باب المجزومات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجوجري
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
- المحقق
- نواف بن جزاء الحارثي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
- الكتاب
- رسالة ماجستير للمحقق)
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
[56/ب] الأفعال المضارعة الداخل عليها جازم وهو ضربان، جازم لفعل، وهو لَمْ ولَمّا ولام الأمر ولا في النهي.
ش: لما أنهى القول في المجرورات تكلم على المجزومات.
وأخرها عن1 المجرورات، لكون المجرورات أعلى رتبة فإنها الأسماء.
والمجزومات هي الأفعال المضارعة بشرطها2، على ما عُرف في أول الكتاب، إذا دخل عليها جازم.
والجازم ضربان، ضرب يجزم فعلا واحدا، وضرب يجزم فعلين.
فأما الجازم لفعل فهو أربعة:
الأول والثاني (لم) و (لَمَّا) ، ويشتركان بعد كونهما أداتي جزم3 من أوجه ويفترقان من أوجه.
فأما أوجه الاشتراك، فمنها الحرفية، فكل واحد منهما حرف.
ومنها النفي، فكل منهما يفيده.
ومنها القلب للمضي، فكل منهما يقلب المضارع للمضي4، بحيث لا يفهم منه الحال والاستقبال.
وأما أوجه الافتراق، فمنها أن المنفي1 بلَم لا يلزم اتصاله بالحال2، بل قد يكون متصلا، نحو ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ 3.
وقد يكون منقطعا، نحو ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورًا﴾ 4 بخلاف (لَمَّا) فإنه يجب اتصال نفيها بالحال.
ومنها أن الفعل5 بعد (لَمَّا) يجوز حذفه اختيارا6، ولا يحذف بعد (لم) إلا ضرورة، كقوله:
121- احفظْ وديعتك التي استُودِعتها ... يومَ الأعازبِ إن وُصلتَ وإنْ لم7
ومنها أن (لمَّا) ، لا تصحب شيئا من أدوات الشرط، وتصحبها (لم)
نحو إنْ لم ولو لم.
ومنها أن (لم) قد يُرفع الفعل بعدها في لغة قوم1، كما صرح به ابن مالك في شرح التسهيل2.
وعليها جاء قوله:
122-........ ... يومَ الصُّلَيفاءِ لم يُوفُونَ بالجارِ3
ولم تُحْك4 هذه اللغة في (لمّا) .
الثالث لام الأمر، نحو قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ 5 ومنه الدعاء6، نحو ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ 7.
الرابع (لا) في النهي نحو ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ 1. ومنه الدعاء، نحو ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا﴾ 2.
تنبيهات:
الأول: قيّد بعضُهم3 (لمّا) فقال: (لَم ولَمّا أختها) واحترز بذلك من (لَمّا) [57/أ] التي بمعنى (إلا) و [مِن لَمّا] 4 التي هي حرف وجود لوجود5.
واستغنى الشيخ عن هذا التقييد لأن التي بمعنى (إلا) يليها ماضي اللفظ مستقبل المعنى6، والتي هي حرف وجود يليها7 ماضي اللفظ والمعنى8، فلا يليها المضارع.
الثاني: قال ابن مالك9: زعم بعض الناس10 أن (لَم) تنصب في
لغة، مستدلا بقراءة بعضهم1: ﴿ألَمْ نشرَح لكَ صدرَك﴾ 2، بفتح (نشرح) 3، وهو عند العلماء محمول على أنه مؤكد بالنون الخفيفة، ففتح لها ما قبلها، ثم حذفت ونُويت.
الثالث: مذهب الجمهور4 أن (لَمّا) مركبة من (لَم) و (ما) . وقيل5: بسيطة.
الرابع: اللام الطلبية محركة بالكسر، وفتحها لغة6.
هذا إن خَلَت عن عاطف قبلها، فإن وَلِيتْ عاطفاً جاز تسكينها بعد الواو والفاء وثمّ، بل تسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها7.
الخامس: منع الجمهور8 حذف لام الأمر، وخصّوه بالشّعر.
وقال ابن مالك1: إن حذف لام الأمر وإبقاء عملها على ثلاثة أضرب كثير مطرد، وذلك بعد الأمر بالقول، نحو ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ 2 وقليل3 جائز في الاختيار، وذلك بعد قول غير أمر، نحو قوله: 123- قلتُ لبوَّابٍ لديهِ دارها ... تِيْذَنْ فإنِّي حَمْؤُها وجارُها4 وقليل مخصوص بالضرورة، وذلك دون تقدم قول، كقوله:
124- فلا تسْتطِل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكنْ للخير منك نصيبُ1
السادس: احترز الشيخ بتقييد اللام بالأمر و (لا) بالنهي عن اللام غير الطلبية كالتي ينصب المضارع بعدها2، وعن (لا) غير الناهية كالزائدة والنافية3.
ص: وجازم لفعلين، وهو أدوات الشرط، (إنْ) و (إذما) لمجرد التعليق وهما حرفان، و (مَنْ) للعاقل، و (ما) و (مهما) لغيره، و (متى) و (أيّان) للزمان، و (أين) و (أنّى) و (حيثما) للمكان، و (أيّ) بحسب ما تضاف إليه.
ويسمى أولهما شرطا، ولا يكون ماضي المعنى ولا إنشاءً ولا جامدا، ولا مقرونا بتنفيس ولا ب (قد) 3 ولا ناف غير (لا) و (لم)
وثانيهما جوابا وجزاء.
ش: ذكر في هذا [57/ب] الكلام ما يجزم فعلين.
وتسمى أدوات الشرط، لإفادتها أن ما يليها شرط وسبب لما يليه، وقسمها ستة أقسام.
لأن منها ما وضع للدلالة على مجرد التعليق1، وهو (إنْ) و (إذما) وهما حرفان.
أما (إنْ) فبالاتفاق.
وأما (إذ ما) فعلى الأصح2، لأنه مسلوب الدلالة على معناه الأصلي، مستعمل3 مع (ما) المزيدة4 بمعنى (إن) فكان حرفا.
وقيل5: لم تسلب الدلالة على معناها الأصلي، الذي هو الزمان، فتكون6 اسما.
ومنها ما وضع للدلالة على من يعقل، ثم ضمّن معنى الشرط، وهو (مَن) . ومنها ما وضع للدلالة على ما لا يعقل7، ثم ضمّن
معنى الشرط1، وهو (ما) و (مهما) .
ومنها ما وضع للدلالة على الزمان، ثم ضمّن معنى الشرط2، وهو (متى) و (أيّان) .
ومنها ما وضع للدلالة على المكان، ثم ضمن معنى الشرط، وهو (أين) و (أنّى) و (حيثما) .
ومنها ما هو متردد بين المعاني الأربعة الأخيرة، وهو (أيّ) فإنها بحسب ما تضاف إليه، فتكون لمن يعقل في نحو (أيُّهم تقمْ أقمْ مَعه) ولما لا يعقل في نحو (أيَّ الدّوابِّ تركبْ أركبْ) ، وللزمان في نحو (أيَّ يومٍ تصمْ أصمْ) وللمكان في نحو (أيَّ مكان تجلسْ أجلسْ) .
ثم إن هذين الفعلين اللذين يجزمان بهذه الأدوات يسمى أولهما شرطا وثانيهما جوابا وجزاء.
فقوله: (وثانيهما) معطوف على (أولهما) .
ووسّط بين المتعاطفين ذكر ما يعتبر في فعل الشرط.
فيعتبر فيه ألاّ يكون ماضي المعنى، بل يكون مستقبلا في المعنى، وإن كان ماضيا في اللفظ لنكتة3.
لأنه مفروض الحصول في الاستقبال فيمتنع
ثبوته1 ومضيه.
وكذلك الجزاء أيضا لا يكون ماضي المعنى.
لأن حصوله معلق على حصول مضمون الشرط في المستقبل، ويمتنع تعليق الحاصل الثابت على حصول ما يحصل في المستقبل2.
ويعتبر فيه3 أيضا ألاَّ يكون إنشاءً.
فلا تقُلْ4 [58/أ] : (إن قم) ولا (إن لا تقم) 5. وألاَّ يكون فعلا جامداً، كعسى وليس6 وألا يكون مقرونا بتنفيس كالسين وسوف فلا تقل7: (إنْ سيَقُمْ) ولا (إنْ سوف يقمْ أقمْ) .
ولا مقرونا بقد.
فلا تقل: (إنْ قد قام زيد قمْتُ) . وألا يكون مقرونا بأداة نفي غير (لا) و (لم) . فلا تقل8: (إنْ ما قام زيد9 أقم) . ولا
(إنْ لمّا تقم أقم) 1. وتقول: (إنْ لم تقم أقم) 2 و (إن لا تقم أقم) 3.
تنبيهات:
الأول في قوله: (وجازم لفعلين) تصريح بأن أدوات الشرط هي الجازمة لهما. وهو كذلك، لكن في الشرط بالاتفاق، ولا عبرة بمن شذ4.
وفي الجزاء على الأصح المنسوب لسيبويه5، وهو مذهب محققي البصريين6.
ومقابله ثلاثة أقوال:
أحدها للأخفش7 أنه مجزوم بفعل الشرط.
والثاني بالأداة والفعل معا.
ونسب إلى سيبويه أيضا والخليل8.
والثالث أن الجزم بمجاورة الشرط، قياسا على الجر، وهو مذهب الكوفيين1.
الثاني: أفهم كلامه أن (حيث) و (إذْ) لا يجزمان إلا إذا اقترنا ب (ما) 2 كما لفظ به.
وأجاز الفراء 3 الجزم بهما مجردتين. وهو ضعيف4.
وأما غيرهما5 فهو قسمان:
قسم لا تلحقه (ما) وهو (مَن) و (مهما) و (ما) و (أنّى) .
وقسم يجوز فيه الأمران، وهو (إنْ) و (أيّ) و (متى) و (أيّان) 6.
الثالث: إنما لم يذكر من الجوازم (إذا) و (كيف) و (لو) لأن المشهور في (إذا) أنها لا تجزم إلا في الشعر، وإن زيد بعدها لفظة (ما)7
وفي (كيف) عدم الجزم، خلافا للكوفيين 1 وإنما تقع بها المجازاة معنى لا عملا2 و (لو) لا يجزم بعدها إلا في الشعر على قول3.
وقيل4: لا يجزم بعدها أصلا.
الرابع: يؤخذ من تنصيصه على حرفية (إن) و (إذما) وسكوته عما عداهما أن5 ما عداهما أسماء. وهو كذلك. وإن كان في (مهما) خلاف ضعيف6.
وحينئذ فلا بدأن يكون لها محل من الإعراب، وهو إما النصب أو
الرفع لأنها إما1 معمولة لفعل الشرط، أو الابتداء لا غير 2.
فما كان منها اسم زمان أو مكان فهو أبدا في موضع نصب بفعل الشرط على الظرفية.
وما كان غير ذلك فهو في موضع رفع3 بالابتداء إن كان فعل الشرط مشغولا عنه بالعمل في ضميره، كما في (منْ تُكرِمْهُ [58/ب] أُكرِمْهُ) و (ما تأمرْ به أفعلْه) . وإلا 4 فهو في موضع نصب 5 بفعل الشرط لفظا كما في (مَن تَضْرِب أضربْ) و (مَهْمَا تَصْنعْ أصنَعْ مِثْلَهُ) . أو محلا 6 كما في نحو (بِمَن تمرُرْ أَمْرُرْ) .
الخامس يؤخذ أيضا7من قوله: (ويسمى أولهما شرطا وثانيهما جوابا وجزاء) أن الجزاء لا يتقدم على الشرط، ولا على أداته 8.
فإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه وليس إياه،
هذا هو مذهب جمهور البصريين 1.
وذهب الكوفيون2 والمبرد3 وأبو زيد4 إلى أنه هو الجواب نفسه.
وهو ضعيف.
ص: وقد يكون واحدا من هذه فيقترن بالفاء، نحو ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ 5 الآية.
﴿يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً﴾ 6 أو
جملة اسمية فيقترن بها، أوبإذا الفجائية، نحو ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 1 ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ 2.
ش: هاتان مسألتان متعلقتان بالجزاء.
إحداهما أنه إذا كان 3 واحدا من الأمور التي لا تصح أن تقع شرطا وجب اقترانه بالفاء.
فقوله4: (وقد يكون) الضمير فيه يعود على الجزاء.
والإشارة في قوله: (هذه) تعود على الأمور الممتنع جعل واحد منها شرطا، وذكر من أمثلة ذلك مثالين:
أحدهما مثال ماضي المعنى، وهو الآية الأولى، وهي قوله تعالى 5: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ 6.
وثانيهما مثال ما إذا وقع الجزاء نهيا، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا﴾ 7 في قراءة من جزم (يخف) وجعل (لا)
ناهية 1. ومثال ما إذا وقع أمرا، نحو ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ 2. ومثال ما إذا وقع فعلا جامدا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّي﴾ 3. والمقرون بقد، نحو ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ 4 وبالتنفيس قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 5 وب (لن) نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ 6. و (ما) نحو ﴿فَإِنْ
تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} 1. وقد تحذف [59/أ] هذه الفاء في الضرورة، كقول الشاعر: 125- ومَنْ لا يَزَلْ ينقاد للغَي والصِّبا ... سيُلْفَى على طولِ السلامةِ نادِما2 المسألة الثانية إذا وقع 3 جملة اسمية فإنه يجب اقترانها إما بالفاء وإما بإذا الفجائية، نحو قوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 4 وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ 5. وإنما قامت (إذا) الفجائية6 مقام الفاء لأنها لا يبتدأ بها ولا تقع إلا
بعد ما هو معقب بما بعده1 فأشبهت الفاء 2، فقامت مقامها.
وقد تأتي في الضرورة بدونهما، كقول الشاعر:
126- مَنْ يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكُرُها3 ... ................................ ..
تنبيهان:
الأول: لابد في الجملة الاسمية التي تقترن بإذا ألا تكون طلبية نحو (إن عصا فويل له) . وألاّ تدخل عليها أداة نفي، نحو (إن قام زيد فما عمرو قائم) . وألا تدخل عليها (إنَّ) نحو (إنْ قام زيد فإنَّ عمرا قائم) 4.
فهذه المواضع الثلاثة تتعين فيها الفاء، ولا يجوز فيها (إذا) .
فإن قيل: فكيف أطلق المصنف؟ 1.
قلنا: معنى كلامه أن الجزاء حيث امتنع أن يكون شرطا، فهو فيما عدا الجملة الاسمية يتعين ربطه بالفاء، وفيها2 لا يتعين بل إما هي وإما (إذا) الفجائية بحسب ما يقتضيه فلا يحتاج إلى ذكر شرط.
على أنه يجوز أن يلاحظ خصوص3 المثال الذي مثل به، فإنه جامع للشروط الثلاثة.
فإذا وُقف معه كان فيه إيماء إليها.
الثاني: ظاهر كلامه أن (إذا) يربط بها الجواب بعد (إن) وغيرها من أدوات الشرط.
وهو موافق لإطلاق النحويين 4. وظاهر عبارة التسهيل تخصيصه ب (إن)
وصرّح به في التوضيح 6 تبعا له.5
والمعتمد 1 إطلاقهم لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ 2.
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أن (إذا) ليست من الجوازم، فإنه لا يلزم من نفي الجزم عنها نفي إفادتها الشرطية 3. والله أعلم.
ص: ويجوز [59/ب] حذف ما عُلم من شرط بعد (وإلاّ) نحو إفعل وإلا عاقبتك.
أو جواب شرطه ماض، نحو ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْض﴾ 4، أو جملة شرط وأداته إن تقدمها طلب ولو باسمية أو باسم فعل 5، أو بما لفظه الخبر، نحو ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْل﴾ 6 ونحو أين بيتك أزرك 7، و (حسبك حديث ينم الناس) ، وقال:
مكانك تحمدي أو تستريحي وشرط ذلك بعد النهي كون الجواب محبوبا، نحو: (لا تكفر تدخل الجنة) . ش: تضمن كلامه هذا ثلاث مسائل: الأولى: أنه يجوز حذف فعل الشرط إذا عُلم، ووقع بعد (وإلا) 1 نحو (افعل كذا وإلا عاقبتك) 2 تقديره وإلا تفعل عاقبتك، ومنه قول الشاعر: 127- فطلِّقْها فلستَ لها بكفءٍ ... وإلاّ يعلُ مِفرَقك الحُسامُ3 الثانية أنه يجوز حذف جواب الشرط إذا عُلم، وكان شرطه ماضيا،
نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْض﴾ 1 الآية.
تقديره فافعل.
وقد فهم من كلامه أن ما لم يعلم من شرط أو جواب لكونه لا دليل عليه لا يجوز حذفه وهو واضح.
وينبغي أن يعلم أن حذف الشرط أقل من حذف الجزاء، وإن كانا جائزين.
وكلام المصنف2 لا يأبى هذا.
وأنه لا يشترط في حذف الشرط تعويض (لا) من المحذوف3.
وأنه لا يشترط في حذف الشرط أن تكون أداته (إنْ) بل يجوز في غيرها. وكلام المصنف ربما يفهم خلاف هذين4.
الثالثة: أنه يجوز حذف الشرط وأداته مع جزم الجواب وذلك بعد الطلب، سواء كان5 الأمر أو النهي أو الدعاء أو الاستفهام أو التمني أو العرض أو التحضيض، إذا قصد معنى الجزاء وأسقطت الفاء نحو زرني أزرك، ومثله ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْل﴾ 6 و (لا تدن من الأسد تسلمْ7) ، ورَبِّ
اغفرْ لي أدخلْ الجنة1 وهل تكرمْ زيدا يكرمْك2، وليت لي مالا أنفقْه3 وألا تنزلْ عندنا تُصبْ خيرا4 ولولا تأتينا تحدثْنا5.
والتقدير إن تزرني أزرك، وإن لاتدن من الأسد تسلم وإن تغفر لي أدخل [60/أ] الجنة، وإن تكرم زيدا يُكرمك، وإن أرزق مالا أنفقه، وإن تنزل تُصب، وإن تأتنا تُحدثنا6.
وسواء الطلب بالفعل كما تقدم أو بالجملة الاسمية نحو أين بيتُك أزرك، أو باسم الفعل، نحو:
128-....................................
... مكانك تُحمدي أو تستريحي7
أو بما لفظه الخبر، نحو (حسبُك حديثٌ يَنَمْ الناسُ) 1.
وشرط الجزم بعد النهي أن يكون الجزاء محبوبا2.
نحو (لا تدنُ من الأسد تسلمْ) ، فالسلامة منه أمر محبوب. وكذا في (لا تكفر تدخلْ الجنة) فدخولها أمر محبوب. وعلى هذا فلا يصح أن تقول: لا تدن من الأسد يأكلْك، ولا تكفرْ تدخلْ النار3.
ويعبر عن هذا أيضا بأن شرط جزم الجواب بعد النهي أن يصح إقامة شرط منفي مقامه.
وخالف الكسائي4 في هذا الشرط، فجوّز الجزم في نحو لا تدن من الأسد يأكلْك، ولا تكفر تدخلْ النار، بتقدير: (إنْ تدنُ) و (إنْ تكفرْ) .
فلم يشترط في الشرط المقدر أن يكون منفيا.
واستدل بقوله عليه الصلاة السلام1: "لا ترْجعوا بعدِي كفّارًا يضرِبْ بعضُكم رقاب بعض"2.
فإنه لا يصح تقدير (لا) فيه3، مع أنه ورد مجزوما.
وبقول أبي طلحة4 للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5 (لا تُشْرفْ يُصبْك سهمٌ) 6 وتقديره إن تشرف يصبك سهم، ولا يصح تقديره: إلاَّ تشرف.
وحمل الجماعة7 ذلك ونحوه على إبدال الفعل من الفعل8.
تنبيهان:
أحدهما: لم يصرح المصنف باشتراط إسقاط الفاء، ولا بقصد معنى الجزاء اعتمادا على سياق الكلام، وعلى ما ذكره من الأمثلة.
الثاني: اختلفوا في عامل الجزم بعد إسقاط الفاء في هذه المواضع.
فقيل: إن لفظ الطلب ضمّن معنى حرف الشرط فجزم1.
واختاره ابن مالك2، ونسبه لسيبويه والخليل3.
وقيل: إن الطلب ناب عن حرف الشرط بعد حذفه فجزم، ونسب إلى السيرافي4 والفارسي5 وابن عصفور6.
وقيل: الجازم حرف شرط مقدر دل عليه الطلب، وهو مذهب
أكثر المتأخرين1 وهو2 الراجح.
وهو [60/ب] ظاهر كلام المصنف3 فإنه وإن لم يصرح بالجزم فقد صرح بأن جملة الشرط وأداته محذوفان، وذلك يقتضي جزم الجواب بالشرط المقدر.
ولعل هذا هو عذره في عدم التصريح بالجزم.
وقيل4: الجزم بلام مقدرة، فإذا قيل: ألا تنزل عندنا تُصبْ خيرا، فالتقدير لتصب خيرا.
ص: ويجب الاستغناء عن جواب الشرط بدليله متقدما لفظا نحو هو ظالم إن فعل، أو نية نحو إن قمت أقوم.
ومن ثَم امتنع في النثر إن تقم أقوم.
وبجواب ما تقدم من شرط مطلقا، أو قسم إلاّ إن5 سبقه ذو خبر فيجوز ترجيح6 الشرط المؤخر.
ش: لَما تكلم فيما سبق على جواز حذف الجواب أخذ يتكلم على وجوب حذفه، وذكر أنه يجب حذفه7 إذا كان دليله متقدما لفظا
أو نيّة.
ومثل للأول1 بقوله: (هو ظالم إن فَعَل) والجواب محذوف تقديره2 (فهو ظالم) .
وللثاني3 بقوله: (إنْ قمتَ أقومُ) لأن تقديره (أقومُ إنْ قمتَ) والجواب محذوف تقديره (أقم) . ف (أقوم) هو دليل الجواب4، وهو متقدم نية لا لفظا.
ثم ذكر أنه يمتنع أن يقال5 في النثر: إنْ تقُمْ أقوم6، فإنه خاص بالضرورة، كقوله:
129- يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يُصرع أخوك تُصرع7
وقوله: (وبجواب ما تقدم) إلى آخره يعني أنه إذا اجتمع في الكلام شرط وقسم فالمتقدم منهما يُستغنى بجوابه عن جواب المتأخر.
فتقول: (والله إن تقم لأقومَنّ) . فجُعل الجواب للقسم ويستغنى به عن جواب الشرط فيكون محذوفا وجوبا. وتقول: (إن تقمْ والله أقمْ) فجُعل الجواب للشرط لتقدمه، ويستغنى به عن جواب القسم، فيحذف وجوبا1.
وقوله: (مطلقا) راجع للشرط، أي أن الشرط متى تقدم استحق الجواب وحُذف جواب القسم استغناء بجوابه، سواء سبق ذو خبر2، كقولك: زيد إن يقم والله أقم، أو لم [61/أ] يسبق ذو خبر، وقد تقدم في الأمثلة.
وقوله: (إلا إن سبقه) هذا الاستثناء راجع إلى القسم، أي أن القَسَم متى تقدم استحق الجواب، وحُذف جواب الشرط استغناء عنه، إلا إن سبق في الكلام ذو خبر، فإنه يجوز في الكلام3 ترجيح الشرط بجعل الجواب له، وإن كان مؤخرا، كقولك: زيد والله إن تقم يقم
معك1.
ولا يتعين أن تقول: (ليقومن) جوابا للقسم2.
تنبيهات:
الأول: جعْلُه (إنْ قمتَ أقومُ) على سبيل3 التقديم والتأخير، وأن جواب الشرط محذوف، وأن (أقوم) هو دليل الجواب، وهو مؤخر من تقديم هو مذهب سيبويه4.
وذهب الكوفيون5 والمبرد6 إلى أنه الجواب بتقدير الفاء.
وذهب قوم7 إلى أنه ليس على التقديم والتأخير، ولا على تقدير الفاء بل لأنه 8 لما لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط، لكونه ماضيا ضعف عن العمل في الجواب.
الثاني: منعه (إن تقمْ أقومُ) في النثر يقتضي جوازه في الشعر1.
وقيل: إنه خاص بالضرورة، كما قدمنا2.
وبه صرح في بعض نسخ التسهيل3.
ووقع في بعضها أنه قليل، ويوافق هذه النسخة قولُه في شرح الكافية4: (وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مجزوم، ومنه قراءة طلحة ابن سليمان5 ﴿أينَمَا تَكُونُوا يُدْركُكُمْ الموتُ﴾ 6. واختلفوا في تخريج الرفع في ذلك.
فذهب المبرد7 إلى أنه على حذف الفاء مطلقا.
وفصّل سيبويه8 بين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه9 فيكون على التقديم والتأخير أو لا10،
فيكون على حذف الفاء، وجوّز عكس ذلك1.
وقيل: إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء، وإلا فعلى التقديم والتأخير2.
إذا علمت ذلك فلا يظهر تعليل امتناع هذه الصورة3 إلا على القول الثالث في الأولى4، وهو أنه لما لم يظهر لأداة الشرط5 تأثير في الماضي ضعف عن العمل في الجواب.
[61/ب] فليتأمل ذلك.
التنبيه الثالث: تصريحه بترجيح جعل الجواب للشرط مع تأخره عند تقدم ذي خبر هو مذهب ابن عصفور6 وجماعة7.
وهو مقتضى كلام ابن مالك في الخلاصة8.
ونص في التسهيل9
والكافية1 على أن ذلك على سبيل التحتّم.
الرابع: ظاهر كلامه أنه لا يجوز جعل الجواب للشرط المؤخر مع عدم تقدم ذي خبر، وهو موافق للجمهور2 في ذلك.
وجوّزه الفراء3 وتبعه ابن مالك4، استدلالا بنحو قوله:
130- لئن كان ما حُدّثته اليوم صادقا
... أصم في نهار القيظ للشمس باديا5
فجعل الجواب، وهو (أصُمْ) للشرط، بدليل جزمه، مع تأخره عن القسم الذي آذنت به اللام، ولم يتقدم ذو خبر.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه ضرورة، أو اللام1 زائدة2.
ص: وجزم ما بعد فاء أو واو من فعل تالٍ للشرط أو الجواب قويّ، ونصبه ضعيف، ورفع تالي الجواب جائز.
ش: إذا جاء فعل عَقِب واو أو فاء بعد الشرط وقبل الجواب، أو بعد الشرط والجواب معا جاز في ذلك الفعل وجهان:
أحدهما قوي، وهو الجزم، عطفا على الشرط في الأول3، وعلى الجواب في الثاني4.
وثانيهما ضعيف، وهو النصب بإضمار (أن) وجوبا5.
وإنما أضمرت (أن) في ذلك، لأن مضمون الجزاء والشرط6 لم
يتحقق فأشبه الاستفهام1.
ويختص2 الواقع بعد الجواب بوجه آخر، وهو الرفع على الاستئناف، ولا يجوز ذلك فيما بعد الشرط، لأنه يمتنع الاستئناف قبل مجيء الجواب.
وحاصل ذلك أن الفعل المقرون بواو أو فاء إذا وقع بعد الشرط والجزاء جاز فيه الثلاثة3، وإذا وقع بينهما يجوز فيه الوجهان4.
تنبيهان:
أحدهما: قوله: (الجواب) 5 يشمل المجزوم وغيره6 وقد قرئ بالأوجه7 الثلاثة قوله تعالى: ﴿ويُكَفِّرْ﴾ 8 بعد قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 1. التنبيه الثاني: ألْحَقَ الكوفيون2 (ثُم) بالواو والفاء فأجازوا النصب بعدها، [62/أ] واستدلوا بقراءة الحسن3 ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ﴾ 4. وزاد بعضهم5 (أو) .
ص: