الاسم المفرد ليدل كلاهما على الجمع والتأنيث4 معا، وليست الألف بانفرادها دالة على الجمع5 والتاء دالة على التأنيث.
بدليل أنك لو أسقطت الألف لم تدل التاء على تأنيث الجمع، و6 لو أسقطت التاء لم تدل الألف على الجمع، فإذًا كلا الحرفين دالُّ على كلا المعنيين.
وهذا الجمع ينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
وأما رفعه وجره فعلى الأصل، ولهذا اقتصر المصنف رحمه الله على قوله: (فإنه ينصب بالكسرة) كما أنه اقتصر في7 الباب السابق8
على قوله: (فإنه يجر بالفتح) ، لمّا كان رفعه ونصبه على الأصل، لأنه يتكلم في النيابة.
وإنما حملوا نصبه على جره قياسا على جمع المذكر السالم، فإنه حمل نصبه على جره1.
وقيل: لأنه لو أعرب جمع المؤنث بالحركات الثلاث لكان الفرع وهو جمع المؤنث أوسع مجالا من الأصل وهو الجمع المذكر2.
7/ب ولقائل أن يقول: هذه العلة ضعيفة من حيث إنها لا تفيد أنهم لِم لَم يعكسوا؟ 3 ومنقوضة لأنهم جعلوا الجمع المؤنث أوسع مجالا، لأنهم4 جمعوا به العاقل ك (هند) و (هندات) وغيره ك (شجرة) و (شجرات) بخلاف الجمع المذكر فإنهم خصّوه بالعاقل5.
فإن كانت التاء أصلية، كأموات جمع ميّت، نصب بالفتحة، وكذلك إذا كانت الألف أصلية، كقضاة، فإن أصله (قضَيَة) 6 تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً﴾ 1 وقولك: رأيت قضاةً.
وألحق بهذا الجمع في النصب بالكسرة (أولاتُ) فإنه اسم جمع لا جمع، إذْ لا واحد له2.
تنبيهان:
أحدهما أنه مثل بمثالين لينبه على أن ما يجمع هذا الجمع بعضه مقيس وبعضه مسموع.
فالمقيس (ثُبات) في جمع (ثُبة) يعني جماعة.
والمسموع (سماوات) في جمع (سماء) فإنها ليست مما يجمع هذه الجمع بقياس3 كما اقتضته عبارة التسهيل 4، وصرِّح به في بعض شروحه5.
التنبيه الثاني استفيد من تمثيله أيضا أن المفرد الذي فيه تاء التأنيث إذا
أُريد جمعه بالألف والتاء، فإن تاءه تحذف كما في ثُبَة وثُبات، ومُسلمة ومسلمات وسَجْدَة وسَجَدَات1
ص: الثالث (ذو) بمعنى صاحب، وما أضيف لغير الياء من أبٍ وأخٍ وحمٍ وهنٍ وفمٍ بغير ميم [فإنها] 2 تعرب بالواو والألف، والياء والأفصح في الهن النقص.
ش: لما فرغ مما نابت فيه حركة عن حركة3 أخذ يذكر ما ناب فيه الحرف عن الحركة4، وهو ثلاثة أبواب، كما تقدم 5.
وبدأ بالأسماء الستة لأنه ناب فيها عن كل حركة حرف، بخلاف بابي التثنية والجمع.
والأسماء الستة6 هي (ذو) التي7 بمعنى صاحب وأبُوك وأَخوك وحَمُوك وفُوكَ وهَنُوكَ.
وتعرب8 بالواو رفعا وبالألف نصبا وبالياء جرًّا.
كما يفهم من ترتيب الحروف في الذكر على ترتيب حركات الإعراب فيما سبق1.
وقدّم (ذو) لأنها لا تفارق هذا الإعراب.
وقيدّها بأن تكون بمعنى صاحب احترازاً من (ذو) الطائية التي هي بمعنى الذي، فإنها ملازمة للواو2.
وقد تعرب بالحروف قليلا، كقوله:
7- فإما كرامٌ مُوسِرون لقيتُهُم ... فحَسْبِيَ من ذي عِندَهَمْ ما كفَانِيَا3.
واشترط فيما عداها الإضافة لغير الياء، ولم يشترط ذلك فيها، لأنها ملازمة للإضافة إلى اسم جنس ظاهر4، فلا حاجة به لاشتراطها.
فخرج ما لم يضف منها، نحو هذا أبٌ، فيعرب بحركات ظاهرة.
وما أضيف إلى الياء1، فيعرب بحركات مقدرة2، نحو هذا أبي.
واشترط في الفم أن يكون بغير ميم، نحو هذا فوك، ليخرج ما كان بها، فإنه يعرب بالحركات الظاهرة مع التضعيف3، ودونه منقوصا4، نحو فمٌّ وفمٌ، وبالحركات المقدرة مقصوراً 8/أنحو (فَمَا) كَعَصًا.
ولك تثليث فائه5 قصرا ونقصا وإتباعا لميمه6.
فهذه عشر لغات7 أفصحها فتح فائه منقوصا8.
ثم ذكر في الهن لغة أخرى9 هي أفصحهما، وهي أن يستعمل منقوصا10
ويعرب بالحركات نحو هذا هنُكَ.
قال في الصحاح1: "وهي كلمة كناية، ومعناها شيء، تقول: هذا هنُك، أي2 شَيْؤُك3". انتهى.
وقال بعضهم4: وكثرت الكناية به عن الفرج.
تنبيهان:
الأول: يشترط أيضا في إعراب هذه5 الأسماء بالحروف أن تكون مفردة، لا مثناة ولا مجموعة، وأن تكون مكبّرة، لا مصغّرة6.
فإن ثنيت أو جمعت أعربت كما يعرب المثنى والمجموع وإن صغرت أعربت بالحركات.
نحو هذا أُبَيُّك.
واستغنى المصنف عن التصريح بهذين الشرطين بنطقه بها مفردة مكبّرة.
الثاني 1 ما ذكره من أن2 إعرابها بالحروف هو المشهور عندهم3، وعن سيبويه4 أنها ليست معربة بالحروف، بل بحركات مقدّرة على الحروف كإعراب المقصور.
لكن أتبع فيها حركات ما قبل حروف الإعراب لحركات الإعراب، ثم حذفت الضمة للاستثقال فبقيت الواو ساكنة5، وحذفت الكسرة للاستثقال فانقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها،
وقلبت الواو المفتوحة1 ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
قال بعضهم2: هذا هو الصحيح، لأنه يلزم على الأول3 أن يكون (فوك) 4 و (ذومال) معربين وهما على5 حرف واحد، إذ الإعراب زائد على الكلمة وهذا لا نظير له6.
ص: الرابع المثنى ك (الزيدان) و (الهندان) فإنه يرفع بالألف ويجر وينصب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها وألحق به (اثنان) و (اثنتان) و (ثنتان) مطلقا، و (كلا) و (كلتا) مضافين لمضمر.
ش: الباب الرابع من أبواب النيابة باب المثنى، وهو الثاني مما ناب فيه الحروف عن 7 الحركات.
وقدمه على الجمع لجريانه في المذكر والمؤنث والعاقل وغير العاقل ولأن التثنية أسبق من الجمع.
والمثنى هو الاسم الدال على اثنين 1 بزيادة في آخره صالحا للتجريد وعطف مثله عليه 2.
ك (الزيدان) لمثنى المذكر و (الهندان) لمثنى المؤنث.
فقوله: (الدال على اثنين) مخرج نحو رَجل ورجال.
وقوله: (بزيادة في آخره) يخرج نحو3 شَفْع4 وكلا وكلتا5.
وقوله: (صالح للتجريد) يخرج به اثنان واثنتان6.
وقوله: (وعطف مثله عليه) يخرج7 نحو العُمَرين والقَمَرين فإنك لا
تعطف فيهما مِثْلاً بل غَيْرًا، فتقول: أبو بكر وعمر والشمس والقمر وهو من باب التغليب1.
وقد اختُصِر في تعريفه فقيل 2 هو ما دل على اثنين وأغنى عن المتعاطفين.
لكنه شامل لنحو العُمرين والقَمَرين وشَفْع و (زَكَا) 3، ولا كذلك الحدّ الأول4.
فليتأمل.
وحكم المثنى أن يرفع بالألف وينصب ويجرّ بالياء.
وجعلت 5 الياء علامة لهما حملا للنصب على الجرّ 6، دون الرفع لاشتراكهما في كون كل منهما فضلة مستغنىً عنه، يستقل الكلام بدونه بخلاف 8/ب الرفع فإنه عمدة الكلام.
وإنما قلنا: إن النصب محمول لأن حق الياء أن تكون للجر، لأن
علامته الأصلية الكسرة وهي بعض الياء، كما قدمنا1.
وإنما حُرّك ما بعد علامة التثنية فراراً من التقاء الساكنين 1.
وكانت الحركة كسرة لأنها الأصلية 2 في الفرار منه.
وإنما فُتح ما قبلها لأن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة 3، والياء محمولة عليها.
ثم إنه أُلحق بالمثنى في إعرابه خمسة ألفاظ، ثلاثة منها بلا شرط وهي (اثْنان) للمذكر و (اثْنَتَان) للمؤنث في لغة أهل الحجاز4 و (ثِنتان) في لغة تميم5 والاثنان الباقيان (كِلا) و (كِلتا) بشرط إضافتهما إلى مضمر.
فإن أُضيفا إلى مظهر6 لزمتهما الألف، وأُعربا بالحركات مقدَّرة7.
وإنما جعلا 8 مع المضمر كالمثنى، ومع الظاهر بالحركات مقدرة 1سبق بيان ذلك في ص 176.
لأن الإضافة إلى الضمير فرع عن الإضافة إلى الظاهر، فجعل الأصل مع الأصل، والفرع مع الفرع 1. تنبيهات: الأول: لم يتعرض الشيخ لتعريف المثنى ولا لشروطه المذكورة في (كلام) غيره، وهي2 الإفراد3 والإعراب4 وعدم التركيب5 والتنكير6 وقبول التثنية، احترازا عما لا ثاني له في الوجود، ك (شمس) و (قمر) إذا روعيت الحقيقة واتفاق اللفظ7 واتفاق المعنى8، وعدم الاستغناء عن تثنيته بتثنية غيره9 وكأنه والله أعلم
اعتمد1 على قوله: (كالزيدان والهندان) فإنهما جامعان للشروط المذكورة، ومثل ذلك كاف في مقام الاختصار.
التنبيه الثاني: ما صرّح به من إعراب المثنى بالحروف هو مذهب طائفة من النحويين2 ونسب إلى الزجاج3 والكوفيين4، وهو المشهور.
ومذهب سيبويه1 وموافقيه2 أن الإعراب مقدّر فيه، فتقدر الضمة في الألف والفتحة والكسرة في الياء.
وفي إعرابه مذاهب أخر3 ليس هذا موضع ذكرها.
التنبيه الثالث: في المثنى لغة أخرى، وهي لزوم الألف في الأحوال الثلاثة4، وهي لغة قبائل كثيرة من العرب5.
قال ابن أم قاسم6: "وهي7 أحسن ما يخرج عليها قراءة {إِنَّ
هَذَان ِلِسَاحِرَانِ} 1.
ص: الخامس جمع المذكر السالم، ك (الزيدون) و (المسلمون) فإنه يرفع بالواو ويجر وينصب بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها وألحق به (أولو) و (عالَمون) و (أرضون) و (سنون) و (عشرون) وبابهما و (أهلون) و (عِلَّيون) ونحوه.
ش: هذا هو الباب الخامس من أبواب النيابة، وهو الباب2 الثالث مما نابت فيه الحروف عن الحركات، وهو جمع المذكر السالم، وأتى به
آخرها لما تقدم.
وهو أحد قسمي جمع 1 التصحيح.
وجمع التصحيح، كما قال في التسهيل 2: جعل الاسم القابل دليل ما فوق اثنين بزيادة في الآخر، مقدّر انفصالها لغير تعويض 3.
فقوله: (الاسم) احتراز عن الفعل والحرف.
وقوله: (القابل) تحرز به عن 9/أغير القابل كالشمس والقمر، إذ لا ثاني لكل منهما في الوجود، وكالمعرفة التي لا يمكن تنكيرها4، وكالأسماء المختلفة الألفاظ، إلا إن وقع تغليب5.
وقوله: (ما فوق اثنين) تحرز به عن المثنى.
وقوله: (بزيادة) إلى آخره يعني بها الواو والنون والياء والنون في المذكر والألف والتاء في المؤنث كما صرّح 6 به بعد.
وهي مقدرة الانفصال من جهة أنها تحذف للنسب، وأن النون
تحذف للإضافة وخرج بذلك نحو (صَفْوان 1) فإن الألف والنون وإن زيدتا فيه فليستا في تقدير الانفصال، إذْ لا يحذفان.
وقوله: (لغير تعويض) مخرج لنحو (سنين) فإنه ليس من هذا الجمع وإن ألحق به في الإعراب.
وإنما خرج لأن الواو والياء والنون، وإن زيدت فيها وهي للتعويض، لأن واحده منقوص 2، فيستحق أن يجبر بالتكسير 3 ليرد إلى الأصل، كما في يد ودمٍ 4 فلمَّا لم يجبر 5 بذلك زيدت فيه 5 تعويضا.
وحكمه أن يرفع بالواو ويجر وينصب بالياء.
وإنما رفع بالواو ورفع المثنى بالألف، لأن المثنى أكثر دوراناً في
الكلام، كما تقدمت الإشارة إليه1، والألف خفيفة والواو ثقيلة، فجعل الخفيف في الكثير والثقيل في القليل، ليكثر ما يستخفونه ويقل ما يستثقلونه.
قاله ابن إياز 2 في شرح الفصول 3.
وضُمَّ ما قبل الواو وكُسِر ما قبل الياء ليكون ذلك دليلا على شدة الامتزاج 4، وليسلما 5 من التغيير والانقلاب.
وحركت نون الجمع فراراً من التقاء الساكنين، وفتحت تخفيفا للفظ، إذ قبلها واو قبلها ضمة، وياء قبلها كسرة، فلو ضُمت أو كسرت لثقل اللفظ جدا 6.
ثم إن ما يجمع هذا الجمع إما أن يكون عَلَماً ك (الزيدون) وإما أن يكون صفة ك (المسلمون) . ولا بد فيهما معا من أن يكونا 7 لمذكر، عاقل، خال من تاء التأنيث 8 وفي العَلَم خاصة أن يكون غير
مركب تركيبا إسناديا ولا مزجيا 1.
وفي الصفة 2 خاصة أن تقبل التاء 3 أو تدل على التفضيل.
4
فلا يجمع ما كان منهما لمؤنث 5، نحو (زينب) و (حائض) . ولا ما كان منهما لما لا يعقل نحو (واشق) و (سابق) 6.
ولا ما فيه تاء التأنيث، نحو (طلحة) و (وعلاّمة) ولا نحو (بَرَقَ نَحْرُه) ولا نحو (معْديكرب) ولا نحو (جريح) و (صبور) و (سكران) و (أحمر) 6.
وقد ألحق بهذا الجمع في الإعراب، وإن لم يكن منه ألفاظٌ.
ذكر الشيخ بعضها وأشار إلى بعضها.
فمما ذكره (أولو) بمعنى أصحاب، وهو اسم جمع 1.، إذ لا واحد له من لفظه. ومنه (عالَمون) وهو أيضا اسم جمع لا جمع عالَم؛ لأن العالَم أعم منه، كما قال الشيخ جمال الدين بن مالك2.
ومنه (أرَضون) بفتح الراء، وهو جمع تكسير لأرْض بسكونها3.
ومنه (سِنُون) وهو جمع تكسير لسنة وبابه، وهو4 كل ثلاثي حذفت لامه وعوِّض عنها هاء التأنيث، ولم يكسَّر5، أي لم يأت على
صيغة من صيغ جموع التكسير.
9/ب وإنما قلنا: إنه جمع تكسير، لأنه لم يسلم فيه بناء الواحد1.
ومنه (عشرون) وبابه، والمراد به سائر العقود إلى آخر التسعين وهي أسماء جموع2، إذ لا واحد لشيء منها من لفظه.
ومنه (أهلون) ومفرده أهل، وليس بعَلم ولا صفة، فهو جمع تصحيح3 لم يستوف الشروط.
ومنه (عِلّيون) وهو اسم لأعلى الجنة4 فإنه في الأصل (فِعِّيل) من العلو، فجُمع جمع من يعقل ثم سمي به.
وقوله: (ونحوه) أشار إلى نحو (عِلِّيّون) من كل ما سمي به نحو (زيدون) 5.
ويجوز أن يريد كل ما تقدم ليدخل نحو (وابلون) وهو في معنى (أهلون) 6 إذ مفرده (وابل) وليس علماً ولا صفة.
تنبيهات:
الأول: تلخص من ذلك أن الملحقات أربعة أنواع؛ أسماء جموع وجموع تكسير وجموع تصحيح لم تستوف الشروط وما سمّي به من ذلك.
الثاني1: ما صرح به من إعراب المجموع بالحروف، كما تقدم في المثنى هو مذهب قطرب2 وجماعة من المتأخرين3، ونُسِبَ إلى الزجاج4 والكوفيين5.
ومذهب سيبويه6 أنه معرب بحركات مقدرة في الواو والياء7.
الثالث1: اكتفى المصنف عن ذكر حدّ2 الجمع وشروطه بما ذكره من المثالين، لأنه أشار إلى العَلَم المستجمع للشروط ب (الزيدون) وإلى الصفة المستجمعة للشرائط ب (المسملون) . ويدخل في الصفة المشار إليها المصغَّر، فإن التصغير وصف في المعنى، فإذا صُغّر نحو رجل وغلام جُمِعَ بالواو والنون، فيقال: رُوَيجِلون3 وغُلَيِّمون.
ص: والسادس يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين، فإنها ترفع ب [ثبوت] 4 النون وتنصب وتجزم بحذفها.
وأما نحو ﴿أتحاجُّونِي﴾ 5 فالمحذوف نون الوقاية.
وأما ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ فالواو أصل، والفعل مبني، بخلاف ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 6.
ش: الباب السادس من أبواب النيابة، وهو مما يختص بالأفعال وقد ناب فيه الحرف وحذفه عن الحركتين والسكون 1.
وهو كل فعل مضارع اتصل به ألف اثنين، سواء كانت اسما نحو الزيدان يفعلان وأنتما تفعلان، أو حرفا نحو يفعلان الزيدان وتفعلان المرأتان في لغة "يتعاقَبُون" 2 أو واو جماعة، سواء كانت اسما نحو الزيدون يفعلون وأنتم تفعلون.
أو حرفا نحو يفعلون الزيدون، أو ياء مخاطبة اسما3 فقط، نحو أنْتِ تفعلين، وكلها ترفع بثبوت النون نيابة عن الضمة4، لأن النون أشبهت
حروف العلة التي الحركات أبعاضها، لأنها تدغم في الياء نحو ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ.﴾ 1 وفي الواو نحو ﴿مِن وَاقٍ﴾ 2 و ﴿مِن وَالٍ﴾ 3.
وتبدل منها4 الألف في الوقف، نحو رأيت زيداً.
وتبدل من النون الخفيفة للتوكيد في الوقف نحو:
8-.................................... ... ....... واللهَ فاعْبُدا5
وجعلت علامة للرفع دون أخويه6 لأنه أسبق منهما 10/أومستغن
عنهما بدليل وجوده دونهما، كما في الفاعل والمبتدأ.
ولا [يكونان] 1 إلا حيث يكون.
ويجزم وينصب بحذفها.
قال ابن إياز: "وحذفها علامة الجزم في الأصل، والنصب في ذلك محمول عليه.
لأن منصوب جمع [المذكر السالم] 2 محمول في الياء على مجروره، فكذلك المنصوب محمول في الحذف على المجزوم، هذا مقتضى القياس "3. انتهى.
مثال المرفوع قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 4.
ومثال المجزوم والمنصوب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ 5.
قوله: وأما نحو ﴿أتُحَاجُّونِي﴾ 6 جواب عن سؤال تقديره أن يقال:
أيُّ النونين المحذوفة من ﴿أتُحَاجُّونِي﴾ 1 أهي نون الرفع؛ فيلزم حذفها من غير ناصب ولا جازم، وهو خلاف ما تقرر، أم نون الوقاية التي التزمت لتقي الفعل من الكسر، فيفوت الغرض الذي جيء بها لأجله؟
وتقرير الجواب أن المحذوف نون الوقاية 2.
قوله: (فيفوت الغرض.) إلى آخره، قلنا: ممنوع إذ هو حاصل بنون الرفع.
فتأمّل.
قوله: وأما3 ﴿إلاّ أن يَعْفُون﴾ 4 دفع لسؤال يتوهم وروده على ما قرره من أنّ نصب هذه الأفعال بحذف النون، فيقول: إن (أنْ) ناصبة، إذ هي المصدرية والفعل الذي دخلت عليه منصوب بها، مع أن نونه ثابتة لم تحذف في النصب.
ووجه الدفع أنّ هذه الواو والنون المتصلتين بهذا الفعل ليستا واو الجماعة ونون الرفع، بل هذه الواو من نفس الفعل، وهي لامه، هذه النون ضمير النسوة، والفعل غير معرب، بل هو مبني لمباشرة نون الإناث له،
ووزنه (يَفْعُلْن) .
بخلاف ﴿وأن تَعْفُوا﴾ خطابا للرجال في ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 1.
فإن الواو ضمير الجماعة، والنون للرفع، ولهذا حذفت للناصب، وأصله (تعفُوُوْن) والواو الأولى لام الفعل، والثانية ضمير الجماعة، فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين بعد حذف حركتها، لاستثقالها بعد ضمة الفاء، فصار وزنه (تَفْعُون) 2. والله أعلم.
تنبيه:
قوله: (وهي يفعلان) إلى آخره يصح فيه اعتبار الألف والواو اسما وحرفا3، كما ذكرنا وتقديمه الجزم على النصب في قوله: (وتجزم وتنصب بحذفها) 4 قد يفهم منه أصالة الجزم، وأن النصب محمول عليه، كما ذكرنا.
والله أعلم.
ص: السابع الفعل المعتل الآخر، ك (يغزو) و (يخشى) و (يرمي)
فإنه يجزم بحذفه، ونحو ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقيَِ وَيَصْبِرْ﴾ 1 مؤوّل.
ش: الباب السابع من أبواب النيابة، وهو خاتمتها، الفعل [المضارع] 2 المعتل الآخر.
وهو ما آخره ألف أو واو أو ياء.
وجزمه بحذف الآخر الذي هو حرف العلة، نحو لم يغْزُ، ولم يخْشَ، ولم يرمِ؛ لأن حروف العلة قد ضعفت وقربت بسكونها من الحركات، فلذلك تسلَّطَ عليها الجازم تسلّطه على الحركات، فحذفها3، كما يحذف الحركات.
وقوله: (ونحو إنه) جواب سؤال يَرِدُ على ما قرره من 10/ب أن جزم المعتل بحذف حرف العلة، بأن يقال: إن ﴿يتَّقي﴾ مجزوم بدليل عطف ﴿يصبِرْ﴾ عليه مع أن حرف العلة 4 ثابت فيه.
أو يقال: إن كان ﴿يتَّقي﴾ مرفوعا بدليل ثبوت الياء في آخره، فكيف عطف عليه ﴿يصبِرْ﴾ بالسكون؟ وإن كان مجزوما بدليل عطف
(يصْبِرْ) عليه فكيف تثبت الياء فيه؟
وتقرير الجواب عن ذلك أن الآية على هذه القراءة مؤوّلة.
وتأويلها إما بأن (يتقي) مجزوم، كما ذكر السائل وهذه الياء تولّدت عن إشباع حركة القاف الباقية بعد حذف يائه للجازم1.
أو أنه عومل معاملة الصحيح في جزمه بحذف الحركة.
وهي لغة لبعض العرب2 حيث يراعي الحركة المقدرة، فيحذفها للجازم، كما يحذف الملفوظة، كما في قول الشاعر:
9- ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبُونَ بني زياد3
وكما في قوله:
10-.................................... ... لم تَهجُو ولم تَدَع1
وإلى هذه اللغة أشار في التسهيل بقوله: "وقد يقدَّر جزم المعتل في السعة"2.
وإما بأن (يتّقي) مرفوع3، وتسكين راء (يصبِرْ) ليس جزما، وإنما هو للفرار من توالي حركات الباء والراء والفاء والهمزة4، أو لإجراء
الوصل مَجرى الوقف1 أو عطفا على المعنى2، لأن (مَنْ) الموصولة في معنى الشرطية لعمومها وإبهامها.
ولذلك تأتي بعدها الفاء.
والله أعلم.
ص: (فصل: تقدر الحركات [كلها] 1 في نحو (غلامي) ونحو (الفتى) ، ويسمى مقصورا، والضمة والكسرة في نحو (القاضي) ويسمى منقوصا، والضمة2 والفتحة في نحو (يخشى) ، والضمة في نحو (يدعو) و (يرمي) .
ش: لما فرغ من أحد نوعي المعرب، وهو ما كان إعرابه ظاهرا، سواء كان بالأصالة أو بالنيابة، وأراد بيان النوع الثاني منه، وهو ما 3 كان إعرابه تقديريا ترجم له بالفصل.
إذا علمت ذلك فنقول: الإعراب بالحركات المقدرة يجري في الأسماء والأفعال.
وهو في كل منهما على قسمين، لأن المقدر إما جميع حركات إعراب ذلك المعرب أو بعضها4.
فأما القسم الأول من الأسماء، وهو ما تقدر فيه حركات إعرابه كلها فهو شيئان؛ الشيء الأول المضاف إلى ياء المتكلم، وهو ما أشار إليه بنحو (غلامي) فإن رفعه ونصبه وجره بحركات مقدرة فيما قبل الياء، منع من ظهورها اشتغاله بكسرة مناسبة الياء.
الشيء الثاني المقصور، وهو ما كان آخره ألفا لازمة قبلها فتحة