شرح شذور الذهب للجوجريباب التنازع

باب التنازع

عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... ص: باب.
وإذا تنازع 1 من الفعل أو شبهه عاملان فأكثر ما تأخر من معمول فأكثر فالبصري يختار إعمال المجاور فيضمر في غيره مرفوعه، ويحذف منصوبه إن استغني عنه وإلا أخره. والكوفي الأسبق، فيضمر في غيره ما يحتاجه. ش: لما فرغ من ذكر الأفعال، وما يعمل عملها، شرع يذكر تنازعهما في العمل، فقال: (وإذا تنازع) وهو شرط، جوابه الجملة الاسمية وهي قوله: (فالبصري ... ) إلى آخره. فأفاد ما يشترط في التنازع في جملة الشرط وما اتصل بها، وأفاد حكم التنازع في جملة الجواب وما اتصل بها2.
وبعضهم3 يسمّي هذا الباب باب الإعمال.

فأما ما يشترط فيه فمنه1 أن يكون العامل فعلا أو شبهه، فلا يكون التنازع بين حرفين2، ولا بين حرف وغيره.
ويدخل في ذلك3 أن يكونا فعلين أو اسمين يشبهانهما4، أو اسما مشبها بفعل، أو فعلا فاسما كذلك5.
وإلى هذا الشرط6 أشار بقوله: (من الفعل أو شبهه) . وقوله: (عاملان) يدخل تحته المتفقان في العمل والمختلفان فيه7.
وقوله: (فأكثر) يفيد أن التنازع قد يقع بين ثلاثة عوامل وأكثر منها.
مثال الثلاثة الحديث (تُسبِّحون وتُكبِّرون وتُحمِّدون دُبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين) 8.

فوقع فيه تنازع ثلاثة أفعال1 في الظرف والمصدر2.
وقال بعضهم3: إنه لم يوجد تنازع بين أكثر من ثلاثة. وهو لا ينافي الجواب المتقدم4.
وقد ذكر بعضهم5 مثالا للأربعة قوله: 168- طلبْتُ فلمْ أُدْرِك بوجْهي فلَيتني ... فَعلتُ فلَم أبْغ النّدى عند سَائبِ6 ومنها أن يكون المعمول المتنازع فيه مؤخرا عما يطلبه من العوامل المتنازعة.

[80/أ] فلا يقع التنازع في معمول متقدم، نحو زيدا ضربت وأكرمت1 ولا في معمول متوسط، نحو ضربت زيدا وأكرمت2 وإليه أشار بقوله: (ما تأخر) . وقوله: (من معمول فأكثر) يشير به إلى أن المعمول المتنازع فيه لا يشترط أن يكون واحدا، بل يجوز أن يكون أكثر كما تقدم في الحديث. وقد ذُكر له شروط أخرى. منها أن يكون العاملان متصرفين3.
فلا يقع التنازع بين جامدين، ولا بين جامد وغيره4.
ومنها أن يكون المعمول مطلوبا لكل من العاملين من حيث المعنى فلا يقع التنازع بين فعلين أُكّد أحدهما بالآخر، لأن الثاني لم يؤت به إلا للتوكيد، فلا عمل له، وذلك نحو قوله: 169- ... ... ... ... أتاكِ أتاكِ اللاّحقونَ احْبسِ احبسِ5

ومنها ألا يكون1 سببيا مرفوعا2، كقول الشاعر: 170- قضَى كلّ ذي دَينٍ فوفَّى غريمَه ... وعَزّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها3

لأنه لو كان من التنازع وأعملنا أحدهما في المتنازع فيه، وهو (غريمها) وأضمرنا في الآخر ضميره لزم عدم ارتباطه بالمبتدأ الذي هو (عزة) . كذا وجهه ابن أم قاسم في شرح الألفية1.
وفيه نظر، فإن هذا يأتي فيما لو كان السببي منصوبا، كقولك زيدا ضربت [وأكرمت] 2 غلامه.
فلا معنى حينئذ لتقييد السببي بالمرفوع.
ولعل الوجه ما ذكره أبو3 محمد بن السيد3، حيث

قال1: إن (غريمها) إن رفع ب (بمعنى) فممطول قد جرى على غير من هو له فيلزم ظهور الضمير، وإن رفع2 بممطول فهو خطأ، لأنه قد وصف بمعنى، والاسم الذي يعمل عمل الفعل إذا وصف لا يعمل شيئا فلا يجوز (مررت بضارب ظريف زيدا) . والله أعلم.
فإن قيل: فلم سكت المصنف عن هذه الشروط الثلاثة؟.
فالجواب أما الشرط الأول3 فلم يشترطه ابن مالك4، ولذلك جوّز في التسهيل5 تنازع فعلي التعجب6.
فكأن المصنف هنا تبعه في ذلك، وإن كان قد صرح في غير هذا الكتاب بخلافه7.
وأما الشرط [80/ب] الثاني8 فهو مفهوم من كلامه، لأن التنازع يستلزم أن يكون المتنازع فيه مطلوبا لكل من المتنازعين.
لأنه إذا طلبه

أحدهما دون الآخر، فغير الطالب كيف يقال: إنه ينازع الآخر الطالب له1.
وأما الثالث2 فإن أكثر النحويين3 لم يذكره، بل أجاز بعضهم4 في البيت المذكور5 التنازع.
لكن شرطه في التسهيل6، وتابعه المصنف في توضيح الألفية7 فكأن المصنف مشى هنا على طريقة الأكثرين8.
والله أعلم. وأما حكم المتنازعين فاتفق أهل البصرة والكوفة من النحويين على جواز إعمال أيهما شئت9.
لكن اختلفوا في الراجح.

فالبصرية1 ترجح إعمال الأخير لقربه2 والكوفية3 ترجح إعمال الأول لسبقه.
فقول الشيخ: (فالبصري يختار المجاور، والكوفي الأسبق) 4 تصريح بمذهب كل فريق، وإشارة إلى علته5.
فإذا أعملنا الأخير، فإن احتاج غيره واحدا كان6 أو أكثر لمرفوع فالبصريون يضمرونه7.
وهذا معنى قوله: (فيضمر في غيره مرفوعه) . وذلك لامتناع حذف العمد8، ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب9 وقد تقدم في باب الضمير.

هذا هو الصحيح1.
وقيل2: يحذف3.
وإن احتاج لمنصوب لفظا أو محلا، فإن أوقع حذفه في لبس نحو (استعنت واستعان علي زيدبه) 4، أو كان العامل من باب (كان) نحو (كنت وكان زيد صديقا إياه) ، أو من باب (ظن) نحو (ظنّني وظننت زيدا قائما إياه) وجب إضمار المعمول مؤخرا5، كما في الأمثلة.
وإن لم يوقع حذفه في لبس، وكان العامل من غير بابي كان وظنَّ وجب حذف المنصوب6، نحو ضربت وضربني زيد.
وهذا معنى قوله:

(ويحذف منصوبه إن استغني عنه وإلا أخره) . فشمل قوله: (وإلا أخره) ما أوقع حذفه في لبس، وما هو من باب كان أو من باب ظن.
فإن الأول لا يُستغنى عنه لمكان اللبس.
والثاني1 لا يستغنى عنه، [81/أ] لأن أصله المبتدأ، لكن رجح المصنف في التوضيح جواز حذفه إذا كان من باب كان وظن، قال (لأنه حَذْف لدليل) 2. وإن أعملنا الأول أعملنا الأخير في ضميره مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، وهذا معنى قوله: (فيضمر في غيره ما يحتاجه) . نحو قام وقعدا أخواك3 أو (قام وضربتهما أخواك) أو (قام ومررت بهما أخواك) 4. وأجاز بعضهم5 حذف غير المرفوع، وهو ضعيف.

جارٍ التحميل