شرح شذور الذهب للجوجريصفحات 756-795

باب التوابع

صفحات 756-795
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... ص: باب.
يتبع ما قبله في إعرابه خمسة.
ش: لما أنهى الكلام على المعرب بالأصالة والاستقلال شرع يتكلم فيما إعرابه بتبعية غيره، ويسمى تابعا.
والتابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد1 غير خبر.
فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، وحال المنصوب2.

وخرج بغير خبر (حامض) من قولك: (هذا حلو حامض) . وهذا الحد لا يشمل من التأكيد ما [83/ب] كان لفظيا في حرف أو في فعل غير معرب، إذ لا إعراب1 تقع فيه المشاركة2.
وقوله: (ما قبله) يعم الاسم والفعل، فكما يتبع الاسمُ الاسمَ فكذلك يتبع الفعلُ الفعلَ3.
وقوله: (في إعرابه) يفهم أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع، وهو ظاهر مذهب سيبويه4، واختاره ابن مالك5، خلافا لمن خصّص ذلك بغير البدل6، وقال: إن العامل فيه مقدّر7.
ويفهم من قوله: (ما قبله) أن التابع لا يتقدم على المتبوع، وهو كذلك8.

وقوله: (خمسة) هي التوكيد1 والنعت وعطف البيان والبدل وعطف النسق. ودليل الحصر فيها الاستقراء2.
ومن فصل التوكيد اللفظي عن المعنوي جعلها3 ستا.
ومن أطلق العطف ليدخل فيه البيان والنسق جعلها أربعا.
ص: أحدها التوكيد، وهو تابع يقرر أمر المتبوع4 في النسبة أو الشمول، فالأول نحو5 جاءني زيد نفسه، والزيدان أنفسهما6 والزيدون أنفسهم، والهندات أنفسهنّ والعين كالنفس.
والثاني: نحو جاء الزيدان كلاهما والهندان كلتاهما، واشتريت العبد كله، والعبيد كلهم، والأمة كلها7 والإماء كلهن.
ش: إنما قدم الشيخ التوكيد على النعت، لأن التوكيد يحقق المتبوع،

والنعت يبين صفته، وما يدل على تحقيق الشيء متقدّم على ما يدل على صفته1.
والتوكيد والتأكيد كل منهما مصدر (أكد) 2، وسمّى به التابع3.
وهو على قسمين: لفظي، وسيأتي.
ومعنوي، وحدّه الشيخ بقوله: (تابع....) إلى آخره.
فقوله: (تابع) كالجنس يدخل فيه التوابع كلها.
وقوله: (يقرر أمر المتبوع) إلى آخره يخرج ما عداه من التوابع.
وقوله: (في النسبة أو الشمول) أفاد به أن التأكيد المعنوي4 نوعان: أحدهما: ما يرفع توهم الإضافة إلى المتبوع5 وهذا معنى قوله: (يقرر أمر المتبوع في النسبة) . وثانيهما: ما يرفع توهم إرادة الخصوص بما ظاهره العموم6،

وهذا معنى قوله1: [84/أ] (أو الشمول) . ف (أو) للتنويع في المحدود لا للترديد2 في الحد.
وقوله: (فالأول) أي الذي يقرر أمر المتبوع في النسبة يكون بالنفس ويكون بالعين، كما يستفاد من قوله: (والعين كالنفس) . فتقول في تأكيد المفرد: جاء زيد نفسه أو عينه، وجاءت هند نفسها أو عينها.
وتقول في تأكيد3 المثنى: جاء الزيدان أنفسهما أو أعينهما، وجاءت الهندان أنفسهما أو أعينهما4.
وتقول في تأكيد الجمع: جاء الزيدون أنفسهم أو أعينهم، وجاءت الهندات أنفسهن أو أعينهن.
وبيان التقرير في ذلك أنك إذا اقتصرت على قولك: (جاء زيد) احتمل أن الجائي خبره أو متاعه، وأنك ارتكبت المجاز، فإذا أتيت بالنفس أو بالعين ارتفع ذلك الاحتمال.
قوله: (والثاني) أي النوع الثاني من نوعي التوكيد المعنوي وهو ما

يفيد تقرير أمر المتبوع في الشمول، يكون بألفاظ1 ذكر المصنف منها (كِلا) نحو جاء الزيدان كلاهما و (كلتا) نحو جاءت الهندان كلتاهما.
و (كُلاّ) نحو اشتريت العبد كله، والعبيد كلهم والأمة كلها والإماء كلهن.
وبيان تقرير الشمول في التوكيد بهذه الألفاظ أنك تقول: (جاءني الزيدان) ، وأنت تريد أحدهما، كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ 2 أي من أحدهما3، فبقولك: (كلاهما) ارتفع ذلك الاحتمال.
ومن أجل ذلك لا يؤكد نحو (اختصم الزيدان) لأنه لا يصح اختصم أحد الزيدين4: وكذا تقول في (اشتريت العبد) 5 ونحوه.

تنبيهات: التنبيه الأول: فهم من تمثيله وجوب اتصال النفس والعين بضمير مطابق للمؤَّكد، وكذلك فهم منه وجوب اتصال (كِلاَ) و (كِلتَا) بالضمير المطابق أيضا.
وهو كذلك.
التنبيه الثاني: فهم منه أيضا أنه يشترط أن يكون لفظ النفس والعين طِبق المؤكد في الإفراد والجمع دون [84/ب] التثنية.
فإنه تجمع فيها1 النفس والعين على (أفعل) أيضا2.
لكن ربما يتوهم من كلامه تعيُّن الجمع فيها، وليس كذلك. فيجوز الإفراد، فتقول: (جاء الزيدان نفسهما) . والتثنية نحو (جاء الزيدان نفساهما) والإفراد أرجح من التثنية3.
التنبيه الثالث: لم يذكر من ألفاظ النوع الثاني (جميعا) و (عامة) ، لندور4 التوكيد بهما، وإن ذكرهما غيره5

وحكمهما1 في [اتصال] 2 الضمير حكم الثلاثة3.
فمن التوكيد ب (جميع) قول امرأة لولدها: 171- فداك حيّ خولان ... جميعهم وهمدان4 والتوكيد ب (عامة) كقولك: اشتريت العبد عامته5.
ص: ولا تؤكد نكرة مطلقا.
ش: اختلف6 هل يجوز توكيد النكرة أم لا7؟ منع

ذلك1 المصنف مطلقا، أي سواء أفادت أو لم تفد، تبعا للبصريين2.
وذهب الكوفيون3 إلى الجواز إن أفادت وتبعهم ابن مالك4.
قال المصنف في التوضيح5: "وهو الصحيح، وتحصل الفائدة بأن يكون المؤكد محدودا والتوكيد من ألفاظ الإحاطة، ك (اعتكفت أسبوعا كلَّه) . وعليه جاء قول الشاعر: 172- لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ياليت عدّة حول كلِّه رجب6

ولا يجوز (صمت زمنا كله) لكون المؤكد غير محدود، ولا (شهرا نفسه) 1 لكون التوكيد2 ليس من ألفاظ الإحاطة. واعلم أن ألفاظ التوكيد كلها معارف3.
أما ما كان منها مضافا إلى الضمير فتعريفه واضح4 وأما ما لم يضف، ولم يذكره المصنف، نحو (أجمع) وتوابعه5 فقيل: بنية الإضافة6، ونُسب إلى

سيبويه1 وقيل2: بالعلمية3، فإنه علق على معنى الإحاطة والله أعلم.
ص: ويؤكد بإعادة اللفظ4 أو مرادفه، نحو ﴿دَكّاً دَكّاً﴾ 5 و ﴿فِجَاجاً سُبُلاً﴾ 6. ولا يعاد ضمير متصل ولا حرف غير جوابي إلا مع 7 ما تصل به.
ش: هذا مثال التوكيد اللفظي.
وهو اللفظ المكرر به ما قبله، لفظا ومعنى، نحو ﴿دَكّاً دَكّاً﴾ 7. أو معنى فقط، نحو ﴿فِجَاجاً سُبُلاً﴾ 8. لأن معنى الفجاج والسّبل واحد، وإن اختلفا لفظا9 ولهذا

قال: 1 [85/أ] (بإعادة اللفظ أو مرادفه) . ثم إن هذا التأكيد قد يكون في الاسم، كما مثل به.
وقد يكون في الفعل، كقوله: فأيْنَ إلى أيْن النَّجَاةُ ببغلتي....... ... أتاكِ أتَاكِ اللاّحقون احْبِسِ احْبِسِ2 وفي الحرف، نحو (نَعَمْ نَعَم) و (لا لا) 3. ويكون في المفرد كهذه الأمثلة، وفي الجملة، والأكثر اقترانها حينئذ بالعاطف، نحو ﴿كَلاَّسَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّسَيَعْلَمُونَ﴾ 4 وقد لا تقترن به، نحو قوله: عليه الصلاة السلام: "والله لأغزونَّ قريشاً، والله لأغزونَّ قريشاً والله لأغزونَّ قريشاً"5.

وقد يتعين ترك العاطف إذا توهم التعدد، نحو ضربت زيدا ضربت زيدا1.
ولمّا كان التوكيد اللفظي يجري في جميع الألفاظ، وكان يعتبر في بعض الألفاظ إذا جاءت مؤكدة اتصالها بما اتصل بمتبوعها أشار إلى ذلك بقوله: (ولا يعاد ضمير متصل) إلى آخره.
وبيانه أن التأكيد إذا كان2 لضمير متصل وجب أن يتصل به ما اتصل بمتبوعه3، فتقول: (عجبت منك منك) و (قمت قمت) و (ضربتك ضربتك) . وكذلك إذا كان بحرف غير جوابي4 وجب أن يتصل بالمؤكِّد ما اتصل بالمؤكد من ظاهر أو ضمير5.
نحو (إن زيدا إن زيدا قائم) ، أو

(إن زيدا إنه قائم) . فعلى هذا قوله: (ما اتصل به) أي أن ما اتصل بالمؤكد يعاد بلفظه ومعناه، أو بمعناه دون لفظه.
ص: الثاني النعت، وهو تابع مشتق أو مؤول به، يقتضي1 تخصيص متبوعه أو توضيحه أو مدحه أو ذمه أو توكيده أو الترحم عليه.
ش: الثاني من التوابع النعت، ويقال له: الوصف والصفة2 وحدّه المصنف بما ذكره. فقوله: (تابع) جنس يشمل الخمسة3.
وقوله: (مشتق أو مؤول به) مخرج لما كان من التوابع بغيرهما.
والمراد بالمشتق ما دل على حدث وصاحبه، ك (ضارب) و (مضروب) و (حسن) و (أفضل) 4. والمراد بالمؤول به المشبه للمشتق في المعنى، كاسم الإشارة و (ذو) بمعنى (صاحب) ، وأسماء النسب5.

فتقول: مررت بزيد [85/ب] هذا، أي الحاضر، وبرجل ذي مال، أي صاحب مال1، وبرجل دمشقي، أي منسوب إلى دمشق. وقوله: (يقتضي) إلى آخره يخرج ما كان من التوابع مشتقا أو شبهه، كقولك: زيد قائم قائم، وشجاع شجاع2.
وقولك: زيد أسد وشجاع، وعمرو طويل وفاضل.
فإن المشتق وشبهه في هذه الأمثلة لا يقتضي تخصيصا ولا توضيحا ولا غيرهما من الأمور المذكورة في الحدّ.
وأتى فيه ب (أو) لينبه على أنواعه.
أي أن من النعت ما يكون لتخصيص المتبوع3، كقولك: جاءني رجل4 تاجر، أو تاجر أبوه.
ومنه ما يكون لتوضيح المتبوع5، كقولك: جاءني زيد التاجر أو التاجر أبوه.
ومنه ما يقتضي مدح المتبوع، كقولك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 6. ومنه ما يقتضي ذمُّه، كقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

ومنه ما يقتضي تأكيده، نحو قوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ 1. ومنه ما يقتضي الترحم عليه، كقولك: اللهم إني عبدُك المسكين2.
وذكر بعضهم3 أن النعت قد يكون للتعميم، نحو (إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين) . وقد يكون للتفصيل، نحو (مررت برجلين عربي وعجمي) . أو الإبهام نحو (تصدّق بصدقة قليلة أو كثيرة) . انتهى.
وقد يُدّعى دخول الأولين4 في التوضيح، والثالث5 في التأكيد، فليتأمل.
تنبيه 6: قد ينعت بالجملة، ولكن بشروط: أن يكون المنعوت نكرة لفظا ومعنى7 أو معنى فقط8.
وأن تكون

الجملة مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف.
وأن تكون خبرية، أي محتملة للصدق والكذب.
نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ 1. وقد ينعت بالمصدر، ولكنه سماعي2.
قالوا: هذا رجل عدل أو رضا3.
واختلف في تخريجه البصريون والكوفيون: فقال الكوفيون4: هو على التأويل بالمشتق، أي عادل ومرضي.
وقال البصريون5: هو على تقدير مضاف، أي ذو عدل وذو رضا6 فهو راجع إلى المؤول بالمشتق.
فدخوله في كلام

الشيخ1 واضح. وكذلك دخول الجملة، لأنها أيضا تؤول بالمشتق2.
لأن قولك: مررت برجل قام أبوه، في معنى (قائم أبوه) . والله أعلم.
[86/أ] ص: ويتبعه 3 في واحد من أوجه الإعراب، وفي التعريف والتنكير، لا يكون أخص منه.
فنحو (مررت بالرجل صاحبك) بدل، ونحو (بالرجل الفاضل) و (بزيد الفاضل) نعت.
وأمره في الإفراد والتذكير وأضدادهما كالفعل، ولكن يترجح نحو 4 جاءني رجل قعود غلمانه على (قاعد) . وإما (قاعدون) فضعيف.
ش: لما قدّم حدّ النعت أخذ يتكلم على حكمه من جهة تبعيته للمنعوت في الإعراب5 وغيره، فقال: إن النعت يتبع المنعوت في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، ويتبعه في واحد من التعريف والتنكير فلا تنعت معرفة بنكرة6، ولا عكسه7.
فتقول: جاءني

الرجل الفاضل، ورجل فاضل.
وهذان الأمران1 لابد منهما في كل نعت، سواء رفع ضمير المنعوت كما مثّلنا، أو رفع الظاهر، كجاءني رجل قائم أبوه، أو الرجل القائم أبوه. ثم إنه لما بين أنه يتبعه في التعريف والتنكير شرط فيه ألا يكون أخص، أي أعرف من المنعوت2.
فإذا قلت: مررت بالرجل صاحبك، كان صاحبك3 بدلا لا نعتا لأنه4 مضاف إلى الضمير، فهو أعرف من المحلّى بأل.
ودخل في كلامه النعت بمساوي المنعوت في التعريف، وبدونه فيه.
وإلى ذلك أشار بقوله: (ونحو بالرجل الفاضل وبزيد الفاضل نعت) 5. فالأول مثال للمساوي، والثاني مثال للأدْون6، لأن العَلَم أعرف

من ذي الأداة.
وقوله: (وأمره في الإفراد) إلى آخره إشارة إلى كيفية تبعية النعت للمنعوت في غير المذكورات من الإفراد وضديه، وهما التثنية والجمع، ومن التذكير وضدّه، وهو التأنيث، فقال: إن أمر النعت في ذلك كالفعل.
وبيان ذلك أن النعت إن رفع ضمير المنعوت طابقه في ذلك1 أيضا، سواء كان معناه له أو لسببيه. نحو مررت برجل حسن، أو حسن الوجه2.
وإن رفع سببيه، أي المتحمل لضميره3 أفرد مطلقا لرفعه [86/ب] الظاهر4، ووافق في التذكير والتأنيث5 مرفوعه لا متبوعه.
نحو مررت برجلين حسنة جاريتهما.
كما أن الفعل كذلك6.

لكن يستثنى من كونه كالفعل في الإفراد مسألة واحدة وهي أن يكون السببي جمعا، فإنه يجوز أن يكون النعت جمع تكسير فتقول: مررت برجل كرام غلمانه. بل يكون أرجح من الإفراد1.
ولهذا قال: (ولكن يترجح) إلى آخره.
وقوله: (وأما قاعدون فضعيف) يعني أن النعت إذا رفع جمعا قوي كونه مفردا أو جمع تكسير، كما تقدم.
وأما كونه جمع سلامة، نحو (مررت برجال حسنين غلمانهم) فهو ضعيف.
لأنه خاص بلغة طيئ2 دون غيرهم من العرب.
ص: ويجوز قطعه إن عُلم متبوعه بدونه بالرفع أو النصب.
ش: هذه مسألة متعلقة بالنعت ختم بها بابه.
وهي أن المنعوت متى عُرف دون3 النعت جاز في النعت القطع، بأن يرفع أو ينصب.
فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف.
فيقطع من الجر إليهما.
فيصير في نعت المجرور ثلاثة أوجه، نحو مررت بامرىء القيس الشاعر، بالأوجه الثلاثة4 ومن النصب إلى

الرفع، ومن الرفع إلى النصب، فيصير في نعت كل من المرفوع والمنصوب وجهان1.
ومتى احتاج المنعوت إلى النعت في تخصيصه أو توضيحه فلا يجوز قطعه. وإذا تعددت النعوت واستغني عنها كلها جاز قطعها كلها2.
وإن احتاج إليها كلها وجب إتباعها كلها3.
وان استغنى عن بعضها دون بعض جاز في البعض المستغنى عنه الإتباع والقطع، وتعين الإتباع في غيره4.
والله أعلم ص: الثالث عطف البيان، وهو تابع غير صفة يوضح متبوعه أو يخصصه5، نحو (أقسم بالله أبو حفص عمر) . ونحو ﴿كفارةٌ طعامُ مساكينَ﴾ 6.

ش: الثالث [87/أ] من التوابع عطف البيان. قال الشيخ: (وهو تابع ... ) إلى آخره. فقوله: (تابع) يشمل الخمسة. وقوله: (غير صفة) يخرجها1.
وقوله: (يوضح ... ) إلى آخره يعني أن عطف البيان يؤتى به لتوضيح متبوعه أو تخصيصه كالصفة، إلا أن هذا2 في الجامد وتلك3 في المشتق. وبهذا تخرج بقية التوابع4.
ومثل له بمثالين أحدهما لتوضيح المعرفة، وهو5: 173- أَقسمَ باللهِ أبو حفصٍ عمر6 ...

فعمر بيان لأبي حفص، ذكر لإيضاحه.
وثانيهما: لتخصيص النكرة، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ 1. ف (طعام) بيان ل (كفارة) ذكر لتخصيصها.
وفهم من ذلك أن البيان والمبين لا يكونان مختلفين في التعريف والتنكير.
وتجويز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين2 وجماعة3 ومشى عليه المصنف4 تَبَعًا لهم.
وغيرهم5 يخصّه بالمعارف.
ص: ويتبعه في أربعة من عشرة.
ويجوز إعرابه بدل كل إن لم يجب

ذكره، ك (هند قام زيد أخوها) 1 و [لم يمتنع] 2 إحلاله محل الأول3، نحو يا زيد الحارث و (أنا ابن التارك البكري بشر) . و (يا نصر نصرٌ نَصْرَا) . ويمتنع في نحو: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ 4 و (يا سعيدُ كرز) و (قرأ قالون عيسى) . ش: يعني أن عطف البيان يتبع المبيّن في أربعة من عشرة، واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من5 التذكير والتأنيث. وقوله: (ويجوز) أشار به إلى قاعدة، وهي أن كل ما أعرب بيانا جاز أن يعرب بدل كلٍّ من كلّ5.
واستثنى منها ثلاث مسائل: الأولى6: أن يكون واجب الذكر غير مستغنى عنه كقولك: هند قام زيد أخوها.
ف (أخوها) بيان ل (زيد) 7 ولا يصح أن يعرب بدلا8، لأن البدل في نية تكرار العامل، فيصير من جملة أخرى9 فيبقى المبتدأ بلا رابط.

المسألة الثانية: أن يمتنع إحلاله محل الأول، نحو (يا زيد [87/ب] الحارث) . فإنه لو أعرب بدلا لحل محل الأول، فقيل: يا الحارث ولا يصح ذلك، لأن (أل) وحرف النداء لا يجتمعان1.
ومنه: 174- أنا ابن التارك البَكري بِشْر عليه الطير ترقبه وقوعا2 فإنه لا يصح أن يعرب (بشر) بدلا من (البكري) لأنه لا يحل محله لأنه يلزم إضافة (التارك) إلى (بشر) فيضاف ما فيه الألف واللام إلى الخالي عنها، وعن الإضافة لتاليها، وليس معربا بالحروف.
وهو لا يجوز عند الجمهور3، ويجوز عند الفراء4.

المسألة الثالثة نحو1 قول الشاعر: 175- إنّي وأسْطارٍ سُطِرن سطراً ... لَقائلٌ يا نصْرُ نصْرٌ نصْراَ2 مما وقع فيه البيان منوّنا والمبين منادى.
ف (نصر) الأول هو المبين، و (نصر) الثاني عطف بيان على اللفظ3 والثالث عطف بيان على المحل4.
ولا يصح إعرابهما بدلا، لأنهما منوّنان والمنادى لاينوّن5.
وقد استُشكل جعلهما بيانا6، لأنه لابد من مخالفة بين المبيّن

والمبيِّن، فينبغي أن يعربا توكيدا لفظيا. ويكون أحدهما تابعا على اللفظ والآخر على المحل1.
قوله: (ويمتنع) إشارة إلى مسائل لا يجوز أن يكون التابع فيهابيانا، ويتعيّن أن يكون بدلا.
وهي أيضا ثلاث2: المسألة الأولى، نحو قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ 3 فيجب أن يعرب (مقام إبراهيم) بدلا لا بيانا، لأن (آيات بينات) نكرة، وهو4 معرفة. وانفرد بتجويز ذلك الزمخشري5.
المسألة الثانية: قولك: (يا سعيد كرزُ) بغير تنوين فيعرب بدلا، لا بيانا.
لأن البدل في باب النداء حكمه حكم المستقل، و (كرز) إذا نودي يضم ولا ينون، بخلاف البيان في باب النداء6 فيرفع وينصب، ولا يجوز ضمّه من غير تنوين.
وسيأتيك بيان هذا في باب تابع المنادى7 إن شاء الله تعالى.

المسألة الثالثة نحو قولك1: (قرأ قالون عيسى) 1 مما الأول فيه فيه أعرف من الثاني2.
فيعرب بدلاً، ولا يعرب بيانا3.
لأن [88/أ] البيان لا يكون أدْون4 في التعريف من لمبيّن5.
بل إما أن يكون أعرف أو مساويا6.
وقد شرط بعضهم7 أن يكون أعرف.
(قولك) ساقطة من (ب) و (ج) .

ص: الرابع البدل، وهو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة. ش: الرابع من التوابع البدل. وتسميته بذلك طريقة البصريين1.
والكوفيون يسمونه الترجمة والتبيين2.
وربما سمّوه بالتكرير3.
قوله: (التابع) جنس دخل فيه الخمسة4.
وقوله: (المقصود) يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان فإن كلاّ منها مكمّل5 للمقصود، وليس مقصودا6.
ويخرج أيضا المعطوف ب (لا) وب (بل) بعد النفي وب (لكن) نحو جاء زيد لا عمرو، وما جاء زيد بل عمرو، ولكن عمرو.
ويخرج أيضا المعطوف بالواو، نحو جاء زيد وعمرو، وما جاء زيد ولا عمرو.
وإنما قلنا: إن المعطوف بالواو خرج بقوله: (المقصود) حملا له على

المستقل1 بالقصد، فإن المعطوف بالواو، وإن كان مقصودا فليس مستقلا بالقصد، بل المعطوف والمعطوف عليه مقصودان.
ولم يبق سوى المعطوف ب (بل) بعد الإثبات، نحو جاء زيد بل عمرو، فإنه مستقل بالقصد بالحكم فخرج بقوله: (بلا واسطة) 2. ص: وهو إما بدل كل، نحو ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ 3 أو بعض نحو: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 4 أو اشتمال نحو ﴿قتالٍ فيه﴾ 5 أو إضراب، نحو (ما كتب له نصفها ثلثها ربعها) 6. أو نسيان أو غلط، كجاء زيد وعمرو7.
والأحسن عطف هذه الثلاثة ب (بل) . ش: لما فرغ من حدّ البدل أخذ يبين أقسامه، وجعلها ستة:

الأول: بدل الكل من الكل، وسماه ابن مالك المطابق1 نحو قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ 2 فإنه بدل كل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ 3. الثاني بدل البعض من الكل، سواء كان ذلك البعض نصفا أو أقل أو أكثر، على الصحيح4.
نحو (أكلت الرغيف نصفه أو ثلثه أو ثلثيه) خلافا لمن زعم أنه لا يكون إلا فيما دون [88/ب] النصف5.
نحو قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 6 فإنه بدل بعض من (الناس) في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ 7.

الثالث: بدل الاشتمال، وهو ما صحّ الاستغناء عنه بالأول، وليس مطابقا ولا بعضا1 نحو قوله تعالى: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾ 2. فإنه بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَام﴾ . الرابع: بدل الإضراب.
وهو ما يقصده ذكر متبوعه كما تقدم ذكره3، ويسمى أيضا بدل البَداء4.
نحو قوله عليه السلام: (ثلثها) إلى (عشرها) من حديث "إِنَّ الرجلَ ليصلي الصلاة وما كتب له نصفُها ثلثُها ... إلى عشرها" 5. ف (ثلثها) وما بعده أبدال إضراب، و (نصفها) مبدل منه.
الخامس بدل النسيان وهو ما يقصد ذكر متبوعه أيضا، ولكن يتبين فساد قصده.

فهو حينئذ بدل عن لفظ، ذلك اللفظ ذُكر نسيانا كقولك: جاء زيد عمرو.
فإنه يصح أن تكون1 قصدت ذكر (زيد) ثم تبين لك فساد هذا القصد، وأنه لم يجىء، وأن الجائي إنما هو عمرو، فذكرته2.
السادس: بدل الغلط.
وهو ما لم يقصد ذكر متبوعه، ولكن سبق إليه اللسان.
فهو حينئذ بدل عن اللفظ الذي ذكر غلطا.
ويصح أن يمثل له أيضا بنحو (جاء زيدٌ عمرو) 3. بأن يكون إنما قصد4 الإخبار بالمجيء عن (عمرو) ولكن سبق اللسان إلى (زيد) 5. وقوله (والأحسن) إلى آخره أي الأحسن في هذه الثلاثة الأخيرة، وهي بدل الإضراب وبدل النسيان وبدل الغلط، أن يعطف فيها التابع ب (بل) فيكون من عطف النسق6.

تنبيهات: الأول: لابد في بدل البعض وبدل الاشتمال من ضمير عائد على المبدل منه1، وذلك الضمير إما مذكور، كما تقدم2، أو مقدر.
ففي بدل البعض كما في الآية السابقة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 3 أي منهم.
وفي بدل الاشتمال كما في قوله [89/أ] تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ﴾ 4: أي فيه.
وجعل ابن مالك5 اتصال الضمير بالمذكورين كثيرا، لا شرطا، واستدل بهاتين الآيتين.
الثاني: لابد في بدل الاشتمال6 من إمكان فهم معناه عند حذفه ومن حسن الكلام [على تقدير حذفه] 7.

ولأجل ذلك جُعل نحو (أعجبني زيد أخوه) بدَل إضراب1 إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول.
وكذلك نحو (أسرجت زيدا فرسَه) 2. لأنه، وإن فهم معناه في الحذف فلا يحسن استعماله، بل لا يستعمل. وبتقدير أن يرد مثله فيحمل على الغلط3.
الثالث: زاد بعضهم4 في أقسام البدل بدل كل من بعض، كقول امرىء القيس: 176- كأنّي غداةَ البينِ يومَ تحمَّلوا 5 ... .... ................ .... .....

ونفاه الجمهور1، وتأوّلوا البيت 2. ص: ويوافق متبوعه ويخالفه في الإظهار والتعريف وضدّيهما، لكن لا يبدل ظاهر من ضمير حاضر [إلا بدل بعض أو اشتمال، مطلقا، أو] 3 بدل كل إن أفاد4 الإحاطة.
ش: شرع في أحكام البدل.
وقد علمت أنه من جملة التوابع، فيوافق متبوعه في واحد من أوجه الإعراب جزما5.

وأما التعريف والتنكير فلا تلزم موافقته1 لمتبوعه فيهما.
فبدل المعرفة من المعرفة، نحو ﴿الحَمِيدِ اللهِ﴾ 2 في قراءة من جرّ3 والنكرة من النكرة نحو ﴿مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً﴾ 4. والمعرفة من النكرة نحو ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ﴾ 5. والنكرة من المعرفة نحو ﴿بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ 6. هذا مذهب البصريين7، واشترط الكوفيون في بعض هذه الصور شروطا8 لا

نطيل بذكرها1.
وأما التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع، فإن كان بدل كل وافق متبوعه فيها، مالم يمنع مانع من التثنية أو الجمع.
لكون أحدهما مصدرا2، نحو ﴿مَفَازًا حَدَائِقَ﴾ 3. أو قصد التفصيل4، نحو: 177- وكنْتُ كذِي رِجْلين رِجْلٍ صحيحةٍ ... ورِجْلٍ رَمى فيها الزَّمانُ فشَلّتِ4

[89/ب] وإن كان غيره من أنواع البدل لم تلزم موافقته فيها1.
ويبدل الظاهر من الظاهر، كما تقدم. ويبدل المضمر من المضمر الموافق له2.
ومن المُظهَر على رأي3 وخالف ابن مالك4 وجماعة5 في

جارٍ التحميل